← Акыда

Акыда · id 7563

الإيمان بين السلف والمتكلمين

أحمد بن عطية الغامدي

Полный текст (205 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأنزل عليه قرآناً عربياً، معجزة خالدة، ودستوراً ناطقاً بالحق، وهادياً إلى سواء السبيل، ومصدِّقاً لِما بين يديه من الكتاب، وناطقاً بكل أمر رشيد، أحمده سبحانه، لا أُحصي ثناءاً عليه، وأُصلِّي وأُسلِّم علىخير خلقه وخاتم رسله سيدنا ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومَن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: فقد يسّر الله ﵎ لي الالتحق بقسم الدراسات العليا الشرعية، بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز. ولمّا كان من نظم الجامعة أن يكتب كل طالب بحثاً علمياً في مجال تخصصه لينال به درجة الماجستير، ولما كان تخصصي في الشريعة الإسلامية، وفي فرع العقيدة بالذات، وكانت العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي عليه ينبني التشريع، وتتوطد دعائمه، ولما كان هذا الدين يشمل جميع مناحي الحياة البشرية علماً، وعملاً، واعتقاداً وقد بيَّن الله ﵎ في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ،جميع ما يجب أن نعتقد وأن نعمل، ورسم لنا منهجاً واضحاً لا لبس فيه، ولا غموض، وألزمنا بالتمسك به، فليس لنا أن نحيد عنه، أو نسلك سبلاً من شأنها أن تبعدنا عن منهجه، وتزجّ بنا في متاهات الخلف، والافتراق، لا سيما ذلك الافتراق المشؤوم الذي حدث في مجال العقيدة،

стр. 2

الفصل الرابع: وكان عن بيان وجهة نظر السلف إزاء المتكلمين في مسألة الاستثناء. وأما الخاتمة: فقد ذكرت فيها النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث. وقد رجعت في بحثي هذا إلى أهم المصادر وعلى رأسها كتاب الله تعالى والصحيحان، وقد رجعت في بيان مذهب السلف إلى كتبهم ككتاب السنة للإمام أحمد، وكتاب الشريعة للآجرى، وكتاب الإيمان لابن تيمية وغيرها. أما المتكلمون: فإنني لم أقلْ قولاً عنهم إلا بإسناده إلى مرجعه من كتبهم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، حتى لا أكون متجنياً على أحد، كما رجعت إلى كتب الفِرق لإيضاح المذاهب التي لم نجد كتباً تخصّها. وقد بذلت أقصى جهدي في سبيل تحقيق الغرض المنشود من رواء هذا البحث والوصول به إلى هذا المستوى، فإن كنت قد وُفقت فذلك من الله، وبتوفيقه وعونه، والله الهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3

ففرّق هذه الأمة وباعد بين قلوبها، مع وضوح المنهج الرّباني، وصراحة الوحي في كل ما قرره وأرشد إليه. وإن هذا الاختلاف الذي حدث في الأمة الإسلامية، كان منشؤوه العدول عن منهج القرآن الكريم واستبداله بمناهج عقلية سقيمة أدّت بأصحابها إلى الفرقة والتناحر والضلال. ولما كانت مسألة الإيمان من أهم المسائل التي وقع الافتراق فيها بين إفراط وتفريط، مع أن الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صريحة الدلالة إلى ما يجب أن يُتبع وما ينبغي أن يُقال في هذا الموضوع. ولما كانت هذه المسألة، مسألة مصيرية بالنسبة للإنسان المسلم، فقد توكلت على الله وقررت أن يكون موضوع رسالتي ((الإيمان بين السلف والمتكلمين)) وذلك لعدة أسباب منها: أولاً: أن السلف الصلاح قد تمسكوا في بيانهم لِما يتعلق بالإيمان، بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . ولم يتعسّفوا في توجيه الدليل، فكان بيانهم لهذه المسألة واضحاً جلياً، لا تعقيد فيه ولا غموض. ثانياً: أن مذهب السلف هو المذهب المنطقي الذي يتماشى مع صرح القرآن وصحيح السنة. ثالثاً: أن مذاهب المتكلمين مع تمسكها هي أيضاً بالوحي قد تكلّفت في توجيه نصوصه، وتعسّفتها، وحمّلتها ما لا تحتمل من معانٍ، ووجهتها غير وجهتها بغض النظر عن بعض الفرق التي وافقت السلف في بعض ما ذهبوا إليه. رابعاً: أن المتكلمين قد ظلموا الإنسان المسلم، وجاروا عليه، إذ أن منهم مَن أُطلق له العنان حتى جاروا على الدين نفسه فمحوه كلية من ملامح الحياة وذلك بادعائهم أن الإنسان في حلٍّ مما يفعل وما يقول إذا اشتمل قلبه فقط على الإيمان. ومنهم مَن ظلم الإنسان المسلم أيضاً بإخراجه عن نطاق الإسلام وإدخاله في الكفر البواح.

стр. 4

خامساً: أن تلك المذاهب الكلامية قد جنَتْ على الدين الإسلامي ككل، إذ أنها تؤدي إلى تقاعس أهله عن تطبيق تعاليمه. وإسهاماً في درء تلك الأخطار التي اشتملت عليها تلك المذاهب قررت أن يكون موضوع الإيمان هو موضوع بحثي، حيث حاولت من خلال ما كتبت أن أُبيِّن الصحيح الذي يجب أن يُتبع، والسقيم الذي يجب أن يُنبذ. وقد اقتنعت بهذا الموضوع، ووافق المسؤولون على تسجيله، فاستعنت بالله تعالى، وتوكلت عليه، واستمديثت منه العون والتوفيق، وحاولت جاهداً أن أرسم الخطة التي تؤدي إلى الغرض الذي قصدت. وقسمت رسالتي إلى: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة. أما المقدمة: فقد ذكرت فيها الدوافع والأسباب التي حملتني على اختيار هذا الموضوع للدراسة، كما بيَّنت فيها الخطة والمنهج الذي سرت عليه في كتابة الرسالة. وأما التمهيد: فقد عرفت فيه تعريفاً موجزاً بالسلف والمتكلمين وأما الباب الأول: فقد بيَّنت فيه مذهب السلف في الإيمان، وأدلتهم التي تمسكوا بها، وقد قسمته إلى خمسة فصول: الفصل الأول: وكان لبيان مذهب السلف في حققة الإيمان. الفصل الثاني: وقد بينت فيه رأي السلف في الصلة بين الإيمان والإسلام. الفصل الثالث: وكان لإيضاح مذهب السلف في زيادة الإيمان ونقصه. الفصل الرابع: وبينت فيه موقف السلف من العصاة. الفصل الخامس: وقد كان عن وجهة نظر السلف في مسألة الاستثناء، وقد بينت في كل ذلك الأدلة التي استندوا إليها في تقرير ما ذهبوا إليه. وأما الباب الثاني: فقد عقدته لبيان مذاهب المتكلمين في الإيمان. وقسمته إلى فصول سبعة:

