← Акыда

Акыда · id 7564

الإيمان لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (357 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أيضًا، فصاحب الشرع قد نفى عنهم الاسم في غير موضع، بل قال: " قتال المؤمن كفر "، وقال: " لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض ". وإذا احتج بقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ونحو ذلك قيل: كل هؤلاء إنما سموا به مع التقييد بأنهم فعلوا هذه الأمور؛ ليذكر ما يؤمرون به هم وما يؤمر به غيرهم. وكذلك قوله: لا يكون النقصان من إقرارهم بأن الله حق وما قاله صدق، فيقال: بل النقصان يكون في الإيمان الذي في القلوب من معرفتهم ومن علمهم فلا تكون معرفتهم وتصديقهم بالله وأسمائه وصفاته، وما قاله من أمر ونهي، ووعد ووعيد، كمعرفة غيرهم وتصديقه، لا من جهة الإجمال والتفصيل، ولا من جهة القوة والضعف، ولا من جهة الذكر والغفلة، وهذه الأمور كلها داخلة في الإيمان بالله وبما أرسل به رسوله، وكيف يكون الإيمان بالله وأسمائه وصفاته متماثلاً في القلوب؟ ! أم كيف يكون الإيمان بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غفور رحيم، عزيز حكيم، شديد العقاب، ليس هو من الإيمان به؟ ! فلا يمكن مسلمًا أن يقول: إن الإيمان بذلك ليس من الإيمان به ولا يدعي تماثل الناس فيه. وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان، فهذا أيضًا حق كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج شيئًا، فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك. ومن قال: إن الإسلام هو الكلمة فقط، وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص، فقوله خطأ. ورد الذين جعلوا الإسلام والإيمان سواء إنما يتوجه إلى هؤلاء، فإن قولهم في الإسلام يشبه قول المرجئة في الإيمان. ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال: فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل؛ فإنه يدخل فيه الإيمان. وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام

стр. 317

سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك، والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ثم هؤلاء منهم من يقول: الإسلام مجرد القول. والأعمال ليست من الإسلام، والصحيح أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة كلها، وأحمد إنما منع الاستثناء فيه على قول الزهري: هو الكلمة. هكذا نقل الأثرم، والميموني وغيرهما عنه، وأما على جوابه الآخر الذي لم يختر فيه قول من قال: الإسلام الكلمة، فيستثنى في الإسلام كما يستثنى في الإيمان، فإن الإنسان لا يجزم بأنه قد فعل كل ما أمر به من الإسلام، وإذا قال النبي ﷺ : " المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده "، و " بني الإسلام على خمس "، فجزمه بأنه فعل الخمس بلا نقص كما أمر كجزمه بإيمانه، فقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] أي الإسلام كافة، أي في جميع شرائع الإسلام. وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان، ولما كان كل من أتى بالشهادتين صار مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه؛ فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة، وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها، فإن الزهري أجل من أن يخفى عليه ذلك؛ ولهذا أحمد لم يجب بهذا في جوابه الثاني خوفًا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة، ولهذا لما قال الأثرم لأحمد: فإذا قال: أنا مسلم

стр. 318

لا يستثني؟ قال نعم: لايستثنى إذا قال: أنا مسلم، فقلت له أقول: هذا مسلم، وقد قال النبي ﷺ : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه، فذكر حديث مَعْمَر عن الزهري قال: فنري أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. فبين أحمد أن الإسلام إذا كان هو الكلمة فلا استثناء فيها، فحيث كان هو المفهوم من لفظ الإسلام فلا استثناء فيه، ولو أريد بالإيمان هذا، كما يراد ذلك في مثل قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، فإنما أريد من أظهر الإسلام، فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة؛ ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي ﷺ : " اعتقها فإنها مؤمنة " أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار، وهذا هو المؤمن المطلق في كتاب الله، وهو الموعود بالجنة بلا نار إذا مات على إيمانه؛ ولهذا كان ابن مسعود وغيره من السلف يلزمون من شهد لنفسه بالإيمان أن يشهد لها بالجنة، يعنون إذا مات على ذلك، فإنه قد عرف أن الجنة لا يدخلها إلا من مات مؤمنًا. فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن قطعًا، وأنا مؤمن عند الله. قيل له: فاقطع بأنك تدخل الجنة بلا عذاب إذا مت على هذا الحال، فإن الله أخبر أن المؤمنينفي الجنة. وأنكر أحمد ابن حنبل حديث ابن عَمِيرة أن عبد الله رجع عن الاستثناء؛ فإن ابن مسعود لما قيل له: إن قومًا يقولون: إنا مؤمنون، فقال: أفلا سألتوهم أفي الجنة هم؟ وفي رواية: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة، وفي رواية قيل له: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أو في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم، فقال له عبد الله: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: أنا عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار، يروى عن عمر بن الخطاب من وجوه مرسلاً من حديث قتادة ونعيم ابن أبي هند وغيرهما.

стр. 319

والسؤال الذي تورده المرجئة على ابن مسعود ويقولون: إن يزيد بن عميرة ورده عليه حتى رجع، جعل هذا أن الإنسان يعلم حاله الآن، وما يدري ماذا يموت عليه؛ ولهذا السؤال صار طائفة كثيرة يقولون: المؤمن هو من سبق في علم الله أنه يختم له بالإيمان، والكافر من سبق في علم الله أنه كافر، وأنه لا اعتبار بما كان قبل ذلك، وعلى هذا يجعلون الاستثناء، وهذا أحد قولي الناس من أصحاب أحمد وغيرهم وهو قول أبي الحسن وأصحابه. ولكن أحمد وغيره من السلف لم يكن هذا مقصودهم، وإنما مقصودهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات، فقوله: أنا مؤمن، كقوله: أنا ولي الله، وأنا مؤمن تقي، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك. وابن مسعود ﵁ لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنًا، وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت فإن ابن مسعود أجل قدرًا من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما قال: الله ورسوله أعلم، قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات. فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك؛ ولهذا صار الذين لا يرون الاستثناء لأجل الحال الحاضر، بل للموافاة، لا يقطعون بأن الله يقبل توبة تائب، كما لا يقطعون بأن الله تعالى يعاقب مذنبًا، فإنهم لو قطعوا بقبول توبته، لزمهم أن يقطعوا له بالجنة، وهم لا يقطعون لأحد من أهل القبلة لا بجنة ولا نار، إلا من قطع له النص. وإذا قيل: الجنة هي لمن أتى بالتوبة النصوح من جميع السيئات. قالوا: ولو مات على هذه التوبة لم يقطع له بالجنة، وهم لا يستثنون في الأحوال، بل يجزمون بأن المؤمن مؤمن تام الإيمان، ولكن عندهم الإيمان عند الله هو ما يوافي به، فمن قطعوا له بأنه مات مؤمنًا لا ذنب له قطعوا له بالجنة، فلهذا لا يقطعون بقبول التوبة لئلا يلزمهم أن يقطعوا بالجنة، وأما أئمة السلف فإنما لم يقطعوا

стр. 320

الجنة لأنهم لا يقطعون بأنه فعل المأمور وترك المحظور، ولا أنه أتى بالتوبة النصوح، وإلا فهم يقطعون بأن من تاب توبة نصوحًا، قبل الله توبته. وجماع الأمر: أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا أثبت أو نفى في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا فيكلام العرب وسائر الأمم؛ لأن المعنى مفهوم. مثال ذلك: المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع، وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٨، ١٩] ، فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو، الناكلين عن الجهاد، الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين منهم، وقال في آية أخرى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦، ٥٧] ، وهؤلاء ذنبهم أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهي ولا سلق بألسنة حداد، ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنون أنهم منهم في الظاهر، فكذبهم الله وقال: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ وهناك قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ . فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلمًا مؤمنًا وليس مؤمنًا، بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنًا بل أحبط الله عمله، فهو منكم في الظاهر لا الباطن. ولهذا لما استؤذن النبي ﷺ في قتل بعض المنافقين قال: " لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه "؛ فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق كالذين علموا سنته

