الامتثال، فبقي الذبح مفسدةً، لحصولِ المصلحةِ بدونه، فنسخه في حقِّه، لَمَّا صار مفسدةً، وأمر به لما كان عزمه عليه، وتوطين نفسه مصلحة لهما، فأي حكمة فوق هذا، وأي لطف وبر وإحسان يزيد على هذا، وأي مصلحة فوق هذه المصلحة بالنسبة إلى هذا الأمر ونسخه.
وإذا تأملت الشرائعَ الناسخة والمنسوخة وجدتها كلَّها بهذه المنزلة،
فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهراً مكشوفاً، ومنها ما يكون ذلك فيه خفياً لا يدرك إلا بفضل فطنة وجَوْدَةِ إدْراَكٍ.
وأما دفن لحومها فليس من الدين في شيء، ولا ينسب ذلك إلى ما شرعه الله ورسوله، بل هذا من الأوضاع المبتدعة المحدثة الباطلة، التي وضعها الخلوف الذين ليس لهم معرفة بأصول الدين وقواعده التي تبتنى عليها الأحكام الشرعية، فإدخال مثل هذا في مناسك الحج الذي ١ شرعه الله ورسوله إدخال الدين شَرْعٌ لم يأذن الله به.
وهذا لم يقله أحد من عوام المسلمين، فضلاً عن علمائهم، فضلاً عن أن ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، فلا يسأل عن الحكمة في دفن اللحوم في منى إلا من أعمى الله بصيرته، وكان من أجهل الناس وأضلهم عن سواء السبيل، لأن ذلك ليس من الدين في شيء، وإنما هو من وضع بعض الملوك بإشارة بعض حكماء أهل الطب، وذلك بآرائهم الفاسدة، وأوهامهم الكاسدة، ونتائج أفكارهم الباردة، ولو تركوا الناسَ على ما كانوا عليه أولاً من التوسعة على فقراء المسلمين، وجعل بعضه قديداً وينقلون ذلك في رحالهم، وأوطانهم، لكان ذلك أصلحَ للعباد، وأقرب إلى السداد.
стр. 37
وأما منع الناس من أكلها فمن الظلم والعدوان، والدفعِ في نحرِ ما شرعه الله ورسوله من التوسعة على المسلمين وعلى فقرائهم.
وأما كون ذلك لازماً، ومن المناسك التي لا يتم الحجُّ إلا بها فمعاذ الله، ولا يقول ذلك من يؤمن بالله ورسوله، أو يدري ما يقول، بل لا يقول ذلك إلا من هو أضل من حمار أهله.
واعتقد أن ذلك لازم، وأنه لا يتم الحج إلا به من أوهام الزنادقة، وإدخالهم في الدين ما لم يأذن به الله، ليلبَّسوا على الناس أمور دينهم، فلا يستريب في ذلك إلا من هو من أجهل الناس، وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم.
وأما قوله: "ولا يخفاكم مبلغ النقود الطائلة التي يدفعها الحجاج سنوياً ثمناً لهذه اللحوم، إذ هي لا تقل عن خمسين ألف جنيه، فما قولكم لو صرفوا هذه المبالغ على إصلاح آبار مكة، وطرقها، وتكاياها، وتنظيفها ١ وعلى كل ما يعود على الحجاج بالراحة والصحة والسلامة".
فالجواب أن يقال لهؤلاء الزنادقة: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن معارضةَ ما شرعه الله ورسوله من ذبح الذبائح، ونحر النحور، وإهراق الدماء طاعة لله، وامتثالاً لأمره، وإحياء لسنة الخليلين عليهما الصلاة والسلام، بأوهام هؤلاء الضلال وآرائهم، وزبالة أذهانهم، ونتائج أفكارهم التي هي جِيَفُ الوجودِ، وريح المقاعد: مِنْ أبطلِ الباطلِ، وأضلِّ الضلال.
стр. 38
ومن حاول أن يصرف هذه النقود المبذولة في ذلك طاعة لله، وامتثالاً لما شرعه الله ورسوله، إلى ما توهّمه بعقله الفاسد، ورأيه الكاسد منْ أنَّ صرفَ تلك المبالغ إلى إصلاح آبار مكة، وطرقها، وتكاياها، وتنظيفها ١، وعلى كل ما يعود على الحجاج بالراحة والصحة والسلامة هو الأصلح: فقد حاول أن يشرع للناس من الدين ما لم يأذن به الله، وذلك كفرٌ بواح، لا يستريب فيه من له أدنى مسكة من عقل أو دين. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ [الشورى:٢١] .
وإذا كان من المعلوم أنه ليس من شرع الله، ولا مما لم يأذن به الله، كان من شرع طواغيت هؤلاء الزنادقة، الذين يزعمون أن نصوص الكتاب والسنّة ظواهرُ ظنية، وما رأوه بعقولهم وقياساتهم الباطلة أنها قواطع عقلية، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون.
