الأنبياء وبر الوالدين:
إن بر الوالدين من العبادات العظيمة التي حثت ورغبت فيها كل الشرائع السماوية، وهو مع ذلك أمر عظيم يسعى في تحقيقه ويطمع ويرغب فيه كل صاحب فطرة نقية ونفس سوية، كما أنه من أخص أوصاف النبيين ﵈، ومن خصال عباد الله الصالحين، وهو دليل ظاهر على وفاء صاحبه وصدق إيمانه، وهو من محاسن ديننا الحنيف، ذلك لأن فيه اعترافًا بفضل الوالدين والسعي في رد بعض الجميل لهما على إحسانهما، ودليل على كمال الدين ومحاسنه وشموليته، بخلاف قوانين البشر وشريعة الغاب التي لا تعرف للوالدين حقًّا ولا تقر لهم معروفًا ولا تعرف لها فضلًا.
ولقد أثنى الله على بر الأنبياء لوالديهم وبَيَّنَ أنه من أخص أوصافهم، وذكر بعضًا منها في كتابه المجيد لتتأسى بهم البرية، كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
- فهذا نوح ﵇، أول رسل الله لأهل الأرض يدعو ربه قائلًا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨].
- ولما زجر آزرُ ابنَه إبراهيمَ ﵇، وهدده بالرجم وقال له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ [مريم: ٤٦]، كان جوابه ﵇: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. وكان من دعائه ﵇ أيضًا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].
- وإسماعيل ﵇ لما أخبره الخليل إبراهيم برؤياه قائلًا: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] كان الجواب بأدب جم وخلق عظيم: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ضاربًا بذلك أروع الأمثلة في بر الوالدين تسليمًا وانقيادًا وانصياعًا للأمر واستجابة وإعانة على تنفيذ أمر الله تعالى.
- ويوسف الصديق ﵇ يبرهن على بره بوالديه بفعله قبل قوله بإجلاله وإكرامه
стр. 212
لوالديه وإنزالهما أكرم المنازل كما قال سبحانه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠].
- وكان من دعاء سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩].
- وقد مدح الله تعالى يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤].
- ولما تكلم عيسى بن مريم ﵇ في المهد أعلن موقفه من بره بأمه وعزمه عليه فقال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢].
وختام الحديث عن بر الوالدين ببيان مكانته من الدين:
أولاً: بر الوالدين من أعظم الحقوق وأَجَلِّهَا:
لقد قرن الله تعالى حق الوالدين مع أعظم الحقوق، وهو حق عبوديته وتوحيده سبحانه، في كتابه الكريم في أربعة مواضع:
الموضع الأول: في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣].
الموضع الثاني: في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
الموضع الثالث: في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
الموضع الرابع: في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
كما قرن شكر الوالدين مع شكره سبحانه بعد الوصية بهما هنا في سورة لقمان فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]. فبدأ الله في هذه الآيات بالأمر بتوحيده سبحانه الذي هو أعظم مأمور به، واستحقاقه سبحانه للعبودية، ثم عطف على ذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين، وفي هذا إظهار لعظم حقهما وبيانًا لفضلهما وقدرهما، كما أن فيه حثًّا على برهما وطاعتهما وامتثال أمريهما.
стр. 213
فما أعظم هذا الشرع الحنيف وأَجَلَّهُ حيث عَظَّم قدر الوالدين ورفع من مكانتهما وبَيَّنَ حقهما وجلَّى فضليهما وألزم برهما وحض على طاعتهما في المعروف.
ثانيًا: بر الوالدين من أسباب دخول الجنة:
- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» (١).
قال ابن عمر ﵄ لرجل: «أَحَيٌّ والداك؟» قال الرجل: عندي أمي، قال ابن عمر: «فو الله لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلنَّ الجنة ما اجتنبت الكبائر» (٢).
ثالثًا: بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله:
عن شُعبة قال: أخبرني الوليد بن عيزار قال: سمعتُ أبا عمر الشَّيبانيّ يقول: أخبرنا صاحب هذه الدَّار، وأومأ بيده إلى دار عبد الله قال: سألتُ النَّبيّ ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله تعالى: قال: «الصَّلاة على وقتها»، قال: ثُمَّ أي؟ قال: «برّ الوالدين»، قال: ثُمَّ أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: «حدّثني بهنَّ، ولو استزدته لزادني» (٣).
стр. 214
رابعًا: بر الوالدين من أسباب إجابة الدعاء:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أُويسُ بن عامرٍ مع أمدادِ أهل اليمن من مُرَادٍ، ثم مِن قرنٍ، كان به برصٌ، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرّ لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» (١).
خامسًا: بر الوالدين مقدّم على الجهاد:
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء رجل إلى نبي الله ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (٢).
- عن طلحة بن معاوية السلم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أريد الجهاد في سبيل الله. قال: «أمك حية؟» قلت: نعم، قال النبي ﷺ : «الزم رجلها فثم الجنة!» (٣).
وَقد تقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أن بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مقدم عَلَى الْجِهَادِ؛ لأِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَقَدْ قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي. فَقَال: «أَطِعْ أَبَوَيْكَ، فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ» (٤).
سادسًا: وجوب بر الوالدين وإن كانا مشركين:
فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلُ أمي؟ قال: «نعم صِلِي أمك» (٥). وقد مر معنا الحديث بطوله.
فبر الوالدين الكافرين والإحسان إليهما رغَّب فيه الشارع اعترافًا بحقهما ووفاءً لما قدماه.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
стр. 215
مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].
فيجب على الأبناء بر الوالدين والإحسان إليهما وطاعتهما طاعة تامة في المعروف أما إذا أمرا بمعصية فإنه لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى كما قال ﷺ : «لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» (١).
فلا يمنع كفرهما من برهما والإحسان إليهما تقربًا لله تعالى ورحمة بهما وأداءً لحقهما.
سابعًا: بر الوالدين سبب في رضا الرب سبحانه:
- قال رسول الله ﷺ : «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد» (٢).
- وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان فقال: «ارجع عليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما» (٣).
ثامنًا: بر الوالدين من أسباب سعة الرزق والبركة في العمر:
ومن ثمار بر الوالدين البركة في العمر والسعة في الرزق:
- فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرَّه أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه» (٤).
تاسعًا: بر الوالدين لا ينقطع بموتهما:
لبركة برّ الوالدين ومكانته فإنه لا ينقطع بموتهما، وهذا من سعة رحمة الله بعباده ليتم لهم بر والديهم أحياءً وأمواتًا ويداوموا عليه ويلزموه، والله تعالى حثّ الأبناء ورغبهم وأمرهم بالإقرار والاعتراف بحق الوالدين وإحسانهما فأمرهم بالترحم عليهما مذكرًا لهم بتربيتهم والإحسان لهم صغارًا فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
стр. 216
- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: يا رب، أَنَّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (٢).
