فرفع الصوت وعلوه فيما لا طائلة من ورائه لأنه يشبه نهيق الحمير التي لا تفعل ذلك إلا إذا رأت الشياطين، فلا يليق بإنسان قد أكرمه الله بالعقل وخلقه في أحسن تقويم، وسواه وعدله، وفي أي صورة ما شاء ركبه، وجعل له عينين، ولسانًا وشفتين، ودله على الطريق القويم، وهداه إلى صراطه المستقيم، فأنعم عليه بنعمة الإسلام وأكرمه وزينه بزينة الإيمان، أن ينزل لدرجة العجماوات التي لا تعقل، فيتشبه بأبلدها وأدناها وأخسها، ألا وهو الحمار الذي لا يعقل شيئًا ولا يهتدي سبيلًا، وإنما كان الزجر على علو الصوت في تشبيهه بصوت الحمار ليتبين عظم نكارة صوته وقبحه وشناعة فعله حتى أصبح من أشبه الخلق بأبلد المخلوقات حسًّا وأدناهم وأحطهم وأخسهم منزلة، ألا وهو الحمار، والحمار في نفسه لا يلام على علو صوته ونهيقه بقوة وشدة ونكارة، إنما اللوم والتوبيخ على من تشبه به من بني آدم فخرج عن جبلته وفطرته وأبى لنفسه أن ينزلها مكانتها ويصون لها كرامتها، فتشبه بمن لا يليق بمثله أن يتشبه بمثله.
فعلى هذا المنهج الذي ربَّى لقمان عليه ولده يجب على المربين أن يربوا الناشئة ويلزموهم هذه الخلال الصالحة الحميدة، والخصال الطيبة الرشيدة، وأن يحثوهم على التمسك بمكارم الأخلاق وجليل الصفات التي حثَّ عليها ديننا الحنيف وشريعتنا الغراء التي أمرت بالفضائل ورغبت فيها، ونهت عن الرذائل وزجرت عنها.
ومن أهمها: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، والإقبال على الناس بوجه طلق بشوش، والإنصات لمن يخاطبهم ويحدثهم، وعدم الإعراض عنهم تعاليًا وتكبرًا، والمشي في الأرض بأدب المتواضعين متشبهين بعباد الرحمن في مشيهم على الأرض هونًا تواضعًا لله غير متكبرين على عباده سبحانه، ومخاطبة الناس بأدب جمّ وخلق كريم مصحوب بصوت منخفض يتحقق معه المطلوب ويُنالُ به المرغوب، مع تجنب علو الصوت لما فيه من الأذى والرعونة مع ما يسببه من وقوع البغضاء في قلوب الناس، علاوة على ما فيه من التشبه بأوضع المخلوقات
стр. 282
وأخس الكائنات وأبلد الحيوانات.
وبالانتهاء من بيان الجانب الأخلاقي في ضوء وصايا لقمان يكتمل المنهج التربوي المتكامل الذي قدمه لقمان لابنه وهو يعظه تلك الموعظة البليغة التي أصبحت نورًا يتلألأ وريحانة تهتز، ليضيء بهذه الموعظة الطريق للمربين والقائمين على مناهج التربية والتعليم والدعوة والإصلاح والتوجيه والإرشاد على مرّ الأجيال والأزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا شك أن هذا من محض فضل الله على هذا العبد الكريم على ربه، الذي آتاه الحكمة وعلمه مما يشاء كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
المطلب الرابع: طبيعة العلاقة بين الجوانب الثلاثة
(العقدي والتعبدي والأخلاقي)
تمهيد
فقه الأولويات في منهج لقمان التربوي
إن من أهم مهام المربي مراعاة فقه الأولويات في منهجه التربوي. وإذا تغيب فقه حسن الاهتمام بترتيب الأولويات عند المربي كانت نتائج عمله غير مرضية وربما كانت لها نتائج عكسية. وإن من حكمة لقمان أنه راعى فقه حسن الاهتمام بترتيب الأولويات في منهجه التربوي، حيث ابتدأه أولًا بالجانب العقدي الذي هو أصل العلاقة مع الخالق سبحانه، ويمثل القاعدة الأساسية الأولى للعملية التربوية الإيمانية الاعتقادية المتكاملة، وبصلاح العقيدة يصلح شأن العبادات والأخلاق والمعاملات وكافة جوانب التربية.
стр. 283
وفي ذلك يقول البقاعي: «ولما كان أصل توفية حق الحق تصحيح الاعتقاد وإصلاح العمل، وكان الأول أهم، قدمه فقال: لا تشرك أي: [لا] توقع الشرك لا جليًّا ولا خفيًّا» (١).
ثم إنه ثنَّى بالجانب التعبدي الذي به صلاح شأن العبد مع نفسه، وثلث بالجانب الأخلاقي الذي يمثل صلاح شأن العبد في تعامله مع الناس كافة.
طبيعة العلاقة بين هذه الجوانب
يقوم بنيان الدين وصرحه المتين على العقيدة أولًا التي هي بمثابة حجر الأساس في بناء صرح هذا الدين العظيم، وعلى هذا الأساس المتين تقوم أركان بنيان العملية التربوية بجميع جوانبها التعبدية والأخلاقية والسلوكية.
وإذا هيمنت تلك العقيدة على نفس المؤمن وسكنت فؤاده، سمت نفسه، وتوجهت نحو الخير وتحلت بكل فضيلة، وتخلت عن كل رذيلة، وأثمرت كل خلق حميد.
ذلك لأن تلك العقيدة بينها وبين جوانب وأركان العملية التربوية صلة وثيقة، لأن العقيدة هي الدافع الذاتي الذي يدفع المؤمن ويقوده نحو الفضائل كلها، وأن رسوخ العقيدة في قلبه يحثه ويؤزه على الخير أزًّا، فيؤدي الفرائض التعبدية بنفس راضية مصحوبة بانشراح صدره وطمأنينة نفسه، ويدفعه لاكتساب مكارم الأخلاق، وإلى حسن معاملة الخلق بالمعروف، وإن في التخلي عن تلك العقيدة أيضًا الدافع الذاتي لهدم الجانب التعبدي والأخلاقي معًا، لأن هذه الجوانب فقدت قاعدة الأساس التي تقوم وترتكز عليها، ألا وهي قاعدة العقيدة الصحيحة والإيمان الراسخ، ولذا كانت أول وصايا لقمان في موعظته لولده بترسيخ العقيدة والنهي عن الشرك المتضمن تحقيق التوحيد؛ لأنه هو الأساس الذي يحمل فوق هامته العالية جميع الجوانب التعبدية والأخلاقية، فإذا انهدم الأساس سقط ما كان يحمله فوق هامته.
