← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مطاعة اللّحظ في الألحاظ مالكةٌ ... لمقلتيها عظيم الملك في المقل اللحظ: العين ها هنا. يقول: إنها ملكت عيون الناس بحسن عينيها، وغنج ألحاظها، فلم تدع عينا أن تتخطاها إلى غيرها، فهي إذاً مطاعة العين فيما بين العيون كلها، وهي مالكة لمقلتيها الملك العظيم فيما بين المقل. تشبّه الخفرات الآنسات بها ... في مشيها فينلن الحسن بالحيل الخفرة: الحيية، والآنسة: التي تأنس محدثها ويأنس هو بها. يقول: إن النساء الحسان يتشبهن بها في مشيها فيمسن كما تميس هي، فينلن حسن مشيها بالحيل والسرقة، وكأنهن يحاكينها في المشي فقط. قد ذقت شدّة أيّامي ولذّتها ... فما حصلت على صابٍ ولا عسل الصاب: شجر مر. يقول: جربت أحوال الدهر، وذقت حلاوته ومرارته، فما وجدت لشيء منها حقيقة، لأنه لا يدوم ولا يبقى. وقد أراني الشّباب الرّوح في بدني ... وقد أراني المشيب الرّوح في بدلي فاعل أراني: الشباب، والمشيب والروح مفعوله الثاني، والكناية في أراني مفعوله الأول. والبدل قيل: أراد به غيره من الشبان ومعناه: أني ما دمت شاباً رأيت روحي في بدني، والآن لما شبت أرى الحياة في غير من الشبان، فكأن الروح التي كانت في انتقلت مني إلى غيري. وقيل: معناه أيقنت عند طلوع الشيب أني قد ندبت إلى فراق الدنيا ليعمرها غيري. وقيل: أراد بالبدل ولده، أي ما كنت أراه في نفسي من اللذة والروح في الحياة، انتقل مني إلى ولدي، فصرت أرى في بدلي وهو ولدي الذي يخرج مني، بعد ما كانت في بدني، وكأني قد انتقلت من الدنيا، وقام ولدي مقامي. وقد طرقت فتاة الحيّ مرتدياً ... بصاحبٍ غير عزهاةٍ ولا غزل طرقتها: أتيتها ليلاً والعزهاة: الجافي الذي لا يصبو إلى النساء ولا يرغب فيهم والغزل: ضده. يقول: ربما زرت حبيبتي ليلا، وأنا متقلد بسيفي، وجعله صاحبه، ثم قال: إن صاحبي لا يكره النساء ولا يميل إليهن، فهو لا عزهاة ولا غزل. فبات بين تراقينا ندفّعه ... وليس يعلم بالشّكوى ولا القبل يقول: ضاجعتها، وعلي سيفي، فبات بيني وبينها، وكنا ندفعه إلى جانب عند المباشرة، وهو لا يعلم ما يجري بيننا من القبل والشكوى. ثمّ اغتدى وبه من ردعها أثرٌ ... على ذؤابته والجفن والخلل الردع: أثر الزعفران وأثر الطيب، وذؤابة السيف: السير الذي في طرف قائمه. والجفن: الغمد. والخلل: الغاشية التي يغشى بها السيف. يقول: اغتدى السيف وقد علق به من طيها أثر، وكذلك علق بذؤابته وغمده. لا أكسب الذّكر إلاّ من مضاربه ... أو من سنان أصمّ الكعب معتدل يقول: لا أكسب الذكر الجميل، والثناء الحسن، إلا بحد السيف وسنان الرحم الأصم الكعب، فلهذا لا أفارقه. جاد الأمير به لي في مواهبه ... فزانها وكساني الدّرع في الحلل به: أي بالسيف فزانها: أي زان المواهب. يقول: هذا السيف الذي لا أكسب الذكر إلا من مضاربه، وهبه لي الأمير في جملة مواهبة، فزان هذا السيف. وقيل: زان سيف الدولة المواهب، وكذلك كساني الدرع في جملة ما كساني من الحلل. ومن عليّ بن عبد الله معرفتي ... بحمله، من كعبد الله أو كعلي؟! معرفتي: ابتداء. ومن علي بن عبد الله خبره. يقول: إنما تعلمت حمل السيف من سيف الدولة، ومن يشبه سيف الدولة أو والده في الجود والكرم؟! معطى الكواعب والجرد السّلاهب وال ... بيض القواضب والعسّالة الذّبل السلاهب: الطوال من الخيل والعسالة: الرماح المضطربة. يقول: سيف الدولة هو يهب هذه الأشياء كلها. ضاق الزّمان ووجه الأرض عن ملكٍ ... ملء الزّمان وملء السّهل والجبل عن ملك: يعني ملأ الزمان بأفعاله ومناقبه وذكره، وملأ الأرض بخيله ورجله، حتى ضاقت عنه. فنحن في جذلٍ، والرّوم في وجلٍ ... والبرّ في شغلٍ، والبحر في خجل يعني: نحن في سرور من إحسانه إلينا، والروم في خوف من غزوه إليهم، والبر في شغل بخيله وجوده، والبحر في خجل من كثرة عطائه. من تغلب الغالبين النّاس منصبه ... ومن عديّ أعادي الجبن والبخل هو من تغلب، وتغلب من عدي، وروى: العنصر والمنصب، وهما الأصل.

стр. 282

يقول: أصله من تغلب الذين هم يغلبون الناس، ومن عدي أيضاً وهم أعادي البخل والجبن. أي إنهم في طباعهم الجود والشجاعة. والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهليّة عين العيّ والخطل تنجده: أي تعينه، والخطل: الكلام الفاسد. يقول: إذا استعنت في مدحه بذكر أيام آبائه، الذين كانوا في الجاهلية وإعانة مدحه بوصفهم عين العي والخطل، لأنك تجد في مناقبه ما لا يحتاج معه إلى ذكر آبائه. قال ابن جنيك سألته عن هذا، قال: بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة بذكر آبائه وأجداده ويعني به: النامي الشاعر. وقيل: يجوز ألا يراعي السبب في ذلكن غير أنه لما قال فيما قبله من تغلب البيت. عاد إلى مدحه في نفسه، وبين أنه لم يذكر آباءه لاحتياجه إلى ذلك. ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول؟! يقول لذلك الشاعر. أو لنفسه: ليت أن الشعر يستوفي فضائله ومآثره، أي أن ما فيه من المناقب لا تحيط به المدائح، فما كليب وغيره من المتقدمين في الأزمنة الخالية بالإضافة إليه، حتى تذكر مناقبهم في مدحه! خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل يقول: خذ ما قرب منك، ودع ذكر من غاب عنك، ولا سيما القريب منك الذي تشاهده، أكثر مناقب من البعيد الذي سمعت بذكره، وضرب المثل وشبهه بالشمس وأباه بزحل، فإن الشمس أقرب إلينا من زحل، وأبين منه نوراً، وأكثر منه فضلا. يعني: عليك بمدح سيف الدولة الذي هو كالنور. وهذا البيت من محاسن الشعر. وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ ... فإن وجدت لساناً قائلاً فقل يقول: قد وجدت لمدحك مجالاً، ولمكانك في الوصف مقالاً، فإن كان لك لسان يساعدك، وبيان يطاوعك فامدح. ومثله للنميري: إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا إنّ الهمام الّذي فخر الأنام به ... خير السّيوف بكفّي خيرة الدّول خير السيوف: خبر إن. يقول: إن الملك الهمام الذي يفتخر به الأنام هو خير السيوف بكفي خيرة الدول، وهي دولة الإسلام، لأنه سيفها. تمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيءٍ: ليت ذلك لي يقول: إنه بلغ فوق ما يتمناه، فلا يرى شيئاً لم يصل إليه، فيتمنى أن يكون له! بل إذا تمنى شيئاً وصل إليه، وإلى ما هو خير منه. ومعنى قوله: تمسي الأماني صرعى دون مبلغه معنى بديعي، لأبلغ مبلغاً، كل أمنية ساقطة دونه، فلا يحتاج أن يتمناها مع تجاوزه عنها، وهو في هذا ينظر إلى قول عنترة العبسي. ألا قاتل الله الطّلول البواليا ... وقاتل ذكراك السّنين الخواليا وقيلك للشّيء الّذي لا تناله ... إذا ما حلافي العين: يا ليت ذاليا! انظر إذا اجتمع السّيفان في رهجٍ ... إلى اختلافهما في الخلق والعمل الرهج: الغبار. يقول: إذا ارتفع غبار الحرب، فانظر إلى سيف الدولة، وإلى السيف الذي في يده؛ لتعرف فضل ما بينهما خلقاً وعملا، يعني أنه وإن شارك السيف في الاسم، فهو مخالف له في الخلق والعمل والمضاء، والعزم والفناء. هذا المعدّ الدّهر منصلتاً ... أعدّ هذا الرّأس الفارس البطل أعد: فاعله المعد لريت الدهر. والمنصلت: المتجرد من الغمد، ومنصلتاً نصب على الحال. يقول: إن سيف الدولة سيف جعله الخليفة عدته لحوادث الدهر، وهذا السيف قد اتخذ سيف الحديد عدة للحرب، ليضرب رءوس الأبطال، فهذا الأول إشارة إلى سيف الدولة والثاني إشارة إلى سيف الحديد. فالعرب منه مع الكدريّ طائرةٌ ... والرّوم طائرةٌ منه مع الحجل الكدري: ضرب من القطا، تضرب ألوانها إلى الكدرة والحجل: القبج. يقول: إن الروم والعرب هربت منك، والتجأت إلى البوادي والجبال، فالعرب هاربة إلى البوادي مع القطا، والروم إلى الجبال مع القبج. وخص العرب بالقط؛ لأنها تكون في بلاد العرب دون الروم، وخص الروم بالحجل، لأنها تكون في بلاد الروم وجبالها. وما الفرار إلى الأجبال من أسدٍ ... تمشي النّعام به في معقل الوعل الضمير في به للأسد، وأراد به: سيف الدولة، وأراد بالنعام ها هنا الخيل خيل سيف الدولة العراب. يقول: كيف يمنع الروم فرارها إلى الأجبال من أسد تمشي به الخيل في الجبل التي هي معقل الوعل.

стр. 283

شبه الخيل بالنعام لسرعتها. وفيه إشارة إلى أنه لا يمتنع عليه أمر رامه؛ لأنه إذا أمكنه أن يبلغ بالنعا وهي سهلية إلى رءوس الجبال، فكيف يقدرون على التحرز منه في معقل الأوعال. وقيل: معناه أن سيف الدولة لو ركب النعام مشت به في معاقل الأوعال، مع أنها من طير السهل، لأنه قد سهل له كل صعب. وقيل: أراد بالنعام حقيقتها. ومعناه: أنه قد أحوج النعام التي هي من طيور السهل إلى الفرار منه ومن جيشه إلى رءوس الجبال. جاز الدّروب إلى ما خلف خرشنةٍ ... وزال عنها وذاك الرّوع لم يزل الدروب: مضايق الروم. وقيل: هي دروب الروم. وقيل: موضع بعينه. وخرشنة: بلد في الروم. يقول: دخل بلاد الروم حتى جاوز الدروب والمضايق، وخلف خرشنة وراء ظهره، ثم عاد منها بعد الإغارة والسبي وخوفه بعد في قلوبهم لم يزل عنهم. فكلّما حلمت عذراء عندهم ... فإنّما حلمت بالسّبي والجمل يقول: قد تمكن رعبك في قلوبهم، فالبكر منهم ترى في نومها أنها تسبى؛ لتمكن ذلك في نفسها في حال اليقظة، فهي تراه في المنام، أو ترى الجمل؛ لأنه لا يكون في بلاد الروم، فالنفس له أنكر والطباع منه أنفر. وقيل: خص الجمل؛ لأنها إذا سبيت تحمل على الإبل. وقيل: معناه أنهن يسبين صغاراً فيحملن على الجمال إلى عند أصحاب سيف الدولة؛ لأنها أصحاب جمالز ومثله لعلي بن جبلة: وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمّدٍ ... رصدان: ضوء الصّبح والإظلام ومثل ذلك لأبي الطيب: يرى في النّوم رمحك في كلاه ... ويفرق أن يراه في السّهاد إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزي بذلوا ... منها رضاك ومن للعور بالحول!؟ الجزي: جمع جزية يقول: إن كنت ترضى منهم بالجزية، أعطوك منها ما تطلب، فهم يتمنون ذلك، كما يتمنى الأعور الحول، لأن الجزية خير لهم وأحب في أنفسهم من السبي والقتل، كما أن الحول خير من العور. ناديت مجدك في شعري وقد صدرا ... يا غير منتحلٍ في غير منتحل صدرا: راجع إلى مجد سيف الدولة وشعر المتنبي، وفيه إشارة إلى أنهما ليسا بمستحدثين، ولو قال: وردا لأوهم ذلك، والانتحال: ادعاء الشيء كذباً. يقول: ناديت مجدك فيما أقوله في مدائحك، فقلت في ندائي: يا مجداً غير منتحل في شعر غير منتحل. يعني: أن مجدك حقيقة لك لم تنتحله، كما أن شعري كذلك غير منتحل. وقوله: قد صدرا أي صدر الشعر مني والمجد منك ويجوز أن يريج صدر الشعر، والمجد من فعلك، إذ لولا عطاؤك لما كان مني مدح. بالشّرق والغرب أقوامٌ نحبّهم ... فطالعاهم وكونا أبلغ الرّسل يقول، قلت لمجدك وشعري لما سارا في البلاد: إن في الشرق والغرب لي أحبة، فأبلغا أحبتي عند سيف الدولة. وذلك إشارة إلى اشتهار المجد والشعر، إلا أنه لما كان مشتملا على ذكره مجده، كان المجد أيضاً سائراً بسيره ومشتهراً باشتهاره. وقد بين تتمة الرسالة فيما يليه فقال: وعرّفاهم بأنّي في مكارمه ... أقلّب الطّرف بين الخيل والخول الخول: جمع الخائل، وهو الخادم. يقول للمجد والشعر: عرفا أحبتي ما أنا فيه من الكرامة، وما أعطاني الأمير من الخيل والعبيد. يا أيّها المحسن المشكور من جهتي ... والشّكر من قبل الإحسان لا قبلي يقول: أحسنت إلي وشكرت على إحسانك إلي، فالشكر من جهة إحسانك لا من جهتي، فكأنه هو الشاكر دوني. ما كان نومي إلاّ معرفتي ... بأنّ رأيك لا يؤتى من الزّلل أقام النوم مقام الغلفة والسهو، يعتذر مما بدر منه في القصيدة الميمية. يقول: ما نمت عما وجب من صيانة مدحك، عن خلطه بالعتاب المؤلم، إلا بعد ثقتي باحتمالك وحلمك، وأنك لا تعجل علي بعقوبتك. وفوق ها هنا ظرف كما تقول: نمت فوق السرير. وقيل: إنه صفة لمصدر محذوف، أي لما وثقت بحلمك وعلمت أنك لا تزل في رأيك، تسحبت في العتاب تسحباً فوق ما عرفته من ثبات رأيك. وقيل: معناه يا أيها الملك الذي أحسن إلي وشكرته على إحسانه، ما لحقني السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك، وأنك لا تزل في رأيك. أقل، أنل، أقطع، أحمل، علّ، سلّ، أعد ... زد، هشّ، بشّ، تفضّل، أدن، سرّ، صل

стр. 284

أقل: من الإقالة من العثرة، والعفو عن الزلل. أنل: من الإنالة، وهو إسداء العطية. أقطع من الإقطاع. أحمل: من حملته على فرسي، ومنه قوله تعالى: " ولا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلهُمً ". عل: من إعلاء المحل. يقال: عليت منزلته، وأعليتها. سل: من تسلية الهموم أعد: من الإعادة إلى العادة الأولى. زد: من الزيادة. وهش بش من الهشاشة، والبشاشة، وهما: التهلل، واللقاء بالبشر، والطلاقة. تفضل: من تفضل فلان على صاحبه. أدن: من الإدناء وهو التقريب. وسر: من سررته أسره. صل: من الصلة وهي العطية، أو من المواصلة وهي المقاربة. ومعنى هذه الكلمات: إما دعاء لسيف الدولة. أي لا زلت أبداً تقيل عثرة من يبغي من أصحابك وتنيل أولياءك وتقطعهم ضياعك، وتحملهم على خيلك إلى آخر البيت. وإما للسؤال والطلب، فالمعنى: أقلني من عثرتي، وأنلني من فضلك، وأقطعني ضيعة من ضياعك، واحملني على فرس من خيلك، وعل منزلتي عندك، وسل ما حصل في قلبك من غش، أو سل ما في قلبي من الهم بإعراضك عني، وأعدني ما كنت عليه من المنزلة، وسرني إلى الإجابة إلى ما سألتك وقيل سر قلبي برضاء عني، وصلني بصلة من صلاتك، أو صل ما بيني وبينك. ويحكى أن سيف الدولة وقع بخطه تحت أقل أقلناك. وتحت أنل يحمل إليه كذا وكذا ألف درهم، وتحت أقطع أقطعناك الضيعة الفلانية بباب حلب، وتحت أحمل يقاد إليه فرس مركب وتحت عل قد فعلنا وتحت سل قد فعلنا فاسأل، وتحت أعد أعدناك إلى حالك من حسن رأينان وتحد زد يزاد كذا وكذا، وتحت تفضل قد فعلنا، وتحت أدن قد أدنيناك وتحت سر قد سررناك. فقال أبو الطيب: إنما قلت هب سرّية لي فأمر بجارية له، وتحت سل قد فعلنا. ويحكى أن المعقلي وكان شيخاً ظريفاً قال لسيف الدولة: قد فعلت به كل شيء سألك، فهلا قلت: لما قال: هش بش هئ هئ: يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة وقال: اذهب يا ملعون. لعلّ عتبك محمودٌ عواقبه ... فربّما صحّت الأجسام بالعلل يقول: لعلي أتأدب بعد عتبك علي، ثم بعد عفوك عني هذه الكرة، فيكون عتبك علي تهذيباً لأدبي، ويؤدي إلى العاقبة المحمودة، كما أن بعض العلل يكون محمود العاقبة، لما يؤمن معه من الأمراض، كالزكام، فإنه يؤمن معه من أدواء كثيرة من أدواء الرأس، ويعقبه الصحة. كالفتور الذي ينال شارب الدواء ثم يتعقبه صحة كثيرة وكضرب المؤدب للغلام. قال ابن جني: وهذا من الكلام الذي يقضي بفضله كل من فهمه. وما سمعت ... ولا غيري بمقتدر أذبّ منك لزور القول عن رجل عن رجل: عني به نفسه، كأنه كان قد كذب عليه بعض حاسديه عند سيف الدولة، ولم يقبل قوله، ولكنه عاتبه على ذلك من غير علم هذا الحاسد. فقال: لم أسمع أنا ولا غيري بملك يقتدر على الانتقام. أذب منك لزور القول عن رجل سعى إليك بزور القول. لأن حلمك حلمٌ لا تكلّفه ... ليس التحكّل في العينين كالكحل الكحل: أن تكون أشفار العين سوداً خلقةً. والتكحل: استعمال الكحل. يقول: إنما توقف على أمر من يسعى عندك، لن حلمك في طباعك غير متكلف، فلا يتغير بسعاية ساع، كما يتغير الحكم التكلفي. فحلمك ثابت لا يزول، كما أن الحكل في العين إذا كان خلقة لا يزول ولا يحول، وحلم غيرك من الملوك متكلف سريع الانتقال، كما أن التكحل لا دوام له. وما ثناك كلام النّاس عن كرمٍ ... ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟! ما ثناك: ما صرفك. والهطل: المتتابع، وروى: ومن يرد ومن يسد شبه كرمه بالعارض الهطل فقال: فكما أن أحداً لا يمكنه سد طريق العارض الهطل، كذلك لا يمكن أحد أن يمنعك من استعمال الكرم. أنت الجواد بلا منٍّ ولا كدرٍ ... ولا مطالٍ وى وعدٍ ولا مذل المذل: الضجر من الشيء. يقول: أنت الجواد الذي لا يمن بعطائه، ولا يكدر معروفه بالمن وغيره، وليس في عطائه مطل ولا مدافعة ولا وعد، بل يعطى العطية ابتداء، ولا يضجر من جوده ولا يندم. وقيل: معناه أن يجود بالتثبت والسكون، لا بالطيش والخفة. أنت الشّجاع إذا ما لم يطأ فارسٌ ... غير السّنّوز والأشلاء والقلل السنور: قيل: جميع السلاح، وقيل: ما يلبس من السلاح، كالدروع ونحوها، والأشلاء: جمع شلو، وهو جسد المقتول. والقلل: الرءوس

стр. 285

يقول: أنت الشجاع المشهور، في حال لا يقع حافر فرسه إلا على أجساد القتلى، ورءوسهم وسلاحهم. وردّ بعض القنا بعضاً مقارعةً ... كأنّه من نفوس القوم في جدل يقول: أنت الشجاع إذا ضاق المجال، وقرع القنا بعضه بعضاً، فصار الرمح يرد الآخر عن الطعن، كما يرد الخصم حجة خصمه. شبه النفوس بالمعاني، والرماح بالحجج، والاعتراضات التي تدور بين الخصمين والحرب بالجدال. وهذا البيت متصل بالذي قبله. والمعنى: يعني أنه الفارس الشجاع في جميع الأحوال. لا زلت تضرب من عاداك عن عرضٍ ... بعاجل النّصر في مستأخر الأجل عن عرض: أي عن يمنة ويسرة، وهو متعلق بقوله تضرب. يقول: لا زلت تضرب أعداءك معترضاً لهم بسيفك، والله يؤيدك بنصر قد عجله لك، وأجل قد أخره الله عنك، فكأنه أخر الله أجلك، وعجل نصرك. فاستحسن سيف الدولة ومن حضره القصيدة هذه وأطنبوا في وصفها، فقال ارتجالا: إنّ هذا الشّعر في الشّعر ملك ... سار فهو الشّمس والدّنيا فلك يقول: شعري ملك الشعر، كما أنك ملكت الخلق، وهو شمس يسير في الدنيا، كما تسير الشمس في الفلك. عدل الرّحمن فيه بيننا ... فقضى اللّفظ لي والحمد لك يقول: عدل الله تعالى في قسمه هذا الشعر بيني وبينك، فأعطاني لفظه، وأعطاك معناه. وهو الحمد والثناء. فإذا مرّ بأذني حاسدٍ ... صر ممّن كان حيّا فهلك يقول: إذا سمعه من يحسدك على مجدك، ومن يحسدني على فضلي، غلب على قلبه الحسد، فأهلكه، فيهلك بسببه. ولم أنشده: أقل أنل رأى قوماً يعدون ألفاظه فزاد فيه وأنشده. أقل، أنل، أن، صن، احمل، علّ، سلّ، أعد ... زد، هش بشّ، هب، اغفر، أدن، سرّ، صل أن: أمر من الأون، وهو الرفق. وصن أمر من الصيانة، والمراد به حفظ الجاه. فرآهم يستكثرون الحروف فقال. يظهر مقدرته على جمع كلمات كثيرة في بيت واحد. عش، ابق، اسم، سد، قد، جد، مر، انه، ره، فه، اسر، نل ... غظ، ارم، صب، احم، اغز، اسب، رع، زع، ده، له، اثن، بل عش: من العيش، وابق: من البقاء، واسم: من السمو. وسد: من السيادة، وقد: من قاد الجيش، وجد: من الجود، ومر: من الأمر بالشيء، وانه: من النهي، أي لا زلت آمراً ناهياً. وره: من وريته أريه، وهو داء في الجوف، أي أصب اعدو بهذه الآفة. وفه: من الوفاء بالعهد، واسر: من السرية، أي جهز الجيش إلى الأعداء. وقيل: معناه الدعاء، أي لا زلت أبداً تسري إلى أعدائك. ونل: من النيل، وهو الإدراك، أي لا زلت تدرك من أعدائك إرادتك، ويجوز نل بضم النون من نلته: أي أعطيته. وغظ: أي غظ حسادك بما يرون من إقبال دولتك وارم: من يكيدك. وصب: من صاب السهم الهدف، أي أصابه، أي لا زلت ترمي أعداءك فتصيب مقاتلهم. واحم: من حميت الرجل إذا منعته، أي احفظ حوزتك. واغز: من الغزو. واسب: من السبي أي لا زلت أبداً تغزو الأعداء، وتسبي زراريهم. ورع: أي أفزع أعداءك، أي لا زلت كذلك. زع: أي كف شر أعدائك. ده: من وديت القتيل، إذا أعطيت ديته، أي لا زلت تحمل الدية عن القاتل لكرمك. له، من الولاية، أي لا زلت تلي الولايات. واثن: أي اصرف أضدادك عن الوصول إليك: وقيل اثن من ثنيت الفعل إذا فعل مرة بعد مرة. أي لا زلت كلما وليت ولاية ثنيتها بأخرى، وشفعتها بما هو خير منها، وبل: من الوبل. وهو المطر إذا اشتد، أي لا زلت تعطي عطاء كالوابل. وهذا البيت لم يسبقه أحد إلى مثله. ولا لحقه أحد فيه، وهو مركب من أربع وعشرين كلمة، وهي مع ذلك فصيحة، وقد قال قبله عدة من الشعراء فلم يزيدوا على عشر كلمات كقول أبو العميثل: اصدق، وعفّ، وبر، واصبر، واحتمل ... واحلم، ودار، وكاف، وانصر، واسمع والأصل قول امرئ القيس: أفاد، وجاد، وساد، وحاد وقاد، وباد، وعاد، وأفضل فقال سيف الدولة: أيمكن أكثر من هذا؟! فقال: نعم ولكن يغيظ جداً وهذا دعاء لو سكتّ كفيته ... لأني سألت الله فيك وقد فعل أي هذا الدعاء أمر زائد، لأن كلما سألت الله فيك، قد فعله الله فيك، فلو سكت كنت كفيته.

