المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
وجه الإشكال: أنَّ الآيات المذكورة في الحديث، إنما هي من الوصايا التي ذُكِرَتْ في التوراة، وليس فيها حجج على فرعون وقومه، بينما الآية صريحة بأن التسع إنما هي لإقامة الحجة والبرهان على فرعون؛ لوصفه تعالى إياها بقوله: (بَيِّنَاتٍ). (١)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث مسلكان:
الأول: مسلك قبول الحديث:
ولأصحاب هذا المسلك مذاهب:
الأول: مذهب توجيه الحديث وتأويله:
وهذا مذهب الجمهور من المفسرين، حيث ذهبوا إلى أنَّ الآيات التي أُعطيت لموسى ﵇ كانت عبارة عن معجزات ودلالات، وقد اتفقوا على تعداد سبع منها، وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الباقي. (٢)
وأما الحديث فقد اختلفوا في توجيهه على أقوال:
الأول: أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث هو كلام مستأنف، ذكره النبي ﷺ عقب
стр. 635
الجواب، لكن الراوي لم يذكر الجواب استغناء بما في القرآن، أو لأن الجواب ظاهرٌ جليٌ لا يخفى على السامع.
وهذا رأي: الطيبي، وتبعه القاري، والسندي، والمباركفوري. (١)
القول الثاني: أنَّ النبي ﷺ عدل عن الجواب وأجابه بما أجاب؛ لأن هذا هو الأصلح والأهم للسائل (٢)، ولم يكن النبي ﷺ يخفى عليه معنى الآية.
وهذا رأي: أبي السعود. (٣)
القول الثالث: أنَّ ما ذُكِرَ في الحديث هو من الآيات التي تُعبِّد بها بنو إسرائيل، وهذا لا ينافي ما ذُكِرَ عن الجمهور في تفسير الآية؛ لأن ما ذكروه هو من الآيات التي أوعدوا وخوفوا وأنذروا بها، على أنَّ ما ذكروه له حكم الرفع؛ لأنه من تفسير ابن عباس ﵄ (٤)، وهو مما لا مجال للرأي فيه؛ فيكون له حكم الرفع، وبهذا يكون النبي ﷺ قد قال كلا التفسيرين، إلا أنَّ مراده في أحدهما غير مراده بما في الآخر.
وهذا رأي: الطحاوي. (٥)
стр. 636
القول الرابع: أنه لا منافاة بين القرآن والحديث؛ لأن القرآن قد تضمن ذكر الآيات التي أوتيها موسى، والحديث فيه آيات أخر من التكليف، وكلُّ شاهدٍ لنبوة موسى فهو آية، وكل أمر أُمر به، أو نهي نُهي عنه فهو آية، وقد بين النبي ﷺ أنَّ المراد بالآيات المذكورة في هذه الآية هن الآيات التي من جهة الأمر والنهي، لا من جهة الإعجاز والبرهان.
وهذا رأي ابن العربي. (١)
المذهب الثاني: أنَّ المعتمد في تفسير الآية هو الحديث دون غيره، ويرى أصحاب هذا المذهب: أنَّ المراد بالآيات في الآية: هي الأحكام، لا الأدلة، وأطلق عليها آيات؛ لأنها علامات على السعادة لمن امتثلها، والشقاوة لمن تركها.
وهذا رأي: الفخر الرازي، والخفاجي، والآلوسي. (٢)
المسلك الثاني: مسلك تضعيف الحديث وعدم قبوله.
ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ الآية لا يصح في تفسيرها إلا ما ذُكِرَ في القرآن في مواضع متفرقة من أنَّ الآيات هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وغيرها.
وهذا رأي: الزيلعي (٣)، وابن كثير، وابن القيم (٤)، وابن حجر (٥).