стр. 5

الفصل الأول: كان في مذهب الخوارج في الإيمان. الفصل الثاني: مذهب المرجئة. الفصل الثالث: وكان عن أبي حنيفة والإرجاء، وقد بينت في هذا الفصل مذهب أبي حنيفة في الإيمان، والأساس الذي استند إليه مَن اتهمه بالإرجاء، ثم تكلمت عن مدى صحة هذه التهمة، مبيِّناً أنه ليس مرجئاً بالمعنى المتفق على ذمِّه بين جميع الطوائف. الفصل الرابع: وكان عن بيان مذهب الجهمية. الفصل الخامس: عن مذهب الكرامية. الفصل السادس: وكان عن بيان مذهب المعتزلة في مسائل الإيمان. أما الفصل السابع: فتناولت فيه مذهب الأشاعرة في مسائل الإيمان أيضاً. وقد تناولت عند بيان مذهب كل فرقة ذكر الأدلة التي استندوا إليها لتقرير مذهبهم. الباب الثالث: وقد عقدته للمقارنة بين مذهب السلف، ومذاهب المتكلمين مبيِّناً موقف السلف منهم، وجوابهم عن أدلتهم التي استندوا إليها، ومن ثم تقرير المذهب الصحيح على ضوء هذه المقارنة. وقد قسمت هذا الباب أيضاً إلى فصول: الفصل الأول: كان عن موقف السلف من المتكلمين في حقيقة الإيمان. الفصل الثاني: وكان عن موقف السلف من المتكلمين في زيادة الإيمان ونقصه. الفصل الثالث: وكان عن موقف السلف من المتكلمين في حكم العصاة.

стр. 6

تمهيد وقبل البدء في بيان المذاهب في الإيمان، أرى من المناسب أن أُنبَّه إلى أن المقصود بالسلف صحابة رسول الله ﷺ ، ومن تبعهم بإحسان، أولئك الرجال الذين سلكوا منهج القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، دون أن يحيدوا عنها إلى فلسفات عقلية، قد تجر صاحبها إلى مهالك لم يكن يتوقعها. وصحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بأحسان، لم يكونوا لِيتكلموا في مسألة عقدية إلا بلسان القرآن، ومنطوق السنة، لأن العقيدة أمور تتعلّق بالغيب، ومبنية على التوقيف فلا اجتهاد فيها، وكل مسلم لا يسعه إلا الوقوف عند دلائل الوحي الإلهي. من هنا ورد بيان النبي ﷺ للفرقة الناجية ـ بأنها المتمسكة بما هو عليه هو وأصحابه من التزامٍ لطريق الوحي، وتطبيقٍ لِما يرشد إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، مدحه ﷺ للقرون الثلاثة الأولى بقوله: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". ومن استقرائنا لمنهج أصحاب هذه القرون الثلاثة من الصحابة الذين هم موضع القدوة للجميع، وهم المقصودون بالقرن الأول في الحديث، ومن التابعين الذين نهجوا نهجهم في الالتزام بالنصوص والوقوف عند دلائلها، وهم المعنيون بالقرن الثاني، ومن اتباع التابعين الذين سلكوا طريق سلفهم الصالح في ذلك المنهج، نجدهم قد اعتمدوا في بيان العقائد على الوحي، فلم يأخذوها إلا من الكتاب والسنة فيأخذون من القرآن أصل

стр. 7

العقيدة، والدليل الذي بُنيت عليه، ويمنعون العقل من الجموح إلى ما يبعد عن الوحي من الطرق المبتدعة، ويقيدونه بالتفكر في آيات الله، وفي إيضاح العقيدة من خلال كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبذلك اتضح المتهج السلفي القويم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وكل مَن سايرهم في ذلك المنهج ممن جاء بعدهم إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله فإنه يُعدُّ سلفياً، فأولئك سلف، ومن تبعهم في طرق استنتاج العقائد وإيضاحها فهو سلفي. أما المتكلمون فهم أولئك القوم الذي فضّلوا أن يسلكوا طرقاً عقلية لإيضاح العقائد، وقد تصل بهم في أغلب الأحيان إلى الإعراض عن مسلك القرآن، وتفضيل تلك المسالك العقلية على الأدلة النقلية، مما يؤدي بهم أحياناً إلى فهم لا يتفق مع الوحي، فكل من تكلم في العقائد أو في بعضها بطريق العقل المجرد فهو متكلم. وهذا اللقب فيما يظهر لي أنه قد لزمهم من جانب السلف، إذ ورد أن الإمام الشافعي ﵀ قال: " حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبَلَ على الكلام ". وعلى كل حال فإنهم هم أنفسهم قد ارتضوا هذه التسمية، فكانوا يُسمُّون كتبهم بها كما في ((غاية المرام في علم الكلام)) لسيف الدين الآمدي، ((ونهاية الأقدام في علم الكلام)) للشهرستاني، وغيرها. وهذه تسمية مطابقة لِما هم عليه من مناهج، فإنك إذا فتحت كتاباً واحداً من كتبهم تجدهم يطيلون الكلام في سَوْق حجج عقلية، ومناظرات كلامية لإثبات معتقد، أو لإبطال آخر، ضاربين صفحاً في كثيرٍ من الأحيان عن مناهج القرآن والسنة. ومناهج المتكلمين العقلية مذمومة في جملتها من جانب السلف، لأنها

стр. 8

بلغت بهم إلى حد تمجيد العقل، وجعله مهيمناً حتى على النص وما خالفه من نصوص أَوَّلوها لِتُوافق تصوُّر العقل. وعلى كل حال فإن الفَرق بين السلف والمتكلمين يتضح بالمنهج وحده، فمَن نَهَجَ طريق القرآن في إثبات العقائد فهو سلفيّ. ومَن حاد عنها واشتغل بالطرق العقلية بعيداً عن الوحي فهو متكلم كائناً مَن كان.

стр. 9

الباب الأول: مذهب السلف في الإيمان الفصل الأول: في حقيقة الإيمان ... الفصل الأول مذهب السلف في حقيقة الإيمان إذا استعرضنا رأي السلف حول حقيقة الإيمان فإننا نجد عباراتهم قد اختلفت في التعبير عنهما، فمالك، وأبوبكر بن عياش، وعبد العزيز بن أبي سلمة ١، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد يقولون: الإيمان: المعرفة والإقرار والعمل ٢. وسُئل فضيل بن عياض عن الإيمان فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقبول بالقلب والعمل به ٣. وقال عبيد بن عمير الليثي٤: ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن الإيمان قول يُعقل وعمل يُعمل ٥. وقد حصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀

стр. 10

عباراتهم المستعملة في أربع: قول وعمل، وقول وعمل ونية، وقول وعمل واتباع السنة، وقول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح ١. وقد بيَّن شيخ الإسلام ﵀ مقصود السلف في عباراتهم هذه بقوله: " والمقصود هنا، أن مَن قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يُفهَم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب. ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يُفهَم منه النية، فزاد ذلك. ومن زاد اتباع السنة، فلأن ذلك كله لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال، والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه أربعة، بينوا مرادهم، كما سُئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل، فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذاك كان قولاً وعملاً ونية لا سنة فهو بدعة " ٢. وبهذا البيان الشافي من شيخ الإسلام، يندفع ما قد يتوهم من خلاف بين عبارات السلف، لأنها جميعها تلتقي عند مفهوم واحد، فجميعهم يقولون لا بدَّ من تصديق القلب وإظهار هذا التصديق بالقول باللسان، ثم التصديق العملي لذلك، بالقيام بعمل ما أوجبه الله ورسوله من الأعمال الظاهرة، والباطنة، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه منها، وفق الكتاب والسنة، كما قال محمد بن الحسين الآجري: " ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب، والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً " ٣.

