لا جليًّا ولا خفيًّا» (١).
ثم إنه ثنَّى بالجانب التعبدي الذي به صلاح شأن العبد مع نفسه، وثلث بالجانب الأخلاقي الذي يمثل صلاح شأن العبد في تعامله مع الناس كافة.
طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب:
يقوم بنيان الدين وصرحه المتين على العقيدة أولًا التي هي بمثابة حجر الأساس في بناء صرح هذا الدين العظيم، وعلى هذا الأساس المتين تقوم أركان بنيان العملية التربوية بجميع جوانبها التعبدية والأخلاقية والسلوكية.
وإذا هيمنت تلك العقيدة على نفس المؤمن وسكنت فؤاده، سمت نفسه، وتوجهت نحو الخير وتحلت بكل فضيلة، وتخلت عن كل رذيلة، وأثمرت كل خلق حميد.
ذلك لأن تلك العقيدة بينها وبين جوانب وأركان العملية التربوية صلة وثيقة، لأن العقيدة هي الدافع الذاتي الذي يدفع المؤمن ويقوده نحو الفضائل كلها، وأن رسوخ العقيدة في قلبه يحثه ويؤزه على الخير أزًّا، فيؤدي الفرائض التعبدية بنفس راضية مصحوبة بانشراح صدره وطمأنينة نفسه، ويدفعه لاكتساب مكارم الأخلاق، وإلى حسن معاملة الخلق بالمعروف، وإن في التخلي عن تلك العقيدة أيضًا الدافع الذاتي لهدم الجانب التعبدي والأخلاقي معًا، لأن هذه الجوانب فقدت قاعدة الأساس التي تقوم وترتكز عليها، ألا وهي قاعدة العقيدة الصحيحة والإيمان الراسخ، ولذا كانت أول وصايا لقمان في موعظته لولده بترسيخ العقيدة والنهي عن الشرك المتضمن تحقيق التوحيد؛ لأنه هو الأساس
стр. 562
الذي يحمل فوق هامته العالية جميع الجوانب التعبدية والأخلاقية، فإذا انهدم الأساس سقط ما كان يحمله فوق هامته.
ولعظم شأن العقيدة فإنها تؤثر في جميع جوانب العملية التربوية إيجابًا وسلبًا وذلك لمكانة هذه العقيدة من الدين.
وفي ذلك يقول ابن القيم: «التَّوحيد ألطف شيء، وأنزهه، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيءٍ يخدشه، ويدنّسه، ويؤثّر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون يؤثّر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصَّافية جدًّا أدنى شيءٍ يُؤثر فيها، ولهذا تشوشه: اللَّحظة، واللَّفظة، والشَّهوة الخفيَّة، فإنْ بادر صاحبه وقلعَ ذلك الأثر بضدِّه؛ وإلَّا اِسْتحكم وصارَ طبعًا يتعسّر عليه قلعه» (١).
الارتباط الوثيق بين الجانب الأخلاقي والجانب التعبدي:
إن ارتباط الجانب الأخلاقي بالجانب التعبدي في كتاب الله ارتباط وثيق والرابط بينهما هو ذلك الرباط الوثيق والأساس المكين المتمثل في عقيدة الإسلام الصحيحة والصافية.
وإن المتأمل في العلاقة بين العبادات والأخلاق يجد بينها رباطًا وثيقًا، ويظهر ذلك جليًّا في مقاصدها وأهدافها وغاياتها، فالمتأمل فيها يجد أن جميع تلك الجوانب تعبدية كانت أم أخلاقية إنما هي وسائل لتحقيق غايات عظيمة ومقاصد وأهداف جليلة، من أَجَلِّهَا تحقيق العبودية وامتثال مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.
ومن تلك العبادات أركان الإسلام الأربعة: الصلاة، والصيام، والزكاة،
стр. 563
والحج؛ يجدها كلها وسائل لتحقيق غايات عظيمة، وهي من الأمثلة الحية الشاهدة على الترابط بين العبادة والأخلاق في شريعة الله ﵎.
أولاً: فريضة الصلاة وعلاقتها بالجانب العقدي والأخلاقي:
فالصلاة صلة بين المخلوق الفقير والخالق الغني، وصلاة الجماعة صلة بين المسلم وإخوانه المؤمنين، وفي إقامتها والمواظبة على أدائها تواصل بين الأجيال المؤمنة على مرّ العصور والأزمان، وفي جميع الأمصار وإن تباعدت الأبدان فرابط العبودية لرب واحد وروح معاني الأخوة الإيمانية تجمع أهل الإيمان، ولها تواصل وامتداد عبر الزمان والمكان، والتواصل الروحي بين أهل الإيمان في كل عصر ومصر.
وهي من أعظم العبادات في الإسلام وأحد أركانه العظام، وهي وسيلة عظيمة، من أعظم غاياتها ومقاصدها أن ينتهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، فإذا لم ينته المصلي عن مقصود الصلاة فقد قصرت به تلك الوسيلة العظيمة عن بلوغ مقصودها وغاياتها ألا وهو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
يقول ابن سعدي: «وجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا
стр. 564
من أعظم مقاصدها وثمراتها» (١) انتهى.
ويقول ابن عاشور: «فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله قال: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولم يقل تصد وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر.
ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل، ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة.
ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة، يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر» (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «نَفْسُ فِعْلِ الطَّاعَاتِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْمَعَاصِي، وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَعَاصِي يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَالصَّلَاةُ تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَهْيُهَا عَنِ الذُّنُوبِ، والثَّانِي: تَضَمُّنُهَا ذِكْرُ اللَّهِ» (٣) انتهى.
ويقول ابن كثير: «يَعْنِي: أَنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى تَرْكِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، أيْ: إِنَّ مُوَاظَبَتَهَا تَحْمِلُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ» (٤).
стр. 565
ويقول البقاعي: «أقم الصلاة: أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها، سعيًا في نجاة نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها -وهي الإتيان بها على النحو المرضي- مانعة من الخلل في العمل ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ لأنها الإقبال على مَنْ وَحَّدْتَهُ فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه» (١).
- ويقول ابن تيمية: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. «بَيَانٌ لِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ» (٢).