قال الزيلعي: «والحديث فيه إشكالان: أحدهما: أنهم سألوا عن تسعة، وأجاب في الحديث بعشرة، وهذا لا يرد على رواية: أبي نعيم، والطبراني (٦)؛ لأنهما لم يذكرا فيه السحر، ولا
стр. 637
على رواية أحمد أيضاً؛ لأنه لم يذكر القذف مرة، وشك في أخرى، فيبقى المعنى في رواية غيرهم، أي خذوا ما سألتموني عنه، وأزيدكم ما يختص بكم، لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم.
الإشكال الثاني: أنَّ هذه وصايا في التوراة، ليس فيها حجج على فرعون وقومه، فأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون، وما جاء هذا إلا من عبد الله بن سلمة؛ فإن في حفظه شيئاً، وتكلموا فيه، وأنَّ له مناكير، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر كلمات فاشتبه عليه بالتسع آيات فوهم في ذلك، والله أعلم». اهـ (١)
وقال ابن كثير - بعد إيراده لحديث صفوان -: «وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات؛ فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم». اهـ (٢)
وقال: «المراد بالتسع الآيات: إنما هي ما تقدم ذكره، من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى، ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في حديث صفوان؛ فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون، وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة؛ فإن له بعضَ ما يُنكر، والله أعلم، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات؛ فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وهم في ذلك، والله أعلم». اهـ (٣)
стр. 638
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول بضعف الحديث، وأنَّ النبي ﷺ إنما سُئِلَ عن العشر الكلمات التي هي وصايا في التوراة، فاشتبهت على الراوي - وهو عبد الله بن سلمة - فظنها التسع الآيات المذكورة في آية الإسراء.
يدل على هذا الاختيار:
١ - أنه لم يُعْهَدْ أنَّ اليهود سألوا النبي ﷺ عن شيء من القرآن، وإنما المعهود سؤالهم عن شيء هو في كتبهم، أو عن أمر من أمور الغيب.
٢ - أنَّ اليهود أرادوا بسؤالهم هذا معرفة صدق النبي ﷺ ؛ بسؤاله عن شيء هم يؤمنون به، وهو ما في كتبهم، ويبعد أنْ يسألوا عن شيء من القرآن مع عدم إيمانهم به؛ ليستدلوا به على صدق النبي ﷺ .
٣ - أنَّ الحديث قد جاء في بعض رواياته تعداد عشر كلمات (١)، وهذا مما يؤكد أنَّ السؤال إنما كان عن العشر الكلمات، لا التسع آيات.
٤ - أنَّ الله تعالى وصف الـ «تسع» بأنها «آيات بينات»، والآية والبينة لا تكون إلا لما فيه حجة وبرهان، ولو كانت وصايا - كما في الحديث - لما حسن وصفها بقوله: «آيات بينات»، والله تعالى أعلم.
شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ. فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ (١).
قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ». (٢)(٨٥) ـ ( .. ): وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة .... »، ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله، وفيه: «فيأتون إبراهيم ﵇، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر كذباته الثلاث، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة - حين أتى على الجبار -: أخبري أني أخوك؛ فإني سأخبر أنا أنك أختي، فإنا أخوان في كتاب الله، ليس في الأرض مؤمن ولا مؤمنة غيرنا». (٣)
стр. 641
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الحديث:
ظاهرُ الحديثِ الشريف أنَّ قول إبراهيم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كان كذباً منه، ﵇، وهذا مشكل؛ لأن الكذب لا يجوز في حق الأنبياء ﵈، إذ الرسول ينبغي أنْ يكون موثوقاً به؛ ليُعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، ولأن الكذب المحض من جملة الكبائر، والأنبياء ﵈ معصومون منها بالإجماع. (١)
стр. 642
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الحديث:
للعلماء تجاه الإشكال الوارد في الحديث ثلاثة مسالك:
الأول: مسلك تأويل الآيات والحديث، ومنع وقوع الكذب المحض من إبراهيم الخليل، ﵇.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء.
وممن قال به:
ابن قتيبة، والزمخشري، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو العباس القرطبي، وأبو عبد الله القرطبي، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، والسيوطي، والآلوسي، وابن عثيمين. (١)
ويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ ما قاله إبراهيم ﵇ يعد من المعاريض (٢)، وهي مباحة، وليست من الكذب الذي يُذم صاحبه.