ثم إنه قد كان من المعلوم عند خواص الناس وعوامهم أنه قد بذل من الأموال والصدقات ما يقوم بإصلاح آبار مكة، وطرقها، وما يحتاج، وما يحتاج إليه الحجاج من المصالح الدنيوية والدينية ما يكفي، ويعود نفعه إلى ما فيه صلاحهم وسلامتهم، فلا حاجة إلى السعي في إبطال ما شرعه ورسوله ﷺ من مناسك الحج، وشعائره التي لا يتم ولا يستقيم الحج إلا بها.
وأمّا إصلاح آبار مكة وطرقها وتكاياها فإن الحج يتم بدون ذلك والله أعلم.
стр. 39
في رد اعتراضه بقوله: ولماذا أقامو دون عرفة بناءين ؟
...
فصل
وأما قوله: "ولماذا أقاموا دون عرفة بناءين ١ عن اليمين والشمال، تعرف بالعلمين، وكل من لم يكن خلفَ هذين البناءين ليس مقبولَ الحجِّ، مع أنه تكلَّف العناءَ، ووصل إلى ما دونهما، ولماذا يكون من خلفهما مقبول الحجِّ وهو في لهوه ولعبه، وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال، ومن كان دونهما غير مقبول، ولو كان على غير ذلك؟ وهل هذان البناءانِ حدٌّ فاصلٌ بين الله والناس، أو بين الجنة والنار؟ ".
والجواب أن يقال: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذين العلمين بنيا حداً فاصلاً بين عرفة وغيرها، ليعرف من كان جاهلاً بذلك حدودَ عرفة، ولذلك سُمِّيا بالعلمين، وهذا لا يخفى إلا على من كان أضلَّ من حمار أهله، أو زنديقاً يروم بعقله الفاسد أن يشكِّك الناسَ في أمر دينهم.
وأما قوله: "وكل من لم يكن خلف هذين البناءين ليس مقبول الحج" إلى آخره.
فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن الوقوف بعرفة ركنٌ لا يتمُّ الحج إلا به، بإجماع المسلمين، لقوله ﷺ : "الحج عرفة فمن
стр. 40
جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْعٍ فقد تَمَّ حجه" رواه أبو داود ١
فمن حج ولم يقف بعرفة نهاراً أو ليلا إلى قبل صلاة الفجر فلا حج له، وعليه القضاء من قابل، لأنه لم يأت بما فرض الله عليه من الوقوف بعرفة، لأنه هو الركن الأعظم، وهذا لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل أو دين، والله سبحانه لا يُضِيْعُ أجرَ من أحسن عملا.
وأما قوله: "ولماذا يكون من خلفهما مقبول الحج وهو في لهوه ولعبه وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال".
فالجواب أن يقال: مسألة القبول أمر آخر، وهو مما ليس للعقول فيه مجال، بل أمر ذلك إلى الله، وليس كل من أتى بشيء من العبادات يكون قد أتى بما فرض الله عليه فيها، وأدّاها على الوجه المشروع، فلا ينبغي أن يجزم لفاعل شيء من هذه العبادات أن الله قد قبل عمله، لجواز أن يكون قد راءى بعمله ذلك، أو أتى بما يبطله ويحبطه من الرفث والفسوق والعصيان، ولم يتق الله فيه، وإنما يتقبل الله من المتقين، وهذا كحال من ذكر السائل مِمَّن كان في لهوه ولعبه وممارسةِ ما اعتاده في بلاده من الأعمال.
وأكثر الحاج اليوم إلا من شاء الله وثنيةٌ، عباَّد قبور، وأرفاض،
стр. 41
وجهمية، وأهل بدع، ولهو ولعب ومعاصٍ، لا يعرفون حدود ما أنزل الله على رسوله، وقد قال بعض العلماء فيما هو دون ذلك: ـ
إذا حججت بمالٍ أصلهُ سُحْتُ ... ما حَجَجْتَ ولكن حَجَّتِ العِيْرُ
لا يقبَلُ اللهُ كلَّ صالحةٍ ... ما كلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُورُ
والذي ينبغي للمسلم إذا كان واقفاً بعرفةَ أن يشتغل بذكر الله، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والثناء على الله، ويكثر من أدعية القرآن، كما ذكر ذلك أهل العلم في مناسكهم.
وأما قوله: "وهل هذان البناءان حدٌّ فاصل بين الله والناس، أو بين الجنة والنار".
