باب الجنائز
يجوز التداوي اتفاقا ولا ينافي التوكل، ويكره الكي، وتستحب الحمية، ويحرم بمحرم أكلا وشربا وصوت ملهاة لقوله ﷺ "لا تداووا بحرام" ١. وتحرم التميمة وهي عوذة أو خرزة تعلق، ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له،. وعيادة المريض. ولا بأس أن يخبر المريض بما يجد من غير شكوى بعد أن يحمد الله. ويجب الصبر، والشكوى إلى الله لا تنافيه بل هي مطلوبة. ويحسن الظن بالله وجوبا ولا يتمنى الموت لضر نزل به. ويدعو العائد للمريض بالشفاء، فإذا نزل به استحب أن يلقن "لا إله إلا الله" ويوجه إلى القبلة فإذا مات أغمضت عيناه. ولا يقول أهله إلا الكلام الحسن لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون. ويسجى بثوب ويسارع في قضاء دينه وإبراء ذمته من نذر أو كفارة لقوله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " ٢ حسنه الترمذي، ويسن الإسراع في تجهيزه لقوله ﷺ "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" ٣ رواه أبو داود، ويكره النعي وهو النداء بموته.
وغسله والصلاة عليه وحمله وتكفينه ودفنه موجها إلى القبلة فرض كفاية، ويكره أخذ الأجرة على شيء من ذلك، وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة. ويسن للغاسل أن يبدأ بأعضاء الوضوء والميامن، ويغسله ثلاثا أو خمسا، ويكفي
стр. 37
مرة. وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه لقوله ﷺ : "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" ١ صححه الترمذي ولفظه "والطفل يصلى عليه" ٢، ومن تعذر غسله لعدم ماء أو غيره يمم، والواجب في كفنه ثوب يستر جميعه.
فإن لم يجد ما يستره ستر العورة ثم رأسه وما يليه ويجعل على باقي جسده حشيش أو ورق. ويقوم الإمام في الصلاة عليه عند صدر رجل ووسط امرأة، ويكبر فيقرأ الفاتحة، ثم يكبر فيصلي على النبي ﷺ ، ثم يكبر ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة ويقف بعدها قليلا، ثم يسلم واحدة عن يمينه. ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقف مكانه حتى ترفع روي ذلك عن عمر،
ويستحب لمن لم يصل عليها أن يصلي عليها إذا وضعت أو بعد الدفن على القبر ولو جماعة إلى شهر من دفنه، ولا بأس بالدفن ليلا، ويكره عند طلوع الشمس وعند غروبها وقيامها، ويسن الإسراع بها دون الخبب، ويكره جلوس من تبعها حتى توضع على الأرض للدفن، ويكون التابع لها متخشعا متفكرا في مآله، ويكره التبسم والتحدث في أمر الدنيا.
ويستحب أن يدخله قبره من عند رجليه إن كان أسهل، ويكره أن يسجى قبر رجل ولا يكره للرجل دفن امرأة وثم محرم. (واللحد أفضل) من الشق، ويسن تعميقه وتوسيعه، ويكره دفنه في تابوت. ويقول عند وضعه "بسم الله وعلى ملة رسول الله".
ويستحب الدعاء عند القبر بعد الدفن واقفا عنده، ويستحب لمن حضر أن يحثو عليه من قبل رأسه ثلاث حثيات.
ويستحب رفع القبر قدر شبر، ويكره فوقه لقوله ﷺ لعلي: "لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٣ رواه مسلم.
стр. 38
ويرش عليه الماء ويوضع عليه حصباء تحفظ ترابه، ولا بأس بتعليمه بحجر ونحوه ليعرف لما روي في قبر عثمان بن مظعون، ولا يجوز تجصيصه ولا البناء عليه، ويجب هدم البناء ولا يزاد على تراب القبر من غيره للنهي عنه رواه أبو داود. ولا يجوز تقبيله ولا تخليقه ولا تبخيره ولا الجلوس عليه ولا التخلي عليه وكذلك بين القبور، ولا الاستشفاء بترابه. ويحرم إسراجه واتخاذ المسجد عليه ويجب هدمه. ولا يمشي بالنعل في المقبرة للحديث قال أحمد: وإسناده جيد.
وتسن زيارة القبور بلا سفر لقوله ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ١. ولا يجوز للنساء لقوله ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ٢ ورواه أهل السنن، ويكره التمسح به والصلاة عنده وقصده لأجل الدعاء، فهذه من المنكرات بل من شعب الشرك. ويقول الزائر والمار بالقبر: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم".
ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلامه على الحي، وابتداؤه سنة، ورده واجب. ولو سلم على إنسان ثم لقيه ثانيا وثالثا أو أكثر سلم عليه. ولا يجوز الانحناء في السلام ولا يسلم على أجنبية إلا عجوز لا تشتهى. ويسلم عند الانصراف، وإذا دخل على أهله سلم وقال: "اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا". وتسن المصافحة لحديث أنس، ولا يجوز مصافحة المرأة، ويسلم على الصبيان، ويسلم الصغير والقليل والماشي والراكب على ضدهم. وإن بلغه رجل سلام آخر استحب له أن يقول: "عليك وعليه السلام".
стр. 39
ويستحب لكل واحد من المتلاقيين أن يحرص على الابتداء بالسلام ولا يزيد على قوله: "السلام عليكم ورحمه الله وبركاته". وإذا تثاءب كظم ما استطاع فإن غلبه غطى فمه. وإذا عطس خمر وجهه وغض صوته وحمد الله تعالى جهرا بحيث يسمع جليسه، ويقول سامعه: يرحمك الله. ويرد عليه العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم. ولا يشمت من لا يحمد الله. وإن عطس ثانيا وثالثا شمته وبعدها يدعو له بالعافية.
ويجب الاستئذان على من أراد الدخول عليه من قريب وأجنبي، فإن أذن له وإلا رجع، والاستئذان ثلاثا لا يزيد عليها، وصفة الاستئذان: "السلام عليكم. أأدخل؟ " ويجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما.
ويستحب تعزية المصاب بالميت، ويكره الجلوس لها ولا تعيين فيما يقول المعزي، بل يحثه على الصبر ويعده بالأجر، ويدعو للميت ويقول المصاب: "الحمد لله رب العالمين، إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها"، وإن صلى عملا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ١ فحسن، فعله ابن عباس، والصبر واجب.
ولا يكره البكاء على الميت، وتحرم النياحة. والنبي ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة، فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها، والشاقة التي تشق ثوبها ويحرم إظهار الجزع.
стр. 40
كتاب الزكاة
تجب في بهيمة الأنعام والخارج من الأرض والأثمان وعروض التجارة بشروط خمسة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، وتمام الملك والحول، وتجب في مال الصبي والمجنون، روي عن عمر وابن عباس وغيرهما، ولا يعرف لهما مخالف، وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب إلا في السائمة فلا زكاة في وقصها، ولا في الموقوف على غير معين كالمساجد، وتجب في غلة أرض موقوفة على معين.
ومن له دين على مليء كقرض وصداق جرى في حول الزكاة من حين ملكه ويزكيه إذا قبضه أو شيئا منه. وهو ظاهر إجماع الصحابة ولو لم يبلغ المقبوض نصابا، ويجزئ إخراجها قبل قبضه لقيام سبب الوجوب لكن تأخيرها إلى القبض رخصة فليس كتعجيل الزكاة، ولو كان بيده بعض نصاب وباقيه دين أو ضال زكى ما بيده.
وتجب أيضا في دين على غير مليء ومغصوب ومجهود إذا قبضه، روي عن علي وابن عباس للعموم، وإذا استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول الإنتاج السائمة وربح التجارة لقول عمر: "اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم" رواه مالك، ولقول علي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
ويضم المستفاد إلى ما بيده إن كان نصابا من جنسه أو في حكمه كفضة مع ذهب، فإن لم يكن من جنس النصاب ولا في حكمه فله حكم نفسه.
стр. 41
باب زكاة بهيمة الأنعام
لا تجب إلا في السائمة وهي التي ترعى أكثر الحول، فلو اشترى لها أو جمع لها ما تأكل فلا زكاة فيها. وهي ثلاثة أنواع:
(أحدها) : الإبل، فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمسا ففيها شاة. وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه إجماعا في ذلك كله. فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي التي لها سنة. فإن عدمها أجزأه ابن لبون وهو ما له سنتان. وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة لها ثلاث سنين، وفي إحدى وستين جذعة لها أربع سنين، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون. ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. فإذا بلغت مائتين اتفق الفرضان فإن شاء أخرج أربع حقائق، وإن شاء خمس بنات لبون.
(الثاني) : البقر، ولا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة كل منهما له سنة، وفي أربعين مسنة لها سنتان، وفي ستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع،. وفي كل أربعين مسنة.