ويقول معالي الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله: «للصلاة الصحيحة تأثير في سلوك العبد وأعماله الأخرى، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فالذي يصلي بحضور قلبه وخشوع واستحضار لعظمة الله؛ هذا يخرج بصلاة مفيدة نافعة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ويحصل بها على الفلاح.
أما الذي يصلي صلاة صورية؛ من غير حضور قلب، ومن غير خشوع، قلبه في واد وجسمه في واد آخر؛ فهذا لا يحصل من صلاته على طائل» (٣) انتهى.
وعلى هذا فإن كان الإنسان مُقْتَصِدًا في العبادة لكنه حسن الخلق مع الناس، خَيْرٌ له مِنْ أن يكون قَانِتًا عابدًا مسيئًا لعباد الله.
стр. 566
- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا- غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا- وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (١).
«بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ» أي: بقطع منه جمع ثور بالمثلثة وهو قطعة من الأقط ذكره الجوهري (٢).
وفي ذلك ومثله يقول ابن مسعود ﵁: «لَا تَنْفَعُ الصَّلَاةُ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا» ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٣).
فَإن الصلاة الصحيحة أثمرت الكف والانتهاء عن رذائل الأخلاق ومنكراتها، والصلاة ثمرة من ثمار صحة المعتقد، لأن العقيدة هي الدافع لأداء الصلاة، وأنه لا صلاة تامة إلا بأخلاق حميدة، ولهذا تصبح مكارم الأخلاق ثمرة من ثمار العقيدة، وهذا كله يدل على التلازم بين جوانب التربية جميعًا، عقيدة وعبادة وأخلاقًا سلوكًا.
فإذا لم يكن ثَمَّ عقيدة صحيحة تدفع لأداء العبادة على الوجه المشروع
стр. 567
وتحث عليها وتُقَوِّمُ بها الأخلاق وتُصلح ما اختل منها وما أعتل، فلا عبادة ومن ثَمَّ فلا أخلاق، وهذا مما يؤيد ويعاضد من أوجه الترابط والتواثق والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.
وقد مرَّ معنا كثيرًا في طيات البحث الكلام عن مكارم الأخلاق، وأنها غاية من أعظم الغايات التي بُعث النَّبِيُّ ﷺ لتحسينها وإتمامها وإكمالها.
وحينما يعبر النبي ﷺ عن المقصد من مبعثه وبيان الغاية منه بأداة تفيد الحصر وهي كلمة «إنما»، ذلك ليثبت للبشرية قاطبة أن الشريعة السمحة التي بعث بها إنما شرعت لإصلاح هذا الجانب العظيم ولإكماله وإتمامه وتحسينه.
ثانيًا: فريضة الصيام وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق وكذلك الشأن في فرضية الصيام ومشروعيته .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
والصيام من أعظم الوسائل لتحقيق التقوى التي بها جماع الخير كله- وهي الجامع لأمر الاستجابة لله بفعل المأمور وترك المحذور، والصيام الذي يثمر التقوى يقيم سياجًا قويًّا وحصنًا منيعًا بين المؤمن و بين محارم الله تبارك تعالى.
يقول ابن كثير: «لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ النَّفْسِ وَطَهَارَتِهَا وَتَنْقِيَتِهَا مِنَ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيئَةِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ» (١).
والصِّيام سرٌّ خفي بين العبد وربِّه لا يطَّلع عليه إلا هو .
стр. 568
ومن حقائق الصوم ترك ما جبلت عليه النفوس وألفته الطباع من حظوظ النَّفس ومشتهياتها لله ، مع قدرة العبد على ذلك.
وهذا دليل على تمام صدق العبد و كمال إخلاصه لله تعالى، وذلك لعلمه باطلاع ربه عليه ومراقبته له في خلواته وجلواته، فأطاع الله تعالى واستجاب لداعي الإيمان رغبة فيما عند الله من جزيل الثواب، ورهبة فيما عنده من أليم العقاب، ذلك لأن الصِّيام من العبادات الَّتي تسمو بنفس المسلم إلى مرتبة الإيمان ثم ترتقي به إلى درجة الإحسان التي هي أعلى مراتب الدين.
- يقول ابن عاشور ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]: «بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع» (١).
والصيام يقوي إرادة المؤمن ويقرب قلبه من بارئه سبحانه، ويقوي صلته بربه جل في علاه، ويشحذ من عزيمته ويحث على التراحم والود وحسن الصلة بين الصائم وإخوانه المؤمنين، كل ذلك لما له من آثار طيِّبة تربوية وإيمانية وأخلاقية وسلوكية على الفرد المسلم والجماعة المسلمة على حدٍّ سواء مع ما فيه من الترغيب في مجاهدة النفس وكبح لجماحها عن شهواتها، وتزكية لها من أدرانها، وتصفية لها وتنقية لما علق بها من شوائب، مع ما يرغب فيه من الحثّ على اكتساب الفضائل، واجتناب الغوائل والرذائل، ولذا كان من ثمار الصيام وأثره على النفس ما يجده المؤمن من رقة في قلبه وصلاحٍ في نفسه وتهذيبٍ لسمعه وبصره ومنطقه ولفظه وفعله، وتربية نفسه على مراقبة الله وخشيته في علانيته وسره، والمداومة على محاسبة نفسه، وتهذيبٍ لجميع جوارحه، لم لا؟
стр. 569
فالصَّوم مدرسة لتهذيب الأخلاق وتقوية لإرادة المؤمن وتهيئته للتضحية والبذل والسخاء والعطاء لله تعالى، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدور، وطمأنينة القلوب، وهدوء النفوس.
ويقول رشيد رضا: «هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا» (١).
يقول ابن القيم: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تركِّز به ما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكِّر بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتُحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يفيدها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين. وهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها؛ إيثارًا لمحبة الله ومرضاته. وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها» (٢).
ويقول الشوكاني: «قيل: تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة، لأنها تكسر الشهوة وتضعف دواعي المعاصي» (٣).
стр. 570
ويقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (١).
«والصِّيام جُنَّة»: أي: (وقاية) يتوقَّى العبد به الآثام ويستتر به من النَّار، فإن العبد إذا كفَّ نفسه عن الذنوب والآثام والشَّهوات المحرمة في الدُّنيا كان ذلك سترًا له من نار جهنم في الآخرة.
