بل إن المدارة قد تبلغ إلى إطفاء العدواة، وقلبها إلى صداقة.
فما أحوج المرء إلى هذه الخصلة الحميدة، خصوصا مع من لا بدّ له من معاشرته، أو ممن يتوقع الأذى منه.
قال ابن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بدّا حتى يأتيه اللهمنه بالفرج أو المخرج.
وقال العتابي: المداراة سياسة لطيفة، لا يستغني عنها ملك ولا سوقة، يجتلبون بها المنافع، ويدفعون بها المضار، فمن كثرت مداراته كان في ذمة الحمد والسلامة.
وقال بعضهم: ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح في الماء الجاري.
وقال الحسن: حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة.
ومما ينسب لأمير المؤمنين عليّ:
يقول لك العقل الذي زيّن الورى ... إذا أنت لم تقدر عدوا فداره
٣٤- لزوم الصدق: فإن للصدق آثارا حميدة، وعوائد
стр. 37
عديدة; فالصدق حسنة تنساق بصاحبها إلى الحسنات، فهو دليل على حسن السيرة، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل.
فبالصدق يشرف قدر المرء، وتعلو منزلته، ويصفو باله، ويطيب عيشه; فهو ينجي صاحبه من رجس الكذب، ووخز الضمير، وذل الاعتذار، ويحميه من إساءة الناس إليه، ونزع الثقة منه، كما أنه يكسبه عزة، وشجاعة، وثقة في النفس، فيظل موفور الكرامة، عزيز النفس، مهيب الجناب.
ولا يمكن أن يستقيم لأحد سؤدد، ولا تعلو له مكانة، ولا يحرز قبولا في القلوب، ما لم يرزق لسان صدق.
ثم إن الصدق يهدي إلى البر، وحسن الخلق من جملة ذلك البر.
٣٥- تجنّب كثرة اللوم والتعنيف على من أساء: فلا يحسن بالعاقل أن يسرف في لوم من أساء، خصوصا إذا كان المسيء جاهلا، أو كان ممن يندر وقوع الإساءة منه; فكثرة اللوم مدعاة للغضب، وغلظ الطبع.
ثم إنها موجبة للعداوة، ومجلبة لسماع ما يؤذي.
فالعاقل اللبيب لا يعاتب إخوانه على كل صغيرة وكبيرة،
стр. 38
بل يلتمس لهم المعاذير، ويحملهم على أحسن المحامل.
ثم إن كان هناك ما يستوجب العتاب فليكن عتابا لينا رفيقا.
٣٦- تجنب الوقيعة في الناس: فالوقيعة في الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم- مما يورث العدواة، ويشوش على القلب، فتسوء الأخلاق تبعا لذلك.
بل إن ذلك مدعاة لأن يبحث الناس عن معايب ذلك الشخص.
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذموه بالحق والباطل
قالت أعرابية توصي ولدها: إياك والتعرض للعيوب; فتتخذ غرضا، وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام، وقلما اعتورت السهام غرضا حتى يهي ما اشتدّ من قوته.
وقال الأحنف ﵀: من أسرع إلى الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون.
٣٧- أن يضع المرء نفسه موضع خصمه: فهذا يدعو لالتماس المعاذير، والكف عن إنفاذ الغضب، والبعد عن
стр. 39
إساءة الظن.
فالواحد منا- على سبيل المثال- ينزعج كثيرا إذا كان خلفه في السيارة شخص يطلق الأبواق، ونحن قد نقع موقعه ونفعل ما فعله، إما حرصا على اللحاق بموعد مهم، أو أن يكون مع بعضنا مريض، أو نحو ذلك.
فإذا وضعنا أنفسنا موضع الخصم وجدنا ما يسوغ فعله، فنقصر بذلك عن الإساءة والجهل، ونحتفظ بهدوئنا وحلمنا.
قال ابن المقفع: أعدل السّير أن تقيس الناس بنفسك; فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك.
قال ابن حزم ﵀: من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه; فإنه يلوح له وجه تعسفه.
٣٨- أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: فهذا مما يحسن بالمرء فعله، والأخذ به، فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق- فليتجنّبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله.