стр. 284
ولعظم شأن العقيدة فإنها تؤثر في جميع جوانب العملية التربوية إيجابًا وسلبًا وذلك لمكانة هذه العقيدة من الدين.
وفي ذلك يقول ابن القيم: «التَّوحيد ألطف شيء، وأنزهه، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيءٍ يخدشه، ويدنّسه، ويؤثّر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون يؤثّر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصَّافية جدًّا أدنى شيءٍ يُؤثر فيها، ولهذا تشوشه: اللَّحظة، واللَّفظة، والشَّهوة الخفيَّة، فإنْ بادر صاحبه وقلعَ ذلك الأثر بضدِّه؛ وإلَّا اِسْتحكم وصارَ طبعًا يتعسّر عليه قلعه» (١).
الارتباط الوثيق بين الجانب الأخلاقي والجانب التعبدي
إن ارتباط الجانب الأخلاقي بالجانب التعبدي في كتاب الله ارتباط وثيق والرابط بينهما هو ذلك الرباط الوثيق والأساس المكين المتمثل في عقيدة الإسلام الصحيحة والصافية.
وإن المتأمل في العلاقة بين العبادات والأخلاق يجد بينها رباطًا وثيقًا، ويظهر ذلك جليًّا في مقاصدها وأهدافها وغاياتها، فالمتأمل فيها يجد أن جميع تلك الجوانب تعبدية كانت أم أخلاقية إنما هي وسائل لتحقيق غايات عظيمة ومقاصد وأهداف جليلة، من أَجَلِّهَا تحقيق العبودية وامتثال مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.
ومن تلك العبادات أركان الإسلام الأربعة: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج؛ يجدها كلها وسائل لتحقيق غايات عظيمة، وهي من الأمثلة الحية الشاهدة على الترابط بين العبادة والأخلاق في شريعة الله ﵎.
أولاً: فريضة الصلاة وعلاقتها بالجانب العقدي والأخلاقي:
فالصلاة صلة بين المخلوق الفقير والخالق الغني، وصلاة الجماعة صلة بين المسلم وإخوانه المؤمنين، وفي إقامتها والمواظبة على أدائها تواصل بين الأجيال المؤمنة على مرّ العصور والأزمان، وفي جميع الأمصار وإن تباعدت الأبدان فرابط العبودية لرب واحد وروح معاني الأخوة الإيمانية تجمع أهل الإيمان، ولها تواصل وامتداد عبر الزمان والمكان،
стр. 285
والتواصل الروحي بين أهل الإيمان في كل عصر ومصر. وهي من أعظم العبادات في الإسلام وأحد أركانه العظام، وهي وسيلة عظيمة، من أعظم غاياتها ومقاصدها أن ينتهي الإنسان عن الفحشاء والمنكر، فإذا لم ينته المصلي عن مقصود الصلاة فقد قصرت به تلك الوسيلة العظيمة عن بلوغ مقصودها وغاياتها ألا وهو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
يقول ابن سعدي: «وجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها» (١) انتهى.
ويقول ابن عاشور: «فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله تعالى قال: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولم يقل تصد وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر. ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل، ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة. ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة، يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر» (٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «نَفْسُ فِعْلِ الطَّاعَاتِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْمَعَاصِي، وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَعَاصِي يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَالصَّلَاةُ
стр. 286
تَضَمَّنَتْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَهْيُهَا عَنِ الذُّنُوبِ، والثَّانِي: تَضَمُّنُهَا ذِكْرُ اللَّهِ» (١) انتهى.
ويقول ابن كثير: «يَعْنِي: أَنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى تَرْكِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، أيْ: إِنَّ مُوَاظَبَتَهَا تَحْمِلُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ» (٢).
ويقول البقاعي: «أقم الصلاة: أي: بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها، سعيًا في نجاة نفسك وتصفية سرك، فإن إقامتها -وهي الإتيان بها على النحو المرضي- مانعة من الخلل في العمل ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ لأنها الإقبال على مَنْ وَحَّدْتَهُ فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه» (٣).
- ويقول ابن تيمية: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] «بَيَانٌ لِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ» (٤).
ويقول معالي الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: «للصلاة الصحيحة تأثير في سلوك العبد وأعماله الأخرى، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فالذي يصلي بحضور قلبه وخشوع واستحضار لعظمة الله؛ هذا يخرج بصلاة مفيدة نافعة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ويحصل بها على الفلاح. أما الذي يصلي صلاة صورية؛ من غير حضور قلب، ومن غير خشوع، قلبه في واد وجسمه في واد آخر؛ فهذا لا يحصل من صلاته على طائل» (٥) انتهى.
وعلى هذا فإن كان الإنسان مُقْتَصِدًا في العبادة لكنه حسن الخلق مع الناس، خَيْرٌ له مِنْ أن
стр. 287
يكون قَانِتًا عابدًا مسيئًا لعباد الله.
- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا- غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ -يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا- وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (١).
«بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ» أي: بقطع منه جمع ثور بالمثلثة وهو قطعة من الأقط ذكره الجوهري (٢).
وفي ذلك ومثله يقول ابن مسعود ﵁: «لَا تَنْفَعُ الصَّلَاةُ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهَا» ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٣).
فَإن الصلاة الصحيحة أثمرت الكف والانتهاء عن رذائل الأخلاق ومنكراتها، والصلاة ثمرة من ثمار صحة المعتقد، لأن العقيدة هي الدافع لأداء الصلاة، وأنه لا صلاة تامة إلا بأخلاق حميدة، ولهذا تصبح مكارم الأخلاق ثمرة من ثمار العقيدة، وهذا كله يدل على التلازم بين جوانب التربية جميعًا، عقيدة وعبادة وأخلاقًا سلوكًا.
فإذا لم يكن ثَمَّ عقيدة صحيحة تدفع لأداء العبادة على الوجه المشروع وتحث عليها وتُقَوِّمُ بها الأخلاق وتُصلح ما اختل منها وما أعتل، فلا عبادة ومن ثَمَّ فلا أخلاق، وهذا مما يؤيد ويعاضد من أوجه الترابط والتواثق والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.
