← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7573

التبيين لدعوات المرضى والمصابين

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ما يرقى به المرِيض ... التبيين لدعوات المرضى والمصابين إعداد: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد ﷺ وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد: فهذه بعضُ الموضوعات التي تختصُّ بالمرضى والمصابين وما يدعون به، والرقية الشرعية، وما يُقال عند عيادتهم، انتقيتُها من كتابي: فقه الأدعية والأذكار، حيث رغب بعضُ الأفاضل إفرادها في كتيِّب بغية تعميم نفعها وتوسيع مجال فائدتها، وسمَّيته: التبيين لدعوات المرضى والمصابين. وأسأل الله أن يتقبَّله بقبول حسن وأن يكتب له القبول، وأن يُعظم فيه النفع، وأن يجزي كلَّ من ساهم في طبعه ونشره أعظم الجزاء، وأوفره، إنَّه سميع الدعاء، وصلَّى الله وسلم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه.

стр. 2

مَا يُرْقَى بهِ المَرِيضُ لقد جاء في السُّنَّة المطهرة أنواعٌ من الأذكار والأدعية يُشرعُ أن يرقى بها المريضُ، وقد جعلها اللهُ سبباً للشِّفاء والعافية، وسأتناول طائفةً مباركةً من هذه الأذكار والأدعية، وإنَّ أعظمَ ما يُرقى به المريضُ فاتحةُ الكتاب أمُّ القرآن، فإنَّها كافيةٌ شافيةٌ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أَنَّ رَهْطاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا

стр. 3

أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَيْنَا لَهُ بكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللهِ، إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا برَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، حَتَّى لَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بهِ قَلَبَةٌ [أي: ألَمٌ وعلَّة] ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُم الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَذْكُرُ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرُ مَا يَأَمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بسَهْمٍ"١.

стр. 4

فدلَّ هذا الحديثُ على عِظم شأن هذه السورة، وأنَّ لها تأثيراً عظيماً في شفاء المريض وزوال علَّته بإذن الله. قال ابن القيم ﵀ في التعليق على هذا الحديث: "فقد أثَّرَ هذا الدواءُ في هذا الداء وأزالَه، حتى كأنَّه لَم يكن، وهو أسهلُ دواء وأيسرُه، ولو أحسنَ العبدُ التداوي بالفاتحة لرأى لَها تأثيراً عجيباً في الشِّفاء، ومكثتُ بمكَّةَ مدة يعترينِي أدواءٌ ولا أجدُ طبيباً ولا دواءً، فكنتُ أعالج نفسي بالفاتحة، فأَرَى لها تأثيراً عجيباً، فكنتُ أصفُ ذلكَ لِمَن يشتكي ألَماً، فكان كثيرٌ منهم يبْرأُ سريعاً"١ اهـ. ومِمَّا يُرقَى به المريض المعوِّذات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله

стр. 5

عنها: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا"١. وفي صحيح مسلم عنها ﵂ قالت: "كان رسولُ الله ﷺ إذا مَرِض أحدٌ مِن أهله نفث عليه بالمعَوِّذات"٢. وقولها: "بالمعَوِّذات" أي: الإخلاص والفلق والناس، ودخلتْ سورةُ الإخلاص معهما تغليباً لِمَا اشتملتْ عليه مِِن صفةِ الرَّبِّ وإن لَم يُصرّح فيها بلفظ التعويذ٣. وقد دلَّ الحديثُ على عِظَم شأن هذه السُوَر الثلاثة وأنَّها رُقيةٌ وشفاءٌ للوجع بإذن الله، وقد ورد

стр. 6

في شأن هذه السُوَر أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على عِظم شأنها، وسُورَتَا المعوذتين لهما تأثيرٌ عظيمٌ لا سِيَما إن كان المرضُ ناشئاً عن سحرٍ أو عَيْنٍ أو نحو ذلك. قال ابنُ القيم ﵀ في مقدمة تفسيره للمعوذتين: "والمقصودُ الكلامُ على هاتين السورتين وبيانُ عظيم منفعتهما وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنَّه لا يستغني عنهما أحدٌ قطُّ، وأنَّ لهما تأثيرًا خاصاًّ في دفع السِّحر والعيْن وسائرِ الشّرور وأنَّ حاجةَ العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظمُ مِن حاجته إلى النَّفَس والطّعام والشّراب واللِّباس"١، ثمَّ بسط الكلامَ عليهما بسطاً عظيمَ النفع والفائدة. وِمِمَّا يرقى به المريضُ ما ثبت في صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنَّه شكا إلى رسول الله