стр. 286

وقال أيضاً وقد حضر مجلس سيف الدولة في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، وبين يديه طلع ونارنج، وهو يمتحن الفرسان فقال لابن جش وهو شيخ المصيصة وكان عالماً: لا يتوهم أن هذا للشرب. فقال أبو الطيب ارتجالا: شديد البعد من شرب الشّمول ... ترنج الهند أو طلع النّخيل الشمول: الخمرة. وسميت بذلك لأنها تشمل عقل شاربها، وقيل: لأنها تجتمع شمل الندامى عليها. والترنج: جمع ترنجة، وهي لغة. والأصح: الأترج، والأتجة. والطلع: الثمر: أول ما يخرج وهو في كمة، وكان الذي بين يدي سيف الدولة هو نارنج فسماه أترجاً، لأنه نوع من أنواعه. يقول: هذا الطلع والأرتج بعيد من الشرب عليه، لم يحضر لذلك. قوله: ترنج الهند مبتدأ، وشديد البعد خبره مقدم عليه. وقال ابن جني: في الكلام حذف. فقوله شديد البعد خبر ابتداء محذوف، أي أنت شديد البعد. وقوله: ترنج الهند: مبتدأ، وخبره محذوف: أي عندك، أو في مجلسك، أو بين يديك ترند الهند. وعلى الوجه الأول لا حذف فيه، وهو أولى وأو في قوله: أو طلعب النخيل بمعنى الواو، كما قيل في قوله تعالى: " أَوْيزيدونَ ". ولكن كلّ شيءٍ فيه طيبٌ ... لديك من الدّقيق إلى الجليل يعني: أنك لم تحضر هذا لأجل الشرب، ولكن لأجل طيبه، وكل شيء فيه طيب دق أو جل، فهو عندك وبين يديك. وميدان الفصاحة والقوافي ... وممتحن الفوارس والخيول ممتحن: يجوز أن يكون موضع الامتحان، ويجوز أن يكون مصدراً كالامتحان. يقول: عندك أيضاً مجال الفصاحة، والأشعار، لمعرفتك بهما، وعندك موضع امتحان الفوارس والخيل، لأنك أعرف الناس بهذه الأشياء كلها. فلم يتبين معنى البيت الأول لقوم حضروا فقال يرد على من أنك عليه استعمال لفظ: الترنج: أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر ما عانيت قيلي الأصيل: هنا القوى المكين الذي له أصل. يقول: إنما نطقت بكلام العرب الفصيح، وكان وصفي بقدر ما شاهدته ورأيته في الحال. فعارضه كلامٌ كان منه ... بمنزلة النّساء من البعول أي تعرض له وناقضه، والهاء في منه تعود إلى منطق العرب وكذلك في قوله: فعارضه. يقول: عارض قولي الفصيح قول ركيك ضعيف لكان كلامي ذكر، وكلام من عارضني أنثى. وهذا كقول الراجز: إنّى وكلّ شاعرٍ من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر وهذا الدّرّ مأمون التّشظّي ... وأنت السّيف مأمون الفلول التشظي: التكسر، والتشقق يقول: كلامي در مخالف للدر الحقيقي؛ لأن الدر غير مأمون التشظي، وكلامي لا يقع فيه خلل. كما أنك سيف لا يخاف عليك الفلول فهو سالم عن كل عيب بخلاف سائر السيوف. وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النّهار إلى دليل يعني: إنما يقام الدليل على الشيء الخفي، فأما الظاهر الجلي، فهو بمنزلة النهار الذي لا يحتاج إلى الدليل، لأن كل من رآه عرفه، ومن خفي عليه ضوء النهار، فلا فائدة لإقامة الدلالة في حقه، إذ المعاينه أقوى، والمشاهدة أولى، وهذا كقول البحتري: عليّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر وقال أيضاً وقد جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم، وقد ورد يلتمس الفداء، وركب الغلمان بالتجافيف، وأحضروا لبؤة مقتوله، ومعها ثلاثة أشبال أحياء، وألقوها بين يديه، فقال ارتجالا لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة: لقيت العفاة بآمالها ... وزرت العداة بآجالها العفاة: طلاب المعروف. يقول داعيا: لا زلت تلقى العفاة بآمالها، يعني إذا لقيتهم أعطيتهم وأغنيتهم، ولا زلت تقصد أعداءك وتفنيهم. وأقبلت الرّوم تمشي إلي ... ك بين اللّيوث وأشبالها أطلق لفظ الروم جملة على رسولهم، لما كان منهم. يقول: إن الروم قصدت إليك تمشي بين الليوث المقتولة، وأولادها. وجعل الليوث: لبؤة. إذا رأت الأسد مسبيّةً ... فأين تفرّ بأطفالها؟ يقول: إذ رأتك الروم وأنت تقتل الليوث وتسبي أولادها، علمت أنها لا تقدر على الفرار بأولادها الصغار، وإنما قال: مسبيه لأنها كانت أحياء. وقال أيضاً يذكر الفداء الذي التمسه الرسول، وكتاب ملك الروم الوارد معه. لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي

стр. 287

ما يلقى: مبتدأ بمعنى الذي. ولعنيك: خبر مقدم عليه، وكذل المصراع الثاني يقول: كل شيء لقي قلبي من ألم الشوق فيما مضى، وفيما يلقاه من بعد فهو بسبب عينيك، ولأجل حسنها. وقيل: يعني حلال لعينيك ما لقيته وما ألقاه، والمراد جعلت قلبي لعينيك، فكل ما يمر عليه معفو عنه. وقيل: أراد، ظاهر لعينيك ما يلقاه فؤادي وما لقيته، وكذلك في المصراع الثاني. إني ما لقيت من نحول جسمي، وهزال بدني، وما بقي منه، فهو لأجل حبك، أو هو حلال، أو ظاهر للحب. وقيل: أراد كأن الحب ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك في الأملاك، فأذهب بعض جسمه بالهزال، وأبقى بعضه وقيل: أذهب قوتي وأبقى جسمي. وقيل: أراد عمري الذي مضى وبقي. وقيل: أراد بما بقي روحه وبما لم يبق جسمه. وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه ... ولكنّ من يبصر جفونك يعشق يقول: لم أكن ممن يميل به أسباب الهوى، ولكني لما أبصرت جفونك، وغنج عينيك صرت عاشقاً لك. وبين الرّضا والسّخط والقرب والنّوى ... مجالٌ لدمع المقه المترقرق يقول: لا أزال أبكي في حال رضي الحبيب، خوفاً من سخطه، وفي حال سخطه، لحصوله، وفي حال القرب، خوفا من النوى، وفي حال النوى لحصولها، فبين كل شيء من هذه الأحوال مجال لدمع السائل. ومثله لآخر. فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر، فهو الدّهر يرجو ويتّقي أحلى الهوى: ما يشوبه الخوف والرجاء، حتى يكون العاشق مرة خائفاً ومرة راجياً، فلا يشفى بالوصل، فيزدري ذلك بحلاوته، ويؤدي إلى الملال، ولا ييئس من الوصل رأسا، فيؤدي ذلك إلى شدة الحزن الذي يؤدي إلى الهلاك فحالة الشك والتردد في الهجر والوصل، والوقوف بين حالتي الخوف والرجاء، ألذ أحوال الهوى. وغضبي من الإدلال سكرى من الصّبا ... شفعت إليها من شبابي بريّق ريق كل شيء: أوله. يقول: رب جارية غضبي، غضب الدلال لا غضب الهجران، فكانت من الإدلال غضبي ومن الشباب سكرى، توسلت إليها بريق شبابي، فوصلت منها إلى ما أحب، أي نظرت إلي فعشقتني، لأجل شبابي، وساعدتني على مرادي، فكأن الشباب كان شفيعاً عندها. وأشنب معسول الثّنيّات واضحٍ ... سترت فمي عنه فقبّل مفرقي الأشنب الثّغر: الذي له شنب، وهو برد الأسنان. وقيل: إنه حدة الأسنان، وقد جعله صفة لشخص: أي ورب حبيب ذي ثغر أشنب. والمعسول: الحلو، كأنه جعل فيه العسل. والواضح: الأبيض المضيء. يقول: ما زلت أطلب العفاف، حتى في حال الخلوة مع الحبيب، ورب حبيب ثناياه باردة عذبة، حلوة الترشف، عففت عنه حين خلوت به، وأراد أن يقبل فمي، فسترت فمي عنه، لأنه موضع التلذذ بالقبلة، فقبل مفرقي ليدل إلي فلم أستر المفرق، لأن ذلك للعظمة لا للذة. وأجياد غزلانٍ كجيدك زرنني ... فلم أتبيّن عاطلاً من مطوّق العاطل: الذي لا حلى عليه. والمطوق: اللابس للطوق يقول: رب نساء مثلك كأن أجيادهن أجياد الغزلان، جئن لزيارتي، فلم أنظر إليهن وإلى أجيادهن، لعفتي، حتى لم أتبين العاطل منهن من المطوق. والمقصد وصف نفسه بالعفة. وما كلّ من يهوى يعفّ إذا خلا ... عفافي ويرضى الحبّ والخيل تلتقي إني إذا خلوت عففت، وكذلك أنا أرضى حبيبي في حال التقاء الخيل، لشجاعتي، لأن. المرأة من العرب يعجبها أن يكون خليلها شجاعاً مقداماً. وقيل: أراد بإرضائه الحبيب في حالة الحرب: الدفع عنه. والذب دونه، كقول عمرو بن كلثوم: يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا إذا لم تمنعنّ فلا بقينا ... لشيءٍ بعدهنّ ولا حيينا وقال المخزومي في معنى البيت: هو أن يقول أعف كرماً وأكتم هواي، فإني أرعى الهوى وأحافظ عليه في ملتقى الخيل، والمراد بإرضاء الحبيب رعاية الهوى، وفي ذلك خصلتان: إحداهما: الدلالة على أن الهوى عند ذوي الوفاء لا يشغل عند الشدائد كقول أبو عطاء: ذكرتك والخطّى يخطر بيننا ... وقد نهلت منّا المثقّفة السّمر وكقول الآخر: ولقد ذكرتك والسّياط تنوشني ... عند الإمام وساعدي مغلول ولقد ذكرتك والّذي أنا عبده ... والسّيف عند ذؤابتي مسلول

стр. 288

والثانية: الدلالة على كونه رابط الجأش عند التحام القتال، حتى لم يشتغل خاطره عن الهوى في ذلك الحال. سقى الله أيّام الصّبا ما يسرّها ... ويفعل فعل البابليّ المعتّق البابلي: منسوب إلى بابل، وهي أرض العراق، وأراد به الشراب، والمعتق: القديم، ويفعل: أي وما يفعل. وقوله: ما يسرها يحتمل معنين: أحدهما: سقى الله من الغيث قدر ما يبلغ مرادها من الري، حتى لا يكون قاصراً عن إرادتها، ولا زائداً عن حاجتها فيكون مثل قول الآخر: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمةٌ تهمى الثاني: أهدى إليها السرور، كما سررنا بها، وذلك أنه رأى أن دعاءه للصبا بالسقيا لا معنى له، لأنها أوقات وزمان، فقال: سقاها الله شيئاً يهدي إليها السرور والارتياح، يفعل بها فعل الشراب، فكأنه قال: سقاها الله خمراً يسرها. إذا ما لبست الدّهر مستمتعاً به ... تخرّقت والملبوس لم يتخرّق يقول: إذا كنت لابساً للدهر، وتستمتع به وتعيش فيه، تخرقت أنت، والملبوس الذي هو الدهر، لم يتخرق، بل يكون أبداً جديداً، بخلاف سائر الملابس، فأنت تبليها وتخرقها، وهو يبلي الأبدان، ويفنيها وهذا مثل قوله: تغيّر حالي والليالي بحالها ونحو قول ابن دريد: إنّ الجديدين إذا ما استوليا ... على جديد أدنياه للبلى وقول الآخر: وأفناني ولا بقيا نهاراً ... وليل كلّما يمضي يعود ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعصن بكلّ القتل من كلّ مشفق المشفق: قيل من الشفقة، التي ترجع إلى معنى المحبة. يعني: كنت إذا نظرت إليهن ونظرن إلي قتلنني وقتلتهن من خوف الفراق، وما منا إلا مشفق على صاحبه، فلم أر أعجب من الألحاظ، كيف اجتمع فيها القتل والشفقة!؟ فكأنه من قول الشاعر: ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنّا لا نبالي وقيل: المشفق: الخائف، ومعناه بعثت الألحاظ من كل خائف من ألم الفراق، كل أنواع القتل لأنها أبكتهم فسفكت دماءهم وأماتتهم. أدرن عيوناً حائراتٍ كأنّها ... مركّبةٌ أحداقها فوق زئبق الضمير في أدرن للألحاظ، وروى: أدرنا. يقول: كنا نقلب عيوناً حائرات عند وداعنا، لا تبصر شيئاً مما دهانا من ألم الفراق، فكأنها من كثرة حركاتها وقلة استقرارها مركبة على الزئبق، لأن طبعه الحركة. وقيل: الحيرة ليست لامتناع الرؤية، وإنما هي لاجتماع ظهور الدمع في العين وغلبته. وقيل: معنى البيت كنا نقلب عيوننا في النظر تارة إلى العذال وتارة إلى الأحباب، فكانت لا تستقر، كأنها ركبت فوق زئبق. عشيّة يعدونا عن النّظر البكى ... وعن لذّة التّوديع خوف التّفرّق يعدونا: أي يصرفنا. يقول: كانت هذه الحالة وقت العشية حين كان البكاء يمنعنا من النظر، وخوف الفراق يمنعنا من التلذذ بالوداع والعناق. نودّعهم والين فينا كأنّه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق الفيلق: العسكر، قلب، أي وسط. يقول: كنا نودع الأحباب، في الحال التي كان البين يفعل في قلوبنا من التفريق مثل ما تفعل رماح سيف الدولة في قلب عساكر الأعداء من التفريق والقتل. قواضٍ مواضٍ نسج داود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق أي هذه القنا قواض: يعني تقضي بالموت وتمضي في الأعداء، أي لا يردها شيء إذا وقعت في الدروع المنسوبة إلى داود، وتمضي فيها، كما تنفذ في نسج العنكبوت والخدرنق: العنكبوت، والتأنيث في البيت للقنا والهاء في فيه لنسج داود، وموضع قواض رفع لأنه خبر ابتداء محذوف: أي هذه القنا قواض مواض، كما تقول: هذا حلو حامض. وقيل: هو ابتداء الكلام. والمراد أداء السيوف، والأول أظهر. هوادٍ لأملاك الجيوش كأنّها ... تخيّر أرواح الكماة وتنتقي هواد: جمع هادية، وقيل: هو من هديت فلاناً إذا أرشدته، ومعناه أن هذه الرماح ترشد الموت، أي تهديه إلى الملوك وقواد الجيش، فكأنها تتخير أرواح الكماة، وتنتقي نفوس الأملاك دون من عداهم. وقيل: من هدى بمعنى اهتدى، فإن هدى واهتدى بمعنى، أي إن هذه القنا تهتدي إلى الملوك فتقتلهم. تفكّ عليهم كلّ درعٍ وجوشنٍ ... وتفري إليهم كلّ سورٍ وخندق روى تفك أي تحل، وتقد: أي تقطع. وتفري: أي تقطع.

стр. 289

يقول: هذه الرماح تقطع على الكماة والملوك دروعهم وجواشنهم، وتخرق إليهم الحصون والأسوار والخنادق حتى تصل إليهم، وتفتح بلادهم. يغير بها بين اللّقان وواسطٍ ... ويركزها بين الفرات وجلّق، اللقان: موضع ببلد الروم، وقيل: جبل. وواسط: مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف والفرات: معروف يجيء من بلاد الروم، ويمر على أطراف الشام، حتى ينتهي إلى العراق، ويلتقي مع دجلة أسفل بغداد فيصيران نهراً واحداً، ويمران على البصرة ثم إلى البحر. وجلق: موضع بدمشق. يعني لا يزال أبداً يغير برماحه مرة في بلاد الروم، ومرة على البوادي التي في العراق، ويركزها بين الفرات وجلق، لأنها دار مملكته ومعدن ولايته. ويرجعها حمراً كأنّ صحيحها ... يبكّي دماً من رحمة المتدقّق المتدقق: المتكسر، يقال: اندق الرمح، إذا انكسر، ولا يستعمل الأندقاق إلا فيما كان فيه طول، مثل الرمح ونحوه، ويقال: سقط فلان فاندقت عنقه. يقول: يرجع هو رماحه من الغارات وقد احمرت بالدم، وبعضها قد تكسر في بدن الأعداء، فكأن الصحيح منها يبكي دماً على ما تكسر منها، حزناً عليها، لأنه من جنسه، ودماً نصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً به عن فعل مضمر، دل عليه. يبكي أي يبكي فيجري دماً. فلا تبلغاه ما أقول فإنّه ... شجاعٌ متى يذكر له الطّعن يشتق يقول: لا تبلغا يا صاحبي سيف الدولة ما أقول، فإنه شجاع، إذا سمع وصف الشجاعة اشتاق إليها. وهذا بيت كثير نقله من النسيب إلى الشجاعة، وهو: فلا تذكراه الحاجبية يشتق وهذه السرقة قبيحة، لأنه أخذ المعنى واللفظ والوزن والقافية. ضروبٌ بأطراف السّيوف بنانه ... لعوبٌ بأطراف الكلام المشقّق روى بصير ولعوب والمشقق: الكلام الذي له خط في كل شق. ويقال: فلان يشقق في كلامه. إذا تصرف في معانيه. وقيل: هو المشق من المشة، أي يشق على غير الفصيح التكلم به. يصفه بالشجاعة والفصاحة. كسائله من يسأل الغيث قطرةً ... كعاذله من قال للفلك: ارفق يقول: هو يجود بالطبع، فمن يسأله كمن يسأل الغيث قطرة. وقيل: معناه كما أن القطرة لا تؤثر في الغيث، كذلك سائله لا يؤثر في جوده وماله، وكذلك من يعذله على كرمه، لكونه مطبوعاً عليه، كمن يعذل الفلك على دوره. وقال له: ارفق في الحركة. وقيل: إن من يسأل الغيث قطرة، فقد تكلف ما قد استغنى عنه، وأتى غيثاً، إذ قطراته مبذولة، فكذلك سائل سيف الدولة يتكلف ما لا يحتاج إليه، لأنه يعطى قبل السؤال، فنائله مبذول كقطر الغيث. لقد جدت حتّى جدت في كلّ ملّةٍ ... وحتى أتاك الحمد من كلّ منطق أي: من كل ذي منطق. يقول: عممت بجودك أهل الإسلام، وأهل الشرك، فحصل لك الشكر من كل ذي منطق. جعل إجابته إلى الصلح، فضلاً منه على الروم. رأى ملك الرّوم ارتياحك للنّدى ... فقام مقام المجتدي المتملّق الارتياح: الاهتزاز للعطية، والمجتدي: طالب المعروف. والمتملق: المتلطف في الكلام. يقول: علم ملك الروم جودك، فبعث إليك رسوله، واستوهب منك أسراء الروم، فقام لك مقام السائل المتلطف في سؤاله، لعلمه أنك لا تخيب سائلك. وخلّى الرّماح السّمهريّة صاغراً ... لأدرب منه بالطّعان وأحذق صاغراً نصب على الحال. والدربة في معنى العادة والتجربة. والحذق: إحكام الصنعة. يقول: إن ملك الروم ترك الرماح على رغم منه، وذل لمن هو أعود للطعان وأحذق به. وأراد به سيف الدولة، يعني أنه ترك قتالك وعدل إلى استعطافك. وكاتب من أرضٍ بعيدٍ مرامها ... قريبٍ على خيلٍ حواليك سبّق يقول: كاتبك في الصلح من أرض بعيدة المرام، ولكنها مع بعدها قريبة عليك، وعلى خيلك السوابق التي هي حواليك. وقد سار في مسراك منها رسوله ... فما سار إلاّ فوق هامٍ مفلّق المسرى: اسم المكان السري، والهاء في منها للأرض. يعني: أن رسول ملك الروم سار في الطريق التي سرت فيها إلى بلاد الروم، فلم يسر إلا فوق هام مشققة بسيوفك. فلمّا دنى أخفى عيه مكانه ... شعاع الحديد البارق المتألّق البارق المتألق: هو اللامع، وإنما أتبع أحدهما الآخر، لاختلاف اللفظين. والهاء في مكانه للرسول.

стр. 290

يقول: وصل الرسول إليك، فأخفى عليه مكانه، بريق السيوف ولمعان الأسنة، فلم يمكنه أن يبصر موضعه. وأقبل يمشي في البساط فما درى ... إلى البحر يمشي أم إلى البدر يرتقي؟! يقول: لم يدر أيمشي إلى بحر أو إلى بدر، لأنك تشبه البحر في السخا، وتشبه البدر في النور والبهاء. ولم يثنك الأعداء عن مهاجتهم ... بمثل خضوعٍ في كلامٍ منمّق المنمق: المحسن. يقول: لا يقدر أعداؤك أن يردوك عن مهجاتهم، أي أنفسهم، إلا بالخضوع، والتملق بالثناء والتعظيم. وكنت إذا كاتبته قبل هذه ... كتبت إليه في قذال الدّمستق القذال: مؤخر الرأس: والضمير في كاتبته وإليه لملك الروم. يقول: كنت متى أردت أن تكتب إلى ملك الروم كتبت إليه في قفا الدمستق، وذلك كناية عن هزيمته، والجراحة تقوم لك مقام الكتابة. فإن تعطه بعض الأمان فسائلٌ ... وإن تعطه حدّ الحسام فأخلق يقول: إن أعطيته بعض المراد فأمنته، فهو سائل، ومن عادتك ألا تخيب سائلك، وإن أعطيته السيوف، فهو أجدر بذلك. وهل ترك البيض الصّوارم منهم ... حبيساً لفادٍ، أو رقيقاً لمعتق يقول: إن سيوفك لم تترك منهم أسيراً محبوساً من الأسرى، يفدونه بما يحمل إليك، ولا رقيقاً يسألونك أن تعتقه. وقيل: معناه لم تترك سيوفك عبداً عندهم يعتقه معتق. لقد وردوا ورد القطا شفراتها ... ومرّوا عليها زردقاً بعد زردق الهاء في شفراتها للبيض الصوارم. وهي منصوبة بوردوا أي وردوا شفرات الصوارم، كما ترد القطا المناهل. والزردق فارسي معرب. يقول: وقعوا على شفرات سيوفك كما تقع القطا على الماء، ووفدوا عليها صفا بعد صف. يعني أنك تقتلهم فوجاً بعد فوج. بلغت بسيف الدّولة النّور رتبةً ... أنرت بها ما بين غربٍ ومشرق روى: اليوم بدل النور. يقول: نلت عنده منزلة ألقت علي ضياء نوره حتى أنرت بها الدنيا. وأراد به اشتهار ذكره في العالم. إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غباري، ثمّ قال له: الحق كان سيف الدولة يغرى به الشعراء، ويبعثهم على مباراته، لأنه كان يغتاظ من عجبه بنفسه. فيقول: إن سيف الدولة لا يخفى عليه فضلي على من حوله من الشعراء، ولكنه إذا شاء أن يتلهى بشاعر أراه من فضلي أدنى شيء، ثم قال: الحق به، وهات مثله، وإنما وصفه بالحمق، لأن من طمع في إدراك غايته، فهو عنده أحمق! فلا جرم يريد سيف الدولة أن يسخر من قلة عقله. وقوله: أراه غبارى: كناية عن اليسير من فضله. وما كمد الحسّاد شيئاً قصدته ... ولكنّه من يزحم البحر يغرق الكمد: الحزن. يقول: ليس لمن يحسدني أن يلومني، لأني لم أقصد أن أغم الحساد، ولكني بحر في الفضل، فمن زاحمني من الجهال غرق في فضلي، كما أن من تعرض للبحر وطرح نفسه فيه غرق، فاللوم عليه لا على البحر. ويمتحن النّاس الأمير برأيه ... ويغضى على علمٍ بكلّ ممخرق الممخرق: الكذاب والمدلس وهي اللغة الجيدة، والباء فيه، متعلق بقوله: على علم. يقول: هو يمتحن الناس، ويجرب أحوالهم، ثم يغضى ويتغافل، مع علمه بالفاضل منهم، والمدلس الممخرق، ويتجاوز عن الجهال بحلمه. وإطراق طرف العين ليس بنافعٍ ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق يقول: متى علم صاحبك بتمويهك، لم ينفعك إعراضه وإطراق طرفه. فعبر عن معرفته بترك إطراق طرف قلبه. فيا أيّها المطلوب جاوره تمتنع ... ويا أيّها المحروم يمّمه نرزق يقول: يا أيها الخائف، جاور سيف الدولة تمتنع على من يظلمك، ويا أيها الفقير اقصده تصل إلى الغنى. ويا أجبن الفرسان صاحبه تجترئ ... ويا أشجع الشّجعان فارقه تفرق يقول: يا أيها الجبان، صاحبه تصر شجاعاً، اقتداء به ويا أيها الشجاع، فارقه تصر جباناً، لأن الشجاعة به. إذا سعت الأعداء في كيد مجده ... سعى مجده في جده سعى محنق المحنق: المغضب. والجد: البخت والإقبال. يقول: متى قصد أعداؤه إلى هدم مجده غضب لذلك إقباله وجده، ورد كيد العدو إليه. وما ينصر الفضل المبين على العدا ... إذا لم يكن فضل السّعيد الموفّق يقول: الفضل الظاهر لا ينصر صاحبه على أعدائه، حتى يوافقه على ذلك سعادة جده وتوفيق ربه.