فالجواب أن يقال: ليس بناء العلمين حداً فاصلاً بين الله والناس، ولا بين الجنة والنار، ولا يورد مثلَ هذا السؤال ويستشكله إلا من هو أبلد الناس، وأبلههم، وأشدِّهم غباوةً، وأنجسهم عقلاً ورأياً، فقد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله فوق سماواته على عرشه، بائنا ١ من خلقه، وأدلة ذلك من الكتاب، والسنة، وكلام سلف الأمة وأئمتها في ذلك أكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر، وذلك مبسوط في محله.
وأيضاً فقد كان من المعلوم أن الجنة فوق السموات في أعلا عليين، وأن النار تحت الأرض السابعة في أسفل سافلين، فكيف يكون العلمان حداً فاصلاً بينهما، أو بين الله والناس هذا لا يقوله
стр. 42
من يؤمن بالله واليوم الآخر، أو يدري ما يقول.
فإذا تحققت ما قدمته لك من الحكمة في مناسك الحج، فاعلم أن شأن الحج وما في طَيِّه من الأسرار والحكم، والمصالح، لا يدركه إلا الحنفاء، الذين ضربوا في المحبة بسهم، وشأنه أَجَلّ من أن تحيط به العبارةُ، وهو خاصة هذا الدين الحنيف، حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١] . أي حجاجاً.
وجعل الله بيته الحرام قياماً للناس، فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه، فلو ترك الناس كلُّهم الحجَّ سنة لخَرَّتِ السماءُ على الأرض، هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس ﵄.
فالبيت الحرام قيام العالم، فلا يزال قياماً ما زال هذا البيت محجوجاً، فالحج هو خاصة الحنيفية، ومعونة الصلاة، وسر قول العبد: ـ لا إله إلا الله، فإنه مؤسَّسٌ على التوحيد المحض، والمحبة الخالصة، وهو استزارة المحبوب لأحبابه، ودعوتهم إلى بيته، ومحلِّ كرامته، ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارهم "لبيك اللهم لبيك" إجابةَ محبٍّ لدعوة حبيبه، ولهذا كان للتلبية موقعٌ عند الله، وكلما أكثرَ العبدُ منها كان أحبَّ إلى ربه، وأحضى، فهو لا يملك نفسه أن يقول: "لبيك لبيك" حتى ينقطع نَفَسُه.
وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام، واجتناب العوائد، وكشف الرأس، ونزع الثياب المعتادة، والطواف، والوقوف بعرفة، ورفع الجمار، وسائر شعائر الحج: فمما شهدت بحسنه العقول السليمة، والفطرة المستقيمة، وعلمت بأن الذي شرع هذه لا حكمةَ فوقَ حكمتِه، كما
стр. 43
قاله ابن القيم ﵀. وما أحسن ما قيل:
وقل للعيونِ الرُّمْدِ للشمس أَعْيُن ... سواكِ تراها في مَغِيبٍ ومَطْلِعِ
وسامِحْ نفوساً أطفأَ اللهُ نورَها ... بأهوائها لا تَسْتَفِيْقُ ولا تَعِي
وقول الآخر:
فَقُلْ لغليظِ القلبِ ويحكَ ليس ذا ... بعُشِّكَ فاْرُجْ طالباً عُشَّكَ الخالي
ولا تَكُ مِمَّنْ مَدَّ باعاً إلى جنا ... فقصرَّ عنه قال: ذا ليس بالحالي
стр. 44
الرد على قوله: إن كثيرٍٍٍٍٍاً من علماء الأمة الإسلامية ــ الآن لم يحجوا
...
فصل
وأما قول السائل: "بل نرى كثيراً من علماء الأمة الإسلامية، ومرشديها المصلحين، منهم من عاش ومات ولم يحج، مع أنه ربما رحل في سنة مرتين أو ثلاثاً إلى أوربا، أو إلى غيرها من البلاد، ولم يذهب إلى مكة، مع أنه كان الألزم والأوجب أن يقصد مكة والحج كل موسم للنصح والإرشاد، فهذا ساكن الجنان الأستاذ الإمام المرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم، وعاشوا وماتوا، وهم لم يروا مكة في وقت الحج، وحضرتك أيضا كذلك، فما هي الأسباب يا ترى؟ ونحن نعتقد أن امتناعكم جميعاً عن الحج لا بد له من سبب، فما هو ذلك السبب العظيم الذي يمنع رجال الإصلاح العظام عن الحج المقدس؟ "
فالجواب أن نقول: ترَ ْك هؤلاء العلماء المصلحين للحج، وقد كان الواحد منهم يسافر إلى الأماكن الشاسعة البعيدة، ويتجشمون في ذلك الأخطار الشاقة الشديدة، فَتَرْكُ هؤلاء العلماء المصلحين للحج مع ذلك والحالة هذه لا بد أن يكون لأحد أمرين: ـ
إما أن يكون تكاسلاً: وطلباً للراحة، وملاذِّ النفوس وشهواتها، وتسويلاً من الشيطان بالتسويفات الباطلة، والأماني الكاذبة، فهذا فيه من الوعيد على ترك الحج مع القدرة عليه ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 45
وإما أن يكون لسببٍ وعذرٍ من الأعذار الموجبة لترك الحج، من الخوف على النفس من القتل، أو الحبس، وغير ذلك من الأعذار، فهذا معذور، داخل في حكم من لا يستطيع إليه سبيلاً.