وقد مرَّ معنا كثيرًا في طيات البحث الكلام عن مكارم الأخلاق، وأنها غاية من أعظم الغايات التي بُعث النَّبِيُّ ﷺ لتحسينها وإتمامها وإكمالها.
وحينما يعبر النبي ﷺ عن المقصد من مبعثه وبيان الغاية منه بأداة تفيد الحصر وهي كلمة
стр. 288
«إنما»، ذلك ليثبت للبشرية قاطبة أن الشريعة السمحة التي بعث بها إنما شرعت لإصلاح هذا الجانب العظيم ولإكماله وإتمامه وتحسينه.
ثانيًا: فريضة الصيام وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق وكذلك الشأن في فرضية الصيام ومشروعيته:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
والصيام من أعظم الوسائل لتحقيق التقوى التي بها جماع الخير كله- وهي الجامع لأمر الاستجابة لله بفعل المأمور وترك المحذور، والصيام الذي يثمر التقوى يقيم سياجًا قويًّا وحصنًا منيعًا بين المؤمن و بين محارم الله تبارك تعالى.
يقول ابن كثير: «لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ النَّفْسِ وَطَهَارَتِهَا وَتَنْقِيَتِهَا مِنَ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيئَةِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ» (١).
والصِّيام سرٌّ خفي بين العبد وربِّه لا يطَّلع عليه إلا هو سبحانه.
ومن حقائق الصوم ترك ما جبلت عليه النفوس وألفته الطباع من حظوظ النَّفس ومشتهياتها لله تعالى، مع قدرة العبد على ذلك.
وهذا دليل على تمام صدق العبد و كمال إخلاصه لله تعالى، وذلك لعلمه باطلاع ربه عليه ومراقبته له في خلواته وجلواته، فأطاع الله تعالى واستجاب لداعي الإيمان رغبة فيما عند الله من جزيل الثواب، ورهبة فيما عنده من أليم العقاب، ذلك لأن الصِّيام من العبادات الَّتي تسمو بنفس المسلم إلى مرتبة الإيمان ثم ترتقي به إلى درجة الإحسان التي هي أعلى مراتب الدين.
يقول ابن عاشور: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]: «بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع» (٢).
стр. 289
والصيام يقوي إرادة المؤمن ويقرب قلبه من بارئه سبحانه، ويقوي صلته بربه جل في علاه، ويشحذ من عزيمته ويحث على التراحم والود وحسن الصلة بين الصائم وإخوانه المؤمنين، كل ذلك لما له من آثار طيِّبة تربوية وإيمانية وأخلاقية وسلوكية على الفرد المسلم والجماعة المسلمة على حدٍّ سواء مع ما فيه من الترغيب في مجاهدة النفس وكبح لجماحها عن شهواتها، وتزكية لها من أدرانها، وتصفية لها وتنقية لما علق بها من شوائب، مع ما يرغب فيه من الحثّ على اكتساب الفضائل، واجتناب الغوائل والرذائل، ولذا كان من ثمار الصيام وأثره على النفس ما يجده المؤمن من رقة في قلبه وصلاحٍ في نفسه وتهذيبٍ لسمعه وبصره ومنطقه ولفظه وفعله، وتربية نفسه على مراقبة الله وخشيته في علانيته وسره، والمداومة على محاسبة نفسه، وتهذيبٍ لجميع جوارحه، لم لا؟ فالصَّوم مدرسة لتهذيب الأخلاق وتقوية لإرادة المؤمن وتهيئته للتضحية والبذل والسخاء والعطاء لله تعالى، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدور، وطمأنينة القلوب، وهدوء النفوس.
ويقول رشيد رضا: «هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا» (١).
يقول ابن القيم: «المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تركِّز به ما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكِّر بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتُحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يفيدها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وَجُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين. وهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها؛ إيثارًا لمحبة الله ومرضاته. وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة،
стр. 290
التي إذا استولت عليها أفسدتها» (١).
ويقول الشوكاني: «قيل: تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة، لأنها تكسر الشهوة وتضعف دواعي المعاصي» (٢).
ويقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (٣).
«والصِّيام جُنَّة»: أي: (وقاية) يتوقَّى العبد به الآثام ويستتر به من النَّار، فإن العبد إذا كفَّ نفسه عن الذنوب والآثام والشَّهوات المحرمة في الدُّنيا كان ذلك سترًا له من نار جهنم في الآخرة. ففي الصومِ وقايةٌ من المأثم، لأنه يُعوِّد المسلم على خلق العفة والطهارة والمراقبة والخشية، ويحجبه عن هواجس النفس وثورات الشهوات المحرمة المستعرة، وهو أيضًا وقايةٌ لها من كل داء.
ويقول الألوسي: «أي: كي تحذروا المعاصي، فإن الصوم يعقم الشهوة التي هي أمها، أو يكسرها. فقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر
стр. 291
وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (١).
ولقد بين النبي ﷺ أن الغاية العظمى التي يجنيها المؤمن من الصيام هي الخلق الحسن، الذي هو أعظم ثمار الصيام الصحيح، فمن لم يصم صومًا صحيحًا فمن أين يجني تلك الثمار؟ وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٢).
والصوم يقوّم النفس ويصلحها ويهذبها وينقيها من الشوائب والأخلاقيات الرديئة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
قال البغوي: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]: «يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات» (٣).
فالصوم يكسو النفس المؤمنة لباس التقوى، ويتميز الصوم من بين سائر العبادات بأن فيه قمعًا لغرائز الصائم عن الاسترسال في شهواتها، التي هي أصل البلاء على النفس والبدن والروح على حدٍّ سواء، ففيه فطامٌ لها عن ملذاتها ومحبوباتها ومشتهياتها ومألوفاتها، والصوم مؤدب ومهذب وكابح تربوي وإيماني وأخلاقي لتلك الشهوات، لأنه يصرف وساوس الشَّيطان وكيده وتدبيره عن العبد، وهو مهذب لتلك النفس وحاد لسلطانها.