стр. 7

صلى الله عليه وسلم وَجَعاً في جسده منذ أسلَم، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ باسْمِ اللهِ ثَلاَثاً، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذ باللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" ١. وقوله: "مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" أي: مِن شرِّ ما أجدُ مِن وجَعٍ وألمَ، ومِن شرِّ ما أحاذرُ مِن ذلك، أي: ما أخافُ وأَحْذر. وهذا فيه التعوُّذ مِن الوجع الذي هو فيه، والتعوُّذ مِن الوجع الذي يَخاف حصولَه أو يتوقَّعُ حصولَه في المستقبل، ومِن ذلك تفاقمُ المرض الذي هو فيه وتزايُدُه، وهذا يحصل للإنسان كثيراً عند ما يصاب بمرضٍ فإنَّه قد ينتابُه شيءٌ مِن القلق تخوُّفاً مِن تزايُد المرضِ وتفاقمِه، وفي هذا الدعاء العظيم تعوُّذ بالله من ذلك.

стр. 8

وثبت في صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁: "أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يا مُحَمَّد، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: باسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ. اللهُ يَشْفِيكَ، باسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ"١. وثبت في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بيَدِه اليُمْنَى وَيَقُول: اللَّهمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، وَاشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَماً"٢، وفي رواية عنها قالت: "كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتكى منَّا إنسانٌ مسحه بيمينه ثم قال: وذكرتِ الدعاءَ٣، وفي روايةٍ قالت:

стр. 9

إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَرقي بهذه الرُّقية وذكرته"١. وفي صحيح البخاري عن عبد العزيز بن صُهيب قال: "دخلتُ أنا وثابتٌ على أنس بن مالك فقال ثابتٌ: يا أبا حمزة اشتكيتُ، فقال أنس: ألا أَرقيك برُقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: اللَّهمَّ ربَّ النَّاس، مُذهبَ الباسَ، اشف أنتَ الشافي، لا شافِيَ إلاَّ أنتَ، شفاءً لا يُغادرُ سَقَماً"٢. قوله: "اللَّهمَّ ربَّ النَّاس" فيه التوسُّلُ إلى الله بربوبيَّته للنَّاس أجمعين، بخلقِهم وتدبيرِ شؤونهم وتصريفِ أمورهم، فبيده سبحانه الحياةُ والموتُ، والصحة والسَّقم، والغنى والفقر، والقوَّة والضعف. وقوله: "أَذْهِب الباسَ" والبأسُ هو التَّعبُ والشدَّةُ والمرضُ، وهو هنا بغير هَمزة مراعاة

стр. 10

للازدواج والمؤاخاة. وجاء في حديث أنس: "اللَّهمَّ ربَّ الناسِ، مُذهب الباس" وفي هذا التوسُّلُ إلى الله سبحانه بأنَّه وحده المذهبُ للبأس، فلا ذهابَ للبأس عن العبد إلاَّ بإذنه ومشيئته سبحانه. وقوله: "واشفه وأنت الشافي" فيه سؤالُ الله الشفاء وهو العافيةُ والسلامةُ من المرض، وقوله: "وأنت الشافي" توسُّلٌ إلى الله سبحانه بأنَّه الشافي الذي بيده الشفاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ١. وقوله: "لا شفاء إلاَّ شفاؤك" فيه تأكيدٌ لِمَا سبق، وإقرارٌ بأنَّ العلاجَ والتداوي إن لَم يوافق إذناً من الله بالعافية والشِّفاء، فإنَّه لا ينفع ولا يُجدي.

стр. 11

وقوله: "شفاءً لا يغادر سَقَماً" أي: لا يتركُ مرَضاً ولا يخلف علَّةً، والفائدةُ من هذا أنَّ الشفاءَ من المرض قد يَحصل، ولكن قد يَخلُفُه مرضٌ آخرُ يَتَوَلَّد منه وينشأُ بسببه، فسأل اللهَ أن يكون شفاؤُه من المرض شفاءً تامًّا لا يبقى معه أثرٌ، ولا يخلف في المريض أيَّ علَّة، وهذا من تَمام الدعوات النبوية وكمالها ووفائها.

