← Акыда

Акыда · id 7554

الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين

عبد الله أبا بطين

Полный текст (89 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين تأليف: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبابطين تحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة واكب النضال المسلح في الجزيرة العربية إبان تطهيرها من فلول الهمجية – العثمانيون والمنتفعون بوجودهم من شذاذ الآفاق ومرتزقة البوادي (١) - في العقد الرابع من القرن الثالث عشر, كفاح فكري متحفز قاده علماء البلاد وأشبال الدعوة السلفية الحرة. بعد أن عمل الغزاة على تلويث عقول الجهلة والعوام, واستماتوا في دفعهم عن المنهج الأصولي بكل ما يملكون من فنون المكر والدجل والتضليل. آملين أن يخمدوا جذوة التحرر, أو يفلحوا في تحجيم دور الدين الإسلامي وكبته وإلباس الناس ثوب العلمانية الكافر. واتخذوا من نشر البدع والإغراق في الشعوذة والتخريف الصوفي, سبيلا لذلك. لكنها لم تجد في قلوب العقلاء متسعا, ولا في عقولهم تصديقا أو قبولا, فارتدوا على أعقابهم أوفر الخلق خيبة وخسارة. واستطاع الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود (ت١٢٤٩) أن يأخذ بزمام المبادرة, بفضل الله ثم بفضل إيمانه العميق وحنكته وشجاعته، وصبره, وبفضل الرجال الأبرار المخلصين لله ثم للدين والوطن من أبناء نجد الشامخة الأبية.

стр. 2

وتمكن في سنوات قليلة من طرد المعتدي الآثم مجللا بالخزي والعار, وأن يوحد الجزيرة العربية في نظام سياسي متميز تحكمه شريعة الله وتسوده روح الوئام. وكان للعلماء من أبناء الدعوة الدور البارز في بناء صرح الدولة, وإرساء نظامها والذود عن مكتسباتها, منذ انطلاق شرارة التوحيد والإصلاح (١) . في تلاحم فريد: شعاره الحب في الله, ودثاره الاحترام المتبادل والسعي الحثيث في إعلاء كلمة الله, ونشر الأمن وتخليص عقول الناس وأبدانهم من رق عبودية الخلق إلى عبودية الخالق وحده لا شريك له. فأعادوا للإسلام هيبته التي خلفت لمعانها وافتقدت في الكثير من بقاع العالم, وأخذوا يشقون طريقهم بين الأمم في قوة وعنفوان, ففرح المسلمون بهم وتجدد بهم الأمل الذي طالما كان حلما بعيد المنال. وهذه المنظومة الرائعة التي رافقت الدعوة منذ بزوغ نجمها المتألق, ومنذ ميثاق الدرعية الذي بني على أساس من نظرة الإسلام الشمولية للسياسية بنوعيها الداخلي والخارجي. والمستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة الصحابة والتابعين وخلفاء الإسلام. كانت هي السياج المنيع, والدرع الذي تحطم عليه الطغيان والظلم والاستبداد , وانهارت أمامه المطامع الشخصية وشهوة التفرد. واستمر موكب الدعوة والدولة تحوطه المحبة وتظلله الرحمة وتسيره المبادئ

стр. 3

ويقوده العدل والإنصاف, دون أن يسمح لواش أو كاذب مفتون أن يتسلل إلى صفائه ليعكره, أو طريقه ليعطله ويصرفه عن وجهته التي يحبها الله ورسوله وأهل الإيمان والفضيلة والغيرة والشرف. والتأريخ أعظم شاهد على أهمية وحساسية هذه العلاقة الحميمة. فحسبك أن تنظر إلى ما حدث هنا وهناك على امتداد الأدوار التاريخية المتعاقبة وسوف تجد مصداق ذلك ظاهر كرابعة النهار. موضوع الكتاب: هذا السفر حلقة من حلقات الجهاد العبق, وصفحة من صفحاته, اضطلع به رجال الدعوة وأبلوا فيه بلاءا حسنا منذ أن تعرضوا لأول كيد ووصلت إليهم طليعة الانحراف والتحجر. فقيضهم الله منافحين محتسبين حتى ردوا كيدهم وكشفوا عوار أقوالهم, وفضحوا مؤامراتهم. وهكذا تسلسلت حلقات الحب والصدق والدعوة؛ لتستمر مسيرة الخير تنير للناس الطريق وتهديهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين, واجه كغيره من علماء تلك الفترة الحرجة, بعض الوجوه الكالحة التي استمرأت البدعة, وعشعش الانحراف في قلوبهم وعقولهم، فأصبحوا أسارى التخلف والتبعية. فقام ﵀ بواجبه, وأدى حق العلم الذي أئتمن عليه هو وإخوانه من أهل العلم والإيمان. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، يحكي بصدق جانبا من جهاده. وقد استهله بمقدمة ضافية, بين فيها الغاية من الخلق ومعنى العبودية ومقتضياتها, ومعنى كلمة التوحيد الخالدة. وأوضح ضلال وتناقض من قال بأن كلمة لا إله إلا الله ترفع الحرج حتى وإن ارتكب الشرك وعبد غير الله.

