← Адаб

Адаб · id 753

معجز أحمد

أبو العلاء المعري

Полный текст (475 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وتوهّموا اللّعب الوغى الهيجاء ... غير الطّعن في الميدان يقول: حسب الناس لعبهم بالرماح في الميدان، أنه مثل الطعن في الحرب عند ملاقاة الأقران، وليس الأمر كما قدروا. قاد الجياد إلى الطّعان ولم يقد ... إلاّ إلى العادات والأوطان يقول: قاد الخيل إلى المطاعنة، ولم يكن قوده لها أول مرة، بل قد سبق له أمثالها، وتعودت خيله التردد إلى الروم، ومعارك الحرب، فكأنه يقودها إلى أوطانها التي تعودت الإقامة بها. كلّ ابن سابقةٍ يغير بحسنه ... في قلب صاحبه على الأحزان هذه الجياد، وكل ابن فرس سابقة حسن الخلق، إذا نظر صاحبه إليه أغار على ما في قلبه من الحزن بحسنه، وأزاله عن قلبه. إن خلّيت ربطت بآداب الّوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان يقول: إن أرسلت هذه الخيل، فرابطها آداب الوغى. يعني: أنها مؤدبة بآداب الحرب، فإذا أرسلت لم تشرد، فتحتاج إلى أن تشد برسن أو شكال، ولكنها متى دعاها صاحبها أقبلت إليه، فيغني دعاؤها عن أرسان تقاد بها. في جحفلٍ ستر العيون غباره ... فكأنّما يبصرن بالآذان الهاء في غباره للجحفل. يقول: قاد جياده في جيش عظيم، قد ثار غباره حتى ستر العيون، وأطبق الجفون من تكاثفه، فكأن هذه الخيل تبصرن بالآذان؛ لأن الغبار لا يطبق الآذان، بل تكون أبداً منتصبة. يرمى بها البلد البعيد مظفّرٌ ... كلّ البعيد له قريبٌ داني يقول: يغير بهذه الخيل كل بلد ملك مظفر، كل مرام بعيد له قريب، وكل صعب على غيره، عليه سهل يسير. فكأنّ أرجلها بتربة منبجٍ ... يطرحن أيديها بحصن الرّان منبج: مدينة بالشام. والران من بلاد الأرمن وبينهما مسيرة خمس ليال. يقول: كأن هذه الخيل لخفتها تكون أرجلها بمنبج وأيديها بحصن الران، فلا يتخلل من مسيرها من منبج إلى حصن الران، إلا مقدار الزمان الذي تتخلله الخطوة الواحدة. وقيل: أراد بذلك سعة خطوها، فكأنه يقول: إنها تقطع ما بينهما بخطوة واحدة. حتّى عبرن بأرسناس سوابحاً ... ينشرن فيه عمائم الفرسان أرسناس: نهر عظيم في بلاد الروم. يقول سار بها حتى عبرت هذا النهر سابحةً، وكانت تنشر عمائم الفرسان فوقهن؛ لسرعتهن في السباحة، فتضطرب العمامة لذلك. وقيل: أراد أن ما يطفو من الماء من جنبي الفرس يعلو إلى أطراف العمائم المسدلة فينشرها. والأول هو الظاهر. يقمصن في مثل المدى من باردٍ ... يذر الفحول وهنّ كالخصيان يقمصن: أي يثبن. والمدى: جمع مدية وهي السكين: يقول: إن هذا النهر يعمل في البدن ما تعمل السكاكين من شدة برده! وتقلصت الخصى وبردت حتى صارت الفحول مثل الخصيان. والماء بين عجاجتين مخلّصٌ ... تتفرّقان به وتلتقيان يقول: إن الغبار قد ثار على جانبي هذا النهر، فكأن موج الماء يفرق بينهما، فمرة يفترقان ومرة يلتقيان فيتصلان من أحد الجانبين إلى الآخر. وقيل لأبي الطيب: إنك وصفت برد الماء، وذلك يكون في الشتاء، ثم بالغت في وصف الغبار، والغبار لا يثور على الوجه المذكور في الشتاء، فبينهما تناقض، فقال: إنما وصفت ما عاينت. وفي رواية أخرى: إن ماء هذا النهر يكون في الصيف شديد البرد إلى الغاية. وقيل: أراد بالعجاجتين: ما يثور من الماء على جانبي الفرس السابح، فإذا شق الماء افترق جانباه ثم تلاقيا من بعد. ركض الأمير وكاللّجين حبابه ... وثنى الأعنّة وهو كالعقيان اللجين: الفضة. والعقيان: الذهب. والحباب: طرائق الماء. يقول: ركض، وكان الماء في الصفاء كالفضة البيضاء، وثنى عنانه راجعاً. وقد صار كالذهب؛ لما سال إليه من دماء القتلى، واحمر بما خالطه من دماء الروم. فتل الحبال من الغدائر فوقه ... وبنى السّفين له من الصّلبان الغدائر: الذوائب. يقول: فتل من شعور من قتل من الروم الحبال الكثيرة، وكذلك بنى مما كسر من الصلبان سفناً يعبر بالسبي والأموال عليها. وأراد: أنه لو أراد أن يفعل لأمكنه؛ من كثرة ما قتل منهم، وكسر من صلبانهم. وحشاه عاديةً بغير قوائمٍ ... عقم البطون حوالك الألوان العادية: الجارية.

стр. 352

يقول: ملأ هذا النهر بخيل تعدو بلا قوائم، يعني: السفن فهي عقيمة لا تلد كسائر الخيول، وهي سود الألوان؛ لأنها مغبرة، فعبر عن السفن بالخيل، وأخرجه مخرج اللغز. تأتي بما سبت الخيول كأنّها ... تحت الحسان مرابض الغزلان يقول: هذه السفن كانت تحمل ما سبته الخيول من النساء والولدان، فكأنهن الغزلان والسفن تحتهن كأنها مرابض الغزلان. بحرٌ تعوّد أن يذمّ لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان يقول: هذا النهر بحر يحفظ أهله، ويحصن من حوله من حوادث الدهر، فلم يقدر أحد على عبوره. فتركته وإذا أذمّ من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان يقول: جعلته بعد عبورك به، إذا ضمن لمعشر أن يمنعهم، استثناك وقومك، فيقول: إني أمنعكم من كل أحد، إلا من بني حمدان، فإني لا أمنعكم منهم. وأراد أن الروم إذا تحصنوا به، لم يقدر أحد أن يصل إليهم إلا أنت وقومك. المخفرين بكلّ أبيض صارمٍ ... ذمم الدّروع على ذوي التّيجان يقال: أخفرته: إذا نقضت عهده، وهذا صفة بني حمدان. يقول: إن دروع الملوك أعطتهم ذمةً أنها تمنعهم، فهم يخفرون بسيوفهم تلك العهود والذمم، ويهتكون بسيوفهم دروعهم. وذووا التيجان: هم الملوك. متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشّان الصعلوك: الفقير، والمتصعلك: من يتكلف ذلك. يقول: هم يتخلقون بأخلاق الصعاليك، ويتطامنون مع ملكهم العظيم، وهم متواضعون مع علو قدرهم وعظم شأنهم. يتقيّلون ظلال كلّ مطهّمٍ ... أجل الظّليم وربقة السّرحان روى ابن جني: يتقيلون وحمله على معنى قولهم: فلان يتقيل أباه: أي يتشبه به. قال: ومعناه أن كل واحد منهم يتشبه بأب كريم، ويتبعه كما يتبع الفرس ظله، ويسبق إلى المجد والكرم، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم أهلكه، وإذا رأى الذئب شده. قال: ويجوز أن يكون ويتقيلون من القائلة، يعني: يقيلون في ظل كل فرس مطهم، فوافق في المعنى رواية سائر الناس وروى غيره يتفيئون من الفيء. والمعنى أنهم يستظلون في الهواجر بظلال خيولهم كما يفعله الصعاليك، ولا يدخلون الخيام كما يفعله المتنعمون. وقوله: أجل الظليم: صفه المطهم، أي أنه إذا عدا خلف الظليم أدركه أجله الذي لا خلاص له منه، وإذا عدا خلف سرحان لحقه، فكأنه قيده، وهذا من قول امرئ القيس. بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل وقيل: يمدحهم بالفروسية والثبات على الخيل فيقول: هم لا يفارقون ظهورها بل يلازمونها ملازمة الظلال ويتقيلون يميناً وشمالاً كما تنقلب الظلال. خضعت لمنصلك المناصل عنوةً ... وأذلّ دينك سائر الأديان العنوة: القهر. يقول: سيفك قهر كل سيف، فانقادت له السيوف قهراً، ودينك ذل سائر الأديان وقهرها. وعلى الدّروب وفي الرّجوع غضاضةٌ ... والسّير ممتنعٌ من الإمكان الدروب: جبال الروم، وطرقها. والغضاضة: الذل والقهر. والتقدير وعلى الدروب غضاضة، وفي الرجوع غضاضة. وقيل: على تعلق بالفعل الذي بعده وهو نظروا أي نظروا على الدروب إلى خليك. يقول: قهرتهم في حالة صعبة على المسلمين، وذلك حيث لم يمكنهم المقام على الدروب، ولا الرجوع عنها، وكان السير ممتنعاً فدخلت عليك الغضاضة لذلك. والطّرق ضيّقة المسالك بالقنا ... والكفر مجتمعٌ على الإيمان يقول: إن الطرق كانت قد ضاقت برماح الروم، وكان الكفر مجتمعاً على الإيمان في تلك الحال، فأذللت الكفر ونصرت الإسلام. نظروا إلى زبر الحديد كأنّما ... يصعدن بين مناكب العقبان يقول: نظر الروم إلى قطع الحديد على الخيل، فكأن هذه القطع عليها، بين مناكب العقبان. شبه الخيل بالعقبان في سرعتها، والدروع التي على الفرسان والبيض وغيرها كأنها علت العقبان وصعدت بين مناكبها. وفوارسٍ يحي الحمام نفوسها ... فكأنّها ليست من الحيوان يقول: نظروا إلى فوارس يعدون الموت في الحرب حياة؛ لبقاء الذكر، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان، لأن الحيوان إذا مات ينسى. ما زلت تضربهم دراكاً في الذّرى ... ضرباً كأنّ السّيف فيه اثنان روى: في الذرى أي رءوس القوم، أو رءوس الجبال. وروى: في الوغى وهي الحرب. دراكاً: أي تباعاً.

стр. 353

يقول: ما زلت تضربهم ضرباً في إثر ضرب، متوالياً من دون أن يتخللها، فكأنك تضربهم بسيفين. وقيل: ما زلت تضربهم ضربةً تعمل عمل ضربتين. يعني: كأن السيف الواحد سيفان، والهاء في فيه راجع إلى الضرب. خصّ الجماجم والوجوه كأنّما ... جاءت إليك جسومهم بأمان خص السيف، أو الضرب رءوسهم ووجوههم دون أجسامهم، حتى كأنك أعطيت أجسامهم أمانك ألا تمسها بضرب. فرموا بما يرمون عنه وأدبروا ... يطئون كلّ حنيّةٍ مرنان روى يطئون من الوطء بالرجل، وروى: يطوون من طويته. والحنية: القوس. والمرنان: الكثير الرنة. وما يرمون عنه: هو القسي التي كانوا يرمون عنها. يقول: رموا قسيهم وانهزموا يطئون قسيهم المطوية عند الرمي. يغشاهم مطر السّحاب مفصّلاً ... بمهنّدٍ ومثقّفٍ وسنان قيل: أراد بالمطر: المطر الحقيقي. والمعنى: أصابهم المطر النازل من السحاب، مفصلاً بالسيوف والرماح، كما يفصل العقد بالدر والذهب. يعني: كما هزمهم السلاح هزمهم أيضاً المطر. وقال ابن جني: أراد بالسحاب: جيش سيف الدولة. شبهه بالسحاب لكثافته، ولما جعله سحاباً جعل مطره الرماح والسيوف. حرموا الّذي أملوا وأدرك منهم ... آماله من عاد بالحرمان يقول: حرموا ما كانوا يؤملونه من الظفر بك، وانهزموا، فمن كان منهم محروماً من أمله الأول أدرك أمله الثاني، من العود إلى أهله، والسلامة من القتل والأسر، وهذا مثل قولهم: من نجا برأسه فقد ربح. وإذا الرّماح شغلن مهجة ثائرٍ ... شغلته مهجته عن الإخوان يقول: إنهم جاءوا يطلبون بثأر من قتلت منهم، فلما وقعت الرماح في قلوبهم اشتغلوا بأنفسهم ونسوا إخوانهم الذين يطلبون ثأرهم. وهذا من قول الله تعالى " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ". هيهات! عاق عن العواد قواضبٌ ... كثر القتيل بها وقلّ العاني العواد: الرجوع، وهو مصدر عاود يعاود معاودةً وعواداً وهي ها هنا من: عاود. وروى مكانه: الرجوع والعاني: الأسير. المعنى كما قال: وأدرك منهم آماله من عاد بالحرمان فقال: ما أبعد عليهم الرجوع! وقد عاقهم عن ذلك سيوفك التي كثرت القتل فيهم، فكان من قتل منهم أكثر ممن أسر. ومهذّبٌ أمر المنايا فيهم ... فأطعنه في طاعة الرّحمن ومهذب: هو سيف الدولة، عطف على قواضب. يقول: منعهم عن الرجوع إلى ديارهم رجل مهذب صفي من كل عيب، أمر الموت بقبض أرواحهم فأطاعه الموت في طاعة الله تعالى؛ لأن قتلهم طاعةً، وفيه رضى الله تعالى. قد سوّدت شجر الجبال شعورهم ... فكأنّ فيه مسفّة الغربان الهاء في فيه للشجر. والمسفة: الدانية من الأرض. يقول: إن شعورهم سودت أشجار الجبال؛ لأنها متعلقة بها، فكأن عمومها الأشجار، غربان دانية من الأرض، واقفة على الأشجار. وجرى على الورق النّجيع القاني ... فكأنّه النّارنج في الأغصان يقول: جرى دمهم على الأوراق، فثمرت به، فأشبه الدم عليها، النارنج على الأغصان. والمعنى: أن الشعور تعلقت بالشجرة فأشبهت الغربان على الأشجار، والدماء تطايرت فخضبت ورق الأغصان. إنّ السّيوف مع الّذين قلوبهم ... كقلوبهنّ إذا التقى الجمعان يقول: إن السيوف، إنما تعمل إذا كانت مع الشجعان الذين قلوبهم في المضاء كقلوب هذه السيوف عند اجتماع الجيشين. تلقى الحسام على جراءة حدّه ... مثل الجبان بكفّ كلّ جبان التاء: للخطاب، ومعناه: تلقى أيها السامع السيف القاطع مع جراءته في الحد، غير عامل، إذا كان في يدي الجبان، حتى كأنه جبان مثله. وقيل: التاء ضمير السيوف. يعني: أن السيوف التي في أيدي أصحاب سيف الدولة، الذين قلوبهم كقلوبها، تلقى سيوف الروم - مع جراءة حدها - غير قاطعة، فكأنها جبان مثل أصحابها الحاملين لها، وجبن السيوف: قلة المضاء. رفعت بك العرب العماد وصيّرت ... قمم الملوك مواقد النّيران العماد: عماد البيت، ويعبر به عن الشرف؛ لأن الرجل إذا كان شريفاً، كان عماد بيته رفيعاً. ومنه يقال في المدح: هو رفيع العماد، أي شريف، كثير الرماد. والقمم: جمع قمة، وهي وسط الرأس. يقول: إن العرب تشرفت بك، وقتلت الملوك، فجعلوا هامهم أثافي لقدورهم.

стр. 354

أنساب فخرهم إليك وإنّما ... أنساب أصلهم إلى عدنان عدنان: أبو العرب كلها. يقول: العرب تنتسب إليك من حيث الفخر، وتنتسب إلى عدنان من جهة النسب: فكما أن عدنان أصل نسبها، فإنك أصل فخرها وشرفها. يا من يقتّل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان يقول: أنت تعم الناس بالقتل، فتقتل الأعداء بسيفك، والأولياء بإحسانك؛ من حيث الاستعباد، وأنا من جملة قتلى إحسانك. فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني يقول: إذا رأيتك تحير ناظري دونك، فلا يمكنني أن أنظر إليك ملء عيني؛ لهيبتك، وكثرة مآثرك، وإذا أردت مدحك حار في وصفك لساني، وعجز عن استيفاء مدحك عبارتي وبياني. وتحدث بحضرة سيف الدولة: أن البطريق أقسم عند ملكه أن يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، فخيب الله ظنه وأتعس جده. فقال أبو الطيب وأنشده إياها بحلب سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. وهي آخر قصيدة قالها عند سيف الدولة. قال ابن جني: قلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: إنه ليس في جميع شعرك أعلى كلاماً من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال: كانت وداعاً. عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم؟ يقول: عاقبة اليمين على عاقبة الحرب ندامة؛ لأنه إذا حلف على لقاء من لا يقاومه انهزم، وكان انهزامه أشنع، والملامة فيه أوقع، فيكون عاقبة اليمين الحنث واللوم، وعاقبة الحرب الانهزام، وهذا أشد من الانهزام بلا يمين، والقسم لا يزيد شجاعة الإنسان إذا لم يكن في نفسه شجاعة، يمكنه بها مقاومة خصمه. وعلى في قوله: على عقبى الوغى متعلق بلفظ اليمين. وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم يقول للبطريق: إن يمينك يدل على تهمتك في نفسك، فيما تعده من الإقدام، فلو كنت تصدق في وعدك لم تحتج إلى اليمين لرفع التهمة. آلى الفتى ابن شمشقيقٍ فأحنثه ... فتىً من الضّرب ينسى عنده الكلم الكلم: جمع كلمة. يقول: حلف ابن شمشقيقٍ على الإقدام على سيف الدولة، فأحنثه سيف الدولة، وحال بينه وبين مراده، بضرب ينسى عنده الأيمان، فلما ضربه بسيفه نسى يمينه وفر من بين يديه. وفاعلٌ ما اشتهى يغنيه عن حلفٍ ... على الفعال، حضور الفعل والكرم وفاعل: عطف على فتى. يقول: أحنثه فاعل يفعل كل ما اشتهاه، لا يحتاج فيه إلى اليمين، بل يغنيه عن اليمين حضور ذلك الفعل الذي أراده، ويغنيه عنها أيضاً كرمه ومضاء عزمه، فهو إذا هم بأمر أمضاه. كلّ السّيوف إذا طال الضّراب بها ... يمسّها غير سيف الدّولة السّأم السأم: الملال. يقول: كل السيوف إذا طال عليها الضرب تكل وتعجز عن القطع، إلا سيف الدولة فإنه لا يمل. لو كلّت الخيل حتّى لا تحمّله ... تحمّلته إلى أعدائه الهمم قال ابن جني: اختار أبو الطيب في تحمله الرفع لأنه فعل الحال، والنصب جائز على معنى إلى أن لا تحمله. يقول: لو كلت خيله وعجزت عن حمله إلى أعدائه لكانت هممه وصحة عزائمه تحمله إليهم ليحاربهم. أين البطارق والحلف الّذي حلفوا ... بمفرق الملك والزّعم الّذي زعموا البطارق، والبطاريق: جمع بطريق، وهو القائد للروم. والزعم: أكثر ما يستعمل في القول من غير علم. يقول: أين يمين قواد الملك حين حلفوا برأسه، وزعموا أنهم يثبتون لسيف الدولة؟! ولّى صوارمه إكذاب قولهم ... فهنّ ألسنةٌ أفواهها القمم فاعل ولي ضمير سيف الدولة ومعناه: فوض إليه. وصوارمه: مفعوله الأول وإكذاب: المفعول الثاني. يقول: فوض إلى سيفه تكذيب قول البطاريق، فالسيوف بمنزله الأفواه، فكأنها تكلمت في رءوسهم فقال لهم: كذبتم في يمينكم. ووجه التشبيه: أن السيوف تتقلقل فيها فيسمع عند وقعها في العظام ما يعلم منه كذبهم، فينوب ذلك عن قوله لهم: كذبتم. نواطقٌ مخبراتٌ في جماجمهم ... عنه بما جهلوا منه وما علموا يقول: هذه السيوف تنطق في جماجمهم، وتخبرهم عن سيف الدولة ما علموا من أحواله، وما جهلوا من أخباره. الرّاجع الخيل محفاةً مقوّدةً ... من كلّ مثلٍ وبارٍ أهلها إرم

стр. 355

المحفاة: التي أحفاها الركض، يقال: حفى الفرس: إذا رق حافره، وأحفاه فارسه. ووبار من مدائن قوم عاد، خربت، وهي بين اليمن وعمان، والعرب تزعم أنها من مساكن الجن. وإرم: قوم عاد. يقول: إن سيف الدولة هو الذي يرجع الخيل من الغزو، وقد أحفاها طول السير، حتى نزل فارسها عنها، فقادها رفقاً بها، بعد ما خرب أرض العدو، وأهلك، أهلها فترك تلك الأرض خراباً مثل وبار، وأهلها هلكى مثل إرم كتلّ بطريقٍ المغرور ساكنها ... بأنّ دارك قنّسرون والأجم قنسرون: بفتح النون الأولى. قال ابن جني: وكان المتنبي يكسرها. والأجم: موضع. وتل بطريق: مدينة خربها سيف الدولة. يقول: إنه يخرب أرض العدو ويهلك أهلها كما خرب تل بطريق التي اغتر أهلها ببعدك عنهم وأنك في قنسرين، فقد رأوا أنك لا تقدر على أن تصل إليهم، فقصدتهم وخربت بلادهم. وظنّهم أنّك المصباح في حلبٍ ... إذا قصدت سواها عادها الظّلم وظنهم: عطف على قوله: بأن دارك. يقول: اغتروا أيضاً بظنهم أنك لا تقدر أن تفارق حلب؛ خوفاً من أن تضطرب وتستولي عليها الأعداء، فلا يمكنك العود إليها، فشبهه فيها بالمصباح لأنه ينفي عنها ظلم الفتنة، كما ينفي المصباح ظلمة الليل. والشّمس يعنون إلا أنّهم جهلوا ... والموت يدعون إلا أنّهم وهموا يقول: جهلوا حيث شبهوك بالمصباح، ولم يعلموا أنك كالشمس، يعم نورها الأرض وتضيء الدنيا وهي بعيدة، وكذلك أنت تسوس جميع ممالكك وتدبر أحوال الناس وإن كنت بعيداً عنهم، وكذلك أنت كالموت لا كالمصباح، فغلطوا في تشبيهك بالمصباح، ولم يعلموا أنك كالموت لا يمتنع منك أحد ولا يبعد عليك متناوله. فلم تتمّ سروجٌ فتح ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم سروج: مدينة، والهاء في ناظرها تعود إلى سروج. وفي جفنيه للناظر. يقول: كانوا يغترون ببعدك منه فجئت إليهم أسرع من فتح سروج عينها، حتى ازدحم جيشك في عينها. وقيل: أراد بازدحام الجيش في جفني الناظر عبارة عن امتلائهما بالغبار المرتفع من أرجل الخيل. وقيل: معناه لم تصبح سروج إلاّ وخيلك مزدحمة عليها، فجعل الصباح لها بمنزلة فتح الناظر من النوم. والنّقع يأخذ حرّاناً وبقعتها ... والشّمس تسفر أحياناً وتلتئم النقع: الغبار. وحران: مدينة بالشام. والبقعة: بضم الباء، أرض يخالف لونها لون ما حولها. وذكر أبو العلا المعري: أنه بفتح الباء وهكذا يروي قال: وهو موضع يقال له بقعة حران، وهذا أحسن لأنه لو لم يرد مكاناً مخصوصاً لم يكن لذكرها فائدة، لأن النقع إذا أخذ حران فقد أخذ بقعتها وإن لم تذكر. يقول: جئت إلى سروج وعم غبار خيلك حران وسترها، وكانت الشمس تارة تظهر، حين انحسر عنها الغبار، وتارةً تستتر، حين تكاثف الغبار. سحبٌ تمرّ بحصن الرّان ممسكةً ... وما بها البخل لولا أنّها نقم حصن الران: من أعمال سيف الدولة. يقول: كانت خيلك تمر بحصن الران كالسحاب، لأنها كانت تمطر النقم والهلاك، غير أنها كانت ممسكة عن الأمطار، وليس الإمساك عن بخل، ولكن ما فيها كانت نقماً وعقوبات، فلم تصبها على حصن الران؛ لأنها لم ترد هلاكها وهلاك أهلها. جيشٌ كأنّك في أرضٍ تطاوله ... فالأرض لا أممٌ والجيش لا أمم الأمم: القصد، والقرب. وتطاوله: فعل الأرض، والهاء: للجيش. يقول: إن الجيش جيش ممتد متباعد الأطراف، يسير في أرض كذلك، فالأرض تطاول الجيش وتباريه في الطول، فلا الأرض متقاربة الطول، ولا الجيش، بل كلاهما طويل ممتد. إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌ ... وإن مضى علمٌ منه بدا علم منها يعود إلى الأرض. والعلمان: كل واحد منهما الجبل. والهاء في منه تعود إلى الجيش. والعلمان: كل واحد منهما العلم المعروف: الذي هو الراية. يقول: إذا غاب جبل من هذه الأرض بدا جبل آخر، وإذا مضت راية من جيشك بدت راية أخرى. وشزّبٌ أحمت الشّعري شكائمها ... ووسّمتها على آنافها الحكم الشزب: جمع الشازب، وهو الفرس الضامر. وقوله: أحمت الشعري شكائمها إنما قال ذلك؛ لأن طلوع الشعري يكون في شدة الحر، فأضاف الفعل إليها. والشكيمة: رأس اللجام. وقوله: فوسمتها. من السمة التي هي الكي. والحكم: جمع حكمة وهي ما على أنف الدابة.