стр. 12

التعوُّذ من السِّحر والعين والحسد إنَّ من الأدواء الفتَّاكة والشرِّ العظيم ما يكون في الإنسان من مرَضٍ بسبب السِّحر أو العين أو الحسَد، والسِّحرُ له تأثيرٌ بالغٌ في المسحور، فقد يُمرضُ وقد يَقتل، وهكذا الشأنُ في عين الحاسد إذا تكيَّفت نفسُه بالخبث، واستجمع في قلبه الشَّرُّ، فإنَّه يَضُرُّ بالمحسود، فربَّما أمرضَه وربَّما قتله، فالسِّحرُ له حقيقةٌ وتأثير، والحَسَدُ له حقيقةٌ وتأثير. وإنَّ من نعمة الله على عبده المؤمن أن هَيَّأَ له أسباباً مباركةً وأموراً نافعةً، يندفع بها عنه شَرُّ هؤلاء، ويزول بها عنه ضُرُّهم والبلاءُ النازلُ به بسببهم، وقد أجْمَلَ العلاَّمة ابنُ القيم ﵀ ذلك في عشرة أسباب عظيمة إذا قام بها العبد وطبَّقَها زال

стр. 13

عنه شَرُّ الحاسد والعائن والسَّاحر. السَّبب الأول: التعوُّذ بالله من شَرِّه والتَّحصُّنُ به واللَّجأ إليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ . والله تعالى سميعٌ لِمَن استعاذ به، عليمٌ بما يستعيذ منه، قادرٌ على كلِّ شيء، وهو وحده المستعاذ به، لا يُستعاذ بأحد من خلقه، ولا يُلجأُ إلى أحد سواه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويَعصمُهم ويَحميهم مِن شَرِّ ما استعاذوا من شَرِّه. وحقيقةُ الاستعاذة الهروبُ من شيء تَخافُه إلى من يَعصمُك ويَحميك منه، ولا حافظَ للعبد ولا معيذَ له إلاَّ الله، وهو سبحانه حَسْبُ من توكَّلَ عليه، وكافي من لَجأَ إليه، وهو الذي يؤمِّنُ خوفَ

стр. 14

الخائف ويُجيرُ المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير. السبب الثاني: تقوى الله وحفظُه عند أمره ونَهيه، فمَن اتَّقى اللهَ توَلَّى حفظَه ولَم يَكلْه إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ١ وقال النَّبِيُّ ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: "احفظِ اللهَ يَحفظْكَ، احفظ الله تَجده تجاهَك" فمَن حفظ اللهَ حفظه الله، ووجدَه أمامَه أينما توجَّه، ومَن كان اللهُ حافظَه وأمامَه فمِمَّن يخاف ومِمَّن يحذر؟ السبب الثالث: الصَّبرُ على عدوِّه وأن لا يقاتلَه ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصرَ على حاسده وعدوِّه بمثل الصَّبر عليه، وكلَّما زاد

стр. 15

بغيُ الحاسد كان بغيُه جنداً وقوةً للمبغي عليه، يقاتل بها الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيُه سهمٌ يرميها من نفسه إلى نفسه ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ١ فإذا صبَرَ المحسودُ ولم يستطل الأمرَ نال حُسنَ العاقبة بإذن الله. السبب الرابع: التوكُّل على الله، فمَن يتَوكَّل على الله فهو حَسبه، والتوكُّلُ من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبدُ ما لا يطيقُ من أذى الخَلْق وظُلمهم وعدوانهم، ومَن كان الله كافيه فلا مطمَعَ فيه لعدوٍّ، ولو توكَّل العبدُ على الله حقَّ توكُّله، وكادته السموات والأرضُ ومَن فيهنَّ لَجعلَ له مخرجاً من ذلك وكفاه ونَصرَه. السبب الخامس: فراغُ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصدَ أن يَمحوه من باله كلَّما