وقد أجاب صاحب المنار عن نفسه، وعن غيره من العلماء الذين تركوا الحج لشيء من الأسباب المانعة لذلك، ولا نظن بعلماء أهل الإسلام إلا الخير، وعدم الاستطاعة لشيء من الأعذار الموجبة لتركهم ذلك. والله أعلم.
ولو صدر من هؤلاء العلماء المصلحين على سبيل الفرض والتقدير ترك الحج مع الاستطاعة عليه، من غير عذر شرعي، لكان الفرض علينا طاعة الله ورسوله، بترك تقليدهم فيما لا ينبغي تقليدهم فيه من معصية الله ورسوله، لأن طاعتهم في معصية الله ورسوله من العبادة التي ذَمَّ الله بها النصارى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الآية.
وتفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله، كما ثبت ذلك في الصحيح ١ عن عدي بن حاتم ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ وهو يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]
стр. 46
قلت يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله فتتبعونهم؟ ويحلون ما حرم الله فتتبعونهم؟ قلت: ـ بلى. قال: فتلك عبادتهم"
لكن لم يصدر هذا منهم، وقد كتبوا في ذلك بيان عذرهم، فلا نظن بهم إلا الخير إن شاء الله تعالى.
والذي يظهر لي من كلام هذا السائل أنه أراد بهذا السؤال أحد أمرين: -
إما تعجيز صاحب "المنار" عن إدراك الجواب عن وجه الحكمة عما سئل عنه، مما استشكله فيه من مناسك الحج، لظنه أن هذا لا سبيل إلى معرفة وجه الحكمة فيه.
والأمر الثاني: - أنه لما رآه قد ترك الحج، وهو قد سافر إلى الهند، وإلى غيره من الأماكن البعيدة، تَخَيَّلَ في وهمه وظنه الفاسد أنه يرى ما يراه الزنادقة، من أنه لا مصلحة للعباد في ذلك، ولا حكمة للشارع الحكيم في شرع تلك المناسك، إلا محض المشيئة، وترجيح مثل على مثل بلا مرجح، كما يقول ذلك نفاة الحِكَم والمصالح، فلأجل هذا أراد السائل من صاحب المنار أن يوافقه على أحد الأمرين، ليتم له مقصوده من ترك الحج، لسوء اعتقاده، وخبث مرامه.
يوضح ما قلناه أنه قال في أول سؤاله: ـ إلى سيدي العلامة المصلح العليم مرشد الأمة ورشيدها الفيلسوف فأثنى عليه بأنه فيلسوف.
стр. 47
وقد كان من المعلوم أن مذهب الفلاسفة من أخبث المذاهب، وأنهم من أضل الناس، وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، واتباع سبيل المؤمنين، وإنما غالب علومهم النظر في العقليات، وأما ما كان عليه الرسل وأتباعهم فهم لا يعرفونه، ولذلك كانوا يعارضون ما بلغهم من النقليات بما عندهم من العقليات بآرائهم الفاسدة، وأوهامهم الكاسدة، فليسوا في الحقيقة من أهل الإسلام وعلومهم في شيء.
وقد ذهب طوائف من المتكلمين وغيرهم من أهل الإسلام إلى ما وضعوه من العقليات، واستحسنوا ذلك، فضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، وهؤلاء هم الذين أشار إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: ـ
لا سيما والإشارة بالخَلَفِ إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه مرامهم: ـ
لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها ... وسيَّرْتُ طرفي بينَ تِلْكَ المَعَالِمِ
فلم أَرَ إلا واضعاً كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ أو قَارِعاً سنَّ نادِم
وأقروا على أنفسهم بما قالوا متمثلين به، أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم، كقول بعض رؤسائهم: -
نهايةُ إقدامِ العقولِ عِقَالُ ... وأكثرُ سَعْيِ العالمينَ ضَلاَلُ
стр. 48
وأرواحُناَ في وحشَةٍ من جسومِنَا ... وغايةُ دنيانا أذىً ووبالُ
ولم نستفدْ من بحثنا طولَ عمرِنا ... سوى أن جمعنا فيه قِيْلَ وقالوا
لقد تأملت الطرقَ الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقربَ الطرقِ طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] واقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْما﴾ [طه:١١٠] ومن جَرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
ويقول الآخر منهم: - لقد خضت البحر الخِضمّ، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي.
ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام ١.
وقال ابن القيم ﵀ في "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" لما ذكر اختلاف الناس في التوحيد، وأنهم فيه أنواع قال: -
وأما توحيد الفلاسفة فهو إنكار ماهية الرب الزائدة على وجوده، وإنكار صفات كماله، وأنه لا سمع له، ولا بصر، ولا قدرة، ولا حياة،
стр. 49
ولا إرادة، ولا كلام، ولا وجه، ولا يدين، وليس فيه معنيان يتميز أحدهما عن الآخر البتة، قالوا لأنه لو كان كذلك لكان مركباً، وكان جسماً مؤلفاً، ولم يكن واحداً من كل وجه، فجعلوه ١ من جنس الجوهر الفرد الذي لا يُحَسُّ، ولا يُرى، ولا يتميز منه جانب عن جانب، بل جوهر فرد يمكن وجوده، وهذا الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده، فلما اصطلحوا على هذا المعنى في التوحيد، وسمعوا قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد﴾ [البقرة: ١٦٣] ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِد﴾ نزلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي، وقالوا: - لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم يكن واحداً، وكان مركباً مؤلفاً، فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو التوحيد، وسموا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت وهو ٢ صفات الرب بأقبح الأسماء وهو التركيب والتأليف، فتولد من بين هذه التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق أسماء الرب وصفاته، بل ٣ وجحد ماهيته وذاته، وتكذيب رسله، ونشأ من نشأ على اصطلاحهم، مع إعراضه عن استفادة الهدى والحق من الوحي، فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه، فجعلوا أصل دينهم ٤ فلما رأى أنّ ما جاءت به
стр. 50
الرسل يعارضه قال: إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل. انتهى.
وقال أيضاً في "الإغاثة": -
والمقصود أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها. وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصاً بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطوا، وهم المشاؤن خاصة، وهم الذين هذّب ابن سيناء طريقَتَهم وبسّطها، وقررها، وهي التي يعرفها – بل لا يعرف سواها – المتأخرون من المتكلمين إلى آخر كلامه ﵀.
والمقصود أن أحد هؤلاء الفلاسفة لا يذهب إلا إلى ما يقتضيه عقله في زعمه، فلما كان هذا الفيلسوف منهم توهم هذا السائل أن صاحب المنار يرى هذا الرأي، وحاشا وكلا، بل هو بريء منهم، وهم برآء منه، وكلامه يقتضي تكفير هذا الضرب من الناس، ولا يخفى هذا إلا على من ليس له معرفة وإلمام بالعلوم، والله المستعان.
ثم لو سلمنا أن الفيلسوف على عرف الفلاسفة وأتباعهم من أهل الكلام هو محب الحكمة، وأنه يمدح ويثنى به على العالم المصطلح المرشد للعباد، لم يكن هذا من عُرف أهل الإسلام، ولا من لغتهم، ولا يمدح به أحد من علماء الإسلام، لأنه قد كان من المعلوم أنه لم يكن يسمى به أحد من علماء الصحابة، ولا علماء التابعين، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين، والعلماء المصلحين المرشدين، ولا أكابر
стр. 51
علماء أهل الحديث المجتهدين، بل كان هذا الاسم في عرف أهل الإسلام لا يسمى به إلا من كان من علماء الفلاسفة، ومن نحا نحوهم من زنادقة هذه الأمة، فكان في الحقيقة أن هذا مما يعاب ويذم به من يسمى بذلك، لا مما يمدح ويثنى به عليه.
ولو أراد هؤلاء المتنطعون المتعمقون أن ينقلوا هذا عن أحد من أهل العلم، أو يذكروه في شيء من دواوين أهل الإسلام لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً البتة، اللهم إلا ما يذكر عن أشباه هؤلاء الهمج الرعاع، اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق من الفهم، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾ ١
стр. 52
في الإجابة عن قول السائل: (وكذلك نرى أن جميع ملوك الاسلام لا يحجون)
...
فصل
ثم قال السائل: - "وكذلك نرى أن جميع ملوك الإسلام وأمرائه وأغنيائه ١ لا يحجون، ولا نرى الحجاج سواهم إلا من فقراء الهند، والصين، والروسيا، وجاوا، وبلاد العرب كمصر، وتونس، وسوريا، والعراق، وغيرها، وهذا كثير من سلاطين آل عثمان، وأمراء البيت السلطاني، وأعاظم الرجال من الوزراء، والحكام والأغنياء المشار إليهم بالبنان، كلهم لا يحجون، ولا يدور في خلد أحدهم أن يحج، فما هو السر في ذلك يا ترى؟ وكم عجبنا لما سمعنا بحج أمير مصر قبل سنتين، وكثر تحدث الناس في ذلك، حتى تَجَرّأ ٢ أحدهم فقال: - إن المقصود من حج العزيز، غرض سياسي، ورحلة في جهات الحجاز لا غير، وليس له مقصد في الحج قطعاً" إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: - ترك هؤلاء الملوك، والسلاطين، والوزراء، والأغنياء المترفين للحج لا يكون عذراً لمن أراد ترك الحج تقليداً لهؤلاء.