стр. 356

يقول عطفاً على ما قبله: وظهرت خيل ضامرة وقد أحمت شدة الحر شكائمها، حتى صارت كالمكاوي، فوسمت أنوفها. حتّى وردن بسمنينٍ بحيرتها ... تنشّ بالماء في أشداقها اللّجم تنش: من النشيش، وهو صوت القلي، وصوت الحديد المحمي، إذا ألقى في الماء. وفاعل تنش: اللجم. يقول: وردت خيلك بحيرة سمنين، وقد حميت شكائمها من شدة الحر، فلما شربت الماء، جعلت لجمها تنش في الماء نشيش الحديد المحمي إذا ألقي في الماء. وأصبحت بقرى هنزيط جائلةً ... ترعى الظّبا في خصيبٍ نبته اللّمم فاعل ترعى ضمير الخيل: أي أنهار راعية السيوف، مسببة لها في المرعى. يقول: أصبحت الخيل جائلة في قرى هنزيط، تغير وتقتل، وأرسلت السيوف ترعى في منبت خصيب، وهي الرءوس: خصيبة بالشعور. وقيل: إن فاعل ترعى الظبا أي كانت الظبا ترعى في رءوسهم الخصيبة من الشعور. فما تركن بها خلداً له بصرٌ ... تحت التّراب ولا بازاً له قدم الخلد: فأرةٌ عمياء فما تركن: أي الغارة والسيوف. وبها أي بقري هنزيط. يقول: لم تترك الخيل والسيوف بقرى هنزيط شيخاً متوارياً من الأعداء منجحرا كالخلد في بطن الأرض إلا أنه ذو بصر، ولا شابا خفيفاً توغل في الجبال وتحصن بها كالباز، إلا أن طيرانه بقدم. شبه المتوارين في البراري بخلد ذي بصر، والمتحصنين بالجبال بباز ذي قدم، إزاله للتوهم أنه خلد حقيقي، أو باز حقيقي، وبياناً أنه قصد به التشبيه والاستعارة. ولا هزبراً له من درعه لبدٌ ... ولا مهاةً لها من شبهها حشم اللبد: جمع لبدة الأسد، وهي ما تلبد على كتفه من وبره. والمهاة: البقرة الوحشية. والحشم: حاشية الرجل. يقول: ما تركت بها شجاعاً أيضا مثل الأسد، عليه - مكان لبدته - درع، ولا امرأة كالمهاة ولها من أمثالها خدم. ترمى على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والغيطان والأكم الباء في بهم متعلق بترمى بهم: أي بالأعداء. يقول: إن الأرض ترمى بالأعداء على شفار السيوف، وكل موضع استتروا فيه وهربوا إليه استخرجتهم الخيل وقتلتهم، فلم تكتمهم مكامن الأرض، ولا واراهم الغيطان، ولا حصنتهم الآكام. وجاوزوا أرسناساً معصمين به ... وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم؟! أرسناس: نهر عظيم. معصمين به: أي ممتنعين به. يقول: لما عبروا أرسناس ظنوا أنه يحول بينك وبينهم، وكيف يعصمهم منك وهو لم يمكنه أن يعصم نفسه منك؟! لأنك عبرته بخيلك، فلم يقدر على الامتناع عليك. وما يصدّك عن بحرٍ لهم سعةٌ ... وما يردّك عن طودٍ لهم شمم الشمم: الارتفاع. يقول: لا يمنعك عن بحر الأعداء سعته، ولا يردك عن جبلهم ارتفاعه. ضربته بصدور الخيل حاملةً ... قوماً إذا تلفوا قدماً فقد سلموا حاملةً: نصب على الحال. وقوماً: نصب بحاملة. أي يحمل قوماً صفتهم ما بعده. يقول: ضربت أرسناس بصدور الخيل وكانت تحمل من أصحابك قوماً يعدون التلف في الحرب سلامة، فيسرون به كما يسرون بالسلامة. تجفّل الموج عن لبّات خيلهم ... كما تجفّل تحت الغارة النّعم تجفل: أي أسرع في الذهاب. يقول: إن الموج كان يتفرق يميناً وشمالاً عن صدور الخيل بالسرعة، كما تتفرق الإبل عند الإغارة عليها. عبرت تقدمهم فيه وفي بلدٍ ... سكّانه رممٌ، مسكونها حمم يقول: عبرت هذا النهر، وأنت تتقدم الجيش، وتقدمتهم أيضاً في بلد أحرقته حتى صار كالفحم، وصار أهلها رميما. وفي أكفّهم النّار الّتي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم يقول: عبرت هذا النهر بخيلك، وفي أيديهم السيوف المجردة، وشبهها بالنار لبريقها، ولما جعلها ناراً جعلها معبوداً من قبل المجوس الذين يعبدون النار. يعني: أن المجوس دانوا لها وخضعوا لشعارها من أول الدهر إلى يومنا هذا. وقبل: تم الكلام عند قوله: وفي أكفهم النار التي عبدت ثم قال: قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم. يعني: أن السيوف مضطرمة متألقة قبل زمان المجوس إلى زماننا هذا. فكأنه يقول: إن السيوف كالنيران الحقيقية، وهي النيران المعبودة. ثم بين أن اضطرامها تقدم زمان المجوس، يعني: أن سيوفه عتيقة. هنديّةٌ إن تصغّر معشراً صغروا ... بحدّها أو تعظّم معشراً عظموا

стр. 357

يقول: هذه النارة هندية: أي سيوف مطبوعة بالهند، فهي تصغر المقتول وتعظم القتال، ويدرك بها العز والشرف. قاسمتها تلّ بطريقٍ فكان لها ... أبطالها ولك الأطفال والحرم يقول قسمت أهل هذه البلد بينك وبين سيوفك، فأعطيتها الأبطال، وأخذت لنفسك النساء والأطفال. تلقى بهم زبد التّيّار مقربةٌ ... على جحافلها من نضحه رثمٌ التيار: الموج. والمقربة: ها هنا، هي السفن. والرثم: بياض في شفة الفرس العليا. والضمير في بهم يعود إلى أصحاب الخيل وإلى السى. يقول: سبيت الأطفال والحرم، وشحنت بهم السفن، وعبرت بهم النهر. وشبه السفن في النهر بالخيل المقربة، وشبه زبد الماء على مقاديم السفن بالرثم، وجحافل الخيل: أراد بها الخيل نفسها. دهمٌ فوارسها ركّاب أبطنها ... مكدودةٌ وبقومٍ لا بها الألم يقول: إن هذه الخيل دهم. يعني: أن السفن مطلية بالقار، وفوارسها يركبون بطونها، بخلاف الخيل التي يركب ظهورها، وهي مكدودة في السير، ولكن ليس بها ألم الكد، وإنما يلحق الكد والتعب قوماً آخرين، وهم الملاحون. من الجياد الّتي كدت العدوّ بها ... ومالها خلقٌ منها ولا شيم يقول: هذه السفن، هي بعض خيلك التي تكيد بها عدوك، ولكنها لا تشبهها في الخلقة ولا في الطبع. نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍ ... كلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم يقول: هذه السفن كانت نتيجة رأيك لما أردت أن تعبر النهر بالسبي، أنشأتها في أسرع وقت، وكانت المدة في اتخاذها، في القصر كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق. وقد تمنّوا غداة الدّرب في لجبٍ ... أن يبصروك فلمّا أبصروك عموا في لجب: أي في اختلاط أصوات. وروى: في لجب: أي في جيش ذا لجب. يقول: كانوا يتمنون لقاءك حين كانوا على الدرب، فلما عاينوك عموا: أي ماتوا، فزالت أبصارهم. وقيل: تحيروا لما نظروا إليك فلم يملكوا أبصارهم. وقيل: عموا عن الرأي؛ لما لحقهم من الخذلان. صدمتهم بخميسٍ أنت غرّته ... وسمهريّته في وجهه غمم وروى صبحتهم بدل صدمتهم والغمم: كثرة الشعر على الناصية والقفا، شبه الجيش بفرس، وشبه سيف الدولة بغرته، والرماح بشعر ناصيته، وإنما شبهه بالغرة لتقدمه على الجيش، أو لأنه كان يزين الجيش كما تزين الفرس غرته فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم يقول: كانت جسومهم أثبت شيء منهم؛ لأنها إذا سقطت عن الدواب ثبتت مكانها، والأرواح كانت تطير ولا تستقر. والأعوجيّة ملء الطّرق خلفهم ... والمشرفيّة ملء اليوم فوقهم الأعوجية: الخيل المنسوبة إلى أعوج، وهو فرس كريم كان لكندة، فأخذه بنو سليم في بعض أيامهم، فصار إلى بني هلال. يقول: انهزموا وتبعتهم خيلك وكانت تملأ الطرق، لانبساطها على وجه الأرض. ولما كانت السيوف تعلوا في الجو، جعلها ملء النهار لأنه ما بين السماء والأرض ولأن النهار من الشمس والشمس تعلو. إذا توافقت الضّربات صاعدةً ... توافقت قللٌ في الجوّ تصطدم يقول: إذا اتفقت الضربات في الصعود إلى الرءوس: أي وقعت في وقت واحد، توافقت الرءوس في انحدارها، ويصطدم بعضها ببعض، وإنما قال: صاعدة لأن الحذاق يضربون السيوف من تحت إلى فوق وصاعدة نصب على الحال. وأسلم ابن شمشقيقٍ أليّته ... ألاّ انثني فهو ينأى وهي تبتسم يقول: انهزم وترك يمينه التي حلف، ألا انثني عنك، فكان يبعد هو في الهرب ويمينه تبسم من عمله بها. لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته ... فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم يقول: هو يتوقع القتل، ولا يطمع في أن يبقى، وهو النفس الأقصى، فيسرق النفس الأدنى: أي الأقرب منه ويعده غنيمة، ولا يأمل أن يتنفس نفساً بعده. تردّ عنه قنا الفرسان سابغةٌ ... صوب الأسنّة في أثنائها ديم السابغة: الدرع، وهي فاعلة ترد والهاء في عنه للبطريق. يقول: إن الخيل كانت في إثره تطعن ظهره وهو منهزم، ولكن رد عنه رماح الفرسان درعه المحكمة، مع أن وقع الأسنة عليها في الكثرة كوقع المطر. تخطّ فيها العوالي ليس تنفذها ... كأنّ كلّ سنانٍ فوقها قلم فيها: أي في السابغة.

стр. 358

يقول: إنها درع حصينة، فكانت الرماح تخط عليها خطاً ولا تنفذها، كما يخط القلم على الألواح ولا ينفذها. فلا سقى الغيث ما واراه من شجرٍ ... لو زلّ عنه لوارى شخصه الرّخم روى: لوارى ولوارت وجسمه وشخصه وروى الرجم أي القبر والحجارة. وما في موضع نصب، لأنه مفعول سقي. يعني: أنه لولا دخوله فيما بين الأشجار. وتواريه، لكان يقتل، ولكانت الرخم تأكله وتوارى شخصه، أو يواريه قبره فلا سقى الله هذا الشجر. ألهى الممالك عن فخرٍ قفلت به ... شرب المدامة والأوتار والنّغم الممالك: أي أهل الممالك، فحذف المضاف. يقول: شغل الملوك عن هذا العز الذي رجعت به، شربهم المدام، واشتغالهم بسماع اللهو، وأصوات أوتار البربط والعود والنغم، وهي الأصوات الطيبة. مقلّداً فوق شكر الله ذا شطبٍ ... لا تستدام بأمضى منهما النّعم مقلداً: نصب على الحال، أي قفلت مقلداً. وشطب السيف: طرائقه. يقول: قفلت من الغزو، وأنت مقلداً سيفاً ذا شطب، فوق شكر الله تعالى على ما أولاك من الظفر وكساك من النصر، فجعلت الشكر دثاراً والسيف شعاراً. ثم قال: إن النعم لا تستدام بشيء أمضى من شكر الله تعالى، ومن السيف القاطع؛ لأن الشكر يحرس النعم من الزوال ويحفظها من حوادث الأيام والانتقال والسيف يذب عنها كيد الحساد فتدوم النعم. ألقت إليك دماء الرّوم طاعتها ... فلو دعوت بلا ضربٍ أجاب دم يقول: دماء الروم تطيعك، فلو دعوتها بلا سيف لاجابتك. يعني: أنك قدرت على سفك دمائهم على أي وجه أردت. يسابق القتل فيهم كلّ حادثةٍ ... فما يصيبهم موتٌ ولا هرم يقول: القتل يسبق إلى الروم كل حادثة، فيميتهم القتل قبل أن يصيبهم شيب ولا هرم، ولا شيء من حوادث الأيام. نفت رقاد عليٍّ عن محاجره ... نفسٌ يفرّح نفساً غيرها الحلم يقول: نفي عن عينه النوم نفسه النفيسة، وهمته العالية، وكل نفس غيرها تسر بالأحلام الكاذبة. القائم الملك الهادي الّذي ... شهدت قيامه وهداه العرب والعجم يقول: هو قائم بشرائط الملك ومدبر لأمر رعيته، وهاد إلى معالم الدين، وقد حضرت ذلك منه، وعلمته سائر العرب والعجم. ابن المعفّر في نجدٍ فوارسها ... بسيفه وله كوفان والحرم يقول: هو ابن الذي قتل فرسان نجد، وعفرهم بالتراب، وهو قد ملك الكوفة والحجاز واستولى عليهما وكوفان: هي الكوفة ونواحيها. والحرم: مكة والمدينة. وأراد بما ذكر محاربة أبي الهيجاء والد سيف الدولة للقرامطة أصحاب الأحساء والبحرين. وروى: وابن المعقر بالقاف وهو المقطع، من عقرت الدابة. لا تطلبنّ كريماً بعد رؤيته ... إنّ الكرام بأسخاهم يداً ختموا يخاطب نفسه أو صاحبه يقول: لا تطلب أحداً كريما بعد رؤيته فإن الكرام ختموا بأسخاهم، وهو سيف الدولة. ولا تبال بشعرٍ بعد شاعره ... قد أفسد القول حتّى أحمد الصّمم الهاء في شاعره لسيف الدولة، وأحمد الصمم أي وجد محموداً. يقول: لا تفكر في شعر بعد شاعر سيف الدولة، وعنى به نفسه، فإن الشعراء قد ختموا به كما ختم الكرام بسيف الدولة، وهو خاتم الكرام وأنا خاتم الشعراء، وقد أفسد الشعر حتى صار الصمم محموداً، لأن الإنسان إذا سمع شعر أهل هذا العصر، تمنى أن يكون أصم لا يسمع لفساده واختلاله. بذا آخر مدائحه في سيف الدولة، وما قاله فيه بحلب. ثم مدحه بمصر بهذه الدالية. فارقتكم فإذا ما كان عندكم ... قبل الفراق أذىً بعد الفراق يد يقول معرضاً بسيف الدولة: كانت منكم أحوال أكرهها، فأعدها قبل الفراق أذى، فكنت أتأذى، فلما فارقتكم صارت تلك الإساة والأذى نعمة إلي وإحساناً، من حيث إني إذا تذكرتها أزالت عني الشوق: وقيل: إن معناه، شكرتكم قبل أن أجرب غيركم، فعلمت أن ما ظننته أذىً كان نعمة. إذا تذكّرت ما بيني وبينكم ... أعان قلبي على الشّوق الّذي أجد يقول: كلما اشتد حزني على مفارقتكم، وغلب علي الاشتياق إليكم، تذكرت ما كنتم تعاملونني به من الإساءة، فأتسلى وتطيب نفسي لفراقكم، فيكون الأذى من هذه الجهة نعمة ويداً. وعلى الثاني: إذا تذكرت ما بيننا من الأحوال زادني الشوق والحزن على الفراق.

стр. 359

وتوفيت أخت سيف الدولة الكبرى، بميافارقين من ديار بكر لثلاث بقين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة، وورد الخبر إلى العراق فقال أبو الطيب يرثيها في شعبان. وأملاها لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة: يا أخت خير أخٍ، يا بنت خير أبٍ، ... كنايةً بهما عن أشرف النّسب كنيت الشيء وكنيت عنه: إذا تركت التصريح به، وعبرت بلفظ آخر يؤدي معناه. ونصب كناية على المصدر. المعنى: أراد أن يقول: يا أخت سيف الدولة، ويا بنت أبي الهيجاء، فكنى بذلك عن قوله: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب وأراد التصريح باسمها فعبر عنه بهذه العبارة، ثم قال: كناية بهما. يعني: إذا قلت ذلك علم أن نسبها أشرف النسب، والغرض انتسابها إليهما لا يخص الأب وحده، وجعل كونها أختاً له: نسباً لها وهذا تعظيم شأن سيف الدولة. أجلّ قدرك أن تسمى مؤبّنةً ... ومن يصفك فقد سمّاك للعرب روى: أن تسمي وأن تدني وهما متقاربان. يقال: أسميته بكذا وسميته به، وقد جمع بينهما في البيت. والتأبين: مدح الميت. ومؤبنة: نصب على الحال. يقول: أجل قدرك أن أذكر اسمك في مرثيتك، ولكني إذا وصفت ما فيك من المحاسن والمناقب، عرفتك العرب، لأن ذلك لا يوجد في غيرك. وقيل اراد: أني أصفك بقولي يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب، وهذه صفة يقع بها التمييز بينك وبين سائر النساء؛ لأن هذه الصفة ليست إلا لك خاصة. وإنما أعرض عن تسميتها؛ لأن تسمية النساء من قلة المروءة ما وجد إلى تعريفها - بغير التسمية - سبيلا، أو لأجل أن سيف الدولة ربما لحقته الغيرة إذا سمع التصريح باسمها، أو لأجل أنه أراد أن يعد محاسنها، والتعريف بالأوصاف المحمودة أجل من ذكر اللقب المحض الذي لا مدح تحته. ومثله لأبي نواس: فهي إذا سمّيت فقد وصفت ... فيجمع الاسم معنيين معا وأبو الطيب - رحمة الله - قلده. لا يملك الطّرب المحزون منطقه ... ودمعه وهما في قبضة الطّرب الطرب: خفة تصيب الإنسان من فرط الفرح، أو الجزع. والطرب: اسم فاعل منه. يقول: الرجل الذي غلب الحزن على قلبه لا يملك منطقه ودمعه؛ لأنهما في قبضة الطرب، فهو مغلوب لا فعل له في ذلك. غدرت يا موت كم أفنيت من عددٍ ... بمن أصبت وكم أسكتّ من لجب؟؟! اللجب: الصوت في الحرب. يقول: يا موت غدرت بهذه المتوفاة: بعد أن كنت تصل بها إلى إفناء الأعداء: الذين هم الكفار، وإلى إسكات لجبهم، لأنها تجهز الجيش، وتنفق في سبيل الله تعالى. وقيل: إن المعنى أنك أفنيت بإفنائها كثيراً من الناس، وأسكت أصواتهم، لأنهم ماتوا بموتها، لأن حياتهم كانت بها. وهذا مثل قول الآخر: ولكنّ الرّزيّة فقد حيٍّ ... يموت بموته بشرٌ كثير ومثله قول الآخر: فما كان قيسٌ هلكه هلك آدم ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما وكم صحبت أخاها في منازلةٍ ... وكم سألت فلم يبخل ولم تخب يقول: يا موت كم صحبت أخاها في الحروب؟! وكم سألته أن يمكنك من تناول الأبطال فلم يبخل؟! هو بما سألت، ولم تعد خائباً في سؤالك عنه، ثم غدرته ونقضت ما كان بينكما من المواصلة. طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب خبر: مرفوع بجاءني. وفي طوى ضمير على شريطة التفسير. وفي قول الكوفيين مرفوع بالفعل الأول وجاءني مسند إلى ضميره: أي حتى جاني هو. والجزيرة: مدينة معروفة على شط دجلة بين الموصل وميافارقين. يقول: جاءني خبر موتها من الشام وقطع الجزيرة حتى وصل إلي، فلما سمعته التجأت إلى التعلل بالآمال الكاذبة فقلت: لعله يكون كذباً، فلم ينفعني ذلك. حتّى إذا لم يدع لي صدقه أملاً ... شرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بي يقول: فلما تحققت صدقه، ولم يبق فيه موضع أمل بكيت جزعاً، حتى سار دمعي وجرى في حلقي وشرقت، ثم زاد وفاض، حتى غمرني، فصرت في وسطه كالجرعة من الماء في الحلق. تعثّرت به في الأفواه ألسنها ... والبرد في الطّرق والأقلام في الكتب حذف الياء من به ضرورة، واكتفى بالكسرة عنها. وروى: تعثرت بك فيكون عدولا عن الغائبة إلى مخاطبة الخبر، والهاء في به تعود إلى الخبر.

стр. 360

يقول: لعظم هذا الخبر تعثرت الألسن في الأفواه، فلم تقدر على أن تنطق به إذا أرادت الإخبار عنه، وكذلك البرد الذي تحملت هذا الخبر تعثرت في الطرق، وتعثرت الأقلام في الكتب، فلم تقدر أن تكتب هذا الخبر. كأنّ فعلةً لم تملأ مواكبها ... ديار بكرٍ ولم تخلع ولم تهب لما لم يصرح باسمها كنى عنه، وذكر وزنه من الفعل وكان اسمها خولة وديار بكر: ما بين الشام والعراق. يقول: إنها ملأت ديار بكر بجيوشها، ووهبت الأموال، وخلعت، ثم زال ذلك كله بموتها، فكأنها لم تفعل شيئاً من ذلك. ولم تردّ حياةً بعد توليةٍ ... ولم تغث داعياً بالويل والحربٍ يقو: كأنها لم ترد حياةً على رجل بعد ما ولت عنه حياته. يعني: رجلاً أشرف على الهلاك، فأزالت عنه هلاكه، فكأنها ردت إليه حياته، وكأنها لم تغث ملهوفاً يقول: يا ويلاه ويا حرباه! يعني: أنها كانت تفعل ذلك، فبطل ذلك بموتها. أرى العراق طويل اللّيل مذ نعيت ... فكيف ليل فتى الفتيان في حلب؟! يقول: لما أخبرت بموتها طال علي الليل وأنا بالعراق لما دخل علي من الأسف، فكيف حال أخيها وهو في حلب؟! يعني: إذا انت هذه حالي في طول الليل فليله أطول. يظنّ أنّ فؤادي غير ملتهبٍ ... وأنّ دمع جفوني غير منسكب أي: ايظن سيف الدولة أن فؤادي غير محترق بالحزن، وأن دمعي غير سائل على فقدها؟! بلى وحرمة من كانت مراعيةً ... لحرمة المجد والقصّاد والأدب يقول: ليس الأمر كما يظن أني لم أتأسف على فقدها، بل تأسفت على فقدها ثم حلف بحرمتها فقال: وحرمة هذه المرأة التي كانت مراعية لحرمة المجد وحقوق القصاد، وحق الأدب، أن فؤادي ملتهب ودمعي منسكب لعموم هذه المصيبة القريب والبعيد. ومن مضت غير موروثٍ خلائقها ... وإن مضت يدها موروثة النّشب النشب: المال ومن في موضع الخبر، عطفاً على قوله: من كانت. يقول: وحرمة من مضت، وخلائقها غير موروثة؛ لأنها لا توجد إلا فيها، وإن مضت هي موروثة المال، وأضاف النشب إلى اليد، لأن الكسب والتصرف في الغالب يقع بها. يعني إن لم تورث خلائقها فقد ورث مالها. وقد روى: مردودة النشب. يعني: أن سماحتها التي ورثتها عن آبائها ردت عليها حياتها، حسن الذكر كما قال: ردّت صنائعه إليه حياته وغير موروثة نصب على الحال. وهمّها في العلا والملك ناشئةٍ ... وهمّ أترابها في اللهو واللّعب الأتراب: جمع ترب وهو اللدة وأكثر ما يكون للمؤنث. يقول: كان همها اكتساب المعالي وهي ناشئة حديثة السن، وهم أمثالها ومن كانت في سنها: اللهو واللعب. يعني: وحرمة من كانت كذلك. يعلمن حين تحيّا حسن مبسمها ... وليس يعلم إلاّ الله بالشّنب المبسم: الثغر. والشنب: برد الريق، وقيل أراد بالشنب ها هنا: الكناية عن المال. والمعنى: أن أترابها يعلمن حسن مبسمها حين يجئنه؛ لأنها كانت تستعمل البشر إذا حييت، وذلك عنوان العطية، فهن يعرفن هذا القدر والله يعلم ما يتبع التبسم من المال، فكنى عن ذلك بالشنب حيث ذكر المبسم. وقيل: أراد بالشنب المعني الحقيقي. يعني: أنهن يعرفن حسن المبسم فقط، وأما طيب ريقها وبرده فلا يعلمه أحد إلا الله تعالى، ولا تعلمه النساء فضلا عن الرجال ومثله قول جميل: لا والذي تسجد الجباه له ... ما لي بما دون ثوبها خبر ولا بفينا ولا هممت به ... ما ان إلاّ الحديث والنّظر ومثله لبشار: يا أطيب النّاس ريقاً غير مختبرٍ ... لا شهادة أطراف المساويك ولغيره: يخبّرني المسواك عن طيب ثغرها ... وليس بها إلا السّؤال بذي خبر مسرّةٌ في قلوب الطّيب مفرقها ... وحسرةٌ في قلوب البيض واليلب اليلب: ترسة تعمل من جلود الإبل، وقيل جلود تضفر ويضم بعضها إلى بعض وتلبس على الرأس مثل البيضة، وقيل: تلبس إذا لم يكن لهم درع وقيل تحت الجواشن، وقيل تحت البيض. يقول: إن الطيب يسر بحصوله في مفرقها؛ لأنها كانت تستعمل الطيب، والبيض واليلب يتحسران عليها ويحسدان الطيب؛ لأنها لا تلبسهما لكونها امرأة. إذا رأى ورآها رأس لابسه ... رأى المقانع أعلى منه في الرّتب