ففي الصومِ وقايةٌ من المأثم، لأنه يُعوِّد المسلم على خلق العفة والطهارة والمراقبة والخشية، ويحجبه عن هواجس النفس وثورات الشهوات المحرمة المستعرة، وهو أيضًا وقايةٌ لها من كل داء.
ويقول الألوسي: «أي: كي تحذروا المعاصي، فإن الصوم يعقم الشهوة التي هي أمها، أو يكسرها.
فقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (٢).
стр. 571
ولقد بين النبي ﷺ أن الغاية العظمى التي يجنيها المؤمن من الصيام هي الخلق الحسن، الذي هو أعظم ثمار الصيام الصحيح، فمن لم يصم صومًا صحيحًا فمن أين يجني تلك الثمار؟.
- وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١).
- والصوم يقوّم النفس ويصلحها ويهذبها وينقيها من الشوائب والأخلاقيات الرديئة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
قال البغوي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]: «يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات» (٢).
فالصوم يكسو النفس المؤمنة لباس التقوى، ويتميز الصوم من بين سائر العبادات بأن فيه قمعًا لغرائز الصائم عن الاسترسال في شهواتها، التي هي أصل البلاء على النفس والبدن والروح على حدٍّ سواء، ففيه فطامٌ لها عن ملذاتها ومحبوباتها ومشتهياتها ومألوفاتها، والصوم مؤدب ومهذب وكابح تربوي وإيماني وأخلاقي لتلك الشهوات، لأنه يصرف وساوس الشَّيطان وكيده وتدبيره
стр. 572
عن العبد، وهو مهذب لتلك النفس وحاد لسلطانها.
وإن في التقرُّب إلى الله بترك الحلال الطيب المباح حال الصَّيام خير معين للعبد على ترك الخبيث الحرام في غير الصيام، وهذا من دلائل أوجه التلازم بين جوانب التربية قاطبة في هذا الجانب العظيم.
ثالثًا: فريضة الزكاة وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:
مقاصد الزكاة وعلاقتها بالأخلاق والعقيدة:
وإن الله تعالى لا يشرع لعباده إلا ما فيه صلاح شأنهم كله في معاشهم ومعادهم، وما فيه تحقيق للغايات والمقاصد الحسنة التي تتحقق معها مصالحهم الدينية والدنيوية، ومن هذه الوسائل العظيمة الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام العظام.
ومن الثمار الطيبة التي تُجنَى من جراء إيتاء الزكاة جملة من الروابط الأخلاقية التي تدل على التلازم بينها وبين تلك الشعيرة العظيمة، والتي من أبرزها ما يلي:
١ - تزكية النفس وتطهيرها من داء الشح والبخل:
إن حب المال غريزة تحمل الإنسان على حب المال وكنزه وإمساكه عن الإنفاق والبذل، فأوجب الشرع المطهر أداء الزكاة تطهيرًا للنفس، وإزالة حب المال منها ببذله تقربًا وطاعة لله تعالى.
وإنما شرعت الزكاة وفرضت تزكية لتلك النفس وتربية لها على التخلق بخلق الجود والكرم وترك الشح والبخل؛ لأن النفس جبلت على الشح والبخل ومحبة المال وكنزه وإمساكه إلا من رحم الله، فتتعود بإيتاء الزكاة الأخلاق
стр. 573
الطيبة من الكرم والجود وسخاء النفس وسماحتها، وتتريض على أداء الأمانات لأهلها وإيصال الحقوق لأصحابها، وهذه غايات حميدة وأخلاق كريمة ومقاصد جليلة أرادها الشارع الحكيم تربية للمؤمن وتزكية لنفسه وتنقية لها من البطر وتطهيرًا لها من دنس الأثرَة والأنانية وحب الذات واستئثارها بالمال وسد أبواب الشيطان عليها الذي يأمرها بالشح والبخل خوفًا من الفقر والعيلة، وإذا تطهرت النفس من أدرانها صلحت وخرجت من وصف الشح والبخل إلى وصف الجود والكرم والإحسان.
٢ - الزكاة مطهرة للعبد من الذنوب وتزكية له ولماله:
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
يقول الطبري: «يقول -تعالى ذكره- لنبيه ﷺ : يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يقول: وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها إلى منازل أهل الإخلاص» (١).
يقول ابن سعدي: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» (٢).
والمسلم إذا تطهر من شح نفسه وبخلها، وألف إنفاق المال وبذله لله، وإيصاله لمستحقيه، قوي قلبه وزكت نفسه، وارتقى من وحل البخل والشح،
стр. 574
وسلك مسلك المفلحين كما قال ربنا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٥ - ١٦].
والشحُّ من كسب النفس الأمارة بالسوء؛ ولذا نُسِبَ إليها كما قال ربنا: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦].
٣ - الزكاة تربية للمؤمن على التراحم وخلق شعور الجسد الواحد ومبدأ التكافل الاجتماعي:
إن روابط الأخوة الإيمانية والألفة والمحبة ثمرة من ثمار أداء الزكاة ودفعها لمستحقيها؛ لأن النفوس مجبولة على محبة ومودة من يحسن إليها، وبذلك التكافل الاجتماعي يعيش المسلم في مجتمع أخوي يسوده الحب والود والوئام.
و بذلك تشيع روح المحبة والترابط بين أفراد المجتمع وتذوب الفوارق الاجتماعية، ويصبح أفراد المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وهذه الأخلاق الحميدة من مقاصد الشريعة في الزكاة.
٤ - تطهير المجتمع من الآفات الاجتماعية الحسية والمعنوية:
ولا شك أن أداء الزكاة لمستحقيها فيه وأد وحسم لمادة الحقد والحسد والكراهية والضغينة والبغضاء، واقتلاع جذور تلك الأمراض من النفوس وإبعاد لها، وفي أدائها أيضًا الحد من الجريمة ومن أسباب التعدي على أموال الأغنياء بالسرقة، والنهب وغير ذلك، والحد أيضًا من سفك الدماء وجريمة القتل التي تنجم غالبًا عن السطو على أموال ذوي اليسار من الناس بسبب التطلع لما في أيديهم والطمع فيه.
стр. 575
ومما سبق يتبين العلاقة بين الزكاة وبين الأخلاق وتقويمها، ومع هذا فإنها عبادة وركن من أركان الإسلام يؤديها المسلم طواعية لله تعالى معتقدًا فرضيتها متعبدًا لله بوجوب أدائها لمستحقيها. والحمد لله رب العالمين.