ومن مشاهد البر بعد موت الوالدين أن يبر الابن أهل ودّ والديه وأن يحسن إليهم ويكرمهم، فعن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه» (٣).
أسأل الله أن يرزقنا برّ آبائنا وأن يرحمهم كما ربونا صغارًا. والحمد لله رب العالمين.
ثانيًا: الأمر بإقام الصلاة
مكانة الصلاة في الإسلام:
لقد عظَّم الله تعالى شأنَ الصلاة، ورفع قدرها وذِكرَها، وأعلى مكانتَها في شريعتنا الغراء، فهي أعظم وأهم وآكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي من معالم الدين العظمى وشرائعه الكبرى.
وقد شرعها الله على أكمل الهيئات وأتمها وأحسنها، وقد حوت الصلاة أنواعًا من العبادات وصنوفًا من الأذكار، من تلاوة للقرآن، وما تضمنته من حمد وثناء وتمجيد وتسبيح وتنزيه وإخلاص وتقديس وإخبات وإنابة وإجلالٍ للرب تعالى، واستغاثة به جل في علاه، وإفراده سبحانه بالعبادة والاستعانة التي هي أعلى درجات منازل إياك نعبد وإياك نستعين، كما حوت مشاهد عظيمة من الذل والانكسار والإخبات بين يدي جبار السموات والأرض، وتكبير يُنبئ عن طرح كل ما سوى الله من قلب العبد، وتعظيم لله تعالى واستصغار لكل ما دون سبحانه
стр. 217
من المخلوقين، مع ما جمعته وحوته من وقوف وانتصاب لا حركة، فيه مذلة لله، وركوع كله خضوع وخشوع لله، وسجود في ذلِ وانكسار بين يدي الله، ودعاء وابتهال وتبتل لله، وهي رأس العبادات البدنية، وهي أول ما يحاسب به العبد من عمله يوم القيامة، وهي حد فاصل بين الإسلام والكفر، كما قال ابن سعدي: «حَثَّهُ (لقمان) عَلَيْهَا، وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا أَكْبَرُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ» (١).
ولعظم مكانتها وجليل قدرها فرضها الله على رسوله ﷺ ليلة المعراج في السموات العلى بلا واسطة؛ بخلاف سائر الشرائع السماوية؛ وأنه لم تخل منها شريعة من شرائع الله السماوية.
فدل ذلك على تأكد فرضيتها وعظم مكانتها وجليل قدرها عند الله سبحانه.
والصلوات الخمس مفروضة بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وأما السنة: فقد جعَل النبي ﷺ إقامتها رُكنًا من أركان الإسلام، ودعامة من دعائمه العظام.
- فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (٢).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على فرضيَّتها ووجوب أدائها في اليوم والليلة خمس مرات، وأنها رُكن من أركان الإسلام، ولَم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين، بل ذلك مما عُلِم من دين الله بالضرورة، وهي حدٌّ فاصل بين الإسلام والكفر، ومن جحد فرضيتها فهو كافر مرتد عن دين الله تعالى، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل ردة، وذلك بإجماع الأمة.
ولعظم شأنها فإنها أول ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة فعن عبد الله بن قرط ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أول ما يُحاسب به العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإنْ صلحتْ، صلح سائرُ عمله،
стр. 218
وإن فسَدَتْ، فَسَدَ سائِرُ عمله» (١).
ولعظم مكانتها من الدين كانت من آخر وصايا النبي ﷺ لأمته عند موته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فهي كوصية مودع يقول ﷺ : «الصلاةَ. الصلاةَ. وما ملكتْ أيمانُكم» (٢).
قوله: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: ١٧]:
والمقصود بإقامة الصلاة: أداؤها خالصة لله، بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومستحبَّاتها، على الوجه المشروع عملًا بقول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣).
قال القاسمي: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: ١٧]: «أَيْ: بِحُدُودِهَا وَفُرُوضِهَا وَأَوْقَاتِهَا، لِتَكْمِيلِ نَفْسِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ» (٤).
ويقول ابن عاشور: «انْتَقَلَ (لقمان) مِنْ تَعْلِيمِهِ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ إِلَى تَعْلِيمِهِ أُصولَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَابْتَدَأَهَا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ عِمَادُ الْأَعْمَالِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ الِاهْتِدَاءِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ إِدَامَتُهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى أَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا» (٥).
ويقول البقاعي: «وَلَمَّا نَبَّهَهُ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ وَإِقَامَتِهِ لِلْحِسَابِ، أَمَرَهُ مِمَّا يَدَّخِرُهُ لِذَلِكَ تَوَسُّلًا إِلَيْهِ، وَتَخَضُّعًا لَدَيْهِ، وَهُوَ رَأْسُ مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَمَلُ وَيُصَحِّحُ التَّوْحِيدَ وَيُصَدِّقُهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مُكَرِّرًا لِلْمُنَادَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَنْبِيهًا عَلَى فَرْطِ النَّصِيحَةِ لِفَرْطِ الشَّفَقَةِ (أَقِمِ الصَّلاةَ) أَيْ: بِجَمِيعِ حُدُودِهَا وَشُرُوطِهَا وَلَا تَغْفُلْ عَنْهَا، سَعْيًا فِي نَجَاةِ نَفْسِكَ وَتَصْفِيَةِ سِرِّكَ، فَإِنَّ إِقَامَتَهَا -وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى النَّحْوِ الْمَرْضِيِّ-؛ مَانِعَةٌ مِنَ الْخَلَلِ فِي الْعَمَلِ ﴿إِنَّ
стр. 219
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] «(١).
ويقول البغوي: «﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها «(٢).
ويقول ابن عباس ﵄: «إقامة الصلاة: إتمامُ الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها».
ويقول قتادة: «إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها».
ويقول مقاتل بن حيَّان: «إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطُّهور بها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهُّد والصلاة على النبي ﷺ ؛ فهذا إقامتها» (٣).
وينبغي أن يُعلم الأبناءُ عظم جزاء من أحسن الوضوء والصلاة، ترغيبًا لهم في أداء الطهارة والصلاة وإتمامهما على الوجه المشروع، بمثل حديث عثمان ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» (٤).
- وبمثل حديث أبي أيوب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من توضأ كما أُمِرَ وصلى كما أُمِرَ غُفِرَ له ما قدم من عمل» (٥).