стр. 361

التقدير والمعنى: إذا رأى البيض رأس من يلبس البيض، ورأى هذه المرأة، علم أن المقانع أعلى منزلة من البيض؛ لأنها على رأسها، وهي أشرف من الرجال الذين يلبسون البيض واليلب. فإن تكن خلقت أنثى فقد خلقت ... كريمةً غير أنثى العقل والحسب الحسب: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، وقيل: هو كرم الخلق. يقول: إنها وإن كانت أنثى، فعقلها وحسبها مثل الذكور وحسبهم. وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنىً ليس في العنب تغلب: قبيلة؛ فلهذا أنثها فوصفها بالغلباء وهي تأنيث الأغلب والعنصر: الأصل. يقول: هي وإن كانت من تغلب، ففيها من معاني الكمال وأنواع الخصال ما ليس في تغلب، كما أن الخمر وإن كانت من العنب، ففيها معان ليست فيه: من التفريح، والتصحيح للأبدان وطيب الرائحة، وغير ذلك. ومثله قوله في سيف الدولة: وإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال وكقوله في نفسه: وما أنا منهم في العيش فيهم ... ولكن معدن الذّهب الرّغام فليت طالعة الشّمسين غائبةٌ ... وليت غائبة الشّمسين لم تغب يقول: كانت كالشمس فليتها بقيت ولم تغب، وليت الشمس التي تطلع كل يوم غابت وفقدت. وليت عين الّتي آب النّهار بها ... فداء عين الّتي زالت ولم تؤب العين الأولى: قرص الشمس، والثانية: عين المرأة المرثية. وقيل: أراد بالعين نفس المرثية. يقول: ليت عين الشمس التي تعود كل يوم بعد غروبها فداء عين هذه المرأة، أو فداء نفسها التي زالت بالموت ولم ترجع. فما تقلّد بالياقوت مشبهها ... ولا تقلّد بالهنديّة القضب يقول: ليس لها شبيه في النساء اللاتي يتقلدن بالحلي، ولا في الرجال الذين يتقلدون بالسيوف. والقضيب: السيف اللطيف الدقيق. ولا ذكرت جميلاً من صنائعها ... إلاّ بكيت ولا ودٌّ بلا سبب يقول: ولم أذكر جميل صنائعها إلا بكيت، وليس ودي لها بلا سبب، بل أودها لإحسانها إلي، وكل أحد إذا ود غيره فإنما يوده بسبب. قد كان كلّ حجابٍ دون رؤيتها ... فما قنعت لها يا أرض بالحجب يقول: كانت محجوبة لا تصل إليها العيون، فلم ترض بهذه الحجب، حتى حجبتها بنفسك. ولا رأيت عيون الإنس تدركها ... فهل حسدت عليها أعين الشّهب؟! يقول مخاطباً للأرض: ما رأيت أحداً من الإنس يراها، فهل حسدت الكواكب على رؤيتها حتى حجبتها بنفسك عن إدراك الكواكب لها؟! وهل سمعت سلاماً لي ألمّ بها؟ ... فقد أطلت وما سلّمت من كثب يقول للأرض: أطلت ﵍، وأنا بعيد منها، فهل سمعت سلامي وصل إليها وهي في بطنك؟ وكيف تبلغ موتانا الّتي دفنت ... وقد يقصّر عن أحيائنا الغيب؟ الغيب: جمع غائب. يقول مستبعداً لوصول سلامه إليها: كيف يصل سلامي من المكان البعيد إلى من دفن في التراب؟ وهو يقصر عن الأحياء الغيب! فالميت أحرى ألا يصل إليه السلام. وقيل: أراد بالحي سيف الدولة. يا أحسن الصّبر زر أولى القلوب بها ... وقل لصاحبه: يا أنفع السّحب الهاء في بها للمرأة المرثية، وفي صاحبه تعود على: أولى القلوب. يقول: يا أحسن الصبر زر قلب سيف الدولة، فإنه أولى القلوب بأخته، وأقربهم منها، وقل لصاحب ذلك القلب: يا أنفع السحب؛ لأن عطاياه مهنئة، بلا من ولا كدر، كالسحاب بلا صاعقة. وأكرم النّاس لا مستثنياً أحداً ... من الكرام، سوى آبائك النّجب النجب: جمع نجيب، وهو الكريم. ومستثنياً: نصب على الحال. أي قل غير مستثن. يقول: وقل لصاحبه يا أكرم الناس كلهم، من غير أن تستثني أحداً من الكرام، سوى آبائه الكرام الذين هو ينسب إليهم. قد كان قاسمك الشّخصين دهرهما ... وعاش درّهما المفدىّ بالذّهب المعنى: يا أحسن الصبر زر أولى القلوب به وقل لصاحبه: قد كان قاسمك الدهر أختيك فأخذ لنفسه الصغرى وترك لك الكبرى، فكانت كالذهب فدى به الدر. شبه الصغيرة بالذهب، والكبيرة بالدر في النفاسة. وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنّا لنغفل والأيّام في الطّلب يقول: قد ترك لك الدهر الكبرى منهما، فعاد تاركها في طلب المتروكة. وهذا مثل قول الآخر:

стр. 362

وقاسمني دهري بنيّ بشطرهم ... فلمّا تقضّى شطره عاد في شطري وقوله: إنا لنغفل مثل معناه: إنا غافلون عن حوادث الدهر، وهو في طلبنا، حتى يأتينا فجأة، ومثله للنمر بن تولب: تدارك ما قبل الشّباب وبعده ... حوادث أيّام تمرّ وأغفل ما كان أقصر وقتاً كان بينهما ... كأنّه الوقت بين الورد والقرب تقرب الليلة، ترد الماء في صبيحتها. المعنى: إن الوقت بينهما كان قريباً حتى كأن الصغيرة ماتت عشية، والكبرى ماتت في صبيحة تلك العشية، وكأن ما بينهما قدر ما بين القرب والورد من الوقت. جزاك ربّك بالأحزان مغفرةً ... فحزن كلّ أخي حزنٍ أخو الغضب يقول: جزاك الله تعالى مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فهو نوع من الذنب. قال الله تعالى: " لكيلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " و: " لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ ما أصَابَكُمْ " والحزن: أخو الغضب؛ لأنهما من أصل واحد، وإنما يفترقان من جهة الرتبة: فالحزن: هو سخط فعل من هو فوقك، والغضب: سخط فعل من هو دونك؛ لأنه غضب لما نال منه الدهر. وأنتم نفرٌ تسخو نفوسكم ... بما يهبن ولا يسخون بالسّلب يقول بياناً لقوله: إن الحزن أخو الغضب: إن حزنك إنما هو غضب على الدهر وأنفة من أن الدهر قدر على غضبك على أختك، لأنك وقومك تسخون بالمال عند السؤال، ولا تعطون عند المقابلة والاستيلاء. حللتم من ملوك النّاس كلّهم ... محلّ سمر القنا من سائر القصب يقول فضلكم على سائر الملوك، فضل الرماح على ما سواها من القصب. فلا تنلك اللّيالي إنّ أيديها ... إذا ضربن كسرن النّبع بالغرب النبع: شجر صلب تتخذ منه القسي، ومنبته في رءوس الجبال، وما ينبت في سفح الجبال فهو: الشريان وما كان في الحضيض فهو: الشوحط وجميعها شجرتها واحدة واختلفت أسماؤها لاختلاف منابتها والغرب: شجر ضعيف يشبه شجر الخلاف. يقول: لا أصابتك حوادث الدهر، فإن أحداً لا يقدر على دفعها، فمتى شاءت الليالي قهرت القوى بالضعيف، والعزيز بالذليل، والأصيل بالدخيل، وضرب النبع والغرب مثلا. ولا يعنّ عدواً أنت قاهره ... فإنّهنّ يصدن الصّقر بالخرب الخرب: ذكر الحباري وجمعه خربان. يقول: لا أعانت الليالي عدواً لك مقهورا في يدك، ذليلا في جنبك؛ فإنها إن أعانته عليك قهرك، وإن كان أضعف منك شوكةً فإنها لو أرادت أن تصيد الصقر - مع قوته - بالخرب - مع ضعفه - لامكنها ذلك. وروى: ولا يعز عدو أي لا عز عدوك وروى: ولا يعز عدواً أي الليالي لا أعزت عدواً. وإنه سررن بمحبوبٍ، فجعن به ... وقد أتينك في الحالين بالعجب يقول: إن الليالي تجمع بين المسرة والمصيبة، وهما ضدان وهذا من العجب: وقيل: العجب أنها سرتك بحياة المرثية مسرةً عظيمة، وفجعتك بموتها فجيعة عظيمة. وقيل: إنها سرت من غير علة، وفجعت من غير علة. وربّما احتسب الإنسان غايتها ... وفاجأته بأمرٍ غير محتسب غايتها: أي غاية الليالي. يقول: ربما حسب الإنسان لنفسه غاية أحداث الليالي، وأن يعيش دهراً طويلا فتفاجئه الليالي بما لم يكن في حسابه. وما قضى أحدٌ منها لبانته ... ولا انتهى أربٌ إلاّ إلى أرب اللبانة: الحاجة وكذلك الأرب الإربة. وقيل الأرب: الغرض. يعني: أن الإنسان ما دام في الدنيا لا يقضي منها وطره، وإن عاش دهراً طويلا، لأن ورآء كل حاجة حاجة أخرى، وهو كقول الآخر: تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجةٌ ما بقي تخالف النّاس حتّى لا اتّفاق لهم ... إلا على شجبٍ، والخلف في الشّجب الشجب: الهلاك، وهو شجب وشاجب: أي هالك. يقول: إن الناس اختلفوا في كل شيء، حتى لا يوجد منهم اتفاق إلا في الموت، فإنهم اتفقوا على كونه ومع ذلك اختلفوا فيه. فقيل: تخلص نفس المرء سالمةً ... وقيل: تشرك جسم المرء في العطب هذا تفسير للخلاف في الموت. يعني: أن الناس مع اتفاقهم على أنه كائن، اختلفوا فيه أيضاً، فقال قوم: إن الجسم يموت والنفس تبقى حية، وهو قول الفلاسفة. وقال آخرون: تموت النفس مع الجسم، وهذا قول أهل الحق. والله أعلم بالحق. ومن تفكّر في الدّنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتّعب

стр. 363

يقول: من تفكر في أحوال الدنيا وتقلبها بأهلها، وفي حال نفسه فيها، وأراد الوقوف على حقيقة الأمر، أتعب فكره وانقطع عاجزاً لم يحصل له علم بأحوالها ولم يقف على حقيقة أمرها. وقال يمدح سيف الدولة، وقد أنفذ إلى أبي الطيب بعد مجيئه من مصر - وهو بالعراق - هدية مرةً بعد مرة، ومالاً، وذلك في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة: ما لنا كلّنا جوىٍ يا رسول؟! ... أنا أهوى وقلبك المتبول جو: أي حزين، والجوى: الحزن. والمتبول: المستهام في الهوى، كأنه أصيب بنبل، اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبه. يقول: يا رسول ما لكل واحد منا حزين بحب هذه الجارية؟ ولم أنا العاشق وقلبك المستهام المحزون! كلّما عاد من بعثت إليها ... غار منّي وخان فيما يقول يقول: كلما عاد رسولي من عندها وجدت فيه الحسد علي، والغيرة من مراسلتي ومواصلتي، وخان فيما يؤديه من المراسلة. أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها، وخانت قلوبهنّ العقول الكناية في قلوبهن للعقول وخان فعلها أيضاً، والتقدير: وخانت العقول قلوبهن، ونسب القلوب إلى العقول؛ لأنها محلها. يقول: إن عينيها أفسدت ما بيننا من الأمانات، فكل من ينظر إلى عينيها عشقها وغلبه الهوى على حفظ الأمانات فخان فيما يؤديه من الرسالات، وخانت العقول قلوب أصحابها، من حيث لم تصور للقلوب وجوب حفظ الأمانة وحسنت للقلوب الغدر والخيانة. تشتكي ما اشتكيت من ألم الشّو ... ق إليها والشّوق حيث النّحول يقول: تشتكي المحبوبة من الشوق مثلما اشتكيت، ثم عرض بتكذيبها في شكواها فقال: والشوق حيث النحول: أي لو كانت تشتاق كما زعمت لنحلت كما نحلت؛ لأن النحول لا يفارق الاشتياق، فلما لم تنحل دل ذلك على خلاف ما تدعيه. وإذا خامر الهوى قلب صبٍّ ... فعليه لكلّ عينٍ دليل يقول: إذا خالط الهوى قلب صب، ظهرت عليه أماراته، فكل عين رأته استدلت بهذه الأمارات على ما في قلبه من ألم الشوق. زوّدينا من حسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حالٌ تحول ما دام: أي ما ثبت. وتحول: أي تنتقل وتزول. يقول: متعينا بالنظر إلى حسن وجهك، ما دام الحسن معك، فإنه يزول ولا يدوم. وصلينا نصلك في هذه الدّن ... يا فإنّ المقام فيها قليل يقول: صلينا ما دمنا في الدنيا؛ فإنها دار زوال، والمقام فيها قليل، ففي قريب تزول. من رآها بعينها شاقه القطّا ... ن فيها كما تشوق الحمول القطان: المقيمون والحمول: الأحمال. يقول: من رأى الدنيا بعين الدنيا، كما هي عليه، تمنى المقام فيها، كما يتمنى العاشق المقام مع أحمال المعشوق. وقيل: معناه أن الناس في الدنيا على سفر، فمن نظر إلى الدنيا ووقف على حقيقتها علم أن المقيم فيها كالراحل عنها، فكما يجزع لفراق أصحاب الحمول ويشتاق للمحتملين، كذلك أيضاً يجزع للمقيمين، ويشتاق إليهم، فإنهم عن قريب راحلون ومثله: وفارقتهم والدّهر هام لفرقةٍ ... أواخره دار البلى وأوائله إن تريني أدمت بعد بياضٍ ... فحميدٌ من القناة الذّبول أدم يأدم: أي مال لونه إلى الأدمة. وهي حمرة تضرب إلى السواد. يقول: إن كانت الأسفار لوحت وجهي، فليس ذلك بعيب، وإن كان عيباً في سواي، بل هو وصف محمود؛ لدلالته على طلبي لمعالي الأمور، كما أن الذبول محمود في القناة، وإن كان مذموماً في غيرها. صحبتني على الفلاة فتاة ... عادة اللّون عندها التّبديل أراد بالفتاة الشمس؛ لأن الدهر لا يؤثر فيها، فكأنها كل يوم جديد. يقول: صحبتني في الفلاة الشمس التي عادتها أن تغير الألوان، فغيرت لوني وأورثتني الأدمة. يعني: أن الذي غير لوني طول الأسفار وملازمة القفار. سترتك الحجال عنها ولكن ... بك منها من اللّمي تقبيل اللمي: سمرة تعلو الشفة. يقول لمحبوبته: إن الشمس لم تغير لونك؛ لأن الحجال سترتك عنها وإن على شفتك سمرة تشبة لوني فكأن الشمس قبلت شفتك، فهذه السمرة فيها من تقبيل الشمس إياك. مثلها أنت لوّحتي وأسقم ... ت وزادت أبهاكما العطبول لوحت الشيء بالنار: إذا غيرته وسفعت وجهه والعطبول: الناعمة الجسم الطويلة العنق.

стр. 364

يقول: أنت مثل الشمس حسناً وإساءة، فهي لوحتني وأنت أسقمتني، وكلاكما دلت بالبهاء، وأبهاكما زادت في الإساءة والتأثير، وهي العطبول. يعني: كما زادت عليها في البهاء والنعومة، زادت في الإساءة إلي والتحول. نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ ... أطويلٌ طريقنا أم يطول؟ أدرى: أفعل التفضيل من دريت. يقول: نحن أعلم بطريقنا هل هو طويل على الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود، أو العوائق من رغبتي إلى غير المقصود، من الملوك ومن المرض وغير ذلك، وإن كنا نسأل عن الطريق ونستخبر الركبان عن المسافة بيني وبينه. وكثيرٌ من السّؤال اشتياقٌ ... وكثيرٌ من ردّه تعليل يقول: أنا أسأل عن حال الطريق مع علمي بها؛ اشتياقاً إلى المقصود، وكثير من السؤال يكون من فرط الاشتياق، لا عن جهل وطلب معرفة. وقوله: وكثير من رده تعليل: أي ربما رد في جواب السائل ما ليس بالجواب، وإنما هو تعليل وتطييب لنفس السائل، كقولك لمن سألك عن مكان: قد بلغته ولم يبق إلا يسير. والهاء في رده للسؤال: أي وكثير من رد جوابه، ثم حذف المضاف. لا أقمنا على مكانٍ وإن طا ... ب ولا يمكن المكان الرّحيل لا أقمنا جواب قسم محذوف: أي والله لا أقمنا على مكان وإن طاب ذلك المكان. وإن المكان لا يمكنه الرحيل معنا إلى سيف الدولة. يطمع سيف الدولة بالرجوع إليه. يقول: والله لا أقمت ببلد وإن طاب لي، إلا أن يرحل معي إليك، فكما أنه لا يمكنه الرحيل كذلك لا أقيم عليه، والواو للحال، كأنه قال: لا أقمنا على مكان غير متمكن من الرحيل معنا. وقيل: لا أقمنا: بمعنى الدعاء كقولك: لا يفضض الله فاك. كلّما رحبّت بنا الرّوض قلنا: ... حلبٌ قصدنا وأنت السّبيل يقول: كلما نزلنا روضة فرحبت بنا كي ننزل عليها، أي أظهرت لنا حسنها وخضرتها وطيب مكانها، فجعل ذلك بمنزلة البشر منها، والترحيب للمقام فنقول لها: حلب قصدنا، وأنت طريقنا إليها. وقيل: أراد رحب بنا أهل الأرض. فيك مرعى جيادنا والمطايا ... وإليها وجيفنا والذّميل الوجيف، والذميل: كلاهما سير سريع. يقول: وقلنا للروض: وأنت طريقنا ومرعى خيلنا وإبلنا، ومسيرنا إلى حلب، وأنث الروض؛ لأنها جماعة الروضة. والمسمّون بالأمير كثيرٌ ... والأمير الّذي بها المأمول يقول: الأمراء من حيث الاسم في الدنيا كثير، والأمير الذي بها: أي بحلب، هو الذي يرجى فضله ويؤمل نائله. الّذي زلت عنه شرقاً وغرباً ... ونداه مقابلي لا يزول يقول: الأمير المأمول الذي بعدت عنه، وسافرت شرقاً وغرباً، وعاؤه مقابل لي حيثما كنت فهو لا يفارقني. ومعي أينما سلكت كأنّي ... كلّ وجهٍ له بوجهي كفيل أي كل ناحية وجهة من الأرض. يقول: نداه معي أينما توجهت، حتى كأن كل مكان كفيل له بوجهي، حتى يوصلني إليه. وإذا العذل في النّدى زاد سمعاً ... ففداه العذول والمعذول يقول: إذا سمع العذل أحد في الجود، سمع عذله أو لم يسمعه، ففدى الله سيف الدولة كل عاذل، فإنه لا يصغي إلى عذل عاذل. وموالٍ تحييهم من يديه ... نعمٌ غيرهم بها مقتول وموال: عطف على قوله: ففداه العذول والمعذول: يعني جعل الله أصحابه وعبيده فداءً له، فإنهم إنما يعيشون بنعمه. وقوله: غيرهم بها مقتول: معناه أنه يهبهم المال والخيل، ويعطيهم الأسلحة فيقتلون بها أعداءهم. وقيل: معناه يقتل أعداءه فيغنم أموالهم، ويهبها أولياءه فيحييهم بها. فرسٌ سابق ورمحٌ طويلٌ ... ودلاصٌ زغفٌ وسيفٌ صقيل الدلاص: الدرع البراقة. والزغف: اللينة اللمس، وهذا بدل من قوله: نعم التي تقدم ذكرها وتفسيرها. كلّما صبّحت ديار عدوٍّ ... قال: تلك الغيوث، هذي السّيول يقول: كلما صبحت نعمه التي هي: الخيل والسلاح والموالي والأصحاب ديار عدو قال العدو: هذه السيول من تلك الغيوث، وأراد بالغيوث: سيف الدولة وبالسيول: مواليه وسلاحه. يعني: أنهم إنما قدروا على أعدائهم بسيف الدولة، كما أن السيف يكون من المطر. وقيل: الغيوث: هي عطايا سيف الدولة. والسيول: ما وهبه لأبي الطيب. والمعنى: أنه وهبني هذه الأشياء فمتى قصدت بهذه الأجناس ديار العدو قال العدو: تلك العطايا التي هي كالأمطار تتولد منها هذه السيول.

стр. 365

دهمته تطاير الزّرد المح ... كم عنه كما يطير النّسيل النسيل: الوبر الساقط عن البعير. والهاء في دهمته للعدو. يقول: دهمت العدو خيل سيف الدولة ومواليه فجأة، فكانت تضربه فتطاير حلق الدرع عنه، كما يسقط الوبر عن البعير، فلا تغنيه الدرع. تقنص الخيل خيله قنص الوح ... ش ويستأسر الخميس الرّعيل الرعيل: القطعة من الخيل المتقدمة. يقول: خيله تصطاد خيول الأعداء اصطياد الوحش، والرعيل من خيله، يأسر الجيش العظيم من عسكر الأعداء. وإذا الحرب أعرضت زعم الهو ... ل لعينيه أنّه تهويل الهول: الخوف العظيم، وكل أمر عظيم، والتهويل: ما لا حقيقة له. وأعرضت: أي قربت وظهرت. يقول: إذا عرضت لسيف الدولة الحرب لم يعبأ بهولها، بل يستحقرها، فكأن الهول يقول: ليس لي حقيقة، فلا تبالي بي؛ لأني تهويل ولست بهول. فإذا صحّ فالزّمان صحيحٌ ... وإذا اعتلّ فالزّمان عليل يقول: أحوال الزمان منوطة به، فاستقامة الزمان وصحته باستقامة أمره، وصحته وعلته، باعتلاله. وإذا غاب وجهه عن مكانٍ ... فيه من نثاه وجهٌ جميل النثاء: في الخير والشر والثناء: في الخير خاصة. يقول: إذا غاب وجهه عن مكان، ناب عنه ذكره الجميل فيه مناب وجهه. ليس إلاّك يا عليّ همامٌ ... سيفه دون عرضه مسلول الأولى أن يقول: إلا إياك لكن هذا جائز. يقول: ليس أحد من الملوك يذب عن عرضه بسيفه غيرك يا سيف الدولة. كيف لا يأمن العراق ومصرٌ ... وسراياك دونها والخيول؟! كيف لا يأمن من الملوك العراق ومصر؟! وأنت تذب عنهم بسراياك التي تبعثها إلى الروم، وقتالك لهم. لو تخرّمت عن طريق الأعادي ... ربط السّدر خيلهم والنّخيل السدر: رفع لأن فاعل ربط والنخيل معطوف عليه ومعناه أمسك السدر خيلهم إذا ربطت إليه وتخرمت بمعنى عدلت. يقول: لو عدلت عن طريق الأعادي الذين هم الروم وخليت طريقهم، لدخلوا العراق ومصر، ولربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وإنما خصهما لأنهما ليسا في ديار الروم. ودرى من أعزّه الدّفع عنه ... فيهما أنّه الحقير الذّليل فيهما أي في العراق ومصر. يقول: لو انحرفت عن طريق الروم، لعلم من صار عزيزاً بالعراق ومصر بدفعك عنه أنه الحقير الذليل، وأن عزه بمدافعتك عنه وهذا تعريض بالخليفة، وكافور. أنت طول الحياة للرّوم غاز ... فمتى الوعد أن يكون القفول؟ طول: نصب على الظرف. يقول: أنت طول عمرك تغزو الروم، فمتى ترجع إلى قوم آخرين أو متى تستريح من التعب؟! وسوى الرّوم خلف ظهرك رومٌ ... فعلى أيّ جانبيك تميل؟ يقول: سوى الروم روم أخر من البوادي والأعراب، فإنهم بمنزلة الروم، فعلى أيهما تميل، لأنك قد تمل من الحرب والقتال. وقيل: إنما عنى بذلك عضد الدولة يحرضه على المجيء إلى العراق ومقاتلته إذ كان بينهما عداوة. قعد النّاس كلّهم عن مساعي ... ك وقامت بها القنا والنّصول يقول: عجز الناس أن يسعوا مثل سعيك، فقامت بمساعيك الرماح والسيوف فهي تعينك على مساعيك. ما الّذي عنده تدار المنايا ... كالّذي عنده تدار الشّمول ما للنفي. يقول: ليس الملك الذي تدار عنده المنايا ويشتغل بالحروب والقتال، كالملك الذي تدار عنده الخمر ويشتغل باللهو واللعب والشرب، عن الاجتهاد في الحرب والقتال. لست أرضى بأن تكون جواداً ... وزماني بأن أراك بخيل يقول: لا أرضى بأن تبعث إلي الهدايا وأنا متأخر عنك، وزماني يبخل علي برؤيتك ويمنعني مشاهدتك. نغّص البعد عنك قرب العطايا ... مرتعى مخصبٌ وجسمي نحيل يقول: كدر بعدي عنك ما تبعثه إلي من العطايا، فمربعي خصيب بعطاياك وجسمي نحيل للوعة الشوق إلى لقياك. إن تبّوأت غير دنياي داراً ... وأتاني نيلٌ فأنت المنيل تبوأت: أي سكنت. يقول: عطاياك تصل إلي بكل مكان توجهت إليه فلو خرجت من الدنيا وسكنت داراً غيرها ثم وصل إلي البر والنيل لكنت أنت المعطي لذلك البر. من عبيدي ... إن عشت لي ألف كافو رٍ ولي من نداك ريفٌ ونيل