стр. 321

الناس وبلغوها إليهم وقاتلوا المرتدين بعد موته، والذين بايعوه تحت الشجرة وأهل بدر وغيرهم، بل الذين كانوا منافقين غمرتهم الناس. وكذلك الأنساب، مثل كون الإنسان أبًا لآخر أو أخاه، يثبت في بعض الأحكام دون بعض، فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زَمْعَة بن الأسود، في ابن وليدة زمعة، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية وولدت منه ولدًا، فقال عتبة لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني، فاختصم فيه هو وعبد بن زمعة إلى النبي ﷺ فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي عتبة عهد إلىَّ أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟ فقال عبد: يا رسول الله، أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي، فرأى النبي ﷺ شبهًا بينًا بعتبة فقال: " هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبهه البين بعتبة. فقد جعله النبي ﷺ ابن زمعة لأنه ولد على فراشه، وجعله أخًا لولده بقوله: " فهو لك يا عبد بن زمعة "، وقد صارت سودة أخته يرثها وترثه؛ لأنه ابن أبيها زمعة ولد على فراشه، ومع هذا فأمرها النبي ﷺ أن تحتجب منه لما رأى من شبهه البين بعتبة، فإنه قام فيه دليلان متعارضان: الفراش والشبه، والنسب في الظاهر لصاحب الفراش أقوى، ولأنها أمر ظاهر مباح والفجور أمر باطن لا يعلم ويجب ستره لا إظهاره، كما قال: " للعاهر الحجر " كما يقال: بِفيِكَ الكَثْكَث وبفيك الأثْلَب، أي: عليك أن تسكت عن إظهار الفجور، فإن الله يبغض ذلك، ولما كان احتجابها منه ممكنًا من غير ضرر، أمَرها بالاحتجاب لما ظهر من الدلالة على أنه ليس أخاها في الباطن. فتبين أن الاسم الواحد ينفى في حكم ويثبت في حكم، فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية، وكذلك ولد الزنا عند بعض العلماء، وابن الملاعنة

стр. 322

ند اجيع إلا من شذ، ليس بولد في الميراث ونحوه، وهو ولد في تحريم النكاح والمحرمية. ولفظ النكاح وغيره في الأمر، يتناول الكامل، وهو العقد والوطء كما في قوله: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٣] ، وقوله: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وفي النهي يعم الناقص والكامل، فينهى عن العقد مفردًا وإن لم يكن وطء كقوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٢] ؛وهذا لأن الآمر مقصوده تحصيل المصلحة، وتحصيل المصلحة إنما يكون بالدخول كما لو قال: اشتر لي طعامًا، فالمقصود ما يحصل إلا بالشراء والقبض، والناهي مقصوده دفع المفسدة، فيدخل كل جزء منه؛ لأن وجوده مفسدة وكذلك النسب والميراث معلق بالكامل منه، والتحريم معلق بأدنى سبب حتى الرضاع. وكذلك كل ما يكون له مبتدأ وكمال، ينفى تارة باعتبار انتفاء كماله، ويثبت تارة باعتبار ثبوت مبدئه، فلفظ الرجال يعم الذكور وإن كانوا صغارًا في مثل قوله: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ، ولا يعم الصغار في مثل قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥] ، فإن باب الهجرة والجهاد عمل يعمله القادرون عليه، فلو اقتصر على ذكر المستضعفين من الرجال لظن أن الولدان غير داخلين؛ لأنهم ليسوا من أهله وهم ضعفاء، فذكرهم بالاسم الخاص ليبين عذرهم في ترك الهجرة ووجوب الجهاد، وكذلك الإيمان له مبدأ وكمال، وظاهر وباطن، فإذا علقت به الأحكام الدنيوية من الحقوق والحدود كحقن الدم والمال والمواريث، والعقوبات الدنيوية، علقت بظاهره لا يمكن غير ذلك، إذ تعليق ذلك بالباطن متعذر، وإن قدر أحيانًا فهو متعسر علما وقدرة، فلا يعلم ذلك علمًا يثبت به في الظاهر، ولا يمكن عقوبة من يعلم ذلك منه في الباطن.

стр. 323

بهذين المثلين كان النبي ﷺ يمتنع من عقوبة المنافقين، فإن فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك، والذين كان يعرفهم لو عاقب بعضهم لغضب له قومه، ولقال الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، فكان يحصل بسبب ذلكنفور عن الإسلام، إذ لم يكن الذنب ظاهرًا، يشترك الناس في معرفته، ولما هم بعقوبة من يتخلف عن الصلاة، منعه من في البيوت من النساء والذرية، وأما مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهي، فإذا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائد: ٦] ونحو ذلك، فهو أمر في الظاهر لكل من أظهره، وهو خطاب في الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول، وإن كان عاصيًا، وإن كان لم يقم بالواجبات الباطنة، والظاهرة، وذلك أنه إن كان لفظ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ يتناولهم فلا كلام، وإن كان لم يتناولهم فذاك لذنوبهم، فلا تكون ذنوبهم مانعة من أمرهم بالحسنات التي إن فعلوها كانت سبب رحمتهم، وإن تركوها كان أمرهم بها، وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان، والكافر يجب عليه أيضًا، لكن لا يصح منه حتى يؤمن، وكذلك المنافق المحض لا يصح منه في الباطن حتى يؤمن. وأما من كان معه أول الإيمان، فهذا يصح منه؛ لأن معه إقراره في الباطن بوجوب ما أوجبه الرسول، وتحريم ما حرمه، وهذا سبب الصحة، وأما كماله فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار، فإن هذا الوعد إنما هو لمن فعل المأمور وترك المحظور، ومن فعل بعضا وترك بعضًا، فيثاب على ما فعله، ويعاقب على ما تركه، فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء، دون الذم والعقاب، ومن نفى عنه الرسول الإيمان، فنفى الإيمان في هذا الحكم؛ لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد. والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب، ويدفع العقاب؛ ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان عن أصحاب الذنوب، فإنما هو في خطاب الوعيد والذم، لا في خطاب الأمر والنهي، ولا في أحكام الدنيا.

стр. 324

وواسم الإسلام والإيمان والإحسان هي أسماء ممدوحة مرغوب فيها لحسن العاقبة لأهلها، فبين النبي ﷺ أن العاقبة الحسنة لمن اتصف بها على الوجه الذي بينه ولهذا كان من نفى عنهم الإيمان أو الإيمان والإسلام جميعًا ولم يجعلهم كفارا، إنما نفى ذلك في أحكام الآخرة، وهو الثواب، لم ينفه في أحكام الدنيا، لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم انتفت جميع أجزائه، فلم يجعلوا معهم شيئًا من الإيمان والإسلام، فجعلوهم مخلدين في النار، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولو لم يكن معهم شيء من الإيمان والإسلام، لم يثبت في حقهم شيء من أحكام المؤمنين والمسلمين، لكن كانوا كالمنافقين، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق بين المنافق الذي يكذب الرسول في الباطن، وبين المؤمن المذنب، فالمعتزلة سووا بين أهل الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة في نفي الإسلام والإيمان عنهم، بل قد يثبتونه للمنافق ظاهرًا، وينفونه عن المذنب باطنًا وظاهرًا. فإن قيل: فإذا كان كل مؤمن مسلمًا، وليس كل مسلم مؤمنًا الإيمان الكامل كما دل عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن، وكما ذكر ذلك عمن ذكر عنه من السلف؛ لأن الإسلام الطاعات الظاهرة، وهو الاستسلام والانقياد؛ لأن الإسلام في الأصل هو الاستسلام والانقياد، وهذا هو الانقياد والطاعة، والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة، وهذا قدر زائد، فما تقولون فيمن فعل ما أمره الله وترك ما نهى الله عنه مخلصًا لله تعالى ظاهرًا وباطنًا؟ أليس هذا مسلمًا باطنًا وظاهرًا، وهو من أهل الجنة، وإذا كان كذلك فالجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، فهذا يجب أن يكون مؤمنًا. قلنا: قد ذكرنا غير مرة، أنه لابد أن يكون معه الإيمان الذي وجب عليه. إذ لو لم يؤد الواجب لكان معرضًا للوعيد، لكن قد يكون من الإيمان ما لا يجب عليه إما لكونه لم يخاطب به، أو لكونه كان عاجزًا عنه، وهذا أولى؛ لأن الإيمان الموصوف في حديث جبريل والإسلام، لم يكونا واجبين في أول الإسلام، بل ولا أوجبا على من تقدم قبلنا من الأمم اتباع الأنبياء أهل الجنة، مع