رابعًا: فريضة الحج وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:
العلاقة بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق في شعيرة الحج:
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، يقول الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
إن من أهم مقاصد الشريعة العظيمة في الحج، تربية النفس على الأخلاق العالية بكل معانيها وصورها، ففيه معاني التربية على خلق إخلاص العمل لله تعالى وتجريده سبحانه بالقصد دون ما سواه من المخلوقين، وكذلك خلق التجرد في الاتباع وتجنب الابتداع في الدين، وتجريد النبي ﷺ بهذا المقصد العظيم، وفيه معاني التربية على خلق التقوى والمراقبة له سبحانه وحده لا شريك له، وفيه معاني التربية على مكارم الأخلاق وجميل الصفات مع الناس، وترويضها على محاسن الطباع، والترقي بها في مدارج أهل التقى والصلاح، والحج فيه معاني التربية على الترفع عن الشهوات المباحة لتتروض النفس على الترفع عن الشهوات المحرمة، وفيه معاني التربية على حسن التعامل مع الناس وتحمل الأذى منهم، والصبر على ذلك كله ابتغاء مرضات الله تعالى.
أولاً: الأخلاق مع الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 576
- قال ابن سعدي: «بإخلاصهما لله تعالى» (١).
وهذا الخلق -أعني: الإخلاص- متعلق بتعلق القلب بالله وتجريد العمل له سبحانه، وهذا من أعلى مقامات الأخلاق في التعامل مع الله تعالى.
والنبي ﷺ يحج متواضعًا لله ويدعوه أن يجنبه الرياء.
- فعن أنس ﵁ قال: حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلِ قَطِيفَةٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، ثم قال: «اللَّهُمَّ حَجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» (٢).
ومن هذا الحديث نستنبط خلقين كريمين متلازمين مع عبادة الحج ألا وهما: خلق التواضع لله، وخلق إخلاص العمل له .
ثانيًا الأخلاق مع الرسول ﷺ -:
أخرج الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في «صحيحه» من حديث جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٣).
ولا شك أن هذا الحديث أصل في الاتباع، وهذا الجانب الخلقي العظيم هو من أَجَلِّ أخلاق المؤمن مع النبي الكريم ﷺ في تعظيم شريعته، واتباع سنته، والتمسك بطريقته بلزوم الاتباع واجتناب الابتداع.
يقول أبو إسحاق الرقي: «علامة محبة الله: إيثار طاعته، ومتابعة رسوله
стр. 577
- ﷺ » (١).
ويقول ابن أبي العز: «والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على الهوى والابتداع» (٢).
ثالثًا: الأخلاق مع الناس:
ومن الأخلاق المتلازمة مع فريضة الحج، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك حسب القدرة والطاقة، وحسن الخلق مع الناس والتعامل معهم بإحسان؛ ويَتمثل ذلك ويَتأكد أكثر في مشاهد الزحام الشديد في المناسك ومشاعر الحج وما ينبغي أن يكون ملازمًا للمسلم من خلق التراحم والإيثار والشفقة والحلم وانضباط للنفس وكبح لجماحها عن كل شرّ مع كتم الغيظ والعفو عن المسيء من الناس وترك المراء والجدال بالباطل، والتباعد والتجافي عن سيئ الأخلاق ورديئها، والصبر على الأذى في ذات الله، مع تحمل المشاق والصعاب في إتمام النسك على الوجه المشروع دون إيذاء لأحد، وخدمة الحجيج ولا سيما الضعفاء وذوي الحاجة منهم، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وطيب الكلام، والدفع بالتي هي أحسن، مع بذل المعروف عمومًا لكل أحد، مع كمال وتمام حبس الجوارح وكفها عن كل مكروه، ولا سيما جارحتي اللسان والبصر خاصة مع كثرة الاختلاط الذي يحتاج للصبر عن معصية الله، ولا سيما وقت التزاحم والتدافع واجتماع الحجيج.
стр. 578
وهذه الآداب الشرعية وغيرها، هي جملة من الأخلاق الحميدة المقصودة في الشرع من هذه الشعيرة العظيمة، والتي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في حجه.
- والإحسان للعباد من بِرِّ الحج، لما ثبت من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: «إيمانٌ بالله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرورٌ» (١).
وفي معنى الحج المبرور يقول القرطبي: «فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم، وقيل: المتقبَّل، وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمْعَة» (٢).
ويقول البغوي: «الحج المبرور قيل: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم، والبيع المبرور: الذي لا خيانة فيه ولا شبهة» (٣).
والبر عمومًا: هو حُسن الخُلق.
والبر في الحج يُطلق على معانٍ عدة:
- منها: الإحسان إلى عموم الناس
- ومنها: فعل الطاعات وسائر القربات
- ومنها: ألا يأتي فيه معصيةَ اللهِ تعالى، ولا يعقبه بمعصية.
ولا شك أن ترك المأثم من أَجَلِّ الأخلاق وأرفعها؛ لأن الحج فيه تربية للنفس على تهذيب الأخلاق وتعويدها وترويضها على تحمل الأذى والمكاره وبذل الندى والمعروف والإحسان إلى الخلق مع الصبر على ذلك كله ابتغاء
стр. 579
رضوان الله تعالى، وتعلم الشجاعة ونزع الضعف والكسل والدعة والإحجام عن أداء الواجبات من تلك النفس، وتنمية أخلاق الصابرين فيها، وغرس خلق الإيثار والبذل والكرم والجود والعطاء والسخاء وحب الخير للغير؛ ولذلك يقول ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١).
والخلاصة:
أن العبادات عمومًا لها دور بارز في إصلاح النفس وتوجيهها إلى مكارم الأخلاق، وتزكيتها من كل شائبة، وقد سبق معنا بيان ذلك، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك لِمَا تجدده من معاني الإيمان؛ لأنها تجدد الصلة بالله في أوقات متفرقة ومتجددة يوميًّا في طرفي النهار ووسطه وآخره، والزكاة في طياتها معاني تزكية النفس من البخل والشح والأنانية وحب الذات، مع ما تجلبه للعبد من تطهير لماله ونماء له بإخلاف الله عليه، وما يجعل سبحانه من البركة للعبد في ماله ونفسه، وكذلك الصيام فرضه الله تزكية لعباده وتربية لهم على الخشية والمراقبة والكف عن الشهوات لتتحقق لهم مرتبة التقوى، وكذلك شعيرة الحج وما يترتب عليها من تحصيل المراتب العالية من جليل وجميل الصفات، وتحقيق معاني الأخوة الإيمانية، وما يترتب من جراء ذلك من تزكية للنفس وتربية لها على البذل والتضحية في ذات الله وابتغاء مرضاته، فالعبادات في الإسلام عمومًا بينها وبين تزكية النفس وتربيتها على مكارم الأخلاق ترابط وتلازم لا ينفكان أبدًا، ولذا عقد ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين» فصلًا بعنوان: (الدين كله خلق)، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين (٢).