وإن في التقرُّب إلى الله بترك الحلال الطيب المباح حال الصَّيام خير معين للعبد على ترك الخبيث الحرام في غير الصيام، وهذا من دلائل أوجه التلازم بين جوانب التربية قاطبة في هذا
стр. 292
الجانب العظيم.
ثالثًا: فريضة الزكاة وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:
مقاصد الزكاة وعلاقتها بالأخلاق والعقيدة:
وإن الله تعالى لا يشرع لعباده إلا ما فيه صلاح شأنهم كله في معاشهم ومعادهم، وما فيه تحقيق للغايات والمقاصد الحسنة التي تتحقق معها مصالحهم الدينية والدنيوية، ومن هذه الوسائل العظيمة الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام العظام.
ومن الثمار الطيبة التي تُجنَى من جراء إيتاء الزكاة جملة من الروابط الأخلاقية التي تدل على التلازم بينها وبين تلك الشعيرة العظيمة، والتي من أبرزها ما يلي:
١ - تزكية النفس وتطهيرها من داء الشح والبخل:
إن حب المال غريزة تحمل الإنسان على حب المال وكنزه وإمساكه عن الإنفاق والبذل، فأوجب الشرع المطهر أداء الزكاة تطهيرًا للنفس، وإزالة حب المال منها ببذله تقربًا وطاعة لله تعالى.
وإنما شرعت الزكاة وفرضت تزكية لتلك النفس وتربية لها على التخلق بخلق الجود والكرم وترك الشح والبخل؛ لأن النفس جبلت على الشح والبخل ومحبة المال وكنزه وإمساكه إلا من رحم الله، فتتعود بإيتاء الزكاة الأخلاق الطيبة من الكرم والجود وسخاء النفس وسماحتها، وتتريض على أداء الأمانات لأهلها وإيصال الحقوق لأصحابها، وهذه غايات حميدة وأخلاق كريمة ومقاصد جليلة أرادها الشارع الحكيم تربية للمؤمن وتزكية لنفسه وتنقية لها من البطر وتطهيرًا لها من دنس الأثرَة والأنانية وحب الذات واستئثارها بالمال وسد أبواب الشيطان عليها الذي يأمرها بالشح والبخل خوفًا من الفقر والعيلة، وإذا تطهرت النفس من أدرانها صلحت وخرجت من وصف الشح والبخل إلى وصف الجود والكرم والإحسان.
стр. 293
٢ - الزكاة مطهرة للعبد من الذنوب وتزكية له ولماله:
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
يقول الطبري: «يقول -تعالى ذكره- لنبيه ﷺ : يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يقول: وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها إلى منازل أهل الإخلاص» (١).
ويقول ابن سعدي: «وفيها أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها» (٢).
والمسلم إذا تطهر من شح نفسه وبخلها، وألف إنفاق المال وبذله لله، وإيصاله لمستحقيه، قوي قلبه وزكت نفسه، وارتقى من وحل البخل والشح، وسلك مسلك المفلحين كما قال ربنا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٥ - ١٦].
والشحُّ من كسب النفس الأمارة بالسوء؛ ولذا نُسِبَ إليها كما قال ربنا: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: ١٦].
٣ - الزكاة تربية للمؤمن على التراحم وَخُلُقِ شعور الجسد الواحد ومبدأ التكافل الاجتماعي:
إن روابط الأخوة الإيمانية والألفة والمحبة ثمرة من ثمار أداء الزكاة ودفعها لمستحقيها؛ لأن النفوس مجبولة على محبة ومودة من يحسن إليها، وبذلك التكافل الاجتماعي يعيش المسلم في مجتمع أخوي يسوده الحب والود والوئام.
و بذلك تشيع روح المحبة والترابط بين أفراد المجتمع وتذوب الفوارق الاجتماعية، ويصبح أفراد المجتمع المسلم كالجسد الواحد، وهذه الأخلاق الحميدة من مقاصد الشريعة في الزكاة.
стр. 294
٤ - تطهير المجتمع من الآفات الاجتماعية الحسية والمعنوية:
ولا شك أن أداء الزكاة لمستحقيها فيه وأد وحسم لمادة الحقد والحسد والكراهية والضغينة والبغضاء، واقتلاع جذور تلك الأمراض من النفوس وإبعاد لها، وفي أدائها أيضًا الحد من الجريمة ومن أسباب التعدي على أموال الأغنياء بالسرقة، والنهب وغير ذلك، والحد أيضًا من سفك الدماء وجريمة القتل التي تنجم غالبًا عن السطو على أموال ذوي اليسار من الناس بسبب التطلع لما في أيديهم والطمع فيه.
ومما سبق يتبين العلاقة بين الزكاة وبين الأخلاق وتقويمها، ومع هذا فإنها عبادة وركن من أركان الإسلام يؤديها المسلم طواعية لله تعالى معتقدًا فرضيتها متعبدًا لله بوجوب أدائها لمستحقيها.
رابعًا: فريضة الحج وعلاقتها بالعقيدة والأخلاق:
العلاقة بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق في شعيرة الحج:
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، يقول الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ويقول سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
إن من أهم مقاصد الشريعة العظيمة في الحج، تربية النفس على الأخلاق العالية بكل معانيها وصورها، ففيه-الحج- معاني التربية على خلق إخلاص العمل لله تعالى وتجريده سبحانه بالقصد دون ما سواه من المخلوقين، وكذلك خلق التجرد في الاتباع وتجنب الابتداع في الدين، وتجريد النبي ﷺ بهذا المقصد العظيم، وفيه معاني التربية على خلق التقوى والمراقبة له سبحانه وحده لا شريك له، وفيه معاني التربية على مكارم الأخلاق وجميل الصفات مع الناس، وترويضها على محاسن الطباع، والترقي بها في مدارج أهل التقى والصلاح، والحج فيه معاني
стр. 295
التربية على الترفع عن الشهوات المباحة لتتروض النفس على الترفع عن الشهوات المحرمة، وفيه معاني التربية على حسن التعامل مع الناس وتحمل الأذى منهم، والصبر على ذلك كله ابتغاء مرضات الله تعالى.
١ - الأخلاق مع الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال ابن سعدي: «بإخلاصهما لله تعالى» (١).
وهذا الخلق -أعني: الإخلاص- متعلق بتعلق القلب بالله وتجريد العمل له سبحانه، وهذا من أعلى مقامات الأخلاق في التعامل مع الله تعالى.