стр. 325

نهم مؤمنون مسلمون، ومع أن الإسلام دين الله الذي لا يقبل دينًا غيره، وهو دين الله في الأولين والآخرين، لأن الإسلام عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر فقد تتنوع أوامره في الشريعة الواحدة، فضلاً عن الشرائع، فيصير في الإسلام بعض الإيمان بما يخرج عنه في وقت آخر، كالصلاة إلى الصخرة، كان من الإسلام حين كان الله أمر به، ثم خرج من الإسلام لما نهى الله عنه. ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما وجبت ليلة المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو عشرعلى أصح القولين، ولما بعث الله محمدًا ﷺ كان من اتبعه وآمن بما جاء به مؤمنًا مسلمًا، وإذا مات كان من أهل الجنة ثم إنه بعد هذا زاد [الإيمان، والإسلام] حتى قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وكذلك الإيمان، فإن هذا الإيمان المفصل الذي ذكره في حديث جبريل، لم يكن مأمورًا به في أول الأمر لما أنزل الله سورة العلق والمدثر، بل إنما جاء هذا في السور المدنية، كالبقرة، والنساء، وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون هذا الإيمان المفصل واجبًا، على من تقدم قبلنا. وإذا كان كذلك، فقد يكون الرجل مسلمًا يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومعه الإيمان الذي فرض عليه، وهو من أهل الجنة وليس معه هذا الإيمان المذكور في حديث جبريل، لكن هذا يقال: معه ما أمر به من الإيمان والإسلام، وقد يكون مسلمًا يعبد الله كما أمر، ولا يعبد غيره ويخافه، ويرجوه، ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يخاف الله لا يخاف غيره، وألا يتوكل إلا على الله، وهذه كلها من الإيمان الواجب، وليست من لوازم الإسلام، فإن الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده، والانقياد له، والعبودية لله وحده، وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه، وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده، وأن يكون أحب إليه مما سواهما، وبالتوكل عليه وحده، وبأن

стр. 326

يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به، فمن لم يتصف بها، لم يكن من المؤمنين حقًا وإن كان مسلمًا، وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله، وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته. فإن قيل: ففوات هذا الإيمان من الذنوب أم لا؟ قيل: إذا لم يبلغ الإنسان الخطاب الموجب لذلك، لا يكون تركه من الذنوب، وأما إن بلغه الخطاب الموجب لذلك فلم يعمل به كان تركه من الذنوب إذا كان قادرًا على ذلك، وكثير من الناس أو أكثرهم ليس عندهم هذه التفاصيل التي تدخل في الإيمان، مع أنهم قادمون بالطاعة الواجبة في الإسلام، وإذا وقعت منهم ذنوب تابوا واستغفروا منها، وحقائق الإيمان التي في القلوب لا يعرفون وجوبها، بل ولا أنها من الإيمان بل كثير ممن يعرفها منهم، يظن أنها من النوافل المستحبة إن صدق بوجوبها. فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان، وهو المنافق المحض، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن، ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا، وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان، ولم يأت بتمام الإيمان الواجب، وهؤلاء ليسوا فساقًا، تاركون فريضة ظاهرة، ولا مرتكبون محرمًا ظاهرًا، لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علمًا وعملاً بالقلب يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين. وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف على نفوسهم، فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق، وبعد هذا ما ميز الله به المقربين على الأبرار أصحاب اليمين من إيمان وتوابعه، وذلك قد يكون من باب المستحبات، وقد يكون أيضًا مما فضل به المؤمن إيمان وإسلام مما وجب عليه، ولم يجب علي غيره؛ ولهذا قال النبي ﷺ : " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وفي

стр. 327

الحديث الآخر: " ليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل "، فإن مراده أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده أن من لم ينكر ذلك لم يكن معه من الإيمان حبة خردل؛ ولهذا قال: " ليس وراء ذلك "، فجعل المؤمنين ثلاث طبقات، وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرهم، كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني، وكان ما يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم. فصل وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه. ومنهم من يحرمه. ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال. فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة، وكما أعلم أني أحب رسول الله، وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، وكقولي: تكلمت بالشهادتين، وقرأت الفاتحة، وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة. والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان:

стр. 328

أحدهما: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا وكافرًا، باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به. قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرًا، ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر، وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث، من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه، وإنما يشك في المستقبل، وانضم إلى ذلك أنهم يقولون: محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم، ثم هل ذلك هو الإرادة أم صفات أخر؟ لهم في ذلك قولان: وأكثر قدمائهم يقولون: إن الرضى والسخط والغضب ونحوذلك، صفات ليست هي الإرادة، كما أن السمع والبصر ليس هو العلم، وكذلك الولاية والعداوة. هذه كلها صفات قديمة أزلية عند أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن اتبعه من المتكلمين، ومن أتباع المذاهب من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم. قالوا: والله يحب في أزله من كان كافرًا إذا علم أنه يموت مؤمنًا. فالصحابة ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. وهذا على أحد القولين لهم، فالرضى والسخط يرجع إلى الإرادة، والإرادة تطابق العلم. فالمعنى: ما زال الله يريد أن يثيب هؤلاء بعد إيمانهم، ويعاقب إبليس بعد كفره، وهذا معنى صحيح، فإن الله يريد أن يخلق كل ما علم أن سيخلقه، وعلى قول من يثبتها صفات أخر، يقول هو أيضًا حبه تابع لمن يريد أن يثيبه، فكل من أراد إثابته فهو يحبه وكل من أراد عقوبته فإنه يبغضه، وهذا تابع للعلم. وهؤلاء عندهم لا يرضى عن أحد بعد أن كان ساخطًا عليه، ولا يفرح بتوبة عبد بعد أن تاب عليه، بل ما زال يفرح بتوبته. والفرح عندهم إما الإرادة وإما الرضى، والمعنى ما زال يريد إثابته أو يرضى عما يريد إثابته.

стр. 329

وكذلك لا يغضب عندهم يوم القيامة دون ما قبله، بل غضبه قديم، إما بمعنى الإرادة، وإما بمعنى آخر. فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرا، لم يزل مريدًا لعقوبته، فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه، بل وجوده كعدمه. فليس هذا بمؤمن أصلاً، وإذا علم أنه يموت مؤمنًا، لم يزل مريدًا لإثابته، وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه. فلم يكن هذا كافرًا عندهم أصلا. فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر، مثل أبي منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما. ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم. والذين فرقوا من هؤلاء قالوا: نستثنى في الإيمان رغبة إلى الله في أن يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد. لكن يقال: إذا كان قولك: مؤمن، كقولك: في الجنة، فأنت تقول عن الكافر: هو كافر. ولا تقول: هو في النار، إلا معلقًا بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعًا. وإن جاز أن يصير مؤمنًا، كذلك المؤمن. وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره. فلو قيل عن يهودي أو نصراني: هذا كافر، قال: إن شاء الله، إذا لم يعلم أنه يموت كافرًا، وعند هؤلاء لا يعلم أحد أحدًا مؤمنًا إلا إذا علم أنه يموت عليه، وهذا القول قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان، يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله. ومأخذ هذا القول، طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان اتباعًا للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف، وكان أهل الشام شديدين على المرجئة، وكان محمد بن يوسف الفريابي صاحب الثوري مرابطًا بعسقلان لما كانت معمورة، وكانت من خيار ثغور المسلمين، ولهذا كان فيها فضائل لفضيلة

стр. 330

الرباط في سبيل الله، وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعًا للسلف، واستثنوا أيضًا في الأعمال الصالحة، كقول الرجل: صليت إن شاء الله ونحو ذلك، بمعنى القبول، لما في ذلك من الآثار عن السلف. ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء، فيقول: هذا ثوبي إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، فإذا قيل لأحدهم: هذا لا شك فيه، قال: نعم، لا شك فيه، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره، فيريدون بقولهم: إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل، وإن كان في الحال لا شك فيه، كأن الحقيقة عندهم التي لا يستثنى فيها ما لم تتبدل، كما يقوله أولئك في الإيمان: إن الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه. لكن هذا القول قاله قوم من أهل العلم والدين باجتهاد ونظر، وهؤلاء الذين يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض أتباع شيخهم، وشيخهم الذي ينتسبون إليه يقال له: أبو عمرو عثمان بن مرزوق، لم يكن ممن يرى هذا الاستثناء، بل كان في الاستثناء على طريقة من كان قبله؛ ولكن أحدث ذلك بعض أصحابه بعده، وكان شيخهم منتسبًا إلى الإمام أحمد، وهو من أتباع عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج المقدسي، وأبو الفرج من تلامذة القاضي أبي يعلى. وهؤلاء كلهم وإن كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد فهم يوافقون ابن كلاب على أصله الذي كان أحمد ينكره على الكلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي من أجله، كما وافقه على أصله طائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، كأبي المعالي الجويني، وأبي الوليد الباجي، وأبي منصور الماتريدي وغيرهم، وقول هؤلاء في مسائل متعددة من مسائل الصفات، وما يتعلق بها كمسألة القرآن. هل هو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته؟ أم القرآن لازم لذاته وقولهم في [الاستثناء] مبني على ذلك الأصل. وكذلك بناه الأشعري وأتباعه عليه؛ لأن هؤلاء كلهم كلابية، يقولون: إن الله لم يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يرضى ولا يغضب على أحد بعد إيمانه وكفره ولا يفرح بتوبة التائب بعد توبته. ولهذا وافقوا السلف على أن القرآن