стр. 643
قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف جاز له أنْ يكذب؟ قلت: قد جوَّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين، والصحيح أنَّ الكذب حرام، إلا إذا عَرَّضَ ووَرَّى، والذي قاله إبراهيم ﵇ مِعْرَاضٌ من الكلام». اهـ (١)
قالوا: والمعاريض لا تُذم، خصوصاً إذا احتيج إليها، فعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (٢)، وقال عمر بن الخطاب ﵁: «ما يسرني أنَّ لي بما أعلم من معاريض القول، مثل أهلي ومالي» (٣)، وقال رسول الله ﷺ لعجوز: «إن الجنة لا يدخلها عجوز» (٤)،
أراد قوله تعالى: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)) [الواقعة: ٣٥]، وكان أبو بكر ﵁ حين خرج من الغار، مع رسول الله ﷺ ، إذا سأله أحد: من هذا بين يديك؟ يقول: «هادٍ يهديني» (٥)، وكانت امرأة ابن رواحة ﵁، قد
стр. 644
رأته مع جارية له، فقالت له: وعلى فراشي أيضاً! فجحد، فقالت له: إن كنت صادقاً فاقرأ القرآن، فالجُنُب لا يقرأ القرآن. فقال:
شَهِدْتُ بأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ... وأَنَّ النارَ مَثْوَى الكافِرِينا
وأَنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ ... وفوقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينا
وتَحْمِلُه ملائكةٌ شِدادٌ ... ملائكةُ الإِلهِ مُسَوّمِينا
فقالت: آمنت بالله، وكذبت بصري. فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فضحك، وأعجبه ما صنع. (١)
وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في وجه إطلاق النبي ﷺ على تلك الكلمات التي قالها إبراهيم الخليل ﵇ بأنها كذب، على أقوال:
الأول: أنَّ النبي ﷺ أطلق عليها الكذب من باب التجوز؛ لأنها في الحقيقة شبيهة بالكذب، لما فيها من إيهام السامع، وإخباره بخلاف ما يعتقده المتكلم، ولم يُرِدْ النبي ﷺ أنها من الكذب الذي هو قصد قول الباطل، والإخبار بضد ما في النفس، من غير غرض شرعي؛ لأن هذا لا يجوز في حق الأنبياء، ﵈.
وهذا رأي: ابن قتيبة، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، والآلوسي. (٢)
стр. 645
قال أبو بكر بن الأنباري: «كلام إبراهيم كان صدقاً عند البحث، وإنما أراد النبي ﷺ أنه قال قولاً يشبه الكذب في الظاهر، وليس بكذب». اهـ (١)
وقال ابن عقيل: «دلالة العقل تصرف ظاهر هذا اللفظ، وذاك أنَّ العقل قطع بأن الرسول ينبغي أنْ يكون موثوقاً به، ليُعلَمَ صِدْقَ ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما استُعيرَ ذِكْرُ الكذب؛ لأنه بصورة الكذب، فسماه كذباً مجازاً، ولا يجوز سوى هذا». اهـ (٢)
وقال ابن القيم: «وسُمّيَ قولُ إبراهيم هذا كذباً؛ لأنها تورية، وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة، لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذباً؟ والتحقيق في ذلك: أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم، فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد المُوري أنْ يُفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه، أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقاً باعتبار قصده ومراده». اهـ (٣)
وقال الحافظ ابن حجر: «وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة، فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذباً، لكنه إذا حُقِّقَ لم يكن كذباً؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذبٍ محض». اهـ (٤)
القول الثاني: أنَّ النبي ﷺ أطلق عليها كذباً؛ لأن الله تعالى قد أعلمه أنَّ إبراهيم ﵇ يُطلق ذلك على نفسه يوم القيامة.