стр. 4

وأشار إلى أن من كيد الشيطان للمبتدعة سلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم, حتى اختلطت عليهم المفاهيم, وساعدهم على ذلك بعض المغرضين. ثم عقد فصلا ذكر فيه بعض الشبه التي تعلقوا بها, وبين أن مرتكب الشرك الأكبر ليس معذورا لجهله؛ وإلا للزم عليه أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند. وأفاض في تأكيد هذا الأصل العظيم, وأن حجة الله قائمة على الناس بإرسال الرسل, وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته, ففرق بين فهم الحجة وقيام الحجة وعقد فصلا آخر أبان فيه عن أهمية معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله, لاسيما حدود ما أنزله في الأسماء. وأن منبع الضلال: الغلط في معرفة حقيقة الشرك الأكبر. وتعرض لبعض دعاويهم فأبطلها. ثم عقد فصلا ثالثا" وسع الحديث فيه عن الجناية المترتبة على عدم فهم حدود ما أنزل الله, وأن دعوى أن الشرك هو الصلاة والسجود لغير الله فقط, مجرد مكابرة مكشوفة. وفي الفصل الرابع: نافح عن شيخ الإسلام, وردَّ فيه تزوير وكذب الكاذبين بأنه يرى أن المتأول والمجتهد المخطئ والمقلد مغفور لهم ما ارتكبوه من الشرك والكفر. ونعى بمرارة ما يفعله بعض علماء زمانه من تجويز الممارسات الشركية ومباركتها, وتعجب من إنكار بعض اليهود لما يرونه عند هذه المشاهد, مع إصرار من ينتسب إلى الإسلام عليها. وبين في أثناء هذا الفصل" أنه لا يجوز للمسلم أن يحكم بكفر أحد حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه. وأنحى بعد ذلك باللائمة على من سهل للمشركين ما ارتكبوه, وجادل عنهم بالباطل, وأن هذا منتهى الجهل والظلم, وعقبه بحكم الذبح لغير الله والاستغاثة به

стр. 5

ثم عقد فصلا خامسا: فرق فيه بين الكرامة وبين الأحوال الشيطانية وهوس الصوفية. وختم كتابه بفصل سادس توجه فيه إلى المنتسبين للعلم، بأن عليهم أن يتجردوا عن الجهل والتعصب, ويكون مرجعهم كتاب الله وسنة رسوله, دون العوائد استحسانات الناس, ولا يستوحشوا من قلة السالكين, فإن أهل الحق هم القلة دائما. أهمية الكتاب: يأتي هذا البحث ليعالج أعمق القضايا المتعلقة بتوحيد الألوهية, الذي هو أعظم أنواع التوحيد قاطبة وأجدرها بالعناية والاهتمام, وليفضح ما تبقى من شبه المضللين المتداعية, وهي لا تعدو أن تكون زوابع عابرة قوامها التعنت والاستكبار, ومحركها المنافع الشخصية الدنيئة ويمكن تلخيص تلك الترهات فيما يلي: ١ – أنا لسنا مكلفين بالناس والقول فيهم. ٢ – من قال: لا إله إلا الله, ما نقول فيه شيئا وإن فعل ما فعل. ٣ – قول ابن تيمية: أن المتأول والمجتهد المخطئ والمقلد, مغفور لهم ما ارتكبوه من الشرك والكفر. ٤ – قصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته, فجهل أن فعله كفر فلم يكفر. ٥ – أن طلب الأموات ليس دعاء بل هو نداء. وأنت ترى أنها ما بين دعوة إلى العجز والتواكل, وبين سوء فهم وكذب بين. ولكن كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 6

المؤلف نسبه ومولده: هو العلامة الحافظ الفقيه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبا بطين العائذي القحطاني, من جذم عبدة المشهور. ولد في بلدة الروضة القريبة من المجمعة حاضرة أقليم سدير الواقع في منطقة نجد سنة ١١٩٤, أي قبل وفاة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب باثنتي عشرة سنة. أسرته: نشأ في أحضان أسرة صالحة محافظة, وجهته منذ نعومته وطراوة عوده إلى طلب العلم وتحصيله وملازمة العلماء, حتى أدرك علما واسعا وهو بعدُ في ريعان الشباب, وساعده على ذلك قوة الذهن وسرعة الفهم والفطرة النقية. شيوخه: قرأ على العديد من علماء عصره ومن أبرزهم: ١ – الإمام الحافظ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت١٢٤٢) . ٢ – العلامة الورع عبد العزيز بن عبد الله الحصين (ت١٢٣٧) . ٣ – الإمام الكبير حمد بن ناصر بن معمر (ت١٢٢٥) . أعماله: ولي القضاء في عهد سعود بن عبد العزيز بن محمد (ت١٢٢٩) ثم نقله عبد الله بن سعود (ت١٢٣٤) قاضيا على عمان. وفي عهد الإمام تركي ولاه قضاء الوشم، ثم جمع له معه قضاء سدير,