ليصبح هذا الترغيب من الحوافز الدافعة للأبناء على إتمام الطهارة وإحسان الصلاة طاعة لله وطمعًا في ثوابه.
стр. 220
وقد بَيَّنَ الله سبحانه في كتابه أن فلاحَ المؤمنين متعلق بخشوعهم في صلاتهم، فقال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] ولا شك أن الخشوع روح الصلاة.
يقول ابن القَيِّم: «فمَن فاتَه خشوع الصلاة، لَم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصولُ الخشوع مع العَجَلة والنقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلاَّ مع الطمأنينة، وكلَّما زادَ طمأنينة ازدادَ خشوعًا، وكلَّما قلَّ خشوعه، اشتدَّتْ عَجَلته؛ حتى تصيرَ حركة يَدَيه بمنزلة العبث الذي لا يَصحبه خشوع ولا إقبال على العبوديَّة، ولا معرفة حقيقة العبودية.
- والله سبحانه قد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
- وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: ٤].
- وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤].
- وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].
- وقال: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج: ٣٥].
- وفي أخص دعاء إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].
- وقال لموسى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
فلن تكاد تجد ذِكْرَ الصلاة في موضع من التنزيل إلاَّ مقرونًا بإقامتها، فالمصلون في الناس قليل، ومُقيم الصلاة منهم أقلُّ القليل!» (١).
هذا وصف المصلين في زمن ابن القيم فكيف به إذا رأى صلاة أهل زماننا إلا من رحم الله؟! ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].
стр. 221
يقول الزهري رحمه الله تعالى: «دخلتُ على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بدمشقَ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرفُ شيئًا مما أدركتُ على عهدِ رسول الله إلَّا هذه الصلاة، وهذه الصلاةُ قد ضُيِّعت» (١).
وأثر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يوضح عناية السلف بشأن الصلاة وبإقامتها كما أمر الله تعالى وكما علم رسوله ﷺ .
يقول ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلاَّ ما عَقَلت منها» (٢).
وإن مما يندرج ضمنًا تحت معنى إقام الصلاة، أن تُؤدَى في أوقاتها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
يقول القرطبي: «قوله تعالى: (حَافِظُوا) خطاب لجمع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها. والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه» (٣).
ويقول الطبري: «يعني تعالى ذكره بذلك: واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، وتعاهدوهن والزَمُوهن، وعلى الصلاة الوسطى منهنّ» (٤).
وإن مما يندرج ضمنًا تحت معنى إقام الصلاة أيضًا تأديتها في جماعة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣].
وقوله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها (٥).
стр. 222
ولنتأمل جميعًا في عظم الأجر وجزيل الثواب المترتب على المحافظة والمواظبة على صلاة الجماعة:
- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» (١).
- ويقول ﵊: «سبعة يُظلّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظلّ إلا ظلُّه»، وذكر منهم: «ورجلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد» (٢).
قال النووي: «أي: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد» (٣).
- قال الحافظ في الفتح: «ظاهره أنه من التعليق كأنه شبه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: كأنما قلبه في المسجد» (٤).
قال المناوي: «قلبه معلق بالمساجد من شدة حبه إياها، لَمَّا آثر طاعة الله وغلب عليه حبُّه، صار قلبه ملتفتًا إلى المسجد، لا يُحِب البَرَاح عنه؛ لِمَا وجد فيه من رَوْح القُربة، وحلاوة الخدمة، فآوى إلى الله مؤثِرًا فأظله» (٥).
قال ابن حجر: «إدراك التكبيرة الأولى سنة مؤكدة، وكان السلف إذا فاتتهم عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام» (٦).
стр. 223
- وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ : قال: «والّذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثمّ آمر بالصّلاة فيؤذّن لها، ثمّ آمر رجلًا، فيؤمّ النّاس، ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم، والّذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (١).
ولو لم تكن الجماعة واجبة لما همّ النبي ﷺ بالتحريق.
ومن سمع الأذان فلا عذر له في التخلف عن الجماعة.
- فعن ابن أم مكتوم ﵁ قال: جئت رسول الله فقلت: يا رسول الله، أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «أتسمع النداء؟» قلت: نعم. قال: «ما أجد لك رخصة» (٢).
- وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (٣).
وإن من خير ما يختم به بيان حال خير القرون مع صلاة الجماعة:
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما
стр. 224
يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» (١).
كيفية تربية الأبناء على أداء الصلاة وأمرهم بها:
إن من أعظم وأجل وسائل تربية الأبناء وتعويدهم على إقام الصلاة وأدائها على الوجه المشروع هو ضرورة وجود القدوة العملية الصالحة المتمثلة في الوالدين وحرصهما على أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المشروع كذلك.
وقد مرّ معنا في طيات البحث أن التربية بالقدوة من أعظم وسائل التربية.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
قال ابن سعدي: «أي: حثّ أهلك على الصلاة، وأزعجهم إليها من فرض ونفل.
والأمر بالشيء: أمر بجميع ما لا يتم إلا به، فيكون أمرًا بتعليمهم، ما يصلح الصلاة ويفسدها ويكملها» (٢).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ .. ﴾ [التحريم: ٦].
قال ابن كثير: «أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة» (٣).
- ويقول ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (٤).
стр. 225
أثر صلاة النوافل في البيت:
لقد رغَّب النبي ﷺ في أداء النوافل في البيت لما يترتب على أدائها فيه من المصالح والمنافع العظيمة، ولا شك أن من أهم تلك المنافع والمصالح مشاهدة الأبناء لتك الصلاة ومحاكاة الآباء ومحاولة تقليدهم، لأنها مرحلة إعداد وتهيئة نفسية وتعويد غير مباشر.
إعدادًا وتمهيدًا لمرحلة الأمر بالصلاة، وفي هذا غرس لمحبة الصلاة في نفوسهم وترغيبهم فيها بالقدوة الحسنة من غير أمر مباشر بها، فإذا ما حان وقت أمرهم بها إذا هم قد تهيأوا لها واستعدوا لأدائها ورغبوا فيها طواعية، ومن ثَمَّ أداؤها على الوجه المشروع والأكمل والأتم عند مرحلة التكليف الشرعي.
وفي مثل ذلك يقول ﷺ : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا» (١).
ولا شك أن من أعظم هذا الخير وأنفعه رؤية الأبناء صلاة الآباء ومن ثَمَّ التأسي والاقتداء بهم.
متى يُؤمرُ الصَّبِيُّ بالصلاة:
- يقول ﷺ : «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (٢).