стр. 646
وهذا رأي أبي العباس القرطبي. (١)
القول الثالث: أنَّ المراد من الحديث: أنها كذبات في بادئ الأمر، لكنها عند التأمل يظهر المقصود منها، وذلك أنَّ النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب، وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار الواقع بخلافه، وأما إذا كان الخبر يُعْقَب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب، بل يكون تعريضاً، أو مزحاً، أو نحوهما.
وهذا قول الطاهر بن عاشور، ويرى: أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ، ولا المجاز، ولا التهكم، فكان ذلك عند قومه كذباً، وأن الله تعالى أذن له فعل ذلك، وأعلمه بتأويله؛ كما أذن لأيوب ﵇ أنْ يأخذ ضِغْثاً (٢) من عصيٍّ؛ فيضرب به ضربة واحدة، لِيَبُرَّ قَسَمَه (٣)، إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب ﵇. (٤)
وأما حديث الشفاعة، وقول إبراهيم ﵇: «إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ» (٥)؛ فقد أجاب عنه الطاهر بن عاشور بأن معناه: «أنه قال كلاماً خلافاً للواقع، بدون إذن الله بوحي، ولكنه ارتكب قولَ خلافِ الواقع؛ لضرورة الاستدلال، بحسب اجتهاده، فخشي أنْ لا يُصادِفَ اجتهاده الصواب من مراد الله، فخشي عتاب الله، فتخلص من ذلك الموقف». اهـ (٦)
ويرى الشيخ ابن عثيمين: أنَّ إبراهيم ﵇ سماها كذبات، تواضعاً منه؛
стр. 647
لأنها بحسب مراده صدق مطابق للواقع، فهي من باب التورية. (١)
رأي أصحاب هذا المسلك، في معنى الآيتين، ووجه كونهما من المعاريض:
لأصحاب هذا المسلك عدة تأويلات في معنى الآيتين، ووجه كونهما من المعاريض، وفيما يأتي ذِكْرُ أقوالهم في كل آية:
أولاً: تأويلهم لقوله تعالى: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) [الأنبياء: ٦٣]:
اختلفوا في تأويل الآية على قولين:
الأول: أنَّ معنى الآية: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، حيث جعل النطق شرطاً للفعل، والمعنى إن كانوا ينطقون فقد فعله، قالوا: ولما علق الفعل على النطق، والنطق غير متحقق، لم يكن قوله هذا كذباً.
وهذا رأي: ابن قتيبة (٢)، والقاضي عياض (٣)، وأبي عبد الله القرطبي (٤).
واعتُرِضَ: بأن قوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: ٦٣] متعلق بقوله: (فَاسْأَلُوهُمْ) [الأنبياء: ٦٣]، والمعنى: إن كانوا ينطقون، فاسألوهم.
القول الثاني: أنه قال ذلك تمهيداً لإقامة الحجة عليهم، على نية أنْ يتضح لهم الحق بآخره، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهد لذلك بكلامٍ هو جار على الفرض والتقدير، فكأنه قال: لو كان هذا إلهاً لما رضي بالاعتداء على شركائه، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم، تعين أنَّ يكون هو الفاعل لذلك.
وهذا رأي: الزمخشري، وابن العربي، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي، وأبي العباس القرطبي، والرازي، والسيوطي، والآلوسي. (٥)
стр. 648
ثانياً: تأويلهم لقوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: ٨٩]:
يرى الأكثر من أصحاب هذا المسلك أنَّ معنى الآية: إني سأسقم؛ لأن من كُتب عليه الموت فلا بد من أنْ يسقم، ومنه قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠)) [الزمر: ٣٠]، أي ستموت، ويموتون. (١)
الثاني: مسلك إجراء الآيات والحديث على ظاهرها، وأنَّ ما قاله إبراهيم الخليل ﵇ كان كذباً على الحقيقة.
ويرى أصحاب هذا المسلك: أنَّ إبراهيم ﵇ فعل ذلك من باب التُقية، ودفعِ أذى الظالمين، والكذبُ إذا كان لمثلِ هذا الغرض، وكان لمصلحةٍ شرعية؛ فإنه لا مانع منه، ولا يكون محرماً.