والنبي ﷺ يحج متواضعًا لله ويدعوه أن يجنبه الرياء. فعن أنس ﵁ قال: حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلِ قَطِيفَةٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، ثم قال: «اللَّهُمَّ حَجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» (٢). ومن هذا الحديث نستنبط خلقين كريمين متلازمين مع عبادة الحج ألا وهما: خلق التواضع لله، وخلق إخلاص العمل له تعالى.
٢ - الأخلاق مع الرسول ﷺ -:
أخرج الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في «صحيحه» من حديث جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (٣). ولا شك أن هذا الحديث أصل في الاتباع، وهذا الجانب الخلقي العظيم هو من أَجَلِّ أخلاق المؤمن مع النبي الكريم ﷺ في تعظيم شريعته، واتباع سنته، والتمسك بطريقته بلزوم الاتباع واجتناب الابتداع.
стр. 296
يقول أبو إسحاق الرقي: «علامة محبة الله: إيثار طاعته، ومتابعة رسوله ﷺ » (١).
ويقول ابن أبي العز: «والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على الهوى والابتداع» (٢).
٣ - الأخلاق مع الناس:
ومن الأخلاق المتلازمة مع فريضة الحج، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك حسب القدرة والطاقة، وحسن الخلق مع الناس والتعامل معهم بإحسان؛ ويَتمثل ذلك ويَتأكد أكثر في مشاهد الزحام الشديد في المناسك ومشاعر الحج وما ينبغي أن يكون ملازمًا للمسلم من خلق التراحم والإيثار والشفقة والحلم وانضباط للنفس وكبح لجماحها عن كل شرّ مع كتم الغيظ والعفو عن المسيء من الناس وترك المراء والجدال بالباطل، والتباعد والتجافي عن سيئ الأخلاق ورديئها، والصبر على الأذى في ذات الله، مع تحمل المشاق والصعاب في إتمام النسك على الوجه المشروع دون إيذاء لأحد، وخدمة الحجيج ولا سيما الضعفاء وذوي الحاجة منهم، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وطيب الكلام، والدفع بالتي هي أحسن، مع بذل المعروف عمومًا لكل أحد، مع كمال وتمام حبس الجوارح وكفها عن كل مكروه، ولا سيما جارحتي اللسان والبصر خاصة مع كثرة الاختلاط الذي يحتاج للصبر عن معصية الله، ولا سيما وقت التزاحم والتدافع واجتماع الحجيج.
وهذه الآداب الشرعية وغيرها، هي جملة من الأخلاق الحميدة المقصودة في الشرع من هذه الشعيرة العظيمة، والتي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في حجه.
- والإحسان للعباد من بِرِّ الحج، لما ثبت من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: «إيمانٌ بالله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل:
стр. 297
ثم ماذا؟ قال: «حج مبرورٌ» (١).
وفي معنى الحج المبرور يقول القرطبي: «فقيل: الذي لا يخالطه شيء من المأثم، وقيل: المتقبَّل، وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سُمْعَة» (٢).
ويقول البغوي: «الحج المبرور قيل: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم، والبيع المبرور: الذي لا خيانة فيه ولا شبهة» (٣).
والبر عمومًا: هو حُسن الخُلق.
و البر في الحج يُطلق على معانٍ عدة:
- منها: الإحسان إلى عموم الناس
- ومنها: فعل الطاعات وسائر القربات
- ومنها: ألا يأتي فيه معصيةَ اللهِ تعالى، ولا يعقبه بمعصية.
ولا شك أن ترك المأثم من أَجَلِّ الأخلاق وأرفعها؛ لأن الحج فيه تربية للنفس على تهذيب الأخلاق وتعويدها وترويضها على تحمل الأذى والمكاره وبذل الندى والمعروف والإحسان إلى الخلق مع الصبر على ذلك كله ابتغاء رضوان الله تعالى، وتعلم الشجاعة ونزع الضعف والكسل والدعة والإحجام عن أداء الواجبات من تلك النفس، وتنمية أخلاق الصابرين فيها، وغرس خلق الإيثار والبذل والكرم والجود والعطاء والسخاء وحب الخير للغير؛ ولذلك يقول ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٤).
стр. 298
والخلاصة:
أن العبادات عمومًا لها دور بارز في إصلاح النفس وتوجيهها إلى مكارم الأخلاق، وتزكيتها من كل شائبة، وقد سبق معنا بيان ذلك، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك لِمَا تجدده من معاني الإيمان؛ لأنها تجدد الصلة بالله في أوقات متفرقة ومتجددة يوميًّا في طرفي النهار ووسطه وآخره، والزكاة في طياتها معاني تزكية النفس من البخل والشح والأنانية وحب الذات، مع ما تجلبه للعبد من تطهير لماله ونماء له بإخلاف الله عليه، وما يجعل سبحانه من البركة للعبد في ماله ونفسه، وكذلك الصيام فرضه الله تزكية لعباده وتربية لهم على الخشية والمراقبة والكف عن الشهوات لتتحقق لهم مرتبة التقوى، وكذلك شعيرة الحج وما يترتب عليها من تحصيل المراتب العالية من جليل وجميل الصفات، وتحقيق معاني الأخوة الإيمانية، وما يترتب من جراء ذلك من تزكية للنفس وتربية لها على البذل والتضحية في ذات الله وابتغاء مرضاته، فالعبادات في الإسلام عمومًا بينها وبين تزكية النفس وتربيتها على مكارم الأخلاق ترابط وتلازم لا ينفكان أبدًا، ولذا عقد ابن القيم في «مدارج السالكين» فصلًا بعنوان: (الدين كله خلق)، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين (١).
فالعقيدة الصحيحة تدفع المؤمن لأداء العبادات على الوجه المطلوب تقربًا لله تعالى، والعبادة الصحيحة هي التي تترك أثرًا وانطباعًا على سلوك المؤمن وأخلاقه، وهذا تلازم وترابط لا ينفك أبدًا بين تلك الجوانب جميعًا.
وأخيرًا:
فهذا بيان لتأكيد التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا مصحوبًا بأمثلة من كتاب الله تعالى.
وإن المتأمل في كتاب الله خاصة في القرآن المكي يجد ذلك واضحًا جليًّا، وأشير فقط لمواضع من كتاب الله ليتأمل من أراد الاستزادة.