قال الرافعي: «قال الأئمة: يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين وضربهم على تركها بعد عشر سنين».
قال الشافعي في المختصر: «وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا» قال أصحابنا: ويأمره الولي بحضور الصلوات في
стр. 226
الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية» (١).
ويؤدب الصبي بالأمر بأداء الفرائض والنهي عن المنكرات بالقول ثم التعنيف ثم بالضرب إن لم تُجْدِ الطرق المذكورة قبله، ولا يضرب الصبي لترك الصلاة إلا إذا بلغ عشر سنين؛ للحديث السابق: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» (٢).
قال ابن قدامة: «هَذَا الْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلَاةِ كَيْ يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا وَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ» (٣) انتهى.
ومما ينبغي لفت النظر إليه أيضًا أن تأديب الصبي لا يكون على ترك الصلاة بالكلية فحسب، وإنما يكون أيضًا على التهاون في إتمام شروط صحتها وأركانها وواجباتها، فقد يصلي ولكن يتهاون في إتمام الطهارة لها، أو يصلي متعمدًا ترك الطهارة بالكلية، أو يتعمد تأخيرها عن وقتها، أو يؤديها بسرعة مخلة لصحتها، أو لا يتم ركوعها أو سجودها، أو يؤديها على أي صفة لا تصح معها الصلاة، فيجب تعليمه وتوجيهه ومتابعته وتشجيعه وترغيبه في الإحسان والإتمام، وتذكيره وتخويفه بما ورد في السنة المطهرة بمثل حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً، ومَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ» (٤).
- وبمثل حديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا»، أَوْ قَالَ: «لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (٥).
стр. 227
فإن أصر بعد تكرار الترغيب والتوجيه بالحسنى، أُدّب واستُعمِلَ معه أسلوب الترهيب حتى يصل إلى الضرب بضوابطه الشرعية إلى أن يستجيب ويؤدي الصلاة على الوجه المشروع.
وقال السبكي: «يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَيَضْرِبَهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ. ولَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْأَمْرِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالضَّرْبَ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَنَحْنُ نَضْرِبُ الْبَهِيمَةَ لِلتَّأْدِيبِ فَكَيْفَ الصَّبِيُّ؟ وَذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِ وَأَنْ يَعْتَادَها قَبْلَ بُلُوغِهِ» (١).
- ويقول معالي الشيخ الفوزان: «الضّرب وسيلة من وسائل التربية، فللمعلِّم أن يضرب، وللمؤدِّب أن يضرب، ولولّي الأمر أن يضرب تأديبًا وتعزيرًا، وللزوج أن يضرب زوجته على النشوز لكن يكون بحدود، لا يكون ضربًا مبرحًا يشقّ الجلْد أو يكسرُ العظم، وإنّما يكون بقدر الحاجة» (٢).
قال شيخنا العلامة الفقيه ابن عثيمين ﵀: «وكذلك قوله: «اضربوهم عليها لعشر» الأمر للوجوب، لكن يقيد بما إذا كان الضرب نافعًا؛ لأنه أحيانًا تضرب الصبي ولكن ما ينتفع بالضرب، ما يزداد إلا صياحًا وعويلًا ولا يستفيد، ثم إن المراد بالضرب الضرب غير المبرح، الضرب السهل الذي يحصل به الإصلاح ولا يحصل به الضرر» (٣).
ويقول ﵀ أيضًا: «أمر النبي ﷺ أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع سنين، وأن نضربهم عليها لعشر سنين، مع أنهم لم يُكلفوا بعد، من أجل أن يتمرنوا على فعل الطاعة ويألفوها، حتى تسهل عليهم بعد الكبر، وتكون محبوبة لديهم، كذلك الأمور التي ليست بالمحمودة، لا ينبغي أن يعود الصغار عليها وإن كانوا غير مكلفين؛ وذلك لأنهم يألفونها عند الكبر ويستسيغونها» (٤).
ويقول سماحة شيخينا الإمام العلامة ابن باز ﵀: «والعناية بأهل البيت، لا تغفل عنهم يا عبد الله، عليك أن تجتهد في صلاحهم، وأن تأمر بنيك وبناتك بالصلاة لسبع، وتضربهم عليها لعشر،
стр. 228
ضربًا خفيفًا يعينهم على طاعة الله، ويعودهم أداء الصلاة في وقتها، حتى يستقيموا على دين الله ويعرفوا الحق، كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ » (١).
والخلاصة:
أن أول خطوات تربية الأبناء وتعويدهم على أداء الصلاة، أداء الآباء النوافل والسنن الرواتب في البيت ليطالعها الصغار ويحاكوها، ثم تعليمهم فقه الطهارة والصلاة وما يتعلق بهما من آداب وأحكام شرعية بحسب مداركهم مع أمرهم بها وترغيبهم وتحبيبهم فيها وتدريبهم عليها وذلك في سن سبع سنين، ويكون ذلك بالقدوة من الوالدين أولًا، ثم اصطحاب الأولاد لصلاة الجماعة في المسجد، مع المتابعة والصبر على ذلك، وكذلك حرص الأم على أمر بناتها بالصلاة وتأديتهن لها معها في البيت ليتعودنها ويألفنها، مع الوعظ والنصح والتذكير بأهمية الصلاة ومكانتها وفضلها، وبيان أنها أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأنه لا يتم دين المسلم إلا بالمحافظة والمواظبة عليها.
ومن الأهمية بمكان أن يعلم الأبناء حكم ترك الصلاة وأن تركها كفر وهذا مما يزيدهم حرصًا عليها ورغبة فيها كما أخبر النبي ﷺ أمته فقال محذرًا ومبينًا لهم بقوله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقَد كفر» (٢).
وبقوله ﷺ أيضًا: «بين الرجل والكفر -أو الشرك- تركُ الصلاة» (٣).
ذلك كله مع إدامة الدعاء لهم اقتداءً وتأسيًا بخليل الرحمن ﵇ حيث يقول في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، والله تعالى أعلم.
стр. 229
والله تعالى لم يشرع لعباده إلا كل ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم؛ وإنَّ من أهم شرائعه -الصلاة- فهي محققة لمصالح العباد في المعاش والمعاد.
قال العز بن عبد السلام: «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم» (١).