стр. 11

ويقول ابن تيمية ﵀: " كان مَن مضى من سلفنا، لا يفرِّقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل ... فمَن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدَّق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومَن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدِّق بعمله، كان في الآخرة من الخاسرين. وهذا معروف عن غير واحد من السلف، والخلف، أنهم يجعلون العمل مصدِّقاً للقول " ١. ومن القائلين بأن الإيمان قول وعمل: الأئمة الثلاثة، أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وغيرهم٢. وقد ذكر هذا القول أيضاً عن هؤلاء الأئمة وغيرهم، أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة حيث بسط عقيدة كل إمام في باب مستقل، وكلهم يقول بأن الإيمان قول وعمل. كما أن الإمامين الجليلين، صاحبي أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى، اللذين اتفقت الأمة بأسرها على جلالتهما، وعلوِّ قدرهما، قد قالا بهذا القول أيضاً، وعوَّلا عليه في كتابيهما واستدلا له استدلالاً واضحاً جلياً. فقد رتب الإمام البخاري كتاب الإيمان من صحيحه ترتيباً ينمُّ عن عقيدته في القول بركنية العمل في الإيمان، وفضلاً عن ذلك فقد استهل كتاب الإيمان بقوله: وهو قول وفعل، ويزيد وينقص. ثم سرد أدلته على ذلك من الكتاب والسنة. ويتضح لنا مما تقدم أن السلف ـ عليهم رحمة الله ـ لم يكتفوا في الإيمان بجانب واحد بل يرون أنه لا بد من الاعتقاد بأنه مكوَّن من أمور ثلاثة، لا غنى عن أحدها، فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وكلهم مجمعون على ذلك، لأنهم رأوا أن

стр. 12

الكتاب والسنة يؤيدان هذا المعتقد، بل يشتملان على ما يوجب الأخذ به دون سواه. وقبل البدء في إيضاح أدلتهم على معتقدهم هذا، أرى من الضروري أن أشير إلى أن قول شيخ الإسلام الهروي١: الإيمان تصديق كله. والذي ذكره عنه ابن تيمية ٢، لا يتنافى مع الأقوال المتقدمة، والتي اتضح لنا أن المراد منها واحد في المعنى، وكذلك تعبير الشيخ الهروي هنا عن الإيمان، يلتقي معها في المفهوم المعنوي، لأن مراده أن كل ركن من أركان الإيمان، يصدق عليه اسم التصديق، كما أن اعتقاد القلب يعتبر تصديقاً، فكذلك القول باللسان، يصدِّق هذا الاعتقاد، ويبرز وجوده. والعمل يدلُّ على صدق الإنسان فيما اعتقده بقلبه، وأبرزه بلسانه، فإن الإنسان إذا عمل بالواجبات، وتفانى في عمله، فإن ذلك أكبر برهان على صدق ما ادعاه بلسانه، واعتقده بقلبه. وبعد أن اتضح لنا رأي السلف في حقيقة الإيمان القائل بتركُّبه من أمور ثلاثة، تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، واتفاقهم جميعاً على هذا الاعتقاد، إليك عرضاً لأدلتهم التي استندوا إليها. أدلة السلف على مذهبهم في حقيقة الإيمان: إن طريق أهل السنة، كما هو معروف من استقرائنا لِما قدَّموه لنا من تراث عظيم في مجال العقيدة الإسلامية، ومن مواقفهم البطولية في الدفاع عنها، وتثبيت مبدئهم ومنهجهم الذي يسيرون عليه في بيانها وإيضاحها،

стр. 13

ومن ثم تقديمها لنا واضحة جلية لا تعقيد فيها: أنهم لا يعدلون عن النص الصحيح، ولا يعارضونه بمعقول، ولا بقول فلان وفلان، كما قال الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ " كنا عند الشافعي ﵀ فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال: " قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا "، فقال رجل للشافعي: " ما تقول أنت؟ " فقال: " سبحان الله! أتراني في كنيسة؟ تراني على وسطي زنّار؟! أقول لك قضى رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! " ١. ونظائر هذا في كلام السلف كثير، فجميعهم يعلم أن الوحي الإلهي هو الذي يرسم للبشرية معتقدها الصحيح، ويرشدها إلى سبل الخير، ومناهج التطبيق، وأما العقل البشري فقاصر عن تصور العقيدة الصحيحة بمفرده، ووظيفته تنحصر في التفكر في آيات الله في الكون، من خلال توجيهات الوحي الإلهي، وتدبُّر ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله من إيضاح للعقيدة السليمة، إذ ليس لأحد رأي مع التوجيهات النبوية السديدة، ولا قول مع قول الرب ﵎، لأنه سبحانه قد أوقف البشر عند حدود رسمها لهم، وقيَّدهم بقضائه، وقضاء رسوله ﵊، الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ حيث يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢. وتماشياً مع هذا المبدأ، وسيراً على ذلك الطريق السوي، والمنهج القويم، فإن السلف ـ رحمهم الله تعالى ـ لم يقولوا رأيهم السابق في حقيقة الإيمان، إلا بعد استقراءٍ لنصوص الكتاب والسنة، وسبرٍ لأغوارهما، حيث انتهوا إلى القول به، واعتقاده، وإبطال ما سواه، لأنه هو الرأي الذي يسنده الدليل، ويرشد إليه الوحي الإلهي دون ما سواه. فمن أدلتهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ

стр. 14

أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ...﴾ ٣. وغير ذلك من الآيات التي تضيف الإيمان إلى القلب. قالوا: وهذه الآيات دالة على ما لزم القلب من فرض الإيمان، وهو التصديق الجازم، ولا ينفع القول به إذا لم يكن القلب مصدقاً بما ينطق به اللسان مع العمل ٤. وأما فرض الإيمان باللسان فدليله قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ...﴾ ٥. وقال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ٦. وقال ﵊: " أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... " ٧.

стр. 15

فهذه أدلة على وجوب الإيمان باللسان نطقاً ١. ومن أبرز الأدلة على أن الأعمال من الإيمان: تسميته سبحانه للصلاة إيماناً في قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسُئل رسول الله ﷺ عنهم فنزلت هذه الآية ٣. ثم أنزل الله ﵎ فرض الزكاة، حيث قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٤، فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة وأقاموا الصلاة، غير أنهم ممتنعون من الزكاة، كان ذلك مزيلاً لما قبله، وناقضاً للإقرار والصلاة، كما أن إباء الصلاة قبل ذلك ناقض لما تقدم من الإقرار٥. وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام قوله تعلى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) ﴾ ٦، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ ٧. أوردها كدليل على أن العمل من الإيمان، وقال بعد ذلك: أفلست تراه ﵎، قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخرة؟ فأي شيئ يتَّبع بعد كتاب الله