стр. 299
المثال الأول:
يقول الله تعالى في سورة البقرة، الآية (١٧٧): ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.
يتبين في الآية السابقة من سورة البقرة -وهي مدنية- التلازم والترابط بين جوانب العقيدة والعبادة والأخلاق، ففي الآية الكريمة نرى تلازمًا وترابطًا بين جملة من الأخلاق وهي إنفاق المال على حبه وإيتائه لمستحقيه، وبين جملة من العبادات المحضة كالصلاة والزكاة، والوفاء بالعهد والصبر وهما من مكارم الأخلاق، وجعل كل ما سبق من العبادات والأخلاق الحسنة والأخلاق الكريمة من علامات الإيمان وخصاله الدالة عليه.
المثال الثاني:
صدر سورة المؤمنون -وهي مكية- الآيات من ١ إلى ٩، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ [المؤمنون: ١ - ٩].
فالمتأمل في تلك الآيات يجد الترابط والتلازم بين الإيمان والعبادة والأخلاق، فالآيات افتتحت بالصلاة وختمت بها مع ما تضمنته بين الافتتاح والخاتمة من وصف الإيمان وفلاح أهله وبيان لبعض العبادات كالزكاة، ثم بيان لجملة من أخلاق أهل الإيمان، وفي ذلك برهان ساطع على التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا.
стр. 300
المثال الثالث:
في سورة المعارج -وهي مكية- الآيات: من ٢ إلى ٣٤، قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ [المعارج: ١ - ٣٤].
يجد المتأمل تلازمًا بين تلك الجوانب جميعًا، فجاء التلازم بين فريضتي الصلاة والزكاة والإيمان في ثلاث آيات متتابعات ثم تلتها عقب ذلك جملة من مكارم الأخلاق، ثم ختم الأمر بالمحافظة على الصلاة، ولا ريب أن في ذلك أوضح الدلالات على التلازم والترابط بين تلك الجوانب جميعًا.
المثال الرابع:
في سورة الفرقان -وهي مكية- في محض الكلام عن صفات عباد الرحمن، الآيات: من ٦٣ إلى ٦٨، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
стр. 301
يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٨].
يجد المتأمل هذا التلازم جليًّا للعيان، ففي الآية الأولى ذكر أخص صفتين من صفات عباد الرحمن، وهما صفتا التواضع وحسن مخاطبة الجاهلين، وهذا في الجانب الأخلاقي، ثم ثنى بوصف تهجدهم في الليل، وهذا في الجانب التعبدي، ثم ثلث بوصف شفقتهم وخوفهم من عذاب الله، وهذا جانب إيماني عقدي، فجمع بين الإيمان والإقرار باليوم الآخر والخوف من عذاب الله، وكلاهما جانب عقدي، ثم بتتابع الآيات يتجلى الأمر كذلك جليًّا ليؤكد الترابط والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.
المثال الخامس والأخير:
في سورة لقمان -وهي مكية- الآيات: من ١٢ إلى ١٩ - وهي موضوع بحثنا- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩].
ففي مطلع الآيات ورد الأمر بنبذ الشرك، وهو أمر عقدي، وتعقبه بالأمر ببر الوالدين وهو أمر خلقي، ثم الأمر باتباع سبيل المؤمنين وهو أمر تعبدي، ثم تلاه بيان سعة علم الله واطلاعه على خلقه وهو أمر عقدي، ثم تلاه الأمر بإقام الصلاة وهو أمر تعبدي، ثم تلاه الأمر بشعيرة
стр. 302
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك وهو أمر تعبدي، ثم الأمر بالتواضع والنهي عن التكبر، ثم الأمر بخفض الصوت وهذا كله في الجانب الخلقي، ويتبين مما سلف وضوح الترابط والتلازم بين تلك الجوانب جميعًا.
ومثال ذلك من السنة حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» (١).
فجمع الحديث بين تلك الجوانب جميعًا.
ومما لا شك فيه أن من أشد المعضلات التي تعاني منها المجتمعات المسلمة اليوم أن في جنبات بعض أبنائها المنتسبين لهذا الدين العظيم، وجود انفصام بين العلم والعمل، وبين العبادة وبين تحقيق جَني ثمارِها اليانعة وآثارها الطيبة المرجو قطافها من أثر تلك العبادة والتي من أعظمها وأَجَلِّها الجانب الخلقي، حيث أصبحت تأدية العبادة عند البعض أشبه بعبادات شكلية ظاهرة، مع أن البواطن لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، لكن هذه العبادات لها آثار حميدة وغايات طيبة يجب أن تتجلى وتظهر على صاحبها في حركاته وسكناته، ومن أهمها وأَجَلِّهَا حسن الخلق.
إذًا فهناك خلل وانفصام واضح وكبير بين أداء تلك الشعائر التعبدية، وبين السعي الحثيث لتحقيق غاياتها ومقاصدها وأهدافها.
ولعل السبب الرئيس لهذا السلوك البعد والتخلي عن منهج التربية الإيمانية المتكاملة التي يتجلى فيها جانب الترابط والتلازم والتعاضد بين جوانب التربية جميعًا، عقيدة وعبادة وسلوكًا وأخلاقًا، فلو أن المؤمن استقام على أمر الله تعالى ولم يخالف قوُلُه فِعلَهُ، وحقق الغايات
стр. 303
والمقاصد التي من أجلها شُرعت تلك العبادات؛ لأصلح الله أحوال البلاد والعباد، وتم بذلك درء الكثير من الآفات والأضرار الاجتماعية الناجمة عن الانفصام بين العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي العملي، والتي أفسدت على كثير من الناس أحوالهم ونكدت عليهم صفو حياتهم ومعيشتهم.
وفي مثل ذلك يقول ربنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤].
فالإسلام بنيان مرصوص تام كامل لا يتجزأ، تراه مترابطًا في كل جوانبه «العقدية والتعبدية والأخلاقية».
وفي نحو هذا الصدد يقول أبو حامد الغزالي: «الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة» (١).
ولهذا كانت موعظة لقمان الحكيم لابنه منهاجًا تربويًّا متكامل الأركان تام البنيان شمل جميع جوانب التربية الإيمانية عقيدة وعبادة وأخلاقًا.