стр. 7

وفي عام ١٢٤٨هـ انتقل إلى قضاء القصيم, حتى استقال من القضاء سنة ١٢٧٠. تلاميذه: لم تشغله أعماله الوظيفية عن التعليم والدعوة, وهذا هو شأن العلماء حيثما حلوا وأينما سارت بهم الركاب. يبذرون في كل بلد وطئته أقدامهم طلابا يحملون العلم ويبلغونه لمن بعدهم. ومن تلاميذه: ١ – صالح بن عيسى. ٢ – عبد الرحمن بن عبد الله بن أبا بطين, ابن المؤلف. ٣ – محمد بن عبد الله بن حميد. ٤ – عثمان بن بشر صاحب التأريخ المشهور. أخلاقه وسجاياه: كان ﵀ زاهدا ورعا مكبا على العلم, معرضا عما سوى ذلك, وقورا دائم الصمت, باذلا نفسه للعلم والعلماء دون ملل أو تضجر, كريما سخيا قويا في الحق. وفاته وأبناؤه: استمر ﵀ طوال حياته داعيا ناصحا ملتزما, إلى أن توفي سنة ١٢٨٢ فانطوت بوفاته صفحة تنضح بالصلاح والتقوى والكرم. وخلف من الأبناء الشيخ عبد الرحمن وعبد العزيز, ولكليهما عقب. آثاره العلمية: شارك في الكثير من العلوم وألف فيها, ومن آثاره: ١ – مختصر البدائع (١) .

стр. 8

٢ – حاشية على شرح المتهى في الفقه. ٣ – تأسيس التقديس (١) ٤ – الانتصار وهو كتابنا هذا. ٥ – رسالة في التجويد. ٦ – فتاوى وتحريرات نشر أكثرها (٢) . النسخ: تجمع لدي عند الشروع في التحقيق ثلاث نسخ, وهي كما يلي: الأولى: نسخة خطية تقع في نحو تسع عشرة ورقة ومسطرتها ٢٥ سطرا محفوظة في مكتبة الرياض السعودية بدون رقم. فرغ من كتابتها عبد الله بن فارس بن ناصر بن فارس بن إبراهيم آل سميح سنة ١٢٧٨يوم الأربعاء من شهر شوال، وعلق على طرتها ما نصه: مال زيد بن محمد آل سليمان. وهي نسخة تامة مصححة ومقابلة ومكتوبة في حياة المؤلف ولذلك جعلتها أصلا. الثانية: وتقع في نحو إحدى وعشرين ورقة ومسطرتها ٢٥ سطرا, مكتوبة بقلم نسخي جيد مشكول أحيانا, ليس عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ. ويبدوا أنها كانت ضمن مجموعة إذ أن الورقة الأولى تبدأ برقم ٧٨, وقد أمدني الأخ الكريم الشيخ عبد السلام العبد الكريم بمصورتها ورمزت لها بحرف (ع) .

стр. 9

الثالثة: مطبوعة نشرتها دار العربية للطباعة ببيروت, بعناية الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، عن نسخة كتبها محمد بن عبد العزيز بن محمد سنة ١٣٠٥ يوم السبت ٢٤ من ذي الحجة كما هو مدون في آخر الرسالة. وفيها نقص وتحريف ورمزت لها بحرف (ط) . العنوان: سجل على طرة الأصل وغلاف المطبوعة: كتاب الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين. وفي نسخة (ع) : كتاب الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على من يجادل عن المشركين. وهو فرق طفيف لا يكاد يسترعي الانتباه. ويذكر ابن بشر في عنوان المجد (القسم المخطوط) أن الذي سماه بذلك هو بعض طلبته (١) . لا المؤلف ﵀, وليس هذا ببعيد؛ فلم يكن علماء الدعوة ممن كانوا في عصره يهتمون كثيرا بوضع الأسماء لكتبهم. التوثيق: نص ابن بشر في عنوان المجد (القسم المخطوط) أن الشيخ عبد الله ألف كتاب الانتصار من أجل أن يكشف عن فساد الشبهة التي أثارها تلميذه داود بن جرجيس البغدادي (ت١٢٩٩) ولبس بها على الناس. ثم ألف كتابه الكبير تأسيس التقديس فتتبع فيه دعاويه وفندها وآهال عليها التراب (٢) . وذكره العلامة ابن قاسم في الدرر السنية (٣) .

стр. 10

منهج التحقيق: اعتمدت نسخة مكتبة الرياض السعودية أصلا؛ لجودتها وقدمها وعارضت النسختين الأخريين بها, وأثبت ما بينها من فروق. ولم أتصرف في النص إلا بحسب ما تمليه الضرورة من تعديل أو إضافة, مع الإشارة إلى ذلك في موضعه. وقمت بعزو الآيات وتخريج الأحاديث والآثار, ورد النصوص إلى مصادرها ما استطعت إلى ذلك سبيلا, كما فسرت ما ظننته غامضا وترجمت لغير المشهورين. أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يحفظ علينا ديننا ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. والحمد لله حمدا كثيرا كما يحب ربنا ويرضى. كتبه الوليد بن عبد الرحمن آل فريان الرياض – ٢٧/٤/١٤٠٩هـ

стр. 11

نص الكتاب مدخل ... بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه (٢) , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا (٣) وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا. أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) – فلما أعلمنا الله سبحانه إنما (٥) خلقنا لعبادته, وجب علينا الاعتناء بما خلقنا له علما وعملا- (٦) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٧) الآية وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (٨) . قال ابن عباس ﵄: كل ما في القرآن من الأمر بالعبادة فالمراد به التوحيد (٩) .

стр. 12

وبذلك أرسل (١) الله جميع الرسل. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٣) . وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه أن يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٤) قال مالك وغير واحد من المفسرين: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت (٥) , وقال عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃: الطاغوت الشيطان (٦) . قال ابن كثير: وهو قول قوي جدا, فإنه يتناول كل (٧) ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها (٨) . ذكره على قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ﴾ (٩) الآية.