وإذا أعجبتك خصال امرئ ... فكنه تكن مثل ما يعجبك
стр. 40
فليس على المجد والمكرمات
إذا جئتها حاجب يحجبك
٣٩- مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فهذا الأمر من أعظم ما يربي على مكارم الأخلاق، وعلى رسوخها في النفس; فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه.
والصداقة الشريفة تشبه سائر الفضائل من حيث رسوخها في النفس، وإيتاؤها ثمرا طيبا في كل حين; فهي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاء.
فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر; ليحمي صديقه من نكبة.
والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبا من ماله; لإنقاذ صديقه من شدة.
فالصداقة المتينة لا تحلّ في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة.
فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئا من كظم الغيظ، فيجلس إلى أصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد
стр. 41
التواضع والحلم، فيصير بعد ذلك متواضعا حليما.
فإذا ما وفق المرء لصحبة الأجلاّء العقلاء من ذوي الدين والمروءة- فإن ذلك من علامات توفيقه وهدايته.
فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللبّ أن يبحث عن إخوان الثقات; حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر.
٤٠- الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات: فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم- ولو لم يصاحبهم باستمرار- تخلّق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ودلّهم.
يروى أن الأحنف بن قيس قال: كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه.
ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذي يختلف إليهم من أهل العلم، بل قد يوجد في العوام من جبل على كريم الخلال وحميد الخصال.
قال ابن حزم: وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال وحميد الأخلاق إلى مالا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدّا.
стр. 42
٤١- وبالجملة أن ينتفع الإنسان بكل من خالطه وصاحبه: فصاحب البصيرة النافذة، والهمة العالية ينتفع بكل من خالطه وصاحبه، من كامل، وناقص، وسيّىء الخلق وحسنه، وعديم المروءة، وغزيرها.
وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها، كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيئ الخلق، فظّ، غليظ، لا يناسبه.
فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق.
وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه، ويكون بتمرين النفس على مصاحبته، ومعاشرته، والصبر عليه.
بل إن كثيرا من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورا تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره.
قيل لرجل: من علّمك البكور في حوائجك أوّل النهار لا تخلّ به؟
قال: من علّم الطير تغدو خماصا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، لا تسأم ذلك ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض.
وقيل لآخر: من علّمك السكون، والتحفظ، والتماوت
стр. 43
حتى تظفر بإربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته؟
قال: الذي علم الهرة أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك، ولا تتلوّى، ولا تختلج، حتى كأنها ميتة، حتى إذا برزت الفأرة وثبت عليها كالأسد.
وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والبذل والسماحة؟
قال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها ولا يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ويطلبهن طلبا حثيثا حتى تجيء الواحدة منهن، فتلتقطها وهو مسرور بذلك، طيب النفس به.
وإذا وضعت له الحبّ الكثير فرّقه ههنا، وههنا، وإن لم يكن له دجاج؛ لأن طبعه قد ألف البذل والجود، فهو يرى أنه من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام!
٤٢- توطين النفس على الاعتدال حال السراء والضراء: فيحسن بالعاقل الذي يروم نيل المعالي، واكتساب الفضائل أن يوطن نفسه على الاعتدال حال السراء والضراء؛ لأن من أدب صاحب المروءة أن يقف موقف الاعتدال في حالي الضراء والسراء.
стр. 44
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ومن هنا نرى أن صاحب المروءة لا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة، ولا يحمله الغني على الأشر والبطر، ولا ينحط به الفقر إلى الذلة والخنوع.
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي:
كلا بلوت فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها جزعا
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: أصبحت والسراء والضراء مطيتان على بابي، لا أبالي على أيهما ركبت.
وبهذا تستقيم أخلاق المرء، وتعتدل أفعاله وأحواله، فيسلم بذلك من التقلب واختلاف الأخلاق.
٤٣- معرفة أحوال الناس، ومراعاة عقولهم، ومعاملتهم بمقتضى ذلك: فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، وعلى حسن التصرف في تقدير وسائل الخير، وهو مما يعين على اكتساب الأخلاق الرفيعة، وعلى استبقاء المودة في قلوب الناس.
стр. 45
فالرجل العاقل الحكيم الحازم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه يزن عقول من يلاقونه، ويحس ما تكن صدورهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم، وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول، وسرائر، وعواطف.
فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق.
ومراعاة عقول الناس وطباعهم ونزعاتهم فيما لا يقعد حقا، ولا يقيم باطلا- مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة.
وكما أن هذا الأمر عائد إلى الألمعية- وهي في أصلها موهبة إلهية- فهو كذلك يأتي بالدربة، والممارسة، وتدبر سير أعاظم الرجال، والنظر في مجاري الحوادث باعتبار، فهذا مما يقوي هذه الخصلة، ويرفع من شأنها.
٤٤- مراعاة أدب المحادثة والمجالسة: فذلك مما يزرع المودة، وينمي الأخلاق الفاضلة.
فمن الآداب التي يحن مراعاتها الإصغاء للمتحدث، وتجنب مقاطعته، أو تكذيبه، أو الاستخفاف به، أو المبادرة إلى إكمال حديثه، أو القيام عنه قبل إتمام كلامه.
стр. 46
ومنها تجنب الثرثرة والاستئثار بالمجلس، والحديث عن النفس على سبيل المفاخرة.
ومن ذلك الحذر من سرعة الجواب، والتعميم في الذم، وتكرار الحديث بلا داع، وكثرة الأسئلة، وتعمّد الإحراج فيها.
ومن تلك الآداب الحديث بما يناسب المقام، والتواضع لمن يتحدث إليهم.
ومن ذلك مراعاة المشاعر، وتجنب البذاءة وهجر القول.
ومن أدب المجالسة أن يجلس المرء على هيئة محترمة، بعيدة عما ينافي الذوق، أو يشعر بقلة الأدب.
ومنها إلقاء السلام حال الدخول وحال الخروج، والتفسح في المجالس، وألا يقيم المرء شخصا ويجلس مجلسه، وألا يفرق بين اثنين متجالسين إلا بإذنهما، وألا يتناجى الاثنان دون الثالث.
إلى غير ذلك من الآداب التي تكسب الأخلاق الكريمة، وترفع قيمة صاحبها، وتبعثه إلى الإفادة والاستفادة١.
стр. 47
٤٥- المحافظة على الصلاة: فهي سبب عظيم لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس، وسموها، وترفعها عن الدنايا.
كما أنها في مقابل ذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وسوء الخلق من جملة ما تنهى عنه الصلاة.
ثم إنها سبب لعلاج أدواء النفس الكثيرة كالبخل، والشح، والحسد، والهلع، والجزع، وغيرها.
٤٦- الصيام: فبالصيام تزكو النفوس، ويستقيم السلوك، وتنشأ الأخلاق الرفيعة من رحمة، وكرم، وبر، وصلة، وبشاشة، وطلاقة، ونحو ذلك.
وبالصيام تعلو الهمة، وتقوى الإرادة، ويتحقق الاطمئنان.
فهو تدريب منظم على حمل المكروه، ودرس مفيد في سياسة المرء نفسه.
ثم إن الصيام يحرك النفوس للخير، ويسكّنها عن الشر، ويطلقها من أسر العادات، ويحرّرها من فساد الطباع، ويجتث منها رعونة الغرائز.
فهذه الأمور وغيرها من أعظم ما يعين على اكتساب
стр. 48
حسن الخلق.
٤٧- قراءة القرآن بتدبر وتعقل: فهو كتاب الهدى والنور، وهو كتاب الأخلاق الأول، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وحسن الخلق من جملة ما يهدي إليه القرآن الكريم.
اقرأ على سبيل المثال سورة الإسراء، أو سورة النور، أو سورة الحجرات أو غيرها- تجد الوصايا العظيمة الجامعة التي لا توجد في أي كتاب آخر، والتي لو أخذت بها البشرية لتغير مسارها، ولاستنارت سبلها، ولعاشت عيشة الهناءة والعز.
بل إن آية واحدة في القرآن جمعت مكارم الأخلاق، وهي قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
ثم إن القرآن يدفع النفوس إلى الكمالات، ويملؤها بعظم الهمة، وإذا رأينا من بعض قرائه همما ضئيلة، ونفوسا خاملة- فلأنهم لم يتدبروا آياته، ولم يتفقهوا في حكمه.