стр. 16

خَطر له، فلا يلتفتُ إليه، ولا يخافُه، ولا يملأ قلبَه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعِينة على اندفاع شرِّه، فإنَّ هذا بمنْزلة من يَطلبه عدوُّه ليمسكَه ويؤذيه، فإذا لَم يتعرَّض له ولا تَماسَك هو وإياه، بل انعزل عنه لَم يقدر عليه، فإذا تَماسكَا وتعلَّق كلٌّ منهما بصاحبه حصل الشَّرُّ، وهكذا الأرواحُ سواء، فإذا تعلَّقت كلُّ روح منهما بالأخرى عُدِمَ القرارُ ودام الشَّرُّ حتى يهلك أحدُهما، فإذا جبذ روحَه عنه وصانَها عن الفكر فيه والتعلُّق به، وأخذ يشغل بالَه بما هو أنفعُ له بقي الحاسدُ الباغي يأكلُ بعضُه بعضاً، فإنَّ الحسدَ كالنار، إذا لَم تَجد ما تأكله أكلَ بعضُها بعضاً. السبب السادس: الإقبالُ على الله والإخلاصُ له وجعلُ محبته ونيلِ رضاه والإنابةِ إليه في كلِّ خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب تلك

стр. 17

الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرَها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطرُه وهواجسه وأمانيه كلُّها في محابِّ الرَّب والتقرُّب إليه وذكره والثناء عليه، قال تعالى عن عدوه إبليس أنَّه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١، فالمخلص بمثابة مَن آوى إلى حصن حصين، لا خوفَ على مَن تَحصَّن به، ولا ضَيعَة على مَن آوى إليه، ولا مَطمَعَ للعدوِّ في الدُّنُوِّ منه. السبب السابع: تَجريدُ التوبة إلى الله من الذنوب التِي سلطت عليه أعداءه، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٢ فما سُلِّطَ على العبد مَن يؤذيه إلاَّ بذنب، يَعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبدُ من

стр. 18

ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مِمَّا عَلِمَه وعَمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أُشركَ بكَ وأنا أعْلَمُ وأستغفرِكُ لِمَا لا أعْلَم"١، فما يحتاج العبدُ إلى الاستغفار منه مِمَّا لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يَعلمه، فما سُلِّطَ عليه مُؤْذ إلاَّ بذنب، وليس في الوجود شَرٌّ إلاَّ الذنوب وموجباتها، فإذا عُوفِي من الذنوب عُوفِي من موجباتها، فليس للعبد إذا بُغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومُه شيءٌ أنفعَ له من التوبة النصوح من الذنوب التي كانت سبباً لتسلُّط عدوِّه عليه. السبب الثامن: الصَّدقة والإحسان ما أمكنه؛ فإنَّ لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين

стр. 19

وشَرِّ الحاسد، فما يكاد العينُ والحسدُ والأذى يتسلَّط على محسن مُتصدِّق، وإن أصابه شيءٌ من ذلك كان معامَلاً فيه باللُّطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبةُ الحميدة، والصدقة والإحسانُ من شكر النعمة، والشُّكرُ حارسُ النعمة من كلِّ ما يكون سبباً لزوالها. السبب التاسع: أن يطفئَ نارَ الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلَّما ازداد أذى وشرًّا وبغياً وحسداً ازددتَ إليه إحساناً وله نصيحةً وعليه شفقةً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم﴾ ١، وتأمَّل في ذلك حالَ النَّبِيِّ ﵇ الذي حكى عنه نبينا ﷺ

стр. 20

أنَّه ضربه قومُه حتى أدموه فجعل يسلت الدَّم عنه ويقول: "اللَّهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعملون"١. السبب العاشر: تجريدُ التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبِّب العزيز الحكيم، والعلم بأنَّ كلَّ شيء لا يَضُرُّ ولا ينفع إلاَّ بإذن الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ٢، وقال النَّبِيّ ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: "واعْلم أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعوا على أن ينفعوك لَم ينفعوك إلاَّ بشيء كتبه الله لَكَ، ولو اجتمعوا على أن يَضُرُّوك لَم يَضُرُّوك إلاَّ بشيء كتبه الله عليك" ٣، فإذا جرَّد العبدُ التوحيدَ فقد خَرَجَ من

стр. 21

قلبه خوفُ ما سواه، وكان عدوُّه أهونَ عليه من أن يَخافه مع الله، بل يُفرِدُ اللهَ بالمخافة، ويَرى أنَّ إعمالَه فكره في أمر عدوِّه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جَرَّد توحيدَه لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولَّى حفظَه والدفعَ عنه، فإنَّ الله يدافعُ عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمناً فالله يدافع عنه ولا بدَّ، وبحسب إيمانه يكون دفاعُ الله عنه، فإن كمُلَ إيمانُه كان دفاعُ الله عنه أتَمَّ دفع، وإن مزج مزج له، وإن كان مرَّة ومرة فالله له مرَّة ومرَّة، كما قال بعض السلف: "مَن أقبلَ على الله بكليَّتِه أقبلَ الله عليه جُملة، ومَن أعرَضَ عن الله بكليَّته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرَّة ومرَّة فالله له مرَّة مرة". فالتوحيدُ حصنُ الله الأعظم الذي مَن دخلَه كان من الآمنين، قال بعض السلف: "مَن خاف