стр. 53
فإن الله قد فرض الحج على جميع الناس ملوكهم، وسلاطينهم، ووزرائهم، ولم يعذر الله إلا من كان فقيراً عاجزاً لا يستطيع إليه سبيلاً.
وأما ما ذكره من كون أكثر الحجاج من فقراء أهل الأمصار المذكورين في السؤال، لا يدل على أن الحج واجب عليهم دون من عَدَاهم من الملوك والوزراء والأغنياء، فمن كان مؤمناً بالله ورسوله، سالماً من شوائب الشرك والبدع والمعاصي ١ فهو على نور من ربه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأما من ترك الحج من هؤلاء وهؤلاء، أو من العلماء المصلحين وهو قادر عليه، وليس له عذر شرعي ففي ذلك من الوعيد الشديد ما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: - "لقد هممت أن أبعث عمَّالاً إلى الناس، فينظرون إلى من ترك الحج وهم قادرون عليه، فأضع عليهم الجزية، ما هم عندي بمسلمين".
وعن علي ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ : - من ملك زاداً وراحلة تبلِّغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] رواه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث عن علي ٢
стр. 54
ورواه البيهقي أيضاً عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامه عن النبي ﷺ قال: - "من لم يحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً"١.
إذا تحققت ما ذكرته لك مما تقدم بيانه، وعلمت أن هؤلاء الملوك، وأمراءَ السلاطين، ووزراءهم، والأغنياء المترفين، والعلماء المصلحين وغيرهم ممن تركوا الحج وهم قادرون عليه، أنهم ليسوا حجةً يقتدى بهم.
وتحققت أيضا أن الله هو الذي فرض مناسك الحج وأمر بها، وكتبها على عباده، وأن رسول الله ﷺ سنها لأمته، وقال: "خذوا عني مناسككم" فأخذ بها المسلمون، وعملوا بها، ولم يستشكل أحد منهم عن وجه الحكمة في شيء منها، بل امتثلوا ما أمر الله به، طاعة لله ورسوله: تبين لك أن هذا السؤال من هؤلاء الزنادقة نشأ عن سوء اعتقاد، وخبث طوية، وشك في الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه
стр. 55
فالواجب على المسلم أن يتباعد عن هذا الضرب من الناس كل التباعد، وأن يظهر عداوتهم ومقتهم، والبراءة منهم، وأن ينشر في العالمين خزيهم وضلالهم، ليعلم الناس حقيقة ما هم عليه من الزندقة، وصريح السفسطة والمخْرَقَة، وأنّ سؤالهم ليس عن جهل بحقيقة الأمر المسؤول عنه، لأنه قد كان من المعلوم أنه من الأمور الضرورية التي لا تخفى على آحاد البرية، أو أن ذلك من المسائل الخفية، فَيُقَالُ لأجل ذلك عِثارهم، ويقبلُ اعتذارهم، فقد تلألأ الحق واستبان لأهل العقول السليمة، والألباب المستقيمة.