стр. 366

الريف: ما أحدق بسواد العراق وأشرف عليه من نجد، والريف أيضا رستاق مصر وقراها - وهو المراد ها هنا - وهو ما كان تحت النيل، وما كان فوقه الصعيد، والنيل: نهر مصر، وهو أيضاً نهر بالعراق جاء من الفرات، ويسقي سواد الكوفة. يقول: إن عشت لي أعطيتني من المال ما أشتري به من المماليك، وأسمي ألفاً منهم كافوراً، وحصل لي من جهتك ريف ونيل: أي تملك مصر كلها وتهب لي ما على النيل من ريفه. ما أبالي إذا اتّقتك المنايا ... من دهته حبولها والخبول الحبول: الدواهي والخبول: الفساد. يقول: إذا سلمت من المنايا فلا أبالي بمن أصابته المنايا، فإنك عوض عن كل هالك. وورد المستنفرون من الثغور على سيف الدولة، يذكرون إحاطة الدمستق وجيوش النصرانية بطرسوس واستسلام أهلها إن لم يغاثوا، أو يبادروا، وكان في بقية علة عرضت له، فبرز للوقت وسار، وكان الدمستق قد شحن الدرب الذي يلي الثغور والشام بالرجال، فلما اتصل بالدمستق خبره أفرج عن منازلة طرسوس، وولي على عقبه قافلاً إلى بلده ولم يظفر بشيء، وبلغ الخبر أبا الطيب وكتب إليه سيف الدولة كتاباً يستدعيه فأجابه في شوال. سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة. فهمت الكتاب أبرّ الكتب ... فسمعاً لأمر أمير العرب سمعاً: نصب على المصدر، وكذلك في البيت الذي يليه، وهو قوله: طوعاً وابتهاجاً وأبر الكتب: أي أصدقها. وقيل: أبلغ الكتب وأصدقها في البر بالمكتوب إليه. وطوعاً له وابتهاجاً به ... وإن قصّر الفعل عمّا وجب الابتهاج: الفرح، والهاء في به وله للكتاب، ويجوز أن يكون ضمير الأمير: أي سميع مطيع لأمرك، وإن كنت مقصراً عن واجب حقك. وقيل: معناه أنا مطيع لك، وإن كنت مقصراً في حقي. وما عاقني غير خوف الوشاة ... وإنّ الوشايات طرق الكذب ما عاقني: أي ما منعني. يقول: ما منعني من خدمتك وقصدي إليك إلا ما سعى بي إليك السعاة من السعايات، وأنواع الوشايات، فكانوا يغرونك بي وبالإساءة إلي، والوشايات طرق الكذب يعني إنهم إذا وشوا كذبوا، وزادوا، فالوشايات لا بد لها من الكذب والزيادة. وتكثير قومٍ وتقليلهم ... وتقريبهم بيننا والخبب التقريب؛ ضرب من سير الفرس، والخبب: السير السريع، وعنى بها ها هنا السعاية. يقول: إنما منعني من خدمتك قول الوشاة، وتكثيرهم قولهم مرة، وتقليلهم أخرى، وتقريبهم وتخببهم في الإفساد بيني وبينك. يعني: أنهم يستعملون كيدهم من كل وجه. وقد كان ينصرهم سمعه ... وينصرني قلبه والحسب يقول: إنه كان يسمع من الوشاة ما يقولون، وهذا ينصرهم، ولكن كان قلبه وكرمه معي، لأنه لم يصدقهم على قولهم، فهذا كان نصرة لي. وما قلت للبدر أنت الّلجين ... ولا قلت للشّمس أنت الذّهب يقول: لم أنقص من مدحك شيئاً، كما ينقص من البدر إذا شبه بالفضة، والشمس إذا شبهت بالذهب، حتى تغريهم بي وتغضب علي. فيقلق منه البعيد الأناة ... ويغضب منه البطيء الغضب يقول: ما قلت له ما يوجب نقصاً له حتى يقلق ويضطرب مع حلمه وأناته ومعنى قوله: البعيد الأناة هو تمام الحلم وغاية الرفق، كما يقال: بعيد الغور أي ما قلت شيئاً ينكره، حتى يغضب البطيء الغضب، وأراد بالبعيد الأناة والبطيء الغضب: سيف الدولة. وما لاقني بلدٌ بعدكم ... ولا اعتضت من ربّ نعماي رب ما لاقني: أي حبسني. يقال: دخلت المدينة فما لاقتني، أي: ما أعجبتني وما حبستني. ويقال: لاقني وألاقني، ومنه قولهم: لقت الدواة ولقتها بكسر اللام وضمها: إذا حركتها ليعلق بها المداد، ويقال للكرسفة الليقة. وقوله: من رب نعماي رب في موضع النصب، وكان من حقه أن يقول: رباً لأن المنصوب المنون إذا وقف عليه أبدل التنوين ألفاً، ولكنه أجراه مجرى المرفوع والمجرور في إسقاط التنوين في الوقف، ومثل هذا جائز في القافية، وخفف الباء أيضاً؛ لأن الحرف المشدد إذا وقع حرف الروى خفف. يقول: ما حبسني بلد منذ فارقتكم، ولا وجدت من جميع الملوك عوضاً عنكم. وخاطبه بخطاب الجمع: تعظيماً له وتفخيماً لقدره. ومن ركب الثّور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب غبب الثور وغبغبه: ما تدلى تحت حلقه.

стр. 367

يعني: لو اعتضت منه ملكاً غيره، كنت مثل: من ترك الفرس الجواد وركب الثور، ومثله قول خداش بن زهير: ولا أكون كمن ألقى رحالته ... على الحمار وخلّى صهوة الفرس وما قست كلّ ملوك البلاد ... فدع ذكر بعضٍ، بمن في حلب التقدير: ما قست كل ملوك البلاد بمن في حلب. المعنى: أنا لا أقيس به جميع الملوك، فكيف أقيس به بعضهم؟! ولو كنت سمّيتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب الخشب: جمع خشبة. يقول: كيف أقيس به غيره من الملوك؛ وهم إلى جنبه كالخشب من الحديد؟! ولو سميتهم باسم سيف الدولة، لكان هو سيفاً حديداً، وكانوا هم سيوف خشب. أفي الرّأي يشبه، أم في السّخا ... ء أم في الشّجاعة، أم في الأدب؟ يقول: في أي شيء من مناقبه يشبهونه في رأيه؟ أم في سخائه؟ أم في شجاعته؟ أم في أدبه! يعني: أنه أفضل منهم في هذه الأوصاف. مبارك الاسم، أغرّ اللّقب ... كريم الجرشّي، شريف النّسب الجرشي: النفس. يقول: هو مبارك الاسم، لأن اسمه علي والعلو محبوب مبارك. وقوله: أغر اللقب: أي مشهور اللقب، لأنه إذا قيل سيف الدولة عرف في الآفاق، وهو كريم النفس، شريف النسب؛ لأنه من العرب وآباؤه الأمراء. أخو الحرب، يخدم ممّا سبى ... قناه، ويخلع ممّا سلب يخدم: من قولك أخدمت الرجل، إذا أعطيته خادماً يخدمه. وفاعل سبي: قناه، وأسند الفعل إليه، لأنه يستعان به على السبي. يقول: هو أخو الحرب أي عارف بها، كما يعرف الأخ أخاه، أو يحبها كما يحب الأخ أخاه، أو ملازم لها ونشأ معها كما ينشأ الأخ مع أخيه، وهو يسبي الجواري والغلمان، ثم يهبها لأصحابه، ويخلع عليهم مما سلب من أعدائه. إذا حاز مالاً فقد حازه ... فتىً لا يسرّ بما لا يهب يقول: إذا حاز المال وجمعه واستفاده، فإنما يحوز للهبة، وهو الفتى الذي لا يسر بما لا يهب. وإنّي لأتبع تذكاره ... صلاة الإله وسقي السّحب يقول: إذا ذكره عقب ذكره بالصلاة والدعا بالسقيا، فيقول: صلى الله عليه وسقى دياره وربوعه. وأثني عليه بآلائه ... وأقرب منه نأى أو قرب يقول: إنما أشكر نعمه إذا ذكرته، وأمدحه بمآثره وأقرب منه بالمحبة والموالاة سواء كان قريبا مني أو بعيداً. وإن فارقتني أمطاره ... فأكثر غدرانها ما نصب الهاء في غدرانها للأمطار. يقول: إن بره وإن كان قد انقطع فبقيتها عندي لم تنفذ. أيا سيف ربّك لا خلقه ... ويا ذا المكارم لا ذا الشّطب يجوز: يا سيف ربه باختلاس كسرة الهاء، ويا سيف ربك. يقول: أنت سيف الله لا سيف الخلق، وأن تسمي: ذا المكارم أولى من أن تسمي: ذا الشطب. وهي الطرائق التي في السيف. وأبعد ذي همّةٍ همّةً ... وأعرف ذي رتبةٍ بالرّتب أراد: يا أبعد ذوي الهمم وأعرف ذوي الرتب، وأقام الواحد مقام الجماعة. وهمةً: نصب على التمييز. يقول: يا من همته أبعد من همة كل صاحب همة، ويا من هو أعلم بالرتب من كل من له رتبة ومنزلة. وأطعن من مسّ خطّيّةً ... وأضرب من بحسامٍ ضرب يقول: يا من هو أحذق الناس بالطعن والضرب. والمعنى: أنت أعرف الحاملين للرمح بالطعن، وأضرب الضاربين بالسيوف وأقام الواحد مقام الجمع. بذا اللّفظ ناداك أهل الثّغور ... فلبّيت والهام تحت القضب يقول: ناداك أهل الثغور بهذا اللفظ، وهو ما تقدم من قوله: يا سيف ربك وما بعده. حين أتى الدمستق على ثغورهم، فلبيتهم وأجبتهم وخلصتهم بعد ما صارت رءوسهم تحت سيوف الروم. وقد يئسوا من لذيذ الحياة ... فعينٌ تغور وقلبٌ يجب غارت العين: إذا دخلت في الرأس. ووجب القلب: إذا خفق. يقول: أعنتهم بعد أن انقطع رجاؤهم من الحياة وأشرفوا على الهلاك. وغرّ الدّمستق قول الوشا ... ة: إنّ عليّاً ثقيلٌ وصب الوصب: ناحل الجسم، وقيل: هو الذي يجد الألم. يقو: اغتر الدمستق بخبر علتك، وقدر أنك لا تقدر على نصرة أهل الثغور وصيانتهم وقد علمت خيله أنّه ... إذا همّ وهو عليلٌ ركب الهاء في خيله قيل للدمستق. والمعنى: أنها تعلم أن سيف الدولة مع علته، لو هم بالركوب لركب؛ لما شاهدت منه فيما مضى من الحروب.

стр. 368

وقيل: أراد به أن خيل سيف الدولة علمت ذلك. أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السّبيب قصار العسب السبيب: شعر العرف والذنب. والعسب: جمع العسيب، وهو العظم الذي ينبت عليه الذنب، ويستحب في الفرس طول شعر ذنبه، وقصر عسيبه. يقول: أتى الدمستق أهل الثغور بخيل، موضعها من الأرض أوسع من أرضهم، ونصب طوال وقصار على الحال. تغيب الشّواهق في جيشه ... وتبدو صغاراً إذا لم تغب يقول: كانت الجبال الشواهق تغيب في جيش الدمستق لكثرته، فإن ظهرت الجبال ولم تغب تبدو صغاراً. ولا تعبر الرّيح في جوّه ... إذا لم تخطّ القنا أو تثب الهاء في جوه للجيش وإذا لم تخط القنا هو من تخطيت القوم: إذا جاوزتهم، وهو فعل الريح، وتثب عطف عليه والقنا في موضع النصب، لأنه مفعول قوله: إذا لم تخط. يقول: لا تقدر الريح أن تنفذ في جو هذا الجيش إلا أن تخطت القنا وجاوزته، أو وثبت من فوقه، وإلا لم يمكنها أن تنفذ في جوه. فغرّق مدنهم بالجيوش ... وأخفت أصواتهم باللّجب يقول: إن الدمستق ملأ مدن الثغور بخيله، حتى غرقت في جيوشه، وأخفى أصوات أهل المدن بلجب جيوشه. فأخبث به طالباً قتلهم ... وأخبث به تاركاً ما طلب أي ما أخبثه في الحالين؟! يقول: ما أخبثه حين جاء يقاتل المسلمين، وما أخبثه حين هرب وانقاد للعار والضيم، فهو في كلا الحالين خبيث وطالبا وتاركاً نصب على الحال. نأيت فقاتلهم باللّقاء ... وجئت فقاتلهم بالهرب يقول: لما بعدت عن أهل الثغور، قصدهم الدمستق ولقيتهم، فلما جئت هرب وتركهم، فكان هذا قتاله. وكانوا له الفخر لمّا أتى ... وكنت له العذر لمّا ذهب وكانوا: أي أهل الثغور. يقول: كان أهل الثغور فخراً للدمستق لما أتى لأنه كاد يقهرهم ولما ذهب كنت له العذر، لأن مثله لا يقاومك. سبقت إليهم مناياهم ... ومنفعة الغوث قبل العطب الغوث: مصدر أغاثه إذ أنقذه. يقول: سبقت إليهم قبل وصول هلاكهم إليهم، فأغثتهم قبل أن يهلكوا. والغوث إنما ينفع قبل الهلاك، وأما بعده فلا فائدة فيه. فخرّوا لخالقهم سجّدا ... ولو لم تغث سجدوا للصّلب يقول: لما أغثت أهل الثغور سجدوا لله تعالى شكرا، وبقوا على الإسلام، ولو لم تنصرهم لألجأهم الكفار أن يسجدوا للصلب. وكم ذدت عنهم ردىً بالرّدى ... وكشّفت من كربٍ بالكرب يقول: كم مرة دفعت الهلاك عن أهل الإسلام؛ بإهلاك أعدائهم؟! وكشفت الغم عنهم بالغم الذي أوقعت فيه أعداءهم. وقد زعموا أنّه إن يعد ... يعد معه الملك المعتصب المعتصب: المتوج. يقول: إن الناس زعموا أن الدمستق إذا عاد إلى الثغور عاد معه ملكهم الأعظم، صاحب التاج. ومتى قيل: لم قال: يعد معه الملك المعتصب والعود إنما يكون بعد البدء، والملك لم يكن قصدهم قبل ذلك؟ قيل له: قد جاء العود في معنى الابتداء كما قال الله تعالى: " أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا ". وقيل: إن هذا الاعتراض غير متوجه؛ لأن قوله: يعد معه فعل الدمستق، ومعه الملك المعتصب في موضع نصب على الحال: أي يعد ومعه الملك وهذه الواو، تحذف إذا كان في الحال ضمير يرجع إلى صاحبها والملك على هذا يرفع بالابتداء، وعلى الوجه الأول يرتفع لفعله. وقلت: إن يعد في معنى الابتداء، وحسن ذكره ها هنا لتعلقه بالأول، فيكون قد أجرى عليه لفظاً يتعلق به، إذ لا شك أن العود الأول على حقيقته، فلما تعلق الثاني به أجرى مجراه، كقوله تعالى: " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا ". ويستنصران الّذي يعبدان ... وعندما أنّه قد صلب يقول: زعموا أن الدمستق والملك يرجعان ويطلبان النصرة ممن يعبدانه، وهو المسيح ﵇، وفي اعتقادهما أنه قد صلب، فكيف يقدر أن يدفع عنهم القتل، وهو لم يقدر على أن يدفعه عن نفسه! يتعجب من عقول النصارى وفساد اعتقادهم. ويدفع ما ناله عنهما ... فيا للرّجال لهذا العجب! اللام الأولى مفتوحة؛ لأنها لام الاستغاثة للمدعو، والثانية مكسورة؛ لأنها لام المتعجب منه المدعو إليه. والمعنى: أنه يتعجب من قول النصارى. أي كيف يدفع عنهما ما ناله من القتل في اعتقادهما! فلو قدر لدفع عن نفسه!

стр. 369

أرى المسلمين مع المشركي ... ن إمّا لعجزٍ وإمّا رهب كأنه كان قد انضم طائفة من المسلمين إلى الروم! فقال: أراهم معهم ولا أدري لأي علة؟! أعجزوا عن قتالهم؟ أو خافوا منهم! وقيل: المعنى أن المسلمين قد وافقوا النصارى وصدقوهم في زعمهم أن المسيح ينصرهم وذلك إما لعجز عنهم أو لخوف منهم. وأنت مع الله في جانبٍ ... قليل الرّقاد كثير التّعب يقول: أنت مع أمر الله وطاعته، قليل النوم، لحفظ الثغور كثير التعب، لإدامة الحرب. وقيل: إن المسلمين قد وافقوا النصارى على قولهم وأنت متوكل على الله، مستنصر به، غير مائل إلى قول النصارى في استنصار المسيح ﵇. كأنّك وحدك وحّدته ... ودان البريّة بابنٍ وأب يقو: أنت تفردت بتحمل المشاق في مجاهدة الكفار، حتى كأنك متفرد بالتوحيد، وسائر الناس اعتقدوا النصرانية. فليت سيوفك في حاسدٍ ... إذا ما ظهرت عليهم كئب يقول: ليت سيوفك بعد ظهورك على الأعداء، تقتل كل حاسد حزين والتقدير على هذا البيت: سيوفك إذا ما ظهرت على الأعداء في حاسد كئب. وقيل: معناه ليت سيوفك تقتل كل حاسد يحزن لظفرك بالأعداء. وليت شكاتك في جسمه ... وليتك تجزي ببغضٍ وحب يقول: ليت علتك هذه في جسم حاسدك، وليتك تجزي كل إنسان بحسب قدره في بغضه وحبه. يعني: لو فعلت ذلك لكنت أحسن حالا من سائر الناس، ولو جزيت الأعداء ببغضك لما أبقيت أحداً. فلو كنت تجزي به نلت من ... ك أضعف حظٍّ بأقوى سبب يقول: لو كنت تجزي كل أحد ببغض وحب، لنلت ما أتمناه من قتل من كادني على محبتي لك. وقال أيضا بمدح سيف الدولة: سيف الإله على أعلى مقلّدة ... وموضع العزّ منه فوق مقعده المصراع الثاني قيل: لم يتممه أبو الطيب! وقيل: بل تممه ولم يرو عنه إتمامه. وقيل إن تمامه قوله: وموضع العز منه فوق مقعده. وقيل: إن هذه اللفظة فوق مقعده لم يعترف بها المتنبي. وقيل: إنه قال: ألقيتها فلا تنسبوها إلي. والمعنى: سيف الله على أرفع رجل قلد السيف. وموضع الشرف من هذا السيف هو السماء، لا موضع الذي يرى أنه مقعداً، أو الموضع الذي قعده. ما اهتزّ منه على عضوٍ يسيّره ... إلاّ اتّقاه بترسٍ من مخلّده المخلد: موضع الخلد، وهو القرط. يقول ما تحرك السف على عضو عدو، يريد أن يرمي به إلا اتقاه ذلك الجسم بأكثر من مطلوبه، وهو أن يترس موضع القرط من موخر عنقه. ذمّ الإله إليه من محبّته ... ما ذمّ في بدرٍ من حمد حامده يقول: ذم الله تعالى إلى سيف الدولة من أحبابه، جزعهم وذلهم في هذه الحرب الذي صبر فيها سيف الدولة دونهم، مثل ما ذم ﷻ من حمده النبي ﷺ من بعض أصحابه وأحبته في يوم بدر، لما ذلوا وفزعوا بقوله تعالى: " وَلَقَدْ نَصَرَكُم الله بِبَدْرٍ ". شمسٌ، إذا الشّمس لاقته على فرسٍ ... تردّد النّور منها في تردّده يقول: هو كالشمس فإذا قابلته الشمس وهو على فرس رد شعاعها إلى نفسها كثرة جولان هذا الفارس. والمعنى: أنه إذا ركب بجيشه حجب بالغبار نور الشمس. لم يقبح الحسن إلاّ عند طلعته ... كالعبد يقبح إلاّ عند سيّده يقول: إن الحسن إذا رؤى بحضرته يفتضح بحسنه، ويقبح لكمال جماله كالعبد لا يقبح إلا عند سيده. وحذف لا من قوله: كالعبد يقبح قالت عن السّير طب نفساً فقلت لها ... لا يصدر العبد إلاّ بعد مورده أي قالت العاذلة أو المحبوبة أو غيرهما، ممن يشفق عليه: كفاك ما سرت من الدنيا فأقم، فقلت لها: إني ما سرت بعد إلى من هو المقصود، ولا وردت موردي، فكيف أصدر؟ لأن الصدر بعد الورود، يحسن ويكمل. نفسٌ تصغّر نفس الدّهر من كبرٍ ... لها نهى كهله في سنّ أمرده يقول: نفسه من كبرها وعظمها تصغر نفس الدهر، والضمير في الكهل يعود إلى النفس والضمير في الأمرد يعود إلى الدهر لم أعرف الجود إلا مذ عرفت فتىً ... لم يولد الجود إلاّ عند مولده يريد: منذ وقت مولده، فحذف للعلم به. والمعنى: أن الجود يدور معه، ولم يكن قبل مولده جود فلما ولد هو وجد الجود. وقال أيضاً فيه بديهاً: يا سيف دولة ذي الجلال ومن له ... خير الخلائق والعباد سميّ

стр. 370

إن عنى بذي الجلال، الله تعالى فهو في هذا الموضع قبيح، لأنه لا يقال: دولة الله تعالى. وإن عنى به الخليفة فهو أشنع، لأن هذا الوصف لا يطلق على غير الله تعالى. يقول: يا سيف الدولة من هو كذلك، يا سمي خير البرية وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. انظر إلى صفّين حين أتيتها ... فانصاع عنها الجحفل الغربيّ انصاع: تفرق. يقول: انكشف عنك العسكر من الغرب فانهزموا. فشبه المعركة بصفين. فكأنّه جيش ابن حربٍ رعته ... حتّى كأنّك يا عليّ، عليّ العسكر الغربي: جيش الإخشيد فهزمته حتى كأنك يا علي، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁. الجزء الرابع الكافوريات وهي المصريات قيل: إن السبب الذي أوجب خروج أبي الطيب إلى مصر، ومدحه كافوراً الأسود: أن سيف الدولة كان يتلون عليه، ولا يثبت معه على حال واحدة، ويصغي إلى قوم كانوا يغرونه به ويقعون فيه حسداً له، فكثر الأذى عليه من جهته فأجمع رأيه على الرحيل من حلب، فلم يجد بلداً أدنى إليه من دمشق لأن حمص من عمل سيف الدولة، فسار إليها حتى نزلها، وبها يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور، فالتمس منه المدح فثقل عليه، وغضب ابن ملك فكتب إلى كافور يخبره أن أبا الطيب عنده، وجعل كافور يكتب في إرسال أبي الطيب إليه، فكتب إليه ابن ملك أن أبا الطيب قال: ما أقصده فإنه عبد، وإذا دخلت مصر فإنما قصدي مولاه فأحفظته كتبه. ونبت دمشق بأبي الطيب، فسار منها إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلع عليه، وحمله على فرس جواد بمركب ثقيل، وقلده سيفاً محلى، وسأله المدح فاعتذر إليه بالأبيات الرائية وهي قوله: ترك مدحيك كالهجاء لنفسي وقد تقدم ذكرها قبل هذا، واتصل به أن كافوراً يقول: أترونه يبلغ إلى الرملة، ولا يبلغ إلينا؟! وأنه واجد عليه، ثم كتب كافور من مصر إلى أبي الطيب يستدعيه إلى حضرته، فلم يمكنه إلا المسير إليه، يظن أنه لا يسومه سوم غيره، من منعه من التصرف في نفسه. وكافور هذا عبد أسود خصى لابي مثقوب الشفة السفلى بطين، قبيح القدمين ثقيل اليدين، لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال بالصعيد، فقال: رأيت أمةً سوداء تأمر وتنهي. ولقد كان رسول الروم بمصر، فلما قعد في مركب راجعاً إلى بلد الروم والمسلمون ينظرون إليه قال لهم: ما أعرف أمةً أخس منكم! أعوزكم أبيض تملكونه أنفسكم! وسار، وولي كافور هذا أمر بني طغج عليهم، وملك ما كان في أيديهم، واستملك العبيد، وأفسدهم على ساداتهم. وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر، يعرفون ببني عياش، يحمل لهم الحوائج من الأسواق على رأسه، ويخدم الطباخ. مشتراه ثمانية عشر ديناراً وكان ابن عياش يربط في عنقه حبلا إذا أراد النوم، فإذا طلب منه حاجته جذبه لسقوطه! فإنه لم يكن ينتبه بالصياح فدخل إلى دار ابن طغج والناس يمدون أيديهم إلى رأسه! ويصفونه بصلابة القفا، فكان الغلمان كلما صفعوه ضحك! فقالوا: هذا الأسود خفيف الروم؛ وكلموا صاحبه في بيعه، فوهبه لهم، فأقاموه على الوضوء والخلاء، ورأى مخاريق ابن طغج وكثرة كذبه، وما يتم لربه، فتعلم ذلك حتى ما يصدق في حرف، وأخذ عنه وزاد عليه، حتى وضع الكذب في غير مواضعه فاشتهر به. ومات ابن طغج بدمشق وولده صغير، والأسود يخدمه، فأخذ البيعة على الناس عند موته، والناس يظنون أنه قد أمره بأخذها، وسار غلمانه في الوقت إلى مصر، فاقتسموا الضياع، وكانوا ضعفاء فقراء، فاشتغلوا بما في أيديهم لا يصدقون أنه يبقى لهم. وتفرد الأسود بخدمة الصبي ومالت إليه والدته! وهي أمة؛ لأنه عبد، وتمكن من الصبى والمرأة حتى قرب من شاء وأبعد من شاء، ونظر الناس إلى هذا مع صغر هممهم وخفة أنفسهم، فتسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى بعضهم ببعض عنده، حتى أن الرجل لا يأمن مملوكه ولا ولده على سره! وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده، ولا تنبسط يد سيده عليه، ولا يستبعد أن يصل إلى أضعاف ما وصل إليه الخصى، حتى ملك الأمر على الصبي، وصار كل من معه عيناً عليه للأسود، فلا يقدر أحد أن يكلمه ويسلم عليه!