٤٨- تزكية النفس بالطاعة: فإن تزكية النفس
стр. 49
بطاعة الله- من أعظم ما يكسب الأخلاق الفاضلة إن لن تكن أعظمه.
قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكّاها﴾ الشمس: [٩] .
وقال: ﴿قد أفلح من تزكّى﴾ [الأعلى: ١٤] .
٤٩- لزوم الحياء: فالحياء خلق سنيّ، يبعث على فعل الجميل وترك القبيح.
فإذا تحلى المرء به انبعث إلى الفضائل، وأقصر عن الرذائل.
والحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خلق الإسلام، وهو شعبة من شعب الإيمان.
قال ﵊: "الحياء لا يأتي إلا بخير" ١.
وقال: "إن لكل دين خلقا؛ وخلق الإسلام الحياء" ٢.
وقال: "الحياء شعبة من شعب الإيمان" ٣.
وقال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى- إذا
стр. 50
لم تستحي فاصنع ما شئت".
قال ابن حبان: فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل، وبذر الجهل.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
٥٠- إفشاء السلام: فالسلام مدعاة للمحبة، ومجلبة للمودة، فإذا ما أفشى الناس السلام توادوا، وتحابوا، وإذا توادوا وتحابوا زكت نفوسهم، وزالت الوحشة فيما بينهم، فتحسن أخلاقهم تبعا لذلك.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" ١.
قال عمر بن الخطاب ﵁: إن مما يصفّي لك ودّ أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب
стр. 51
الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس.
٥١- إدامة النظر في السيرة النبوية: فالسيرة النبوية تضع بين يدي قارئها أعظم صورة عرفتها الإنسانية، وأكمل هدي وخلق في حياة البشرية.
قال ابن حزم ﵀: من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها- فليقتد بمحمد رسول الله "وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الإتساء به بمنّه آمين.
٥٢- النظر في سير الصحابة الكرام ﵃: فهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله ﷺ هديه، وسمته، وخلقه.
فالنظر في سيرهم والاطلاع على أحوالهم- يبعث على التأسي بهم، والاهتداء بهديهم.
٥٢- قراءة سير أهل الفضل والحلم: فإن قراءة سيرهم، والنظر في تراجمهم مما يحرك العزيمة إلى المعالي ومكارم الأخلاق؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام
стр. 52
القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
وكثيرا ما بعث الناس إلى محاسن الأخلاق حكاية قرؤوها عن رجل فاضل، أو حادثة رويت عنه.
٥٤- قراءة كتب الشمائل والكتب في الأخلاق: فإنها تنبه الإنسان على مكارم الأخلاق، وتذكره بفضلها، وتعينه على اكتسابها.
كما أنها تحذره من مساوئ الأخلاق، وتبين له سوء عواقبها، وطرق التخلص منها.
والكتب في هذا الباب كثيرة جدا ومنها:
أ- كتاب الشمائل المحمدية للترمذي.
ب- كتب الأدب من الصحاح والسنن.
ج- أدب الدنيا والدين للماوردي.
د- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان.
هـ- بهجة المجالس وأنس المجالس، وشحذ الذاهن والهاجس لابن عبد البر.
و عيون الأخبار لابن قتيبة.
ز- الأخلاق والسير في مداواة النفس لا بن حزم.
ح- الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح.
стр. 53
ط- عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل.
ي- جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب للقاسمي.
ك- رسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين.
٥٥- الاطلاع على الحكم المأثورة: فالحكم أقوال مأثورة، وكلمات موجزة مؤثّرة، تشتمل على رأي سديد، وحكم صائب، وقول ناتج عن تجربة، وخبرة، ودراية بالأمور ومجرياتها.
والحكم لا تصدر في الغالب إلا من عاقل حكيم، قد حنّكته التجارب، وعركته الأيام، ووسمته بميسمها.
والحكم لها الأثر البالغ في النفوس؛ فهي تغري بالفضائل، وتبين معالمها، وترشد إلى المكارم والمعالي، وتدعو إلى اكتسابها، وتعين على التحلي بها؛ ذلك أن الحكم وليدة التعقل، وثمرة التجربة، وعصارة الفكر.
والحكم توجد في الشعر والنثر على حد سواء.