وللصلاة ثمار ومنافع عظيمة كما قال ابن القيم: «اعلم أنه لا ريبَ أن الصلاةَ قرَّة عُيون المحبِّين، ولذَّة أرواح الموحِّدين، وبستان العابدين ولذَّة نفوس الخاشعين، ومحكُّ أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين هداهم إليها، وعرَّفهم بها، وأهداها إليهم على يدِ رسوله الصادق الأمين ﷺ ، رحمةً بهم، وإكرامًا لهم؛ لينالوا بها شرفَ كرامته، والفوز بقربه، لا لحاجةٍ منه إليهم، بل منَّة منه وتفضُّلًا عليهم، وتعبَّد بها قلوبَهم وجوارحهم جميعًا، وجعل حظَّ القلب العارف منها أكملَ الحظَّين وأعظمَهما؛ وهو إقباله على ربِّه سبحانه وفرحه وتلذُّذه بقربه، وتنعُّمه بحبه، وابتهاجه بالقيام بين يديه، وانصرافه حال القيام له بالعبودية عن الالتفات إلى غير معبوده، وتكميله حقوق عبوديته ظاهرًا وباطنًا حتى تقع على الوجه الذي يرضاه ربُّه سبحانه» (٢).
ويقول نصر بن محمد السمرقندي: «واعلم أن مثلَ الصلاة كمثلِ مَلِكٍ اتَّخذ عرسًا، فاتَّخذ وليمةً وهيَّأ فيها ألوانًا من الأطعمة والأشربة، لكل لون لذة، وفي كل لون منفعة؛ فكذلك الصلاة دعاهم الربُّ إليها، وهيَّأ لهم فيها أفعالًا مختلفة، وأذكارًا، فتعبَّدهم بها ليلذَّهم بكل لونٍ من العبودية؛ فالأفعال كالأطعمة، والأذكار كالأشربة» (٣).
стр. 230
وفيما يلي بيان لأهم الثمار التي يجنيها العبد من الصلاة:
أولًا: الصلاة حاجز بين العبد والمعاصي
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لا تنفعُ الصلاة إلا مَن أطاعها»، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (١).
قال ابن سعدي: «والصلاة على هذا الوجْه: تَنهى صاحبها عن كلِّ خُلقٍ رذيل، وتحثُّه على كلِّ خُلق جميل؛ لِمَا تؤْثِره في نفسه من زيادة الإيمان، ونور القلب وسروره، ورغْبته التامَّة في الخير» (٢).
ثانيًا: الصلاة من أعظم الخصال المكفرة للذنوب
فهي كَفَّارةٌ للخطايا والذنوب، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» (٣).
- وعن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة» (٤).
- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَل الصلوات الخمس كمَثَل نَهر جارٍ غمر على بابِ أحدكم يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ» قال: قال الحسن: «وما يبقي ذلك من الدرن» (٥).
стр. 231
ثالثًا: الصلاة نور للعبد
- عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزانَ، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتِقُها، أو مُوبقُها» (١).
- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : «بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنورِ التامِّ يوم القيامة» (٢).
رابعًا: الصلاة خير ما يتحصن به العبد
- عن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن صلَّى صلاةَ الصبح، فهو في ذمَّة الله، فلا يطلبنَّكم الله من ذمَّتِه بشيءٍ؛ فإنه مَن يطلبه من ذمته بشيءٍ يُدرِكه، ثم يكبُّه على وجهه في نار جهنم» (٣).
خامسًا: من حافظ على الصلاة فجزاؤه الجنة
- عن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله على الْعِبَادِ فَمَنْ جاء بِهِنَّ لم يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شيئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ؛ كان له عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» (٤).
فإن منافع الصلاة وآثارها الحميدة عظيمة وكثيرة وجليلة وأكثر من أن يحصيها مقال، فبين الباحث أَجَلَّهَا، اختصارًا وخوفًا من الإطالة، ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 232
ثالثًا: الأمر بالإنابة ولزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين
ويحتوي على ما يلي:
أولًا: تعريف الإنابة.
ثانيًا: بيان أهل التفسير حول آية لقمان.
ثالثًا: وجوب لزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين.
стр. 233
أولاً: تعريف الإنابة
أ - الإنابة لغة:
تدور مادة: (ن و ب) حول الرجوع.
- يقول ابن فارس: «النون والواو والباء» كلمة واحدة تدل على اعتياد مكان ورجوعٍ إليه» (١).
تقول: أناب فلان إلى الشيء، رجع إليه مرة بعد أخرى، وإلى الله تاب ورجع (٢).
وقال الراغب: «الإنابة إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل» (٣).
وفي التنزيل العزيز: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، أي: راجعين إلى ما أمر به، غير خارجين عن شيء من أمره، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: توبوا إليه وارجعوا.
وقال ابن الأثير: «يقال: أناب ينيب إنابة فهو منيب، إذا أقبل ورجع، وفي حديث الدعاء «وإليك أنبت» (٤)(٥).
стр. 234
ب - الإنابة شرعًا:
إخراج القلب من ظلمات الشبهات، وقيل: الإنابة الرجوع من الكل إلى من له الكل، وقيل: الإنابة الرجوع من الغفلة إلى الذكر، ومن الوحشة إلى الأُنْس.
وقال أبو البقاء الكفوي: «الإنابة: الرجوع عن كل شيء إلى الله تعالى» (١).
ويقول ابن القيم: «الإنابة: الإسراع إلى مرضاة الله، مع الرجوع إليه في كل وقت، وإخلاص العمل له» (٢).
ويقول ابن القيم أيضًا: «قال صاحب المنازل: الإنابة في اللغة: الرجوع، وهي ههنا الرجوع إلى الحق وهي ثلاثة أشياء: الرجوع إلى الحق إصلاحًا كما رجع إليه اعتذارًا، والرجوع إليه وفاءً كما رجع إليه عهدًا، والرجوع إليه حالًا كما رجعت إليه إجابة، لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته كان من تتمة ذلك: رجوعه إليه بالاجتهاد والنصح في طاعته» (٣).
قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].
بعد أن تجلى لنا معنى الإنابة لغة وشرعًا، نتحول إلى بيان أهل التفسير لدلالة الآية الكريمة.
ثانيًا: بيان أهل التفسير حول آية لقمان
يقول الطبري: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] يَقُولُ: وَاسْلُكْ طَرِيقَ مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ، وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاتَّبَعَ مُحَمَّدًا ﷺ .
стр. 235
- قال قَتَادَةَ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] أَيْ: مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ.
وَقَوْله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥] فَإِنَّ إِلَيَّ مَصِيرَكُمْ وَمَعَادَكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، فَأُخْبِرُكُمْ بِجَمِيعِ مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ثُمَّ أُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ» (١).
يقول الإمام البغوي: «﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي ﷺ وأصحابه» (٢).
ويقول أبو حيان:» ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] أَيْ: رَجَعَ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ سَبِيلُ الرَّسُولِ ﷺ » (٣).