стр. 580
فالعقيدة الصحيحة تدفع المؤمن لأداء العبادات على الوجه المطلوب تقربًا لله تعالى، والعبادة الصحيحة هي التي تترك أثرًا وانطباعًا على سلوك المؤمن وأخلاقه، وهذا تلازم وترابط لا ينفك أبدًا بين تلك الجوانب جميعًا.
وأخيرًا:
فهذا بيان لتأكيد التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا مصحوبًا بأمثلة من كتاب الله تعالى.
وإن المتأمل في كتاب الله خاصة في القرآن المكي يجد ذلك واضحًا جليًّا، وأشير فقط لمواضع من كتاب الله ليتأمل من أراد الاستزادة.
المثال الأول:
يقول الله تعالى في سورة البقرة: -الآية (١٧٧) - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
يتبين في الآية السابقة من سورة البقرة -وهي مدنية- التلازم والترابط بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق، ففي الآية الكريمة نرى تلازمًا وترابطًا بين جملة من الأخلاق وهي إنفاق المال على حبه وإيتائه لمستحقيه، وبين جملة من العبادات المحضة كالصلاة والزكاة، والوفاء بالعهد والصبر وهما من مكارم الأخلاق، وجعل كل ما سبق من العبادات والأخلاق الحسنة والأخلاق الكريمة من علامات الإيمان وخصاله الدالة عليه.
стр. 581
المثال الثاني:
صدر سورة المؤمنون -وهي مكية- الآيات من ٩: ١: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ [المؤمنون: ١ - ٩].
فالمتأمل في تلك الآيات يجد الترابط والتلازم بين الإيمان والعبادة والأخلاق، فالآيات افتتحت بالصلاة وختمت بها مع ما تضمنته بين الافتتاح والخاتمة من وصف الإيمان وفلاح أهله وبيان لبعض العبادات كالزكاة، ثم بيان لجملة من أخلاق أهل الإيمان، وفي ذلك برهان ساطع على التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا.
المثال الثالث:
في سورة المعارج -وهي مكية- الآيات: من ٢: ٣٤: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ
стр. 582
وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ [المعارج: ١ - ٣٤].
يجد المتأمل تلازمًا بين تلك الجوانب جميعًا، فجاء التلازم بين فريضتي الصلاة والزكاة والإيمان في ثلاث آيات متتابعات ثم تلتها عقب ذلك جملة من مكارم الأخلاق، ثم ختم الأمر بالمحافظة على الصلاة، ولا ريب أن في ذلك أوضح الدلالات على التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا.
المثال الرابع:
في سورة الفرقان -وهي مكية- في محض الكلام عن صفات عباد الرحمن، الآيات: من ٦٣: ٦٨: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٨].
يجد المتأمل هذا التلازم جليًّا للعيان، ففي الآية الأولى ذكر أخص صفتين من صفات عباد الرحمن، وهما صفتا التواضع وحسن مخاطبة الجاهلين، وهذا في الجانب الأخلاقي، ثم ثنى بوصف تهجدهم في الليل، وهذا في الجانب التعبدي، ثم ثلث بوصف شفقتهم وخوفهم من عذاب الله، وهذا جانب إيماني
стр. 583
عقدي، فجمع بين الإيمان والإقرار باليوم الآخر والخوف من عذاب الله، وكلاهما جانب عقدي، ثم بتتابع الآيات يتجلى الأمر كذلك جليًّا ليؤكد الترابط والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.
المثال الخامس والأخير:
في سورة لقمان -وهي مكية- الآيات: من ١٢: ١٩ - وهي موضوع بحثنا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩].
ففي مطلع الآيات ورد الأمر بنبذ الشرك، وهو أمر عقدي، وتعقبه بالأمر ببر الوالدين وهو أمر خلقي، ثم الأمر باتباع سبيل المؤمنين وهو أمر تعبدي، ثم تلاه بيان سعة علم الله واطلاعه على خلقه وهو أمر عقدي، ثم تلاه الأمر بإقام الصلاة وهو أمر تعبدي، ثم تلاه الأمر بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر والصبر على ذلك وهو أمر تعبدي، ثم الأمر بالتواضع والنهي عن
стр. 584
التكبر، ثم الأمر بخفض الصوت وهذا كله في الجانب الخلقي، ويتبين مما سلف وضوح الترابط والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.
- ومثال ذلك من السنة حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» (١).
فجمع الحديث بين تلك الجوانب جميعًا.
ومما لا شك فيه أن من أشد المعضلات التي تعاني منها المجتمعات المسلمة اليوم أن في جنبات بعض أبنائها المنتسبين لهذا الدين العظيم، وجود انفصام بين العلم والعمل، وبين العبادة وبين تحقيق جَني ثمارِها اليانعة وآثارها الطيبة المرجو قطافها من أثر تلك العبادة والتي من أعظمها وأَجَلِّها الجانب الخلقي، حيث أصبحت تأدية العبادة عند البعض أشبه بعبادات شكلية ظاهرة، مع أن البواطن لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، لكن هذه العبادات لها آثار حميدة وغايات طيبة يجب أن تتجلى وتظهر على صاحبها في حركاته وسكناته، ومن أهمها وأَجَلِّهَا حسن الخلق.
إذًا فهناك خلل وانفصام واضح وكبير بين أداء تلك الشعائر التعبدية، وبين السعي الحثيث لتحقيق غاياتها ومقاصدها وأهدافها.