стр. 291

ودخل على سيف الدولة ليلاً وقد رفع سلاح كان بين يديه، وهو في ذكره ووصفه، فقال ارتجالاً: وصفت لنا ولم نره سلاحاً ... كأنّك واصفٌ وقت النّزال نصب سلاحاً بوصفت وتقديره: وصفت لنا سلاحاً ولم نره. يقول: وصفت لنا هذا السلاح، حتى كأنك صورت لنا وقع الحرب، فكأنك واصف وقت النزال، فشوقتنا إلى القتال، بوصفك للسلاح. وأنّ البيض صفّ على دروعٍ ... فشوّق من رآه إلى القتال البيض: المغافر، والفعل في شوق للبيض، ورده إلى اللفظ، وكذلك جميع التذكير راجع إليه. يعني أنك ذكرت أن كل درع جعل عليها بيضتها، وكل من في نفسه شجاعة، إذا رأى آلة القتال اشتاق إلى الطعان. فلو أطفأت نارك تالديه ... قرأت الخطّ في سود اللّيالي تا بمعنى: هذه، وهي إشارة إلى السراج يقول: لو أطفات سراجك، لأمكنك أن تقرأ الخط في الليل المظلم، لبريق السلاح ولمعه. ولو لحظ الدمستق حافتيه ... لقلّب رأيه حالا لحال حافتيه: أي جانبيه، والهاء في رأيه للدمستق. أي لقلب رأيه في محاربتك، إلى الانقياد لك، والفرار منك. إن استحسنت وهو على بساطٍ ... فأحسن ما يكون على الرّجال أراد: إن استحسنته، فحذف الهاء. يقول: إن استحسنت هذا السلاح، وهو على بساطك، فأحسن ما يكون، إذا كان على الرجال، يوم القتال. وإنّ بها وإنّ به لنقصاً ... وأنت لها، النّهاية في الكمال إن الثانية زائدة أي: وإن به وبها لنقصاً، وقيل: اسم إن الأولى محذوف. أي: إن بها لنقصا، وإن به لنقصا. فاسم الثانية دل على المحذوف. وبه: أي بالسلاح وبها: أي بالرجال. وقيل: به: للبيض، وبها: للدروع. يقول: إن جمال السلاح، وكمال الدروع والرجال بك، فما لم تكن لابسها، أو لم تكن فيها بين الرجال، لم يكن لهم غناء، فأنت غاية الكمال ونهاية الجمال. وقال وقد عرضت على سيف الدولة سيوف، فوجد فيها سيفاً غير مذهب فأمر بإذهابه فقال ارتجالا: أحسن ما يخضب الحديد به ... وخاضبيه النّجيع والغضب أحسن: مبتدأ. وما بمعنى: الذي، وهو في موضع الجر بإضافة أحسن إليه. والنجيع: خبر الابتداء، والغضب: عطف عليه. وخاضبية: جر عطفاً على ما أي وأحسن خاضبيه. والهاء في به لما وفي خاضبيه للحديد. يقول: أحسن شيء يخضب الحديد به: الدم: وأحسن خاضبيه: الغضب. وقيل: أراد به صاحب الغضب. والنجيع: الدم الطري. وقيل: خاضبيه: جر على القسم، ومعناه: أحسن ما يخضب به الحديد، النجيع والغضب. وجعل الغضب خضابا له توسعا، إذا كان سبباً لخضابه. وروى مكان الغضب القضب وهو جمع قضيب، وهو السيف: أي أحسن الخاصبين السيوف التي تخضب الأشياء بالدم. فلا تشيننه بالنّضار فما ... يجتمع الماء فيه والذّهب يقول: رونق هذا الحديد وماؤه، أحسن فيه من ماء الذهب، فإذا أذهبته ذهبت بمائه ورونقه وصار ما قصدت من زينة شيناً له. وأنفذ إلى سيف الدولة أحد أهل بغداد أبياتاً، يذكر أنه رآها في النوم، يشكو إليه الفقر فقال أبو الطيب: قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرةً في المنام البدرة: عشرة آلاف درهم. وسميت بدرة؛ لأنها تمام العدد. والبدرة أيضاً: جلد السخلة، إذا رعت وفطمت. ويجوز أن تكون البدرة من هذه؛ لأن العادة جرت أن تجعل الدراهم في جلد السخلة. يقول: سمعنا أيها المتعرض لنائلنا، ما قلت من الشعر في الأحلام، فأعطيناك - على وجه المقابلة والمكافأة - بدرة في المنام. وانتبهنا كما انتبهت بلا شي ... ءٍ فكان النّوال قدر الكلام يقول: مدحتنا في النوم، فأجزناك في النوم، فكان العطاء على قدر المدح، فلما لم يكن لنوالنا حقيقة، كذلك لم يكن لمديحك إيانا. كنت فيما كتبته نائم العي ... ن فهل كنت نائم الأقلام؟ يقول: إن كنت حين قلت هذا الشعر نائم العين، فإنك حين كتبته كنت مستيقظاً، يجب عليك حفظ الأدب والتحرز من الكلام الركيك، ويمكن أن يكون قرنت إلى الأبيات رسالة أخرى في معنى الاعتذار. فيقول: إن كنت في الأبيات نائماً، فلم تكن في الرسالة نائماً. أيّها المشتكي إذا رقد، الإع ... دام، لا رقدةٌ مع الإعدام

стр. 292

يقول: زعمت أنك رأيتها في النوم، وشكوت فيها عدمك، فإن كنت معدماً على الحال التي وصفتها، فكيف يأخذك النوم؟! افتح الجفن واترك القول في النّو ... م وميّز خطاب سيف الأنام يقول: دع عنك الخطاب في النوم، وافتح الجفن، وميز خطاب سيف الدولة، وهو سيف الخلق كلهم، والذاب عنهم، ولم يمكنه أن يقول: سيف الدولة، لأجل القافية فرده إلى الأنام وروى: سيف الإمام أي الخليفة. الّذي ليس عنه مغنٍ ولا من ... هـ بديلٌ، ولا لما رام حام يقول: سيف الدولة، هو الذي لا أحد من الناس يقوم مقامه في الكرم والخصال الحميدة. وقيل: معناه كل الناس يقتدون به؛ ولا يغنيهم عنه ملك غيره، ولا يجدون له بدلاً يسد مسده، وإن رام أمراً لم يمنعه منه مانع. كل آخائه كرام بنى الدّن ... يا ولكنّه كريم الكرام الآخاء: جمع أخ، وقد ذكره سيبويه في كتابه. وروى: كل آبائه. يقول: جميع إخوته أكرم الناس، ولكنه أكرم من إخوته، فهو أكرم الكرام. وقال وقد أمره سيف الدولة بإجازة الأبيات التي لأبي ذر: سهل بن محمد الكاتب أولها: بالائمى كفّ الملام عن الذي ... أضناه طول سقامه وشقائه على هذا الوزن، والروى فقال: عذل العواذل حول قلبي التّائه ... وهوى الأحبّة منه في سودائه التائه: المتحير، وقيل: هو المتكبر، وها هنا: الذي لا ينقاد للعاذل. وسوداء القلب، وسويداؤه: الحبة السوداء فيه، وقيل الدم الذي في جوفه. يقول: هوى أحبتي قد حل وسط فؤادي، وعذل العواذل يحول حوله، وليس يدخله البتة، فلا يبالي القلب به، فكيف يقدر العذول أن يصرفني عنه؟! يشكو الملام إلى اللّوائم حرّه ... ويصدّ حين يلمن عن برحائه الهاء في حره للقلب، وكذلك في برحائه والبرحاء: الشدة. يقول: إن اللوم إ ذا دنا من قلبي أحرقه بحره، فأعرض عنه وعاد إلى اللوائم، يشكو إليهن ما لقي من شدة حرارته، فكأن حر قلبي يصرف اللوم عني، والضمير في يلمن للعواذل. وبمهجتي يا عاذلي الملك الّذي ... أسخطت أعذل منك في إرضائه يقول لعاذله: تعذلني على حبه والانقطاع إليه؟! وقد لامني من هو أشد منك عذلا، فلم أقبل منه، بل أسخطته واتبعت رضاء سيف الدولة، ولم ألتفت إلى غيره من الملوك، والهاء في إرضائه للملك. إن كان قد ملك القلوب فإنّه ... ملك الزّمان بأرضه وسمائه يقول: إن كان سيف الدولة قد ملك القلوب. بموداتها وثبات حبه فيها، حتى لا تميل إلى غيره، فليس بعجاب؛ فإنه ملك الزمان وجميع ما فيه، فالقلوب بعض ما في الزمان ومن جملة ما ملكه. وقيل: اسم كان محذوف مضمر: أي إن كان الحبيب الذي يعشق قد ملك قلوب عاشقيه، فإن هذا الحبيب ليس كسائر الأحبة، لأنه إنما يحب لجلالة قدره، وسمو أمره، وإنه إن كان الحبيب المعشوق قد ملك القلوب، فإن هذا الملك قد ملك الزمان بما فيه، فضلا عن القلوب. الشّمس من حسّاده والنّصر من ... قرنائه، والسّيف من أسمائه أي: الشمس تحسده على إشراق غرته، وعلو منزلته، والنصر قرينه حيثما توجه نصر على أعدائه، والسيف بعض أسمائه، أي هو مسمى بسيف الدولة. أين الثّلاثة من ثلاث خلاله ... من حسنه وإبائه ومضائه؟! الخلال: الخصال. يقول: أين حسن الشمس من حسن وجهه؟ بل حسنها يعجز عن حسنه! وأين النصر من عزة نفسه وإبائه؟ أي أن النصر يعجز عن نصرة من يريد خذلانه، وأين السيف من مضائه؟ أي هو أمضى وأكثر غناءً منه! مضت الدّهور وما أتين بمثله ... ولقد أتى فعجزن عن نظرائه أتى: أي سيف الدولة. يقول: مضت الدهور قبله، ولم يكن فيها أحد مثله في فضائله! وأتى هو الآن فعجزت الدهور عن الاتيان بأمثاله في زمانه أيضا، فليس له نظير فيما مضى من الزمان ولا في زمانه. فاستزاده سيف الدولة فقال يمدحه القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحقّ منك بجفنه وبمائه الضمائر في قوله: بدائه، وبجفنه، وبمائه، راجعة إلى القلب، وقيل: إنه في قوله بمائه راجع إلى الجفن فقط. يخاطب عاذله فيقول: القلب أعلم بما يلاقيه من ألم الشوق، والقلب أيضا أولى منك بجفنه ودموعه؛ لأنه المالك للعيون فيصرفها كيف شاء، ويجريها على من يحب، فمالك أيها العاذل والاعتراض عليه؟!

стр. 293

فو من أحبّ لأعصينّك في الهوى ... قسماً به وبحسنه، وبهائه الفاء في قوله: فو من للعطف. والواو حرف القسم، والمقسم به المحبوب، والجواب لأعصينك، والكاف، خطاب للعاذل، وقسماً: نصب على المصدر. يقول: وحق من أحب، وحق حسنه، لا أطيعك فيما تأمرني، ولا أصغي إلى ملامك فيه. أأحبّه وأحبّ فيه ملامةً؟ ... إنّ الملامة فيه من أعدائه يقول: لا أحب الملامة في جيي، ولا أصغي إليها، فكأنه ناقض أبا الشيص في قوله. أجد الملامة في هواك لذيذةً ... حبّاً لذكرك، فليلمني اللّوّم عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم: ... دع ما نراك ضعفت عن إخفائه الوشاة: جمع الواشي. واللحاة: جمع: اللاحي، وهو الذي يزجر ويغلظ القول في الملامة. وما في قوله: ما نراك بمعنى الذي، وهو في موضع نصب بدع ونراك صلة ما وضعفت في موضع المفعول الثاني، والأول هو الكاف. يقول: إن اللحاة قالوا لي: دع الذي نراك ضعيفاً عن إخفائه. أي دع هذا الهوى، فعجب الوشاة من تكليف اللحاة إياي ما لا أطيق، فإني إذا ضعفت عن إخفائه، كنت على تركه والإفاقة من سكره أضعف. ما الخلّ إلاّ من أودّ بقلبه ... وأرى بطرفٍ لا يرى بسوائه يقول: ليس في هؤلاء اللحاة صديق شفيق، ولا خليل نصيح، فأصغ إلى ملامه، فإن الصديق من يساعد صديقه، فيحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه، حتى كأنهما يحبان بقلب واحد، وينظران بعين واحدة. فكأنه يقول: ليس صديقي إلا من يوافقني، فإذا أحببت شيئاً فكأني أحبه بقلبه! وإذا رأيت شيئاً فكأني رأيته بعينه! وهذا البيت يوافق بعض الأبيات التي أجازها وهي. إن كنت ناصحه فداو سقامه ... وأعنه ملتمساً لأمر شفائه حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذي ... يرجى لشدّة دهره ورخائه ومثله: إن كنت تصدق في ادّعاء وداده ... فافككه من أسر الهوى أو فاده ومعنى البيت: أنه ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تغتر بقول من يقول: إني خليلك. وأراد بقوله: من أود بقلبه: نفسه؛ لأن المرء إنما يود الشيء بقلب نفسه، وكذلك قوله: وأرى بطرف لا يرى بسوائه أراد طرف نفسه، وهو مثل قوله: خليلك أنت لا من قلت خلّى ... وإن كثر التّجمل والكلام إن المعين على الصّبابة والأسى ... أولى برحمه ربّها وإخائه الضمير في ربها يعود إلى الصبابة. وفي إخائه إلى ربها. والأسى: الحزن والمعين على الصبابة: هو الزائد في الصبابة. يقول: إن الذي يعين على صبابتي ويزيد بلومه في حزني، كان الأولى أن يرحمني ويلتمس شفائي. وقيل: على بمعنى مع أي مع الصبابة وهذا مثل قول من أجاز أبياته: أولا فدعه، فما به يكفيه من ... طول الملام فلست من نصحائه وروى: بالأسى والمراد بها الصبر، فمعناه إن الذي يعيني في اعتقاده على صبابتي، ويريد إزالة بلائها عني، بأن يصبرني، ليس ما يفعله بإعانة في الحقيقة، وكان الأولى في باب الشفقة أن يرحمني ويساعدني على ما أنا فيه من البلوى. والأول أولى وهو أن المراد بالمعين العاذل الذي يزيد في حزنه بالعذل. مهلاً فإنّ العذل من أسقامه ... وترفّقاً فالسّمع من أعضائه مهلاً وترفقاً نصب بفعل مضمر: أي أمهل مهلاً، وترفق ترفقاً. والضمير في أسقامه وأعضائه يعود إلى ربها في قوله: برحمة ربها. يقول لعاذله: ارفق بصاحب هذه الصبابة، فإنه سقيم وعذلك يزيد في سقمه، وما زاد في السقم فهو سقم، وارفق أيضا بسمعه فإنه من جملة أعضائه، كما أن سائر الأعضاء سقمت، كذلك السمع، وسقمه: هو الصمم وقيل معناه: إن السمع إذا سمع العذل يفنى كما فنيت سائر الأعضاء، فيؤدي إلى فوات غرض العاذل، إذ لا يبقى سمع يعي العذل. وهب الملامة في اللّذاذة كالكرى ... مطرودةً بسهاده وبكائه هب: أي اجعل. يقال: وهبني الله فداك. واللذاذة: متعلقة بالملامة: أي لذة الملامة. معناه: دع عنك ملامتك إياي، وإن كان لك فيها لذة، لما تراه من بكائي وسهادي، واعمل على أن بكائي صرف عنك لذتك في الملامة، كما صرف عني الملام، فكما أني فقدت لذة الكرى، كذلك أنت لا بأس عليك أن تفقد لذتك في ملامتي.

стр. 294

وقيل: إن اللذاذة هي لذة الهوى، ومعناه: اجعل ملامتك إياي في لذتي مطرودة عني، كالنوم المطرود بالسهاد والبكاء ومعناه: اصرف ملامتك عني من جميع الوجوه. والهاء في قوله بسهاده وبكائه راجع إلى قوله ربها. لا تعذر المشتاق في أشواقه ... حتّى يكون حشاك في أحشائه يقول: أيها اللائم أنت لا تقبل عذر العاشق! حتى تبتلي بمثل ما ابتلي به من الصبابة والاشتياق، فيكون في قلبك من لوعة الشوق مثل ما في قلب المشتاق. ومثله للبحتري: إذا شئت ألاّ تعذل الدّهر عاشقاً ... على كمدٍ من لوعة البين فاعشق ومثله لآخر: وإنّما يعرف العشّاق من عشقا إن القتيل مضرّجاً بدموعه ... مثل القتيل مضرّجاً بدمائه مضرج: أي مخضب. وقد نصب على الحال في الموضعين. يقول: إذا دام عذلك علي هلكت أنا، فتكون أنت قد قتلتني! فإنه إذا جرت دموعي حتى أموت، كنت مثل القتيل الذي يسيل دمه، فالمقتول بالعذل هو كالمقتول بالسيف، فهذا يسيل دموعه، وذاك يسيل دمه. والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلي وينال من حوبائه الحوباء: النفس. يقول: العشق محبوب للعاشق، كما أن المعشوق محبوب إليه، فيتلذذ العاشق بقرب المعشوق وإن كان يذيب جسمه ويؤلم قلبه. لو قلت للدّنف الحزين: فديته ... ممّا به لأغرته بفدائه الدنف: الذي أدنفه الحب، وأغرته: أي حملته على الغيرة. يقول: إن العاشق يشتهي العشق، ويلتذ بغرامه وطول سقامه، حتى لو قلت له: قد جعلني الله فداك مما بك، وأنزل بي سقمك لحملته على الغيرة. وقيل. معناه لو قلت له: دعني حتى أتحمل عنك مؤن العشق وتكاليفه، لغار عليك. فالأول على الدعاء والثاني على الأمر. وقوله: بفدائه: أي بفدائك إياه، وأضاف المصدر إلى المفعول، وحذف الفاعل. وقى الأمير هوى العيون، فإنّه ... ما لا يزول ببأسه وسخائه هوى: في موضع النصب، على أنه خبر ما لم يسم فاعله، واسمه الأمير يخاطب سيف الدولة. يقول: وقاك الله هوى العيون، فإنه أمر لا يمكنك إزالته عن نفسك، بسخائك وشجاعتك. وقوله: هوى العيون: مصدر مضاف إلى المفعول: أي وقى الأمير هواه للعيون. يستأسر البطل الكميّ بنظرةٍ ... ويحول بين فؤاده وعزائه يستأسر: أي يأسر، وهو في الأصل بمعنى الاستسلام للأسر، وروى: يستأصل. يقول: إن الرجل الشجاع لا يقدر على دفع الهوى عن نفسه، بل يأسره هذا الهوى بنظرة واحدة من نظرات العين! ويحول بين قلبه وصبره، فوقى الله تعالى الأمير ذلك. إنّي دعوتك للنّوائب دعوةً ... لم يدع سامعها إلى أكفانه الضمير في سامعها للدعوة، وفي أكفائه لسامعها. وأراد بالسامع سيف الدولة. يقول: إني دعوتك لتنصرني على نوائب الدهر، كل نائبة - وإن خلت - تقصر عن أن تدعى لها، لأنا لا نجد ما يكون كفواً لك منها، فندعوك إليه، لكن لما لم أجد أحداً أستعين به عليها غيرك، دعوتك لها لتزيلها عني، وإن لم تكن النوائب من أكفائك. فأتيت من فوق الزّمان وتحته ... متصلصلاً وأمامه وورائه متصلصلاً: أي له صلصلة، وهي صوت الحديد عند السرعة. يقول: لما دعوتك للنوائب أجبتني في أسرع وقت، وأحطت بالزمان من جميع جهاته، وكأنك أتيت ولأسلحتك صلصلة لسرعتك. وقيل: معناه: أنك لما كنت سيفاً دعوتك للنوائب لتقطعها عني، فأتيت مسرعاً في الإجابة، ولك صلصلة، وهي صوت السيف والحديد. من للسّيوف بأن تكون سميّها ... في أصله، وفرنده، ووفائه التاء في تكون قيل: ضمير للسيوف، وقيل: خطاب لسيف الدولة وكذلك إذا روى: بالياء. يقول: من للسيوف بأن تكون هي مثل سميها الذي هو سيف الدولة، أو أن تكون أنت سمي السيوف، بل له عليها مزية، في أصله وجوهره ووفائه. طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعليٌّ المطبوع من آبائه يقول: إن كل واحد من سيف الدولة وسيف الحديد، رجع إلى أصله وجنسه، وإن اتفق الاشتراك في الاسم، فالسيوف ترجع إلى جنسها الذي طبعت منه وهو الحديد، فليس لها فعل سوى القطع وسيف الدولة يرجع إلى آبائه في الخصال الحميدة، من الوفاء والسخاء، ويشاركها في القطع والمضاء. ومراده تفضيله على السيف الحقيقي.

стр. 295

والأبيات التي أجازها أبو الطيب لأبي ذر: سهل بن محمد البصري الكاتب مؤدب سيف الدولة. وهي: يا لائمي كفّ الملام عن الذي ... أضناه طول سقامه وشقائه إن كنت ناصحه فداو سقامه ... وأعنه ملتمساً لأمر شفائه حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذي ... يرجى لشدّة دهره ورخائه أولا فدعه فما به يكفيه من ... طول الملام فلست من نصحائه نفسي الفداء لمن عصيت عواذلاً ... في حبّه لم أخش من رقبائه فالشّمس تطلع من أسرّة وجهه ... والبدر يطلع من خلال قبائه وجاء رسول سيف الدولة مستعجلا، ومعه رقعة فيها بيتان للعباس بن الأحنف في كتمان السر، يسأله إجازتهما وهما: امتّي تخاف انتشار الحديث ... وحظّي في ستره أوفر فإن لم أصنع لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر فقال أبو الطيب: رضاك رضاي الّذي أوثر ... وسرّك سرّى فما أظهر يقول: الذي ترضى به فهو رضائي الذي أوثره، وسرك مثل سري أكتمه كما أكتم سري، ولا أظهره لأحد. كفتك المروءة ما تتّقى ... وآمنك الودّ ما تحذر الكاف في كفتك المفعول الأول لكفي. وما يتقى: المفعول الثاني، وكذلك الكاف في آمنك، وما تحذر. يقول: إن مودتي لك ومروءتي آمناك ما تخاف من إفشاء السر، فلا تحذر على سرك من جانبي. وسرّكم في الحشا ميّتٌ ... إذا أنشر السّرّ لا ينشر يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. وروى: إذا نشر من النشر الذي هو ضد الطي، وهو أيضاً في معنى أنشر الله الميت. يقول: سرك في قلبي كالميت في قبره، وإذا أحيي الموتى يوم القيامة لا يحيي هذا الميت. يعني: إني لا أظهره إذا أظهر غيري سره. كأنّي عصت مقلتي فيكم ... وكاتمت القلب ما تبصر يقول: إن عيني إذا شاهدت شيئاً من أحوالكم لم ترو إلى القلب ما رأته، فكأنها تكاتم القلب ما تبصره. يعني: أن سركم يصير في قلبي منسياً. وإفشاء ما أنا مستودعٌ ... من الغدر والحرّ لا يغدر يقول: السر أمانة وعهد، وإظهاره خيانة، والحر لا يغدر بعهده، فلو أبديت سرك صرت غادراً ولم أكن حراً. إذا ما قدرت على نطقةٍ ... فإنّي على تركها أقدر النطقة: المرة الواحدة من النطق. وهي بمنزلة الكلمة، واللفظة يقول: إذا قدرت على أن أنطق بالسر، كنت على السكوت عنه أقدر؛ لأنه أهون من النطق وأيسر. أصرّف نفسي كما أشتهي ... وأملكها والنقا أحمر يقول: أنا أملك نفسي، أصرفها كما أريد، وأقهرها على هواها، وأملكها في حال شدة القتال، فمتى أرادت الإحجام قهرتها على الإقدام، فلذلك إذا دعتني نفسي إلى أن أبدي السر قهرتها على كتمانه. دواليك يا سيفها دولةً ... وأمرك يا خير من يأمر الدوال كالدولة. ودواليك: نصب على المصدر، وثنى على التكرير: أي أدالك الله دولةً بعد دولة. والهاء في سيفها للدولة. ودولة: تفسير للدولة المضمرة، وهي نصب على التمييز، وقيل: على المصدر، وأمرك: أيضاً نصب بفعل مضمر أي مر أمرك. يقول: أدام الله دولتك. مرني بأمرك، وخصني بأوامرك ونواهيك، حتى أتشرف به. أتاني رسولك مستعجلاً ... فلبّاه شعري الّذي أذخر أراد أذخره، فحذف الضمير. يقول: جاءني رسولك مستعجلا، يأمرني بإجازة البيتين، فلبيته بشعري الذي أدخره وأعده. ولو كان يوم وغىً قاتماً ... للبّاه سيفي والأشقر قاتماً: نصب صفة ليوم. والقاتم: المظلم من شدة الغبار، وروى: أيضا قائماً من قولهم: قامت الحرب. ويوم: نصب لأنه خبر كان، واسمه مضمر: أي لو كان أمرك أو إتيان رسولك إلي يوم وغى. يقول: لو كان دعاؤك إياي إلى يوم حرب لأجبتك بسيفي وفرسي. فلا غفل الدّهر عن أهله ... فإنّك عينٌ بها ينظر فاعل ينظر: ضمير الدهر. يقول: إنك عين الدهر الذي ينظر بها إلى أهله، فمن أكرمه كان كريماً، ومن أهانه كان مهانا، فكأنه قال: لا زلت أبداً تراعي أهل زمانك إذ الدهر غافل لولا أنك فيه. والغرض: الدعاء بالبقاء ودوام السلامة.