стр. 16

وسنة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده، الذين هم موضع القدوة والإمامة؟! ١. والحاصل، أن أدلة السلف على أن الأعمال ركن في الإيمان، من القرآن الكريم، كثيرة جداً، وقد حصرها الآجري ﵀ في ستة وخمسين موضعاً، حيث قال: " واعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم، يا أهل القرآن، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقَّههم الله في الدين، بعلم الحلال والحرام، أنكم إن تدبرتم القرآن، كما أمركم الله ، وعلمتم أن الله أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه ، لم يثنِ على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة، والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح. وقرن بالإيمان العمل الصالح، ولم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده، حتى ضمَّ إليه العمل الصالح، الذي قد وفَّقهم إليه فصار الإيمان لا يتمُّ لأحد حتى يكون مصدِّقاً بقلبه، وناطقاً بلسانه، وعاملاً بجوارحه. لا يخفى، مَن تدبَّر القرآن وتصفحه وجده كما ذكرت. واعلموا ـ رحمنا الله وإياكم ـ أني قد تصفحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعاً من كتاب الله ... " ٢ ثم سرد الستة والخمسين موضعاً التي ذكر٣. ويطول بنا الحديث إن ذكرناها، ولكن مَن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى كتابه المشهور ((الشريعة)) الذي انتصر فيه لمذهب السلف. أما السنة المطهرة، فأدلة السلف منها كثيرة جداً، يصعب حصرها كذلك ولكني هنا أكتفي بذكر بعض منها فأقول: إن من أبرزها، واظهرها دلالة حديث عبد الله بن عمر ﵄ المتفق عليه: " بُنيَ الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله،

стр. 17

وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " ١. ووجه الدلالة في هذا الحديث: أنه جعل الإسلام الذي هو الإيمان كما يشهد له حديث وفد عبد القيس الآتي ـ هو مجموع هذه الأمور الخمسة، وهي أعمال، فدل ذلك على أن الأعمال من الإيمان. وهنا يَرِدُ شبهة على هذا الحديث، فقد يقول قائل: الأركان الأربعة المذكورة بعد الشهادة مبنية عليها، إذ لا يصح شيئ منها إلا بعد وجود الشهادة، فكيف يضمّ مبني إلى مبني عليه في مسمى واحد؟ وقد أجاب ابن حجر عن هذه الشبهة بقوله: أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر، ينبني على الأمرين أمر آخر، فإن قيل المبني لا بدَّ أن يكون غير المبني عليه، أجيب بأن المجموع غير من حيث الانفراد، عين من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشعر، يُجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسط والبقية أركان، فما دام الأوسط قائماً، فيسمَّى البيت موجود، لو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمَّى البيت. فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيئ واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضاً فالنظر إلى أسِّه وأركانه، الأسُّ أصلٌ، والأركان تبعٌ وتكملةٌ ٢. ومن أدلة السلف أيضاً على دخول الأعمال في الإيمان، حديث وفد عبد القيس الذي قال فيه ﷺ : " آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: " الله ورسوله أعلم "، قال: " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم " ٣. قال شارح العقيدة الطحاوية، بعد سَوْقه لهذا الحديث: " ومعلوم أنه لم

стр. 18

يردْ أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب، لِما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب، فعُلِم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود " ١. وهناك حديث جبريل المشهور٢ الذي فسر فيه الإسلام والإيمان، تفسيرَين مختلفَين. وهنا في حديث وفد عبد القيس فسر الإيمان بما فسر به الإسلام في حديث جبريل وحيث بُنيَ الإسلام على خمس الآنف الذكر. وقد يُتوهم الاختلاف بينها، ولكن توهم الخلاف يزول، إذا علمنا أن الإسلام والإيمان، إن وردا مجتمعَين ـ كما في حديث جبريل فإنه يراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر. أما إن ورد أحدهما منفصلاً عن الآخر، فإن الآخر يدخل فيه، كما في حديث وفد عبد القيس هنا وحديث بني الإسلام على خمس السابق. ومن أدلة السلف أيضاً حديث شُعب الإيمان المتفق عليه، كما ذكر ابن منده في كتاب الإيمان، حيث قال: قال محمد بن نصر: وقد جاء الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون، أو ستون شعبة، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ٣. فجعل الإيمان شُعباً بعضها باللسان والشفتَين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح. فشهادة أن لا إله إلا الله فعل اللسان، تقول: شهدتُ أشهدُ شهادة، والشهادة فعلها بالقلب واللسان، لا اختلاف بين المسلمين في ذلك، والحياء في القلب، وإماطة الأذى عن الطريق فعل سائر الجوارح" ٤اهـ. وقصارى القول، أن أدلة السلف من السنة النبوية

стр. 19

على أن الأعمال ركن في الإيمان أكثر من أن تُحصر، ولا داعي للاستطراد في ذكرها، فليس غرضنا الاستقصاء، بل التمثيل ـ وبيان طريقتهم في الاستدلال إذ أن حديثاً واحداً صحَّ عن رسول الله ﷺ ، برواية الرجال الأثبات أو آية واحدة من كتاب الله تعالى، واضحة الدلالة، كافية للاستدلال. ومَن أراد المزيد، فليرجع إلى كتب السنة، فسيجد عشرات الأحاديث التي تدل على ما ذهب إليه السلف في هذا الموضوع. ولكن الذي يهمني هنا، هو بيان مذهب السلف، الذي يتمثل في اعتقادهم أن الإيمان عبارة عن أمور ثلاثة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. والاعتقاد القلبيّ هو الأصل الذي لا شيئ قبله، والأعمال بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب. فمَن لم يصدِّق الإيمان بعمل جوارحه، كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والجهاد، وأشباه ذلك، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه العمل تكذيباً منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكر تصديقاً منه لإيمانه. إذ أن الدين الإسلامي يتَّسم بالإيجاب، ولا مجال للسلبية فيه، وترك العمل، سلب لروح هذا الدين الحنيف، الذي أتى لِيحثَّ على العمل والتسابق فيه، بعد تطهير النفوس من شوائب الشرك وأدران الجاهلية. إلا أن السلف ﵏ في قولهم بأن العمل جزء من الإيمان، وأن التصديق القلبيّ والإقرار اللساني أجزاء أخرى، يقفون من رأي الخوارج والمعتزلة موقف المضاد. إذ أن هؤلاء الأخيرين يعتبرون الإيمان كلاًّ لا يتجزأ، وإن تركَّب من الأمور السالفة الذكر، لذلك قالوا بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وسلبه اسم الإيمان، وإطلاق الكفر عليه عند الخوارج، وجعله في منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة. أمّا السلف فقالوا بتجزّء الإيمان فيمكن ذهاب بعضه، وبقاء بعضه الآخر، فيذهب بعض الإيمان بترك بعض الأعمال الواجبة، مالم يكن مستحلاً لتركها بالطبع. وقد بيّن ابن منده ذلك بقوله: " وقال أهل الجماعة: الإيمان (هي) ١ الطاعات كلها بالقلب واللسان

стр. 20

وسائر الجوارح، غير أن له أصلاً وفرعاً، فأصله المعرفة بالله، والتصديق له، وبه وبما جاء من عنده بالقلب، واللسان مع الخضوع له، والحب له، والخوف منه، والتعظيم له مع ترك التكبّر والاستخفاف والمعاندة، فإذا أتى بهذا الأصل فقد دخل في الإيمان، ولزمه اسمه وأحكامه ولا يكون مستكملاً له حتى يأتي بفرعه، وفرعه المفترض عليه أداء الفرائض، واجتناب المحارم " ١ وساق حديث شعب الإيمان، وكلام محمد بن نصر. وبهذا يندفع ما قيل ويقال بأن رأي السلف هذا يؤدي إلى قول الخوارج والمعتزلة.