стр. 22

اللهَ خافه كلُّ شيء، ومن لَم يَخَفِ الله أخافه اللهُ من كلِّ شيء". فهذه عشرةُ أسباب عظيمة يندفعُ بها شَرُّ الحاسد والعائن والسَّاحر١، ونسأل الله الكريم أن يقيَنا والمسلمين من الشُّرور كلِّها إنَّه سميع مجيب.

стр. 23

ما يُقال للمَريض لقد جاء الإسلامُ بالحثِّ على مراعاة حقِّ المريض وتعاهدِه بالزيارة، والدعاء له بالشِّفاء والعافية، وبيان أنواع من الأدعية يَحسُن أن تُقال عند زيارةِ المريض، وكلُّ هذه الرعاية والتعاهد والدعاء ينطلقُ من كون المؤمنين حالُهم كالنفس الواحدة، فما يُفرِحُ الواحد منهم يُفرحُ الجميعَ، وما يُؤلِمُ الواحد يُؤلِمُ الجميعَ، ففي الصحيحين عن النُّعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتعاطفِهم مَثَل الجسد، إذا اشتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهر والحُمَّى" ١، وفي رواية

стр. 24

لمسلم: "المسلمون كرجل واحدٍ، إن اشتَكى عينُه اشتكى كلُّه، وإن اشتَكى رأسُه اشتكى كلُّه"١. ولهذا شُرعت عيادةُ المرضى لمواساتِهم وتَهوين الأمر عليهم، وجُعِلَ ذلك حقًّا من حقوقهم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "حَقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لَقيتَه فسَلِّم عليه، وإذا دعاك فأَجبْه، وإذا استَنْصَحَك فانصحْ له، وإذا عَطِسَ فحَمدَ اللهَ فشَمِّته، وإذا مَرضَ فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْه" ٢، وجاء في نصوص كثيرة بيانُ فضل مَن يَزور المرضَى وعِظم ثوابه عند الله. روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " عائِدُ المريض في

стр. 25

مَخْرفَة الجنة حتى يَرجع"، وفي رواية قال: "مَن عاد مريضاً لَم يَزل في خُرْفَة الجنة. قيل يا رسول الله! وما خُرْفة الجنة قال: جناها" ١، أي: أنَّه في بساتين الجنة يَختَرفُ منها ما يشاء ويَجْتَنِي منها ما يريد. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن عادَ مريضاً أو زارَ أخاً له في الله ناداه مُنادٍ: أن طِبْتَ وطابَ مَمشَاك، وتَبَوَّأتَ من الجنة مَنْزلاً" ٢، والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة. ويُستحَب للمسلم إذا عاد مريضاً أن يُطَمْئنَه ويُهوِّنَ الأمرَ عليه ويُذكِّرَه بثواب الله، وأنَّ في

стр. 26

المرض تكفيراً له وتطهيراً. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: "أَنَّ النَبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ! كَلاَّ، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ ـ أَوْ تَثُورُ ـ عَلَى شَيْخٍ كَبيرِ تُزِيرُهُ القُبُورَ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : فَنَعَمْ إِذًا"١. وقوله: "طَهور إن شاء الله" هو خبَر مبتدأ محذوف أي: هو طهور لك من ذنوبك أي مُطَهِّر لك منها. وفي السنن للإمام أبي داود عن أمِّ العلاء ﵂ قالت: عادني رسولُ الله ﷺ وأنا مريضةٌ، فقال: "أَبْشري يا أمَّ العلاء، فإنَّ مرضَ المسلم