وختامًا:
فما أحوج الأب والمربي والداعي وكل من تصدر للتربية والتعليم والدعوة والإصلاح والتوجيه والإرشاد أن يتأمل تلك الوصايا الجامعة النافعة والصادرة من مرب حكيم، لتربية الأجيال تربية صالحة في ضوء هذا المنهج التربوي المتكامل الأركان التام البنيان.
стр. 304
خاتمة هذا المبحث الهام
وفيها:
١ - أبرز النتائج .
٢ - أهم التوصيات.
١ - أبرز النتائج
لقد دعا الله عباده لتدبر كتابه ليهتدوا بهداياته، فقال سبحانه في وصف كتابه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، ومن تدبر وتأمل كتابَ الله تيقن أنه كتاب هداية، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور، قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
فالقرآن كتاب هداية يَسْتَقي منه العبادُ سبلَ الهدى والرشاد، ويهتدون به لأقوم الطرق والشرائع وأعدلها، وأوضح السبل وأسداها وأصوبها، وهي سبل النبيين والمرسلين ﵈، فمن اهتدى بهداية القرآن؛ كان من أكمل الناس وأقومهم سبيلًا، وأهداهم وأحسنهم طريقًا، وأعدلهم حكمًا، وأصوبهم وأرشدهم رأيًا في جميع شأنه كله.
والمسلمون في أَمَسِّ الحاجة للعودة لهذا المنهل العذب الذي يجب عليهم أن ينهلوا من معينه الصافي مصادر التربية والتوجيه والإصلاح في كل زمان ومكان، ولا سيما في زمن تشعبت بهم فيه السبل وكثرت فيه موارد التربية وتنوعت فيه مصادر التلقي، والله من رحمته بعباده لم يتركهم سدى ولم يدعهم هملًا ولا حيارى تائهين، بل دلهم على ما فيه عزهم وصلاحهم وفلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإن أخذوا بهدايات كتاب ربهم فقد اهتدوا للتي هي أقوم، وسلكوا بهداياته سبل السلام، وأخرجهم به ربهم من الظلمات إلى النور بإذنه وهداهم إلى صراطه المستقيم، صراط الله العزيز الحميد.
стр. 305
وإن أقوم طرق التربية الإيمانية المتكاملة هي التي تُسْتَقَى من هذا الكتاب المبارك، ومما ورد من تلك المناهج في كتاب الله تعالى، منهج لقمان التربوي المتكامل في ضوء موعظته ووصاياه لابنه، وقد مرّ معنا بيان هذا المنهج الحكيم الذي حاز تزكية الرب ﵎ وثناءه على المربي الحكيم، ومنهجه القويم، وخلد ذكره في كتابه ليكون عبرة لكل معتبر، ومنهجًا أصيلًا وموردًا عذبًا زلالًا لكل وارد ظمآن، ليرتوي من معين هذا المنهج المبارك، وسبيلًا رشيدًا لكل حيران يبحث عن سبيل النجاة وسلوك طريق الهدى الرشاد.
والباحث بعد أن نهل من هذا المورد العذب الزلال توصل بحمد الله لنتائج جمة يبرز أهمها فيما يلي:
أولاً: عظم شأن التوحيد:
وأنه أول واجب على العبيد، ولذا بدأ لقمان بالأمر بنبذ الشرك المتضمن تحقيق التوحيد الذي هو أعظم حق من حقوق الله في رقاب جميع العبيد، فيجب العناية بهذا الجانب لعظم شأنه ولما يترتب عليه من حسن العاقبة في العاجل والآجل.
ثانيًا: مكانة بر الوالدين من الدين:
إن مجيء الوصية بحق الوالدين في غير ما موضع من كتاب الله مقترنة بأعظم الحقوق وأَجَلِّهَا ألا وهو حق الله في توحيده وإفراده بالعبودية، فيه دلالة قاطعة على عظم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما، ثم الوصية بالأم خاصة فيه إشارة ودلالة على مكانتها وفضلها وعظيم قدرها وحقها ووجوب برها والعناية بها عناية خاصة، وإن برّ الوالدين من أوجب الواجبات المتحتمات في جميع الأحوال والأوقات.
ثالثًا: وجوب برِّ الوالدين ولو كانا مشركين:
إن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ طاعة مطلقة، وطاعة سائر المخلوقين طاعة مقيدة بالمعروف -ومنها طاعة الوالدين- لا تكون كذلك إلا في المعروف، أما إنْ أمرا بالشرك وما دونه من
стр. 306
المعاصي فلا سمع لهما هنا ولا طاعة، هذا مع وجوب برهما وشكرهما بعد شكر الله تعالى والإحسان إليهما من كل الوجوه ولو كانا كافرين.
رابعًا: وجوب اتباع سبيل المؤمنين:
بيان عظم شأن الوصية بلزوم الجماعة المسلمة، ووجوب اتباع سبيل المؤمنين المنيبين، ولزوم طريق السلف عقيدة وشريعة وأخلاقًا ومنهاجًا، وعدم شق عصا الطاعة بالخروج عن الجماعة المسلمة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
خامسًا: وجوب تعظيم الله تعالى:
وجوب تعظيم الله وإجلاله، لعظمته وسعة علمه واطلاعه على خلقه وإحاطة علمه وقدرته بجميع مخلوقاته. وهذا لا يتأتى لأحد إلا إذا صلح قلبه وأصبح ممتلئًا بمحبة الله وخشيته ومداومة مراقبته وذكره، والخوف منه ومن قربان محارمه، وغشيان معاصيه، والقرب مما يسخطه ويمقته سبحانه، وهذه أَجَلُّ علامات يقظة القلب وعلامات تعظيم الله وإجلاله سبحانه جل في علاه.
سادسًا: بيان مكانة الصلاة من الدين:
إن الصلاة من أعظم أركان الدين بعد الشهادتين، وأنها من أعظم وأَجَلِّ وسائل التربية الإيمانية العملية، ومن أهم وسائل الثبات على الحق ذلك لما لها من عظيم الأثر في تقويم الأخلاق وتحقيق الخشية لله وإدامة المراقبة له سبحانه.