стр. 21

الفصل الثاني الصلة بين الإيمان والإسلام هذه المسألة مما اختلف فيها السلف ـ رحمهم الله تعالى ـ نظراً لاختلاف فهمهم لبعض النصوص التي وردت في هذا الموضوع. واختلافهم يدور حول آراء ثلاثة: (١) القول الأول: القول بالترادف بينهما، وأنهما اسمان لِمسمَّى واحد. وهذا الرأي قال به جماعة من السلف منهم الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ فقد قال في صحيحه: باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي، ثم قال ﷺ : " جاء جبريل يعلِّمكم دينكم "، فجعل ذلك كله ديناً. وما بيَّن النبي ﷺ لِوفد عبد القيس من الإيمان، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١ ثم ساق حديث جبريل ﵇ ٢. ومحصّل كلامه على ما ذكره الإمام ابن حجر في فتح الباري: أن المصنِّف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد، فلما كان ظاهر

стр. 22

سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة، وأراد أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته، قوله " وبيان " أي مع بيان أن الاعتقاد والعمل دِين، وقوله " وما بيَّن " أي مع ما بيَّن للوفد أن الإيمان هو الإسلام، حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا، وقول الله أي مع ما دلَّت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ودل عليه خير أبي سفيان١ أن الإيمان هو الدين، فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد ٢ أهـ. ومن هذا الكلام يتبيَّن لنا جزم الإمام البخاري بالترادف. وممن قال بهذا الرأي أيضاً، الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده حيث قال في كتابه ((الإيمان)) : " ذكر الأخبار الدالة، والبيان الواضح من الكتاب، أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى، وأن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه، هو الإسلام الذي جعله الله ديناً، وارتضاه لعباده، ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه ولم يرضَه لعباده " ٣. ثم بدأ في سرد أدلته من القرآن الكريم على هذا المعتقد، ومن أدلته ـ وهي طبعاً أدلة كل مَن وافقه في هذا الرأي ـ: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه﴾ ٥. فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية، وأخبر أن مَن أسلم فهو على نور من ربه وهدىً، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه لعباده، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٦. ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه، وسألوه إياه، فقال إبراهيم

стр. 23

وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ١، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٤، وقال في موضع آخر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٥فحكم الله بأن مَن أسلم فقد اهتدى، فسوَّى بينهما٦. وهذا هو رأي محمد بن نصر المروزي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ٧. وأصحاب هذا الرأي فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٨ بأن المراد بالإسلام في هذه الآية، الاستسلام خوف السبي والقتل، مثل إسلام المنافقين قالوا: وهؤلاء كفار، فإن الإيمان لم يدخل قلوبهم ومَن لم يدخل الإيمان في قبله فهو كافر. وقد ترجم الإمام البخاري لهذه الآية بقوله: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٩ يعني أن المقصود بالإسلام هنا الحقيقة اللغوية لا الشرعية، يقولون: إن كل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، فإثبات أحدهما، هو بعينه إثبات الآخر، ونفي أحدهما هو نفي الآخر.

стр. 24

(١) القول الثاني: التفريق بين مسمَّى الإسلام والإيمان، وأن الإسلام هو الكلمة والإيمان هو العمل. وهذا قول جماعة من السلف، منهم الزهري وحماد بن زيد، ورواية عن أحمد، كما ذكر ابن منده عن عبد الملك الميموني قال: سألت أحمد بن حنبل: " أتفرِّق بين الإيمان والإسلام؟ " قال: " تعم ... " وقال بهذا القول جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عبد الله بن عباس، والحسن، ومحمد بن سيرين١. واستدل هؤلاء بآية الحجرات: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٢. وقالوا: إن التفسير الصحيح للآية ليس كما ذكره البخاري ومَن حذا حذوه، لأن القول الراجح في تفسير هذه الآية أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان، لا أنهم منافقون، كما نفي الإيمان عن القاتل، والزاني، والسارق، ومَن لا أمانة له. ويؤيد هذا سياق الآية، فإن السورة من أوَّلها إلى هنا، في النهي عن المعاصي، وأحكام بعض العصاة، ونحو ذلك، وليس فيها ذكر المنافقين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ ٢ ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة. ثم قال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٣، يعني ـ والله أعلم ـ أن المؤمنين الكاملي الإيمان، هم هؤلاء لا أنتم، بل أنتم منتفٍ عنكم الإيمان الكامل. يؤيد هذا أنه أمرهم، أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك، ولو كانوا منافقين لَنُفيَ عنهم الإسلام، كما نُفيَ عنهم الإيمان، ونهاهم أن يمنّوا بإسلامهم، فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنّوا به على رسوله، ولو لم يكن إسلاماً صحيحاً لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون، كما كذَّبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ٤. ومن

стр. 25

أدلة أصحاب هذا الرأي أيضاً، حديث سعد بن أبي وقاص: إن رسول الله ﷺ أعطى رجالاً، ولم يعطِ رجلاً منهم شيئاً، فقلت: " يارسول الله، أعطيت فلاناً وفلاناً،ولم تعطِ فلاناً وهو مؤمن "، فقال رسول الله ﷺ : " أو مسلم. أعادها ثلاثاً، والنبي ﷺ يقول: أو مسلم، ثم قال: إني لأعطي رجالاً وأمنع آخرين، وهم أحب إليَّ منهم، مخافة أن يُكَبوا على وجوههم في النار " ١. وقالوا: إن الإيمان خاص، يثبت الاسم به بالعمل مع التوحيد، والإسلام عام، يثبت الاسم بالتوحيد، والخروج من ملل الكفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر هذا القول وأشار إلى استدلال أصحابه بحديث سعد السابق، قال: " وهذا على وجهين، فإنه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام، الذي بيَّنه النبي ﷺ ، حيث قال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " ٢. وقد يراد به الكلمة فقط، من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو الذي جعله النبي ﷺ . لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا، فيقال: الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي ﷺ أُلزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ولم يكن أحد يُترك بمجرد الكلمة، بل كان مَن أظهر المعصية يُعاقب عليها. وأحمد إن كان أراد من هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتان فقط، فكل مَن قالها فهو مسلم، فهذه إحدى الروايات عنه. والرواية الأخرى: لا يكون مسلماً حتى يأتي بها ويصلي، فإذا لم يصلِّ كان كافراً. والثالثة: إنه كافر بترك الزكاة أيضاً. والرابعة: إنه يكفر بترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها، دون ما إذا لم يقاتل، وعنه أنه لو قال: أنا

стр. 26

أؤديها، ولا أدفعها إلى الإمام، لم يكن للإمام أن يقتله. وكذلك عنه رواية: إنه يكفر بترك الصيام والحج، إذا عزم أنه لا يحج أبداً. ومعلوم أنه على القول يكفر تارك المباني، يمتنع أن يكون الإسلام مجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يُشهد له بالإسلام، ولا يُشهد له بالإيمان الذي في القلب، ولا يُستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس، كما أُمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يُستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد، ولاتنقص، فلا استثناء فيه " ١. كما أشار ابن تيمية ﵀ إلى ضعف القولين السالفين، ووصفهما بالتطرف ومخالفتهما لحديث جبريل، وسائر أحاديث النبي ﷺ ٢. وصحة ما قاله ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ حول ما ذكر من الأقوال ظاهرة، ويزيدها وضوحاً ما سيأتي عند ذكر القول الثالث، الذي هو تحقيق مذهب السلف في هذه المسألة. (١) القول الثالث: وهو تحقيق مذهب السلف، الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذا الموضوع، أن بين الإسلام والإيمان تلازماً مع افتراق اسميهما، وأنَّ حال اقتران الإسلام بالإيمان، غير حال إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم، كشيئ واحد. كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لِمَن لا إسلام له، ولا إسلام لِمَن لا إيمان له، إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصحُّ إسلامه.