وهذا رأي: ابن جرير الطبري، وابن حزم، والواحدي (٢)، والمازري (٣)، والبغوي (٤)، والسمعاني (٥).
قال ابن جرير الطبري: «وقد زعم بعض من لا يُصَدِّقُ بالآثار، ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل، من العوام، أنَّ معنى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) إنما هو بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الآلهة المكسورة تنطق؛ فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قولٌ خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ : أنَّ إبراهيم لم يكذب إلا
стр. 649
ثلاث كذبات، كلها في الله، قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) وقوله لسارة: هي أختي. وغير مستحيل أنْ يكون الله تعالى ذكره أذن لخليله في ذلك، ليقرع قومه به، ويحتج به عليهم، ويعرفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذن يوسف لإخوته: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف: ٧٠] ولم يكونوا سرقوا شيئاً». اهـ (١)
وقال - بعد أنْ ذكر الأقوال في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي سَقِيمٌ) -: «وقال آخرون: إن قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) كلمة فيها مِعْراضٌ، ومعناها: أنَّ كل من كان في عقبة الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: والخبر عن رسول الله ﷺ بخلاف هذا القول، وقول رسول الله ﷺ هو الحق دون غيره». اهـ (٢)
وقال ابن حزم: «أما الحديث: أنه ﵇ كذب ثلاث كذبات، فليس كلُ كذبٍ يكون معصية، بل منه ما يكون طاعة لله ، وفرضاً واجباً يعصي من تركه .... ، وقد أجمع أهل الإسلام على أنَّ إنساناً لو سمع مظلوماً قد ظلمه سلطان، وطلبه ليقتله بغير حق، ويأخذ ماله غصباً؛ فاستتر عنده، وسمعه يدعو على من ظلمه، قاصداً بذلك السلطان، فسأل السلطانُ ذلك السامع عما سمعه منه، وعن موضعه؛ فإنه إن كتم ما سمع، وأنكر أنْ يكون سمعه، أو أنه يعرف موضعه أو موضع ماله؛ فإنه محسن مأجور، مطيع لله ، وأنه إن صدقه فأخبره بما سمعه منه، وبموضعه وموضع ماله؛ كان فاسقاً عاصياً لله ، فاعل كبيرة، مذموماً تماماً.
وقد أُبيح الكذب في إظهار الكفر في التقية، وكل ما روي عن إبراهيم ﵇ في تلك الكذبات فهو داخل في الصفة المحمودة، لا في الكذب الذي نهي عنه». اهـ (٣)
الثالث: مسلك تأويل الآيات، ورد الحديث وإنكاره.
وهذا رأي الفخر الرازي، حيث قال: «واعلم أنَّ بعض الحشوية روى
стр. 650
عن النبي ﷺ أنه قال: ما كذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات. فقلت: الأولى أنْ لا نقبل مثل هذه الأخبار، فقال على طريق الاستنكار: فإن لم نقبله؛ لزمنا تكذيب الرواة. فقلت له: يا مسكين، إن قبلناه؛ لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم ﵇ وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أنَّ صون إبراهيم ﵇ عن الكذب، أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب». اهـ (١)
قلت: وهذا القول من الرازي مردود عليه، فالحديث صحيح لا مطعن فيه، وقد رُوي من عدة طرق، رواتها كلهم ثقات عدول معروفون، ولا سبيل لتكذيبهم، أو رميهم بالجهالة؛ ورحم الله الفخر الرازي؛ فإنه لما أعياه الجواب عن الحديث لجأ إلى رده وإنكاره، ورميِ رواته بالكذب، وليس هذا من شأن العلماء العارفين؛ فإن النصوص لا ترد بمجرد الرأي والهوى، والرازي لا يؤخذ بقوله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وبضاعته فيه مزجاة، قال عنه الإمام الذهبي: «وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم، وسِحْرٌ وانحرافات عن السُّنة، والله يعفو عنه؛ فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر». (٢)
وأما رأي الرازي في معنى الآيتين، فقد مضى بيانه، عند ذكر رأي أصحاب المذهب الأول.