стр. 331

كلام الله غير مخلوق. ثم قالوا: إنه قديم لم يتكلم به بمشيئته وقدرته. ثم اختلفوا بعد هذا في القديم، أهو معنى واحد؟ أم حروف قديمة مع تعاقبها؟ كما بسطت أقوالهم وأقوال غيرهم في مواضع أخر. وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: قطعًا في شيء من الأشياء، مع غلوهم في الاستثناء، حتى صار هذا اللفظ منكرًا عندهم، وإن قطعوا بالمعنى فيجزمون بأن محمدًا رسول الله، وأن الله ربهم ولا يقولون: قطعًا. وقد اجتمع بي طائفة منهم، فأنكرت عليهم ذلك، وامتنعت من فعل مطلوبهم حتى يقولوا: قطعًا، وأحضروا لي كتابًا فيه أحاديث عن النبي ﷺ أنه نهى أن يقول الرجل: قطعًا وهي أحاديث موضوعة مختلقة، قد افتراها بعض المتأخرين. والمقصود هنا أن الاستثناء في الإيمان لما علل بمثل تلك العلة، طرد أقوام تلك العلة في الأشياء التي لا يجوز الاستثناء فيها بإجماع المسلمين، بناء على أن الأشياء الموجودة الآن إذا كانت في علم الله تتبدل أحوالها؛ فيستثنى في صفاتها الموجودة في الحال، ويقال: هذا صغير إن شاء الله؛ لأن الله قد يجعله كبيرًا ويقال: هذا مجنون إن شاء الله؛ لأن الله قد يجعله عاقلاً، ويقال للمرتد: هذا كافر إن شاء الله لإمكان أن يتوب، وهؤلاء الذين استثنوا في الإيمان بناء على هذا المأخذ، ظنوا هذا قول السلف. وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام، ينصرون ما ظهر من دين الإسلام، كما ينصر ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين، فينصرون إثبات الصانع والنبوة والمعاد ونحو ذلك. وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب أهل السنة والجماعة، كما ينصر ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم، ينصرون أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة وأن أهل القبلة لا يكفرون بالذنب ولا يخلدون في النار، وأن النبي ﷺ له شفاعة في أهل الكبائر وأن فتنة القبر حق وعذاب القبر حق، وحوض نبينا ﷺ في الآخرة حق، وأمثال ذلك من الأقوال التي شاع أنها من أصول أهل السنة والجماعة، كما ينصرون خلافة الخلفاء الأربعة، وفضيلة أبي بكر وعمر ونحو ذلك.

стр. 332

وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره لا يكون عارفًا بحقيقة دين الإسلام في ذلك، ولا ما جاءت به السنة، ولا ما كان عليه السلف. فينصر ما ظهر من قولهم، بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في الحقيقة بل بمآخذ أخر قد تلقوها عن غيرهم من أهل البدع، فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم به السلف مثل هذا الكلام وأهله، فإن كلامهم في ذم مثل هذا الكلام كثير. والكلام المذموم هو المخالف للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب، فهو مخالف للشرع والعقل، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] . فهؤلاء لما اشتهر عندهم عن أهل السنة أنهم يستثنون في الإيمان، ورأوا أن هذا لا يمكن إلا إذا جعل الإيمان هو ما يموت العبد عليه، وهو ما يوافي به العبد ربه، ظنوا أن الإيمان عند السلف هو هذا، فصاروا يحكون هذا عن السلف، وهذا القول لم يقل به أحد من السلف، ولكن هؤلاء حكوه عنهم بحسب ظنهم لما رأوا أن قولهم لا يتوجه إلاّ على هذا الأصل، وهم يدعون أن ما نصروه من أصل جهم في الإيمان، هو قول المحققين والنظار من أصحاب الحديث. ومثل هذا يوجد كثيرًا في مذاهب السلف التي خالفها بعض النظار، وأظهر حجته في ذلك ولم يعرف حقيقة قول السلف، فيقول من عرف حجة هؤلاء دون السلف، أو من يعظمهم، لما يراه من تميزهم عليه: هذا قول المحققين. وقال المحققون: ويكون ذلك من الأقوال الباطلة، المخالفة للعقل مع الشرع، وهذا كثيرًا ما يوجد في كلام بعض المبتدعين وبعض الملحدين، ومن آتاه الله علمًا وإيمانًا، علم أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق، إلا ما هو دون تحقيق السلف لا في العلم ولا في العمل، ومن كان له خبرة بالنظريات والعقليات، وبالعمليات، علم أن مذهب الصحابة دائمًا أرجح من قول من بعدهم، وأنه لا يبتدع أحد قولاً في الإسلام إلا كان خطأ، وكان الصواب قد سبق إليه من قبله. قال أبو القاسم الأنصاري، فيما حكاه عن أبي إسحاق الإسفرائيني، لما ذكر قول أبي الحسن وأصحابه في الإيمان، وصحح أنه تصديق القلب قال: ومن

стр. 333

أصحابنا من قال بالموافاة، وشرط في الإيمان الحقيقي أن يوافي ربه به، ويختم عليه. ومنهم من لم يجعل ذلك شرطًا فيه في الحال. قال الأنصاري: لما ذكر أن معظم أئمة السلف، كانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، قال: الأكثرون من هؤلاء على القول بالموافاة، ومن قال بالموافاة، فإنما يقوله فيمن لم يرد الخبر بأنه من أهل الجنة، وأما من ورد الخبر بأنه من أهل الجنة، فإنه يقطع على إيمانه، كالعشرة من الصحابة. ثم قال: والذي اختاره المحققون: أن الإيمان هو التصديق، وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في الموافاة، وأن ذلك هل هو شرط في صحة الإيمان وحقيقته في الحال، وكونه معتدًا عند الله به وفي حكمه، فمن قال: إن ذلك شرط فيه، يستثنون في الإطلاق في الحال، لا أنهم يشكون في حقيقة التوحيد والمعرفة، لكنهم يقولون: لا يدري أي الإيمان الذي نحن موصوفون به في الحال، هل هو معتد به عند الله؟ على معنى أنا ننتفع به في العاقبة، ونجتني من ثماره. فإذا قيل لهم: أمؤمنون أنتم حقًا، أو تقولون إن شاء الله؟ أو تقولون نرجو؟ فيقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، يعنون بهذا الاستثناء، تفويض الأمر في العاقبة إلى الله وإنما يكون الإيمان إيمانًا معتدًا به في حكم الله، إذا كان ذلك علم الفوز وآية النجاة، وإذا كان صاحبه والعياذ بالله في حكم الله من الأشقياء، يكون إيمانه الذي تحلى به في الحال عارية، قال: ولا فرق عند الصائرين إلى هذا المذهب، بين أن يقول: أنا مؤمن من أهل الجنة قطعًا، وبين أن يقول: أنا مؤمن حقًا. قلت: هذا إنما يجيء على قول من يجعل الإيمان متناولاً لأداء الواجبات وترك المحرمات، فمن مات على هذا كان من أهل الجنة، وأما على قول الجهمية والمرجئة، وهو القول الذي نصره هؤلاء الذين نصروا قول جهم، فإنه يموت على الإيمان قطعًا، ويكون كامل الإيمان عندهم، وهو مع هذا عندهم من أهل

стр. 334

الكبائر الذين يدخلون النار، فلا يلزم إذا وافي بالإيمان، أن يكون من أهل الجنة. وهذا اللازم لقولهم يدل على فساده؛ لأن الله وعد المؤمنين بالجنة، وكذلك قالوا: لا سيما والله يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية [التوبة: ٧٢] . قال: فهؤلاء يعني القائلين بالموافاة جعلوا الثبات على هذا التصديق، والإيمان الذي وصفناه إلى العاقبة والوفاء به في المآل شرطًا في الإيمان شرعًا، لا لغة، ولا عقلاً. قال: وهذا مذهب سلف أصحاب الحديث والأكثرين، قال: وهو اختيار الإمام أبي بكر بن فُورَك، وكان الإمام محمد بن إسحاق ابن خزيمة يغلو فيه، وكان يقول: من قال: أنا مؤمن حقًا فهو مبتدع. وأما مذهب سلف أصحاب الحديث؛ كابن مسعود وأصحابه، والثوري وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد ابن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان. وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثنى لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم، كما سنذكر أقوالهم إن شاء الله في ذلك. وأما الموافاة، فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها، من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما يعلل بها نظارهم كأبي الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث. ثم قال: إن قال قائل: إذا قلتم: إن الإيمان المأمور به في الشريعة، هو ما وصفتموه بشرائطه، وليس ذلك متلقى من اللغة، فكيف يستقيم قولكم: إن الإيمان لغوي؟ قلنا: الإيمان هو التصديق لغة وشرعًا، غير أن الشرع ضم إلى