стр. 296

وقد كان سيف الدولة استبطأ مدحه، وعاتبه مدةً، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو الطيب تقصيره فيما كان عوده من الإقبال إليه والتسلم عليه، فعاد إلى منزله وكتب بهذه الأبيات إليه لوقته: يعتذر عن إبطاء مدحه ويعاتبه ويشيد بمدائحه فيه. أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل السّلام اختصارا الازورار: الإعراض. يقول: قربي منك صار بعداً وإعراضاً، وطول سلامي صار اختصارا وتقصيرا. تركتني اليوم في خجلةٍ ... أموت مراراً، وأحيا مراراً يقول: لما عرضت عني فيما بين الناس تركتني خجلا أموت جزعاً؛ لإعراضك عني، وأحيا طوراً رجاء كرمك وعفوك. أسارقك اللّحظ مستحيياً ... وأزجر في الخيل مهري سرارا يقول: كنت أنظر إليك سرقة وخجلا وحياءً، وإذا زجرت مهري أخفيت صوتي لئلا تسمع صوتي حياءً منك وإخفاء لشخصي، أو كنت أسر زجره مخافةً أن يرى حالي من يحبني من الفرسان، فيعرف سقوط منزلتي عندك، استدلالاً بما بي من الاغتمام، أو كنت أخفي صوتي لما لحقني من الغم، إذ المغموم لا يكاد يرتفع صوته. وأعلم أنّي إذا ما اعتذرت ... إليك أراد اعتذاري اعتذارا يقول: لو أردت أن أعتذر إليك، كان عندي أيضا ذنباً ثانياً يجب الاعتذار منه إذ الاعتذار من غير ذنب كذب، والكذب مما يعتذر منه والغرض ادعا براءة الساحة. وقيل: معناه إني إذا اعتذرت إليك، مع علمي بسعة عفوك الذي لا يحتاج معه إلى الاعتذار، كنت قد أذنبت في اعتذاري ذنباً آخر، لأن ذلك يوهم خلاف ما أنت عليه من عادة الصفح وسعة العفو. وقيل: معناه إن اعتذاري متى اعتذرت يكون كذبا فيلزمني الاعتذار عنه، لأنك جفوتني، فألجأتني إلى التقصير في خدمتك، فمتى كنت كاذباً في الاعتذار، يلزمني الاعتذار منه أيضا. كفرت مكارمك الباهرا ... ت إن كان ذلك منّي اختيارا يقول مقسماً: إن كان تأخير مدحك عن اختيار مني كذلك، فجحدت مكارمك الظاهرات، ولكن كان اعتذاري على ما بينته. ولكن حمى الشّعر إلاّ القلي ... ل همٌّ حمى النّوم إلا غرارا الغرار: النوم القليل. يقول: منعني من قول الشعر هم منع نومي إلا القليل منه. وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا الهاء في به للهم. يقول: هذا الهم الذي أسقم جسمي بألمه، لم يكن عن قصد مني، وكذلك إضرام نار الهم في قلبي، لم يكن من فعلي، فإذا لم يكن هذا الهم عن قصدي، فلا ذنب لي فيه، أستوجب به عتبك، ولكن الذنب للزمان. فلا تلزمنّي ذنوب الزّمان ... إليّ أساء وإيّاي ضارا ضار يضير، وضره يضره بمعنىً. يقول: لا تعتب علي في تأخير مدحك، فليس لي فيه ذنب، وإنما الذنب للزمان الذي قصدني بهمومه، وشغل قلبي عن الشعر، فلا تلزمني ذنوبة، واعلم أن الزمان إنما قصدني بالإساءة، وألحق الضر بي دونك، لأن مدحي إياك يزيد في شرفي ومنزلتي عندك، وتأخره جر على عتبك وإعراضك عني، فالضرر في تأخيره راجع إلي، والإساءة واقعة بي لا بك. وعندي لك الشّرّد السّائرا ... ت لا يختصصن من الأرض دارا يقول: سأمدحك من بعد، بقصائد سائرات، لا تستقر في مكان، بل تعم الشرق والغرب، والسهل والجبل. فإنّي إذا سرن من مقولي ... وثبن الجبال وخضن البحارا المقول: اللسان. يعني إذا قلت قصيدة سارت في البر والبحر. وقوله: وثبن الجبال: عداه بنفسه على معنى: جزن الجبال ومثله لعلي بن الجهم في وصف شعره: فسار مسير الشّمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّ هبوب الرّيح في البرّ والبحر ولي فيك ما لم يقل قائلٌ ... وما لم يسر قمرٌ حيث سارا يقول: قد مدحتك قبل هذه بقصائد التي لم يقل أحد مثلها، وقصر القمر عن شأوها، فوصلت إلى الآفاق واشتهرت في العالم. فلو خلق النّاس من دهرهم ... لكانوا الظّلام وكنت النّهارا يقول: لو كان الناس خلقوا من الدهر لكانوا الليل، وكنت النهارا: يعني إن لك فضلا عليهم، كفضل النور على الظلام. أشدّهم في النّدى هزّةً ... وأبعدهم في عدوٍّ مغارا يقول: أنت أشد الناس اهتزازاً في الجود، وأبعدهم غارة في العدو، وهزة، ومغارا نصب على التمييز. سما بك همّي فوق الهموم ... فلست أعدّ يساراً يسارا

стр. 297

يقول: ارتفعت همتي على كل همة بسببك، وصغر في عيني المال، فلا أعتد باليسار، ولا أقصر على ما أناله من المال، فإنما أطلب معالي الأمور، وارتفاع المحل والمنزلة. ومن كنت بحراً له يا عليّ ... لم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا هذا مثل: يعني من كنت مقصوده فلا يرضي بالقليل، ويستصغر الخطب الجليل، وإنما يرضي منك بشرف القدر وجلالة المنزلة. ورحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها فنزل حران وأخذ رهائن بني عقيل وقشير والعجلان. وحدث له بها رأي في الغزو، فعبر الفرات إلى دولوك وإلى قنطرة صنجة إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية وعاد ليعبر من درب موزار فوجد العدو قد ضبطه عليه، فرجع وتبعه العدو، فعطف عليه فقتل كثيراً من الأرمن، ورجع إلى ملطيه، وعبر قباقب وهو نهر حتى ورد المخاض على الفرات: وهو نهر، تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين ونزل بحصن الران ورحل إلى سميساط فورد عليه بها من أخبره أن عدوه في بلد المسلمين، فأسرع إلى دلوك فعبرها، فأدركه راجعاً على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه. فقال أبو الطيب يصف ما كان في جمادي الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة. لياليّ بعد الظّاعينين شكول ... طوالٌ وليل العاشقين طويل شكول: جمع شكل في الكثير وهو المثل، واختار الجمع الكثير في الطول لليالي، ليكون أبلغ في الشكوى، وأدل على عظم الشوق والبلوى وليالي: مبتدأ، وشكول: خبره. وطوال: بدل من شكول، فكأنه قال: ليالي طوالٌ، وإن شئت جعلت طوالا تفسيراً لشكول، وأضمرت فيه مبتدأ يرفعه: أي هي طوال وتم المعنى عند قوله طوال. ثم ابتدأ فقال: وليل العاشقين طويل. المعنى: ليالي بعد الأحباء الظاعنين عني كلها مشاكلة في الطول، لا تختلف كليالي سائر الناس؛ لأنها تقصر مرة وتطول أخرى، ثم قال: إن ليل العشاق كذا يكون، وكل عاشق يطول ليله؛ لسهره فيه، وعظم حزنه شوقاً إلى حبيبه. وقيل: أراد أنها مشاكلة في السهر وبعد النوم وفقد الروح والراحة، شوقاً إلى الظاعنين، فهي طوال، لبعد العهد باللقاء وطول المدة، ولا يسلى عني ما بي من الشوق، فهي مشاكلة يشبه أولها آخرها في الشوق إلى الظاعنين. يبنّ لي البدر الّذي لا أريده ... ويخفين بدراً ما إليه سبيل بين: أي يظهرن، والنون فيه، وفي يخفين: لليالي. يقول: هذه الليالي يظهرن لي بدراً لا أريده، وهو بدر السماء ولا أشتهيه، ولا أختار النظر إليه، ويسترن عني بدراً لا سبيل لي في الوصول إليه، وأراد به حبيبه. وإنما قال ذلك؛ لأنه يراه بالنهار، والغيبة كانت تحصل بالليل، وإنما لا يريد البدر الحقيقي، لأنه ينم إذا سار إلى حبيبه، فلا يتمكن من الوصول إليه في ضوئه. قال ابن المعتز: ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر وقال بعض الأعراب: أشكو إليها ثلاثاً لا تلائمني ... منها: العجوز ومنها الكلب والقمر وما عشت من بعد الأحبّة سلوةً ... ولكنّني للنّائبات حمول سلوة: نصب على أنه مفعول له، وقيل: على التمييز. يقول: لا تظن أن بقائي بعد رحيل حبيبي عني هو للسلوة عنه، ولكن هان علي حوادث الدهر وتحمل الشدائد. وقريب منه قول الآخر: فلو كان قلبي ساعة البين زيرةً ... جرى جزعاً أو صخرةً لتفطّرا ولكنّه من جوهر لا تحيله ... حوادث صرف الدّهر كيف تنكّرا ولكن قلبي أشد من الحديد، وأقسى من الصخر؛ فلهذا لم يذب من لوعة الهجر. ومثله لأبي خراش: فلا تحسبنّي أنّي تناسيت عهده ... ولكنّ صبري يا أميم جميل ؟ وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا وفي الموت من بعد الرّحيل رحيل يقول: معتذراً لبقائه بعد فراق الأحبة. إن رحيلهم الواقع، قد حال بيني وبينهم، وبقي رحيل آخر وهو الموت، وسيحصل هذا الرحيل أيضاً أسفاً على فراقهم، فيزيد البعد بيني وبينهم، وتنقطع الأسباب عنا بالكلية. إذا كان شمّ الرّوح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضةٌ وقبول

стр. 298

الروح في اللغة: الريح، وأكثر ما يستعمل في الريح المستلدة، وقد يستعمل في معنى الراحة، وقيل: أراد بشم الروح: الحياة. والقبول: الريح تأتي من جهة القبلة، وخصها لأنها كانت تجيء من ناحية حبيبه. وأدنى: فعل متعد من دنيت. والمعنى: إذا كانت الحياة وشم الروح يقربني إليكم، فلا فارقتني حياة ولا برحت مكاني روضة وقبول؛ لأنها تكون سبباً إلى انتشاق روائحكم. وهذا توكيد لعذره في الحياة بعدهم؛ لأنه يجد في الحياة أسباباً تقربه منهم: من نسيم محبوبته، وامتزاج أنفاسه بأنفاسها، ووصول القبول من جهته، وغير ذلك. وقيل: إن أدنى: اسم بمعنى أقرب: يعني أن شم الروح إذا كانت أقرب إليكم، قرب المسافة، وأدنى إلى جهتكم، فلا فارقني الذي هو قريب منكم. وقيل: أراد بالقرب. قرب المحبة دون المسافة. ومعناه: إذا كان شم الروح أقرب إلى قلوبكم وأشبه بإيثار محبتكم، فلا فارقتني الروضة والقبول، حتى لا أكون مفارقاً ما تهدون وتؤثرون. وقيل: معناه إذا لم يكن من فراقكم إلا التعلل بالنسيم، شهة لما كان ينالني من الفرح بقربكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي. لأشمه. ومعناه: إني أرضى بقليل الراحة من الشوق، إذا لم أصل إلى الحبيب. والأولى في برحتني أن يكون فعلاً تاماً، كفارقتني، فيكون روضة رفعاً به ولا يحتاج إلى الخبر، كقوله تعالى: " فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ " وعن ابن جني أنه من باب كان وروضة اسمه وهي نكرة، وخبره: ضمير لشم الروح، ونكر اسمه لأجل القافية ضرورة. وما شرقي بالماء إلا تذكّراً ... لماءٍ به أهل الحبيب نزول نصب تذكرا على الحال، أي متذكرا، ويجوز أن يكون مفعولا له. يقول: إذا أردت شرب الماء تذكرت الماء الذي نزل عليه أهل من أحبه فشرقت بهذا الماء، لما خنقني من العبرة، أو لأجل أني كنت أشتهي أن يكون شربي من الماء الذي نزلوا عليه، لمجاورته إياهم. وحكى أن الصاحب أنشد هذا البيت فقال: ليس والله هذا هوى وصبابة، ولكنه وفاء ورعاية. يحرّمه لمع الأسنّة فوقه ... فليس لظمآنٍ إليه وصول يقول: إن هذا الماء ممنوع الوصول إليه مما فوقه من الرماح، وما حوله من الأبطال، فلا يصل إليه أحد؛ لعزة قومه. أما في النّجوم السّائرات وغيرها ... لعيني على ضوء الصّباح دليل؟ يقول مستفهماً، ومستطيلا لليل: أما في نجوم هذا الليل السيارة منها، والثابتة - على ما يقوله المنجمون - نجم يدل على ضوء الصباح، وزوال الظلام؟ لأن كثيراً من النجوم يختص طلوعها بأواخر الليالي، فيجب أن يعرفه، ليدل على قرب الصباح. وروى: أما في النجوم الساريات وغيرها: معناه ليس في هذه النجوم التي تسري بالليل ولا في غير النجوم: من صوت طائر وغيره، ما يدل على طلوع الفجر وذهاب الليل. ألم ير هذا اللّيل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقّةٌ ونحول؟ روى: رقة ودقة يقول: ألم ير هذا الليل الطويل عينيك يا حبيبتي مثلما رأيتهما؟! حتى يذوب ويزول، فيصيرنا حلاً دقيقاً مثلي. وقيل: معناه يا رؤيتي. يعني. ألم ير الليل عينيك يا رؤيتي؟! ولم يرد معهما ونحولهما فيرحمني، ويرق لي، ويظهر فيه النحول والقصر رقة علي، فيزول الليل ويقصر. لقيت بدرب القلّة الفجر لقيةً ... شفت كمدى واللّيل فيه قتيل تخلص إلى مدح سيف الدولة وقال: لقيت الفجر في هذا الموضع. الذي فيه درب القلة، لقية واحدة، وهذه اللقية شفت حزني وأذهبت كمدى، وصار الليل قتيلاً؛ لانقطاعه وذهابه. وقيل: إنما يجعل الليل قتيلا، لأنه أراد أن الحمرة التي تظهر عند الفجر كانت كالدم على بدن القتيل. وقيل: لم يرد حقيقة الفجر، وإنما أراد نيراناً أوقدها سيف الدولة بدرب القلة، وكان ضياؤها مختلطاً بالدخان، فشبه اختلاط الضياء بالدخان، بالفجر الذي يختلط فيه الظلام بالضياء. والهاء في فيه تعود إلى الدرب. وقيل: تعود إلى القلة، وذكره على تأويل الموضع والمكان، ودرب القلة: موضع ببلاد الروم. وعن ابن جني قال: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا فقال: كنا نساير سيف الدولة فلقينا القلة وقت السحر مع الفجر، فكأني لقيت الفجر بها، ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر وشننا الغارات، وغنمنا. ويوماً كأنّ الحسن فيه، علامةٌ ... بعثت بها والشّمس منك رسول

стр. 299

يوماً: نصب عطفاً على قوله: لقيت بدرب القلة الفجر لقية ويوماً. وجعل حسن اليوم الذي ظفر فيه الممدوح بالروم، كأنه علامة من محبوبته، وجعل الشمس كأنها رسولها، وذلك لسروره في هذا اليوم، وسروره بطلوع الشمس فيه. وقيل: إنه إنما استحسن هذا اليوم، وطلوع الشمس فيه؛ لزوال الليل واستراحته بالنهار من السهر والحزن. وقيل: معنى البيت أن الحسن في ذلك كان خفياً لشدة الحرب، وإظلام الجو باقتام، وأن الشمس كانت تبدو مرة وتختفي أخرى لتكاثف الغبار، فشبهه برسول يأتي من عند حبيبته، فهو إذا رأى رقيباً توارى، وإذا صادف خلوة بدا، وشبه حسن ذلك اليوم: وهو النصر والظفر بالاعداء في حقائقه - بعلامة تكون بين المحب وحبيبه، لا يعلمها أحد سوهما، وفيه إشارة إلى أن الحرب كانت قد اشتدت في ذلك، حتى خفيت علامة النصر، إلا على سيف الدولة، فإنه كان عالماً بالظفر، كما يعلم المحب العلامة التي بينه وبين حبيبته وهذا من لطائف أبي الطيب. وما قبل سيف الدّولة اثّار عاشقٌ ... ولا طلبت عند الظّلام ذحول اثار: افتعل من الثأر. أي أدرك ثأره، يقال: اثار وثار بمعنى. والذحول: جمع ذحل وهو الحقد في القلب. فذكر أن الليل صار قتيلاً، ثم قال: إن القاتل هو سيف الدولة. وقال: لولا سيف الدولة لم يقدر عاشق على أخذ الثأر من الليل، وما أدرك عاشق ثاره قبل حصول سيف الدولة بدرب القلة، ولم يطلب أحد عند الليل ذحلاً وثأراً قبله وهذا ضد قوله في بدر: حدقٌ يذمّ من القواتل غيرها ... بدر بن عمّار بن إسماعيلا ولكنّه يأتي بكلّ غريبةٍ ... تروق، على استغرابها، وتهول تروق: تعجب بحسنها، وتهول: تخوف. يقول: إن قتله الليل وإدراك ثأره منه أمر عجيب! وشيء عجيب! لكن سيف الدولة لا يزال يأتي بكل فعل غريب! كل من رآه راقه حسنه، ويهول القلوب لعظمه، فليس هذا منه ببديع. رمى الدّرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وما علموا أنّ السّهام خيول الدرب: ها هنا، موضع معروف من بلاد الروم. يقول: رمى درب الروم، كما يرمي لغرض بالسهام، ولم يعلم الروم أن الخيل في السرعة تقوم مقام السهام. شبه خيله بالسهام في إقدامها وسرعتها. شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرحٌ من تحته وصهيل الشوائل: جمع شائلة، وعداها إلى القنا بالباء. والتشوال: مصدر شول. والمرح: النشاط. والشوائل: نصب على الحال. وقوله: لها مرح إلى آخره نصب على الحال. والهاء في تحته للقنا، راجع إلى اللفظ. يقول: رمى الدرب بالخيل رافعة رماحها، كما رفعت العقارب أذنابها، وكان لهذه الخيل مرح تحت القنا وصهيل، يعني بأن الركض لم يذهب مرحها. وهذا قول بشار: والخيل شائلةٌ تشقّ غبارها ... كعقاربٍ قد رفعت أذنابها غير أنه زاد عليه في التشبيه، فبشار شبه الخيل الرافعة لأذنابها بالعقارب، رافعة أذنابها، فالتشبيه واقع على وجه واحد، وهو أوقع التشبيه من وجهين: أحدهما: أنه جعل الخيل شائلة بالقنا، كما تشول العقارب بأذنابها. والثاني: أنه شبه أطراف الرماح بأذناب العقارب، وأن لها من الطعن مثل ما للعقارب من اللسع، فأخذ معنى بشار، وضم إليه هذه الزيادة، فكان هو أولى به من بشار. وما هي إلا خطرةٌ عرضت له ... بحرّان لبّتها قناً ونصول وما هي: أي الغزاة. وحران: مدينة بالشام، والضمير في له للمدوح، وفي لبتها للخطرة، والتاء: للقنا، والنصول: للسيوف، وعرضت: أي ظهرت. يقول: لم تكن هذه الغزاة عن تأهب واستعداد، ولكن خطر بقلبه وهو بحران أن يقصد بلاد الروم، فأجابته الرماح والسيوف، فسار إليهم غير محتفل. همامٌ إذا ما همّ أمضى همومه ... بأرعن، وطء الموت فيه ثقيل الهموم: بمعنى الهمم. والأرعن: الجيش العظيم. يقول: هو عظيم الهمة إذا هم بشيء وعزم على أمر أمضاه. بجيش عظيم، كأنه لا يمر على ناحية إلا أنكى فيها وأكثر القتل فيها، وهو في معنى قوله: وطء الموت: وقعه، يعظم ويكثر من هذا الجيش، أو يشتد وطء هذا الجيش ويعز عليه. وخيل براها الرّكض في كلّ بلدةٍ ... إذا عرّست فيها فليس تقيل وخيل: عطف على أرعن. والتعريس: النزول آخر الليل.

стр. 300

المعنى: إذا هم بأمر أمضاه بجيش أرعن، وبخيل قد أنحلها اتصال السير بالسرى، فإذا عرست في بلدة من بلاد العدو، رحلت عنها ولم تقم إلى وقت القائلة. فلمّا تجلّى من دلوك وصنجةٍ ... علت كلّ طودٍ رايةٌ ورعيل تجلى: أسي بان عنها وفصل، وأصله الظهور، ودلوك وصنجة: موضعان من بلاد الأرمن، والطود: الجبل. والرعيل: قطعة من الخيل تتقدم الجيش. يقول: لما انفصل عن هذين الموضعين وانتشرت خيله على رءوس الجبال، فكان على كل جبل راية وخيل. على طرقٍ فيها على الطّرق رفقةٌ ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول الهاء في فيها للطرق. وقيل راجعة إلى كل طود وهو في معنى الجمع، ومعناه أنه سار إليهم بين الجبال، في الطرق المجهولة فكانت فيها رفعة على سائر الطرق؛ لأنها كانت على رءوس الجبال. وقيل: معناه أنها كانت رفيعة القدر من حيث كانت موصلة إلى المطالب الجليلة، والمغانم الجزيلة. ثم قال: في ذكر هذه الطرق عند الناس خمول؛ لأنها غير مسلوكة ولا يهتدي إليها أحد، فطابق بين الرفعة والخمول. فما شعروا حتّى رأوها مغيرةً ... قباحاً، وأمّا خلقها فجميل فما شعروا: يعني الروم، أضمرهم لدلالة الحال، وتقدم العلم. يقول: ما علم الروم بخيل سيف الدولة، حتى شاهدوها تغير عليهم، فكانت قباحاً في أعينهم؛ لسوء أفعالها بهم، وإن كانت جميلة الخلق حسنة المنظر. ومغيرة: نصب على الحال، وليس مفعولاً لرأوها: لأن الرؤية بمعنى المشاهدة لا تتعدى إلى مفعولين. وقباحاً: بدل من مغيرة ويجوز أن تكون حالاً ثانية، كقولك: جاء زيد راكباً مسرعاً. ويجوز أن تكون الرؤية من رؤية القلب فيكون المفعول الأول الهاء، ومغيرة حالاً. أي رأوها في حال غارتها قباحاً. سحائب يمطرن الحديد عليهم ... وكلّ مكانٍ بالدّماء غسيل سحائب: نصب بدلاً من قباح، يجوز فيها الرفع على إضمار المبتدأ: أي هذه الخيل سحائب. يقول: هذه الخيل سحائب ولكن مطرها الحديد، ثم قال: وكل مكان حلت به مغسول بدماء الأعداء لكثرة القتله به، وإسالة الدماء فيه. وأمسى السّبايا ينتحبن بعرقةٍ ... كأنّ جيوب الثّاكلات ذيول ينتحبن: أي يرفعن أصواتهن بالبكاء. وعرقة: مدينة بالشام، وقيل: من الروم. يقول: حصلت السبايا بعرقة، فأقمن بها يبكين على من قتل من أولادهن وأقاربهن، وقد شققن جيوبهن حتى صارت في السعة كالذيول. وقيل: أراد بالسبايا الأولاد، وبالثاكلات: الأمهات في الروم: يعني لما سبى الأولاد، بكت أمهاتهن في الروم عليها. وعادت فظنّوها بموزار قفّلاً ... وليس لها إلاّ الدّخول قفول موزار: اسم بلد. يقول: إن خيله أغارت عليهم، وحملت السبايا إلى عرقة، وعادت لتعبر من درب موزار، ثم عادت راجعة إلى بلادهم مرة أخرى، فلما رأوها بموزار ظنوها راجعة إلى بلاد الإسلام، ولم يعلموا أنها عادت لتدخل بلادهم مرة أخرى، فصار دخولها قفولا. وكان سيف الدولة أراد بعد الإغارة أن يعبر من درب موزار، فوجد العدو هناك، قد أخد عليه الدرب، فرجع داخلاً إلى بلاد الروم، وتبعه العدو فعطف عليه وقتل كثيراُ من الأرمن. وهذا معنى قوله: وليس لها إلا الدّخول قفول. فخاضت نجيع الجمع خوضاً كأنّه ... بكلّ نجيع لم تخضه كفيل الضمير في خاضت: لخيل سيف الدولة. والهاء في كأنه للنجيع، وهو الدم. يقول: إنها عادت إلى بلاد الروم، وقتلت الأبطال، وخاضت في دمائهم المصبوبة، فكأن هذه الوقعة ضمنت لها سفك كل دم بعدها؛ لأنها قتلت فؤاد الجيوش، فسهل بعد ذلك عليها مرامها، وصار من لم يقتل تحت قدرتها متى شاءت قتلته، وخاضت في دمه. تسايرها النّيران في كل مسلكٍ ... به القوم صرعى والدّيار طلول يقول: إن النيران تسايرها وترافقها في كل موضع تسلكه من بلاد الروم، لأنها كانت تنزل فيه، وتوقد النيران فيه، وهو خراب وأهله صرعى، ولم يبق لديارهم إلا الآثار. وقيل: معناه أنها قتلت أهل كل منزل نزلته، وأحرقت مساكنهم. وكرّت فمرّت في دماء ملطيةٍ ... ملطية أمّ للبنين ثكول ملطية: مدينة من بلاد الروم. يقول: إن الخيل كرت على أهل ملطية فخاضت في دمائها، فصارت ملطية مثل أم ثكلت أولادها. وأضعفن ما خلّصنه من قباقبٍ ... فأضحى كأنّ الماء فيه عليل