تلألأ نور الحق في الخلق ِ واستما ... وبان لمن بالحقِّ قد كان مُغْرَما
محاسنُ ما يدعو إليه محمدٌ ... نبيُّ الهدى من كان بالله أعلما
من الدين والتوحيد والنورِ والهدى ... فليس بها لَبْسٌ على من تجشّما
وسار إلى أعلامها متيمماً ... على المنهجِ الأسنى الذي كان أَقْوَمَا
ومستيقناً بل مؤمناً ومصدقاً ... بأن رسولَ اللهِ قد كان أَحْكَما
وأَعْلمُ بالحق الذي قد أتي به ... عن الله إذ قد كان لا شك قَيِّما
стр. 56
ومن ذاك أن الحج ركنٌ وفرضُه ... على الخلق طراً كان أمراً مُحَتَّما
ولا عذر في هذا لمن كان قادراً ... عليه بلا عذرٍ ولا كان مُعْدِما
وسنَّ رسولُ الله فيه مناسكاً ... تَقَدَّمَه فيها الخليلُ لتُعْلَما
فسار على منهاجه وطريقه ... ليحي منها ما عفى وتهَدَّما
فمن صدَّقَ المعصومَ فيما أتي به ... وكان به مستقيناً ومعظِّما
تَيَقّنَ من غيرِ ارتيابٍ ومِرْيَةٍ ... بأن الذي قد سنَّه كان أَحْكَما
وحكمتُه معلومةٌ مُسْتَنِيْرَةٌ ... لمن كان للشرع الشريفِ مُقَدِّما
ولم يَسْتَرب في شرعه باعتراضه ... على النقلِ بالعقل الذي كان مُظْلِمَا
كهذا الذي أبدى لسوءِ اعتقاده ... سؤالاً وقد أضحى به مُتَهَكِّما
وأظهر أن الحقَّ لم يَسْتَبِنْ له ... وقد كان لا يخفى مَن تَعَلَّما
وقد كان معلوماً من الدينِ واضحاً ... ومنهاجه قد كان والله لهجما
стр. 57
ومن كان لا يدري بها وهو جاهل ... فكيفيه منها أن يكون مُسَلِّما
ويؤمن بالشرع الذي قد أتى به ... أَجَلُّ الورى من كان بالله أَعْلَما
ولكنَّهُم في غَمْرَةٍ من ضلالهم ... وفي غَيِّهم بُعْداً لمن كان مُجْرِما
فقل لزعيمِ القومِ ناصر من غدا ... عن الخيرِ مزْوَرّاً وقد حاز مَأْثَما
ثَكِلَتْكَ مِنْ خَبٍّ لئيم هَبَيْنَغٍ ... يرى أنَّ ما أبداه حَقًّا فَأَقْدَما
وأظهرَ مَكْنُوناً من الغيِّ جهرةً ... لدى الناسِ مكشوفَ القناعِ ليُعْلَما
وقَلْ للغويِّ الفدمِ ويحكَ ما الذي ... دعاك إلى أن قلت قولاً مُحَرَّما
أَخَلْتَ طريقَ الحقِّ ليس بواضحٍ ... وأَنّ طريقَ الغيِّ قد كان قَيِّما
لعمري لقد أخطأتَ رشدَك فاتئِدْ ... فلست بكفوٍ أن تُرَى مُتَقَدِّما
فقد حُدْتَّ عن نهجِ الهداةِ وإنما ... سلكتَ طريقاً للضلالة مُظْلِما
طريقاً وخيماً للغواةِ الذين هُمْ ... فلاسفةٌ دهريةٌ أوْرَثُوا العَمَا
стр. 58
كنحوِ ابن سِيْنَا بل أرسطو وقومه ... وأتباعه ممن مضى وتَقَدَّما
طريقتُهم ما تقتضيه عُقُولُهم ... وإن خالفَ الشرعَ الشريفَ المُقَدَّما
فسرتَ على آثار من ضَلَّ سَعْيُهم ... وكانوا ببيداءِ الضَّلالةِ هُوَّما
وآثارِ أقوامٍ رأوا أن دينهم ... ومذهَبَهم قد كان أهدى وأحكما
فما تقتضي آراؤهم وعقولُهم ... وما استحسنوا من ذلك قد كان أَقْوَما
لذا عارضوا المنقولَ مما أتى به ... من الشرعِ مَنْ قد كان بالله أَعْلَما
بمعقولِ ما قد أَصَّلُّوه برأيِهِم ... وقانون كفرٍ أحْدَثوه تَحَكُّما
وردُّوا بذا القانونِ أحكامَ شرعِه ... فَنَالوا به شراً عظيماً ومأثما
وقد رَامَ هذا الوَعْدُ أن يقتدى بهم ... وأن يقتفي آثارَ من كان أَظْلَما
فعارضَ ما قد سَنَّه سَيِّدُ الورى ... لأمَّتِه في الحج نسكاً وأحكما
بمعقوله في بعض أسئلةٍ له ... تَوَهَّمَهَا حقا فأدّت إلى العَمَا
стр. 59
فيسأل عن تقبيلنا الحجرَ الذي
...
لدى الركن موضوعاً هناك مُعَظَّما
وقد كان في تَقْبِيْله واستلامِه
...
مظاهرةُ الأوثانِ فيما تَوَهَّما
على زعمِه فيما يَرَاه بعقلِه
...
وقد كان معلوماً من الشرعِ مُحْكَما
وعن سَعْيِنَا بين الصفاءِ ومروةٍ
...
وعن رَمَلٍ قد سَنَّه من تَقَدَّما
وما القصدُ في ذبحِ الذبائِحِ في منى
...
وإدخالِهم في النُّسْكِ أمراً مُحَرَّما
كمنعِ الورى عن أكلهم من لحومها
...
ودفنٍ لها في الأرضِ ظلما ومأثما
ولو صُرِفَتْ فيما يراه بعقله
...
لإصلاح آبار تُعَدُّ وتُرْتَما
لحجاج بيت الله أو طرقٍ لهم
...