стр. 27

يُذهبُ اللهُ به خطاياه كما تُذهبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهب والفضة" ١. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ دخل على أمِّ السائب أو أمِّ المسيّب ﵂، فقال: "مالك يا أمَّ السَّائب أو أمَّ المسيب تُزَفْزِفِين (أي: تَرعدين) قالت: الحمَّى لا باركَ اللهُ فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذهبُ خطايَا بَنِي آدم كما يُذهبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد"٢. وروى البخاري في الأدب المفرد عن سعيد بن وهب قال: "كنتُ مع سَلمان ـ وعاد مريضاً في كِنْدَة ـ فلمَّا دخل عليه قال: أَبشِر، فإنَّ مرضَ

стр. 28

المؤمن يَجعلُه الله له كفارةً ومستعتبًا، وإنَّ مرضَ الفاجر كالبعير عَقله أهلُه ثمَّ أرسلوه، فلا يدري لَم عُقل ولِم أُرسِل"١. فبَشَّرَه، وذكَّره بأنَّ المصائبَ التي تُصيبُ المؤمنَ في بدنه كلَّها كفارات لخطاياه، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "ما يصيبُ المسلمَ من نَصب ولا وَصَب ولا هَمٍّ ولا حزن ولا أَذًى ولا غَمٍّ، حتى الشَّوكة يُشاكُها إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه" ٢. وقوله: "ومستعتباً" أي: أنَّه في مرضه يَتَهيَّأ له من استذكار ذنوبه ومعرفة خَطئه وتقصيره ما لا يتهيَّأ له حالَ صحَّته وعافيته، وحينئذ يكون مرضُه

стр. 29

سبباً لمعاتبة نفسه على التقصير، ودافعاً للرجوع عن الإساءة وطلب الرضا، هذا بالنسبة للمؤمن، أمَّا الفاجر فشأنُه عند ما يَمرض كشأن البعير الذي قيَّده أهلُه بالعقال ثم أطلقوه، فهو لا يدري لِمَ قُيِّد ولِمَ أُطلِق، فهو مستَمرٌّ في غيِّه متَمَادٍ في فُجوره، لا يكونُ له في مرضه عِبرةٌ، ولا يحصل له بسببه عظةٌ. وينبغي على مَن أراد عيادةَ مريض أن يَتخيَّر الوقتَ المناسبَ لعيادته؛ لأنَّ مقصودَ العيادة إراحةُ المريض وتطييبُ قلبه، لا إدخالُ المشقَّة عليه، ولهذا أيضاً عليه أن لا يُطيلَ المُكثَ والجلوسَ عنده، إلاَّ إن أحَبَّ المريضُ ذلك وكان في الجلوس فائدةٌ ومصلحة. ومن السُّنَّة للعائد أن يَجلسَ عند رأس المريض، ففي الأدب المفرد للبخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسولُ الله ﷺ إذا

стр. 30

عادَ المريضَ جَلَسَ عند رأسه، ثمَّ قال سَبعَ مرار: أسألُ اللهَ العظيمَ رَبَّ العرش العظيم أن يَشفيَك، فإن كان في أجله تأخيرٌ عُوفي من وَجَعه"١. ومن السُّنَّة أن يَضَعَ العائدُ يدَه على جسد المريض عند ما يريد الدعاء له، ففي الصحيحين لَمَّا عاد النَّبِيُّ ﷺ سعد بنَ أبي وقاص ﵁ وَضَعَ يدَه على جَبهتِه، ثمَّ مَسَحَ يدَه على وجهه وبَطنه، ثم قال: "اللهمَّ اشْفِ سَعْداً"٢، وفي وَضْع اليد على المريض تأنيسٌ له، وتعرف على مرضه شدَّة وضعفاً، وتلطف به. ثمَّ ينبغي للعائد أن يَنصَحَ للمريض بالدعاء، وأن لا يقولَ عنده إلاَّ خيراً ففي صحيح مسلم عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله

стр. 31

صلى الله عليه وسلم: "إذا حَضرتُم المريضَ أو الميِّتَ فقولوا خيراً، فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تقولون" ١. وعليه أن يتخيَّرَ من الدعاء أجمعَه، وأن يَحرصَ على الدعوات المأثورة عن النَّبِيّ ﷺ ، فإنَّها دعواتٌ مباركةٌ جامعةٌ للخير، معصومةٌ من الخطأ والزَّلَل كأن يقول: "اللَّهمَّ اشف فلاناً"، أو يقول: "طَهورٌ، إن شاء الله"، أو يقول: "أسألُ اللهَ العظيمَ رَبَّ العرش العظيم أن يَشفيَك"، أو يقول: "اللَّهمَّ رَبَّ الناس أذهب الباسَ، واشفه وأنت الشافي، لا شفاءَ إلاَّ شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سَقَماً" وقد مَضت معنا الأحاديثُ في ذلك، أو أن يرقِيَهُ بفاتحة الكتاب والمعوِّذات، وقد مضى حديثُ أبي سعيد الخدري ﵁، وحديث عائشة ﵂ في ذلك، أو أن يرقيه بقوله: "باسم الله