стр. 301

ما خلصنه: أي خلصن من الماء، من بين القوائم. وروى: ما كلفنه أي الموضع الذي كلفت الخيل قطعه من هذا النهر. وقباقب: اسم نهر. يقول: إن الخيل لما عبرت هذا النهر سكرته بقوائمها، وكسرت شدة جري الماء، وأضعفت قوته، فصار الماء يضعف جريه، كأنه عليل. شبه جريه بين قوائمها بمشي العليل في فتور وضعف. ورعن بنا قلب الفرات كأنّما ... تخرّ عليه بالرّجال سيول ورعن بنا قلب الفرات: يعني أن الخيل خوفن بنا قلب الفرات. أي عبرته بنا الخيل، وخاضت دماءه. وشبه انحدار الخيل فيه بتدافع السيل، وشبه الخيل بالسيول، والرجال بما تحمله السيول. فيقول: كأنه مثل السيول تقع من موضع إلى موضع من الوادي. يطارد فيه موجه كلّ سابحٍ ... سواءٌ عليه غمرةٌ ومسيل الضمير في فيه وموجه للفرات. وفي عليه للسابح والغمرة معظم الماء، وأردا به ها هنا معظم الحرب. والمسيل: حيث يسيل الماء. يقول: إن الخيل لما عبرته كان يدافعها موجه، فكأنه تطارده: أي تحاربه. وسواء على كل فرس منها خوض الماء، وغمرة الحرب، وكلاهما سهل عليها. تراه كأنّ الماء مرّ بجسمه ... وأقبل رأسٌ وحده وتليل تشبيه بديع؛ لأن التليل: العنق. يقول: كأن الماء حمى جسده وأبان عن رأسه وعنقه. فهذا الفرس إذا سبح لم يظهر منه إلا رأسه وعنقه. وفي بطن هنزيطٍ وسمنين للظّبي ... وصمّ القنا ممّن أبدن بديل أبدن: أهلكن، والضمير للخيل، وللظّبي. وصم القنا، وهنزيط وسمنين: بلدان من الروم. يقول: إن أصحاب السيوف والرماح قد أهلكوا أهل عرفة وملطية، ولم يصلوا إلى بطن هنزيط وسمنين، فكأن أولئك الهالكين بدل في هاتين البلدتين للسيوف والرماح ولأصحاب الخيول، يهلكونهم متى شاءوا، ويقتلونهم متى قفلوا. طلعن عليهم طلعةً يعرفونها ... لها غررٌ ما تنقضي وحجول طلعن: أي الخيل. عليهم: أي على أهل هنزيط وسمنين. المعنى: أن خيل سيف الدولة لما فرغت من أهل ملطية، عطفت عليهم وطلعت على ديارهم، وهذه الطلعة معروفة مشهورة؛ لأنها لم تكن أول مرة، بل تقدم لها أخوات مشهورة كشهرة الغرر والحجول، في الخيل الغر المحجلة. والعرب تصف الشهرة بالغرة والحجول، كما قال الآخر: كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يومٌ أغرّ محجّل وقوله: لها عزر مأخوذ من قول السموءل: وأيّامنا مشهورةٌ في عدوّنا ... لها غررٌ معلومةٌ وحجول فهو وإن وافقه في المعنى والوزن والقافية وبعض الألفاظ، إلا أن هذا لما كان من العام المنتشر لا يقال فيه: إنه مسروق. تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا ... فتلقى إلينا أهلها وتزول يقول: إن الحصون الطوال المرتفعة، ملت من طول منازلتنا إياها، فتلقى إلينا أهلها، وتزول الحصون عن أماكنها، حتى لا يبقى منها شيء. وبتن بحصن الرّان رزحي من الوجى ... وكلّ عزيزٍ للأمير ذليل رزحي: تعبة معيية، والواحد رازح، والوجى: وجع بحافر الفرس؛ من الحفا، وكثرة المشي. وقيل: أراد به كثرة الضرب والطعن، من قولهم: وجأته بالسكين. يقول: إن الخيل عادت إلى حصن الران، وقد تعبت وكلت بعد أن قتلت كل بطل، وأذلت كل عزيز، وموضعه نصب على الحال. أي بتن على هذه الحال. وقيل: معناه أنها لم تصر كذلك للضعف، ولكنه كلفها من همته أصعبها فضعفت. وفي كلّ نفس ما خلاه ملالةٌ ... وفي كلّ سيف ما خلاه فلول الضمير في ما سواه وما خلاه للأمير. يقول: كل أحد قد مل من طول الحرب، وكل سيف انثلم من كثرة الضرب، سوى سيف الدولة. ودون سميساط المطامير والملا ... وأوديةٌ مجهولةٌ وهجول سميساط: مدينة، والمطامير: الآبار، تحفر فلا تبلغ بها إلى الماء، والواحدة: مطمورة. والملا: الأرض الواسعة. والهجول: جمع هجل، وهو المطمئن من الأرض، وقيل: هو الأرض البعيدة الأطراف. يعني: بيننا وبينها هذه الطرق المجهولة، والأراضي الواسعة. لبسن الدّجى فيها إلى أرض مرعشٍ ... وللرّوم خطبٌ في البلاد جليل مرعش: مدينة والضمير في فيها للمطامير والأودية، وقيل: يرجع إلى سميساط.

стр. 302

يقول: لبست خيل سيف الدولة ظلمة الليل بين هذه المطامير والودية، من سيساط حتى أتى مرعش، وقوله: وللروم خطب: في موضع الحال، أي كانت هذه المسيرة والحال هذه، وهي أن خطبهم قد عظم واشتد أمرهم. فلمّا رأوه وحده قبل جيشه ... دروا أنّ كلّ العالمين فضول يقول: لما رآه الروم وحده متقدماً على جيشه، علموا أنه كاف عن كل أحد، وأن من عداه زيادة لا يحتاج إليها. وأنّ رماح الخطّ عنه قصيرةٌ ... وأنّ حديد الهند عنه كليل يقول: وعلموا أن الرماح تقصر عنه ولا تناله، والسيوف تكل ولا تعمل فيه، أي لا يقدر أحد على طعنه وضربه. فأوردهم صدر الحصان وسيفه ... فتىً بأسه مثل العطاء جزيل يجوز في سيفه النصب عطفاً على صدر الحصان. يقول: جعل سيف الدولة صدر سيفه وفرسه مورد الأعداء. يعني أنه قتلهم بسيفه، واقتحمهم بفرسه. وهو فتى شجاعته مثل عطائه، وكل واحد منهما جزيل. جوادٌ على العلاّ بالمال كلّه ... ولكنّه بالدّارعين بخيل العلات: جمع العلة، وأرد ها هنا كل حدث شاغل، وقيل: قلة المال وتعذر الحال. يقول: هو جواد بماله كله في جميع الأحوال، لا تشغله الحروب والشدائد عن الجود. وقيل: معناه أنه يجود حين يعتل عليه ماله ويقل، ولكنه مع هذا الجود، بخيل بالرجال، لا تسمح نفسه أن يسلمهم للقتل، بل يذب عنهم بنفسه. والدارعين: أصحاب الدروع. فودّع قتلاهم وشيّع فلّهم ... بضرب حزون البيض فيه سهول البيض: جمع بيضة، وهي الترك. وروى: حزون الموت والفل: القوم المنهزمون. والضمير في قتلاهم وفلهم للروم. يقول: قتل قوماً وهزم الباقين، ثم ترك القتلى مكانهم فودعهم، وشيع المنهزمين، وفعل هذا التوديع والتشييع بضرب حزون البيض فيه سهول: أي شدة البيض وصعوبته سهل على هذا الضرب، لم تمنعه الدروع والبيض. وقيل: إنه جعل ضربه إياهم توديعاً لمن قتل منهم، وتشييعاً لمن انهزم كما قال: تحيّة بينهم ضربٌ وجيع على قلب قسطنطين منه تعجّبٌ ... وإن كان في السّاقين منه كبول قسطنطين: ابن الدمستق، والكبول: القيود. يقول: هو متعجب مما شاهد من سيف الدولة من الشجاعة والإقدام! لم يشغله عن التعجب ما هو فيه من الأسر والقيود. لعلّك يوماً يا دمستق عائدٌ ... فكم هاربٍ ممّا إليه يئول يقول: إن كنت قد هربت وسلمت. فلعلك ترجع يوماً آخر، فتؤسر وتقتل، وكثير من الناس هرب من أمر، ثم رجع إليه. نجوت بإحدى مهجتيك جريحةً ... وخلّفت إحدى مهجتيك تسيل يقول: نجوت بواحدة من مهجتيك مجروحة: يعني نفسه، وخلفت مهجتك الأخرى: يعني ولده؛ لأنه في حكم نفسه. تسيل: أي تذوب في القيد؛ وهذا لأنه جعل ابنه إحدى روحيه. كما روى في الخبر أنه ﷺ قال: فطمة بضعة منّى. أتسلم للخطّيّة ابنك هارباً ... ويسكن في الدّنيا إليك خليل!!؟ يقول: أنت إذا سلمت ابنك، الذي هو نفسك، للرماح وهربت عنه! فكيف يسكن إليك صديقك! وكيف يثق بالوفاء منك خليلك؟! بوجهك ما أنساكه من مرشّةٍ ... نصيرك منها رنّةٌ وعويل الهاء في أنساكه للابن. والمرشة: الضربة التي ترش الدم، أي تطايره. يقول: هربت وفي وجهك ضربة أنستك ابنك وشغلتك بنفسك، فنصيبك من هذه الضربة الأنين والبكاء، أي لا تقدر إلا على البكاء والعويل. أغرّكم طول الجيوش وعرضها؟! ... عليّ شروبٌ للجيوش أكول يقول: غركم كثرة جيوشكم، فلم تعلموا أنه يأكلها ويشربها! يعني أنها غنيمة له يأكلها، فكلما كثرت، كان أجود له. إذا لم تكن للّيث إلا فريسةً ... غذاه ولم ينفعك أنّك فيل يقول: إذا كنت فريسة لليث، لم ينفعك عظم جسمك، ولو كنت مثل الفيل، بل سمنك وعظم جسمك يغذوه، وموضع أنك فيل رفع بغذاه: أي غذاه كونك ذلك، فأعمل الفاعل الأول فيه وأضمر الفاعل الثاني. وقيل: أضمر الفاعل في غذاه لدلالة الثاني عليه، وتقديره: وغذاه الفيل، ولم ينفعك أنك كذلك. إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعةٌ ... هي الطّعن لم يدخلك فيه عذول يقول: إذا لم يكن فيك شجاعة، تدخلك في الطعان، وتحملك على مقارعة الأقران، لم يحملك عليه عذل العاذل. فإن تكن الأيّام أبصرن صولةً ... فقد علّم الأيّام كيف تصول

стр. 303

يقول: إن أبصرت الأيام صولته هذه على الروم، فقد علمها أيضاً قبل هذه الصولة كيف تصول؟ يعني أن الأيام نظرت إلى صولته بالأعداء فتعلمت منه كيف تقصد أهلها بصروفها، وقيل. أراد بالأيام: أهلها. فدتك ملوكٌ لم تسمّ مواضياً ... فإنّك ماضي الشّفرتين صقيل يقول: فداك كل ملك لم يسم باسمك، وليس له مضاء مثل مضائك، فإنك ماض فيما بينهم، فأنت كالسيف وهم كالبوقات والطبول. إذا كان بعض النّاس سيفاً لدولةٍ ... ففي النّاس بوقاتٌ لها وطبول يقول: أنت كالسيف وغيرك كالطبول والبوقات؛ لأنه إذا جاز أن يكون سيفاً للدولة؛ جاز أن يكون لها طبول، لأن غيرك من الملوك ليس لهم مضاء في الأمور، وليس عنده إلا القول الخالي من الفغل، كالبوقات. أنا السّابق الهادي إلى ما أقوله ... إذ القول قبل القائلين مقول يقول: أنا السابق إلى ما أقوله من الشعر، والمبدع لمعانيه، وغيري من الشعراء يسرق ما يقوله ممن تقدمه من الشعراء. وما لكلام النّاس فيما يريبني ... أصولٌ، ولا للقائليه أصول يقول: كلام الناس في غيبتي، والطعن فيّ لا أصل له، غذ لا عيب فيّ، وكذلك لا أصل لمن يعيبني ويطعن عليّ وأصلة من الحديث: الساعي لغير رشده. أعادي على ما يوجب الحبّ للفتى ... وأهدأ والأفكار فيّ تجول حسدوني لفضلي وعادوني، وكان يجب أن يحبوني؛ لأن الفضل يوجب المحبة، وأهدأ: أي أسكن، ولا أحسد أحداً، بل أنام خالي البال، وأفكار الحساد تجول فيّ. ومثله للبحتري: إذا محاسني اللاّتي أدلّ بها ... كانت ذنوبي، فقل لي: كيف أعتذر؟ سوى وجع الحسّاد فإنّه ... إذا حلّ في قلبٍ فليس يحول يقول: داو كل داء من الأمراض والفقر وغيرهما، فإنه يزول بمداواتك، ولا تشتغل أنت بمداواة وجع الحساد؛ لأنه لا يزول أبداً. ولا تطمعن من حاسدٍ في مودّةٍ ... وإن كنت تبديها له وتنيل يقول: لا تطمع في مودة حاسدك، فإنك وإن كنت تظهر له المودة، وتعطيه المحبة فإن ما في قلبه من الحسد يمنعه من مودته لك. وإنّا لنلقي الحادثات بأنفسٍ ... كثير الرّزايا عندهنّ قليل يقول: إن لنا نفوساً كريمة، وقلوباً صابرة على حوادث الدهر، وكثرة الرزايا والشدائد عندها قليل، لكثرتها وصبرها. يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراضٌ لنا وعقول الأعراض: جمع العرض، وهو موضع الحمد والذم. يقول: إذا سلمت الأعراض والعقول، فلا حظ للأجسام عندنا، بل يهون علينا ما يحدث فيها من الجراحات والأسقام. ومثله: إذا أبقت الدّنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر فتيهاً وفخراً تغلب ابنة وائل ... فأنت لخير الفاخرين قبيل يقول: يا تغلب ابنة وائل تيهي تيهاً، وافخري فخراً، فإنك قبيلة سيف الدولة، وهو خير الفاخرين، وأنت تغلب. ذهاباً بها إلى القبيلة أو العشيرة، ونصب تيهاً وفخراً على المصدر أي تيهي تيهاً، وافخري فخراً. يغمّ عليّاً أن يموت عدوّه ... إذا لم تغله بالأسنة غول إذا لم تغله: إذا لم تهلكه. والغول: الداهية. وقيل: المنية. يقول: إن سيف الدولة إذا مات عدو يغتم بموته، وإنما يريد أن يقتله. شريك المنايا، والنّفوس غنيمةٌ ... فكل مماتٍ لم يمته غلول الغلول: الخيانة في الغنيمة. يقول: إن سيف الدولة شارك المنية في الإغارة على نفوس الأعداء، والنفوس غنيمة لها يشتركان فيها، فإذا استبدت المنية في نفس واحد لم يقتلها هو فقد خانته وغلت تلك النفس منه. فإن تكن الدّولات قسماً فإنّها ... لمن ورد الموت الزّؤام تدول الزؤام: السريع. وتدول أي صارت له، ورجعت إليه. يقول: إن كانت الدولة مقسومة بقدر السعي فالأولى بها من يقتحم على الأهوال ويباشر القتال وأسباب الموت. فأطلق لفظ الموت على أسبابه. لمن هوّن الدّنيا على النّفس ساعةً ... وللبيض في هام الكماة صليل لمن هون: بدل من قوله: لمن ورد. يقول: إن الدولة لمن هون الدنيا على نفسه ساعة، في موضع الضرب والطعن، وضرب على شدائدها في تلك الحال؛ لأنه متى صبر فاز بالظفر والغلبة. وتأخر مدحه عنه فعتب عليه، فقال يعتذر:

стр. 304

بأدنى ابتسامٍ منك تحيا القرائح ... وتقوى من الجسم الضّعيف الجوارح القرائح: جمع القريحة، وهي خالص طبيعة الإنسان، وأصلها من قريحة البئر، وهو أول ما يخرج من مائها إذا حفرت. يقول: إذا ابتسمت ورضيت عنا تحيي ما مات من خواطرنا وتقوي ما ضعف من جوارحنا. ومن ذا الّذي يقضي حقوقك كلّها؟ ... ومن ذا الّذي يرضى سوى من تسامح؟ يقول: لا يقدر واحد على قضاء حقوقك، وعلى إرضائك في قضائها، إلا أن تسامحه، ولا تكلفه فوق طاقته. وقد تقبل العذر الخفيّ تكرّماً ... فما بال عذري واقفاً وهو واضح؟ تكرماً نصب على المفعول، وواقفاً على الحال، ومعناه: غير مقبول. يقول: أنت تقبل العذر الخفي لكرمك، فكيف صار عذري غي مقبول في تأخيري مدحك مع وضوحه وظهوره؟! وإنّ محالاً ... إذبك العيش أن أرى وجسمك معتلّ وجسمي صالح يقول: إن كان قوام عيشي بك فمن المحال سلامة جسمي مع اعتلال جسمك، بل الواجب مشاركتنا. إياك في لاعتلال. وما كان ترك الشّعر إلاّ لأنّه ... تقصّر عن وصف الأمير المدائح جعل تقصير المدائح عن وصفه عذراً في تأخير المدح، فقال: لم أترك مدحك تغافلاً عن قضاء حقك، ولكن رأيت المدائح قاصرة عن وصفك، غير ناهضة بآداء شكرك. وقال وقد تشكى سيف الدولة من دمل في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة. أيدري ما رأيك من يريب؟ ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب!؟ فاعل يدري: ما أريك، وهو الدمل ومن في موضع نصب؛ لأنه المفعول، وهو سيف الدولة على جهة التعجب والتعظيم للأمر. يقول: أيدري هذا الدمل من يريب؟ وعلى من أقدم؟ أي لو علم علو مكانك لما تجاسر على الحلول بك، فإنك الفلك في العلو والارتفاع عن الآفات، والخطوب لا ترقى إلى الفلك، فكيف رقى إليك الدمل؟! وجسمك فوق همّة كلّ داءٍ ... فقرب أقلّها منه عجيب الهاء في أقلها للأدواء التي تدل عليه قوله: كل داء إذ هو في معنى الجمع. يقول: إن جسمك أعلى محلاً من أن يصيبه أعظم الأدواء، وأن تبلغ همته إليه، فكيف وصل إليك الدمل الذي هو أقل الأدواء وأحقرها؟ يجشّمك الزّمان هوىً وحبّاً ... وقد يؤذي من المقة الحبيب يقول: إن الزمان يحبك حباً شديداً فآلمك بهذا القدر من الألم؛ لأن الحبيب يؤذيه الحبيب إذا غلبه الحب، تذللاً. والمقة: الحب، وقد روى: يجمشك والتجميش: مداعبة الحبيب والممازحة معه. يقول: إن الزمان يداعبك، ويتعرض لك؛ لحبه إياك، وهذا الدمل الذي أصابك تجميش منه، فآذاك وآلمك، فإن المحب ربما آذى حبيبه بالعض وغيره، محبة منه. وقوله هوى وحباً نصب على المفعول له. وكيف تعلّك الدّنيا بشيءٍ ... وأنت بعلّة الدّنيا طبيب؟ يقول: كيف أصابتك الدنيا بعلة وأنت طبيبها؟ الذي تداوي علتها، وتذهب سقمها، وتصلحها من الفساد. وكيف تنوبك الشّكوى بداءٍ ... وأنت المستغاث لما ينوب؟ تنوبك أي تصيبك والشكوى: المرض. يقول: كيف تصيبك ما تشكو منه؟ ومن نابته الشكوى استغاث بك فأجرته. مللت مقام يومٍ ليس فيه ... طعانٌ صادقٌ ودمٌ صبيب المقام: الإقامة، والصبيب: المصبوب. يقول: قد تعودت الحرب، وتركت الإقامة، فمتى فقدت ذلك يوماً واحداً ألمت من ذلك، ومللت من طول الإقامة، فألمك هو الجلوس في الدعة، وترك الحرب، لا من الدمل، إذ هو أقل من أن تبالي به. وقوله: طعان صادق يعني أنه لا يخطئ بل يصيب. وأنت الملك تمرضه الحشايا ... لهمّته، وتشفيه الحروب الحشايا: جمع الحشية. يقول: أنت ملك عظيم الهمة لا تلتذ بالتنعم والراحة، فالنوم على الحشايا يمرضك، والحروب تشفيك وتوافقك. إذ ترك العادة يمرض الإنسان. وما بك غير حبّك أن تراها ... وعثيرها لأرجلها جنيب العثير: الغبار، والضمير في تراها وعثيرها وأرجلها للخيل، فأضمرها وإن لم يجر لها ذكر: للعلم بها. إذ الحروب لا تعرى من الخيل. والجنيب: التابع كالجنيبة التي تقاد إلى جنب الفرس. يقول: هذا الألم الذي ألم بك، ليس هو من المرض، ولكنه لشوقك إلى أن ترى الخيل، وقد أثارت الغبار في الحروب، وصار غبارها تابعاً لأرجلها، كما يتبع الفرس قائده.

стр. 305

مجلّحةً لها أرض الأعادي ... وللسّمر المناحر والجنوب مجلحةً: مصممة جادة في شأنها، ونصب على الحال. والمناحر: موضع النحر، والجنوب: جمع الجنب، وأراد به: جنوب الأعادي ونحورهم. يقول: ليس بك إلا ألم حبك أن ترى خيلك مجلحة محدة في الحروب، وقد ملكت أرض الأعادي، وملكت الرماح نحور الأعادي وجسومها. وقيل أراد: نحور الخيل وجنوبها، يعني: أنها تتلقى الرماح بنحورها، وجنوبها، ولا تولي عنها. فقرّطها الأعنّة راجعاتٍ ... فإنّ بعيد ما طلبت قريب تقريط الأعنة: هو أن يرخي الفارس عنان الفرس، حتى يمس أذنه، فيصير بمنزلة القرط له. وقيل: هو طرح اللجاح في رأس الفرس. يقول: إذا كان مرضك هذا، فشفاؤك في يدك، فارجع بخيلك إلى أرض الروم، وارخ لها الأعنة، حتى تبلغ مرادك، ويشفيك من ألمك، فإن ما طلبته هذه الخيل، وإن كان بعيداً، فهو عليها قريب. إذا داءٌ هفا بقراط عنه ... فلم يعرف لصاحبه ضريب هفا: أي غفل وزل. ولم يعرف: أي ليس يوجد، وأقام لم مقام ليس والضريب: المثل والنظير، فالهاء في لصاحبه للداء. والبيت يفسر على وجوه. أحدها: أن بقراط قد ذكر جميع الأدواء، ولم يذكر فيها حب الحروب، ولم يعلم بقراط أحداً، يكون فقد الحرب مرضاً له، فمن أصابه هذا الداء الذي هفا عنه بقراط، لم يكن له في الناس نظير، فكأنه يقول: ليس لك نظير في هذه الهمة، فإنا ما سمعنا بمن يمرضه حب الحرب، وتؤلمه الراحة والدعة. وجواب إذا قوله: لم يعرف. والثاني: أنه جعله بمنزلة بقراط. فيقول: أنت مع علمك وكونك في مثل علم بقراط، عجزت عن دفع هذا الداء عنك، وكل داء هفا بقراط عنه، فإن صاحب ذلك الداء ليس له نظير، إذ هو خارج عن الطبائع البشرية؛ لأن بقراط لا يشكل عليه طبايع البشر، فلما كنت بقراط فعجزت عن مداواة هذا الداء، علمنا أنك تفارق جميع الناس، ولا يشبهك أحد منهم، وجواب إذا أيضاً فلم يعرف. والثالث: أن المراد بالداء: الحروب ونيوب الدهر، وهو متعلق بقوله: فإن بعيد ما طلبت قريب إذا داء هفا بقراط عنه، فلم يوجد عليل، به تلك العلة، ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب الغرض به. يعني: أنه إذا اختل أمر الثغور كان عود خيلك إليها قريباً، فتكون أنت مداوياً لها. والفاء على هذا تكون عاطفة لجملة على جملة، وهذا كقول ليلى الأخيلية: إذا هبط الحجّاج أرضاً مريضةً ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الدّاء العضاء الّذي بها ... غلامٌ إذا هزّ القناة سقاها بسيف الدّولة الوضّاء تمسى ... جفوني تحت شمسٍ ما تغيب الوضاء: مبالغة الوضيء. يقول: إذا أبصرته أبصرت شمساً لا تغيب، كما تغيب الشمس، وقوله: جفوني تحت شمس: أن ناظرة إلى وجهه. فأغزو من غزا، وبه اقتداري ... وأرمى من رمى وبه أصيب يقول: إذا غزا سيف الدولة غزواً غزوته معه، ولكن اقتداري به، وقوتي ونكاتي في غزوه بتأييده. وقيل: معناه أني لا أغزوهم إلا بنفقته وخيله وسلاحه الذي وهب لي، فكأن اقتداري بعطيته، وإذا رميت الاعداء أصبتهم بدولته. وللحسّاد عذرٌ أن يشحّوا ... على نظري إليه وأن يذوبوا يقول: إن حسدوني على نظري إليه، ونافسوني فيه، وذابوا كمداً وحزناً، بمنزلتي عنده، فلهم في ذلك عذر. فإنّي قد وصلت إلى مكانٍ ... عليه تحسد الحدق القلوب يقول: من يحسدني على منزلتي عنده، ونظري إليه فهو معذور؛ لأني قد جعلت في مكان يحسد قلبي فيه عيني، لما تدركه من اللذة بالنظر إليه، ورؤيتها لمكارمه ومحاسنه، والقلب لا يصل إليها مباشرة، وإنما يصل إليها بالعلم. وهو قريب من قول الآخر: إذا زرت حفصاً تستضيء برأيه ... فقلبك مغبونٌ وطرفك رابح وروى: تستضيء بشمسه. وقال سيف الدولة، وعنده رسول ملك الروم: الساعة يسر الرسول بهذه العلة، فأجابه أبو الطيب: فديت، بماذا يسرّ الرّسول؟ ... وأنت الصّحيح بذا لا العليل يقول: جعلنا الله تعالى فداءك، بأي شيء يسر الرسول؟ وأنت الصحيح بهذا الدمل لا المريض؛ لأن بهذا يزول أدواء كثيرة، وهذا علامة الصحة. عواقب هذا تسوء العدوّ ... وتثبت فيك وهذا يزول