ولعل السبب الرئيس لهذا السلوك البعد والتخلي عن منهج التربية الإيمانية المتكاملة التي يتجلى فيها جانب الترابط والتلازم والتعاضد بين جوانب التربية
стр. 585
جميعًا، عقيدة وعبادة وسلوكًا وأخلاقًا، فلو أن المؤمن استقام على أمر الله تعالى ولم يخالف قوُلُه فِعلَهُ، وحقق الغايات والمقاصد التي من أجلها شُرعت تلك العبادات؛ لأصلح الله أحوال البلاد والعباد، وتم بذلك درء الكثير من الآفات والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الانفصام بين العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي العملي، والتي أفسدت على كثير من الناس أحوالهم ونكدت عليهم صفو حياتهم ومعيشتهم.
وفي مثل ذلك يقول ربنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤].
فالإسلام بنيان مرصوص تام كامل لا يتجزأ، تراه مترابطًا في كل جوانبه «العقدية والتعبدية والأخلاقية».
وفي نحو هذا الصدد يقول أبو حامد الغزالي: «الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة» (١).
ولهذا كانت موعظة لقمان الحكيم لابنه منهاجًا تربويًّا متكامل الأركان تام البنيان شمل جميع جوانب التربية الإيمانية عقيدة وعبادة وأخلاقًا.
وختامًا:
فما أحوج الأب والمربي والداعي وكل من تصدر للتربية والتعليم والدعوة
стр. 586
والإصلاح والتوجيه والإرشاد أن يتأمل تلك الوصايا الجامعة النافعة والصادرة من مرب حكيم، لتربية الأجيال تربية صالحة في ضوء هذا المنهج التربوي المتكامل الأركان التام البنيان.
وبهذا ينتهي المبحث الرابع
والحمد لله رب العالمين.
стр. 587
خاتمة البحث
وفيها:
١ - أبرز النتائج
٢ - أهم التوصيات.
стр. 588
١ - أبرز النتائج .
لقد دعا الله عباده لتدبر كتابه ليهتدوا بهداياته، فقال سبحانه في وصف كتابه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، ومن تدبر وتأمل كتابَ الله تيقن أنه كتاب هداية، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور، قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
فالقرآن كتاب هداية يَسْتَقي منه العبادُ سبلَ الهدى والرشاد، ويهتدون به لأقوم الطرق والشرائع وأعدلها، وأوضح السبل وأسدها وأصوبها، وهي سبل النبيين والمرسلين ﵈، فمن اهتدى بهداية القرآن؛ كان من أكمل الناس وأقومهم سبيلًا، وأهداهم وأحسنهم طريقًا، وأعدلهم حكمًا، وأصوبهم وأرشدهم رأيًا في جميع شأنه كله.
والمسلمون في أَمَسِّ الحاجة للعودة لهذا المنهل العذب الذي يجب عليهم أن ينهلوا من معينه الصافي مصادر التربية والتوجيه والإصلاح في كل زمان ومكان، ولا سيما في زمن تشعبت بهم فيه السبل وكثرت فيه موارد التربية وتنوعت فيه مصادر التلقي، والله من رحمته بعباده لم يتركهم سدى ولم يدعهم هملًا ولا حيارى تائهين، بل دلهم على ما فيه عزهم وصلاحهم وفلاحهم
стр. 589
وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإن أخذوا بهدايات كتاب ربهم فقد اهتدوا للتي هي أقوم، وسلكوا بهداياته سبل السلام، وأخرجهم به ربهم من الظلمات إلى النور بإذنه وهداهم إلى صراطه المستقيم، صراط الله العزيز الحميد.
وإن أقوم طرق التربية الإيمانية المتكاملة هي التي تُسْتَقَى من هذا الكتاب المبارك، ومما ورد من تلك المناهج في كتاب الله ، منهج لقمان التربوي المتكامل في ضوء موعظته ووصاياه لابنه، وقد مرّ معنا بيان هذا المنهج الحكيم الذي حاز تزكية الرب ﵎ وثناءه على المربي الحكيم، ومنهجه القويم، وخلد ذكره في كتابه ليكون عبرة لكل معتبر، ومنهجًا أصيلًا وموردًا عذبًا زلالًا لكل وارد ظمآن، ليرتوي من معين هذا المنهج المبارك، وسبيلًا رشيدًا لكل حيران يبحث عن سبيل النجاة وسلوك طريق الهدى الرشاد.
والباحث بعد أن نهل من هذا المورد العذب الزلال توصل بحمد الله لنتائج جمة يبرز أهمها فيما يلي:
أولاً: عظم شأن التوحيد:
وأنه أول واجب على العبيد، ولذا بدأ لقمان بالأمر بنبذ الشرك المتضمن تحقيق التوحيد الذي هو أعظم حق من حقوق الله في رقاب جميع العبيد، فيجب العناية بهذا الجانب لعظم شأنه ولما يترتب عليه من حسن العاقبة في العاجل والآجل.
ثانيًا: مكانة بر الوالدين من الدين:
إن مجيء الوصية بحق الوالدين في غير ما موضع من كتاب الله مقترنة بأعظم الحقوق وأَجَلِّهَا ألا وهو حق الله في توحيده وإفراده بالعبودية، فيه دلالة قاطعة
стр. 590
على عظم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما، ثم الوصية بالأم خاصة فيه إشارة ودلالة على مكانتها وفضلها وعظيم قدرها وحقها ووجوب برها والعناية بها عناية خاصة، وإن برّ الوالدين من أوجب الواجبات المتحتمات في جميع الأحوال والأوقات.
ثالثًا: وجوب برِّ الوالدين ولو كانا مشركين:
إن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ طاعة مطلقة، وطاعة سائر المخلوقين طاعة مقيدة بالمعروف -ومنها طاعة الوالدين- لا تكون كذلك إلا في المعروف، أما إنْ أمرا بالشرك وما دونه من المعاصي فلا سمع لهما هنا ولا طاعة، هذا مع وجوب برهما وشكرهما بعد شكر الله تعالى والإحسان إليهما من كل الوجوه ولو كانا كافرين.
رابعًا: وجوب اتباع سبيل المؤمنين:
بيان عظم شأن الوصية بلزوم الجماعة المسلمة، ووجوب اتباع سبيل المؤمنين المنيبين، ولزوم طريق السلف عقيدة وشريعة وأخلاقًا ومنهاجًا، وعدم شق عصا الطاعة بالخروج عن الجماعة المسلمة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
خامسًا: وجوب تعظيم الله تعالى:
وجوب تعظيم الله وإجلاله، لعظمته وسعة علمه واطلاعه على خلقه وإحاطة علمه وقدرته بجميع مخلوقاته.