ولقد ورد عن الأسلاف من الحكم الجامعة، والوصايا النافعة ما يتعذر جمعه واستقصاؤه.
وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك زيادة على ما ذكر في
стр. 54
تضاعيف هذا الكتاب.
أ- قالت عائشة ﵂: خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه ولا ابنه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب: صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ اللسان، والتذمم للجار، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن الحياء.
ب- وقال الشاعر أبو العمثيل يمدح عبد الله بن طاهر، ويوصي مصعب بن عبد الله بن طاهر أن يسير على نول أبيه:
يا من يحاول أن تكون خلاله ... كخلال عبد الله أنصت واسمع
فلأقصدنّك بالنصيحة والذي ... حجّ الحجيج إليه فاقبل أو دع
إن كنت تطمع أن تحلّ محلّه ... في المجد والشرف الأشم الأرفع
стр. 55
فاصدق وعفّ وبرّ وارفق واتّئد
... واحلم ودار وكاف واصبر واشجع
والطف ولن وتأنّ وانصر واحتمل ... واحزم وجدّ وحام واحمل وادفع
هذا الطريق إلى المكارم مهيعا ... فاسلك فقد أبصرت قصد المهيع
قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل عن هذه الأبيات: وقد جمعت هذه الأبيات خلال المكارم، وموجبات السؤدد، وتفاريق المروءة.
ج- وقيل لقيس بن عاصم: بم سوّدك قومك؟ قال: بكفّ الأذى، وبذل الندى، ونصرة المولى.
د- وقيل في وصف المكارم:
إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والصبر خامسها والصدق سادسها
والشكر سابعها والجود ثامنها ... والرفق تاسعها واللين عاشيها
стр. 56
٥٦- معرفة الأمثال السائرة: فالأمثال أقوال موجزة، تشبّه حالا مشاهدة منظورة بأحوال سابقة، والذي جمع بين الحال السابقة والحال القائمة هو المماثلة.
هذا وللأمثال أثر في النفوس، وسيرورة في الناس؛ فهي تبعث على العمل، وتقوم السلوك، وتضيء السبل، وتهدي في معترك الحياة.
وذلك بسبب ما تتضمنه من توجيه أو تنبيه أو تعليم؛ فالعاقل يسترشد إذا سمع المثل، والغافل يتذكر بالمثل ما مضى من حوادث التاريخ، وهكذا.
وللأمثال أهداف تربوية وخلقية بما تدعو إليه من قيم نبيلة، ومثل عليا، وبما ترسمه للمرء في حياته من أنواع السلوك الحميد، والاحتياط للأمور، وحسن التصرف فيها، وبما تنهى عنه من السلوك السّيئ، والتصرفات الشائنة.
ذلك أن الأمثال خفيفة الظل، سريعة الحفظ، تمزج الهزل بالجد، وتشير إلى ما تريد بطرف خفي، فتعالج كثيرا من الأمور بكلام يسير يصل إلى أعماق النفس.
وما من موقف يمر به الإنسان في حياته إلا ويجد من الأمثال ما يعبر عنه، ويهوّن عليه بلاءه، أو يخفف من
стр. 57
غلوائه، أو يوجهه الوجهة الصحيحة التي تقوم سلوكه، فتحبّبه في الجميل، وتنفره من القبيح.
قال علي بن عبد الرحمن بن هذيل: وليس يكمل أدب المرء حتى يعرف المثل السائر، والبيت النادر، وما يحكى عن أهل العصور من الأخبار العجيبة، وما وقع لهم من الألفاظ البليغة، والمعاني الغريبة؛ ففي ذلك العلم بالأمور، والعقل المكتسب، والأدب الصادر عن ذي المروءة والحسب.
وهذا عند العرب رصيد ضخم من الأمثال لا يحويه كتاب، ولا يستوفيه مصنف.
ومن الكتب المؤلفة في هذا الشأن ما يلي:
١- كتاب الأمثال لأبي عبيد.
٢- مجمع الأمثال للميداني.
٣- المستقصى من أمثال العرب للزمخشري.
هذا ما تيسر جمعه وتقييده من الأسباب والأمور المعينة على اكتساب حسن الخلق، والله المسؤول أن يهدينا لأرشد أمرنا، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.