стр. 335

التصديق أو صافًا وشرائط، مجموعها يصير مجزيًا مقبولاً، كما قلنا في الصلاة والصوم والحج ونحوها، والصلاة في اللغة: هي الدعاء، غير أن الشرع ضم إليها شرائط. فيقال: هذا يناقض ما ذكروه في مسمى الإيمان، فإنهم لما زعموا أنه في اللغة التصديق، والشرع لم يغيره، أو ردوا على أنفسهم. فإن قيل: أليس الصلاة والحج والزكاة معدولة عن اللغة، مستعملة في غير مذهب أهلها. قلنا: قد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح أنها مقررة على استعمال أهل اللغة، ومبقاة على مقتضياتها، وليست منقولة إلا أنها زيد فيها أمور. فلو سلمنا للخصم كون هذه الألفاظ منقولة، أو محمولة على وجه من المجاز بدليل مقطوع به، فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك في الإيمان. فإنه لا يجب إزالة ظواهر القرآن بسبب إزالة ظاهر منها. فيقال: أنتم في الإيمان جعلتم الشرع زاد فيه وجعلتموه كالصلاة والزكاة، مع أنه لا يمكن أحدًا أن يذكر شيئًا من الشرع دليلاً على أن الإيمان لا يسمى به، إلا الموافاة به وبتقدير ذلك، فمعلوم أن دلالة الشرع على ضم الأعمال إليه أكثر وأشهر، فكيف لم تدخل الأعمال في مسماه شرعًا؟ وقوله: لابد من دليل مقطوع به عنه جوابان: أحدهما: النقض بالموافاة، فإنه لا يقطع فيه. الثاني: لا نسلم، بل نحن نقطع بأن حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك، داخل في مسمى الإيمان في كلام الله ورسوله أعظم مما نقطع ببعض أفعال الصلاة والصوم والحج، كمسائل النزاع، ثم أبو الحسن، وابن فُورَك وغيرهما من القائلين بالموافاة، هم لا يجعلون الشرع ضم إليه شيئًا، بل عندهم كل من سلبه الشرع اسم الإيمان، فقد فُقِدَ من قلبه التصديق. قال: ومن أصحابنا لم يجعل الموافاة على الإيمان شرطًا في كونه إيمانًاحقيقيًا في الحال، وإن جعل ذلك شرطًا في استحقاق الثواب عليه، وهذا مذهب المعتزلة

стр. 336

والكرامية، وهو اختيار أبي إسحاق الإسفرائيني، وكلام القاضي يدل عليه، قال: وهو اختيار شيخنا أبي المعالي، فإنه قال: الإيمان ثابت في الحال قطعًا لا شك فيه، ولكن الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به وقرنوه بالاستثناء، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز. قال: ومن صار إلى هذا يقول: الإيمان صفة يشتق منها اسم المؤمن، وهو المعرفة والتصديق، كما أن العالم مشتق من العلم، فإذا عرفت ذلك من نفسي قطعت به كما قطعت بأني عالم وعارف ومصدق، فإن ورد في المستقبل ما يزيله، خرج إذ ذاك عن استحقاق هذا الوصف، ولا يقال: تبينا أنه لم يكن إيمانًا مأمورًا به، بل كان إيمانًا مجزيًا، فتغير وبطل، وليس كذلك قوله: أنا من أهل الجنة، فإن ذلك مغيب عنه، وهو مرجو. قال: ومن صار إلى القول الأول يتمسك بأشياء. منها أن يقال: الإيمان عبادة العمر، وهو كطاعة واحدة فيتوقف صحة أولها على سلامة آخرها. كما نقول في الصلاة والصيام والحج. قالوا: ولا شك أنه لا يسمى في الحال وليًا، ولا سعيدًا، ولا مرضيًا عند الله. وكذلك الكافر لا يسمى في الحال عدوًا لله، ولا شقيًا، إلا على معنى أنه تجري عليه أحكام الأعداء في الحال لإظهاره من نفسه علامتهم. قلت: هذا الذي قالوه، إنه لا شك فيه، هو قول ابن كلاب والأشعري وأصحابه، ومن وافقهم من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم. وأما أكثر الناس فيقولون: بل هو إذا كان كافرًا فهو عدو لله، ثم إذا آمن واتقى صار وليًا لله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

стр. 337

فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١: ٧] وكذلك كان، فإن هؤلاء أهل مكة الذين كانوا يعادون الله ورسوله قبل الفتح، آمن أكثرهم، وصاروا من أولياء الله ورسوله، وابن كلاب وأتباعه بنوا ذلك على أن الولاية صفة قديمة لذات الله، وهي الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك. فمعناها: إرادة إثابته بعد الموت، وهذا المعنى تابع لعلم الله، فمن علم أنه يموت مؤمنًا، لم يزل وليًا لله، لأنه لم يزل الله مريدًا لإدخاله الجنة، وكذلك العداوة. وأما الجمهور فيقولون: الولاية والعداوة وإن تضمنت محبة الله ورضاه وبغضه وسخطه، فهو سبحانه يرضى عن الإنسان ويحبه، بعد أن يؤمن ويعمل صالحًا، وإنما يسخط عليه ويغضب، بعد أن يكفر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] ، فأخبر أن الأعمال أسخطته، وكذلك قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] قال المفسرون: أغضبونا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ، وفي الحديث الصحيح الذي في البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " يقول الله تعالى: " من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله

стр. 338

تَرَدُّدِي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه ". فأخبر أنه: لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه، ثم قال: فإذا أحببته: كنت كذا، وكذا. وهذا يبين أن حبه لعبده إنما يكون بعد أن يأتي بمحابه، والقرآن قد دل على مثل ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، فقوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾ جواب الأمر في قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ وهو بمنزلة الجزاء مع الشرط، ولهذا جزم، وهذا ثواب عملهم، وهو اتباع الرسول، فأثابهم على ذلك بأن أحبهم، وجزاء الشرط وثواب العمل، ومسبب السبب لا يكون إلا بعده، لا قبله، وهذا كقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، وقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] ، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] ، ومثل هذا كثير، وكذلك قوله: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ، وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢: ٤] ، وكانوا قد سألوه: لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] ، فهذا يدل على أن حبه

стр. 339

ومقته، جزاء لعملهم وأنه يحبهم إذا التقوا وقاتلوا؛ ولهذا رغبهم في العمل بذلك، كما يرغبهم بسائر ما يعدهم به، وجزاء العمل بعد العمل، وكذلك قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ فإنه سبحانه يمقتهم إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون، ومثل هذا قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] ، فقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ ، بين أنه رضي عنهم هذا الوقت، فإن حرف [إذ] ظرف لما مضى من الزمان، فعلم أنه ذاك الوقت رضي عنهم بسبب ذلك العمل، وأثابهم عليه، والمسبب لا يكون قبل سببه، والموقت بوقت لا يكون قبل وقته، وإذا كان راضيا عنهم من جهة، فهذا الرضى الخاص الحاصل بالبيعة لم يكن إلا حينئذ، كما ثبت في الصحيح أنه يقول لأهل الجنة: " يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا "، وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان، الذي لا يتعقبه سخط أبدًا، ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط. وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من الرسل: " إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله "، وفي الصحاح عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: " لَلَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده، من رجل أضل راحلته بأرض دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فاضطجع ينتظر الموت فلما استيقظ، إذا دابته عليها طعامه وشرابه " وفي رواية " كيف تجدون فرحه بها؟ " قالوا: عظيمًا يا رسول الله، قال: " لله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته "، وكذلك ضحكه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، وضحكه إلى الذي يدخل الجنة آخر الناس، ويقول: أتسخر بي وأنت رب العالمين، فيقول: " لا، ولكني على ما أشاء قادر "، وكل هذا في الصحيح.