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ هو مذهب إجراء الآيات والأحاديث على ظاهرها، وأن ما قاله إبراهيم الخليل ﵇ كان كذباً على الحقيقة.
وليس في فعله هذا قدح بعصمته، أو اتهام له بفعل محذور شرعي،
стр. 651
حاشاه ﵇ من ذلك، بل الحق أنَّ ما فعله مأذون له فيه، لما فيه من جلب مصلحة عظيمة، وهي إقامة الحجة على قومه، ودحض باطلهم.
والكذب إنما يكون مُحرّماً إذا ترتب عليه مفاسد، وضياعٌ لحقوق الآخرين، وأما إذا كان لغرض شرعي، وفيه مصلحة؛ فإنه لا محذور فيه، وهذا ما قررته الشريعة؛ فإنه قد أُبيح الكذب في ثلاثة مواطن، في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وفي كذب الزوجين بعضهما على بعض؛ لمصلحة تتعلق بهما (١)، وما أُبيح للأمة فهو مباح للأنبياء ﵈ إلا أنْ يأتي دليل يخصهم بالمنع.
«وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً؛ ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً، وسأل عن ذلك، وجب على من علم ذلك إخفاؤه، وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز، بل واجب؛ لكونه في دفع الظالم». (٢)
وقد نبّه النبي ﷺ على أنَّ كذبات إبراهيم ﵇ ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم، وذلك بقوله: «ثنتين منها في ذات الله»، وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى؛ لكون الثالثة تضمنت نفعاً وحظاً لإبراهيم ﵇ مع كونها في ذات الله أيضاً؛ لأنها كانت سبباً في دفعِ كافرٍ ظالمٍ عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على ذلك، وهذه الرواية قال فيها النبي ﷺ : «مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ» (٣). (٤)
وبعد هذا التقرير سأذكر بعضاً من الأدلة، التي تؤيد صحة ما ذهبت إليه، من وجوب حمل الآيات والأحاديث على ظاهرها:
стр. 652
الدليل الأول: تسمية النبي ﷺ لها كذبات، ولو كانت من المعاريض لبين ذلك، فقال: لم يكذب إبراهيم، وإنما أراد التعريض.
الدليل الثاني: أنَّ إبراهيم ﵇ سماها كذبات، ولو كانت من المعاريض لما أطلق عليها لفظ الكذب.
الدليل الثالث: اعتذار إبراهيم من كذباته يوم القيامة، ولو كانت من المعاريض لما خاف منها، واعتذر لها.
الدليل الرابع: أنَّ الآيات صريحة بأنه قال كلاماً هو خلاف الواقع، ولا يمكن حملها على التعريض والتورية، وما ذكره أصحاب المذهب الأول في توجيه الآيات وحملها على المعاريض يُعدُّ بعيداً جداً، وفيه تكلف يأباه النظم الكريم، والحق وجوب حملها على ظاهرها، دون تكلف أو تأويل.
وهذا القول ليس فيه قدح بعصمة النبي، إبراهيم الخليل ﵇؛ لأنه لو كان ما فعله مذموماً؛ لأنكر الله عليه فعله هذا، وإنَّ في إقرار الله له؛ لدليلاً على جواز ما فعله.
وأما اعتذار إبراهيم ﵇ يوم القيامة؛ فلإشفاقه من هول ذلك الموقف، وقد اعتذر كل الأنبياء - سوى نبينا محمد ﷺ عن أمور اعتقدوها ذنوباً، وليست كذلك، وإنما كان اعتذارهم إشفاقاً وخوفاً من هول ذلك الموقف.