стр. 13

قال النووي: قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله (١) . وقال الجوهري: الطاغوت الشيطان وكل رأس في الضلالة, انتهى (٢) . وما تضمنته هذه الآيات ونحوها من آي القرآن- من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له, والنهي عن عبادة غيره- هو معنى لا إله إلا الله. قال ابن جرير في الكلام على معنى لفظ الجلالة قال: وروي لنا, عن ابن عباس قال: أي هو ذو الألوهية والعبودية (٣) على خلقه أجمعين (٤) . وقال الجوهري في الصحاح: أله – بالفتح- إلاهة, أي: عبد عبادة. قال: ومنه قولنا" الله. وأصله إلاه على وزن فعال, بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه بمعنى معبود (٥) قال: والتأليه التعبيد، والتأله التنسك والتعبد. قال رؤبة (٦) : سبحن واسترجعن من تألهي (٧) (٨) . انتهى (٩) . وقال في القاموس: أله إلاهة وألوهة وألوهية: عبد/ عبادة، ومنه لفظ

стр. 14

الجلالة، قال: وأصله إله بمعنى مألوه, وكل ما اتخذ معبودا, إله (١) عند متخذه. قال: والتأله التنسك والتعبد (٢) . وفي المصباح: ألَه- من باب تعب – إلهة بمعنى عبد عبادة, وتأله تعبد, والإله المعبود وهو الله سبحانه. استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله. انتهى (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإله هو المعبود المطاع، فهو إله بمعنى مألوه. وقال ابن القيم: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا, وإنابة وإكراما, وتعظيما وخوفا, ورجاء وتوكلا (٤) . وقال ابن رجب: الإله: هو الذي يطاع فلا يعصى, هيبة له وإجلالا ومحبة, وخوفا ورجاء وتوكلا عليه, وسؤالا منه ودعاء له, ولا يصلح ذلك إلا لله, فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية, كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول (٥) : لا إله إلا الله, ونقصا في توحيده, وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك, وهذا كله من فروع الشرك (٦) . وقال ابن هبيرة في الإفصاح (٧) قوله: شهادة أن لا إله إلا الله

стр. 15

تقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله, قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) وينبغي أن يكون الناطق بها شاهدا فيها, فقد قال الله تعالى- ما أوضح به- أن الشاهد بالحق إذا لم يكن عالما بما شهد به, فإنه غير بالغ من الصدق به مع من شهد لك (٢) بما يعلمه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . قال: واسم الله: مرتفع بعد إلا, من حيث أنه الواجب له الإلهية, فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: واقتضى الإقرار بها أن تعلم أن كل ما فيه أمارة للحدث فإنه لا يكون إلها, فإذا قلت: إلا إله إلا الله. اشتمل نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله، فيلزمك إفراده سبحانه بذلك وحده. قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة هي مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية, وأثبت الإيجاب لله كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله. انتهى. وقال أبو عبد لله القرطبي في التفسير: إلا إله إلا هو. أي: لا معبود إلا هو (٤) . وقال الزمخشري (٥) : الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس, اسم (٦) يقع على كل معبود بحق أو باطل, ثم غلب على المعبود بحق (٧) .

стр. 16

وقال البقاعي/: لا إله إلا الله. أي: انتفى انتفاءا عظيما أن يكون معبود (١) بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة, وإنما يكون علما إذا كان نافعا, وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه, وإلا فهو جهل صرف. انتهى (٢) . وجميع المفسرين يفسرون الإله بالمعبود. والمشركون يعرفون ذلك؛ لأنهم أهل اللسان. فلما طلب منهم النبي ﷺ أن يقولوا: لا إله إلا الله. قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (٣) . وهم يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور, رب كل شيء ومليكه؛ كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من كتابه. والله سبحانه فرض على عباده معرفة معنى: لا إله إلا الله, وأن يعلموا أن لا إله إلا هو (٤) . قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . وترجم البخاري على الآية فقال: باب العلم قبل القول والعمل (٥) . أشار (٦) إلى أن العلم بمعنى: لا إله إلا الله, أول واجب. ثم بعد ذلك القول والعمل. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٧) لم يقل: ليقولوا: إنما هو إله واحد (٨) .

стр. 17

وقال: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (١) أي: واعلموا أن لا إله إلا هو. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) قال المفسرون: إلا من شهد بلا إله إلا الله, وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم (٣) . وقد قال النبي (٤) ﷺ : "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" (٥) . واستدل العلماء بهذه الآيات ونحوها: على أن أول واجب على الإنسان معرفة الله. ودلت هذه الآيات (٦) : على أن آكد الفرائض العلم بمعنى لا إله إلا الله, وأن أعظم الجهل نقص العلم بمعناها؛ إذ كان معرفة معناها آكد الواجبات, فالجهل (٧) بذلك أعظم الجهل وأقبحه. ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفيا وإثباتا، عاب ذلك, وقال: لسنا مكلفين بالناس والقول فيهم! فيقال له: بل أنت مكلف بمعرفة التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله, وأرسل جميع الرسل يدعون إليه, ومعرفة ضده وهو