وتنظيفها أو في تكايا ليعلما
ويعرف منها القصدُ والنفع للورى
...
فتباً لهذا الرأي ما كان أَوْخَما
وما القصد في رمي الجمار التي رَمَى
...
بِهِنَّ خليلُ اللهِ مَنْ كان قَدْ رَمَا
وسنَّ رسول الله ذلك واقتفى
...
بآثار من قد كان بالله أعلما
стр. 60
وما القصد في الوضع البناءين حاجزاً ... لدى عرفاتٍ عن سواها لتُعْلَما
وهل ذاك حَدٌّ فاضلٌ بين ربنا ... وبين الورى فيما رأى وتوهَّما
أمِ القصدُ حدٌّ فاصلٌ بين جنةٍ ... ونارٍ فهذا قول من كان أظلما
ويسأل عمَّن قد أتى من بلادِه ... وقد جَابَ أخطاراً لها وتَجَشَّما
فما كان مقبولاً لدَيْه لأنه ... لدى عرفات لم يقف حين أقدما
وقد جاء إيماناً وحُبّاً وطاعةً ... لمولاه يرجو العفْوَ إذ كان مُجْرِما
ومن كان فيها واقفاً متقدِّما ... ولكِنَّه لِلَّهو أضحى مُقَدِّما
وفي لعبٍ أو في ممارسةٍ لما ... يَرُوقُ له في أهله قَبْل من عما
فذلك مقبولٌ لديه ولو أتى ... بشيءٍ من المكروه أو كان مجرما
فأيَّة مقصودٍ وأيّةُ حكمةٍ ... لذلك اقتضت لَمَّا لها الشرع أحكما
أيحسن منا أن نحجَّ ولم نكن ... بحكمتها ندري فما هِيْ لتعلما
стр. 61
ويسأل عَمَّن كان للناس مرشداً ... وبالعلم وبالإصلاح للناس قَدْ سَمَا
وقد عاش دهراً ثم مات ولم يكن ... إلى البيت ممن قد أهَلَّ وأَحْرَما
وقد كان فيما قبل يرحل دائماً ... إلى أيِّ أرضٍ شآءها متيمِّما
فما السبب الداعي إلى ترك حَجَّةٍ ... وقد كان ذا علمٍ وكان مُعلما
كذلك عن حال الملوكِ ونحوِهم ... من الوزراء ممن عسى أن يُعَظَّما
وكالأغنياء المترفين وغيرِهم ... من الناس ممن ليس قد كان مُعْدِما
ونحن نرى الحجّاجَ من كل وجهةٍ ... سواهم فما عُذْرُ الذي كان أجْرَما
وما السِّرُّ في تركِ الملوك وغيرهِم ... من الأغنياء للحج فَرْضاً
وما القصدُ في هذا لِمَنْ كان قادراً ... على الحجِّ ممن قد أساءَ وأجرما
فهذا اعتراضُ الفَدْمِ للشرعِ بالذي ... تخيَّله في عقله وتوهّما
ودونك في المنثور ما قد أجبته ... وقد كان حقاً أن يُهَاضَ ويُهْضَمَا
стр. 62
ولكن تركنا البسطَ من أَجْلِ أنه
...
أجابَ سوانا من أجَادَ وأحكما
فلله ربِّ الحمدُ والشكر والثنا
...
على قَمْعِ زنديقٍ تَحَدَّى وغَمْغَما
وظن غباءً مِنْ سفاهةِ رأيه
...
بأن الحِمى أقوى فجاء وأقدما
ليهدمَ من أعلامِ سُنَّةِ أحمدٍ
...
مناسكَ حجٍ سَنَّها من تَقَدَّما
فَغُودِرَ مَجْدّولاً على أُمِّ رأسِه
...
كإخوانه ممن عثى وتدهكما
وخالَ طريقَ الحقِّ دَحْضًا مَزَلَّةً
...
وأن طريق الغيِّ قد كان لهجما
فتَبًّا له من جاهلٍ ما أَضَلَّه
...
وأبعدَه عن منهج الرُّشْدِ إذْ سَمَا
فأَبْصَرَه مَنْ كا بالله مؤمنا
...
وللشرع أضحى مذعناً ومسلما
وعارضه من لم يكن مؤمناً به
...
كهذا الغبيِّ الفَدْمِ لما تَكَلَّما
وصلَّ على المعصوم ربِّ وآله
...
وأصحابِه ما دامت الأرضُ والسما
وما انهلّ صَوْبُ المُزْنِ سَحًّا وكُلَّما
...
على المصطفى صلَّى الإله وَسلّما
стр. 63
فهذا ما تيسر لي من الجواب، مع تكدر البال، وكثرة الانشغال، وتغير الأحوال، وما يدرك كله لا يترك كله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على أفضل المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.