وأما القول بأن نسبة الكذب إلى الأنبياء يرفع الوثوق بهم، فإن هذا افتراض عقلي لا ينبغي إيراده؛ لأن الله تعالى لا يمكن أنْ يقرَّهم على الكذب، على فرض وجوده، والحق أنَّ الأنبياء لا يستطيعون قَدَرَاً إيقاع الكذب، فيما يتعلق بالبلاغ؛ لأن الله تعالى اصطفاهم واختارهم من سائر البشر، وعصمهم من كل ما يَشِينُ إلى دعوتهم ورسالتهم.
قال المازري: «أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى؛ فالأنبياء معصومون منه، سواء كثيره وقليله، وأما مالا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر، كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا، ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف». اهـ (١)
стр. 653
وقال القاضي عياض: الصحيح أنَّ الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يُتَصوّر وقوعه منهم، سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منها أم لا، وسواء قلَّ الكذب أم كَثُر؛ لأن مَنْصِبَ النبوة يرتفع عنه، وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم. اهـ (١)
****
стр. 654
المسألة [٩]: في الوقت الذي تكون فيه زلزلة الساعة .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)) [سورة الحج: ١ - ٢].
المبحث الثاني: ذكر الأحاديث المشكلة الواردة في تفسير الآية:
(٨٦) ـ (٧٤): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ. فيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .... ». (١)(٨٧) ـ ( .. ): وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ:
стр. 655
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)) إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) قَالَ: «أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ .... ». (١)
المبحث الثالث: بيان وجه الإشكال في الأحاديث:
ظاهر الحديثين الشريفين أنَّ زلزلة الساعة المذكورة في الآية تكون يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، وقد اسْتُشْكِلَ بأنَّ ذلك الوقت لا حمل فيه ولا رضاع، فكيف يكون فيه ذهول المرضعة عما أرضعت، ووضع الحامل لحملها؟ (٢)
المبحث الرابع: مسالك العلماء في دفع الإشكال الوارد في الأحاديث:
اختلف المفسرون في الوقت الذي تكون فيه الزلزلة المذكورة في الآية على مذهبين:
الأول: أنها كائنة في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم الساعة.
وهذا المذهب قال به بعض المتقدمين، كعلقمة، والشعبي، وابن جريج، ومقاتل. (٣)
стр. 656
وهو اختيار القاضي ابن عطية، وحكاه مذهب الجمهور من المفسرين. (١)
واسْتَدَلَّ له: بأنَّ الرضاع والحمل لا يكون إلا في الدنيا، وأما الآخرة فلا يكون فيها شيء من ذلك.
وأجاب عن الأحاديث الواردة في المسألة: باحتمال أنَّ النبي ﷺ قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة، ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة، وهذا من الفصاحة. (٢)
المذهب الثاني: أنَّ الزلزلة المذكورة في الآية كائنة يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم.
وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير الطبري، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبي عبد الله القرطبي، والنووي، والحافظ ابن حجر، والشنقيطي. (٣)
وعمدتهم في هذا التفسير الأحاديث الواردة في المسألة، الدالة على أنَّ ذلك كائن يوم القيامة، يوم أنْ يقول الله تعالى لآدم ﵇: أخرج بعث النار.
ولهم في الجواب عن الإشكال الوارد في الأحاديث مسلكان:
الأول: حمل الأوصاف المذكورة في الحديثين على المجاز.
ويرى أصحاب هذا المسلك أنَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث هو كناية عن شدة الهول والهلع، بحيث إنه لو حضرت حامل حينئذ لوضعت، ولو حضرت مرضعة لذُهِلَتْ عما أرضعت.
стр. 657
وهذا المسلك قال به ابن الجوزي، والنووي. (١)
المسلك الثاني: حمل الأوصاف المذكورة في الحديثين على الحقيقة.
حيث ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنَّ ما ذُكِرَ في الأحاديث محمول على الحقيقة؛ لأن كل أحدٍ يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه، فالحامل تُبعث حاملاً، والمرضع تُبعث مرضعاً، والطفل يُبعث طفلاً؛ فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وقع بهم من الوجل ما يسقط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتذهل به المرضعة.