стр. 18

الشرك الذي لا يغفر. ولا عذر لمكلف في الجهل بذلك. ولا يجوز فيه التقليد؛ لأنه أصل الأصول. فمن لم يعرف المعروف وينكر المنكر فهو هالك, لاسيما أعظم المعروف / وهو التوحيد, وأكبر المنكرات وهو الشرك. قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: هلكت إن لم آمر بالمعروف وأنه عن المنكر! فقال ابن مسعود: هلكت إن لم يعرف قلبك المعروف وينكر المنكر (١) . وبمعرفة التوحيد يعرف أهله؛ كما قال علي ﵁: اعرف الحق تعرف أهله. وأما الإقرار بتوحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبره, فهذا يقر به المسلم والكافر, ولابد منه. لكن لا يصير به الإنسان مسلما، حتى يأتي بتوحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل, وأبى عن الإقرار به المشركون, وبه يتميز المسلم عن الشرك وأهل الجنة من أهل النار. وقد أخبر سبحانه في مواضع من كتابه عن المشركين: أنهم يقرون بتوحيد الربوبية. ويحتج عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على إشراكهم في توحيد الإلهية, قال سبحانه: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الآية (٢) .

стр. 19

قال البكري الشافعي (١) في تفسيره على هذه الآية: إن (٢) قلت: إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟. قلت: كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام, عبادة الله والتقرب إليه. لكن في طرق مختلفة: ففرقة قالت: ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة؛ لعلظمته فعبدناها لتقربنا إليه زلفى. وفرقة قالت: الملائكة ذوو وجاهة عند الله, فاتخذنا (٣) أصناما على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة (٤) قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة؛ كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت: أن لكل صنم شيطانا موكلا بأمر الله, فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله, وإلا أصابه شيطانه بنكبة بأمر الله (٥) . وقال ابن كثير عند قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٦) : إنما يحملهم على عبادتهم؛ أنهم عمدوا إلى أصنام (٧) اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم,

стр. 20

فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة, ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم وما ينوبهم/ من أمر الدنيا. قال قتادة, والسدي, ومالك- عن زيد بن أسلم, وابن زيد -: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [أي] (١) : ليشفعوا لنا ويقربونا عنده [منزلة] (٢) . ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٣) . ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ (٥) قال ابن عباس وغيره: إذا سألتهم من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. وهم يعبدون معه غيره (٦) !! ففسروا (٧) الإيمان في هذه الآية: بإقرارهم بتوحيد الربوبية, والشرك – بعبادتهم غير الله- وهو توحيد الألوهية (٨) . فلما تقرر معنى: الإله, وأنه المعبود. تعين علينا معرفة حقيقة العبادة وحدها. فعرفها بعضهم بأنها: ما أمر به (٩) شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي.

стр. 21

وقال بعضهم: هي كمال الحب مع كمال الخضوع. وهذا يستلزم طاعة المحبوب والانقياد له. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه, من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: كالصلاة والزكاة, والصيام, والحج, وصدق الحديث, وأداء الأمانة, وبر الوالدين, وصلة الأرحام, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والدعاء والذكر, و [قراءة] (١) القرآن, وأمثال ذلك من العبادة (٢) . فالدين كله داخل في العبادة. فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله, وأنه المعبود, وعرف حقيقة العبادة. تبين له أن من جعل شيئا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلها, وإن فر من تسميته معبودا أو (٣) إلها, وسمى ذلك توسلا وتشفعا أو التجاء (٤) ونحو ذلك. فالمشرك: مشرك شاء أم أبى؛ كما أن المرابي مراب شاء أم أبى, وإن لم يسم ما فعله ربا, وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها, وفي الحديث عن النبي ﷺ :" يأتي ناس من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" (٥) . فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه, كتسمية البوادي سوالفهم الباطلة حقا, وتسمية الظلمة ما يأخذونه من الناس بغير اسمه!!!

стр. 22

ولما سمع عدي بن حاتم – وهو نصراني – قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ (١) قال للنبي ﷺ : إنا لسنا نعبدهم!! قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه, ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟! " قال. قلت: بلى! قال: "فذلك/ عبادتهم" (٢) , فعدي ﵁: ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم لهم (٣) . فأخبره (٤) ﷺ أن ذلك عبادة منهم لهم, مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم. وكذلك ما يفعله عباد القبور: من دعاء أصحابها, وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات, والتقرب إليهم بالذبائح والنذور. عبادة منهم للمقبورين، وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة. وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط. ما كانوا يظنون أن قولهم: اجعل لنا ذات أنواط, كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ولم يظنوا أن هذا من التأله لغير الله الذي تنفيه: لا إله إلا الله؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله , ويعرفون معناها-لأنهم العرب – لكن

стр. 23

خفيت عليهم هذه المسئلة؛ لحداثة عهدهم بالكفر. حتى قال النبي ﷺ : "الله أكبر, إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة, قال: إنكم قوم تجهلون. لتركبن سنن من كان قبلكم" (١) . فإن قيل: فالنبي (٢) ﷺ لم يكفرهم بذلك!! قلنا: هذا يدل على أن من تكلم بكلمة كفر جاهلا بمعناها, ثم نبه فتنبه أنه لا يكفر. ولا شك أن هؤلاء: لو اتخذوا ذات أنواط بعد إنكار النبي ﷺ عليهم, لكفروا. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ *وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣) الضمير في قوله ﴿َجَعَلَهَا﴾ راجع لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ . قال مجاهد وقتادة: هي شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يزال في ذرية