وهذا لا يتأتى لأحد إلا إذا صلح قلبه وأصبح ممتلئًا بمحبة الله وخشيته ومداومة مراقبته وذكره، والخوف منه ومن قربان محارمه، وغشيان معاصيه،
стр. 591
والقرب مما يسخطه ويمقته ، وهذه أَجَلُّ علامات يقظة القلب وعلامات تعظيم الله وإجلاله سبحانه جل في علاه.
سادسًا: بيان مكانة الصلاة من الدين:
إن الصلاة من أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، وأنها من أعظم وأَجَلِّ وسائل التربية الإيمانية العملية، ومن أهم وسائل الثبات على الحق ذلك لما لها من عظيم الأثر في تقويم الأخلاق وتحقيق الخشية لله وإدامة المراقبة له .
سابعًا: وجوب الدعوة إلى الله وتحمل المشاق في سبيلها:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة من أهم وسائل الإصلاح للفرد والجماعة، وهي بمثابة الحصن الحصين والدرع الواقي للمجتمع المسلم، وأن القيام بهذه الشعيرة من أوجب الواجبات وأهم المهمات، وأن تركها له أسوأ العواقب الوخيمة، وبسبب إهمالها تحل النكبات وتتنزل العقوبات، وأن القائم بهذه الشعيرة لا بد له من مواجهة المجتمع فلا بد له من الصبر على إبلاغ الحق، والصبر على الأذى الذي قد يقع له من بعض الخلق.
ثامنًا: ذم الكبر ووجوب الحذر منه:
الكبر من الصفات الذميمة والخصال الذميمة التي يجب أن يترفع عنها المؤمن، وهي من أعظم أسباب حلول سخط الله ونقمته ومقته وغضبه على المتلبس بها، وصاحبها متوعد بأشد العقوبة في الآخرة، لأنه منازع الرب العظيم أخص صفاته، هذا مع ما يقع من بغض العباد له، والنفور منه ومن معاشرته ومخالطته.
стр. 592
تاسعًا: وجوب تواضع العبد لله:
التواضع من أخص صفات المؤمنين، ومن هدي عباد الله المخبتين، ودلهم، وسمتهم. والتواضع يدلل على رجاحة العقل وحسن الخلق والاعتزاز بالدين، فيجب على المؤمن الحرص على التخلق بهذا الخلق العظيم، تواضعًا وتذللًا لله وإخباتًا وإنابة إليه.
عاشرًا: ذم علو الصوت لغير حاجة:
التأدب مع الناس مطلب شرعي عزيز المنال، وإن خفض الصوت مع المُخَاطَب دلالة على حسن الأدب معه، مع ما يزين صاحبه بالسكينة والوقار، وإن علو الصوت يوقع بصاحبه المذمة والتشبه بأخس المخلوقات، فالترفع عنه واجب من أهم الواجبات.
стр. 593
٢ - أهم التوصيات
يوصي الباحث بما يلي:
أولاً: بالاعتصام بحبل الله المتين، والتمسك بكتاب الله المبين، والأخذ بهداياته، وكذلك بالتمسك بالسنة المطهرة، فهي مفسرة لمجمل القرآن، ومبينة وموضحة لهداياته.
ثانيًا: بالاستفادة من وصايا لقمان خصوصًا لأنها من النماذج التربوية الفريدة والمتكاملة، ولا سيما في مناهج إعداد المعلمين والدعاة، ومناهج الدراسات الشرعية، وسائر المؤسسات التعليمية والدعوية والتربوية والإصلاحية، ومن ثَمَّ تصبح من المقررات الدراسية في محافل التعليم النظامية والرسمية، والغاية من ذلك هو إخراج جيل مسلم صالح مرتبط بهدايات القرآن، مستضيء بنوره، مهيأ للاستخلاف في الأرض.
ثالثًا: بالعناية بالتربية الكاملة وإصلاح مناهج التربية والتعليم في جميع مراحلها وروافدها، وتأسيسها على ضوء مبادئ الدين الحنيف، وأصول الشريعة الغراء، من جميع جوانبها -عقيدة وشريعة ومنهاجًا- عبادة وسلوكًا وأخلاقًا- والعناية بالناشئة والأخذ بنواصيهم نحو سبل الرشاد، ودلالتهم على الخير وحثهم على التمسك بالفضائل والترفع عن الرذائل ومهاوي الردى.
стр. 594
رابعًا: بالعناية بدور روافد التربية ووجوب أداء كل منها ما يجب عليه تجاه الناشئة على أتم الوجوه وأكملها وأحسنها، كما يوصي بضرورة الترابط بين واجبات تلك الروافد مجتمعة، وعدم التناقض بينها ليخرج للأمة جيل صالح متزن متكامل الشخصية صحيح البناء، ليس لديه انفصام في فهم الدين والعمل به.
خامسًا: كما يوصي كذلك بضرورة وجود القدوة الصالحة ذات المقومات التربوية المتكاملة والمتمثلة في المربي الصالح، من الآباء والمربين والدعاة والمعلمين وسائر المصلحين، والعناية البالغة بهذا الجانب المهم لما لها من عظيم الأثر في نفوس الناشئة.
وأخيرًا:
فإن الباحث قد بذل ما في وسعه لإكمال هذا البحث وإتمامه، على وجه يرجو به حسنه وكماله، لتبرأ به الذمة، راجيًا نفعه لعموم الأمة، ولم يأل في ذلك جهدًا، وبذل له من عمره زمنًا ووقتًا، فلم يبخل ببذل وقت نفيس، ولا التضحية بزمن غالٍ عزيز، والكمال لدى عموم البشر مطلب بعيد المنال، شبيه بالمحال، لأن الإنسان محل للخطأ والنسيان. والبحث ما يزال يحتاج لتنقيب، ولجهد كل باحث لبيب، فلعل الله ييسر له من يزيد الحق وضوحًا، ويكون بذلك للأمة أمينًا نصوحًا، ويقرب تلك المعاني، لطالب الحق، من كل قاصٍ أو دان.
ولعل في هذا كفاية لمن أراد الانطلاق والبداية لتحقيق تلك الغاية.