стр. 306

يقول عاقبة هذا الدمل، وهو الصحة تسوء أعداءك، وتثبت فيك الصحة دائماً، وهذا الذي أصابك يزول في أسرع وقت. وقال أيضا في علة سيف الدولة، يمدحه: إذا اعتلّ سيف الدّولة اعتلّت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض يقول: إذا أصاب سيف الدولة علة، عمت الأرض ومن عليها، واعتل بها أيضا الشجاعة والكرم؛ لأن قوام الكل به. والبأس: الشجاعة. ومثله لعلي بن الجهم: وإذا رابكم من الدّهر ريبٌ ... عمّ ما خصّكم جميع الأنام وكيف انتفاعي بالرّقاد وإنّما ... بعلّته يعتلّ في الأعين الغمض؟ يقول: إذا اعتل هو، لم أنتفع بالنوم، ولم أجد له لذة؛ لأنه إذا اعتل اعتل النوم في عيني جزعاً عليه. شفاك الّذي يشفي بجودك خلقه ... فإنّك بحرٌ كلّ بحرٍ له بعض يقول: شفاك الله تعالى، كما يشفي خلقه بجودك، فإنك في الجود بحر، إذا قيست البحار إليه كانت بعضاً منه وجزءا له. وقال أيضاً في شهر رمضان وقد عوفي سيف الدولة من الدمل: المجد عوفي إذا عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم يقول: إن المجد والكرم اعتلا بعلتك؟! فلما عوفيت عوفيا بعافيتك، وزال ألمك الذي بك إلى أعدائك؛ لأنهم اغتموا بعافيتك، وتألموا بصحتك، فكأن ألمك انتقل إليهم. وقيل: إن هذا دعاء: أي رد الله تعالى ألمك إلى أعدائك. والأولى أنه خبر، وليس بدعاء؛ لأنه أخبر في صدر البيت أنه عوفي، فلا يتصور معه الدعاء عليهم بداء له وقد زال. صحّت بصحّتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وانهلّت بها الدّيم ابتهجت: أي فرحت. وانهلت: أي انصبت. يقول: لما راجعتك الصحة صحت الغارات بصحتك؛ لأنها كانت سقيمة بسقمك، وسرت المكارم بها؛ لأنها كانت سقيمة، وجرى بها عطاياك المتصلة، كأنها ديم منهلة. وراجع الشّمس نورٌ كان فارقها ... كأنّما فقده في جسمها سقم يقول: كانت الشمس فارقها نورها لمرضك، فعاد إليها الآن لأجل صحتك، وكأن فقد هذا النور سقما في جسم الشمس، فزال عنها مرضها لأجل صحتك. ولاح برقك لي من عارضي ملكٍ ... ما يسقط الغيث إلاّ حين يبتسم العارض: أول ما يلي الناب من الثنايا، ويقال: هو الناب. شبه نقاء عارضيه بالبرق، ثم قال: ما يسقط الغيث إلا حين يبتسم هذا الملك، يعني إذا ابتسم أعطى، فعبر عن العطايا بالغيث. وقيل: أراد بالبرق علامات جوده ومخايل إحسانه. يسمى الحسام وليست من مشابهةٍ ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم؟! يقول: يسمى الممدوح باسم السيف، وهذا لا يشابهه في الخصال والمعاني، وكيف يشبهه وهو خادمه يتصرف على إرادته؟! تفرّد العرب في الدّنيا بمحتده ... وشارك العرب في إحسانه العجم المحتد: الأصل، والضمير فيه وفي إحسانه للممدوح. يقول: تفرد العرب بأصله؛ لأنه والعرب من أصل واحد، والعجم تشارك العرب في إحسانه ونعمه. يعني أن فضله عم العجم عمومه للعرب، وشاع في الناس كافة. وأخلص الله للإسلام نصرته ... وإن تقلّب في آلائه الأمم الآلاء: النعم. واحدها إلى وألي. يقول: جعل الله تعالى نصرته للإسلام خالصة؛ لأنه أبداً يجاهد الكفار؛ ويذب عن الإسلام، فنصره مقصور على الإسلام، ونعمه تعم الخلق: مؤمنهم وكافرهم. وما أخصّك في برءٍ بتهنئةٍ ... إذا سلمت فكلّ النّاس قد سلموا يقول: لا أخصك بهذه التهنئة على برئك من المرض، بل أهنئ جميع الناس، فإنهم كانوا مرضى لمرضك، فإذا سلمت منه سلم جميع الناس، فاستووا معك في استحقاق التهنئة. وقال في انسلاخ شهر رمضان يمدح ويهنئه بعيد الفطر: الصّوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرةٌ بك حتّى الشّمس والقمر الشمس: مرفوعة، لأنها معطوفة بحتى على ما قبلها. يقول: هذه الأشياء نورها وبهجتها بك، حتى أن الشمس والقمر اللذين هما الأصل في الإنارة، منيران بك مضيئان بدولتك؛ لأنهما يشهدان النور من أنوارك، كالقمر يشهد النور من الشمس. ترى الأهلّة وجهاً عمّ نائله ... فما يخصّ به من دونها البشر التذكير: للوجه، وفي به للنائل، والتأنيث: للأهلة.

стр. 307

يقول: نظر الأهلة إلى وجهه، يقوم مقام نائله، لأنها تقابل منه سعداً وتكتسب منه نورا، فنائله عم الأهلة وسائر الخلق، ولم يختص به البشر دون غيره. ما الدّهر عندك إلا روضةٌ أنفٌ ... يا من شمائله في دهره زهر الروضة الأنف: التي لم ترع، فيكون أحسن لها. شبه الدهر بالروضة، وشمائله بالزهر الذي هو في الروضة لحسنها. ما ينتهي لك في أيامه كرمٌ ... فلا انتهي لك في أعوامه عمر الهاء في أيامه للدهر، وكذلك في أعوامه وقوله: فلا انتهى دعاء للمدوح. يقول: ليس لكرمك نهاية في الدهر، وعمرك يزيد في أعوام الدهر. فإنّ حظّك من تكرارها شرفٌ ... وحظّ غيرك منه الشّيب والكبر الهاء في تكرارها للأيام أو للأعوام، وفي منه للدهر. يقول: إنك لا تزال تزداد شرفاً على مرور الأيام وكرور الأعوام؛ لأنك تفعل في كل وقت فعلاً لك فيه ذكر وشرف، وغيرك يزداد شيباً وهرماً. ومد قويق: وهو نهر بحلب، فأحاط بدار سيف الدولة، فخرج أبو الطيب من عنده، فبلغ الماء صدر فرسه. فقال: حجّب ذا البحر بحارٌ دونه يذمّها النّاس ويحمدونه البحر: سيف الدولة، والبحار: مدود النهر. يقول: حالت هذه السيول، والمدود، بيننا وبين بحر الجود، فالناس يذمون هذه البحار؛ لأنها منعتهم عن ذلك البحر ويحمدون سيف الدولة؛ لأنه لم يحجب نائله عنهم. وقيل: يذمون البحار استحقاراً بالإضافة إليه، ويحمدونه تعظيماً له. يا ماء هل حسدتنا معينه؟ أم اشتهيت أن ترى قرينه؟ المعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، مفعول من العين: أي تدركه. يقول للماء: هل حسدتنا على كثرة جوده، الذي هو كالماء الجاري، فحلت بيننا وبينه؟ وقيل: معناه هل حسدتنا على مشاهدتنا لسيف الدولة فعقتنا عنه وعن الوصول إليه؟ أم أردت يا ماء أن ترى قرينه: أي تكاثر جوده، فتكون أنت قريناً له؟؟! أم انتجعت للغنى يمينه؟ أم زرته مكثّراً قطينه؟ قطين الملك: خدمه المقيمون. يقول للماء: أم قصدته يا ماء مستميحاً الغنى منه؟ أم أردت أن تكثر بنفسك خدمه وحشمه تشرفا بخدمته؟ أم جئته مخندقاً حصونه؟ إنّ الجياد والقنا يكفينه يقول: لعلك جئته لتصير خندقاً حول حصونه، ثم إنه لا يحتاج إلى إحاطتك بحصنه، بل هو غني بخيله وسلاحه. والضمائر من أول الأبيات إلى ها هنا للبحر. يا ربّ لجّ جعلت سفينه وعازب الرّوض توفّت عونه اللج: جمع لجة. والهاء في سفينه عائدة إليها لفظاً. والسفين: جمع السفينة، والهاء في عونه للروض. والعون: جمع عانة، وهي القطعة من حمر الوحش. والتاء في جعلت وتوفت للجياد. يقول: رب لجة جعلت الجياد سفيناً لها. يعني أنه اقتحم بها الأنهار العظيمة في غزواته، فصارت كالسفن. وقيل: أراد حومة القتال وغمرة الحرب. ورب روض بعيد قد وصلت إليه هذه الجياد، فاستوفت جميع ما فيها من عانات الحمر الوحشية وأهلكته. وذي جنونٍ أذهبت جنونه وشرب كأسٍ أكثرت رنينه وأبدلت غناءه أنينه وقوله: وذي جنون: كناية عن الشجاع، أو كناية عن الباغي. وقيل: أراد به ملكاً. كأنه من غيرة نفسه مجنون، والشرب: القوم المجتمعون على الشراب. والهاء في جنونه لذي جنون وفي رنينه وغناءه وأنينه للشرب، لفظاً لا معنىً، والرنين: صوت الباكي الحزين. والأنين: صوت الحزين المتوجع. يقول: ورب ذي جنون قصدته هذه الخيل، وأذهبت ذلك الجنون من رأسه، ورب قوم شاربين للكأس، هجمت عليهم فقتلتهم وأكثرت رنينهم وأبدلت غناءهم وطربهم حزناً وبكاء! وضيغمٍ أولجها عرينه وملكٍ أوطأها جبينه العرين: موضع الأسد في الأجمة. وفاعل أولجها ضمير البحر، الذي هو سيف الدولة، والهاء: ضمير الجياد، وكذلك في أوطأها أي ورب أشد أدخل سيف الدولة هذه الجياد في أجمته، وأغار على مملكته، ورب ملك قتله، ومشى بها على جبينه. يقوده مسهّداً جفونه مباشراً بنفسه شؤونه مسهداً ومباشراً نصب على الحال، والضمائر كلها راجعة إلى سيف الدولة، وهو المعبر عنه بالبحر. يقول: يقود سيف الدولة هذه الجياد إلى الحروب ليلاً، وقد منع أجفانه من النوم.

стр. 308

وقيل: الهاء في جفونه تعود إلى الملك: أي يسهد جفون الملك بقصده بخيله. وهو يتولى أموره بنفسه، ولا يتكل فيها إلى كفاية غيره؛ لفضل قوته وبعد همته. مشرّفاً بطعنه، طعينه عفيف ما في ثوبه مأمونه أبيض ما في تاجه ميمونه المنصوبات كلها على الحال. إلا قوله: طعينه فإنه منصوب بمشرف. يقول: إذا طعن إنساناً فإنه يتشرف بطعنه، لأنه يقال قد نازله وثبت له، وهو عفيف الفرج، أبيض الوجه، مبارك ميمون على من رآه. بحرٌ يكون كلّ بحرٍ نونه شمسٌ تمنّى الشّمس أن تكونه قوله: أن تكونه الهاء فيه خبر كان وقد وصله، والأولى فيه الفصل، فيقال: أن تكون إياه. وذكر الضمير في أن تكونه وإن كان راجعاً إلى قوله: شمس لأنه أراد بها سيف الدولة. يقول: هو بحر في الجود والهيبة، إذا قيست البحار إليه كانت بمنزلة السمكة في البحر، وهو شمس في إشراقه وعلو همته، ومنزلته وشهرة ذكره، والشمس الحقيقي تتمنى أن تكون مثله. إن تدع يا سيف لتستعينه يجبك قبل أن تتمّ سينه الهاء في سينه تعود إلى سيف. يخاطب صاحباً له، أو نفسه، فيقول: إن دعوته وقلت يا سيف الدولة، تستعين به أجابك قبل أن تلفظ بالسين، من يا سيف. وقيل: هو خطاب لسيف الدولة: أي إن دعوت سيفك لتستعين به أجابك قبل إتمام السين منه. أدام من أعدائه تمكينه من صان منهم نفسه ودينه من فاعل أدام، وأراد به الله تعالى. يقول: أدام الله تمكينه، كما صان منهم نفسه ودينه: أي حال بينهم وبينه من أن ينالوه بطعن في نفسه ودينه. وقال في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، يمدحه ويهنئه بعيد الأضحى، وأنشده إياها في ميدانه بحلب، تحت مجلسه، وهما على فرسيهما ويذكر أسره لابن الدمستق وفيها يفتخر بنفسه وشعره: لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا ... وعادات سيف الدّولة الطّعن في العدا يقول: كل إنسان يجري على ما تعود من دهره، وعادة سيف الدولة التي لا ينفصل عنها، أن يطعن أعداءه، فهو جار عليه. وأن يكذب الإرجاف عنه بضدّه ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا الإرجاف: خوض العامة في الإخبار عن الملوك بالسيئ. وقيل: هو مقدمة الكون. يقول: من عادته أيضاً أن يكذب إرجاف أعدائه عنه بضد ما أرجفوا، فإذا نووا على إيقاع شر به عاد ما تمنوه عليهم، فيصير هو أسعد من أعدائه. بما نووا عليه. وروى: بما تحوي وتنوي. وربّ مريدٍ ضرّه، ضرّ نفسه ... وهادٍ إليه الجيش، أهدى وما هدى الهاء في ضره لسيف الدولة، وفي نفسه للمريد، وهاد: من قولهم: هديته الطريق، والجيش: نصب بهاد وضره: بمريد. وأهدى: من الهدية. يقول: رب إنسان أراد أن يضره، ضر نفسه! وعاد كيده إليه، وهذا من قوله تعالى: " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ ". ومنه قول الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريّاً ومن قعر الطّويّ رماني أي عاد رميه إليه، مثل من يرمي حجراً من قعر بئر، فيعود على رأسه. ورب قائد هدى إليه جيشاً، فكأنه بعث إليه هدية وغنيمة. ومستكبرٍ لم يعرف الله ساعةً ... رأى سيفه في كفّه فتشهّدا يقول: رب كافر مستكبر عن طاعة الله تعالى، لم يؤمن ساعة، لما رأى سيف الدولة وفي يده سيفه أسلم، وتشهد: أي أقر بشهادة التوحيد. ويجوز أن يكون ساعةً متعلق بقوله: رأى السيف في يده، ساعةً، ووقتاً، فأسلم. هو البحر غص فيه إذا كان ساكناً ... على الدّرّ واحذره إذا كان مزبداً يقول: هو بحر، فإذا كان ساكناً فغص فيه، واستخرج منه الدر، وإذا كان هائجاً مزبداً فاحذره ولا تقربه، فتغرق فيه. يعني: استمنح منه الرغائب في حال السلم، واحذر من أن تلقاه محارباً، فإنه يهلكك. وهو وقوله: سل عن شجاعته وزره مسالماً فإنّي رأيت البحر يعثر بالفتى ... وهذا الّذي يأتي الفتى متعمّداً يقول: هو أشد من البحر بأساً؛ لأن البحر إنما يصيب الإنسان اتفاقاً، فربما سلم منه، وإن باعد منه لم يقصده، وهذا البحر يقصد إلى قرنه عن عمد، ويهلكه عن قصد، فيكون يعثر بمعنى يصيب. وقيل: معناه البحر ليس هو مكنه على قصد مكان غير مكانه، وهذا البحر يقصد العدو ويهلكه، وهو قريب من الأول.

стр. 309

وقيل: لما سوى بين البحر وبين سيف الدولة من حيث الغضب والسكون فضله على البحر فقال: ما يفعله سيف الدولة في حالتي الغضب والسكون، فهو عن قصد وإرادة، وما يفعله البحر لا يكون عن قصد وإرادة، وليس إغناء البحر من يقصده. بما فيه من الدر عن قصد، وكذلك إهلاكه في حال الاضطراب، فيكون قوله: يعثر بالفتى عبارة عن وقوع الفعل غفلة لا عن قصد وعمد. تظلّ ملوك الأرض خاشعةً له ... تفارقه هلكى، وتلقاه سجّداً يقول: إن الملوك تخشع له، فإذا لقيته سجدت له، وإذا خرجت من عنده ففي قلوبهم من الخوف والهيبة ما يقوم لهم مقام الهلاك. وقيل: أراد به حقيقة الهلاك. يعني إذا فارقوه على سبيل العصيان أهلكهم. وتحيي له المال الصّوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التّبسّم والجدا الجدا، والجدوى: العطية. يقول: يغنم الأموال بالسيوف والرماح، ثم يهبها بتبسمه وجدواه. وقوله: بالتبسم إشارة إلى أنه لا يمكن أن يؤخذ منه على وجه القهر. ومثله لأبي تمام: إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍ ... أغارت عليهم فاحتوته الصّنائع ذكيٌّ تظنّيه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومه ما ترى غدا تظنيه: أصله تظننه، وهو تفعل من الظن، وتظنيه: مبتدأ: وطليعة عينه: خبره، والجملة: صفة لذكي. يقول: هو ذكي يعرف الأمر قبل موقعه، فكأن ظنه طليعة لعينه، فهو يرى بقلبه اليوم ما تراه أيها الإنسان بعينك غدا. وصولٌ إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشّمس ماءً لأوردا روى: المستصعبات بالكسر، والفتح. والكسر: على أنه من الفعل اللازم، استصعب: أي صعب. والفتح: من قولك استصعبت الأمر: وجدته صعباً. يقول: لا يتعذر عليه ما يريده، حتى لو كان قرن الشمس ماء لأورد خيله منه. لذلك سمّى ابن الدّمستق يومه ... مماتاً، وسمّاه الدّمستق مولداً الهاء في يومه لابن الدمستق، وفي سماه لليوم، وقوله: لذلك إشارة إلى البيت الذي قبله: أي أنه أسر ابن الدمستق، لأنه يصل إلى كل أمر صعب بخيلة، فسمى ابن الدمستق اليوم الذي أسر فيه مماتاً؛ لأنه دنا من الموت، وأيس من الحياة، وسماه أبوه: مولداً؛ لأنه قد نجا من القتل والموت، فكأنه ولد في ذلك اليوم، أو كأنه عاد إلى الدنيا، بعد أن خرج منها. سرت إلى جيحان من أرض آمدٍ ... ثلاثاً؛ لقد أدناك ركضٌ وأبعدا جيحان: نهر في بلاد آمد مسافته بعيدة. يقول: سريت من آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، مع بعد المسافة بينهما، قاله متعجباً. ثم قال: لقد أدناك الركض من جيحان؛ وأبعدك من آمد. وعن ابن جني قال: أدناك من جيحان، وأبعد أولئك القوم من جيحان؛ مخافةً منك، فيكون مفعول أبعد محذوفاً. فولّى وأعطاك ابنه وجيوشه ... جميعاً ولم يعط الجميع لتحمداً يقول: ولى الدمستق لما رآك، وأسلم ابنه وجيشه إليك، ولم يعط جميع ما قلت لتحمده عليه؛ لأنه لم يعطك عن طيب نفس واختيار منه حتى تحمده، ولكن كان ذلك على رغم منه: قهراً وقسراً. عرضت له دون الحياة وطرفه ... وأبصر سيف الله منك مجرّدا يقول: لما رآك غلب على قلبه الخوف، وعلى عينه الحيرة، فلم تر عينه غيرك، وحلت بينه وبين حياته، فصار كالميت؛ لبطلان حواسه. وجعله سيف الله؛ لأنه مجاهد في سبيله ودينه. وروى: وطرقه أي حلت بينه وبين طريقه إلى الحياة. وما طلبت زرق الأسنّة غيره ... ولكنّ قسطنطين كان له الفدا الفدا إذا فتح: يقصر، وإذا كسر: يمد. يقول: لم تطلب الرماح إلا الدمستق ولكن نجا هو وصار ابنه فداءً له. فأصبح يجتاب المسوح مخافةً ... وقد كان يجتاب الدّلاص المسرّدا يجتاب: أي يلبس المسوح ويدخل فيها. والمسوح: جمع مسح. والدلاص: الدرع الصافية البارقة. والمسرد: المحكم النسج. يقول: إن الدمستق لما نجا ترهب خوفاً من سيف الدولة، ولبس المسوح السود، وقد كان يلبس الدروع ويباشر الحروب فترك ذلك. ويمشي به العكّاز في الدّير تائباً ... وما كان يرضى مشى أشقر أجردا العكاز، والعكازة: العصا. والدير للرهبان، كالصوامع للعباد.

стр. 310

يقول: لما عجز عن المقاتلة كانت تحمله العصا في الدير؛ لأنه قد ضعف ومرض خوفاً، وأظهر التوبة، وكان قبل ذلك لا يرضي أن يحمله الفرس الأشقر الأجرد، لأنه على ما يقال: يكون أصبر على السير. وما تاب حتّى غادر الكرّ وجهه ... جريحاً وخلّى جفنه النّقع أرمدا يقول: لم يتب اختياراً وزهداً في الدنيا، ولكن لما تركت وجهه جريحاً، وأسرت ابنه، وجعل الغبار عينه أرمد، خاف على نفسه فترهب. فإن كان ينجي من عليٍّ ترهّبٌ ... ترهّبت الأملاك مثنى وموحدا يقول: إن كان كل من يترهب ينجو من سيف الدولة، فإن جميع الملوك يترهبون اثنين اثنين، وواحداً واحداً ومثنى وموحد نصب على الحال. وكلّ امرئٍ في الشّرق والغرب بعدها ... يعدّ له ثوباً من الشّعر أسودا وكل امرئ بعدها: أي بعد حالة الدمستق. وقيل: بعد الوقعة والهاء في له لامرئ، أي يعد لنفسه. يقول: إن كان ينجيه ترهبه، فكل أحد بعد هذا - في الشرق والغرب - يجعل لنفسه مسحاً أسوداً ليلبسه. يعني لا ينفعه ذلك. هنيئاً لك العيد الّذي أنت عيده ... وعيدٌ لمن سمّى وضحّى وعيّدا هنيئاً: نصب على الحال، والعيد: رفع بفعل مضمر يدل عليه هنيئاً: أي ثبت العيد لك هنيئاً. يقول: هنأك هذا العيد الذي أنت عيد له، لأنه يتجمل بك ويسر بكونك فيه، كما يتجمل الناس في العيد، وأنت أيضاً عيد لكل مسلم يرى هذا اليوم عيداً، فيضحي ويذكر اسم الله تعالى في أيامه. وقيل: أراد هذا العيد عيد لكل من سمى وضحى، وجعله عيداً: أي عيد لكل مسلم. ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلّم مخروقاً وتعطي مجدّدا يقول: لا زلت بعده تلقى أعياداً كثيرة وتلبسها، فإذا أبليت عيداً ملبوساً، لبست عيداً جديداً. فذا اليوم في الأيّام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم واحداً كان أوحدا يقول: هذا اليوم في الأيام بمنزلتك من الأنام، فهو سيد الأيام وأوحدها، كما أنك أوحد الناس وسيدهم. هو الجدّ حتّى تفضل العين أختها ... وحتّى يكون اليوم لليوم سيّدا يقول: البخت يسعد كل شيء، حتى الأيام، فيصير اليوم سيدا لليوم، والعين قيل: أراد بها العين الحقيقية. يعني: أن البخت ربما يجعل إحدى العينين أفضل من الأخرى؛ لما يلحق الأخرى من الآفة والنقص فتصير دونها. وقيل: أراد بالعين قول القائل هذا عين الشيء. أي قد يكون عينان من ثوبين أو درتين وغيرهما - وإن كانا من جنس واحد - تفضل إحداهما على الأخرى؛ لما لها من الحظ، فتكون أوقع في النفس وأعظم للحظ. فواعجباً من دائلٍ أنت سيفه ... أما يتوقّى شفرتي ما تقلّدا الدائل: صاحب الدولة. يقول: ما أعجب أمر الخليفة؟! حيث جعلك سيفه، كيف لا يخافك فأنت أقوى منه سلطانا؟! ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازه ... تصيّده الضّرغام فيما تصيّدا يقول أنت كالأسد، فإذا جعلك الخليفة بازه، كان قد وضع الشيء في غير موضعه! لأن الأسد لا يصيد لأحد، وإنما يصيد لنفسه، فمن جعله بازه كان آخر أمره أن يعطف عليه يوماً فيجعله من جملة صيده، فكذلك الخليفة، ربما عطفت عليه فأقمته عن ملكه وقعدت مكانه، فيصير صيداً لك. ومن شرط ويجعل مجزوم به وكان يجب جزم قوله: تصيده لكن حمله على التقديم والتأخير: أي تصيد الضرغام فيما تصيد، من يجعل الضرغام للصيد بازه كقول الشاعر: إنّك إن تصرع أخاك تصرع أي إنك تصرع إن تصرع أخاك. وقال أبو الفتح بن جني: قلت له: لم جعلت من في قولك ومن يجعل شرطاً صريحاً؟ وهلا جعلته بمنزلة الذي، وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا تركب الضرورة، نحو قوله تعالى: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ باللَّيْلَ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيةً فَلهُمْ أجْرُهُم ". فقال: هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء وإنما جئت بلفظ الشرط صريحاً؛ لأنه أوكد وأبلغ، قال: وأردت الفاء في قوله تصيده وحذفتها وهذا جائز. رأيتك محض الحلم في محض قدرةٍ ... ولو شئت كان الحلم منك المهنّدا يجوز أن يكون متصلاً بما قاله: أي أنك مع قدرتك الظاهرة تعامل الخليفة بالحلم. ولو شئت جعلت مكان الحلم السيف، ويجوز ألا يكون متصلاً به. أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت جعلت مكانه سيفاً.