ويقول السيوطي: «﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] قَالَ: مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ.
وأخرج ابن المنذر، عن ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] قَالَ: «مُحَمَّدٍ ﷺ » (٤).
ويقول ابن عاشور: «واتباع سبيل من أناب هو الاقتداء بسيرة المنيبين لله، أي: الراجعين إليه» (٥).
ولقد جاءت تلك الوصية بالإنابة بعد تمام ما سبقها من الوصية بنبذ الشرك والوصية بالوالدين وعدم طاعتهما في معصية الله ولا سيما في الشرك لتدلل على أن تلك الوصايا توجب إخلاص العمل لله، وأن الوصية بالإنابة تدلل على إيجاب اتباع منهج الرسول ﷺ ومنهج أصحابه الكرام ﵃ ومنهج من سلك سبيلهم من سائر المنيبين.
стр. 236
ثالثًا: وجوب لزوم الجماعة واتباع سبيل المؤمنين
وفي قوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] دلالة على الأمر بوجوب لزوم جماعة المسلمين وعدم شق عصا الطاعة بالخروج عن تلك الجماعة، ومن ثَمَّ لزوم تربية الأبناء على منهج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] وَالْأُمَّةُ مُنِيبَةٌ إلَى اللَّهِ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهَا» (١).
يقول ابن القيم: «قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى أن الله قد هداهم وقد قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]» (٢).
وقد رضي الله عن الصحابة وعن الذين اتبعوهم بإحسان.
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
- ذكر ابن جرير الطبري بأسانيده عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قال: «الجماعة» (٣).
وفي بيان مفهوم الجماعة يقول ابن كثير في تفسيره: «أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه» (٤).
وسموا بالطائفة المنصورة:
стр. 237
وهو مأخوذ من وصف النبي ﷺ لهم بذلك في أحاديث عدة، منها: ما رواه معاوية بن أبي سفيان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (١).
فكل من تمسك بالأصول الثابتة في الكتاب والسنة والإجماع وسار على نهج السلف الصالح عقيدة ومنهاجًا وشريعة فهو من أهل السنة والجماعة كائنًا من كان.
قال الإمام الشافعي: «من قال بما تقول به جماعة المسلمين؛ فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم، التي أُمِرَ بلزومها» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع، كان من أهل السنة والجماعة» (٣).
ومن أبرز مسميات أهل السنة الصحيحة التي أطلقت عليها:
١ - أهل السنة والجماعة.
٢ - السلف الصالح.
٣ - الفرقة الناجية.
٤ - أهل الحديث والسنة.
٥ - أهل الأثر.
٦ - الطائفة المنصورة.
стр. 238
وختامًا:
فإن مما يجب أن تُربَى عليه الأجيالُ المسلمة، وتُنشأ عليه الناشئة، هو منهج أهل السنة والجماعة، واتباع منهج السلف الصالح عقيدة ومنهاجًا، شريعة وأخلاقًا، ولا شك أن الوصية باتباع سبيل المنيبين في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] ضمن عموم وصايا لقمان التربوية فيه دلالة على وجوب العناية بهذا المنهج الأصيل ووضعه في أوليات مناهج التربية السديدة للأجيال المسلمة على مرّ العصور والأزمان.
وفي هذا كفاية. والحمد لله رب العالمين.
رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترغيب في الصبر على ذلك
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
أولاً: مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أ- المعروف في اللغة:
- قال ابن منظور: «المعروف: الجود، وقيل: اسم لما تبذله وتسديه.
- قال الزجاج: المعروف ما يستحسن من الأفعال» (١).
والمعروف مأخوذ من المعرفة، وهي في أصل اللغة العربية: اسم لما يعرفه القلب ويطمئن إليه، وتسكن إليه النفس، قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، والمعروف ضد المنكر، والعرف ضد النكر، والعارِفُ والعَروفُ الصبور، ويطلق المعروف على الوجه لأن الإنسان يعرف به، كما يطلق على الجود وقيل: هو اسم ما تبذله وتسديه (٢).
стр. 239
ب- المعروف في الاصطلاح:
اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات (١).
ج- المنكر لغة:
اسم لما تنكره النفوس وتشمئز منه ولا تعرفه، والمنكر من الأمر: خلاف المعروف.
قال تعالى: ﴿﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩]، أي: أقبح الأصوات (٢).
المنكر: هو واحد المَناَكِر، وهو النكر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، والنَكِير والإنْكارُ: تغيير المنكر، والإنكارُ: الجحود، والتناكرُ: التجاهل (٣).
د- والمنكر في الاصطلاح:
كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه (٤).
وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة من أَجَلِّ وأعظم وأهم المهمات، وعبادة وطاعة من أفضل الطاعات، وقربى من أعظم وأعز القربات، وبالقيام بها ينال العبد رضا الله، ويتجافى عن شديد سخطه وأليم عقابه سبحانه. اهـ.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتحفظ به حرمات المسلمين، وتظهر أعلام الشريعة، وتفشو أحكام الإسلام، وبارتفاع سهمه يعلو أهل الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور، ويورث القوة والعزة في المؤمنين، ويذل أهل المعاصي والأهواء، وترغم أنوف المنافقين (٥).
وبهذه الفريضة تقام الملة والشريعة ويحفظ الدين ويعلو الحق وينتشر العدل ويرفع الجور والظلم بين العباد فتزول كل عوامل الشّرّ والفساد وتثبّت كل معاني الخير والصّلاح في
стр. 240
الأمّة، ويبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين فيُشد ظهر المؤمنين وتقوى عزائمهم وتُرغم أنوف المنافقين وتضعف معنوياتهم ويُمَّكن لهذه الأمة في الأرض وتنتصر على أعدائها ويُدفع عنها العقوبات وتنجو من عذاب الله وينتفع الخلق وتقام الحجة عليهم وتستنزل الرحمة من الله تعالى وتصلح حياة الأمة بجميع جوانبها (١).