ولقد صَدَقَ القاضي الفاضل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسانيّ لما قال: «إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلَّا قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ،
стр. 595
ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ» (١).
ومسك الختام بكلام نفيس لإمام ناصح ليس عنده تدليس .
فهذه كلمات معبرات وحروف مؤثرات، انطلقت من قلب وعقل عالم إمام وحبر همام، كان وما يزال قدوة للأنام، على مرّ الدهور والأعوام؛ ألا وهو ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث يقول: «فيا أيها الناظر فيه، لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه كدره، وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك، وبنات أفكاره تُزفّ إليك، فإن صادفت كفئًا كريمًا، لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فالله المستعان، وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا وإحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا، واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته، وسيئاته لحسناته؛ فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذي يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن
стр. 596
الهوى، ونطقه وحي يوحى؟ فما صح عنه فهو نقل مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا، وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا» (١).
ولعل فيما مضى معتبرًا لأهل البحث والنظر، والباحث لا يزعم أنه أتى بجديد، ولكن-حسبه- قول ربنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أملاه
الفقير إلى عفو ربه الباري
الباحث
أبوعبد الرحمن عرفة بن طنطاوي
arafatantawy@hotmil.com
стр. 597
فهرس: أهم المصادر والمراجع
ترتيب (ألف بائي)
[١] القرآن الكريم. -طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية. …
(أ)
[٢] أصول التربية الإسلامية. الحازمي: خالد بن حامد، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، ط ١ (١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م).
[٣] أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع. النحلاوي- عبد الرحمن، دار الفكر- ط ٢٥ - (هـ ١٤٢٨).
[٤] أحكام القرآن. المالكي: ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الثالثة (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، عدد الأجزاء: أربعة أجزاء.
[٥] أحكام القرآن. الجصاص: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى (١٤١٥ هـ- ١٩٩٤ م) عدد الأجزاء: ٣.
стр. 598
[٦] أُسد الغابة في معرفة الصحابة. ابن الأثير: عز الدين بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، دار إحياء التراث العربي -بيروت.
[٧] أخلاقنا. جوهري: محمد ربيع -طـ ٢ - توزيع دار الاعتصام (١٤١٨ هـ).
[٨] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد ابن المختار الجكني، دار الفكر، سنة النشر: (١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م) عدد الأجزاء: تسعة أجزاء.
[٩] أنوار التنزيل وأسرار التأويل «تفسير البيضاوي». البيضاوي: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي-بيروت- ط ١ (١٤١٨ هـ) عدد الأجزاء: خمسة أجزاء.
[١٠] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان. ابن القيم: الإمام محمد بن أبي بكر، تحقيق: محمد حامد الفقي -دار المعرفة- الطبعة: الثانية (١٣٩٥ هـ).
[١١] إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. الألباني: محمد ناصر الدين، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي -بيروت- الطبعة: الثانية (١٤٠٥ هـ- ١٩٨٥ م)، عدد الأجزاء: ٩ (٨، ومجلد للفهارس.
[١٢] إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم «تفسير أبي السعود». أبو السعود العمادي: محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، دار إحياء التراث العربي، بتصوير الطبعة المصرية، تحقيق، محمد عبد السلام محمد - ط ١ - (١٤٠٨ هـ) عدد الأجزاء: تسعة أجزاء.
стр. 599
[١٣] آداب الزفاف في السنة المطهرة. الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري، الطبعة: الطبعة الشرعية الوحيدة (١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م) عدد الأجزاء: ١.
[١٤] الأعلام. الزركلي: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي، دار العلم للملايين -ط ١٥ - أيار/ مايو ٢٠٠٢ م.
[١٥] إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد. مشهور بن حسن بن سلمان. -دار المنار- الخرج، ط ٢.
[١٦] الاستيعاب في معرفة الأصحاب. يوسف بن عبد البر القرطبي الأندلسي، دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان الطبعة: الأولى (١٩٩٥ م)، تحقيق عادل عبد الموجود، وعلي معوض.
[١٧] الإصابة في تمييز الصحابة. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى (١٩٩٦ م).
[١٨] الإشارات التربوية في سورة لقمان. مريمه الحاج، ماجستير غير منشور، جامعة المدينة العالمية، كلية العلوم الإسلامية، قسم القرآن وعلومه، … (١٤٣٦ هـ).
[١٩] الإسرائيليات والموضوعات في التفسير والحديث. د/ محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة (١٩٩٠ م)، الطبعة: الرابعة، عدد المجلدات: ١.
[٢٠] أسرار ترتيب القرآن السيوطي. جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر، دار الفضيلة للنشر والتوزيع (١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢ م)، عدد الأجزاء: ١.
стр. 600
[٢١] أهداف وخصائص الثقافة الإسلامية. د/ مصطفى مسلم، شارك في التأليف: د/ فتحي محمد الزغبي، شبكة الألوكة- ٦/ ٧/ ١٤٣٥ هـ-٥/ ٥/ ٢٠١٤ م.
[٢٢] أساليب التعليم والتعلم. الأغا: إحسان الخليل -ط ١ - الجامعة الإسلامية -غزة- (١٩٨٦ م).
[٢٣] الإتقان في علوم القرآن، السيوطي. جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، -دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان -ط ٣ - (١٤١٥ هـ).
[٢٤] أساليب التربية النبوية للجند. الجعيد: مشعل بن سيف، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة أم القرى، مكة المكرمة (١٤١٨ هـ).
[٢٥] أساليب التربية والتعليم في الإسلام. عوض الله الأمين، دار القراءة للجميع، (١٤١٠ هـ).
[٢٦] أسباب النزول. الواحدي: علي بن أحمد الواحدي النيسابوري أبو الحسن، ط-العلمية، تحقيق: كمال بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، (١٤١١ هـ - ١٩٩١ م) -ط ١ - عدد الأجزاء: ١
[٢٧] أسباب النزول المسمى: «لباب النقول في أسباب النزول». السيوطي: عبد الرحمن جلال الدين، مؤسسة الكتب الثقافية، (١٤٢٢ هـ-٢٠٠٢) -ط ١ - عدد المجلدات: ١
[٢٨] أحكام القرآن. الكيا الهراسي: علي بن محمد بن علي، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: موسى بن محمد على، عزة عطية (١٤٠٥ هـ).