стр. 311

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحرّ الّذي يحفظ اليدا؟! يقول: إذا قدرت على حر فعفوت عنه، فكأنك قتلته؛ لأنه لا يقدر بعد ذلك على محاربتك، حياءً من إحسانك إليه؛ ولكن أين ذلك الحر الذي يحفظ النعمة ويشكرها؟! وقوله: ومن لك أي من يطلب لك الحر الذي يحفظ اليد. إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا يقول: إذا أكرمت الكريم وأحسنت إليه، فقد ملكته بإحسانك، وصار عبدك، وإذا أكرمت اللئيم كفر نعمتك، ولم يشكر إحسانك! وظن أنك أكرمته خوفاً منه، فتمرد عند الإحسان للؤم طبعه. ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا ... مضرٌّ، كوضع السّيف في موضع النّدا يقول: الإحسان إلى من يستحق السيف، مثل الإساءة إلى من يستحق الإحسان، في أن كل واحد منهما يقدح بالعلا ويضر بالملك وهذه الأبيات تعريض بالخليفة. يقول: إذعانك له مع قدرتك عليه، حكم موضوع في غير موضعه، لأنه لا يعرف حق ذلك، ويعد ذلك يداً عليه. ومثله لآخر: من لم يكن للوصال أهلاً ... فكلّ إحسانه ذنوب ولكن تفوق النّاس رأياً وحكمةً ... كما فقتهم حالاً ونفساً ومحتدا يقول: أنت أصوب الناس رأياً، وألطفهم حكمةً، كما أنك أحسنهم حالاً، وأشرفهم نفسا، وأكرمهم أصلاً. ومعناه: أنك تفعل ما هو في الظاهر وضع الشيء في غير موضعه، ولكن لا اعتراض عليك؛ لأن رأيك أصوب الآراء، فلعلك رأيت فيه ما خفي على غيرك. وقيل: إن معناه وضع الندى في موضع السيف يضر بالعلا، ولكنك لا تفعل شيئاً من ذلك، فلا تضع الندى إلا في موضعه، وكذلك السيف، لأن رأيك أصوب الآراء. يدقّ على الأفكار ما أنت فاعلٌ ... فيترك ما يخفي ويؤخذ ما بدا يقول: إن ما تفعله من المكارم والعجائب لا تحيط به أفكار الشعراء، فيذكرون ما ظهر لهم، ويتركون ما خفى عيهم. أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهم ... فأنت الّذي صيّرتهم لي حسّدا يقول: أزل عني حسد الحساد، بأن تكبتهم وتذلهم، بالازدياد في الإحسان إلي والرفع من منزلتي لديك، فإنك أنت الذي جعلتهم حساداً لي، إذ أعطيتني وقربت منزلتي عندك، حتى حسدوني على ذلك. إذا شدّ زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بنصلٍ يقطع الهام مغمدا يقول: إذا قربتني منك، وأعنتني بحسن رأيك، فلا أبالي بحسد الحساد، بل أقتلهم بأهون سعي، فعبر عن ذلك بالمغمد: الذي لا يعمل. وما أنا إلاّ سمهريٌّ حملته ... فزيّن معروضاً وراع مسدّدا المسدد: المشرع. يقول: إنما أنا جمال مجلسك، وزين حضرتك، وأنا لك بمنزلة الرمح، تحمله يزينك، ويردع أعداءك في حربك، كذلك أنا أنشر مكارمك وأزين مجلسك وإذا حملتني إلى القتال قاتلت أعداءك. وما الدّهر إلاّ من رواة قلائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدّهر منشدا أراد بالقلائد: القصائد، وقد رويت أيضاً. يقول: إن الدهر من جملة رواة قصائدي، فإذا قلت شعراً سار في الآفاق وبقى على الأيام، فصار كأن الدهر يرويه وينشده. وقيل: أراد به أهل الدهر. أي الناس كلهم يروون شعري وينشدونه. فسار به من لا يسير مشمّراً ... وغنّى به من لا يغنّي مغرّدا يقول: يسير بشعري من ليس عادته السير، يهديه إلى غيره، وكذلك يغني به تطريباً وتغريداً من لم يكن شأنه الغناء، لحسنه وموافقته للطباع، فيحمل كل سامع على الاستماع، ويحمل كل أحد على الإنشاد. أجزني إذا أنشدت مدحاً فإنّما ... بشعري أتاك المادحون مردّدا مردداً: منصوب على الحال من قوله: بشعري. يقول: إذا أنشدك الشاعرون المدائح فأعطني الجائزة، فإني أحق منهم بها، لأنهم أخذوا المعاني من شعري ورددوها فيك، فكأنهم أتوك بشعري ونسبوه إلى أنفسهم. وروى أن شاعراً مدح الصاحب بقصيدة سرق فيها أبياتاً من شعره، فوقع على ظهرها هذه بضاعتنا ردت إلينا. ودع كلّ صوتٍ بعد صوتي فإنّني ... أنا الصّائح المحكيّ والآخر الصّدي وروى: أنا الشاعر المحكي بدل الصائح. يقول: لا تلتفت إلى الشعراء غيري؛ لأنهم يسرقون أشعارهم من أشعاري، فأنا الصائح الذي يحكي صوته، وهم كالصدى. وقيل: معناه لا تسمع إلى قول غير قولي، فإن ما عداه هذيان، كالصدى من الصياح.

стр. 312

تركت السّرى خلفي لمن قلّ ماله ... وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا يقول: أغنيتني بعطاياك، حتى قعدت عن السرى طلباً للغنى، وتركت السرى لمن هو قليل المال، وكثر لي الذهب حتى أنعلت به خيلي. وهذا كما قيل في المثل: من كثر ذهبه طلي به استه وقيل: إن سيف الدولة كان وهب له فرساً منعلاً بالذهب فذكره. وقيّدت نفسي في ذراك محبّةً ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيّداً محبةً: نصب لأنه مفعول له. يقول: أحسنت إلي، فأقمت عندك، وصار إحسانك لي قيداً يمنعني عن الأسفار. إذا سأل الإنسان أيّامه الغنى ... وكنت على بعدٍ جعلنك موعدا يقول: إذا طلب أحد من الأيام أن تعينه، وكنت بعيداً عنه. قالت له الأيام: إذا بلغت سيف الدولة استغنيت. وقوله: وكنت على بعد إشارة إلى أن هذا الوعد من الأيام إنما يكون لمن بعد عنك، فأما القريب فقد أغنيته فلا يحتاج إلى السؤال. وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فقال سيف الدولة ما تقول وتحكم في هذا يا أبا الطيب؟ فقال: إن كنت عن خير الأنام سائلاً فخيرهم أكثرهم فضائلا يقول: إن كنت تسألني عن خير الناس، فإن خيرهم من كانت فضائله أكثر، ثم بين من بعد. وفضائلا نصب على التمييز. من أنت منهم يا همام وائلا الطّاعنين في الوغى أوائلا لم يصرف وائل لأنه اسم القبيلة، فهي معرفة مؤنثة؛ والطاعنين، وما بعده خبر، لأنه صفة لوائل وهي في موضع جر. وقيل: نصب على المدح. يقول: خير الناس العرب الذين أنت منهم يا سيد وائل، وهم الذين يطعنون في الحرب أوائل الخيل في المعركة، فهم الشجعان لأنه يسبق إلى الطعان إلا الشجاع. وقيل: أراد بالأوائل. الوجوه والصدور، أي أنهم يطعنون وجوه الأعداء وصدورهم، فيكون نصباً على المفعولية. وقيل: معناه أنهم يطعنون الأبطال أولا. أي يتقدمون إلى الأقران. ونصبه حينئذ على الحال. والعاذلين في النّدى العواذلا قد فضّلوا بفضلك القبائلا العاذلين: عطف على الطاعنين. يقول: إذا عذلهم العواذل على السخاء عذلوهن على عذلهن، ثم بين أن قبيلته قد فضلوا سائر القبائل بسبب فضله ومآثره. وجلس سيف الدولة لرسول ملك الروم في صفر سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة فحضر أبو الطيب فوجد دونه زحمة شديدة، فثقل عليه الدخول فاستبطأه سيف الدولة فقال ارتجالاً: ظلمٌ لذا اليوم وصفٌ قبل رؤيته ... لا يصدق الوصف حتّى يصدق النّظر ظلم نكرة مفيدة، والوصف: خبره. يقول: إن وصفت هذا اليوم قبل مشاهدة الحال فقد ظلمته، ولم أقدر على وصفه على الحقيقة إلا بعد المشاهدة، وإنما قال ذلك: تعظيماً لليوم، وأنه لا يحيط به العيان. تزاحم الجيش حتّى لم يجد سبباً ... إلى بساطك لي سمعٌ ولا بصر أي ازدحم الجيش عليك، حتى لم يبنك بصري من كثرة الناس في بساطك، وكثرت الأصوات حتى لم أسمع كلامك. فكنت أشهد مختصٍّ وأغيبه ... معايناً، وعياني كلّه خبر المعنى: كنت حاضراً، وكأني كنت غائباً؛ للازدحام، فلم يمكنني مشاهدة الحال، وكتب معايناً، وكان عياني خبراً؛ لشدة الزحمة وكثرة الناس. اليوم يرفع ملك الرّوح ناظره ... لأنّ عفوك عنه عنده ظفر يقول: إذا أجبته إلى الصلح أمن وزال منه الخوف، فيرفع طرفه؛ لأن عفوك عنه يقوم له مقام الظفر في هذه المرة. وإن أجبت بشيءٍ عن رسالته ... فما يزال على الأملاك يفتخر يقول: إن كتبت إليه جواب كتابه، افتخر بذلك على ملوك زمانه، وتشرف به على جميع أقرانه. قد استراحت إلى وقتٍ رقابهم ... من السّيوف وباقي النّاس ينتظر يقول: استراحت بهذا الصلح رقاب الروم عن السيوف، وانتظر سيوفك باقي الناس من الأعداء؛ لأنهم كانوا آمنين ما دمت مشتغلاً بغزو الروم، فالآن يخافونك أن تقاتلهم. وقد تبدّلها بالقوم غيرهم ... لكي تجمّ رءوس القوم والقصر الهاء في تبدلها للسيوف، والقوم. هم الروم. وغيرهم: نصب بتبدلها. يقول: تبدل سيوفك وتنقلها من رقاب الروم إلى غيرهم، لتستريح رقابهم من ضرب السيوف، وهذا عادتك إذا أدمت القتل في قوم وأقللتهم تقلب سيوفك إلى قوم آخرين لتريحهم، فإذا كثروا واجتمعوا عاودتهم القتل وأبدتهم.

стр. 313

تشبيه جودك بالأمطار غاديةً ... جودٌ لكفّك ثانٍ ناله المطر يقول: إذا شبهنا جودك بالأمطار، وصار ذلك مدحاً للمطر، وكأن هذا، تشبيه جودك، ثانياً منك على المطر وغادية: نصب على الحال من الأمطار. تكسّب الشّمس منك النّور طالعةً ... كما تكسّب منها نورها القمر طالعةً: نصب على الحال. يقول: الشمس تأخذ من نورك، كما أن القمر يأخذ من نور الشمس. أي أنك للشمس شمس، كالشمس للقمر. وقال أيضاً يمدحه ويذكر مجيء الرسول من عند ملك الروم، ودخلوه عليه، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة. دروعٌ لملك الرّوم هذي الرّسائل ... يردّ بها عن نفسه ويشاغل هذي الرسائل: مبتدأ، ودروع: خبره. يقول: هذه الرسائل تقوم للملك مقام الدروع، يحفظ بها نفسه، ويرد الموت عنه، ويشاغلك عن قتاله، ويدفعك عن قصده، ريثما يرجع رسوله إليه. هي الزّرد الضّافي عليه ولفظها ... عليك ثناءٌ سابغٌ وفضائل الزرد: حلق الدروع، والضافي: السابغ التام. يقول: هذه الرسائل دروع سابغة، يلبسها ملك الروم؛ يدفع بها عن نفسه. ولفظها ثناء عليك وفضائل لك، فكأنها دروع له من حيث الباطن، وثناء لك من حيث الظاهر. وأنّى اهتدى هذا الرّسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل أنى: بمعنى كيف وأين، والقساطل: هو الغبار. والهاء في بأرضه للرسول وفي فيها لأرضه. يقول: كيف اهتدى هذا الرسول في طرقه وهي مظلمة؟! بغبار الخيل وقتام الحرب، وما سكن بعد ذلك الغبار! ومن أيّ ماءٍ كان يسقى جياده ... ولم تصف من مزج الدّماء المناهل؟! المنهل: موضع الشرب من الوادي، وأصله النهل. يقول: من أي ماء كان يسقى خيله، وكل ماء كان ممزوجاً بدما القتلى. أتاك يكاد الرّأس يجحد عنقه ... وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل يقول: أتاك هذا الرسول، وقد امتلأ قلبه ذعراً، مما شاهد من إيقاعك بأصحابه، حتى يكاد رأسه يجحد عنقه: أي يفارقه، وتنقد مفاصله وتتقطع، من عظم خوفه منك؛ مما شاهده وتحقق من عاداتك في قتلهم. يقوّم تقويم السّماطين مشيه ... إليك إذا ما عوّجته الأفاكل السماطان: صفان من الرجال يمتدان بين يدي السلطان. والتقويم: رفع لأنه فاعل يقوم ومفعوله: مشيه، والأفاكل: جمع الأفكل، وهو الرعدة. يقول: كان يرتعد عند مشيه إليك، فقوم مشيته تقويم السماطين. فقاسمك العينين منه ولحظه ... سميّك والخلّ الّذي لا يزايل منه: أي من الرسول، وكذلك لحظه: أي لحظ الرسول. وفاعل قاسمك: سميك، والمراد به: السيف. يقول: قسم سيفك عيني الرسول بينك وبينه، فكان ينظر بإحدى عينيه إليك، وبالأخرى إلى سيفك، لأنه كان يخاف منك أن تأمر بقتله، ومن سيفك أن تقتله به. أو كان ينظر إليك ويرى كرم أخلاقك فيطمع في عفوك، وإذا نظر إلى سميك خاف بأسه، فقسم عينيه بينكما، ءيرجو ويخاف، وهذا السمى: هو خليلك الذي لا يزايلك. وأبصر منك الرّزق والرّزق مطمعٌ ... وأبصر منه الموت والموت هائل يقول: إذا نظر إليك طمع في الحياة؛ بما يشاهد من مخايل جودك، وأمل عفوك، وإذا نظر إلى سيفك عاين فيه الموت، لما هاله من هيبتك. والواو في قوله والرزق مطمع والموت هائل للحال. وقيل: معناه رأى أرزاق كثير من الناس تحت يديك، فأطمعه ذلك في أن يكون من جملة القوم، ورأى حتف كثير منهم بسيفك، فهاله ذلك. وهذا البيت يدل على المعنى الثاني الذي ذكرناه في البيت الذي قبله. وقبّل كمّاً قبّل الأرض قبله ... وكلّ كميٍّ واقفٌ متضائل المتضائل: المخفي شخصه من الجبن والفزع، وقيل: هو المنقبض. والواو في قوله: وكل كمي للحال. يقول: لما وصل الرسول إليك قبل أولاً الأرض بين يديك، ثم قبل كمك، والأبطال قيام بين يديك، قد تضاءلوا هيبة لك، وأخفوا أنفسهم إجلالاً لك. وأسعد مشتاقٍ وأظفر طالبٍ ... همامٌ إلى تقبيل كمّك واصل أسعد: مبتدأ. وأظفر: عطف عليه، وهمام: خبره. يقول: ملك وصل إلى تقبيل كمك هو أسعد مشتاق وأظفر طالب لحاجة، ولا مزيد على ما ناله من الشرف. مكانٌ تمنّاه الشّفاه ودونه ... صدور المذاكي والرّماح الذّوابل

стр. 314

يقول: إن كمك وتقبيله، مكان تتمنى الشفاه الوصول إليه، وتريد الملوك تقبيله ولكنهم لا يصلون إليه. فما بلّغته ما أراد كرامةٌ ... عليك، ولكن لم يخب لك سائل كرامة: فاعل بلغته، والمفعول الأول الهاء والثاني ما. يقول: لم يبلغ الرسول إلى ما بلغه من تقبيل كمك كرامته عليك؛ لأنه كافر وأنت تبغضه وتستخف به، ولكن لما سألك أن تمكنه من ذلك لم تخيبه، إذ عادتك ألا تخيب سائلك. وأكبر منه همّةً بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل روى: أكبر بالرفع والنصب. فالرفع: على أنه اسم المبالغة والمعنى: على أن همة الرسول وإن كانت كبيرة في قدومه عليك، فأكبر همة منه، العدى حيث بعثوا به إليك، وسألوه أن يؤخر عنهم القتال؛ لشغله إياك عنهم، والاستنظار: طلب النظر، وهو التأخير. والنصب: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسماً كالأول ومعناه: رب رسول أكبر من هذا الرسول همة، وأعلى منه قدراً، جاءك رسولاً، واستنظرته الجحافل، كما استنظرت هذا الرسول، ثم رجع إليهم وهو يعذلهم على مخالفتهم أمرك. فعلى هذا يكون البيت الذي بعده من تمامه. والمعنى الثاني: أن يكون أكبر فعلاً ماضياً، وفاعله العدى وهمة مفعوله. والمعنى: أن العدى أكبروا واستعظموا همةً بعثت هذا الرسول إليك، وأقدمته على الدنو منك، واستنظرت هذا الرسول الجحافل على ما بيناه فأقبل من أصحابه وهو مرسلٌ ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل يقول: هذا الرسول جاء من أصحابه رسولاً، ثم عاد إليهم يعذلهم على ترك طاعتك؛ لما رآه من عظم شأنك. تحيّر في سيفٍ ربيعة أصله ... وطابعه الرّحمن والمجد صاقل ربيعة: ابن نذار، وإليه ينسب سيف الدولة. لما رآك تحير فيك؛ لأنه رأى سيفاً لا كالسيوف، إذ السيف أصله الحديد، وطابعه الحداد، وصاقله الصيقل، وأنت أصلك من ربيعة، والرحمن طابعك، والمجد صاقلك. وما لونه ممّا تحصّل مقلةٌ ... ولا حدّه ممّا تجسّ الأنامل يقول: لون هذا السيف لا يدركه النظر، ولا تحققه المقلة، ولا يمكن الناظرين أن يملئوا أعينهم منه، هيبةً له، وكذلك ليس حده مما يمكن أن يختبر باللمس كما يحس ويضبط سيف الحديد. فتحير هذا الرسول في سيف هذه صفته. إذا عاينتك الرّسل هانت نفوسها ... عليها وما جاءت به والمراسل المراسل: ملك الروم. والرسل: الرسل. وما جات به: الرسالة. يقول: إذا رأتك الرسل استحقروا أنفسهم، واستحقروا ما جاءوا به من الرسالة، واستحقروا صاحبهم الذي أرسلهم إليك؛ لما يرون من هيبتك وعلو شأنك. رجا الرّوم من ترجى النّوافل كلّها ... لديه وما ترجى لديه الطّوائل النوافل: العطايا، واحدتها نافلة. ومن ترجى: هو سيف الدولة يرجى منه كل عطية وصلة، ويوصل إلى كل مراد، إلا إدراك الثأر، فإنه لا يوصل إليه منه. فإن كان خوف القتل والأسر ساقهم ... فقد فعلوا ما القتل والأسر فاعل يقول: إن كان الذي ساقهم إليك لطلب الصلح والأمان، هو الخوف من القتل والأسر، فقد فعلوا في مجيئهم إليك ما يفعله الأسر والقتل، من الذل والاستكانة؛ لأنهم إنما جاءوك خوفاً، فصاروا مقتلين مأسورين. فخافوك حتّى ما لقتلٍ زيادةٌ ... وجاءوك حتّى ما تزاد السّلاسل ما نفي في الموضعين. يقول: خوفهم منك قام لهم مقام القتل، فليس للقتل زيادة على ما أصابهم، وكذلك جاءوك مستسلمين في أمرهم طائعين كالأسارى، حتى لا يحتاج معهم إلى السلاسل؛ لأن الأسير إنما يشد إذا خيف عليه الهر. والمصراع الأول مثل: وإلاّ فأعلمه بأنّك ساخطٌ ... ودعه فإنّ الخوف لا شكّ قاتله أرى كلّ ذي ملكٍ إليك مصيره ... كأنّك بحرٌ والملوك جداول يقول: كل ملك يصير إلى حضرتك، وينضاف ملكه إلى مملكتك، فكأنك بحر وهم جداول تنصب إلى البحر. إذا مطرت منهم ومنك سحائبٌ ... فوابلهم طلٌّ وطلّك وابل الوابل: أشد المطر. والطل: أضعفه. يقول: إنك تزيد على الملوك في كل حال، فكثير عطاياهم إذا قيست إلى عطاياك قليل، بمنزلة الطل من الوابل، وقليلها منك إذا قيس إلى عطاياهم كثير، كالوابل من الطل. كريمٌ متى استوهبت ما أنت راكبٌ ... وقد لقحت حربٌ، فإنّك نازل لقحت حرب: اشتدت.

стр. 315

يقول: أنت كريم بحيث لو سألك سائل في شدة الحرب فرسك الذي أنت راكبه، لنزلت عنه ووهبته له! أذا الجود أعط النّاس ما أنت مالكٌ ... ولا تعطينّ النّاس ما أنا قائل أذا الجود: أي يا ذا الجود، والألف للندى. يقول: الشعر الذي أقوله لا يشركني فيه أحد. وقيل: أراد لا تقبل منهم. يقول: يا ذا الجود أعط الناس ما أنت مالك من المال، ولا تعطهم ما اختص به. من القصد لمكان يسرقونه من شعري في مدائحك، ولا تعطهم عليه الجائزة، فإني أنا القائل لذلك في الحقيقة. وقيل: أراد لا تمكن الناس من مكارمك التي أذكرها في شعري، بل كن أبداً متفرداً بها. وقيل: معناه لا تحملني على مدح غيرك، فتكون قد تركت شعري للناس. وقيل: أراد لا تمكن الناس من شعري فيسرقوا معانيه ويفسدوه. وهذا لا معنى له، إذ لا معنى لسؤاله إياه ستر شعره، ومنعهم من سرقة معانيه؛ لأن ذلك يكون سؤالاً لكتمان فضله، وطلباً لإخفاء ذكره. أفي كلّ يومٍ تحت ضبني شويعرٌ ... ضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاول؟! الضبن: الحضن، وهو ما تحت اليد من الجنب. ويقاويني: من القوة. ويطاول: من الطول. يقول: لا أزال أرى كل يوم شويعراً هو ضعيف، ومع ذلك يفاخرني في القول، وهو قصير يطاولني بقصره، أي يباريني ولا يقاومني. وقيل: هذا تعريض بالنامي، وقيل: بابن نباتة. وقيل: أراد غيرهما من شعراء سيف الدولة. لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ ... وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل يقول: لساني مع كوني ناطقاً قادراً على الكلام صامت عن هذا الشويعر، وعادل عنه لقلته وقلة مبالاتي به. وقلبي ضاحك منه ومن جهله مع صمتي عن إجابته. يعني أضحك منه في نفسي وإن لم أنطق بالكلام. وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل وروى: أيضاً من ناوأك من المناوأة وهي: المعاداة وناداك أولى لقوله: لا تجيبه ولقوله بعده من عاداك. يقول: أشد الناس تعباً في ندائه من ناداك وأنت لا تجيبه، بل تجعل السكوت جوابه، وأشدهم غيظاً من عاداك وهو دونك في العمل، فيعجز عن مقاومتك. وقيل: أراد إذا دعاك من هو دونك غاظك ذلك منه. وما التّيه طبّى فيهم غير أنّني ... بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل التيه: الكبر. وطبى: أي عادتي. وعدمي. يقول: ليس دائي الكبر، ولم يكن ترك جوابه كبراً وتيهاً، غير أني أبغض الجاهل المتكلف للعقل والفضل، وكرهت مجاوبته رفعاً لنفسي عن مقاومته. وأكثر تيهي أنّني بك واثقٌ ... وأكثر مالي أنّني لك آمل يقول: أكثر تيهي أني واثق بك؛ لأنك لا تقبل على قول حاسد، ولا يخفي عليك تمويه مموه، وأنك تعرف فضلي فتوفيني ما أستحقه من المنزلة. وأكثر مالي، هو أملي إياك ورجائي فيك، إذ لا تخيب آمليك. لعلّ لسيف الدّولة القرم هبّةً ... يعيش بها حقٌّ ويهلك باطل هبةً: أي نشاطاً واهتزازاً. يقول: أرجو أن يكون منه هزة في أمري مع غيري من الشعراء الذين ينازعون فضلي، ليظهر الحق ويهلك الباطل، وهو التمويه والكلام المسروق، أو يقتل أعدائي، فأستريح منهم. وقيل: أراد لعل له هزة وحركة يأخذ بها الروم كلها فيهلكها، فينصر فيها الحق، ويهلك الباطل: وهو الكفر. رميت عداه بالقوافي وفضله ... وهنّ الغوازي السّالمات القواتل يقول: رميت أعداءه بقصائدي في سيف الدولة، وفضله فيها، فقتلتهم بها حسداً وغيظاً، وهذه القوافي أسلم من الخلل والفساد من السيوف والرماح؛ لأنهم لم يجدوا في شعري مطعناً، ولا لفضائله مدفعاً. وقد زعموا أنّ النّجوم خوالدٌ ... ولو حاربته ناح فيها الثّواكل يقول: الناس يزعمون أن النجوم مخلدة لا يلحقها فناء، وليس كما زعموا، فإنها لو حاربته لقتلها وناح عليها من يثكلها. وقيل: أراد لو قصدته بنحس لأبطل نحوستها وأفناها، فيبطل قول من قال: إنها خوالد. وما كان أدناها له لو أرادها ... وألطفها لو أنّه المتناول يقول: إن النجوم تقرب له إذا أرادها، غاية القرب، ولو أراد أن يتناولها لكانت أقرب الأشياء إليه. قريبٌ عليه كلّ ناءٍ على الورى ... إذا لثّمته بالغبار القنابل القنابل: جمع القنبلة وهي الجماعة من الخيل، قدر الخمسين فصاعد. ولثمته: أي شدت عليه اللثام.