стр. 24

إبراهيم من يعبدوا (١) الله وحده (٢) . ففي الآية والحديثين قبلها: بيان لمعنى لا إله إلا الله، وأن المراد منها البراءة من التأله والعبادة لغير الله, وإفراده سبحانه بالعبادة. ومن أعظم المصائب: إعراض أكثر الناس عن النظر في معنى هذه الكلمة العظيمة, حتى صار كثير منهم يقول: من قال: لا إله إلا الله، ما نقول فيه شيئا وإن فعل ما فعل!!؛ لعدم معرفتهم بمعنى هذه الكلمة نفيا وإثباتا. مع أن قائل ذلك لا بد أن يتناقض, فلو قيل له: ما تقول فيمن قال: لا إله إلا الله, ولا يقر برسالة محمد بن عبد الله؟؟. لم يتوقف في تكفيره (٣) ، أو أقر بالشهادتين وأنكر البعث؟ لم يتوقف في تكفيره/! أو استحل الزنا أو اللواط أو نحوهما, أو قال: إن الصلوات الخمس ليست بفرض! أو أن صيام رمضان ليس بفرض؟! فلا بد أن يقول بكفر من قال ذلك!! فكيف لا تنفعه لا إله إلا الله إذن (٤) , ولا تحول بينه وبين الكفر! فإذا ارتكب ما يناقضها: وهو عبادة غير الله: وهو الشرك الأكبر الذي هو أكبر الكبائر. قيل: هو يقول لا إله إلا الله, ولا يجوز تكفيره؛ لأنه يتكلم بكلمة التوحيد!! لكن آفة الجهل والتقليد أوجبت ذلك. وهؤلاء ونحوهم إذا سمعوا من يقرر أمر التوحيد ويذكر الشرك, استهزأوا به وعابوه!

стр. 25

قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه – في أثناء كلام له: - والضالون مستخفون بتوحيد الله: يعظمون دعاء غيره من الأموات, وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به, كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ الآية (١) . فاستهزأوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك, وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد؛ لما في أنفسهم من تعظيم الشرك. وكذلك من فيه (٢) شبه منهم: إذا رأوا من يدعو إلى التوحيد, استهزأوا بذلك (٣) ؛ لما عندهم من الشرك. ومن كيد الشيطان لمبتدعة هذه الأمة- المشركين (٤) بالبشر من المقبورين وغيرهم-: لما (٥) علم عدو الله أن كل من قرأ القرآن أو سمعه, ينفر من الشرك ومن عبادة غير الله. ألقى في قلوب الجهال أن هذا الذي يفعلونه مع المقبورين وغيرهم, ليس عبادة لهم، وإنما هو توسل وتشفع بهم، والتجاء إليهم ونحو ذلك. فسلب العبادة والشرك اسمهما (٦) من قلوبهم, وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب, ثم ازداد اغترارهم وعظمت الفتنة, بأن صار بعض من ينسب (٧) إلى علم ودين يسهل عليهم ما ارتكبوه من الشرك, ويحتج

стр. 26

لهم بالحجج الباطلة. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 27

فصل (اعتراض) ... فصل وقد أورد بعضهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ذكر كلاما وحكايات تدل على أن دعاء الأموات ليس بشرك, كما ذكر أنه روي أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة (١) فرآه وهو يأمره أن يأتي / إلى عمر بن الخطاب فيأمره أن يستسقي بالناس, وغير ذلك من الحكايات. قال بعض المجادلين: لو سُلِّم لكم في بعض الأمور أنها شرك أو كفر, فإن الشيخ ذكر في اقتضاء الصراط المستقيم (٢) : أن المتأول, والمجتهد المخطئ , والمقلد, مغفور لهم ما ارتكبوه من الشرك والكفر!! فهذا تلبيس من الناقل, وكذب على الشيخ ﵀؛ لأنه إنما قال ذلك في سياق الكلام في بعض البدع: كتحري دعاء الله عند قبر النبي ﷺ , أو غيره. فقال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده, ويعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع, وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له نوع من الفائدة, وذلك لا يدل على

стр. 28

أنها مشروعة. ثم العامل قد يكون متأولا, أو مخطئا مجتهدا (١) أو مقلدا: فيغفر له خطؤه (٢) ,ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع (٣) . قال: والحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة (٤) شرعية, بمنزلة سائر العبادات. وقد علم أن العبادة المشتملة على وصف مكروه, قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها؛ لاجتهاده, أو تقليده (٥) , أو حسناته, أو غير ذلك. ثم ذلك لا يمنع أن ذلك مكروه منهي عنه, وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه (٦) . قال: فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها, فكثيرا ما يكون من هذا الباب (٧) . ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم سَوَّغ (٨) لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد. لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة. أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات: فلا. ففرق (٩) بين العفو عن الفاعل والمغفرة له, وبين إباحة فعله أو المحبة له. وإنما [يثبت] (١٠) استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة نبيه،