стр. 27

وهذا المعنى صحيح وسليم في نظري، لأن لكلٍّ من الإيمان والإسلام حقيقة شرعية مستقلة، كما أن لكلٍّ منهما حقيقة لغوية مستقلة، وغاية ما يقال أنهما متلازمان في الوجود، لا مترادفان في الحقيقة والمعنى. ولقوة ارتباط كل منهما بالآخر، فإنه إذا وُجد أحدهما منفرداً في نص من النصوص، لا يمكننا أن نتصوره وحده، فيكون الآخر داخلاً فيه على سبيل التلازم والارتباط وتحقيق الهدف المراد من كلٍّ منهما مجتمعين. وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الوجهة بقوله: " إذا قيل إن الإسلام والإيمان التام متلازما، لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر، كالروح والبدن، لا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حيّ إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح، ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيّاً إلا مع الروح بمعى أنهما متلازمان، لا أن مسمَّى أحدهما هو الآخر. وإسلام المنافقين كبدن الميت، جسد بلا روح، فما من بدنٍ حيٍّ إلا وفيه روح، ولكن الأوراح متنوعة ... " ١. وهذا الرأي في نظري أسلم، وأوْجَه، لأن النصوص تدل على ذلك دلالة واضحة والقول به يُعتبر جمعاً بين الآراء التي تَقدَّم ذكرها، لأن غاية ما يقال للتقريب بين الأراء المختلفة: إن مَن قال بالترادف، إنما قاله مبالغة منه في قوة ارتباط الإسلام والإيمان كل منهما بالآخر، حتى لكأنَّهما شيئ واحد. ومَن قال بأن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، فإنه لم يُرِد الكلمة مجردة عن توابعها المذكورة في حديث جبريل، وإنما أرادها مع توابعها، وأنه حقيقة شرعية للإسلام، تختلف عن الحقيقة الشرعية للإيمان الواردة في حديث جبريل وهي أعمال القلب، ولم يُرِد أنهما متغايران، بحيث يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر في الاعتبار الشرعي. وعليه فإن هذا الرأي أجمع للنظرتين، وأبعد عن التعبيرات التي قد تُوهم اعتقاداً لم يقصده السلف، وهو إنكار الحقيقة الشرعية المستقلة على الرأي الأول، وتُوهم التغاير بينهما

стр. 28

على الرأي الثاني مما يؤدي إلى إنكار النصوص الشرعية الواردة في بيان المذهب السليم الذي نحن بصدد سياقه. أما آية الحجرات السالفة الذكر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فإن تفسير أصحاب الرأي الأول لها أصح، لأنه نفى أن يكون الإيمان قد دخل قلوبهم نفياً قاطعاً، فيكون الإسلام الوارد في الآية المقصود منه الحقيقة اللغوية لا الشرعية. أما النصوص التي هي مناط الاستدلال لهذا الرأي الأخير ـ وهو القول بالتلازم بين الإسلام والإيمان مع افتراق اسميهما ـ فحديث جبريل المشهور، وحديث وفد عبد القيس. أما حديث جبريل، فقد رواه عبد الله بن عمر عن أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتَيه إلى ركبتَيه، ووضع كفَّيه على فخذَيه، وقال: " ما محمد، أخبرني عن الإسلام "، فقال رسول الله ﷺ : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة،وتصوم رمضان، وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلاً "، قال: " صدقت ". قال: فعجِبنا له يسأله ويصدِّقه. قال:" فأخبرني عن الإيمان "، قال:" أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "، قال:" صدقت ". قال: " فأخبرني عن الإحسان " ...١. وأما حديث وفد عبد القيس، فرواه مسلم في صحيحه، عن ابن

стр. 29

عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا هذا الحيّ من ربيعة، بيننا وبينك كفار مضر، فلا نخلص إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمر نعمل به، وندعوا إليه من رواءنا، قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله، ثم فسرها لهم فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن أربع ... " ١. ووجه الاستدلال بهذين الحديثين: أن النبي ﷺ فرق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل، فجعل الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الاعتقاد الباطن وهذا يدل على اختلافهما من حيث الحقيقة الشرعية، ودفعاً لِتوهّم التباين بينهما فقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث جبريل لنكون على علم بالتلازم في الوجود، مع افتراق الاسم وقد تقدَّم تشبيههما بالشهادتين. ودفعاً لِتوهّم التعارض بين الحديثين، فقد جمع السلف بينهما ـ على أن الإيمان والإسلام إذا ذُكرا مجتمعَين، كما في حديث جبريل، فإنه يراد من كل منهما غير ما يراد من الآخر، فيراد من الإيمان ما في القلب،من الإيمان بالله وملائكته ... إلى آخر ما ذُكر في الحديث. ويراد بالإسلام الشهادتان بتوابعهما من الأعمال الظاهرة. وإذا ذُكر أحدهما مجرداً عن الآخر دخل الآخر فيه، كما في حديث وفد عبد القيس. قال أبو عمرو بن الصلاح في كلامه على حديث جبريل: قوله ﷺ : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن،

стр. 30

وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتمُّ استسلامه ـ وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله. ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر الطاعات، لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له. ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخُمس من المغنم. ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على مَن ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة، لأن اسم الشيئ مطلقاً يُطلق على الكامل منه، ولا يُستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد، ولذلك جاز نفيه عنه في قوله ﷺ : " لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ". واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج مما ذكرنا وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، قال: وهذا تحقيق وافر بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام، والتي طالما غلط فيه الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم ١أهـ. وكلام ابن الصلاح هذا كافٍ في بيان ما يمكن أن تجتمع عليه نصوص الكتاب والسنة، التي استدل بها كل فريق. أما ما ذكره من أن الجمهور من أهل السنة يقولون: إن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، فلقائل أن يقول: كيف تثبت هذا القول على سبيل الإقرار، وأنت ذكرت في التحقيق السابق أنه لا يمكن أن يوجد إسلام بدون إيمان، إذ لا بد للمسلم من إيمان به يصح إسلامه؟ قلت: هذا صحيح، ولكنه لا يتنافى مع