(الثالث) : الغنم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين. فإن زادت واحدة ففيها ثلاث
стр. 42
شياه إلى ثلاثمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة. ولا يؤخذ تيس ولا هرمة أي كبيرة، ولا ذات عوار أي عيب، ولا تؤخذ الربى وهي التي لها ولد تربيه، ولا حامل، ولا السمينة، ولا خيار المال لقوله ﷺ : "ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره" ١ رواه أبو داود. والخلطة في المواشي تصير المالين كالمال الواحد.
стр. 43
باب زكاة الخارج من الأرض
تجب في كل مكيل مدخر من قوت وغيره بشرطين: أحدهما: بلوغ النصاب وهو خمسة أوسق - والوسق ستون صاعا وتضم ثمرة العام الواحد وزرعه بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. الثاني: أن يكون النصاب مملوكا له وقت الوجوب، فلا تجب فيما يكتسب اللقاط، أو يوهب له، أو يأخذه أجرة لحصاده. ويجب العشر فيما سقي بلا مؤنة، ونصفه بها، وثلاثة أرباع بهما. فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعا، ومع الجهل العشر.
ويجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابسا. ولا يصح شراء زكاته ولا صدقته، فإن رجعت إليه بإرث جاز. ويبعث الإمام خارصا ويكفي واحد، ويترك الخارص له ما يكفيه وعياله رطبا؛ فإن لم يترك فلرب المال أخذه. وكره أحمد الحصاد والجذاذ ليلا، ولا تتكرر زكاة معشرات ولو بقيت أحوالا ما لم تكن للتجارة فتقوم عند كل حول.
стр. 44
باب زكاة النقدين
نصاب الذهب عشرون مثقالا، ونصاب الفضة مائتا درهم. وفي ذلك ربع العشر، ويضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وتضم قيمة العروض إلى كل منهما. ولا زكاة في حلي مباح، فإن أعد للتجارة ففيه الزكاة. ويباح للذكر من الفضة الخاتم، وهو في خنصر يسراه أفضل. وضعف أحمد التختم في اليمين.
ويكره لرجل وامرأة خاتم حديد وصفر ونحاس، نص عليه. ويباح من الفضة قبيعة السيف وحلية المنطقة لأن الصحابة ﵃ اتخذوا المناطق محلاة بالفضة، ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه.
ويحرم تشبه رجل بامرأة وعكسه في لباس وغيره.
стр. 45
باب زكاة العروض
تجب فيها إذ بلغت قيمتها نصابا إذا كانت للتجارة. ولا زكاة فيما أعد للكراء من عقار وحيوان وغيرهما.
стр. 46
باب زكاة الفطر
وهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وهي فرض عين على كل مسلم إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع عنه وعمن يمونه من المسلمين، ولا تلزمه عن الأجير، فإن لم يجد عن الجميع بدأ بنفسه ثم الأقرب فالأقرب. ولا تجب عن الجنين إجماعا، ومن تبرع بمؤنة مسلم شهر رمضان لزمته فطرته. ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر، فإن فعل أثم وقضى، والأفضل يوم العيد قبل الصلاة. والواجب صاع من تمر أو بر أو زبيب أو شعير أو أقط، فإن عدمها أخرج ما يقوم مقامها من قوت البلد. وأحب أحمد تنقية الطعام وحكاه عن ابن سيرين، ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه.
стр. 47
باب: إخراج الزكاة
...
اب إخراج الزكاة
لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه إلا لغيبة الإمام أو المستحق، وكذا الساعي له تأخيرها عند ربها لعذر قحط ونحوه كمجاعة. احتج أحمد بفعل عمر.
стр. 48
باب أهل الزكاة
وهم ثمانية لا يجوز صرفها إلى غيرهم للآية:
الأول والثاني: الفقراء والمساكين. ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه، ولا بأس بمسألة شرب الماء والاستعارة والاستقراض، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري وفك الأسير.
الثالث: العاملون عليها كجاب وكاتب وعداد وكيال، ولا يجوز من ذوي القربى، وإن شاء الإمام أرسله من غير عقد، وإن شاء ذكر له شيئا معلوما.
الرابع: المؤلفة قلوبهم وهم السادات المطاعون في عشائرهم من كافر يرجى إسلامه أو مسلم يرجى بعطائه قوة إيمانه أو إسلام نظيره أو نصحه أو كف شره، ولا يحل للمسلم أن يأخذ ما يعطى لكف شره كرشوة.
الخامس: الرقاب وهم المكاتبون، ويجوز أن يفدى بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة، ويجوز أن يشتري منها رقبة ويعتقها لعموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾
السادس: الغارمون وهم المدينون، وهم ضربان: أحدهما من غرم لإصلاح ذات البين، وهو من تحمل مالا لتسكين فتنة. الثاني: من استدان لنفسه في مباح.