стр. 29

وما كان عليه السابقون الأولون. وما سوى هذا من الأمور المحدثة: فلا تستحب, وإن اشتملت أحيانا على فوائد, لأننا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها (١) . ولما قرر ﵀: أن تحري الدعاء عند القبور منهي عنه. قال: ولا يدخل في هذا الباب أن قوما سمعوا السلام من قبر النبي ﷺ , أو قبور غيره من الصالحين, وأن سعيد بن المسيب (٢) كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة. / فهذا كله حق ليس مما نحن فيه, والأمر أجل من ذلك وأعظم. قال: وكذلك أيضا ما يروى أن رجلا جاء إلى قبر النبي ﷺ , وشكا إليه الجب عام الرمادة, فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج فيستسقي بالناس (٣) . فإن هذا ليس من هذا الباب. وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ , أو غيره حاجة فتقضى. فإن هذا قد وقع كثيرا, وليس هو مما نحن فيه (٤) . إلى أن قال: وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة عند القبور, ولا قصد الدعاء والنسك عندها؛ لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع (٥) .

стр. 30

ثم قال ﵀: فذكرت هذه الأمور؛ لأنها (١) مما يتوهم أنها معارضة لما قدمنا, وليس كذلك. فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور, واتخاذها مساجد استهانة بأهلها (٢) , بل لما يخاف عليهم من الافتتان, وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها. فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهي الناس عن ذلك. انتهى (٣) . فانظر قوله: وليس هذا مما نحن فيه. وليس فيه معارضة لما ذكرنا؛ لأنه قرر أن قصد القبور لدعاء الله عندها بدعة منهي عنه، وكذلك قرر أن دعاء الأموات والغائبين والاستغاثة بهم شرك, وذكر أنه ليس في جميع ما ذكره معارضة لما قرره؛ دفعا لما قد يتوهم. واحتج بعض من يجادل عن المشركين: بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته (٤) . على أن من ارتكب الكفر جاهلا لا يكفر, ولا يكفر إلا المعاند. والجواب عن ذلك كله: أن الله سبحانه أرسل رسله مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (٥) . وأعظم ما أرسلوا به , ودعوا إليه: عبادة الله وحده لا شريك له,

стр. 31

والنهي عن الشرك الذي هو (١) عبادة غيره. فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله، فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند. مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله, بل لابد أن يتناقض؛ فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ , أو شك في البعث, أو غير ذلك من أصول الدين. والشاك جاهل!. والفقهاء ﵏: يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد: وأنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه /: نطقا, أو فعلا, أو شكا, أو اعتقادا (٢) . وسبب الشك: الجهل. ولازم هذا: أنا لا نكفر (٣) جهلة اليهود والنصارى, ولا الذين يسجدون الشمس والقمر والأصنام لجهلهم, ولا الذين حرقهم علي ابن أبي طالب ﵁ بالنار (٤) ؛ لأننا نقطع أنهم جهال!!!

стр. 32

وقد أجمع العلماء على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال. وقال الشيخ تقي الدين: من سب الصحابة وواحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي, أو أن جبرائيل غلط. فلا شك في كفر هذا, بل لا يُشكُّ (١) في كفر من توقف في تكفيره. قال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر, أو أنهم فسقوا. فلا ريب في كفر قائل ذلك, بل من شك في كفره فهو كافر. قال: ومن ظن أن قوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢) . بمعنى: قدر , وأن الله ما قدر شيئا إلا وقع, وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله: فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب كلها. انتهى (٣) . ولا ريب أن أصحاب (٤) هذه المقالة: أهل علم وزهد وعبادة, وأن سبب دعواهم هذه:الجهل. وقد أخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم في شك مما تدعوهم إليه الرسل, وأنهم في شك من البعث، فقالوا لرسلهم: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٥) وقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٦) وقال إخبارا عنهم: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٧) .

стр. 33

وقال عن الكفار: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٢) . ووصفهم بغاية الجهل، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٣) . وقد ذم الله المقلدين بقوله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٤) الآيتين, ومع ذلك كفرهم . واستدل العلماء بهذه الآية (٥) ونحوها: على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة. وحجة الله سبحانه قائمة على الناس بإرسال الرسل إليهم, وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته. قال الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة (٦) ﵀ – لما انجر كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب؟ ورجح قول الجمهور: إنه ليس كل مجتهد مصيبا (٧) بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين

стр. 34

قال-: وزعم الجاحظ (١) أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك (٢) الحق: فهو معذور غير آثم. إلى أن قال: أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله، ورد عليه وعلى رسوله؛ فإنا (٣) نعلم قطعا أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه, وذمهم على إصرارهم, وقاتل جميعهم (٤) , يقتل البالغ (٥) . ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل, وإنما الأكثر مقلدة: اعتقدوا دين آبائهم تقليدا, ولم يعرفوا معجزة (٦) النبي (٧) وصدقه. والآيات الدالة (٨) في القرآن على هذا كثيرة (٩) , كقوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (١٠) . وقال: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (١١) ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (١٢) ، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ (١٣) ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١٤)