стр. 31

ما ذكره ابن الصلاح هنا. إذ أننا نظرنا إليه بنظرتين، فإذا نظرنا إليه من الناحية الشرعية المعتبرة، ارتسم أمامنا القول الأول، إذ من الناحية الشرعية لا يمكن أن يوجد إسلام بدون إيمان، فالأسلام المعتبر لا بد معه من إيمان يصححه. أما هذا المعنى الذي ذكره ابن الصلاح فيمكن أنه يقصد أن كل مؤمن كامل الإيمان فهو مسلم.أما المؤمن العاصي، فإنه ناقص الإيمان، فلا يُعطى الاسم الكامل إلا بقيدٍ، أو يقال أنه مسلم ولا يقال مؤمن، لأن الإطلاق لا يكون إلا للكامل منه فحينئذٍ يكون مسلماً وليس مؤمناً بمعنى أنه ليس كامل الإيمان، لا أنه لا إيمان معه البتة. وقد يراد به المعنى اللغوي للإسلام، والمعاملة الظاهرة من قبَلنا لِمَن ادعى ذلك، ففي اللغة اسم المسلم يُطلق على المنافق الذي يدَّعي الإسلام، ولنا أن نعامله في الظاهر بأنه مسلم، فمَن أسلم بظاهره دون باطنه فهو منافق يُقبل منه ما أظهر من إسلام، لأننا لم نؤمَر بالشقِّ عن قلوب الناس، والنفاذ إلى ما وَقَرَ فيها لِتَبيُّنه، ثم اعتبار ما أخفاه في قلبه نَكِلَه إلى الله ، لأنه هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا المعنيين صحيح. لكن الظاهر أن ابن الصلاح قصد الأول منهما. أما قوله: إن الطاعات ثمرات التصديق الباطن، فإنه يقصد الإيمان في القلب، فإنه يُوجب ويقتضي القيام بالأعمال الظاهرة، التي هي لوازم له، إذ لا يُعقل وجود الملزوم بدون اللازم، فانتفاء اللازم دليل على عدم الملزوم أو ضعفه، وحينئذٍ فكل نقص يقع في الأعمال الظاهرة إنما هو انعكاس لنقص الإيمان الباطن، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار، والحب والانقياد باطناً، ولا يحصل أثر ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، لا أن الإيمان الباطن قد يكون سبباً، وقد يكون الإيمان الباطن تاماً كاملاً وهي لم توجد، كما قالت المرجئة. ومن أدلة هذا الرأي أيضاً، أن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحداً، فلولا أنهما كشيئ واحد في الحكم والمعنى،

стр. 32

ما كان ضدهما واحداً فقال سبحانه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١ وقال: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. وعلى مثل هذا أخبر رسول الله ﷺ عن الإيمان والإسلام من صنف واحد، كما في حديث وقد عبد القيس المتقدم، مع حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " بُنيَ الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،وحج البيت، وصوم رمضان " وفي رواية " وصيام رمضان، وحج البيت ". فدل ذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر إلا بإيمان باطن، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه. وهكذا يتبيَّن لنا أن هذا الرأي هو الصحيح الذي ينبغي أن يقال: والذي عليه تجتمع آراء السلف، لأن الخلاف بينهم في هذه المسألة لفظيّ في نظري إذ أن الجميع متفقون على أن العمل لا بد منه، وأن الإيمان لا قيمة له إذا لم يُشفع بالعمل. وكلهم يقول بنفصان الإيمان إذا قصر في العمل وزيادته حتى درجة الكمال، إذا حافظ الإنسان على جميع المأمورات واجتنب كافة المنهيات وتوخى الإحسان والدقة في ذلك.

стр. 33

الفصل الثالث زيادة الإيمان ونقصه هذه المسألة هي محور خلاف بين الطوائف الإسلامية، فكل فرقة منها بَنَتْ رأيها في الإيمان على أساس أن ينتج القول بالزيادة والنقصان، أو عدمهما، كما سيتبيَّن ذلك أثناء بسطنا لآرائهم في مواضعها إن شاء الله. وبيت القصيد في هذا الفصل، هو بيان المذهب الذي ارتضاه السلف ﵏، في هذه المسألة، فأقول وبالله التوفيق: إن السلف رحمهم الله تعالى، بعد أن أجمعوا على القول بركنية العمل في الإيمان، نظروا إلى الأمر الواقع، فرأوا الناس على درجات من التفاوت في الأعمال إذ لا يمكنهم التساوي في الإتيان بها على الوجه المطلوب، وذلك لتفاوت استعداداتهم في تقبّل ما يصل إليهم من التكاليف. فمنهم مَن بلغ من الكمال درجة يستطيع معها تنفيذ الأوامر التشريعية، واجتناب جميع المنهيات، التي نهى عنها الشارع الحكيم، فهو بهذا تقبّل التشريع الرَّباني، مصدِّقاً بقلبه تصديقاً جازماً، فأنتج العمل، دون تفريط. ثم أنه لم يقف عند هذا الحد بل طفق ينشد درجة أكمل، فحرص على المحافظة على الإتيان بطاعات حثَّ الشارع على الإتيان بها استحباباً لا إيجاباً، كإماطة الأذى عن الطريق، والتصدق على الفقراء، ومواساة أهل المصائب والمنكوبين، ونحو ذلك من مكارم الأخلاف وصالح الأعمال. وصنف آخر شارك هؤلاء في الإتيان بسائر الأوامر، واجتناب كافة

стр. 34

المنهيات، إلا أنه اقتصر عليها ولم يتعدَها إلى ما سواها من النوافل وثالث تقبّل التشريع وصدَّق به، إلا أنه قصر في الإتيان ببعض الواجبات تهاوناً، وقادته شهوته الجامحة إلى ارتكاب بعض المحرمات. فهؤلاء أصناف ثلاثة، على درجات متباينة من الاجتهاد في استقصاء متطلبات الإيمان. وهذا أمر واقع محسوس لا يملك أحد إنكاره، ولا يستطيع عاقل أن يساوي بين الأول والأخير، والتفاوت بينهما أوضح وأجلى من أن يُدَلَّلَ عليه بدليل. هكذا تفحَّص السلف في هذا الأمر المحسوس وعليه بنوا رأيهم في الإيمان فأجمعوا على القول بزيادته ونقصانه وتفاضل أهله فيه. فمن أتى بجميع ما أمره الله به من الأقوال والأعمال، واجتنب جميع ما أُمر باجتنابه منها، كان أكمل إيماناً ممن فرَّط في شيئ من ذلك. وعليه فإن إيمان أبي بكر وعمر ﵄، أكمل من إيمان معاوية، كما أن الرسول ﷺ أكمل الأمة إيماناً، بل أكمل البشرية كلها. وهذا القول هو الذي أجمع السلف وأصحاب الحديث على القول به واعتقاده١، ومنهم الإمام مالك بن أنس ﵁، إلا أن هناك قولاً آخر يُروى عنه وهو أن الإيمان يزيد، أما النقصان فتوقف فيه، فلم يجزم بنفي ولا إثبات. وله في ذلك شبهتان ذكرهما الإمام النووي: ١ ـ أن التصديق بالله تعالى وبرسوله ﷺ لا ينقص، لأنه إذا نقص صار شكّاً وخرج عن اسم الإيمان. ٢ ـ وقال بعضهم: إنما توقف الإيمان الإمام مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأوَّل عليه موافقة الخوارج الذين يكفِّرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب ٢.