سابعًا: وجوب الدعوة إلى الله وتحمل المشاق في سبيلها:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة من أهم وسائل الإصلاح للفرد والجماعة، وهي بمثابة الحصن الحصين والدرع الواقي للمجتمع المسلم، وأن القيام بهذه الشعيرة من أوجب الواجبات وأهم المهمات، وأن تركها له أسوأ العواقب الوخيمة، وبسبب إهمالها تحل النكبات وتتنزل العقوبات، وأن القائم بهذه الشعيرة لا بد له من مواجهة المجتمع فلا بد له من الصبر
стр. 307
على إبلاغ الحق، والصبر على الأذى الذي قد يقع له من بعض الخلق.
ثامنًا: ذم الكبر ووجوب الحذر منه:
الكبر من الصفات الذميمة والخصال الذميمة التي يجب أن يترفع عنها المؤمن، وهي من أعظم أسباب حلول سخط الله ونقمته ومقته وغضبه على المتلبس بها، وصاحبها متوعد بأشد العقوبة في الآخرة، لأنه منازع الرب العظيم أخص صفاته، هذا مع ما يقع من بغض العباد له، والنفور منه ومن معاشرته ومخالطته.
تاسعًا: وجوب تواضع العبد لله:
التواضع من أخص صفات المؤمنين، ومن هدي عباد الله المخبتين، ودلهم، وسمتهم. والتواضع يدلل على رجاحة العقل وحسن الخلق والاعتزاز بالدين، فيجب على المؤمن الحرص على التخلق بهذا الخلق العظيم، تواضعًا وتذللًا لله وإخباتًا وإنابة إليه.
عاشرًا: ذم علو الصوت لغير حاجة:
التأدب مع الناس مطلب شرعي عزيز المنال، وإن خفض الصوت مع المُخَاطَب دلالة على حسن الأدب معه، مع ما يزين صاحبه بالسكينة والوقار، وإن علو الصوت يوقع بصاحبه المذمة والتشبه بأخس المخلوقات، فالترفع عنه واجب من أهم الواجبات.
٢ - أهم التوصيات
يوصي الباحث بما يلي:
أولاً: بالاعتصام بحبل الله المتين، والتمسك بكتاب الله المبين، والأخذ بهداياته، وكذلك بالتمسك بالسنة المطهرة، فهي مفسرة لمجمل القرآن، ومبينة وموضحة لهداياته، وفهم هذين الأصلين العظيمين- الكتاب والسنة- بفهم السلف الصالح.
ثانيًا: بالاستفادة من وصايا لقمان خصوصًا لأنها من النماذج التربوية الفريدة والمتكاملة، ولا سيما في مناهج إعداد المعلمين والدعاة، ومناهج الدراسات الشرعية، وسائر المؤسسات
стр. 308
التعليمية والدعوية والتربوية والإصلاحية، ومن ثَمَّ تصبح من المقررات الدراسية في محافل التعليم النظامية والرسمية، والغاية من ذلك هو إخراج جيل مسلم صالح مرتبط بهدايات القرآن، مستضيء بنوره، مهيأ للاستخلاف في الأرض.
ثالثًا: بالعناية بالتربية الكاملة وإصلاح مناهج التربية والتعليم في جميع مراحلها وروافدها، وتأسيسها على ضوء مبادئ الدين الحنيف، وأصول الشريعة الغراء، من جميع جوانبها -عقيدة وشريعة ومنهاجًا- عبادة وسلوكًا وأخلاقًا- والعناية بالناشئة والأخذ بنواصيهم نحو سبل الرشاد، ودلالتهم على الخير وحثهم على التمسك بالفضائل والترفع عن الرذائل ومهاوي الردى.
رابعًا: بالعناية بدور روافد التربية- البيت، والمدرسة، والمسجد، والإعلام- ووجوب أداء كل منها ما يجب عليه تجاه الناشئة على أتم الوجوه وأكملها وأحسنها، كما يوصي بضرورة الترابط بين واجبات تلك الروافد مجتمعة، وعدم التناقض بينها ليخرج للأمة جيل صالح متزن متكامل الشخصية صحيح البناء، ليس لديه انفصام في فهم الدين والعمل به.
خامسًا: كما يوصي كذلك بضرورة وجود القدوة الصالحة ذات المقومات التربوية المتكاملة والمتمثلة في المربي الصالح، من الآباء والمربين والدعاة والمعلمين وسائر المصلحين، والعناية البالغة بهذا الجانب المهم لما لها من عظيم الأثر في نفوس الناشئة.
وأخيرًا:
فإن الباحث قد بذل ما في وسعه لإكمال هذا البحث وإتمامه، على وجه يرجو به حسنه وكماله، لتبرأ به الذمة، راجيًا نفعه لعموم الأمة، ولم يألُ في ذلك جهدًا، وبذل له من عمره زمنًا ووقتًا، فلم يبخل ببذل وقت نفيس، ولا التضحية بزمن غالٍ عزيز، والكمال لدى عموم البشر مطلب بعيد المنال، شبيه بالمحال، لأن الإنسان محل للخطأ والنسيان. والبحث ما يزال يحتاج لتنقيب، ولجهد كل باحث لبيب، فلعل الله ييسر له من يزيد الحق وضوحًا، ويكون بذلك للأمة أمينًا نصوحًا، ويقرب تلك المعاني، لطالب الحق، من كل قاصٍ أو دان.
ولعل في هذا كفاية لمن أراد الانطلاق والبداية لتحقيق تلك الغاية.
стр. 309
ولقد صَدَقَ القاضي الفاضل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسانيّ لما قال: «إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلَّا قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ» (١).
ومسك الختام بكلام نفيس لإمام ناصح ليس عنده تدليس.
فهذه كلمات معبرات وحروف مؤثرات، انطلقت من قلب وعقل عالم إمام وحبر همام، كان وما يزال قدوة للأنام، على مرّ الدهور والأعوام؛ ألا وهو ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث يقول: «فيا أيها الناظر فيه، لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه وعليه كدره وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك وبنات أفكاره تُزفّ إليك، فإن صادفت كفئًا كريمًا، لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فالله المستعان، وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا وإحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا، واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته، وسيئاته لحسناته؛ فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذي يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يوحى؟ فما صح عنه فهو نقل مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا، وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا» (٢).
ولعل فيما مضى معتبرًا لأهل البحث والنظر، والباحث لا يزعم أنه أتى بجديد، ولكن-حسبه- قول ربنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].
стр. 310
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أملاه
الفقير إلى عفو ربه الباري
الباحث
أبو عبد الرحمن عرفة بن طنطاوي
arafatantawy@hotmil.com