أولاً: تربية الأبناء وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن تربية الأبناء لا بد أن تكون كاملة الأركان شاملة كل جوانب التربية، وهذا ما عناه لقمان في موعظته لولده، فبعد أن أسس فيه أعظم الجوانب ألا وهو جانب التوحيد وهو حق الخالق سبحانه وهو أعظم الحقوق، جاءت الوصية بأعظم الحقوق بعد حق الله ألا وهي الوصية بالوالدين، ثم جاءت بعد ذلك الوصية بمراقبة الله حتى يعظم الله في قلبه وتتحقق خشيته والخوف منه سبحانه، ثم تلتها الوصية ببيان سعة علمه سبحانه واطلاعه على خلقه ليكتمل البنيان، وبعد ذلك تهيأ لأن يعبد الله حق عبادته فجاء الأمر بالصلاة، ثم ينتقل لقمان في موعظته لابنه من عبوديته للخالق بإقام الصلاة إلى عبوديته سبحانه مع الخلق، فيوصيه بمخالطتهم ودعوتهم والصبر على ما يناله من أذى بسبب ذلك في ذات الله سبحانه، والسعيِ إلى التأثير في نفوسهم، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ودعوتهم إلى الله تعالى؛ وتلك الرسالة العظيمة من عزائم الأمور وهي من المهام العظيمة التي أُنيطت بالرسل الكرام ﵈، الذين خالطوا الناس وصبروا على الأذى في ذات الله ومن أجل إبلاغ الحق للخلق، فلم يعكفوا على عبادة ربهم متبتلين في صوامعهم، ولم يعيشوا في عزلة عن مجتمعاتهم، مخلفين وراءهم أعظم مهمة وأَجَلَّ رسالة، فلهم فيهم أسوة حسنة، بلاغًا وصبرًا واحتسابًا.
وبعد أن صلحت نفسه واكتملت بالفضائل تهيأت لأن تصلح غيرها وأن يكون الابن داعيًا
стр. 241
إلى الله آمرًا بالمعروف مؤتمرًا به وناهيًا عن المنكر منتهيًا عنه، فجاءت الوصية به.
ويؤكد هذا المعنى الرازي فيقول: «﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا أنفسهم ويكملوا غيرهم» (١).
ثانيًا: بيان مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من أوجب فرائض الدين، وشعيرة من أعظم شعائره، ولذا ضمه لقمان ضمن وصاياه الخالدة لولده.
وإن مما حازت به هذه الأمة الخيرية بين الأمم قيامها بهذه الشعيرة العظيمة، ولعظم مكانتها فقد قرنها الله بالإيمان به سبحانه، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
يقول رشيد رضا: «فعلم أنَّ خيرية الأمة وفضلها على غيرها تكون بهذه الأمور: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى» (٢).
ويقول القرطبي: «هذه الآية مدح لأمة محمد ﷺ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ويظل هذا معها ما أقاموا ذلك، فإذا تركوا ذلك التغيير زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط الخيرية» (٣).
ويقول ابن كثير: «فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ثم قال: من سره أن
стр. 242
يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها» (١).
ولما كانت خيرية هذه الأمة منوطة بالقيام بهذا الواجب الشرعي فقد أوجب الله عليهم نشر هذا الخير وبذله للغير ودعوة الناس إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهذا الواجب العظيم على أتم وجه حتى تحافظ الأمة على هذا الفضل الذي حباها الله إياه (٢).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه مصالح عظيمة لا تخفى، ومن أَجَلِّهَا، حصول الفلاح لأهل هذه الشعيرة العظيمة، مع كونهم قائمين بأمر الله وأمر رسوله ﷺ .
كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
يقول الشوكاني: «في الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت في الكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها» (٣).
ثالثًا: بيان مكانة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وعلو شأن أهل هذه الشعيرة
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
قال ابن سعدي: «وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله، وإرشاد الخلق إلى دينه … وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين؛ ولهذا قال تعالى عنهم: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾
стр. 243
[لقمان: ٥] الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب» (١).
ولقد وصف سبحانه أهل النفاق في كتابه بأنهم: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
فمن اتصف بتلك الصفات شمله وصف النفاق والفسق والعياذ بالله.
بينما وصف سبحانه أهل الإيمان في كتابه بأنهم: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
قال ابن كثير: «أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات» (٢).
فمن قام بحق هذه الشعيرة واتصف بتلك الصفات شمله الكريم برحمته.
والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدًا.
قال القرطبي: «فجعل -تعالى- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (٣).
فلما عظموا أمره وأمر دينه وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، جعلهم الله أهلًا للتمكين في الأرض، فكيف لا يعلو شأنُهم وتعلو منزلتُهم ومكانتُهم وقد قاموا بهذا الواجب العظيم؟! كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
стр. 244
رابعًا: أخص صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر
والقائم بهذه الشعيرة العظيمة لا بد أن يكون:
١. عالمًا بما يأمر به، عالمًا بما ينهى عنه
ولزامًا «على من يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عالمًا بما يأمر به وعالمًا بما ينهى عنه» (١).
وفي ذلك يقول ابن سعدي: «﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر» (٢).
ولا شك في أن لقمان قصد هذا المعنى، بدلالة تقديم الوصية بالتوحيد والوصية بالوالدين وغيرها على هذه الشعيرة العظيمة كما هو ظاهر من السياق، والله أعلم.
٢. أن يكون مؤتمرًا بما يأمر به، منتهيًا عما ينهى عنه
ولقد ذ م -سبحانه- مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وخالف فعلُهُ قولَهُ، وفي نحو ذلك يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. ويقول سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. وقال سبحانه عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: «أي: لست أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به» (٣).
стр. 245
٣. أن يكون الآمر والناهي صبورًا
لأن الأمر والنهي مظنة عاقبته الابتلاء، فجات وصية لقمان الحكيم لولده بالصبر عقب وصيته بالأمر والنهي فقال له: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧].
قال الطبري: «﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] يقول: واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدّنك عن ذلك ما نالك منهم ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] يقول: إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزمًا منه» (١). ويؤكد نفس المعنى تأخير التواصي بالصبر عن التواصي بالحق في سورة العصر، والله أعلم.
ويقول ابن كثير: «﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]، علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور» (٢).
ويقول ابن سعدي: «ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك؛ فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ [لقمان: ١٧] الذي وعظ به لقمان ابنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم» (٣). كما وصى الله بذلك رسوله ﷺ بقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].
ويبيِّن شيخ الإسلام ابن تيمية جملة من الصفات التي يجب أن يتصف بها القائم بهذه الشعيرة وأن يتحقق بها ويصطحبها فيقول: «لا بد من العلم والرفق والصبر، فالعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده» (٤).
стр. 246
٤. ولا بد أن يكون رفيقًا فيما يأمر به رفيقًا فيما ينهى عنه
وفي نحو ذلك جاءت وصيته تعالى لموسى وهارون ﵉ فقال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
هذا مع ما جمع فرعون من صنوف الشرّ كله: من ادعاء الألوهية والربوبية، والعلو في الأرض، والصد عن سبيل الله، والتكبر والتجبر، والفساد والإفساد فيها، وسفك الدماء، وقتل الأبرياء، واستحياء النساء.