стр. 35

وقد يكون السبب الذي دفع الإمام مالكاً إلى هذا الرأي ـ على فرض صحة نسبته إليه ـ هو أن القرآن الكريم إنما صرَّح بالزيادة ولم يتعرَّض للنقصان. ولكن الأليق بمسلك مالك الرواية الأخرى التي يوافق فيها السلف لأن الشُّبَه التي ذكرها الإمام النووي تؤدي إلى القول بأنه يقصد بالإيمان التصديق فقط، وهذا ما لم يقلْه الإمام مالك، بل المعروف عنه قوله بما قال به السلف من أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وقد تقدم ذلك. كما أن الرواية الأخرى التي تذكر عنه موافقته للسلف أقوى وأشهر من حيث أنها توافق مبدأه المعروف عنه. وقد ذكر هذه الرواية الإمام النووي أيضاً عن عبد الرزاق قال: سمعت مَن أدركتُ من شيوخنا، وأصحابنا، سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك١. كما ذكر هذا القول عن مالك أيضاً الإمام أحمد في كتاب السنة ٢ وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان من الإيمان عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يُعرف فيه مخالف من الصحابة. فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة: عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر، عن جدِّه عمير بن حبيب الخطمي، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ قال: " الإيمان يزيد وينقص "، قيل له: " وما زيادته وما نقصانه؟ " قال: " إذا ذكرنا الله وحمدناه، وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا فتلك نقصانه " ٣.

стр. 36

وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " الإيمان يزيد وينقص " ١. وقال: " إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنَّى تأتيه" ٢. فهذه أقوال وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم واضحة الدلالة منطوقاً ومفهوماً على أنهم كانوا يعتقدون زيادة الإيمان ونقصه، ولا شك أنهم أعلم بدلائل النصوص الشرعية وأكثر فهماً لها، وإنما نحن عالة عليهم وعلى من اقتفى أثرهم من سلف هذه الأمة الذين لم يحيدوا قيد أنملة عن دلائل النصوص الشرعية المتمثلة في الكتاب والسنة. ومن أبرز عبارات السلف في هذا الموضوع ما رواه البخاري في صحيحه عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ من أنه كتب إلى عدي بن عدي: " إن للإيمان فرائضاً وشرائعاً، وحدوداً وسنناً، فمَن استكملها استكمل الإيمان، ومَن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. فإن أعِشْ فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمُتْ فما أنا على صحبتكم بحريص " ٣. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن مالك بن دينار قوله: " الإيمان يبدو في القلب ضعيفاً ضئيلاً كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل، وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير له أصل وفروع وثمرة وظلَّ إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده، جاءه عنز فنتفها، أو صبي فذهب بها أو أكثر عليها الدغل فأضعفها، أو أهلكها، أو أيبسها كذلك الإيمان " ٤.

стр. 37

والآثار الواردة في هذا المعنى عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف من بعدهم كثيرة، كلها تنطق بأنهم يُجمعون على رأي واحد هو القول بزيادة الإيمان ونقصه من عدة وجوه ذكرها الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان وهي: الأول: الإجمال والتفصيل فيما أُمروا به، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملاً، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصَّل مما أخبر به الرسول ما يجب على مَن بلغه خبره، فمَن عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره , ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطناً وظاهراً، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات مؤمناً بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا وقع منه مثل إيمان مَن عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها. بل إيمان هذا أكمل وجوباً ووقوعاً، فإن ما وجب عليه من الإيمان أكمل، وما وقع منه أكمل. وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ أي في التشريع بالأمر والنهي، لا أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك، بل الناس متفاضلون في الإيمان أعظم تفاضل. الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمَن طلب علم التفصيل وعمل به، فإيمانه أكمل ممن عرف ما يجب عليه والتزمه وأقرَّ به ولم يعمل بذلك كله. وهذاالمُقرُّ المقصِّر في العمل، إن اعترف بذنبه وكان خائفاً من عقوبة ربه علىترك العمل أكمل إيماناً ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ ، ولا عمل بذلك، ولا هو خائف أن يُعاقب بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به

стр. 38

الرسول ﷺ مع أنه مُقرٌّ بنبوَّته باطناً وظاهراً، فكل ما علم القلب بما أخبر به الرسول ﷺ فصدَّقه، وما أمر به فالتزمه كان ذلك زيادة في إيمانه على مَن لم يحصل له ذلك، وإن كان معه إقرار عام والتزام. وكذلك مَن عرف أسماء الله تعالى ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيماناً مجملاً أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله تعالى، وصفاته كان إيمانه به أكمل. الثالث: أن العلم والتصديق نفسه، يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه. كما أن الحس الظاهر بالشيئ الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشمّ الرائحة الواحدة، وذوق النوع الواحد من الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة، والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها، أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها. الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به. وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك فعلم الأول أكمل. فإن قوة المسبب دلّ على قوة السبب، وهذه الأمور نشأت عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم، دل على ضعف الملزوم، ولهذا قال النبي ﷺ :" ليس المُخبَر كالمعاين ". فإن موسى ﵇ لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يُلقِ الألواح فلما رآهم قد عبدوه ألقاها. وليس

стр. 39

ذلك لِشكِّ موسى ﵇ في خبر الله لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به، وإن كان مصدِّقاً به. ومعلوم أنه عند المعاينة، يحصل له من تصور المخبَر به، ما لم يكن عند الخبر، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق. الخامس: أن أعمال القلوب، مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجائه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً عظيماً. السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة، هي أيضاً من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها. السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أُمر به، واستحضاره، بحيث لا يكون غافلاً عنه، أكمل ممن صدَّق به وغفل عنه، فإن الغفلة تضاد كمال العلم، والتصديق، والذكر، والاستحضار يكمل العلم اليقين. ولهذا قال عمير بن حبيب كما تقدم: " إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا وضيَّعنا فتلك نقصانه ". الثامن: أن الإنسان قد يكون مُكذِّباً ومُنكِراً لأمور لا يعلم أن الرسول ﷺ أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذِّب، ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدِّق بما كان مكذِّباً به، ويعرف ما كان مُنكِراً، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافراً بل جاهلاً. وهذا وإن أشبَه المجمل والمفصل لكون قلبه سليماً عن تكذيب وتصديق لشيئ من التفاصيل، وعن معرفة وإنكار لشيئ من ذلك، فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج. وأما كثير من الناس، بل من أهل العلوم والعبادات، فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف

стр. 40

ما جاء به الرسول ﷺ ، وهم لا يعرفون أنها تخالف، فإذا عرفوا رجعوا. وكل مَن ابتدع في الدين قولاً أخطأ فيه أو عمل عملاً أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسول ﷺ ، أو عرف ما قاله وآمن به، لم يعدل عنه، هو من هذا الباب. وكل مبتدِع قصد متابعة الرسول ﷺ ، فهو من هذا الباب. فمَن علم ما جاء به الرسول ﷺ ، وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك، ومَن علم الصواب بعد الخطأ، وعمل به فهو أكمل ممن لم يكن كذلك١ اهـ. (بشيئ من الاختصار) . وبعد هذا التفصيل الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية للأوجه التي يزيد الإيمان وينقص بها، أعود فأقول إن السلف جميعاً ما تقدم ذكره منهم والإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، والطبري، جميعهم يقولون إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ٢ وقد قالوا هذا القول، وجزموا باعتقاده مستندين كعادتهم إلى نصوص الوحيين الكتاب والسنة. أما الزيادة فنطق بها القرآن الكريم في آيات كثيرة ذكر بعضاً منها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مستهل كتاب الإيمان من صحيحه. فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً﴾ ٣، وقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٤، وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناًليستيقن الذين﴾ ٦، وقال ﴿الذين
следующие страницы →