قال: «ويحتمل أنْ يكون ذلك بعد النفخة الأولى، وقبل النفخة الثانية، ويكون خاصاً بالموجودين حينئذ، وتكون الإشارة بقوله: «فذاك» إلى يوم القيامة، وهو صريح في الآية، ولا يمنع من هذا الحمل ما يتخيل من طول المسافة بين قيام الساعة، واستقرار الناس في الموقف، ونداء آدم لتمييز أهل الموقف؛ لأنه قد ثبت أنَّ ذلك يقع متقارباً؛ كما قال الله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (١٤)) [النازعات: ١٣ - ١٤]، يعني أرض الموقف، وقال تعالى: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ) [المزمل: ١٧ - ١٨]، والحاصل أنَّ يوم القيامة يطلق على ما بعد نفخة البعث من أهوال وزلزلة وغير ذلك إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار». اهـ (٢)
ولابن العربي جواب آخر، حيث يرى أنَّ يوم الزلزلة يكون عند النفخة الأولى، وفيه ما يكون فيه من الأهوال العظيمة، ومن جملتها ما يقال لآدم، ولا يلزم من ذلك أن يكون ذلك متصلاً بالنفخة الأولى، بل له محملان:
أحدهما: أنْ يكون آخر الكلام منوطاً بأوله، والتقدير: يقال لآدم ذلك في أثناء اليوم الذي يشيب فيه الولدان، وغير ذلك.
وثانيهما: أنْ يكون شيب الولدان عند النفخة الأولى حقيقة، والقول
стр. 658
لآدم يكون وصفه بذلك إخباراً عن شدته وإنْ لم يوجد عين ذلك الشيء. (١)
وذكر الحليمي واستحسنه أبو عبد الله القرطبي أنه يحتمل أنْ يحيي الله حينئذ كل حمل كان قد تم خلقه ونُفخت فيه الروح، فتذهل الأم حينئذ عنه؛ لأنها لا تقدر على إرضاعه، إذ لا غذاء هناك ولا لبن، وأما الحمل الذي لم يُنفخ فيه الروح فإنه إذا سقط لم يحيى، لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى في الآخرة. (٢)
المبحث الخامس: الترجيح:
الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أنَّ الزلزلة المذكورة في الآية كائنة يوم القيامة بعد قيام الناس من قبورهم، لثبوت هذا التفسير عن النبي ﷺ .
وأما الإشكال الوارد في الأحاديث فالأقرب هو حمل الأوصاف المذكورة فيها على المجاز، فيكون ذِكْرُ ذهول المرضعة عما أرضعت ووضع الحامل لحملها هو من باب تصوير شدة ذلك اليوم، لا أنَّ ذلك يكون حقيقة.
ومما يؤكد قصد المجاز في الأحاديث أنَّ هذه الأوصاف ذُكِرَتْ بعينها في الآية، وذُكِرَ بعدها قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى) [الحج: ٢] وهذا الوصف الأخير في الآية يُعَدُّ من صريح المجاز، حيث نفى سبحانه أنْ يكونوا سكارى حقيقة (٣)، فَدَلَّ على أنَّ باقي الأوصاف هي من باب المجاز أيضاً، والله تعالى أعلم.
****
стр. 659
المسألة [١٠]: في قصة الغرانيق .
المبحث الأول: ذكر الآية الواردة في المسألة:
قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى (١) أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)) [الحج: ٥٢ - ٥٣].
المبحث الثاني: ذكر الحديث المشكل الوارد في تفسير الآية:
(٨٨) ـ (٧٥): عن ابن عباس ﵄: «أنَّ النبي ﷺ كان بمكة؛ فقرأ سورة النجم، حتى انتهى إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)) [النجم: ١٩ - ٢٠] فجرى على لسانه: (تلك الغرانيق (٢) العُلى،
стр. 660
الشفاعة منها تُرتجى) قال: فسمع ذلك مشركو مكة، فَسُرُّوا بذلك، فاشتَدَّ على رسول الله ﷺ ؛ فأنزل الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢))». (١)