стр. 371

وإذا رآه بعض غلمان أبيه أو غيرهم أسرع هاربا لئلا يقال: إنه كلمه! فمن كلمة أتلفه الأسود، فلما كبر الصبي وتبين ما هو فيه، وجعل يبوح بما في نفسه في بعض الأوقات على الشراب، وكل من معه عين عليه، فقدم الأسود فسقاه سماً فقتله، وخلت له مصر وهان عليه أخوه الأصغر وغيره. فلما ورد كتاب الأسود على أبي الطيب بالرملة، لم يمكنه إلا المسير إليه، وظن أنه لا يسومه سوم غيره. من أخذ ماله، وإضعاف حاله، ومنعه من التصرف في نفسه. وهذه فعال الأسود بكل حر له محل، يحتال عليه بالمكاتبة والمواعيد الكاذبة، حتى يصير إليه، فإذا حصل عنده أخذ عبيده وخيله وأضعفه عن الحركة، ومنعه منها، وبقي مطرحا يشكو إليه ويبكي بين يديه ولا يعينه على المقام، ولا يأذن له في الرحيل، وإن رحل عن غير إذنه غرقه في النيل، ولا يصفو قلبه إلا لعبد، كأنه يطلب الأحرار بحقد. فلما قدم عليه أبو الطيب اخلى له داراً ووكل به، وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه، وخلع عليه، وحمل إليه آلافاً من الدراهم وغيرها. فقال أبو الطيب يمدحه لما وفد عليه في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاث مئة ويعرض بسيف الدولة كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا الباء في بك زائدة، والتقدير: كفاك داءً، وليست هذه الباء مثلها في قوله تعالى: " وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدا " " وكَفَى بنَا حَاسِبين " لأن، ها هنا زيدت الباء على المفعول، وفي الآية زيدت على الفاعل، والفاعل في البيت قوله: أن ترى وداءً نصب على التمييز. والأماني أصلها التثقيل، والتخفيف جائز. يقول: كفاك من الداء وأذية الزمان، ما تستشفى منه بالموت! وما تتمنى معه الموت! إذ الموت غاية الشدائد، فإذا تمناه المرء فقد تمنى كل شدة. تمنّيتها لمّا تمنّيت أن ترى ... صديقاً فأعيا، أو عدوّاً مداجيا يقول: تمنيت الموت، لما تمنيت أن ترى صديقاً مخلصاً في صداقته، أو عدوا مساتراً للعداوة فأعيا عليك وجود ذلك، فلما لم تجد إلا صديقاً غير مخلص وجدت عدوا مظهراً للعداوة، تمنيت الموت. إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍ ... فلا تستعدّنّ الحسام اليمانيا استعد وأعد بمعنىً. يقول: إذا رضيت بالذل، وصبرت على الضيم، فلا معنى لاستعداد السيف، لأن السيف يراد لدفع الضيم. ومثله لأبي العتاهية: فصغ ما كنت حلّي ... ت به سيفك خلخالا فما تصنع بالسي ... ف إذا لم تك قتّالا؟ ومثله لعبد الرحمن بن دارة: فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغايا للخلوق وللكحل وبيعوا الرّدينيّات بالخمر واقعدوا ... على الذّل وابتاعو المغازل بالنّبل ولا تستطيلنّ الرّماح لغارةٍ ... ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا لا تستطيلن: أي لا تطلب طولها، وكذلك لا تستجيدن: أي لا تطلب جودها. يقول: إذا رضيت بالذل فلا تطلب الرمح الطويل، والخيل الجياد، فإنك لا تحتاج إليها بعد أن رضيت بالذل واحتمال الضيم. فما ينفع الأسد الحياء من الطّوى ... ولا تتّقي حتّى تكون ضواريا يقول: إن الحياء لا ينفع الأسد من الجوع ولا يشبعه، ولا يخشى منه إلا إذا كان ضارياً جريئاً. يعني: أن الإنسان إنما يبلغ مراده إذا اطرح قناع الحياء عن وجهه، واتكل على إقدامه. حببتك قلبي قبل حبّك من نأى ... وقد كان غدّاراً فكن لي وافيا حببته وأحببته: لغتان: وقلبيك منادى، أي يا قلبي، ومن في موضع نصب بالمصدر الذي هو حبك. يقول: يا قلبي أحببتك قبل أن تحب الحبيب الذي نأى عنك وغدر بك، فأنكرت غدره فلا تصنع معي من الغدر مثل ما صنع بك حبيبك، فتكون قد فعلت ما كرهته من غيرك. وجعل حنين قلبه إلى الحبيب غدراً منه، لأنه يؤلمه ويؤدي إلى تلفه، فتقع المفارقة بينه وبين قلبه! وهي التي ذاقها من حبيبه. وهذا تعريض منه بسيف الدولة. وأعلم أنّ البين يشكيك بعده ... فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا يقول: يا قلبي، أعلم أن البين يحوجك إلى الشكوى، ويؤثر فيك، وإن فعلت ذلك تبرأت منك، ونفيت أن تكون قلبي، لأنك غدرت بي. فإنّ دموع العين غدرٌ بربّها ... إذا كنّ إثر الغادرين جواريا روى: غدراً فيكون مصدراً في معنى غادر فلا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، وروى غدر وهو جمع غدور.

стр. 372

يقول: إن بكاءك على من غدر بك وفارقك غدر منك بي، وهذا إشارة إلى شكاية سيف الدولة. إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً والمال باقيا شبه لا بليس في نصب الخبر؛ فلهذا نصب مكسوباً وباقياً. يقول: إذا لم يكون الجود خالصاً من الأذى، وما يكدره من المن والتكدير، فلم يكسب فاعله حمداً، وذهب ماله هدراً. وهذا تعريض بسيف الدولة. وللنّفس أخلاقٌ تدلّ على الفتى ... أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا يقول: لكل إنسان أخلاق يستدل بها على ما يأتيه من الجود، هل هو طبيعي أو تكلفي؟ فيعرف حاله. أقلّ اشتياقاً أيّها القلب ربّما ... رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا يجوز في أقل كسر اللام ونصبها. يقول لقلبه: قلل الاشتياق إلى من لا يشتاق إليك، فإنك تخلص المودة لمن لا يجازيك على ذلك، ولا يودك مثل ما توده، وهذه الأبيات تعريض بسيف الدولة، وتطييب لنفسه على فراقه. خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصّبى ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا يقول جبلت على الإلف، حتى إنني لشدة إلفي، لو فارقت الشيب الذي هو مكروه عند كل أحد ورجعت إلى أيام الصبى؛ لبكيت جزعاً على الشيب، من فراق المألوف، فلهذا أحن إلى سيف الدولة وإن كان يقصدني بالأذى. ولكنّ بالفسطاط بحراً أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا الفسطاط: مدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص ﵁، فأما مصر القديمة فهي في الجانب الآخر من النيل، وليس بها اليوم إلا دور قليلة. المعنى: أني فارقت سيف الدولة مع إلفي له وأسفي على فراقه؛ لأزور كافوراً الذي هو كالبحر: في الجود وسعة الصدر وبعد الغور. وقوله: أزرته حياتي أي زرته بها. وجرداً مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافاً يتّبعن العواليا وجرداً عطف على ما تقدم: أي قصدنا بخيل جرد ونصبنا رماحنا بين آذانها فكانت الخيل تتبعها في السير. تماشى بأيدٍ كلّما وافت الصّفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا تماشى: أي تتماشى. يقول: هذه الخيل الجرد كانت تمشى بعضها إلى بعض، فإذا وطئت الصفا بأيديها وهي حواف أثرت فيه آثار نقش صدر الباز. وروى: صدر البزاة وهي جمع صدار. وروى: صدر البزاة ويراد به الصدور. وتنظر من سودٍ صوادق في الدّجى ... يرين بعيدات الشّخوص كما هيا يقول: تنظر هذه الخيل من عيون سود، ترى هذه العيون - من حدة النظر - الشخص البعيد على هيئته وحاله، ولا يتغير عليها فيصغر أو يعظم، بل تراه على حقيقته. وقوله: يرين: يجوز أن يكون فعل سود ويجوز أن يكون: فعل الخيل. ؟ وتنصب للجرس الخفيّ سوامعاً يخلن مناجاة الضّمير تناديا الجرس: الصوت. يقول: هذه الخيل حديدة السمع، فإذا أحست حساً خفيفاً وصوتاً خفياً، نصبت أذانها، فهي لحدة أذانها تحسب الصوت الخفي، أنه كلام ظاهر وصوت عال. تجاذب فرسان الصّباح أعنّةً ... كأنّ على الأعناق منها أفاعيا إنما قال: فرسان الصباح، لأن الغارات أكثر ما تكون في وقت السحر، وشبه الأعنة للينها ودقتها بالأفاعي. يقول: إن الخيل لا تترك الأعنة تستقر في أيدي فرسانها، لما فيها من المرح والنشاط، فكأن الأعنة أفاع على أعناقها فهي تجاذبها الفوارس. بعزمٍ يسير الجسم في السّرج راكباً ... به ويسير القلب في الجسم ماشيا الباء: متعلق بقوله: أزرته يعني: زرته بعزم. يقول: قصدته بعزم قوى، وجسمي يسير وأنا راكب، وقلبي يسبقني إلى المنازل؛ لقوة العزم وفرط الاشتياق إلى حضرته، وكنت كلما نزلت منزلاً، كانت همتي المنزل الآخر، لأقطعه. قواصد كافورٍ توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا قواصد: نصب على الحال. والعامل: أزرته أو تجاذب أو تماشى ويجوز الرفع: أي هي قواصد. يقول: قصدت هذه الخيل كافوراً، وتركت من سواه من الملوك؛ لأنه أفضل منهم، وغيره من الملوك بالإضافة إليه كالجدول من البحر. فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضاً خلفها ومآقيا

стр. 373

يقول: جاءت بنا هذه الخيل إلى من هو إنسان عين زمانه، أي كما أن أشرف ما في العيون سوادها، كذلك كافور أشرف الملوك، وهو ناظر الزمان، ومن سواه مثل البياض والمآقي؛ فلهذا قصدناه وتركنا غيره فانتظم معنيين: حسن التشبيه، لأنه شبه السواد بالسواد، والثاني التفضيل. نجوز عليها المحسنين إلى الّذي ... نرى عندهم إحسانه والأياديا عليها: أي على الخيل. يقول: نتجاوز على هذه الخيل عند سيرنا عليها، المحسنين من الناس الذين يرغبون في المقام عندهم، إلى من كانت أياديه ونعمه عندهم، لأنا رأيناهم من قبل. كأنه يذكر عبوره بابن طغج، وأنه رغب في فتركته وقصدت كافوراً. فتىً ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلاّ نرجّي التّلاقيا يقول: ما تنقلنا في ظهور أجدادنا السالفة، إلى زمان هذا الممدوح؛ إلا لنصادف زمانه ونسعد بأيامه. وقيل: أراد بالجدود. جمع الجد، الذي هو الحظ. ترفّع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلاّ عذاريا العون: جمع عوان، وهو فوق البكر، ودون القارض المسنة. والعذارى: جمع عذراء. يقول: يرفع نفسه عن أن يقتدى بغيره في المكارم، فلا يأتي من المكارم إلا ما لا يسبقه أحد فيه. قال ابن جني: وهذا مما ينقلب هجاءً فكأنه قال: ترفع عن المكارم هزءاً. ثم قال: فما يفعل من المخازي إلا ما لا يسبق إليه؛ لعظمه. يبيد عداوات البغاة بلطفه ... فإن لم تبد منهم أباد الأعاديا يقول: يتلطف في أمر الأعداء وإزالة الأحقاد من قلوبهم بإحسانه، فإن لم ينفع فيهم الرفق أهلكهم وأفناهم. أبا المسك ذا الوجد الّذي كنت تائقاً ... إليه وذا الوقت الّذي كنت راجيا يقول: كنت مشتاقاً إلى وجهك، راجياً لهذا الوقت، فقصدتك، فافعل أنت ما يليق بك. وهذا بالهزء أولى، مع قبح كافور وسواد وجهه. لقيت المروري والشّناخيب دونه ... وجبت هجيراً يترك الماء صاديا المروري: الفلوات، واحدها مروراة والشناخيب: جمع شنخوب، وشنخاب، وهي القطعة العالية من الجبل. والهجير: شدة الحر. والصادي: العطشان. والهاء في دونه للوجه. يقول: لقيت الفلوات وشواهق الجبال، وقاسيت الحر الشديد والعطش المهلك، الذي يترك الماء عطشاناً مع أنه يكسر العطش، فكيف حال غيره؟؟! أبا كلّ طيبٍ لا أبا المسك وحده ... وكلّ سحابٍ لا أخصّ الغواديا كان كافور مكنيا بأبي المسك. يقول: لست أنت أبا المسك وحده، بل أنت أبو كل طيب، إذ الطيب كله مجموع فيك، وكذلك أنت أبو كل سحاب، ولست بالسحاب التي تأتي كل غداة، بل كل السحاب. يدلّ بمعنى واحدٍ كلّ فاخرٍ ... وقد جع الرّحمن فيك المعانيا يدل: من الدلال. يقول: كل شريف إنما يفتخر بمعنى واحد من الفضل، وأنت جمعت كل معاني الفخر. وهذا أيضاً مما ينقلب هجاء فكأنه يقول: جمع الله فيك كل المقابح. وعن ابن جني قال: لما وصلت إلى هذا البيت ضحكت فضحك أيضاً، وعرف غرضي. وهو أنه قصد به الهجاء. إذا كسب النّاس المعالي بالنّدى ... فإنّك تعطي في نداك المعاليا يقول: إذا بذل الناس الأموال؛ ليكتسبوا المعالي، وهبت أنت - في جملة هباتك - المعالي لقصادك. يعني: أن من يقصدك يتشرف بهباتك، حتى يبني بها المعالي، أو تهب من يقصدك الولايات العظيمة، والدرجات المنيفة. يعرض له بأن يوليه ناحيةً. وغير كثير أن يزورك راجلٌ ... فيرجع ملكاً للعراقين واليا العراقين: الكوفة والبصرة. يقول: لا يستكثر منك أن تهب العراقين لرجل قصدك راجلاً فيعود والياً!. فقد تهب الجيش الّذي جاء غازياً ... لسائلك الفرد الّذي جاء عافيا يقول: إذا قفل جيشك من الغزو، وهبته لسائل واحد. وقيل: أراد إذا غزاك جيش أخذته فوهبته لواحد من سؤالك، وطالبي نوالك. وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّبٍ ... يرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا يقول: رأيت جميع ما في الدنيا فانياً، فلهذا احتقرتها ورغبت في الذكر الجميل والثناء، ثم استثنى الممدوح بقوله: وحاشاك. وما كنت ممّن أدرك الملك بالمنى ... ولكن بأيامٍ أشبن النّواصيا

стр. 374

يقول: لم تدرك الملك بالتمني والاتفاق، وإنما أدركته بمقاساة الأمور العظيمة، ومعاناة الخطوب الشديدة، ومباشرة الحروب التي تشيب بهولها رءوس الأطفال. وأراد بالأيام: الحروب، والخطوب العظمة. عداك تراها في البلاد مساعياً ... وأنت تراها في السّماء مراقيا الهاء في تراها قيل: للمعالي وقيل: للأيام. يقول: أنت تعتقد في المعالي، أو الخطوب العظيمة، أضعاف ما يعتقده أعداؤك من الملوك، فهم يرونها مساعي في الأرض، وأنت تراها مراقي في السماء، فحرصك عليها أبلغ، ونيلك لها أمكن. لبست لها كدر العجاج كأنّما ... ترى غير صافٍ أن ترى الجوّ صافيا يقول: لبست للمعالي أو للأيام، لباس الغبار، وملازمة القتام، حتى كأنك إذا رأيت الجو صافياً من غبار الحروب، رأيت ذلك كراهةً، كما يكره غيرك الغبار، وصفاء الجو عندك، كدره بالغبار. ومثل هذا البيت في صفة السيف قوله: يلاقيك بسّاماً ووجهك عابسٌ ... فتلقاه عبّاساً وثغرك باسم وقدت إليها كلّ أجرد سابحٍ ... يؤدّيك غضباناً ويثنيك راضيا إليها: أي إلى الأيام، التي هي الحروب. والأجرد: القصير الشعر السابق: الذي يتقدم الخيل متجردا عنها. والسابح: الشديد الجريء. يقول: إنك تقود إلى الحروب كل فرس سابق، وهو يأتي بك إلى الحرب وأنت غضبان، ويرجع بك وأنت راض؛ لوصولك إلى مرادك من الأعداء. ومخترطٍ ماضٍ يطيعك آمراً ... ويعصي إذا استثنيت أو كنت ناهيا وهذا عطف على ما قبله بإضمار فعل: أي وقدت إليها كل أجرد سابح، واخترطت كل سيف مجرد. يقول: سيفك يطيعك إذا أمرته بالضرب، فإن أردت التوقف عن الضرب عصاك، لأنه قد قطع فلا يمكن رده. وأسمر ذي عشرين ترضاه وارداً ... ويرضاك في إيراده الخيل ساقيا أي: وحملت كل أسمر ذي عشرين ذراعاً. وهذا على طريق المبالغة؛ لأن ذلك لا يكون، وأكثر ما يكون الرمح ثلاثة عشر ذراعاً. والمحمود ما يكون أحد عشر ذراعاً. وقوله: ترضاه وارداً: أي إذا طعنت به رضيت نفاذه في الطعن، وهو أيضاً يرضاك إذا أوردته في نحور الخيل لتسقيه. يعني: هو يرضى منك جودة الطعن كما ترضى منه جودة النفاذ. كتائب ما انفكّت تجوس عمائراً ... من الأرض قد جاست إليها فيافيا تجوس: أي تدوس وتطأ. والعمائر: القبائل، الواحدة عمارة. يقول: إن كتائبه لا تزال تدوس قبائل من أعدائه، قد سرت إليها من بعد، وقطعت فيافي من الأرض. يعني: أنه يقصد الأعداء في ديارهم. وقيل: أراد بالعمائر الأرض العامرة؛ ليطابق الفيافي. والمعنى: أنها سلكت المفاوز والفلوات، حتى وصلت إلى ديار الأعداء فوطئتها وأغارت عليها. يصف بعض غزواته، وأنه يقصد أعداءه في الأماكن البعيدة. غزوت بها دور الملوك فباشرت ... سنابكها هاماتهم والمغانيا المغاني: المنازل. واحدها: مغنى. يقول: غزوت بخيلك دور الملوك فقتلتهم، ووطئت بحوافرها رءوسهم وديارهم. وأنت الّذي تغشى الأسنّة أوّلاً ... وتأنف أن تغشى الأسنّة ثانيا يقول: أنت تطرح نفسك على رماح أعدائك قبل أصحابك، وتأنف أن يتقدمك أحد في الحرب وروى: تلقى الأسنة في المصراعين. يعني: أنك تطاعن الخيل قدماً، وتأنف أن يتقدم عليك أحد. إذا الهند سوّت بين سيفي كريهةٍ ... فسيفك في كفٍّ تزيل التّساويا يقول: إذا عملت الهند سيفين متينين من حديد واحد، حتى لا فضل لأحدهما على الآخر، فإذا حصل أحدهما في يدك صار أمضى من الآخر، وزال التساوي بينهما. وسيف كريهة: أي قاطع، إذا أكره في الحديد والعظام مضى فيها. ومن قول سامٍ لو رآك لنسله: ... فدى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا سام: ابن نوح ﵉، أبو العرب والروم والفرس، وحام: أبو السودان والبربر والهند، ويافث: أبو الترك. ويجوز فدى بكسر الفاء وابن أخي بالجر على الإضافة ويجوز: بفتح الفاء على أن تجعل فدى فعلاً فتنصب ابن أخي على أنه مفعول به. والمعنى: أن ساماً لو رأى سياستك لقال لك: فداك نفسي ونسلي ومالي مدىً بلّغ الأستاذ أقصاه ربّه ... ونفسٌ له لم ترض إلاّ التّناهيا يقول: قد بلغ الله الأستاذ هذه المنزلة، وبلغته أيضاً نفسه التي لم ترض إلا بلوغ الغاية في المجد.

стр. 375

دعته فلبّاها إلى المجد والعلا ... وقد خالف النّاس النّفوس الدّواعيا يقول: دعته نفسه وهمته إلى طلب المجد والمعالي فأجابها، وغيره من الملوك قد خالفته النفوس الداعية. فأصبح فوق العالمين يرونه ... وإن كان يدنيه التّكرّم نائيا يقول: أصبح كافور، وقد علا الناس كلهم، فهم يرونه بعيد المراتب على المراقب، وإن كان يدنيه تواضعه من الناس. ودخل عليه بعد إنشاد هذه القصيدة فابتسم إليه الأسود، ونهض فلبس نعلاً فرأى أبو الطيب شقوقاً برجليه وقبحها فقال يهجوه: أريك الرّضا لو أخفت النّفس خافيا ... وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا يقول: أنا أظهر لك الرضا عنك، والسرور بقربك، ولكن ما في نفسي لا يخفى، فإني غير راض عنك، ولا عن نفسي. أميناً وإخلاقاً وغدراً وخسّةً ... وجبناً؟ أشخصاً لحت لي أم مخازيا؟! مينا، وإخلافاً، وغدراً، وخسةً، وجبناً نصب على المصدر. وشخصاً نصب على الحال وكذلك مخازيا. يقول: جمعت هذه المثالب، فإذا رأيتك لم أدر أنك إنسان، أم أنت مخاز؟! تظنّ ابتساماتي رجاءً وغبطةً ... وما أنا إلاّ ضاحكٌ من رجائيا يقول: إذا رأيتني ضاحكاً حسبت أني مسرور بقربك، راج لفضلك، وليس كذلك، بل ذاك سخرية بنفسي، أضحك منها، كيف رجت منالك مع لؤمك وخستك؟! وتعجبني رجلاك في النّعل، إنّني ... رأيتك ذا نعلٍ إذا كنت حافيا يقول: إذا رأيت رجليك في النعل تعجبت من لبسك النعل؛ لأني رأيتك ذا نعل، وإن كنت حافيا؛ لغلظ رجليك. وقيل: المعنى إذا رأيتك وأنت لابس النعل تعجبت، وذكرت أيام كنت تمشي حافيا، ورجلاك كأنهما في النعل! وأنّك لا تدري ألونك أسودٌ ... من الجهل أم قد صار أبيض صافيا؟! يقول: من جهلك لا تعرف حقيقة لونك، وأنك أسود أم أبيض؟ ويذكرني تخييط كعبك شقّه ... ومشيك في ثوبٍ من الزّيت عاريا يقول: إذا رأيت شقوق كعبك، تذكرت شقها حين كنت عبداً، والسودان تكثر الشقوق بأرجلهم. وقوله: ومشيك في ثوب من الزيت عارياً: يعني: إني تذكرت أيام جئت من بلاد النوبة، وكنت تعرض على البيع وأنت عريان مطلى بالدهن، فكأنك لبست ثوب الزيت، وهذه عادة السودان إذا جلبوا أدهنوا بالزيت؛ ليصفو سوادهم. ونصب عاريا على الحال. وقيل: معناه إنك أسود تضرب إلى الصفرة. والمولدون من أهل العراق يسمون من كان غير مشبع السواد زيتياً. وقيل: معناه الوسخ الذي عليه من آثار دهن الزيت. ولولا فضول النّاس جئتك مادحاً ... بما كنت في سرّى به لك هاجيا يقول: إنك لا تعرف الهجو من المدح، فلولا أني أخاف من فضول الناس، لكنت أنشدك الهجو، وأريك أنه غاية المدح. فأصبحت مسروراً بما أنا منشدٌ ... وإن كان بالإنشاد هجوك غاليا يقول: كنت تسر بإنشادي هجوك! ظناً منك أنه مدح، وإن كان هجوك لا يتساوى بالإنشاد. فإن كنت لا خيراً أفدت فإنّني ... أفدت بلحظى مشفريك الملاهيا الملاهي: جمع ملهى، وهو كل ما يلهى به. ويجوز أن يكون مصدراً. ونصب مشفريك بلحظي أي أفدت الملاهي؛ بأن لحظت مشفريك. يقول: لم أستفد منك خيراً، ولم أصل منك إلى مال، فإني استفدت اللهو برؤية مشفريك. وأفدت: بمعنى استفدت ها هنا. ومثلك يؤتى من بلادٍ بعيدةٍ ... ليضحك ربّات الحداد البواكيا الحداد: الثياب السود. يقول: إن من رآك يضحك منك، حتى النساء اللابسات السواد في المصائب، إذا رأينك يضحكن منك، ويتسلين عن غمهن، وكل من عليه الحزن يقصدك من الأماكن البعيدة؛ ليلهو عن حزنه. وبنى كافور داراً بإزاء الجامع الأعلى على البركة، وتحول إليها وهنأه الناس بها، وطالب أبا الطيب بذكرها فقال: إنّما التّهنئات للأكفاء ... ولمن يدّنى من البعداء يدنى: يفتعل من الدنو. يقول: إنما تكون التهنئة بين الأكفاء، وأنا لست بكفء لك، وتكون لمن يكون بعيداً من الملوك ثم يدنوا منهم، وأنا لست بواحد من هذين، بل أنا عضو من أعضائك. على ما يبين فيما يليه. وأنا منك لا يهنّئ عضوٌ ... بالمسرّات سائر الأعضاء يقول: أنا عضو من اعضائك، وهل رأيت عضو إنسان يهنئ سائر أعضائه؟! فكما لا يهنئ الإنسان نفسه، كذلك لا يلزمني تهنئتك؛ لأني مشارك لك في الأحوال.