стр. 340

في دعاء القنوت: " تَوَلَّنِي فيمن تَوَلَّيْتَ "، والقديم لا يتصور طلبه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ، وقال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] ، فهذا التولي لهم، جزاء صلاحهم وتقواهم ومسبب عنه، فلا يكون متقدمًا عليه، وإن كان إنما صاروا صالحين ومتقين بمشيئته وقدرته وفضله وإحسانه، لكن تعلق بكونهم متقين وصالحين، فدل على أن هذا التولي هو بعد ذلك مثل كونه مع المتقين والصالحين بنصره وتأييده، ليس ذلك قبل كونهم متقين وصالحين، وهكذا الرحمة، قال ﷺ : " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "، قال الترمذي: حديث صحيح، وكذلك قوله: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] علق الرضا به تعليق الجزاء بالشرط والمسبب بالسبب، والجزاء إنما يكون بعد الشرط، وكذلك قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] . يدل على أنه يشاء ذلك فيما بعد. وكذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ، ف [إذا] ظرف لما يستقبل من الزمان. فدل على أنه إذا أراد كونه، قال له: كن، فيكون. وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠٥] ، فبين فيه أنه سيرى ذلك في المستقبل إذا عملوه

стр. 341

والمأخذ الثاني في الاستثناء، أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة؛ فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف، الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال الخلال في [كتاب السنة] : حدثنا سليمان بن الأشعث يعني: أبا داود السجستاني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، قال له رجل: قيل لي: أمؤمن أنت؟ قلت: نعم، هل على في ذلك شيء؟ هل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد، وقال: هذا كلام الإرجاء قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] مَنْ هؤلاء، ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولاً وعملاً؟ قال له الرجل: بلى. قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم. قال: فجئنا بالعمل؟ قال: لا. قال: فكيف تعيب أن يقول: إن شاء الله ويستثنى؟ قال أبو داود: أخبرني أحمد بن أبي شُرَيْح: أن أحمد بن حنبل، كتب إليه في هذه المسألة، أن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجئ بالعمل، فنحن نستثنى في العمل. وذكر الخلال هذا الجواب من رواية الفضل بن زياد، وقال: زاد الفضل: سمعت أبا عبد الله يقول: كان سليمان بن حرب، يحمل هذا علي التقبل، يقول: نحن نعمل ولا ندري يتقبل منا أم لا؟ قلت: والقبول متعلق بفعله كما أمر. فكل من اتقى الله في عمله، ففعله كما أمر، فقد تقبل منه، لكن هو لا يجزم بالقبول، لعدم جزمه بكمال الفعل، كما

стр. 342

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف؟ فقال: لا يا بنت الصديق، بل هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه " وروى الخلال، عن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا نجد بدًا من الاستثناء؛ لأنهم إذا قالوا: مؤمن، فقد جاء بالقول. فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول. وعن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثنى في الإيمان بقول: أنا مؤمن إن شاء الله، قال: وسمعت أبا عبد الله وسئل عن قول النبي ﷺ " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " الاستثناء هاهنا على أي شىء يقع؟ قال: على البقاع، لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في غيره. وعن الميموني أنه سأل أبا عبد الله عن قوله ورأيه في: مؤمن إن شاء الله. قال: أقول: مؤمن إن شاء الله، ومؤمن أرجو، لأنه لا يدري، كيف البراءة للأعمال على ما افترض عليه أم لا. ومثل هذا كثير في كلام أحمد وأمثاله، وهذا مطابق لما تقدم من أن المؤمن المطلق هو القائم بالواجبات، المستحق للجنة إذا مات على ذلك، وأن المفرط بترك المأمور أو فعل المحظور لا يطلق عليه أنه مؤمن، وأن المؤمن المطلق هو البر التقي ولي الله، فإذا قال: أنا مؤمن قطعًا، كان كقوله: أنا بر، تقي، ولي الله قطعًا. وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم،

стр. 343

فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقًا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به، فلما علم السلفمقصدهم، صاروا يكرهون الجواب، أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ [الإيمان] فيه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد، الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال؛ ولهذا كان الصحيح أن يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل؛ ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه. وقال المروزي: قيل لأبي عبد الله: نقول: نحن المؤمنون؟ فقال: نقول: نحن المسلمون، وقال أيضًا قلت لأبي عبد الله: نقول: إنا مؤمنون؟ قال: ولكن نقول: إنا مسلمون، ومع هذا فلم ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصده قصد المرجئة أن الإيمان مجرد القول، بل يكره تركه لما يعلم أن في قلبه إيمانًا، وإن كان لا يجزم بكمال إيمانه. قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم المزني، أن أبا عبد الله قيل له: إذا سألني الرجل فقال: أمؤمن أنت؟ قال: سؤالك إياي بدعة، لا يشك في إيمانه، أو قال: لا نشك في إيماننا. قال المزني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاوس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل، وأبو داود، قال أبو داود: سمعت أحمد: قال: سمعت سفيان يعني: ابن عيينة يقول: إذا سئل: أمؤمن أنت؟ لم يجبه، ويقول سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، وقال: إن قال: إن شاء الله، فليس يكره، ولا يداخل الشك، فقد أخبر عن أحمد أنه قال: لا نشك في إيماننا، وأن السائل لا يشك في إيمان المسؤول، وهذا أبلغ، وهو إنما يجزم، بأنه مقر مصدق بما جاء به الرسول، لا يجزم بأنه قائم بالواجبات. فعلم أن أحمد وغيره من السلف، كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب، من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدًا إلى الإيمان المطلق

стр. 344

المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا [مأخذ ثان] وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة، لما فيه من الحكمة. وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى شك، مخافة واحتياطًا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثوري، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] ، وقال النبي ﷺ لأصحابه: " إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله ". وقال في الميت: " وعليه تبعث إن شاء الله " فقد بين أحمد أنه يستثنى مخافة واحتياطًا للعمل، فإنه يخاف ألا يكون قد كمل المأمور به، فيحتاط بالاستثناء، وقال على غير معنى شك، يعني من غير شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف ألا يكون كمله، فيخاف من نقصه، ولا يشك في أصله. قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون: أن حُبَيْش بن سِنْدِي، حدثهم في هذه المسألة، قال أبو عبد الله: قول النبي ﷺ حين وقف على المقابر فقال: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "، وقد نعيت إليه نفسه، وعلم أنه صائر إلى الموت، وفي قصة صاحب القبر " وعليه حييت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله "، وفي قول النبي ﷺ : " إني اختبأت دعوتي، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئًا " وفي مسألة الرجل النبي ﷺ : أحدنا يصبح جنبًا، يصوم؟ فقال: " إني أفعل ذلك ثم أصوم "، فقال: إنك لست مثلنا، أنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: " والله أني لأرجو أن أكون أخشاكم لله " وهذا كثير، وأشباهه على اليقين.

стр. 345

قال: ودخل عليه شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله، قال: نعم. فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك، قال: بئس ما قالوا، ثم خرج، فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء يستثنون. قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل لم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل، قيل له: يستثنى في الإيمان؟ قال: نعم، أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أستثنى على اليقين لا على الشك، ثم قال: قال الله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ، فقد أخبر الله تعالى أنهم داخلون المسجد الحرام. فقد بين أحمد في كلامه أنه يستثنى مع تيقنه بما هو الآن موجود فيه، يقوله بلسانه وقلبه، لا يشك في ذلك، ويستثنى لكون العمل من الإيمان، وهو لا يتيقن أنه أكمله بل يشك في ذلك، فنفى الشك وأثبت اليقين، فيما يتيقنه من نفسه، وأثبت الشك فيما لا يعلم وجوده، وبين أن الاستثناء مستحب لهذا الثاني الذي لا يعلم هل أتى به أم لا، وهو جائز أيضًا لما يتيقنه، فلو استثني لنفس الموجود في قلبه جاز، كقول النبي ﷺ : " والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله " وهذا أمر موجود في الحال ليس بمستقبل، وهو كونه أخشانا، فإنه لا يرجو أن يصير أخشانا لله، بل هو يرجو أن يكون حين هذا القول أخشانا لله. كما يرجو المؤمن إذا عمل عملاً أن يكون الله تقبله منه ويخاف ألا يكون تقبله منه، كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] ، وقال النبي ﷺ : " هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه " والقبول هو أمر حاضر أو ماض وهو يرجوه ويخافه، وذلك أن ماله عاقبة مستقبلة محمودة أو مذمومة، والإنسان يجوز وجوده وعدمه. يقال: إنه يرجوه وأنه يخافه. فتعلق الرجاء والخوف بالحاضر والماضى؛ لأن عاقبته المطلوبة