стр. 316

يقول: إذا رام مراماً بعيداً سهل عليه الوصول إليه إذا دخل الحرب والتثم بغبار خيله، وإن كان بعيدا على من سواه. تدبّر شرق الأرض والغرب كفّه ... وليس لها وقتاً عن الجود شاغل روى: وقتاً نصباً على الظرف. وروى: وقت فيكون اسم ليس وشاغل صفته. يقول: إن كفه تدبر شرق الأرض وغربها، ولا يشغلها عن الجود شاغل وقتاً يعني أنه مع شغله بتدبر الأرض، لا يشتغل عن الجود ساعة واحدة، وعلى الرفع: أنه يملك الأرض، وليس وقت يشغله عن الجود. يتّبغ هرّاب الرّجال مراده ... فمن فرّ حرباً عارضته الغوائل الغوائل: الدواهي، وهي جمع غائلة، وفاعل يتبع: ضمير سيف الدولة. وحرباً: نصب لأنه مفعول له، وقيل: أصله من حرب فحذف من ونصبه. يقول: إن سيف الدولة يجعل مراده طالباً لكل من هرب منه، فمن فر منه خوفاً من محاربته، عارضته في طريقه - من قبل سيف الدولة - الغوائل والبلايا فأهلكته. ويجوز رفع مراده فيكون هو فاعل يتبع ومعناه: أن مراده يتبع هراب الرجال ويطلبهم حتى يدركهم، فيكون اتبع وتبع بمعنى. ومن فرّ من إحسانه حسداً له ... تلقّاه منه، حيثما سار نائل يقول: إن جوده عم الأرض، فمن حسده على إحسانه وهرب إلى موضع لا يرى فيه إحسانه ولا يسمع به، رأى منه في كل مكان نائلاً، وسمع حيثما كان بذكر جوده وعطاياه، فلا يمكنه الفرار منه أبداً. فتى لا يرى إحسانه وهو كاملٌ ... له كاملاً حتّى يرى وهو شامل الشامل: العام. يقول: لا يرى إحسانه الكمل كاملاً، حتى يكون مع كماله عاماً شاملاً. إذا العرب العرباء رازت نفوسها ... فأنت فتاها والمليك الحلاحل العرباء والعاربة: القديمة. رازت: أي جربت، والحلاحل: السيد. وروى: فأنت قناها وروى فتاها يقول: إذا جربت العرب أنفسها، واختبرت أحوالها، علمت أنك سيدها وكريمها. أطاعتك في أرواحها وتصرّفت ... بأمرك والتفّت عليك القبائل يقول: إن العرب أطاعتك في أرواحها: أي لو أمرتها بقتل نفوسها لأطاعتك، وتصرفت العرب بأمرك، واجتمعت قبائلها عليك طاعة لك وانقياداً. وقيل: أراد أن أنسابهم أحدقت بنسبك، وأنت الواسطة فيهم. وكلّ أنابيب القنا مددٌ له ... وما تنكت الفرسان إلاّ العوامل عامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. وتنكت: أي تسقط، يقال: نكته عن فرسه: أي أسقطه على رأسه. يقول: أنت من العرب كالسنان من الرمح، وهم كالأنابيب تحته. والأنابيب تكون مدداً للسنان وعونا للرمح والغرض يحصل بالسنان: وهو الذي يتقدم في الحرب، فكذلك تتولى الحرب وتتقدم إليها كالسنان. قال ابن جني: أردت أن أقول: وما ينكت بالياء، فأبى أبو الطيب ذلك وقال: أريد وما تنكت الأنابيب فلذلك أنثت وهذه لغة يقال: ما قامت إلا هند، أي ما قامت امرأة إلا هند، فكذلك تقديره: ما تنكت أنبوبة الفرسان إلا العوامل، واللغة الجيدة في مثل هذا الموضع إضمار وتذكير الفعل، فيقال: ما قام أحد إلا هند. وإضمار المؤنث أيضاً لغة. رأيتك لو لم يقتض الطّعن في الوغى ... إليك انقياداً، لاقتضته الشّمائل يقول: لو لم يقد الناس إلى طاعتك الخوف من طعنك، لقادهم إليك كرم شمائلك. ومن لم تعلّمه لك الذّلّ نفسه ... من النّاس طرّاً علّمته المناصل يقول: من لم يتعلم لك الذل في الخضوع من ذلة نفسه، علمه السيف ذلك. يعني: من لم يذل لك طائعاً ذل قهراً وجبراً. ومثله الآخر. فإن لّم تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍ ... يعلّمك وصل الرّحم عضبٌ مجرّب وأنفذ سيف الدولة قول الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي: رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت وسأله إجازته فقال ورسوله واقف: لنا ملكٌ ما يطعم النّوم، همّه ... مماتٌ لحيٍّ أو حياةٌ لميّت تم الكلام عند قوله: ما يطعم النوم ثم ابتدأ فقال: همه معناه: أنه لهمته لا ينام، كما قال: يؤرّقه فيما يشرفه الفكر ثم قال: إن همه مقصور على إحياء الأولياء: يعني تخليصهم من الهلكة، وإماتة الأعداء. ويكبر أن تقذى بشءٍ عيونه ... إذا ما رأته خلّةٌ بك فرّت

стр. 317

يقول: هو أكبر من أن يرى شيئاً مكروهاً تقذى به عينيه، ولكنه إذا رأته خلة الإنسان: أي فقره وحاجته فرت الخلة منه وبعدت. فكأنه أراد أن يزيد على ما في البيت؛ لأن الشاعر. قال: رآى خلتي فكانت في عينيه كالقذى حتى أزلها عني: أي لم يزل يتألم بها حتى أزالها، كما يتألم من تسقط في عينه القذاة. وهو يقول: هو أكبر من أن يرى شيئاً يؤلم عينيه، فهو يزيل خلة قاصده قبل أن يراه ويقذى هو بها. جزى الله عنّي سيف الدولة هاشمٍ ... فإنّ نداه الغمر سيفي ودولتي يقول: قد أصبح جوده لي سيفاً أصول به على حوادث الدهر، ودولتي حسنت معها. فجزاه الله عني في إحسانه علي وإسدائه النعم إلي. والغمر: الكثير. وأحدث بنو كلاب حدثاً بنواحي بالس فسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليال بين ماءين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل النسر فأوقع بهم ليلاً فقتل منهم وملك الحريم، فأبقى وأحسن إلى الحرم فقال أبو الطيب بعد رجوعه في جمادي الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة: بغيرك راعياً عبث الذّئاب ... وغيرك صارماً ثلم الضّراب العبث: الولوع بالشيء من غير معنى. وراعياً: نصب على الحال من الضمير في قوله: بغيرك وقيل على التمييز: والراعي: الحافظ، وسمى الأمير راعياً، لحفظه الناس. وغيرك: مفعول مقدم، نصبه ثلم وصارماً نعت له، وقيل: المفعول صارما وغير نصب على الحال، فيكون التقدير: وثلم الضراب صارماً غيرك، فلما تقدم نعت النكرة عليها انتصب على الحال. يقول: مثلك لا يعبث به أحد في ممالكه، وإنما يعبث بغيرك من الملوك، الذين لا يقدرون على ضبط رعيتهم وحفظ نواحيهم. وجعل الذئاب والراعي مثلا، فشبه بني كلاب حين عدوا عليه بالذئاب إذا تعرضت للراعي وحاولت الاختلاس من غنمه، كذلك إذا كسر الضراب السيوف، فإنما يكسر ما عداك منها، ولا يعمل فيك مع كونك سيفاً: أي أنك لا تمل من الحروب ولا يؤثر فيك مداومة الضرب. وقيل: أراد نوائب الدهر وكيد الأعداء لا يعمل فيك. فكأنه قسم الناس ثلاثة أقسام: راع، وهو سيف الدولة وسائر الملوك، وذئاب: وهم بنو كلاب وغيرهم من الصعاليك وأهل الفساد، وغنم: وهم عامة الناس. وتملك أنفس الثّقلين طرّاً ... فكيف تحوز أنفسها كلاب؟! كلاب: قبيلة يقول: كيف تقدر بنو كلاب أن يحوزوا أنفسهم ويحصنوها بالفرار منك؟ وأنت تملك أرواح الثقلين! وما تركوك معصيةً ولكن ... يعاف الورد والموت الشّراب يعاف: أي يكره: والورد: الورود. يقول: لم يفارقك هؤلاء قصداً منهم إلى معصيتك، ولكن خافوا سطوتك وقتلك؛ لأن الشراب إذا كان الموت، كره الورود عليه، فلا لوم عليهم في ذلك. طلبتهم على الأمواه حتّى ... تخوّف أن تفتّشه السّحاب يقول: لم يبق ماء في المفازة إلا طلبتهم عليه، حتى ظن السحاب أنك ترقى إله وتطلبهم فيه! وإنما ذكر السحاب لأنه يحتمل الماء، فجعله من جملة الأماكن التي تضمن المياه، وهذا مبالغة عظيمة. فبتّ ليالياً لا نوم فيها ... تخبّ بك المسوّمة العراب تخب: من الخبب، وهو أرفع السير. والمسومة: الخيل المعلمة. يقول: إنك لم تنم ليالي تسري في طلبهم، تسرع بكم خيل عراب. يهزّ الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب شبه سير الجيش عن يمينه ويساره واهتزازه، بجناحي عقاب في طيرانها. وقيل: العقاب: ملك الطير، فشبه سيف الدولة بالعقاب؛ لكونه ملكاً، إلا أنه شبهه به في حال ما يكون في قلب العسكر والعسكر حوله يضطرب ويتحرك يمنة ويسرة، وجعل أصحاب اليمين أحد جناحيه، وأصحاب الشمال جناحه الآخر، وجعله في الوسط، كالعقاب التي نفضت جناحيها. وتسأل عنهم الفلوات حتّى ... أجابك بعضها وهم الجواب يقول: ما زلت تبحث عنهم فلاة فلاة، حتى وجدتهم في بعض الفلوات، فكأنك كنت تسأل عنهم الفلوات التي كانوا فيها، فصاروا كالجواب، لأنك أصبتهم. فقاتل عن حريمهم وفرّوا ... ندى كفّيك والنّسب القراب حريم الشيء: حقوقه، وما يحرم إضاعته من الأهل والنساء. والقراب: أبلغ من القريب. والندى: فاعل قاتل. والنسب: معطوف عليه.

стр. 318

يقول: إن ندى كفيك ونسبك القريب من هؤلاء، قام لهم مقام من يقاتل عن حريمهم حين فروا وإنما أثبت لهم قرب النسب؛ لأن سيف الدولة وهم، ينتسبون إلى أصل واحد، وهو معد بن عدنان وقد أشار إليه. وحفظك فيهم سلفي معدّ ... وأنّهم العشائر والصّحاب وروى: النساب وهو أصل النسب. الصحاب، جمع الصاحب، كقائم وقيام. وقيل: جمع صحب ككعب وكعاب. وقوله: سلفي معد أي إنهم من قبل آبائهم وأمهاتهم ينتسبون إلى معد بن عدنان. يقول: قاتل عن حريمهم ندى كفيك والنسب القراب، وحفظك فيهم سلفهم في معد، وأنهم عشائرك وأصحابك. تكفكف عنهم صمّ العوالي ... وقد شرقت بظعنهم الشّعاب تكفكف: أي تكف وتصرف عنهم. وشرقت: أي امتلأت كما يشرق الإنسان بالماء. والظعن: النساء، الواحدة: ظعنية، وهي المرأة ما دامت في الهودج والشعاب: جمع شعب، وهو الطريق في الجبل. يقول: رددت عنهم الرماح، وأمسكت عن قتلهم، لما فروا منك وظفرت بهم وقد امتلأت الشعاب من نسائهم وأموالهم. وأسقطت الأجنّة في الولايا ... وأجهضت الحوائل والسّقاب الولايا: جمع ولية، وهي شبيهة بالبرذعة، تطرح على ظهر البعير مما يلي سنامه. وأجهضت أرهقت وأتعبت حتى قامت، يقال، أجهضه: السير إذا أتعبه وأجهضت الناقة ولدها: أي اسقطت. والحوائل: جمع الحائل وهي التي لم تحمل في سنتها. وقيل الحائل الأنثى من ولد الناقة. والسقب: الذكر منها. وقيل السقب ولد الناقة ما دام صغيراً. يقول: إنهم أمعنوا في الهرب خوفاً منك، وكانوا قد أردفوا نساءهم وراء الخيل وفيهم الحبالى، فأسقطن أولادهن في البراذع، على أعجاز الخيل، أو كن يركبن الإبل فأسقطن الأجنة على ظهور الإبل، وتعبت الإبل الحوائل والسقاب، فقامت ولم تقدر على السير، لما لحقها من الجهد والعياء. وإذا قلنا إن الإجهاض: هو الإسقاط، فمعناه أن النوق أسقطت أولادها الإناث والذكور. وعمروٌ في ميامنهم عمورٌ ... وكعبٌ في مياسرهم كعاب بنو عمرو، وبنو كعب، بطنان من العرب، عمرو بن كلاب، وكعب بن ربيعة. والميمنة: جانبه الأيمن والميسرة: الأيسر. يقول: اختلفت كلمة هذين البطنين خوفاً منك فقال قوم: نهرب عنه، وقوم: نتقدم فنأخذ الأمان، وقال آخرون: نتقدم ونحارب، وكانوا قبل ذلك يداً واحدة فاختلفوا حتى صارت عمرو عمورا، وكعب كعاباً، ومثله قول معاوية ابن مالك: رأيت الصّدع من كعبٍ جميعاً ... وكان الصّدع لا يعد ارتئابا فأمسى كعبها كعباً وكانت ... من الشّنآن قد دعيت كعابا يعني: كانوا متفرقين متعادين فأصلحت بينهم، حتى عادوا إلى الألفة والاتفاق وصارت كلمتهم واحدة. وقد خذلت أبو بكر بنيها ... وخاذلها قريطٌ والضّباب أبو بكر: هنا قبيلة من بني كلاب؛ فلهذا أنث، وكذلك الضباب. والقريط: بطنان من بني كلاب. وروى قريظ بالظاء والطاء. يقول: خذل بعض هؤلاء بعضاً وتفرقوا، لما أحسوا بطلبك إياهم، بعد أن كانوا مجتمعين على محاربتك. إذا ما سرت في آثار قومٍ ... تخاذلت الجماجم والرّقاب يقول: إذا سرت في أثر قوم خذلت رقابهم رءوسهم يعني: أنك تدركهم وتضرب أعناقهم، وتفرق رءوسهم من أجسادهم، إذا كان العنق يسلم رأسه والرأس يفارق جسمه خوفاً منك، فكيف لا تتفرق القبائل ويخذل بعضهم بعضا؟! فعدن كما أخذن مكرّماتٍ ... عليهنّ القلائد والملاب الملاب: ضرب من الطيب. يقول: إنك لما أسرت نساءهم بما عليهن من الحلي والطيب، لم يتعرض أحد لهن، بل رجعن إلى أهلهن وعليهن ثيابهن وطيبهن. وقيل: أراد أنهن كن بلا قلائد ولا عطر، فقلدهن سيف الدولة وطيبهن. يثبنك بالّذي أوليت شكراً ... وأين من الّذي تولى الثّواب؟! يثبنك: أي يجزينك ويعوضنك يقول: رجعن إلى أهلهن وهن يشكرنك على ما أوليتهن من الصفح الجميل، والإحسان الجزيل، ولكن أين الثواب وشكرهن جميل فعلك؟! أي أن الشكر لا يقابل إحسانك ولا يبلغ أن يكون جزاء له. وليس مصيرهنّ إليك شيناً ... ولا في صونهنّ لديك عاب روى شيناً وسبياً والأول أجود في مقابلة عاب يقول: ليس في حصولهن في يدك عار لهن، لأنك منهن وهن منك، فصونك لهن كصون بعولتهن في بيوتهن. والصون: الصيانة، وهي كناية عن الستر.

стр. 319

ولا في فقدهنّ بني كلابٍ ... غذا أبصرن غرّتك اغتراب يقول: إنهن إذا رأين غرتك وصرن عندك فلا يضرهن فقدانهن أهلهن، وليس اغتراب وبعد، لأنك منهن. وكيف يتمّ بأسك في أناسٍ ... تصيبهم فيؤلمك المصاب؟ يقول: كيف تقدر على أن تعاقبهم وتوقع بهم؟ فإنك إذا أصبتهم تألمت بما يصيبهم من الضرر، لكونهم منك. والمصاب: يجوز أن يكون مصدراً كالإصابة، وأن يكون مفعولا، وهذا البيت مثل قول الحارث بن وعلة الذهلي: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي ونحو قول الآخر: وإنّي وإن عاديتهم وجفوتهم ... لتألم ممّا عضّ أكبادهم كبدي ترفّق أيّها المولى عليهم ... فإنّ الرّفق بالجاني عتاب يقول: أنت سيدهم فتجاوز عنهم، ولا تعجل لهم في العقوبة، فإن رفقك بهم يردهم إلى طاعتك، ويقوم لهم مقام اللوم. وإنّهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لحادثةٍ أجابوا يقول: ترفق بهم وتجاوز عنهم، فإنهم عبيدك وقومك، متى دعوتهم إلى حرب ونازلة أجابوك. وعين المخطئين هم وليسوا ... بأوّل معشرٍ خطئوا فتابوا يقول: هم حقيقة المخطئين في خروجهم عليك، غير أنهم تابوا وأذعنوا لك، كما أخطأ غيرهم ثم تاب، وليسوا بأول من فعل مثل ذلك. وأنت حياتهم غضبت عليهم ... وهجر حياتهم لهم عقاب يقول: إن حياتهم بك، لأنك تعطيهم ما تقوم به حياتهم من المال، فإذا غضبت عليهم زالت عنهم حياتهم، فكفاهم عقوبة أن تغضب عليهم، فإن ذلك كالموت لهم. وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربّما خفي الصّواب الأيادي، النعم، واحدتها يد، والبوادي قيل: هي جمع بادية، وهم العرب الذين ينزلون البدو، فيكون في موضع الرفع، لأنها فاعلة جهلت والمعنى: أن أهل البدو، الذين هم بنو كلاب مقرون بإحسانك إليهم، غير جاهلين نعمك عليهم، ولكن خفي الصواب عليهم حين قاتلوك، وكان ذلك سهواً منهم من غير قصد. وقيل: البوادي. الظاهرة من النعم أو المتقدمة منها، فهي صفة للأيادي في موضع النصب، وسكن الياء ضرورة، فيكون على هذا فاعل جهلت ضمير القبيلة التي هي بنو كلاب، يعني: أنهم لا ينكرون نعمك الظاهرة المتقدمة إليهم. وكم ذنبٍ مولّده دلالٌ ... وكم بعدٍ مولّده اقتراب؟ يقول: كم ذنب يتولد من الدلال أي الإفراط وتجاوز الحد وكم بعد يتولد من قرب إذا لم يكن معه الأدب ورعاية الحرمة. والمعنى: أنهم لم يخرجوا عليك إلا ثقة منهم بقرابتك وتدللا بانتسابهم إليك. وجرمٍ جرّه سفهاء قومٍ ... وحلّ بغير جارمه العذاب يقول: وكم ذنب يجنيه السفيه، فيعاقب به البريء، ومثله قول بعض العرب: إنّ الفتى بابن عمّ السّوء مأخوذ والأصل فيه قوله تعالى: " أًتهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهآءُ مِنَّا " وقوله تعالى " واتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ". فإن هابوا بجرمهم عليّاً ... فقد يرجو عليّاً من يهاب أراد: من يهابه، فحذف المفعول. يقول: إن هابوه لكونه مهيباً، فإنهم يرجون عفوه، لكونه كريماً. وإن يك سيف الدولة غير قيسٍ ... فمنه جلود قيسٍ والثّياب قيس: هو عيلان، وإليه ينسب بنو كلاب مضر. يقول: إن كان هو سيف دولة بني هاشم، لا سيف دولة قيس، فإن جلود قيس تربت من نعمه، وثيابهم من ماله ومن خلعه. وتحت ربابه نبتوا وأثّوا ... وفي أيّامه كثروا وطابوا الرباب: غيم متعلق بالغيم، يضرب إلى السواد، وقيل: هو السحاب الأبيض. وأثوا: تمكنوا وقووا من قولهم أث النبت. يقول: إنهم نبتوا بفضله وإنعامه، كما نبت العشب بالمطر، وكثروا بدولة أيامه وطالوا. شبههم بالنبات، وشبهه بالسحاب. وتحت لوائه ضربوا الأعادي ... وذلّ لهم من العرب الصّعاب يقول: إنهم بقوته وسلطانه قتلوا أعداءهم، وقهروا العرب، حتى ذلت لهم صعاب العرب وانقادت. ولو غير الأمير غزا كلاباً ... ثناه عن شموسهم ضباب الضباب ما يرتفع من البخار، من غدوات الربيع كالسحاب.

стр. 320

يقول: لو قصد بني كلاب غير سيف الدولة، لرده عن شموس بني كلاب ضبابهم. كني بالشموس عن النساء، وبالضباب عن الحرب التي كانت تحول بينهن وبين من يقصد الوصول إليهن، كما يحول الضباب دون الشمس. وقيل: الضباب، كناية عن الغبار الذي يرتفع عن الخيل، حتى يصير كالضباب، فيصرف عن قصدهن، كما يمنع الضباب شعاع الأمس. وقيل: عني بالشموس وجوه القوم التي هي كالشمس. ولاقى دون ثايهم طعاناً ... يلاقى عنده الذّئب الغراب الثاي: جمع ثاية، وهي الحجارة حول البيت، تبنى فيأوي إليها الراعي ليلاً كأنها الحظيرة، وفاعل لاقى ضمير غير في قوله: غير الأمير والهاء في عنده للطعان. يقول: كان ينفي ذلك القاصد قبل أن يصل إلى ثايهم طعناً يكثر منه القتلى حتى يجتمع الذئب والغراب على أكل جيفهم وأجسامهم: يعني أنهم يدفعونه عن الوصول إلى حظائر الغنم، فكيف الوصول إلى النساء والحرم؟! وخيلاً تغتذي ريح الموامي ... ويكفيها من الماء السّراب تغتدي: من الغذاء والموامي: جمع موماة، وهي الفلاة. يقول: لاقى دون ثايهم طعاناً وخيلا معودة للقتال، صابرة على الجوع والعطش، حتى تكتفي عن الزرع والعلف، بانتشاق النسيم، وعن الماء بالسراب. ولكن ربّهم أسرى إليهم ... فما نفع الوقوف ولا الذّهاب يقول: لكن غزاهم سيف الدولة الذي هو مولاهم وهم عبيده، فلم ينفع منه الوقوف ولا الهرب. ولا ليلٌ أجنّ ولا نهار ... ولا خيلٌ حملن ولا ركاب يقول: إنهم لما رأوه تحيروا في أمرهم، ولم يسترهم ليل بظلمته، ولا نهار بضيائه، ولم تحملهم خيلهم وإبلهم. رميتهم ببحرٍ من حديدٍ ... له في البرّ خلفهم عباب العباب: صوت الموج. وقيل: عباب كل شيء: أوله. يقول: رميتهم بجيش كأنه بحر ارتفعت أمواجه لعظمه، ولما عليه من السلاح. فمسّاهم وبسطهم حريرٌ ... وصبّحهم وبسطهم تراب روى: فرشهم بدل بسطهم في الموضعين. وفاعل مساهم وصبحهم ضمير البحر الذي هو الجيش. يقول. أتاهم ليلاً جيشك، وهم على فرش الديباج فأغار عليهم وسلب أموالهم، فأصبحوا جلوساً على التراب، فصار فراشاً لهم! وقيل: أراد أنهم انهزموا، فتبدلوا بعد بسط الحرير، الجلوس على التراب. وهذا قريب من الأول. قال ابن جني: أراد أن جيشه مساهم فقتلهم فأصبحوا وقد تزملوا بالتراب، وصار بسطهم تراباً بعد ما كان حريراً. ومن في كفّه منهم قناة ... كمن في كفّه منهم خضاب يقول: مع شوكتهم، وصبرهم، واجتهادهم، وشجاعتهم، لما رأوك جبنوا وتحيروا، حتى صار الفارس الذي يحمل الرمح كالمرأة التي في يدها خضاب في قلة الغناء والدفع. بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍ ... ومن أبقى وأبقته الحراب الحراب: جمع حربة وهي رمح قصير. يقول: كان آباؤهم استعصوا على أبيك فقتلهم، وفعل بآبائهم ما فعلت بهم أنت الآن، وكان أبو سيف الدولة غزا القرامطة الذين هم في الأحساء وقتل منهم وكسر. فيقول: هؤلاء بنو الذين قتلهم أبوك بنجد، وأبقاهم أبوك وأبقته رماحه. وبنو: خبر ابتداء محذوف: أي هم بنو قتلى أبيك. عفا عنهم وأعتقهم صغاراً ... وفي أعناق أكثرهم سخاب السخاب: كالثياب، يلبسه الصبيان، وجمعه سخب. وقيل السخاب: القلادة تنظمها الأعراب من القرنفل، أو حب الحنظل. يقول: إن أباك كان عفا عن هؤلاء وأعتقهم بعد ما ملكهم، وهم صغار في أعناقهم السخب. وكلكم أتى مأتى أبيه ... فكلّ فعال كلّكم عجاب يقول: كل واحد منك ومنهم - أي مثل ما فعل أبوه، فأنت عفوت كما عفا أبوك عن آبائهم، وخضعوا خضوع آبائهم، فما حصل منك من الاقتداء بأبيك عجب! وما حصل منهم من الاقتداء بآبائهم من العصيان عجب! وقيل: وفعلت بهم مثل ما فعل أبوك بآبائهم، وأبوك فعل مثل ما فعل جدك بأجدادهم، وكل فعل منك عجب! كذا فليسر من طلب الأعادي ... ومثل سراك فليكن الطّلاب يقول: من طلب الأعادي والظفر بهم، فليسر إليهم كما سريت إليهم أنت، وكذا: إشارة إلى فعل سيف الدولة.
следующие страницы →