стр. 376

مستقلٌّ لك الدّيار ولو كا ... ن نجوماً آجرٌّ هذا البناء روى مستقل بفتح القاف. والديار رفع. وروى: مستقل لك الديار نصب. يقول: أنا أستقل لك الديار والأبنية، ولو كان آجرها من النجوم. ولو أنّ الّذي يخرّ من الأم ... واه فيها من فضّةٍ بيضاء يخر: أي يصوت، من الخرير. يقول: لو كان الذي يخر فيها من المياه من فضة بيضاء، لاستقللتها لك في جنب قدرك. أنت أعلى محلّةً أن تهنّا ... بمكانٍ في الأرض أو في السّماء أن تهنا: أصله أن تهنأ، فخفف الهمزة، فأبدلها ألفاً. يقول: انت أجل قدراً وأعلى محلاً من أن تهنأ بدار في الأرض أو في السماء، والمحل والمحلة واحدة. ولك النّاس والبلاد وما يس ... رح بين الغبراء والخضراء وما يسرح: أي ما يذهب من الدواب والوحش. يقول: أنت تملك البلاد ومن عليها وما عليها من الحيوانات. والغبرآء: الأرض. والخضراء: السماء. وبساتينك الجياد وما ... تحمل من سمهريّةٍ سمراء يقول: إنما بساتينك التي تتنزّه فيها، الجياد من الخيل، وثمارها الرماح، فأنت لا تتنزه إلا بهما، فكيف أهنئك بالدار والبساتين؟! إنّما يفخر الكريم أبو المس ... ك بما يبتنى من العلياء يقول هو: إنما يفتخر بما يبنى من المعالي وما يشيد من المكارم، لا بالقصور المبنية بالآجر، فإنها تنهدم عن قريب، والمعالي تبقى أبداً. وبأيّامه الّتي انسلخت عن ... هـ وما داره سوى الهيجاء يقول: إنما يفتخر بأيام حروبه وقائعه التي سبقت له فظهرت منه، ولا دار له سوى الحروب، ومعاركها. وبما أثّرت صوارمه البي ... ض له في جماجم الأعداء يقول: إنما يفتخر بتأثير سيوفه في رءوس الأعداء. وبمسكٍ يكنى به ليس بالمس ... ك ولكنّه أريج الثّناء أرج الطيب وأريجه: توهج ريحه. يقول: يفتخر بالمسك المكنى به، ثم قال: وليس المسك المكنى به هو المسك المعروف، وإنما هو مسك الثناء وحسن الذكر. لا بما تبتنى الحواضر في الرّي ... ف وما يطّبى قلوب النّساء الحواضر: جمع الحاضرة. ويطبى: أي يستميل. والريف: المدن والماء يقول: لا يفتخر بما يبنيه أهل الحضر، وسكان المدن، من الدور الحسنة ولا بالمسك لأن ذلك إنما يستميل قلوب النساء، بل لا يفتخر إلا بالمعالي وحسن الثناء والمجد. نزلت، إذ نزلتها، الدّار في أح ... سن منها من السّنا والسّناء السنا المقصور: الضوء، والسناء الممدود: الشرف والعلا. يقول: لما نزلت الدار تشرفت بك وتزينت بقربك، فكأن حسنها حيث نزلتها وتقديره: نزلت الدار في أحسن منها إذا نزلتها. حلّ في منبت الرّياحين منها ... منبت المكرمات والآلاء يقول: أنت منبت المكرمات والنعم، حللت من هذه الدار منبت الرياحين، فأنت منبت المكارم، وهي منبت الرياحين. تفضح الشّمس كلّما ذرّت الشّم ... س بشمسٍ منيرةٍ سوداء يقول: إذا طلعت الشمس تفضحها بشمس سوداء! وهذا في ظاهره مدح، وهو مضمر الهجو، إذ الشمس لا تكون سوداء. إنّ في ثوبك الّذي المجد فيه ... لضياءٍ يزرى بكلّ ضياء يقول: إن في ثوبك: أي في بدنك، الذي هو محل المجد ضياءً يقصر بكل ضياء. لما قال في البيت الذي قبله: شمس منيرة سوداء أورد هذا وما بعده ليزيل الإبهام. إنّما الجلد ملبسٌ، وابيضاض النّ ... فس خيرٌ من ابيضاض القباء يقول: سوادك لا يشينك، وإنما هو بمنزلة الثوب والقباء، وبياض النفس خير من بياض القباء، وليس الفخر بالبياض، وإنما هو بالأفعال. وهذا من قول عبد بني الحسحاس: إن كنت عبداً فنفسي حرّةٌ كرماً ... أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق ومثله كثير. كرمٌ في شجاعةٍ، وذكاءٌ ... في بهاءٍ، وقدرةٌ في وفاء أي جمعت هذه الخلائق الشريفة، فلا يشينك سواد لونك. من لبيض الملوك أن تبدل اللّو ... ن بلون الأستاذ والسّحناء السحناء: الهيئة. يقول: إن البيض يتمنون أن يستبدلو بألوانهم لونه، ويغيروا هيئتهم بهيئته، ولكن أين لهم ذلك؟؟! فتراها بنو الحروب بأعيا ... نٍ تراه بها غداة اللّقاء الهاء في تراها للملوك. والفعل: لبني الحروب. والهاء في تراه لكافور.

стр. 377

يقول: إن الملوك البيض يتمنون أن يستبدلوا ألوانهم بلونه، ليراهم الأبطال الذين هم أهل الحروب بالعيون التي رأوا بها كافوراً في الحرب. والأعيان: جمع عين في القلة. يا رجاء العيون في كلّ أرضٍ ... لم يكن غير أن أراك رجائي يقول: كل أحد يرجو أن يراك؛ لتفيض عليه إنعامك، ولم يكن لي رجاء في قصدي مصر سوى أن أراك وأتشرف بمدحك. ولقد أفنت المفاوز خيلي ... قبل أن نلتقي، وزادي ومائي يقول: قطعت المسافة البعيدة، والمفاوز الصعبة: لرؤيتك، حتى أفنت المفاوز خيلي وزادي ومائي. فارم بي ما أردت منّي فإنّي ... أسد القلب آدميّ الرّواء الرواء: المنظر. يقول: كلفني ما شئت من الأمور العظيمة، فإني وإن كنت في المنظر آدمياً فإن قلبي قلب الأسد. وفؤادي من الملوك وإن كا ... ن لساني يرى من الشعراء يقول: إني وإن كنت شاعراً، فإن لي همة عاليةً، ونفسا شريفة، وقلبي قلب الملوك. ولما أنشده أبو الطيب، حلف له كافور ليبلغنه جميع ما في نفسه، وإنه لأكذب ما يكون إذا حلف! فقال أبو الطيب وأنشده إياها في انسلاخ شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاث مئة: من الجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلابيب؟! الجآذر: جمع جوذر، وهو ولد البقرة الوحشية. والزي: اللباس والأعاريب: جمع الأعراب، والأعراب: جمع أعرابي. والحلي: جمع حلية. وهو بضم الحاء وكسرها. والجلابيب: جمع جلباب، وهي الملاحف والملابس. وقال أبو عبيدة: الجلابيب هي الخمر، والملاحف. وقد روى: برفع الراء ونصبها، فالرفع على الاستئناف أي: هن حمر الحلي. والنصب على الحال. جعل كونهن جآذر حقيقة، وكونهن أعاريب مجازاً وتشبيها، وهذا على عادته في قلب التشبيه. يقول: من هذه الجآذر التي في زي الأعراب؟! جعلهن جآذر؛ لسواد عينهن. وهن حمر الحلي؛ لأنها من الياقوت، وملابسهن حمر لأنهن غنيات شواب، يلبسن المعصفرات وثياب الملوك، ومطاياهن حمر؛ لأنها كرام الإبل عندهم، وهي من مراكب الملوك. إن كنت تسأل شكّاً في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب؟! أنكر على نفسه في هذا، السؤال! وقال: إن كنت تسأل عن هؤلاء النساء من حيث أنك شككت فيهن، حيث أشبهن الجآذر، فلا ينبغي لك أن تشك في معرفتهن، لأنهن اللاتي سهدن عينيك، وعذبن قلبك، ومن في قوله: فمن بلاك على هذا تكون خبراً، ويجوز أن تكون استفهاماً على معنى الإنكار. والمعنى: إن لم تعرفهن فمن الذي بلاك بتسهيد وتعذيب؟! لا تجزني بضنىً بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوب الضنى: الألم، ولا تجزني: جزم، والهاء في بعدها قيل: ضمير البقر، أي: بعد فراقهن، وقيل: هو ضمير الحالة أو المرأة. أي: بعد هذه المرأة أو الحالة. وتقديره: لا تجزني بضني بي ضني نساءٍ يجزينني بالبكاء بكاء. على سبيل الدعا لهن: أي لا مرضن كما مرضت. والمعنى: أنه دعاء لهن بألا يضنين بفراقه، كما ضنى بفراقهن. وقوله: تجزي دموعي صفة البقر. يعني: هذه البقرة التي جازتني بالبكاء، فجرت دموعهن لفراقي، كما جرى دمعي. وقيل: معناه قد أضناني حب هؤلاء، حتى تغيرت محاسني، وقرب شيبي، فلا تجزني بعدهن بفرقتي، لأني قد شبت وبليت، فلم يبق لي موضع لعشق النساء كما عشقتهن، فيجزينني ضني بضني، وتقابلن بكاء ببكاء، رحمة لي لا عشقاً. فيكون البقر غير التي جرى ذكرها. سوائرٌ ربّما سارت هوادجها ... منيعةً بين مطعونٍ ومضروب سوائر: صفة أخرى لبقر، وقيل: وهن سوائر. ومنيعةً: نصب على الحال. يعني: أنهن عزيزات في قوم أعزة، فإذا سارت هودجهن بهن، كان حولهن من يذب عنهن ويحميهن من كل من تعرض لهن، فلا مطمع لأحد فيهن. وربّما وخدت أيدي المطّى بها ... على نجيعٍ من الفرسان مصبوب الوخد والوخيد: ضرب من السير السريع. يقول: ربما سارت هوادجهن فوق الدماء، فتقع أيدي المطى على دماء الفرسان المصبوبة، إن تعرضوا لهن. وإنما ذكر الأيدي دون الأرجل؛ لأنها أول ما تقع على الأرض، فاكتفى بذكرها عن ذكر الأرجل. كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍ ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذّيب

стр. 378

أي: أدهى من زورة الذيب، وقد فصل بينهما بقوله: وقد رقدوا والذيب: يضرب به المثل في الخبث والدهاء. يخاطب نفسه ويقول: كم مرة ذهبت إلى الأعراب حين رقدوا فزرت حبيبتك وهم لا يشعرون، وهجمت عليها هجوم الذئب، إذ اختطفتها من بينهم على وجه الاحتيال والاستخفاء، كما يفعل الذئب لما يختطف من الغنم، ويهجم عليها من حيث لا يشعر الراعي. أزورهم وسواد اللّيل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصّبح يغري بي يقول: إن الظلام يسترني عند زيارتي هؤلاء الأعراب، فكأنه يشفع لي إلى ما أريد. وعند الانصراف يشهرني الصبح ويحول بيني وبينها. ومثله لابن المعتز: لا تلق إلا بليلٍ من تواصله ... فالشّمس نمّامةٌ واللّيل قوّاد فذكر جميع ما في البيت في نصف بيت. قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعها ... وخالفوها بتقويضٍ وتطنيب التقويض: ضد التطنيب. يقول: هؤلاء الأعراب وافقوا الوحش في حلولهم مراتع الوحوش وسكناهم مساكنها وخالفوها بأنهم يحطون خيامهم مرة، ويقلعون أوتادهم مرة، ثم يطنبونها: أي ينصبونها، ويشدون حبالها. جيرانها وهم شرّ الجوار لها ... وصحبها وهم شرّ الأصاحيب الجوار: بضم الجيم وكسرها، هي المجاورة، ومعناه ها هنا: هم شر أهل الجوار. يقول: جيران الوحش من حيث المسكن، إلا أنهم شر الجيران لها؛ لأنهم يصيدونها وهم أصحاب الوحوش؛ إلا أنهم أشر الأصحاب؛ لأنهم يأكلونها. فؤاد كل محبّ في بيوتهم ... ومال كلّ أخيذ المال محروب أخيذ المال: أي مأخوذ المال. والإضافة في تقدير الانفصال، ولهذا نكر الصفة في قوله: محروب والمحروب: الذي أخذ حريبه، وهو ماله. يقول: إن رجالهم صعاليك يغيرون على الأعداء، ونساؤهم فواتن يسلبن قلوب العشاق، ففي بيوتهم قلوب الرجال وأموال الأبطال. وقيل: إنهم أحنوا إلى الناس فملكوا قلوبهم بالإحسان، وملكوا أموال الأعداء بالقهر والإغارة. ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويّات الرّعابيب الرعابيب: جمع رعبوبة، وهي البيضاء الممتلئة الجسم. والهاء في به للحضر، وهو خلاف البدو. يقول: ليس أهل الحضر كأهل البدو. حسن الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ ... وفي البداوة حسنٌ غير مجلوب الحضارة: ملازمة الحضر، والبداوة: ملازمة البدو. والتقدير: حسن أهل الحضارة وأهل البداوة. يقول: إن حسن الحضريات مصنوع بالتطرية، وحسن البدويات مطبوع، والمطبوع خير من المصنوع. أين المعيز من الآرام ناظرةً ... وغير ناظرةٍ في الحسن والطّيب المعيز والمعزى والمعز: واحد. وناظرةً: نصب على الحال. أقام الحضريات مقام المعز، لكون المعز حضريات، وأقام البدويات مقام الظباء؛ لكون الظباء في الفلوات. يقول: أين المعز من الظباء في حسنها وطيبها! وفي حال كونها ناظرةً، وفي غير حال نظرها. أي: كما أن الظباء أحسن من المعز في كل حال، فكذلك البدويات أحسن من الحضريات. وقيل معنى قوله: ناظرة وغير ناظرة أي أن الظباء أحسن من المعز: حيةً وميتة، فهي أحسن منها منظراً حية، ولحماً ميتة. أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب الصبغ بالفتح: مصدر، وبالكسر: اسم. والحواجيب: أراد به الحواجب، فأشبع الكسرة؛ لتحدث الياء بعدها. والهاء في بها للفلاة. يقول: إن البدويات مطبوعات على حسن الكلام، وحسن الحواجب، فلا يصبغن حواجبهن بالسواد، ولا يمضغن الكلام؛ لأن كلامهن فيه غنة فلا يحتجن إلى تكلفها. وقيل: أراد بمضغ الكلام التفاصح. ولا برزن من الحمّام مائلةً ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب أوراكهن رفع بمائلةً وصقيلات نصب على الحال. يعني: أنهن مخلوقات كذلك فلا يصبغن حواجبهن، ولا يكسرن في كلامهن، ولا تتمايل أوراكهن تصنعا، ولا يصقلن عراقيبهن كما تفعله النساء من أهل الحضر. فأفدى من هذه حالها. ومن هوى كلّ من ليست ممّوهةً ... تركت لون مشيبي غير مخضوب المموه: المزور المغشوش. يقول: لما كنت أحب كل مطبوعة، وأبغض كل مصنوعة، تركت لون شيي ظاهراً مطبوعاً، لم أموهه بالخضاب. وهذا ينظر إلى قول الشاعر: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

стр. 379

ومن هوى الصّدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعرٍ في الوجه مكذوب الهاء في عادته للصدق. يقول: من حبي للصدق واعتيادي له، زهدت عن شعر مخضوب في الوجه: وهو المكذوب. ليت الحوادث باعتني الّذي أخذت ... منّي بحلمي الّذي أعطت وتجريبي يقول: إن الحوادث أخذت مني الشباب، وأعطتني الحكمة والتجارب، فليتها ردت على ما أخذته من الصبي، وأخذت ما أعطت من الحلم والنهى. فما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍ ... قد يوجد الحلم في الشّبّان والشّيب يقول: ليت الحوادث ردتني إلى أيام الصبى والحداثة، فإنها لا تمنع من الحلم، فيكون مع الحداثة ما يكفيني من الحلم والتجربة؛ فإن العقل يوجد في الأحداث كما يوجد في الشيوخ. والحداثة: لا توجد إلا مع الشبان. ترعرع الملك الأستاذ مكتهلاً ... قبل اكتهالٍ، أديباً قبل تأديب ترعرع: أي شب، ولا يكون إلا حسن الشباب. والاكتهال: التمام في كل شيء. والكهل من الناس: من سنه ما بين أربع وثلاثين، إلى خمسين سنة. ونصب مكتهلاً وأديباً على الحال. لما قال: إن الحداثة لا تمنع من الحلم، استدل بحال كافور فقال: الحلم يوجد في الأحداث، كما أن الأستاذ كافور ترعرع من الحلم والأدب، ولم يكن من الشيوخ. ولا الكهول. يعني: أنه خلق مطبوعاً على الأدب، فلم يحتج إلى مؤدب، وكان ابتداء شبابه في الكمال، كاكتهال غيره. مجرّباً فهماً من قبل تجربةٍ ... مهذّباً كرماً من قبل تهذيب مهذباً ومجرباً نصب على الحال. وفهماً وكرماً نصب على المصدر أو على المفعول له. يقول: ترعرع الملك على هذه الأحوال، فهو مجرب قبل تجربة؛ لما طبع عليه من الفهم، مهذب؛ لما جبل عليه من الكرم، فلا يحتاج إلى التهذيب والتجريب. حتّى أصاب من الدّنيا نهايتها ... وهمّه في ابتداءاتٍ وتشبيب التشبيب: الابتداء بالأمر. يقول: قد أصاب الغاية من الدنيا، وهو مع ذلك في أول مطالبه وتشبيب همته، ولم تبلغ همته أقصى مرادها. يدبّر الملك من مصرٍ إلى عدنٍ ... إلى العراق فأرض الروم فالنّوب يعني: أن هذه النواحي كلها تحت يده، وهو يديرها. إذا أتتها الرّياح النّكب من بلدٍ ... فما تهبّ بها إلا بترتيب النكب: جمع النكباء، وهي كل ريح هبت بين مهبى ريحين. وقيل: هي ريح تهب من مهاب الرياح الأربع على غير استواء. يقول: إن الريح النكباء مع اختلاف هبوبها، إذا أتت هذه النواحي، لا تهب فيها إلا بترتيب من حسن سياسته وترتيبه الأمور. ولا تجاوزها شمسٌ إذا شرقت ... إلا ومنه لها إذنٌ بتغريب روى: إذا شرقت وإذا طلعت والتغريب: أن تأخذ نحو المغرب. يقول: إذا طلعت الشمس على هذه النواحي، فأرادت أن تتجاوزها، فلا تجسر على المجاوزة، إلا أن يأذن لها بالغروب، والها في منه: لكافور وفى لها للشمس. يصرّف الأمر فيها طين خاتمه ... ولو تطلّس منه كلّ مكتوب تطلس: أي انمحى وذهب أثره، وطلست الكتاب: محوته. يقول: لا يمضي الأمر إلا بخاتمه، وإن انمحت كتابته متى عرفت رسومه أمضي أمره، رهبة له وإعظاماً. يحطّ كلّ طويل الرّمح حامله ... من سرج كلّ طويل الباع يعبوب فاعل يحط حامله: أي حامل خاتمه. والهاء للخاتم. واليعبوب: الفرس الكثير الجري. وقيل: هي الطويل، وطويل الباع: طويل القوائم. يقول: حامل خاتمه يحط كل فارس طويل الرمح، عن سرج كل فرس طويل القوائم واسع الجري؛ لما يداخله من الهيبة، وانبساط أمره، فإذا كانت هذه حاله، فحال غيره في الانقياد أبلغ. كأنّ كلّ سؤالٍ في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب يقول: يفرح بسؤال كل سائل، وكأنه في أذنه. مثل: قميص يوسف في عين يعقوب، فهو يستشفى بالسؤال، كما استشفى يعقوب بقميص يوسف. إذا غزته أعاديه بمسألةٍ ... فقد غزته بجيشٍ غير مغلوب يقول: إن أعداءه إذا قصدوه بالخضوع والسؤال، طلباً لما له أو طلباً للصلح منه، أجابهم لما يريدون، فكأنهم قصدوه بجيش لا يغلب. أو حاربته فما تنجو بتقدمةٍ ... ممّا أراد، ولا تنجو بتجبيب التجبيب: بباءين هو التأخر والهرب. وروى تخبيب من قولهم: خبب فلان نفسه إذا بعد.

стр. 380

يقول: إن حاربه الأعداء فلا ينجون بالشجاعة والإقدام، وإن هربوا لحقهم بخيله، فلا ينجون بالهرب والانهزام. أضرت شجاعته أقصى كتائبه ... على الحمام، فما موت بمرهوب أضرت: أي أغرت، يقال: أضريته على كذا وضريته على كذا: إذا عودته. وأقصى كتائبه: أي جميع كتائبه؛ لأن أقصى هو الغاية. يقول: قد عودت شجاعته جميع عسكره لقاء الحروب، فكأنه أضراهم على الموت، فلا يخافون من الموت والقتل، كالبازي إذا ضرى بالصيد، لا يخاف منه. قالوا هجرت إليه الغيث! قلت لهم: ... إلى غيوث يديه والشّآبيب الشآبيب: جمع شؤبوب، وهي الدفعة العظيمة من المطر. والمعنى: أن أرض مصر لا تمطر، وكأن الناس قالوا: لم تركت ديار الخصب والغيث، وقصدت كافوراً؟! فقال لهم: إن غيث يديه وشآبيب جوده، أكثر من الغيث وأنفع. إلى الّذي تهب الدّولات راحته ... ولا يمنّ على آثار موهوب يقول: إن كنت تركت الغيث، فقد قصدت ملكاً يهب الولايات، ولا يتبع منه. وفيه تعريضان: أحدهما تعريض لكافور أن يوليه ولاية، والآخر تعريض بسيف الدولة أنه كان يمن عليه بما يصل منه إليه. ولا يروع بمغدورٍ به أحداً ... ولا يفزّع موفوراً بمنكوب الموفور: الرجل الكثير المال. يقول: لا يغدر بأحد، فيخاف آخر بأن يغدر به كما غدر بغيره، ولا ينكب صاحب مال، فيخاف منه صاحب مال أن ينكبه، كما نكب غيره. بلى يروع بذي جيش يجدّله ... ذا مثله في أحمّ النّقع غربيب يجدله. يصرعه على الجدالة، وهي الأرض، والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الأسود جاء به توكيداً. يقول: لا يروع بمغدور به أحداً، ولكن يقصد إلى ملك صاحب جيش عظيم فيقتله ويروع به ملكاً آخر صاحب جيش مثل هذا المقتول، فإذا رأى ما صنع بالأول هابه. يعني: أن همته ليست أخذ المال، بل همته طلب العز. وجدت أنفع مالٍ كنت أذخره ... ما في السّوابق من جريٍ وتقريب التقريب: أرفع المشي، وأدنى الجري. يقول: كان أنفع مال وجدته وجمعته: ما في الخيل السوابق من الجري والتقريب. جعل الجري والتقريب مالاً، لما وصل بهما إلى المال؛ لاتصاله بالممدوح. لمّا رأين صروف الدّهر تغدر بي ... وفين لي ووفت صمّ الأنابيب يقول: لما وصلت بهذه السوابق، وبهذه الرماح إلى جميع ما أردته، فكأنهن وفين لي، في وقت غدرت بي صروف الدهر، ولم توافني حوادث الأيام. فهو يصف بذلك رحيله إلى مصر، ونجاته من أذية سيف الدولة. فتن المهالك حتّى قال قائلها: ... ماذا لقينا من الجرد السّراحيب؟! المهالك: جمع مهلكة، وهي المفازة. والسرحوب: الفرس الطويل، ولا يوصف بها الذكر. يقول: سرعة هذه الخيل، شكت المفاوز حتى قال قائلها: أي بعض بقاعها: أي شيء لقينا من هذه الخيل؟! وقيل: أراد بالمهالك أسباب الهلاك. أي فأتت خيلي كل أمر فيه هلاك. تهوى بمنجردٍ ليست مذاهبه ... للبس ثوبٍ ومأكولٍ ومشروب تهوى: أي تسرع. والمنجرد: الماضي في أمره. يقول: هذه السوابق تهوى في المفاوز برجل مجد في أمره، ليست همته المأكول والمشروب والملبوس، وإنما همته معالي الأمور. يرى النّجوم بعيني من يحاولها ... كأنّها سلبٌ في عين مسلوب يقول: ينظر هذا المنجرد إلى النجوم نظر من يريد تناولها، فكأنها سلب سلب منه، فهو ينظر إليها كما ينظر المسلوب إلى سلب في يد غيره. يعني: أنه يستحق منازل النجوم، لكن الدهر حطه عن درجته، فهو ينظر إليها على هذا الوجه. حتّى وصلت إلى نفس مححّبةٍ ... تلقى النّفوس بفضلٍ غير محجوب يقول: قطعت المهالك حتى وصلت إلى نفس محبة من الناس؛ لعظم شأنه، ولكن فضلها غير محجوب. وقيل: إن هذا تعريض بسواده. يعني: وصلت إلى نفس كريمة، محجوبة في جسم أسود، وفضلها غير محجوب: يعني: أن مخبره أحسن من منظره. في جسم أروع صافي العقل تضحكه ... خلائق النّاس إضحاك الأعاجيب يقول: هذه النفس في جسم رجل ذكي صافي العقل، وإن كان أسود اللون، فهو أبيض العقل، فلا يخالط عقله شيء من الكدورة، وهو يضحك من أخلاق الناس لنقصائهم في العقل! فكأنه رأى شيئاً عجيباً. والأروع: الذكي القلب.