стр. 49
السابع: في سبيل الله وهم الغزاة فيدفع لهم كفاية غزوهم ولو مع غناهم، والحج في سبيل الله.
الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده، فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده. وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله وإن كان جلدا وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه، وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. وإن كان الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب، ويمنع البعيد ولا يحابي بها قريبا، ولا يدفع بها مذمة، ولا يستخدم بها أحدا، ولا يقي بها ماله.
وصدقة التطوع مسنونة كل وقت، وسرا أفضل، وكذلك في الصحة وبطيب نفس، وفي رمضان لفعله ﷺ ، وفي أوقات الحاجة لقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ١. وهي على القريب صدقة وصلة ولاسيما مع العداوة لقوله ﷺ : "تصل من قطعك" ٢ ثم الجار لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ ٣ ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ٤. ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته.
ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه حسن التوكل استحب، لقصة الصديق، وإلا لم يجز ويحجر عليه. ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة. ويحرم المن في الصدقة وهو كبيرة يبطل ثوابها. ومن أخرج شيئا يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه، وكان "عمرو ابن العاص إذا أخرج طعاما لسائل فلم يجده عزله" ويتصدق بالجيد، ولا يقصد الخبيث فيتصدق به، وأفضلها جهد المقل ولا يعارضه خبر: "خير الصدقة ماكان عن ظهر غنى" ٥ المراد جهد المقل بعد حاجة عياله.
стр. 50
كتاب الصيام
صوم رمضان أحد أركان الإسلام، وفرض في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات. ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، ويجب صوم رمضان برؤية هلاله فإن لم ير مع الصحو أكملوا ثلاثين يوما ثم صاموا من غير خلاف. وإذا رأى الهلال كبر ثلاثا وقال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضاه، ربي وربك الله هلال خير ورشد" ١ ويقبل فيه قول واحد عدل حكاه الترمذي عن أكثر العلماء؛ وإن رآه وحده وردت شهادته لزمه الصوم ولا يفطر إلا مع الناس، وإذا رأى هلال شوال لم يفطر.
والمسافر يفطر إذا فارق بيوت قريته، والأفضل له الصوم خروجا من خلاف أكثر العلماء. والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما أبيح لهما الفطر، فإن خافتا على ولديهما فقط أطعمتا عن كل يوم مسكينا. والمريض إذا خاف ضررا كره صومه للآية. من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا. وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو دخل إلى حلقه ماء بلا قصد لم يفطر.
ولا يصح الصوم الواجب إلا بنية من الليل، ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده.
стр. 51
باب ما يفسد الصوم
من أكل أو شرب، أو استعط بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه، أو احتقن أو استقاء فقاء، أو حجم أو احتجم فسد صومه، ولا يفطر ناس بشيء من ذلك. وله الأكل والشرب مع شك في طلوع الفجر لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١.
ومن أفطر بالجماع فعليه كفارة ظهار مع القضاء، وتكره القبلة لمن تتحرك شهوته. ويجب اجتناب كذب وغيبة وشتم ونميمة كل وقت لكن للصائم آكد، ويسن كفه عما يكره، وإن شتمه أحد فليقل: إني صائم.
ويسن تعجيل الفطر إذا تحقق الغروب وله الفطر بغلبة الظن، ويسن تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر، وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل. ويفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى التمر، فإن لم يجد فعلى الماء، ويدعو عند فطره. ومن فطر صائما فله مثل أجره.
ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان والذكر والصدقة. وأفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم، ويسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأيام البيض أفضل، ويسن صوم يوم الخميس والاثنين وستة أيام من شوال ولو متفرقة، وصوم تسع ذي الحجة وآكدها التاسع وهو يوم عرفة
стр. 52
وصوم المحرم وأفضله التاسع والعاشر.
ويسن الجمع بينهما وكل ما ذكر في يوم عاشوراء من الأعمال غير الصيام فلا أصل له، بل هو بدعة. ويكره إفراد رجب بالصوم، وكل حديث في فضل صومه والصلاة فيه فهو كذب.
ويكره إفراد الجمعة بالصوم. ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين. ويكره الوصال. ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق. ويكره صوم الدهر. وليلة القدر معظمة يرجى إجابة الدعاء فيها لقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ١. قال المفسرون: في قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر خالية منها. وسميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، وهي مختصة بالعشر الأواخر وليالي الوتر، وآكدها ليلة سبع وعشرين. ويدعو فيها بما علمه النبي ﷺ لعائشة: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو، فاعف عني" ٢. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.