стр. 346

والمكروهة مستقبلة. فهو يرجو أن يكون الله تقبل عمله فيثيبه عليه فيرحمه في المستقبل. ويخاف ألا يكون تقبله فيحرم ثوابه، كما يخاف أن يكون الله قد سخط عليه في معصيته فيعاقبه عليها. وإذا كان الإنسان يسعى فيما يطلبه كتاجر أو بريد أرسله في حاجته يقضيها في بعض الأوقات، فإذا مضى ذلك الوقت يقول: أرجو أن يكون فلان قد قضى ذلك الأمر، وقضاؤه ماض، لكن ما يحصل لهذا من الفرح والسرور وغير ذلك من مقاصده مستقبل، ويقول الإنسان في الوقت الذي جرت عادة الحاج بدخولهم إلى مكة: أرجو أن يكونوا دخلوا، ويقول في سرية بعثت إلى الكفار: نرجو أن يكون الله قد نصر المؤمنين وغنمهم، ويقال في نيل مصر عند وقت ارتفاعه: نرجو أن يكون قد صعد النيل، كما يقول الحاضر في مصر مثل هذا الوقت: نرجو أن يكون النيل في هذا العام نيلاً مرتفعًا، ويقال لمن له أرض يحب أن تمطر، إذا مطرت بعض النواحي: أرجو أن يكون المطر عامًا، وأرجو أن تكون قد مطرت الأرض الفلانية، وذلك لأن المرجو هو ما يفرح بوجوده ويسره، فالمكروه ما يتألم بوجوده. وهذا يتعلق بالعلم، والعلم بذلك مستقبل، فإذا علم أن المسلمين انتصروا، والحاج قد دخلوا، أو المطر قد نزل، فرح بذلك وحصل به مقاصد أخر له، وإذا كان الأمر بخلاف ذلك لم يحصل ذلك المحبوب المطلوب، فيقول: أرجو وأخاف؛ لأن المحبوب والمكروه ما يتألم بوجوده. وهذا متعلق بالعلم بذلك وهو مستقبل، وكذلك المطلوب بالإيمان من السعادة والنجاة، هو أمر مستقبل، فيستثنى في الحاضر بذلك؛ لأن المطلوب به مستقبل، ثم كل مطلوب مستقبل، تعلق بمشيئة الله وإن جزم بوجوده؛ لأنه لا يكون مستقبل إلا بمشيئة الله. فقولنا: يكون هذا إن شاء الله، حق، فإنه لا يكون إلا إن شاء الله والشك واللفظ ليس فيه إلا التعليق، وليس من ضرورة التعليق الشك بل هذا بحسب علم المتكلم، فتارة يكون شاكًا وتارة لا يكون شاكًا، فلما كان الشك يصحبها كثيرًا لعدم علم الإنسان بالعواقب، ظن الظان أن الشك داخل في معناها،

стр. 347

وليس كذلك، فقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] لا يتصور فيه شك من الله، بل ولا من رسوله المخاطب والمؤمنين؛ ولهذا قال ثعلب: هذا استثناء من الله وقد علمه، والخلق يستثنون فيما لا يعلمون. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: إنَّ إنْ بمعنى إذ، أي: إذ شاء الله، ومقصوده بهذا تحقيق الفعل ب [إن] كما يتحقق مع إذ. وإلا ف [إذا] ظرف توقيت، و [إن] حرف تعليق. فإن قيل: فالعرب تقول: إذا احمر البُسْر فأتني، ولا تقول: إن احمر البسر. قيل: لأن المقصود هنا توقيت الإتيان بحين احمراره، فأتوا بالظرف المحقق، ولفظ [إن] لا يدل على توقيت، بل هي تعليق محض تقتضي ارتباط الفعل الثاني بالأول، ونظير ما نحن فيه أن يقولوا: البسر يحمر ويطيب إن شاء الله، وهذا حق، فهذا نظير ذلك. فإن قيل: فطائفة من الناس فروا من هذا المعنى وجعلوا الاستثناء لأمر مشكوك فيه، فقال الزجاج: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ أي: أمركم الله به، وقيل: الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف، أي: لتدخلنه آمنين، فأما الدخول فلا شك فيه. وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت. فالاستثناء لأنهم لم يدخلوا جميعهم. قيل: كل هذه الأقوال وقع أصحابها فيما فروا منه مع خروجهم عن مدلول القرآن، فحرفوه تحريفًا لم ينتفعوا به. فإن قول من قال: أي: أمركم الله به، هو سبحانه قد علم، هل يأمرهم أو لا يأمرهم، فعلمه بأنه سيأمرهم بدخوله كعلمه بأن سيدخلوا، فعلقوا الاستثناء بما لم يدل عليه اللفظ، وعلم الله متعلق بالمظهر والمضمر جميعًا، وكذلك أمنهم وخوفهم، هو يعلم أنهم يدخلون آمنين أو خائفين، وقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه بأنهم يدخلون آمنين، فكلاهما لم يكن فيه شك عند الله، بل ولا عند رسوله، وقول من قال: جميعهم أو بعضهم، يقال: المعلق بالمشيئة دخول من أريد باللفظ، فإن كان أراد الجميع، فالجميع لابد أن يدخلوه، وإن أريد الأكثر، كان دخولهم هو المعلق بالمشيئة، وما لم يرد لا يجوز

стр. 348

أن يعلق ب [إن] وإنما علق ب [إن] ما سيكون، وكان هذا وعدًا مجزومًا به، ولهذا لما قال عمر للنبي ﷺ عام الحديبية: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: " بلى، قلت لك: إنك تأتيه هذا العام؟ " قال: لا، قال: " فإنك آتيه ومطوف به ". فإن قيل: لِمَ لَمْ يعلق غير هذا من مواعيد القرآن؟ قيل: لأن هذه الآية نزلت بعد مرجع النبي ﷺ وأصحابه من الحُدَيْبِيَةِ، وكانوا قد اعتمروا ذلك العام، واجتهدوا في الدخول، فصدهم المشركون، فرجعوا وبهم من الألم ما لا يعلمه إلا الله، فكانوا منتظرين لتحقيق هذا الوعد ذلك العام، إذ كان النبي ﷺ وعدهم وعدًا مطلقًا، وقد روى أنه رأى في المنام قائلاً يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] فأصبح فحدث الناس برؤياه، وأمرهم بالخروج إلى العمرة فلم تحصل لهم العمرة ذلك العام، فنزلت هذه الآية، واعدة لهم بما وعدهم به الرسول من الأمر الذي كانوا يظنون حصوله ذلك العام. وكان قوله: ﴿إِن شَاء اللَّهُ﴾ هنا تحقيقًا لدخوله، وأن الله يحقق ذلك لكم، كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، بل تحقيقًا لعزمه وإرادته، فإنه يخاف إذا لم يقل: إن شاء الله، أن ينقض الله عزمه، ولا يحصل ما طلبه، كما في الصحيحين: أن سليمان ﵇ قال: والله لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل منهن تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل. قال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون " فهو إذا قال: إن شاء الله لم يكن لشك في طلبه وإرادته، بل لتحقيق الله ذلك له، إذ الأمور لا تحصل إلا بمشيئة الله، فإذا تألى العبد عليه من غير تعليق بمشيئته، لم يحصل مراده، فإنه من يتألى على الله يكذبه؛ ولهذا يروى: " لا أتممت لمقدر أمرًا ".

стр. 349

وقيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] فإن قوله: لأفعلن، فيه معنى الطلب والخبر، وطلبه جازم، وأما كون مطلوبه يقع، فهذا يكون إن شاء الله. وطلبه للفعل يجب أن يكون من الله بحوله وقوته، ففي الطلب عليه أن يطلب من الله، وفي الخبر لا يخبر إلا بما علمه الله، فإذا جزم بلا تعليق، كان كالتألي على الله، فيكذبه الله، فالمسلم في الأمر الذي هو عازم عليه ومريد له وطالب له طلبًا لا تردد فيه يقول: إن شاء الله لتحقيق مطلوبه، وحصول ما أقسم عليه لكونه لا يكون إلا بمشيئة الله لا لتردد في إرادته، والرب تعالى مريد لإنجاز ما وعدهم به إرادة جازمة لا مثنوية فيها، وما شاء فعل، فإنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ليس كالعبد الذي يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد. فقوله سبحانه: ﴿أَن شَاء اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] ، تحقيق أن ما وعدتكم به يكون لا محالة بمشيئتي وإرادتي، فإن ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن، فكان الاستثناء هنا لقصد التحقيق، لكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك العام، وأما سائر ما وعدوا به فلم يكن كذلك. ولهذا تنازع الفقهاء فيمن أراد باستثنائه في اليمين هذا المعنى، وهو التحقيق في استثنائه لا التعليق: هل يكون مستثنيًا به، أم تلزمه الكفارة إذا حنث؟ بخلاف من ترددت إرادته فإنه يكون مستثنيًا بلا نزاع، والصحيح أنه يكون في الجميع مستثنيًا، لعموم المشيئة؛ ولأن الرجل وإن كانت إرادته للمحلوف به جازمة، فقد علقه بمشيئة الله، فهو يجزم بإرادته له، لا يجزم بحصول مراده، ولا هو أيضًا مريد له بتقدير ألا يكون، فإن هذا تمييز لا إرادة، فهو إنما التزمه إذا شاء الله، فإذا لم يشأه لم يلتزمه بيمينه، ولا حلف أنه يكون، وإن كانت إرادته له جازمة، فليس كل ما أريد التزم باليمين فلا كفارة عليه. وقد تبين بما ذكرناه أن قول القائل: ﴿أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ يكون مع كمال إرادته في حصول المطلوب، وهو يقولها لتحقيق المطلوب لاستعانته بالله في ذلك، لا