стр. 381

فالحمد قبل له، والحمد بعد لها ... وللقنا ولإدلاجي وتأويبي له: أي لكافور. ولها: للخيل. والإدلاج: سير الليل. والتأويب: سير النهار كله. يقول: الحمد أولاً لك، إذ كان كرمك هو الباعث على قصدك، ثم بعد ذلك لخيلي؛ لأني وصلت بها إليك، وكذلك لسيري ليلاً ونهاراً حتى وصلت إليك. وكيف أجحد يا كافور نعمتها ... وقد بلغنك بي يا كلّ مطلوبي؟! يقول: كيف أجحد نعم هذه الخيل السوابق! وهي التي بلغتني إليك، وأنت مأمولي وغاية كل مطلوبي. يا أيّها الملك الغاني بتسميةٍ ... في الشّرق والغرب عن وصفٍ وتلقيب الغاني: المستغني. يقول: أنت مشهور في العالم باسمك المذكور، فإذا قيل: كافور، عرفت واستغنيت عن الوصف، واللقب. أنت الحبيب ولكنّي أعوذ به ... من أن أكون محبّاً غير محبوب به: يرجع. إلى الحبيب. يقول: أنت حبيبي، ولكني أعوذ بك من أن أكون محباً لك، ولا أكون محبوباً عندك. ومثله لأبي تمام قوله: كم من عدوٍّ قال لي متمثّلاً: ... كم من ودود ليس بالمودود! وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة ويستنجزه وعده. أودّ من الأيّام ما لا تودّه ... وأشكو إليها بيننا وهي جنده الهاء في توده ترجع إلى ما والفعل للأيام. والهاء في إليها تعود إلى الأيام. وفي جنده إلى البين. يقول: أريد من الأيام ألا تفرق بيني وبين أحبائي، والأيام لا تريد ذلك. وأشكو إليها الفراق وهي جنده: أي هو الذي حكم بها، فإذا شكوت إليها لم تشكني. يباعدني حبّاً يجتمعن ووصله ... فكيف بحبٍّ يجتمعن وصدّه؟! الحب: المحبوب، وجعل الأيام تجتمع مع الوصل والصد؛ لأنهما في الأيام يكونان، والظرف يتضمن الفعل، فإذا تضمنه فقد لابسه وصار كأنه مجتمع معه، وعطف الوصل والصد على الضمير في يجتمعن من غير التوكيد بالفصل، وهذا جائز في ضرورة الشعر. يقول: إن الأيام تباعد مني الحبيب المواصل، فكيف تقرب الحبيب المقاطع؟! أبى خلق الدّنيا حبيباً تديمه ... فما طلبي منها حبيباً تردّه يقول: كيف ترد عليك الأيام حبيبك الذي فارقك؟ وهي لا تترك عليك حبيبك الذي هو معك! وأسرع مفعولٍ فعلت تغيّراً ... تكلّف شيءٍ في طباعك ضدّه يقول: إن الدنيا مطبوعة على التغير والتنقل، وإذا ساعدت بقرب حبيب لم تلبث أن تفرق بيننا وبينه! وترجع إلى عادتها التي جبلت عليها، فأسرع شيء انتقالاً، وأقربه زوالاً هو: تكلف ما في طبعه خلافه. رعى الله عيساً فارقتنا وفوقها ... مهاً كلّها يولى بجفنيه خدّه المها: بقر الوحش، وعنى بها النساء ويولي: من الولي، وهو من المطر الثاني. والهاء في كلها للمها وفي جفنيه وخده يعود إلى لفظ كل. يقول: حفظ الله عيساً فارقتنا وفوقهن نساء يبكين لفراقنا، فتجرى دموعهن على خدودهن مرةً بعد مرة، فكأن خد كل واحدة منهن يسقى ولياً بعد وسمى من سحابة جفنيها، تأسفاً على الفراق. بوادٍ به ما بالقلوب كأنّه ... وقد رحلوا جيدٌ تناثر عقده الهاء في به وكأنه للوادي، وفي عقده للجيد. يعني: فارقتنا هذه العيس بوادٍ به من الوحشة لفراقهن مثل ما في قلوبنا من الوحشة، فهو لوحشته كالجيد الذي انقطع عقده وتناثر در قلائده. أي كن زينةً له، فلما رحلن عنه صار كالجيد نزع حليه. إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده الأحداج: جمع الحدوج، وهو مركب من مراكب النساء، والرند: الآس، وقيل: شجر طيب الريح، والعرب تسمى العود رنداً والهاء نباته ورنده للوادي. يقول: اختلطت رائحة المسك من النساء برائحة الرند في هذا الوادي، فكان كل واحد منهما يباري الآخر بفوح الرائحة. وحالٍ كإحداهنّ رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطّريق وبعده غول الطريق: بعده. يقول: هو الهلاك. يقول: رب حال مثل إحدى هؤلاء الجواري في الحسن والكمال، أو في العزة والامتناع. وأنا أروم الوصل إليها، وبيني وبينها طريق بعيد يهلك من سلكه. وأتعب خلق الله من زاد همّه ... وقصّر عمّا تشتهي النّفس وجده الوجد والوجدة: هو الغنى. يقول: أتعب الناس من أتعب همته، ولم يساعده ماله وإمكانه.

стр. 382

فلا ينحلل في المجد مالك كلّه ... فينحلّ مجدٌ كان بالمال عقده يقول: لا تتلف مالك كله في اكتساب المجد والثناء، فإن فعلت ذلك افتؤلت وضاع المجد الذي كنت تطلبه! إذ المجد لا يكون إلا مع المال. ودبّره تدبير الّذي المجد كفّه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده يقول: دبر المال تدبير الرجل الذي المجد كفه، والمال زنده: يعني كما لا تقوم الكف إلا بالزند، فكذلك لا تقهر الأعداء إلا بالمال. فلا مجد في الدّنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدّنيا لمن قلّ مجده يعني: كما لا يقوم المجد من دون المال، كذلك المال لا ينفع إلا مع المجد، فمن له المال بلا مجد فهو بمنزلة الفقير الذي لا مال له. وفي النّاس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثّواب جلده يقول: في الناس من ليس له همة، فقد رضى بالدون من العيش، واقتصر على طعام بطنه، فلا يركب إلا رجله، ولا يلبس إلا جلده. ولكنّ قلباً بين جنبيّ ما له ... مدىً ينتهي بي في مرادٍ أحدّه لفظة ما في قوله: ما له نفي. يقول: أنا لست هكذا، لكني بعيد الهمة، ليس لهمتي غاية تقف عندها. والهاء في أحده للمراد. يرى جسمه يكسى شفوفاً تربّه ... فيختار أن يكسى دروعاً تهدّه الشفوف: جمع شف، وهو الثوب الرقيق. وتربه: تنعمه. وتهده: تهدمه. يقول: هذا القلب يرى الجسم الذي فيه يلبس أثواباً رقاقاً، وهو لا يختار له ذلك، وإنما يختار الدروع مع خشونتها وغلظتها؛ لتهدم نعومة الحسم. يكلّفني التّهجير في كلّ مهمهٍ ... عليقي مراعيه وزادي ربده التهجير: السير في وقت الهاجرة. والعليق: ما تعلق به على الدابة، من شعير أو غيره. والربد: النعام، الواحد أربد، وربداء، سميت بذلك لسواد لونها. يقول: قلبي يكلفني السير في وقت الهاجرة في كل مهمه بلا زاد ولا عليق، فخيلي تأكل من مراعيها، وزادي من نعامها. وأمضى سلاحٍ قلّد المرء نفسه ... رجاء أبي المسك الكريم وقصده يقول: أمضى سلاح المرء: قصد كافور ورجاؤه، فكما أن أبلغ ما يتوصل به المرء إلى مرامه هو السلاح، كذلك أبلغ ما يوصله إلى مراده قصده ورجاؤه. هما ناصرا من خانه كلّ ناصر ... وأسرة من لم يكثر النّسل جدّه يقول: رجاؤه وقصده معينان من ليس له معين. وعشيرة يتقوى بها، كما يتقوى الرجل بناصره وعشيرته. أنا اليوم من غلمانه في عشيرةٍ ... لنا والدٌ منه يفدّيه ولده الولد والولد: لغتان يقعان على الواحد والجمع. وقيل: الولد: جمع الولد. يقول: أنا اليوم من جملة غلمانه، وهم لي بمنزلة الولد، ونحن أولاده نتمنى أن نفديه بأنفسنا. فمن ماله مال الكبير ونفسه ... ومن ماله درّ الصّغير ومهده يعني: أن نعمه عمت الكبير والصغير، فمال الكبير ونفسه من هباته، ولب الصغير ومهده من ماله. يعني: أنه يملك نفوس الناس وأموالهم. نجرّ القنا الخطّىّ حول قبابه ... وتردى بنا قبّ الرّباط وجرده الهاء في جرده يرجع إلى لفظ الرباط لأنه اسم واحد موضوع للجمع مثل: القوم والنفر. وتردى: من الرديان، وهي سرعة السير. والقب: جمع أقب وقباء وهو الفرس الضامر، والرباط: اسم للخيل المربوطة، وقال أبو زيد: هي الخمس فما فوقها. يقول: نجر القنا حول قباب الممدوح كل يوم، لأنا من غلمانه، ونجري الخيل في ميدانه؛ لأن عادة الغلمان أنهم يتلاعبون في ميادين الملوك. ونمتحن النّشّاب في كلّ وابلٍ ... دوىّ القسيّ الفارسيّة رعده الهاء في رعده يعود إلى وابل. يقول: نرمي النشاب بين يديه، ونمتحنها، على عادة الغلمان من امتحان السهام. وشبه كثرة النشاب بالمطر الوابل، ودوي القسي وصوتها عند الرمي بالرعد. يصف كثرة غلمانه وجنده. فإلاّ تكن مصر الشّري أو عرينه ... فإنّ الّذي فيها من النّاس أسده الشري: موضع كثير الأسد، والعرين: الأجمة. يقول: إن لم تكن مصر مقر الأسود، فإن الذي فيها أسود، فلا اعتبار بالموضع، وإنما الاعتبار بالأسد. سبائك كافورٍ وعقيانه الّذي ... بصمّ القنا لا بالأصابع نقده العقيان: الذهب.

стр. 383

يقول: هؤلاء الغلمان، والرجال الذين هم الأسود سبائك لكافور ادخرهم بعد أن امتحنهم بالطعن بين يديه، وجربهم فجعلهم ذخائر، وأقامهم مقام ماله، الذي هو السبائك والذهب؛ لأنه يصل بهم إلى مطالبه كما يوصل بالمال. ولما جعلهم مالا جعل نقدهم بالقنا والطعن لا بالأصابع، لأنه لم يرد حقيقة الدنانير التي تنقد بالأصابع. وقيل: أراد أنه يكسب الذهب والفضة بصم القنا لا بالتجارة. والأول هو الظاهر الأليق. قال أبو الطيب: لما أنشدت هذا البيت قال لي كافور: من يعرف العقيان. اليوم؟ فقلت: نعم هرباً من تفسيره إياه. فقال: الصيوف. يريد السيوف. بلاها حواليه العدوّ وغيره ... وجرّبها هزل الطّراد وجدّه بلاها: أي جربها. والهاء فيها قيل: تعود إلى الخيل، وقيل للسبائك والعقيان. يقول: إن العدو قد جرب هذه الخيل والغلمان وغير العدو أيضا. فالعدو في الحرب في حالة الجد وغير العدو في الميدان: في حالة الهزل. أبو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ... ولكنّه يفنى بعذرك حقده يخاطب نفسه أو صاحبه يقول: إن عفوه لا يفنى بذنبك، ولم يغلبه ذنب المذنب، ولكنه يفنى حقده بعذرك: يعني إذا اعتذرت إليه زال عن قلبه حقده. فيا أيّها المنصور بالجدّ سعيه ... ويا أيّها المنصور بالسّعي جدّه سعيه وجده: رفع بالمنصور. المعنى: أنك بلغت جدك بسعيك، ولم تبلغ ما بلغت بالجد وحده، ولكنه بالجد والسعي، فجدك ينصر سعيك في أمرك ويوفقه لك، وسعيك ينصر جدك، فقد اشتملتك السعادة والنصر. تولّى الصّبا عنّي فأخلفت طيبه ... وما ضرّني لمّا رأيتك فقده أخلفت: أي وجدت طيب كافور خلفاً من الصبا. يقول: لما تولت عني أيام الصبا جعلت طيبك خلفاً عنها، فناب مناب أيام الصبا ولم يضرني فقد أيام الصبا لما رأيتك، فسروري بك مثل سروري بأيام الصبا. لقد شبّ في هذا الزّمان كهوله ... لديك، وشابت عند غيرك مرده يقول: شب كهول الزمان عندك؛ لسرورهم بإحسانك إليهم فكأنهم في أيام الصبا، والشباب عند غيرك شابت مرد هذا الزمان لإيذائه إياهم. يريد سيف الدولة. ألا ليت يوم السّير يخبر حرّه ... فتسأله، واللّيل يخبر برده يقول: ليت حر الهواجر يخبرك بحاله؛ حتى تسأله عما فعل بي، وليت برد الليل مخبر أيضا؛ لتعرف منه ما قاسيت من البرد. وليتك ترعاني وحيران معرضٌ ... فتعلم أنّي من حسامك حدّه حيران: ماء بالشام، وقيل: جبل. كانت قد ظهرت له خيل وهو عليه. يقول: ليتك تراني بهذا المكان، حين لاحت لي الخيل، لتعلم شجاعتي، وأني بمنزلة الحد في سيفك. وقيل: شبه الجيش بحيران، الذي هو الجبل. والمعنى: ليتك رأيتني يوم يبدو فيه الجيش، حتى تقف على شجاعتي، وتعلم أني حد حسامك. وأنّى إذا باشرت أمراً أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشدّه يقول: وتعلم أيضاً أني إذا رمت أمراً، قرب بعيده وهان شديده. وما زال أهل الدّهر يشتبهون لي ... إليك فلمّا لحت لي لاح فرده يقول: كنت أظن أن أهل الدهر مشتبهون في المراتب والمنزلة، متساويين في القدر، فلما رأيتك رأيت فرد الزمان الذي لا نظير له. وقيل: إن أهل الدهر من الملوك كانوا يشتبهون بك عندي، فيوهمونني مساواتهم لك في الملك وسائر الخصال، فلما رأيتك، أوحد الدهر، علمت بطلان دعاويهم. يقال إذا أبصرت جيشاً وربّه ... أمامك ربٌّ ربّ ذا الجيش عبده يقول: كنت إذا رأيت جيشاً وأميره، قيل لي قدامك ملك - وهو كافور - وأمير هذا الجيش، عبد ذلك الملك. وألقى الفم الضّحّاك أعلم أنّه ... قريبٌ بذي الكفّ المفدّاة عهده الهاء في عهده للفم. وقوله: بذي الكف: أي بهذه الكف، وقيل بصاحب الكف. يقول: كنت إذا رأيتك فماً كثير الضحك علمت أنه قريب العهد بتقبيل كفك - التي تفدي الأنفس - وذلك الضحك، لما لحقه من السرور حين وصل إلى تقبيل كفك، أو عرفت أنه قريب العهد بعطاء كفك المفداة، فذلك الضحك سرور بعطائك. فزارك منّي من إليك اشتياقه ... وفي النّاس إلاّ فيك وحدك زهده المعنى: زارك مني رجل مشتاق إليك، زاهد في جميع الناس إلا فيك وحدك وقوله: زارك مني أي أنا ذلك الذي إليك اشتياقه.

стр. 384

يخلّف من لم يأت دارك غايةً ... ويأتي فيدري أنّ ذلك جهده الجهد: الطاقة، والجهد: المشقة، وقيل: هما واحد. يقول: من قصد غيرك من الملوك فقد خلف وراءه غاية، وإذا قصدك فقد بلغ غاية جهده وطاقته، فإنه ليس وراءك غاية يطلب الوصول إليها. فإن نلت ما أمّلت منك فربّما ... شربت بماءٍ يعجز الطّير ورده الورد: الورود، وهو فاعل يعجز والضمير في ورده للماء والباء في قوله: شربت بماء زائدة. المعنى: إني بعيد الهمة، شريف المطلب، لا أطلب إلا غايةً بعيدة؛ فلهذا قصدتك، وقاسيت الأخطار دونك، وليس هذا بمنكر مني، فإني ربما وصلت إلى ما لا يقدر الطير على الوصول إليه! يعني: وصلت إلى مطالب يعجز عنها غيري. ووعدك فعلٌ قبل وعدٍ لأنّه ... نظير فعال الصّادق القول وعده يقول: وعد كل أحد يشبه فعله، وأنت صادق القول، فإذا وعدت فكأنك ابتدأت بالجود. قبل الوعد، فإن وعدك واقع لا محالة. فكن في اصطناعي محسناً كمجربٍ ... يبن لك تقريب الجواد وشدّه التقريب: ضرب من سير الفرس دون الشد. يقول: جربني في اصطناعك إياي وإحسانك إلي، ليتبين لك صغر حالي وكبرها. شبه الصغر بالتقريب، والكبر بالشد. إذا كنت في شكٍّ من السّيف فابله ... فإمّا تنفّيه وإمّا تعدّه يقول: إن شككت في حالي فجربني، فإني مثل السيف يتبين حاله بالتجربة، فإن رضيتني جعلتني عدة لك، وإلا رميت بي. وما الصّارم الهنديّ إلاّ كغيره ... إذا لم يفارقه النّجاد وغمده نجاد السيف: حمائله. يقول: لا فضل بيني وبين غيري إذا لم تجربني كما لا فضل بين السيف الهندي القاطع، وبين غيره من السيوف إذا لم يجرد من غمده. ومثله لأبي تمام: لما انتضيتك للخطوب كفيتها ... والسّيف لا يكفيك حتّى ينتضى وإنّك للمشكور في كلّ حالةٍ ... ولو لم يكن إلاّ البشاشة رفده الهاء في رفده للمشكور. يقول: أنا أشكر لك في كل حال، وإن لم يكن من عطائك إلا طلاقة وجهك لكفاني ذلك. وكلّ نوالٍ كان أو هو كائن ... فلحظة طرفٍ منك عندي ندّه يقول: كل عطاء كان منك فيما مضى أو سيكون، فنظرة منك إلي تقوم عندي مقامه. والند: المثل. والهاء في نده للنوال. وإني لفي بحر من الخير أصله ... عطاياك أرجو مدّها وهي مدّه يقول: أنا في بحر من الخير، وأصل هذا البحر من عطاياك، وأرجو مد عطاياك، فهي مد هذا البحر. وما رغبتي في عسجدٍ أستفيده ... ولكنّها في مفخرٍ أستجدّه العسجد: الذهب. وأستفيده وأستجده بمعنىً واحد. يقول: ليست رغبتي في المال، ولكن رغبتي في استفادة الفخر واستجداد الشرف. وأراد به الولاية. ومثله لأبي تمام: ومن خدم الاقوام يرجو نوالهم ... فإنّي لم أخدمك إلاّ لأخدما يجود به من يفضح الجود جوده ... ويحمده من يفضح الحمد حمده الهاء في به للمفخر. يقول: يجود بهذا المفخر، من جوده يفضح كل جود. يعني كافورا. ويحمده على هذا الجود، من حمده يفضح كل حمد. يعني به نفسه. يعني: أنت أجود الملوك وأنا أبلغ الشعراء وأفصحهم. فإنّك مامّر النّحوس بكوكبٍ ... وقابلته إلاّ ووجهك سعده يقول: لو أن كوكبا من الكواكب أصابه نحس، وقابلته أنت، سعد ذلك النجم بسعادتك، وخرج النحس من غير أن يؤثر فيه بنحوسته. يعني: أن من أتاك سعد بقربك، وظهر عليه إقبالك، فيرجع غنيا مسرورا. وشكا إليه ابن عياش طول قيامه في مجلس الأسود وكان دسه عليه، ليعلم ما في نفسه فقال أبو الطيب يمدح كافورا ارتجالا: يقلّ له القيام على الرّءوس ... وبذل المكرمات من النفوس يقول: الوقوف بين يديه يقل له، لأنه يستحق فوق ذلك، وكذلك يقل له بذل النفوس المكرمة في جنب ما يستحقه من التعظيم. إذا خانته في يومٍ ضحوكٍ ... فكيف تكون في يومٍ عبوس؟ يقول: إذا خانته في حال الرفاهية والسلم والسرور فتقصر في الخدمة والقيام بين يديه فكيف تكون في حال الشدة والحرب؟! والغرض بضحك اليوم وعبوسه: حسنه وطلاقته. وقيل: أراد في يوم يضحك فيه ويعبس فيه كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه

стр. 385

ومات له في دار البركة التي انتقل إليها خمسون غلاما في أيام يسيرة، ففزع، وخرج إلى دار أخرى هارباً منها في الليل، حتى قال الناس إنه جاءه في الليل أسود فقال له: إن خرجت منها.. وإلا قتلتك! فخرج على وجهه، ونزل دار بعض غلمانه إلى أن أصلحت له دار كانت لحرم ابن طولون، فلما نزلها دخل عليه أبو الطيب فقال في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مئة. أحقّ دارٍ بأن تدعى مباركةً ... دارٌ مباركة الملك الّذي فيها يقول: أحق الدور بأن تسمى مباركة، هي الدار التي الملك فيها، لما يشملها من نعمه وبره. وأجدر الدّور أن تسقى بساكنها ... دارٌ عدا النّاس يستسقون أهليها يقول: إذا كان البعيد يستسقى من جود يديك، فدارك التي تسكنها أولى بأن تسقيها بجودك وبركتك. هذي منازلك الأخرى نهنّئها ... فمن يمرّ على الأولى يسلّيها ويقول: نحن نهنئ دارك التي انتقلت إليها بنفسك، فمن يمر على الأولى التي انتقلت عنها يسليها: أي يصبرها. من بمعنى الذي. إذا حللت مكاناً بعد صاحبه ... جعلت فيه على ما قبله تيها يقول: إذا نزلت مكاناً بعد ما رحلت عن مكان غيره، تاه المكان الذي نزلته على الذي ارتحلت عنه، تشرفاً بك. لا تنكر العقل من دارٍ تكون بها ... فإنّ ريحك روحٌ في مغانيها يقول: لا تنكر أن تكون الدار التي تحلها لها عقل! تعرف به شرفها بقربك، لأن ريحك في منازلها، لها روح تحيا به. أتمّ سعدك من لقّاك أوّله ... ولا استردّ حياةً منك معطيها يقول: أتم الله سعادتك، كما ابتدأك بها، ولا استرد منك ما أعطاك من الحياة. ودخل يوما أبو الطيب على كافور الأسود، فلما نظر إليه وإلى قلته في نفسه ونقص عقله ولؤم كفه وقبح فعله، ثار الدم في وجهه حتى ظهر ذلك فيه، فخرج فركب فأتبعه الأسود بعض القواد، وهو يرى أن أبا الطيب لا يفطن فسايره وسأله عن حاله وقال له: أراك متغير اللون؟ فقال أبو الطيب: أصاب فرسي اليوم جرح خفته عليه، وقلبي مشغول به، وليس له خلف إن تلف، فبلغ معه إليه ثم عاد إلى الأسود فأخبره، فأنفذ إليه مهراً أدهم، فقال أبو الطيب يمدحه ويذكر أسف الحمدانيين عليه وأنشدها يوم الأحد لأربع عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر من هذه السنة: فراقٌ ومن فارقت غير مذمّم ... وأمٌّ ومن يمّمت خير ميمّم يقول: هذا فراق ومن فارقته غير مذموم، وهو سيف الدولة، وهذا أم: أي قصد، ومن أممته خير مقصود، وهو كافور. وما منزل اللّذّات عندي بمنزلٍ ... إذا لم أبجّل عنده وأكرّم يقول: ليست اللذة بلذة الأماكن إلا إذا أكرمني أصحابها وعظموا قدري، فمتى كنت مهاناً فيها فلا أعدها لذة عندي. سجيّة نفسٍ ما تزال مليحةً ... من الضّيم مرميّاً بها كلّ مخرم مليحةً: أي مشفقة خائفةً. والمخرم: المفازة. يقول: عادة نفسي أنها تأنف الذل، وتشفق من الضيم، فلهذا أتحمل المشقة وأقطع المفاوز. رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنٍ ... عليّ، وكم باكٍ بأجفان ضيغم الشادن: ولدى الظبي إذا قوى. والضيغم: الأسد. يقول: لما رحلت بكى لفراقي النساء اللواتي عيونهن كأعين الغزلان، والأبطال الذين هم كالأسود، وعنى به سيف الدولة وأصحابه. يعني: بكى لفراقي حبيبي بأجفان الشادن، وبكى سيف الدولة بأجفان الضيغم. وما ربّة القرط المليح مكانه ... بأجزع من ربّ الحسام المصمّم هذا تفسير البيت الذي قبله. والهاء في مكانه للقرط، وهو الذي يعلق في شحمة الأذن. يقول: لم تكن حبيبتي صاحبه القرط، بأشد جزعاً لفراقي، من حبيبي الذي هو صاحب السيف. وأراد به سيف الدولة. فلو كان ما بي من حبيب مقنّع ... عذرت ولكن من حبيب معمّم يقول: لو كان ما بي من الشوق إنما هو لحبيبي المقنع، لعذرت نفسي في فراقه، لأني فارقته لطلب المجد والعلا، ولكن أي عذر في مفارقة حبيبي المعمم؟؟! وما رجوته من قصد غيره، كان موجوداً عنده! يظهر الندم على فراق سيف الدولة. وقيل: معناه لو كان سبب فراقي من قبل المحبوبة لعذرتها، لأن التغير والفراق من عاد النساء، ولكن ما بي من حبيب معمم، فالتغير لا يعذر فيه. رمى واتّقى رميي ومن دون ما اتّقى ... هوىً كاسرٌ كفّى وقوسي وأسهمي