стр. 35

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الآية (١) . وفي الجملة: ذم المكذبين للرسول مما لا ينحصر في الكتاب والسنة. انتهى (٢) . والعلماء يذكرون: أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو قال في واحدة منها (٣) : إنها سنة لا واجبة, أو جحد حل الخبز ونحوه, أو جحد تحريم الخمر أو نحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله: كفر, وإن كان مثله يجهله: عرف ذلك, فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل , ولم يقولوا: فإذا تبين له الحق وعاند: كفر. وأيضا، فنحن لا نعرف أنه معاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه، أو لا أقوله (٤) ، وهذا لا يكاد يوجد. وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب: أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات: أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند. فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا, أو مجتهدا مخطئا (٥) , أو مقلدا، أو جاهلا: معذور (٦) . مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله: فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ ونحو ذلك (٧) /. وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له, مع

стр. 36

شكه في صفة من صفات الرب سبحان: فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له. كذا قال غير واحد من العلماء (١) . ولهذا قال الشيخ تقي الدين ﵀: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها: كفر, وإن كان مثله يجهلها: لم يكفر. قال: ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله؛ لأنه لا يكون (٢) إلا بعد بلوغ الرسالة (٣) . وكذا قال ابن عقيل (٤) , وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة. واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات: أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه: فلا , كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله. وقد قدمنا بعض كلامه في الإتحادية وغيرهم، وتكفيره من شك في كفرهم. قال صاحب اختياراته (٥) : والمرتد: من أشرك بالله، أو كان (٦) مبغضا لرسوله أو لما جاء به, أو ترك إنكار كل منكر بقلبه، أو توهم أن من الصحابة (٧) من قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك, أو أنكر مجمعا (٨) عليه إجماعا قطعيا, أو جعله بينه وبين الله وسائط: يتوكل

стр. 37

عليهم ويدعوهم ويسألهم (١) ، ومن شك في صفة من صفات الله ومثله لا يجهلها: فمرتد. وإن كان مثله يجهلها: فليس بمرتد؛ ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله تعالى (٢) . فأطلق فيما تقدم من المفكرات، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره, مع أن رأي الشيخ رحمه الله تعالى- في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم- خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام (٣) . قال المجد (٤) ﵀: كل بدعة كفرنا فيها الداعية, فإنا نفسق المقلد فيها, كمن يقول بخلق القرآن, أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه (٥) مخلوقة, أو أنه لا يرى في الآخرة, أو يسب الصحابة تدينا, أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك. فمن كان عالما في شيء (٦) من هذه البدع: يدعو إليه ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره. نص أحمد على ذلك في مواضع. انتهى. فانظروا (٧) ! كيف حكموا (٨) بكفرهم مع جهلهم.

стр. 38

فصل (مما يتعين الاعتناء به) ... فصل ومما يتعين الاعتناء به: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله/ على رسوله, فقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (١) . قال شيخ الإسلام: ومعرفة حدود الأسماء واجبة؛ لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم, لاسيما حدود ما أنزل الله على رسوله من الأسماء: كالخمر، والربا. فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات, وبين ما ليس كذلك. وقد ذم الله سبحانه من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. انتهى (٢) . ففرض على المكلف: معرفة حد العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها (٣) ، ومعرفة حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر. وتجد كثيرا ممن يشتغل بالعلم لا يعرف حقيقة الشرك الأكبر, وإن قال: إنه الشرك في العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (٤) ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٥) , وقوله ﷺ : " حق الله

стр. 39

على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" (١) !!. فإنه- (٢) مع اعترافه بأن الشرك الذي حرمه الله: هو الشرك في العبادة- لا يعرف حد العبادة وحقيقتها، وربما قال: العبادة التي صرفها لغير الله شرك: الصلاة والسجود. فإذا طلب منه الدليل على أن الله سمى الصلاة لغيره أو السجود لغيره شركا, لم يجده. وربما قال: لأن ذلك خضوع, والخضوع لغير الله شرك. فيقال له: هل (٣) تجد في القرآن (٤) أو السنة تسمية هذا الخضوع شركا؟. فلا يجده. فيلزمه أن يقول: لأنه عبادة لغير الله. فيقال: وكذلك الدعاء, والذبح والنذر: عبادات، مع ما يلزم هذه العبادات من أعمال القلوب: من الذل والخضوع, والحب والتعظيم، والتوكل والخوف, والرجاء وغير ذلك. وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة" (٥) .

стр. 40

وقد قرن الله سبحانه بين الصلاة والذبح في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فكما أن الصلاة لغير الله: شرك, فكذا قرين الصلاة، وهو الذبح لغيره (٢) : شرك. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) . ومن العجب: قول بعض من يحتج للمشركين بالأموات: إنهم لا يرجون قضاء حاجاتهم من الميت /ونحوه. فنقول: هذا مكابرة ومغالطة؛ لأنه من المعلوم عند كل ذي عقل: أنهم ما دعوهم وتذللوا وخضعوا لهم، وبذلوا أموالهم بالنذور (٤) والذبائح؛ إلا لأنهم يرجون حصول مطلوبهم, وقضاء حاجاتهم من جهتهم. فكيف يتصور عند عاقل أن يسمع من يسأل الميت والغائب حاجة بأن يقول: اعطني كذا, أو (٥) أنا في حسبك, ويستغيث به في دفع عدو أو كشف ضر, ويتذلل ويخضع له, ثم يقول: إنه لا يرجو حصول مطلوبه ودفع مرهوبه من جهته!!
следующие страницы →