стр. 350

لشك في الإرادة، هذا فيما يحلف عليه ويريده، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ، فإنه خبر عما أراد الله كونه وهو عالم بأن سيكون، وقد علقه بقوله: ﴿أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ فكذلك ما يخبر به الإنسان عن مستقبل أمره مما هو جازم بإرادته وجازم بوقوعه فيقول فيه: إن شاء الله، لتحقيق وقوعه، لا للشك لا في إرادته ولا في العلم بوقوعه. ولهذا يذكر الاستثناء عند كمال الرغبة في المعلق، وقوة إرادة الإنسان له. فتبقى خواطر الخوف تعارض الرجاء، فيقول: إن شاء الله، لتحقيق رجائه مع علمه بأن سيكون، كما يسأل الله ويدعوه في الأمر الذي قد علم أنه يكون، كما كان النبي ﷺ يوم بدر قد أخبرهم بمصارع المشركين، ثم هو بعد هذا يدخل إلى العريش يستغيث ربه ويقول: " اللهم انجز لي ما وعدتني "؛ لأن العلم بما يقدره لا ينافي أن يكون قدره بأسباب، والدعاء من أعظم أسبابه، كذلك رجاء رحمة الله وخوف عذابه، من أعظم الأسباب في النجاة من عذابه وحصول رحمته. والاستثناء بالمشيئة يحصل في الخبر المحض، وفي الخبر الذي معه طلب. فالأول إذا حلف على جملة خبرية لا يقصد به حضًا ولا منعًا، بل تصديقًا أو تكذيبًا، كقوله: والله ليكونن كذا إن شاء الله، أو لا يكون كذا. والمستثنى قد يكون عالمًا بأن هذا يكون أو لا يكون، كما في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ ، فإن هذا جواب غير محذوف. والثاني: ما فيه معنى الطلب، كقوله: والله لأفعلن كذا، أو لا أفعله إن شاء الله، فالصيغة صيغة خبر ضمنها الطلب، ولم يقل: والله إني لمريد هذا ولا عازم عليه، بل قال: والله ليكونن. فإذا لم يكن فقد حنث لوقوع الأمر، بخلاف ما حلف عليه فحنث، فإذا قال: إن شاء الله، فإنما حلف عليه بتقدير: أن يشاء الله، لا مطلقًا.

стр. 351

ولهذا ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه متى لم يوجد المحلوف عليه حنث، أو متى وجد المحلوف عليه أنه لا يفعله، حنث، سواء كان ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلاً، فإنهم لحظوا أن هذا في معنى الخبر، فإذا وجد بخلاف مخبره فقد حنث، وقال الآخرون: بل هذا مقصوده الحض والمنع، كالأمر والنهي، ومتى نهي الإنسان عن شيء ففعله ناسيًا أو مخطئًا لم يكن مخالفًا، فكذلك هذا. قال الأولون: فقد يكون في معنى التصديق والتكذيب، كقوله: والله ليقعن المطر، أو لا يقع، وهذا خبر محض، ليس فيه حض ولا منع، ولو حلف على اعتقاده فكان الأمر بخلاف ما حلف عليه، حنث، وبهذا يظهر الفرق بين الحلف على الماضي والحلف على المستقبل، فإن اليمين على الماضي غير منعقدة، فإذا أخطأ فيها لم يلزمه كفارة، كالغَمُوس، بخلاف المستقبل. وليس عليه أن يستثنى في المستقبل إذا كان فعله، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] ، فأمره أن يقسم على ما سيكون، وكذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] ، كما أمره أن يقسم على الحاضر في قوله: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] ، وقد قال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده، لينزلن فيكم ابن مريم حَكَمًا عَدْلا وإمامًا مقْسِطًا"، وقال: " والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتي يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قَتَل، ولا المقتول فيما قُتِل " وقال: " إذا هلك كسرى أو ليهلك كسرى ثم لا يكون

стр. 352

كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " وكلاهما في الصحيح. فأقسم صلوات الله وسلامه عليه على المستقبل في مواضع كثيرة بلا استثناء، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 353

فهرس الموضوعات ... العنوان ... الصفحة الفرق بين الإسلام والإيمان ... ٧ معنى الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في كلام النبي ﷺ ... ٨ حديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ... ) " ... ٩ الدين ثلاث درجات ما بين الإسلام والإيمان والإحسان من العموم والخصوص، وكذلك الرسالة والنبوة ... ١١ اسم الإيمان يذكر تارة غير مقرون بالإسلام ولا بغيره، وتارة يذكر مقرونا. ... ١٤ إذا ذكر الإيمان مع الإسلام، فالإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو ما في القلب، وإذا ذكر مجردا دخل الإسلام والأعمال الصالحة ... ١٥ اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان، فلا بد أن يكون قد ترك أو فعل محرما، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف فهي مستحبة، وغلط من قال: إن المنفي هو الكمال المستحب ... ١٥ تفسير قوله تعالى: ﴿لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ... ﴾ ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا..﴾ ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم ... ﴾ ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ... ﴾ ... ١٧ إذا كان المؤمن الحق الفاعل للواجبات التارك للمحرمات ... ١٩

стр. 354

العنوان ... الصفحة حل إشكال آية: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾ ... ١٩ تفسير قوله تعالى: "وجلت قلوبهم" ... ١٩ تفسير قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ... ٢٠ العقل ومتى يسمى الإنسان عاقلا، ومتذكرا ومهتديا وخائفا ... ٢٣ من فسدت فطرته فسدت قوته العلمية والعملية ... ٢٤ تفسير قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ ... ٢٦ الصلاة إذا فعلت على الوجه المطلوب تنهى عن الفحشاء والمنكر ... ٢٨ تفسير قوله تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان..﴾ ... ٢٩ تفسير حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ... ٣٠ أحاديث تنازع أهل العلم بالحديث في صحتها ... ٣١ للعلماء قولان في صحة صلاة من ترك الجماعة وصلى منفردا ... ٣٢ وجوب تحكيم الشرع في كل ما شجر بين الناس ... ٣٤ من أدلة حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ وتوجيه الدلالاة منها وبيان أن الإجماع منه ما هو قطعي الدلالة ومنه ما هو ظني الدلالة ... ٣٥ السنة كالقرآن كلاهما وحي نزله الله ... ٣٦ تفسير أبي نصر المروزي لآية: ﴿وحبب إليكم الإيمان﴾ وتعليق المؤلف عليه ... ٣٨ تفسير حديث: "أصدق الأسماء حارث وهمام" ... ٣٩ المباح يكون بالنية الحسنة خيرا، بالنية السيئة شرا ... ٣٩ تفسير آيات فيما أحل وما حرم من الأطعمة والصيد ... ٤٠

стр. 355

العنوان ... الصفحة هل تكتب جميع أقوال العبد؟ ... ٤٤ المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة، وأنها من ثمراته وإنما تنازع في أنه هل يستلزم الطاعة؟ ... ٤٥ لفظ الكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون ... ٤٧ قد يقرن الكفر بالنفاق كما يقرن لفظ المشركين بأهل الكتاب، وهل يتناول لفظ المشركين أهل الكتاب إذا أفرد؟ ... ٤٨ فصل في ألفاظ: الصالح، والشهيد والصديق تذكر مفردة فتتناول النبيين وغيرهم ... ٥٠ فصل في لفظ:"المعصية" إذا أطلقت دخل فيها الكفر والفسوق ... ٥١ الأمر المطلق يقتضي الوجوب ... ٥٢ تفسيرقوله تعالى: ﴿لا يعصينك في معروف﴾ ... ٥٢ لفظ الظلم إذا اطلق يدخل فيه الكفر وسائر الذنوب ... ٥٤ تفسير الأزواج حيثما وردت في القرآن ... ٥٥ معنى الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة ... ٥٦ تفسير ﴿تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ ... ٦٠ متى يجوز التقليد ومتى يمنع ... ٦٢ مشركو العرب كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق السماوات والأرض ... ٦٤ تفسير ﴿أإله مع الله﴾ ... ٦٥ الظلم أنواع ثلاثة ... ٦٧ لفظ الصلاح إذا أطلق تناول جميع الخير، والفساد إذا أطلق تناول جميع الشر ... ٧٠ تفسيرقوله تعالى: ﴿إنما نحن مصلحون﴾ ... ٧١ بحث عام في الحقيقة والمجاز ... ٧٣
следующие страницы →