وقال الله تعالى أيضًا مخاطبًا نبيه ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فامتثل النبي ﷺ أمر ربه، ثم أوصى ﷺ أمته بذلك فقال ﷺ : «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (١)، ولا شك أن لنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة.
ويؤكد سفيان الثوري أيضًا على جملة من خصال القائم بتلك الشعيرة العظيمة فيقول: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى» (٢).
ولا ريب أن استعمال تلك الخصال له العواقب الحميدة والآثار الطيبة على الداعي والمدعو والدعوة نفسها على حدٍّ سواء.
ويقول سبحانه ممتنًا على نبيه ﷺ أيضًا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
هذا كله مع وجوب التحلي بالإخلاص وحسن القصد، ولم يفرد الباحث الكلام عن الإخلاص مع أهميته ومكانته، لأنه شرط صحة في قبول جميع الأعمال.
стр. 247
قال ابن القيم: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأْس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص» (١).
أعظم مأمور به وأعظم منهي عنه:
وأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢).
ويقول سعيد بن جبير: في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: ١٧] «يعني: التوحيد، ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] يعني: الشرك» (٣).
ومما ورد في دعاء عمر بن عبد العزيز عند موته قوله: «اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما» (٤).
والقيام بهذه الشعيرة العظيمة يترتب عليه فعل الخير العميم، والنفع العظيم للأمة أفرادًا وجماعات، وتتحقق للأمة خيريتها الموعودة، وينال أهلها الفلاح، ويتحقق لهم كمال الإيمان وعلو الدرجات، وإجابة الدعوات، كما يتحقق لها كمال التأسي بالنبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين، الذين قاموا بهذا الواجب العظيم، وتسلم من الوعيد والعقاب المترتب على إهمال هذا الجانب العظيم، وتتربى الأجيال المسلمة على تعظيم الشريعة بالقيام بحق هذه الشعيرة.
стр. 248
المطلب الثالث: الجانب الأخلاقي
ويشتمل على:
١ - التحذير من الكبر والتعالي.
٢ - الأمر بالوقار وترك الخيلاء.
٣ - الأمر بالقصد في المشي تواضعًا.
٤ - الأمر بخفض الصوت والاعتدال في ذلك.
أولاً: بيان مفهوم الأخلاق
أ- مفهوم الأخلاق لغةً:
قال الفيروز آبادي: «الخُلُق: بالضمِّ، وبضمتين: السجية والطَّبع، والمروءة والدين» (١).
ب-مفهوم الأخلاق اصطلاحًا:
- قال الماوردي: «هي غرائز كامنة تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار» (٢).
ثانيًا: مكانة الأخلاق في الإسلام
لقد عُنيَت شريعة الإسلام بالجانب الأخلاقي وأولته عناية كبرى، ولقد تبوأت الأخلاق مكانة سامية ورفيعة في كتاب الله، وكان حامل مشعل الهداية ﷺ من أكمل الناس أخلاقًا، ولقد تمثل أخلاق القرآن، كما أخبرت أمُّ المؤمنين عائشة رض الله عنها أنَّ سعد بن هشام: سألها عن خُلق النَّبيّ ﷺ فوصفت خُلُقَه بوصف جامع، فقالتْ: «أليس تقرأ القرآن؟! قال: بلى، قالت: «فإنَّ خلقَ نبيِّ الله كان القُرآن» (٣).
قال ابن كثير: «صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سَجِيَّة له وخُلُقًا تطبَّعَهُ، وترك طبعه الجِبِلِّي،
стр. 249
فمهما أمرَه القرآن فعله، ومهْما نهاه عنه تركه» (١). وحسبنا في ذلك ثناء ربه عليه في محكم كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
ولقد بلغ من عِظَم مكانة الأخلاق في الإسلام أن النبي ﷺ كأنَّه حصر حقيقة بعثته، والغاية المهمة من رسالته و دعوته، في تقويم الأخلاق وإتمام مكارمها وإكمال محاسنها.
وكأني بمكارم الأخلاق صرحًا شامخ البنيان مكتمل الأركان شيده النبيون والمرسلون ﵈، وَبُعِثَ النبيُّ ﷺ ليتم هذا الصرح، فيكتمل بنيانه المرصوص ببعثته ﷺ .
يقول ﷺ فيما رواه أبو هريرة -رض الله عنه-: «إنما بعثت لأتمم مكارم -في رواية: أبي صالح- الأخلاق» (٢).
قال المناوي: ««إنما بُعِثت» أي: أُرسلت «لأتمم» أي: لأكمل «الأخلاق» بعد ما كانت ناقصة، وأجمعها بعد ما كانت متفرقة» (٣).
ولذلك حرص الإسلام على غرس تلك الأخلاق ومكارمها وفضائلها في نفوس أتباعه، وحثهم على التمسك بها ورغبهم فيها.
ولقد كانت بعثته ﷺ من أجل تزكية تلك النفوس وتطهيرها وتعليمها، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وكما قال سبحانه أيضًا: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة: ١٥١].
стр. 250
وإن المتأمل في القرآن المجيد والمتدبر لآياته يجد أن العناية بالجانب الأخلاقي ظهر جليًّا واضحًا بين ثنايا آياته، كما يجد قواعد هذا الجانب وأسسه والتوجيه إلى سجاياه ومحامده في كل أوامره ونواهيه وقصصه وأخباره ظاهرة وجلية أيضًا، ومن جملة هذه الأخلاق الفاضلة ما جاء في وصف وصايا لقمان للجانب الأخلاقي لولده وهو يعظه، وهو موضوع بحثنا هنا.
ثالثًا: الجانب الأخلاقي في وصايا لقمان
قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
الوصية الأولى من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي
١ - التحذير من الكبر والتعالي
قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]، هذه هي الوصية الأولى من وصايا لقمان لابنه في الجانب الأخلاقي، فبعد تأسيس الجانب العقدي والجانب التعبدي جاءت الوصية بالجانب الأخلاقي كالحلية لتلك الجوانب جميعًا.
فبعد تلك الوصايا جميعًا يأمر لقمان ابنه بالتواضع وينهاه عن صفة الكبر والتعالي على الناس، فكيف يدعوهم وهو متكبر عليهم، فالكبر مذموم على كل حال ومن كل أحد، فكيف بمن يدعو ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن يفعل ذلك لا يجد قبولًا لدعوته عند الناس، ولا أثرًا لتعليمه في نفوسهم، ولا ثمرة مرجوة ولا صدى فعالًا لأمره ونهيه، وقد سبق في موعظة لقمان قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]؛ لأن هذا الأمر من مهام النبيين