стр. 386

يقول: ذلك الحبيب المعمم رماني بسهم، ثم خاف أن أرميه بما رماني به، وليس يدري أن هواه يكسر قوسي وكفي وسهمي. يعني: إن سيف الدولة بدأ لي بالاساءة، ثم تغير لي، لأنه حسب أني تغيرت له، فقبل في كلام الأعداء وساء ظنه! وليس يدري أن محبتي له تمنعني من الإساءة إليه، ومقابلته على فعله. وهذا عتاب لطيف. إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم يقول: إذا أساء إنسان إلى إنسان، أساء ظنه به وصدق توهمه عليه، لأنه يظن أنه حقد عليه ففسدت نيته. وعادى محبّيه بقول عداته ... وأصبح في ليلٍ من الشّكّ مظلم يقول: إذا أساء الرجل إلى صديقه، ظن أنه قد تغير له، فيتنكر في مودته ويعاديه بقول أعدائه. أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتّكلّم يقول: أصدق الأرواح قبل الأشباح، وأعرف أحوال الأرواح في فعل المرء وكلامه: الذي هو صاحب النفس. وأحلم عن خلّي وأعلم أنّه ... متى أجزه حلماً عن الجهل يندم يقول: إذا جهل علي خليلي حلمت، وعلمت أني إذا قابلته بالحلم، ندم على ما بدر منه وعاد إلى الوصل. وإن بذل الإنسان لي جود عابسٍ ... جزيت بجود التّارك المتبسّم يقول: إذا شاب الإنسان جوده بالعبوس، جدت له بترك نواله، وتركته وقابلت عبوسه بالتبسم. وأهوى من الفتيان كلّ سميدع ... نجيبٍ كصدر السّمهريّ المقوّم السميدع: السيد. يقول: أحب كل سيد كريم، ماض في أموره نافذاً فيها مثل الرمح المقوم. خطت تحته العيس الفلاة وخالطت ... به الخيل كبّات الخميس العرمرم خطت: أي قطعت من خطوت. والكبات: الصدمات والحملات. وروى لبات الخميس والهاء في تحته وفى به للسميدع. يقول: أهوى كل سيد كريم، قطع الفلوات وشاهد الواقعات، وقارع الأبطال والزمان. ولا عفّةٌ في سيفه وسنانه ... ولكنّها في الكفّ والفرج والفم يقول: أهوى من لا عفة له في سيفه وسنانه: أي لا يردهما عن عدوه في قتال، وهو مع ذلك عفيف اليد والفرج والفم. وما كل هاوٍ للجميل بفاعلٍ ... ولا كلّ فعّالٍ له بمتمّم يقول: ليس كل من يحب الفعل الجميل يفعله، ولا كل من يفعله يتممه ويربيه. كأنه يعرض بسيف الدولة: أنه لم يتمم إحسانه. فدىً لأبي المسك الكرام فإنّها ... سوابق خيلٍ يهتدين بأدهم شبه الكرام بالخيل السوابق، وجعل كافورا فرساً أدهم يتقدمها لسواد لونه. وفداه بجميع الكرام المقتدين به. أغرّ بمجدٍ قد شخصن وراءه ... إلى خلقٍ رحبٍ وخلقٍ مطهّم شخصن: أي رفعن أبصارهن. يقول: هذا الأدهم أغر بالمجد، لا بالبياض، فالمجد يشرق في وجهه إشراق الغرة، والسوابق وراءه ينظرون سعة خلقه وكمال خلقه، شاخصة أبصارهن إليه. إذا منعت منك السّياسة نفسها ... فقف وقفةً قدّامه تتعلّم يقول: إذا صعب عليك أيها الإنسان أمر السياسة، فقف بين يديه وانظر إلى سياسته، تتعلم منه حسن السياسة يضيق على من راءه العذر أن يرى ... ضعيف المساعي أو قليل التّكرّم راء: مقلوب رأى. يقول: من رأى كافوراً وصحبه، فلا عذر له في ضعف مساعيه وقلة تكرمه، لأنه يتعلم منه المساعي وكرم الأخلاق. ومن مثل كافورٍ إذا الخيل أحجمت ... وكان قليلاً من يقول لها اقدمي اقدمي: من قدم يقدم إذا تقدم. يقول: من يكون مثله في حال شدة الحرب؟ حين تأخرت الخيل عن الإقدام، ولم يكن هناك من تقدم إلا القليل من الفرسان أي ليس لهمته في هذا الوقت نظير. شديد ثبات الطّرف والنّقع واصلٌ ... إلى لهوات الفارس المتلثّم يقول: لا يصرف بصره في المعركة مع تراكم الغبار ودخوله في لهوات الفارس المتلثم. أبا المسك أرجو منك نصراً على العدا ... وآمل غرّاً يخضب البيض بالدّم يقول: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي، حتى أتمكن منهم، وأخضب من دمائهم سيوفي. ويوماً يغيظ الحاسدين وحالةً ... أقيم الشّقا فيها مقام التّنعم

стр. 387

يقول: أرجو يوماً تنعم علي فيه، فيغيظ ذلك اليوم حسادي، وأرجو منك أن تبلغني يوما أقتل فيه أعدائي وأغيظ فيه حسادي، وأرجو حالة أقيم الشقاء فيها مقام التنعم: يعني يكثر فيها تعب الحرب، ومشقة القتال، ويكون ذلك الشقاء عندي بمنزلة التنعم أسر به كما أسر بالنعم. ولم أرج إلاّ أهل ذاك ومن يرد ... مواطر من غير السّحائب يظلم يقول: إنما رجوتك لهذا الأمر؛ لأنك أهل له قادر أن تبلغني ما أريده ولو طلبت ذلك من غيرك لكنت قد ظلمته وكلفته ما لا يقدر عليه، ووضعت الشيء في غير موضعه، وأكون كمن طلب المطر من غير السحاب. فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشوق المستهام المتيّم يقول: قصدت مصر لألقاك، ولو لم تكن فيها لما سرت إليها بقلب المشتاق: الذي عنده الشوق. ولا نبحت خيلي كلاب قبائل ... كأنّ بها في اللّيل حملات ديلم الديلم: الأعداء، والديلم: هذا الجيل من العجم. وعن ابن جني قال: سئل أبو الطيب فقال: أتريد الديلم الأعداء، أو هذا الجيل من العجم؟ فقال: بل كل. يقول: لو لم تكن في مصر، لما صرت على قبائل الأعراب، حتى حملت كلابها علي، كما تحمل الديلم في حروبها مع الصياح. ولا اتّبعت آثارنا عين قائفٍ ... فلم تر إلاّ حافراً فوق منسم القائف: الذي يتبع الأثر والمنسم: طرف خف البعير. والمعنى: أنه ركب الأبل وجنب الخيل، وكانت حوافرها تقع على آثار أخفاف الإبل، فمن تبع أثره رأى أثر حوافر الخيل على أثر أخفاق الإبل. وسمنا بها البيداء حتّى تغمّرت ... من النّيل واستذرت بظلّ المقطّم تغمرت: أي شربت شربا قليلا. واستذرت: أي استترت. والمقطم: جبل على جانب النيل. يقول: سرنا بالخيل والإبل في البيداء، فصارت آثارها فيها كالسمة، حتى وصلنا إلى مصر، فشربت من النيل واستترت بظل المقطم. وأبلج يعصي باختصاصي مشيره ... عصيت بقصديه مشيري ولوّمي الأبلج: هو الجميل، وقيل: المنقطع ما بين الحاجبين. يقول: قصدته وعصيت من لامني فيه، وأشار علي بترك لقائه، كما عصى هو من لامه في اختصاصي. وأراد به وزير كافور ابن خنزابة لأن المتنبي لم يمدحه. وأراد بالأبلج: كافورا. فساق إليّ العرف غير مكدّرٍ ... وسقت إليه الشّكر غير مجمجم جمجم الرجل بكلامه إذا لم يفصح به ولم يبينه. يقول: لما قصدته أنعم علي نعماً غير مكدرة بمن ولا أذى، ومدحته مدحاً لا عيب فيه، ولا إشارة فيه إلى ذم. قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا ... حديثاً وقد حكّمت رأيك فاحكم أي: قد اخترتك من الأملاك، فحذف من وأوصل الفعل إلى ما بعده فنصبه. يقول: قد اخترتك من بين الملوك، فاختر أنت حديثاً يتحدثون به عني وعنك، وقد جعلتك حاكماً، فافعل بي فعلاً إذا سمعوه كان مختاراً عندهم. فأحسن وجهٍ في الورى وجه محسنٍ ... وأيمن كفٍّ فيهم كفّ منعمٍ يقول: وجه المحسن أحسن الوجوه، وكفه أكثر بركةً من سائر الأكف. ومثله لآخر: ولم أر كالمعروف: أمّا مذاقه ... فحلوٌ وأمّا وجهه فجميل وأشرفهم من كان أشرف همّةً ... وأكثر إقداماً على كلّ معظم يقول: أشرف الناس من كانت همته أشرف، وإقدامه على كل أمر عظيم أكثر. لمن تطلب الدّنيا إذا لم ترد بها ... سرور محبٍّ أو مساءة مجرم كأنه يخاطب نفسه أو صاحبه فيقول: إن المال إنما يراد به أن تسر الودود، وترغم أنف الحسود، فإذا لم ترد هذين فلماذا تطلب المال؟! وأي معنى في طلب الجاه وحسن الحال؟! وقد وصل المهر الّذي فوق فخذه ... من اسمك ما في كلّ عنقٍ ومعصم يقول: قد وصل إلي المهر الموسوم باسمك، الذي هو سمة في عنق كل حي ويده، فرساً كان أو غيره. لك الحيوان الرّاكب الخيل كلّه ... وإن كان بالنّيران غير موسّم يقول: أنت تملك الخيل وراكبيها، وكل حيوان موسوم باسمك فالخيل موسومة بالنيران، والناس موسومون بالنعم والإحسان. ولو كنت أدري كم حياتي قسمتها ... وصيّرت ثلثيها انتظارك فاعلم

стр. 388

يقول: إنما أتقاضاك بالوعد؛ لأني لا أدري كم أعيش فأخاف حلول الموت قبل الوصول إلى الموعود، ولو كنت أعلم مقدار حياتي لأمضيت ثلثيها انتظاراً لوعدك واستطابة به، فلا أتهم وعدك وإنما أتهم الأجل. ولكنّ ما يمضي من الدّهر فائتٌ ... فجد لي بحظّ البادر المتغنّم يقول: ما فات من العمر لا أستدركه، فجد لي بحظ من يسبق الإحسان ويغتنمه. رضيت بما ترضى به لي محبّةً ... وقدت إليك النّفس قود المسلّم يقول: كل شيء ترضى به لي فإني راض به، ومؤثر هواك في كل شيء، وقدت نفسي إليك قود من سلمها لك. ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلّمه عنّي ولم أتكلّم الوسيط: الواسطة بين الرجلين. يقول: من كان مثلك في الكرم فقلبه يكون واسطة بيني وبينه، وينوب منابي في التشفع إليه والتقاضي له، فيتكلم عني في حاجتي ولا يحتاج أن أتكلم بها. وخرج من عنده فقال يهجوه: أنوك من عبدٍ ومن عرسه ... من حكّم العبد على نفسه من مرفوعة بالابتداء وأنوك خبره وتقديره: من حكم العبد على نفسه أنوك من عبد. والهاء في عرسه قيل: تعود إلى من أي: الذي يرضى بحكم العبد، فهو أشد حمقاً من العبد، وأشد حمقاً من امرأة نفسه. وقيل: الهاء تعود إلى العبد أي يكون أحمق من العبد، ومن امرأة العبد. وإنّما يظهر تحكيمه ... ليحكم الإفساد في حسّه الحس: العقل. يقول: الذي يجعله حاكماً، ويعتقد تحكيمه في الباطن، ويظهر رضاه أيضاً. أي: يرى أنه راض بتحكيمه في الظاهر، كما هو راض به في الباطن، فقد حقق الناس فساد عقله. والهاء في حسه تعود إلى من وفي تحكيمه إلى العبد وأراد به: ابن الإخشيد الذي كان في حجر كافور. ورضى بحكمه. وروى نظهر ونحكم بالنون. والمعنى: إنما نظهر للناس تحكيم كافور في أنفسنا؛ لتفسد حسه، لا أنا حكمناه في الحقيقة على أنفسنا، بل أظهرنا ذلك له ليزداد في حسه فساداً؛ إذ من شأن الأحمق أنه مهما حكم ازداد حمقاً. والهاء في حسه تعود إلى العبد. ما من يرى أنّك في وعده ... كمن يرى أنّك في حبسه يقول: ليس من يظن أنك في حبسه، كمن يظن أنك منتظر وعده. يعني: أنا في حبسه وهو يظن أني مقيم على انتظار وعده. والكاف: خطاب لنفسه. والهاء في وعده وحبسه تعود إلى من الأولى. العبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنتن أو ضرسه يقول: إن العبد ليس له همة إلا في الأكل والجماع، ولا يتجاوز همه إلى مكرمة، فكيف أرجوه؟! لا ينجز الميعاد في يومه ... ولا يعي ما قال في أمسه الهاء في يومه قيل: للميعاد أي في يوم الميعاد وقيل: للعهد. يقول: إذا وعد وعداً لم ينجزه، وإذا صار إلى يوم آخر، نسى وعده بالأمس؛ لجهله، فمن هذا حاله فكيف يرجى نواله!؟ وإنّما تحتال في جذبه ... كأنّك الملاّح في قلسه القلس: حبل السفينة. يقول: إذا وعد شيئاً تحتاج إلى الاحتيال في جذبه إلى ذلك الموعود، فإن أغفلت جره تأخر، كما أن الملاح يحتاج إلى جر السفينة في النهر مصعداً لها، فإن ألقى الحبل من يده، انجرت مع الماء. فلا ترجّ الخير عند امرئٍ ... مرّت يد النّخّاس في رأسه في رأسه: أي على رأسه. يقول: لا ترج خيراً عند من كان عبداً، فمرت على رأسه يد النخاس بالصفع، فإنه لا خير عنده. وإن عراك الشّكّ في نفسه ... بحاله فانظر إلى جنسه يقول: إن عرض لك شك في أمره بحسن حاله، فلا تغتر بتلك، وانظر إلى جنسه من العبيد فإن خلقه كأخلاقهم، والشيء إذا التبس حاله بغيره، يرد إلى جنسه. فقلّما يلؤم في ثوبه ... إلاّ الّذي يلؤم في غرسه الغرس: جلدة رقيقة تخرج على رأس المولود. يقول: قلما يلؤم في ثوبه إلا الذي يولد وهو لئيم، فكل شيء ينزع إلى أصله. من وجد المذهب عن قدره ... لم يجد المذهب عن قنسه القنس: الأصل. يقول: من وجد طريقاً إلى أن يتجاوز قدر نفسه ويباين أشكاله، فإنه لا يجد طريقاً يتجاوز أصله وينحرف به عن لؤم نفسه. واتصل قوم من الغلمان بالصبي مولى الأسود، فأنكر ذلك عليهم وطالبه بتسليمهم إليه، فجرت بينهما وحشة أياماً، ثم سلمهم إليه فقتلهم واصطلحا، فطولب أبو الطيب بأن يذكر الصلح فقال في ذلك:

стр. 389

حسم الصّلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسّاد وأذاعته: أي وما أذاعته. يقول: قطع الصلح ما كانت تشتهيه الأعادي من الخلاف بينكما، وما أفشاه الحساد من الوحشة الواقعة بينكما. وأرادته أنفسٌ حال تدبي ... رك ما بينها وبين المراد أي: وما أرادته. والهاء راجعة إلى ما في قوله: ما اشتهته. يقول: أراد قوم أن يوقعوا بينكما الخلاف، فحال تدبيرك بينهم وبين مرادهم. صار ما أوضع المخبّون فيه ... من عتابٍ، زيادةً في الوداد أوضع إيضاعاً: إذا أسرع المشي. والمخبون: الذين يحملون دوابهم على الخب، وهو السير السريع، وأراد ها هنا السعي بالنميمة. يقول: صار فعل من يسعى بينكما بالنميمة والفساد، زيادة في إصلاح الوداد، فرجع الوشاة بالخيبة. وكلام الوشاة ليس على الأحبا ... ب سلطانه على الأضداد سلطانه: يروى بالرفع فيكون مبتدأ، وعلى الأضداد خبره، واسم ليس: ضمير الكلام، وعلى الأحباب خبره. يقول: إن كلام الوشاة إنما يوقع الفساد إذا كان بين الأضداد، فأما بين الأحباب المتصافين فلا يوقع الفساد. وروى: سلطانه بالنصب يعني ليس يتسلط على الأحباب، سلطانه على الأضداد. إنّما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وافقت هوىً في الفؤاد يقول: إن مقالة الوشاة، إنما تعمل في المرء إذا وافقت منه مراداً لها، وأصغى إليها. وهذا تأكيد للمعنى الأول. ولعمري لقد هزرت بما قي ... ل فألفيت أوثق الأطواد الأطواد: الجبال. يقول: إن الوشاة بالغوا في السعاية بينكما، وحركوك بالوشاية فلم تسمع قولهم، فصادفوك في الحلم والوقار مثل الجبل. وأشارت بما أبيت رجالٌ ... كنت أهدى منها إلى الإرشاد يقول: أشار قوم عليك بالخصومة، فأبيت ما أشاروا به، فكنت أرشد منهم وأهدى إلى الصواب فيما فعلت من الصلح. قد يصيب الفتى المشير ولم يج ... هد ويشوى الصّواب بعد اجتهاد يشوى: أي يخطئ. يقال: رماه فأشواه: إذا أخطأ المقتل وأصاب الشوى، وهي الأطراف. يقو: قد يصيب الإنسان الصواب وإن لم يجتهد، وقد يخطئ الصواب بعد الاجتهاد. يعني: أنك أصبت الرأي في الصلح، وأخطأ من اجتهد في السعاية. نلت ما لا ينال بالبيض والسّم ... ر وصنت الأرواح في الأجساد يقول: أدركت بصواب رأيك من مرادك، ما لا ينال بالقتال، وحفظت الدماء حتى بقيت الأرواح في الأجساد، ولم يقتل أحد ولم يرق دم. وقنا الخطّ في مراكزها حو ... لك والمرهفات في الأغماد يقول: وصلت إلى مرادك من غير أن حركت الرماح من مراكزها، وأخرجت السيوف من أغمادها. والمرهفات: السيوف المحدودة. ما دروا، إذ رأوا فؤادك فيهم ... ساكناً، أنّ رأيه في الطّراد الطراد: المطاردة، وهي المحاربة. والهاء في رأيه للفؤاد. يقول: لما رأوك ساكن القلب، توهموا بأن ذلك عن غفلةٍ وقلة فكر فيه، ولم يعلموا أنك معمل رأيك في فؤادك لاستنباط الصواب، فكان قلبك ساكناً، ورأيك في محاربة. ففدى رأيك الّذي لم تفده ... كلّ رأيٍ معلّمٍ مستفاد لم تفده: أي لم تستفده. يقول: كل رأي مستفاد معلم مكتسب بالتعلم، فداء رأيك الذي طبعت عليه، ولم تستفده أنت من أحد. وإذا الحلم لم يكن في طباعٍ ... لم يحلّم تقدّم الميلاد يقول: إذا لم يكن الرجل مطبوعاً على الحلم، فمرور الأيام وتقدم الولادة، لا تجعله حليماً. يعني: لا اعتبار بالسن، وإنما الاعتبار بالطبع. فبهذا ومثله سدت يا كا ... فور واقتدت كلّ صعب القياد يقول: بهذا الرأي الحصيف وبمثله من الآراء، صرت سيداً، وقدت كل صعب المقادة، حتى انقاد لك، ودخل في طاعتك. وأطاع الّذي أطاعك والطّا ... عة ليست خلائق الآساد يقول: بمثل هذا الرأي أطاعك رجال مثل الأسود التي لم تطع لأحد قبلك، إذ ليست الطاعة من عادة الأسود. إنّما أنت والدٌ، والأب الّقا ... طع أحنى من واصل الأولاد يقول: أنت له بمنزلة الوالد، والأب على كل حال أشفق على ولده من الولد الواصل. قال ابن جني: معناه أنك يا كافور أقرب إلى ابن مولاك، وأحنى عليه من ولده الواصل له: أي لو كان له ولد لكنت أحنى عليه من ولده.

стр. 390

لا عدا الشّرّ من بغى لكما الشّرّ ... وخصّ الفساد أهل الفساد يقول: من طلب لكما الشر، فلا تجاوز عنه الشر ولا فارقه، وجعل الله أهل الفساد، مخصوصاً به دونكما. أنتما ... ما اتّفقتما الجسم والرّو ح فلا احتجتما إلى العوّاد يقول: أنتما - ما دام بينكما اتفاق وصلح - كالجسم والروح، فلا وقع بينكما اختلاف حتى تحتاجا إلى السفر في الصلح بينكما. لما جعلهما الروح والجسم، جعل الاختلاف بينهنا مرضهما، وجعل سعي الناس في الصلح بينهما، عيادة لهما. وإذا كان في الأنابيب خلفٌ ... وقع الطّيش في صدور الصّعاد يقول: إذا وقع الخلف بين أهل المملكة، وهم الأمراء والجيوش والقواد، اضطرب ملكهم الذي هو صدرهم، كما أن أنابيب الرمح إذا اختلفت لم يعمل صدره وزل عن الطعن، واضطرب في يديه. وقيل: أراد أنكما إذا اختلفتما اضطرب أمركما، كما أن الرمح إذا اختلفت أنابيبه طاشت أعاليه. أشمت الخلف بالشّراة عداها ... وشفى ربّ فارسٍ من إياد فاعل شفى ضمير الخلف والشراة: الخوارج، سموا أنفسهم شراة. يعني: شروا - بحزم - أنفسهم من الله تعالى: أي باعوها. يقول: الاختلاف بين القوم يشمت الأعداء بهم، كما أن الخوارج لما اختلفت كلمتهم في خلافة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، ظفر بهم أمير المؤمنين وأفناهم وأشمت بهم أعداءهم، وكذلك تمكن كسرى صاحب فارس من قبيلة إياد، شفى صدره، حين اختلفت كلمتهم. وتولّى بني البريديّ في البص ... رة حتّى تمزّقوا في البلاد يقول: إن الخلف أوقع ببني البريدي وهم ثلاثة إخوة كانوا قد ملكوا البصرة في أيام المقتدر فلم يقدر عليهم، حتى وقع الخلاف بينهم، ومات أحدهم، فتمكن منهم السلطان وشتت شملهم واستأصلهم. وملوكاً كأمسٍ بالقرب منّا ... وكطسمٍ وأختها في البعاد وملوكاً عطف على ما قبله. أي وتولى الخلف ملوكاً. وأختها: أي أخت طسم: وهي جديس. يقول: أهلك الخلف ملوكاً قربوا منا، حتى أن مدة قربهم منا كمدة أمس إلى يومنا، وأهلك الاختلاف أيضاً ملوكاً في قديم الزمان: مثل طسم وجديس، وكانوا ملوك حمير. بكما بتّ عائذاً فيكما من ... هـ ومن كلّ باغٍ وعاد الباغي: من البغي. والعادي: من العدوان. والهاء في منه تعود إلى الخلف. يقول: أعوذ بكما أن يقع الخلف بينكما، وأن يقع بينكما كيد البغاة والعداوة. وبلبّيكما الأصيلين أن تف ... رق صمّ الرّماح بين الجياد كان الوجه: ألبابكما. كقوله تعالى: " فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا "، والتثنية أيضاً جائزة. يقول: أعوذ به بعقلكما الثابت أن تتحاربا، فتفرق الرماح بين خيولكما، فيصير معك حزب ومعه حزب. أو يكون الوليّ أشقى عدوٍّ ... بالّذي تذخرانه من عتاد يقول: أعوذ بعقلكما من أن تقتلا الولي، وأن تجعلاه لسلاحكما - الذي هو عدتكما وذخيرتكما للأعداء - أشقى عدو، إذ السلاح يعد للأعداء لا للأولياء. هل يسرّنّ باقياً بعد ماضٍ ... ما تقول العداة في كلّ ناد النادي: المجلس. يقول: إذا تقاتلتما، فيقتل أحدكما صاحبه، هل يسر الباقي منكما ما تقول الأعداء في المجالس: إنه قتل صاحبه وهتك حرمته؟! منع الودّ والرّعاية والسّؤ ... دد أن تبلغا إلى الأحقاد يقول: هذه الخصال التي فيكما منعتكما أن تبلغا إلى أن يحقد أحدكما على صاحبه؛ فلهذا عدلتما إلى الصلح، لتأكد هذه المعاني. وحقوقٌ ترقّق القلب للقل ... ب ولو ضمّنت قلوب الجماد يقول: ومنع أيضاً حقوق متأكدة، حتى لو كانت للجماد قلوب، فضمنت هذه الحقوق تلك القلوب، لرق بعضها لبعض. فغدا الملك باهراً من رآه ... شاكراً ما أتيتما من سدادٍ يقول: لما اصطلحتما أصبح الملك منيراً، أبهر من رآه، وغلبه بنوره، وشكر لكما على ما رأيتما من الصواب والسداد. فيه أيدكما على الظّفر الحل ... ووأيدي قومٍ على الأكباد الهاء في فيه للملك. يقول: ظفرتما من الملك بما أردتما، وأصبح حسادكما واضعين أيديهم على أكبادهم؛ لما نالهم من الألم بالصلح الذي صار بينكما. هذه دولة المكارم والرّأ ... فة والمجد والنّدى والأيادي
следующие страницы →