стр. 32

أَرْقيك مِن كلِّ شيء يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كلِّ نفس أو عَين حاسد اللهُ يشفيكَ، باسم الله أَرْقيك"، وهي الرُّقيةُ التي رَقَى بها جبريلُ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا اشتكى، أو أن يَقولَ ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂: "أَنَّ النَبيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: بسْمِ اللهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا، برِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبِّنَا"١. وعلى المعافَى عند رؤية المرضَى أن يَتَّعظَ ويعتَبِرَ، وأن يحمدَ اللهَ على نعمة الصِّحة والعافية، وأن يسأله سبحانه المعافاة، وأن يدعو لإخوانه المرضى بالشفاء والعافية. ونسأل الله الكريم أن يَشفيَ مرضَانا ومرضَى المسلمين, وأن يَكتبَ للجميع الصِّحةَ والسلامة والعافية، إنَّه سَميعٌ مجيب.

стр. 33

أَذكَارُ الكَرْبِ لقد ثبت في السُّنَّة أحاديثُ عديدة عن النَّبِيِّ ﷺ في علاج ما قد يصيب الإنسانَ من الكَرْب، وهو الشدَّة والألَم الذي قد يجده الإنسانُ في نفسه بسبب ما يَحلُّ به من مصائب ونوازل، تدهو الإنسان فتغمه وتحزنه وتؤرقه. ومن الأحاديث الواردة في علاج ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ"١.

стр. 34

وروى أبو داود وابن ماجه وغيرُهما عن أسماء بنت عُمَيس ﵂ قالت قال لي رسول الله ﷺ : "ألاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ ـ أَوْ فِي الكَرْبِ ـ: اللهُ اللهُ رَبِّي، لاَ أُشْرِكُ بهِ شَيْئاً" ١. وروى أبو داود في سننه عن أبي بكرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "دَعَوَاتُ المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" ٢. وروى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي

стр. 35

كُنْتُ مِنَ الظَالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ" ١. وجميعُ هذه الكلمات الواردة في هذه الأحاديث كلماتُ إيمان وتوحيد وإخلاص لله ، وبُعد عن الشِّرك كلِّه كبيره وصغيره، وفي هذا أبيَنُ دلالة على أنَّ أعظمَ علاج للكرب هو تجديدُ الإيمان وترديدُ كلمة التوحيد لا إله إلاَّ الله، فإنَّه ما زالَت عن العبد شدَّةٌ، ولا ارتفع عنه هَمٌّ وكَرْبٌ بمثل توحيد الله وإخلاص الدِّين له، وتحقيقِ العبادة التي خُلق العبدُ لأجلها وأُوجِدَ لتحقيقها؛ فإنَّ القلبَ عندما يُعمَرُ بالتوحيد والإخلاص، ويُشغَل بهذا الأمر العظيم الذي هو أعظم الأمور وأجلُّها على الإطلاق، تذهبُ عنه الكُرُبات، وتزولُ عنه الشدائدُ

стр. 36

والغمومُ، ويَسعَدُ غايةَ السعادة. قال ابن القيم ﵀: "التوحيدُ مفزَعُ أعدائه وأوليائه، فأمَّا أعداؤه فيُنجيهم من كُرَب الدنيا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١، وأمَّا أولياؤه فيُنجيهم من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها، ولذلك فزع إليه يونس ﵇ فنجّاه اللهُ من تلك الظلمات، وفزع إليه أتباعُ الرُّسل فنجوا به ممَّا عُذِّب به المشركون في الدنيا وما أُعدَّ لهم في الآخرة، ولمَّا فزع إليه فرعون عند مُعاينة الهلاك وإدراك الغرق لَم ينفعه؛ لأنَّ الإيمانَ عند المعاينة لا يُقبل، هذه سُنَّة الله في عباده، فما دُفعت شدائدُ الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاءُ الكرب بالتوحيد، ودعوةُ ذي النون التي ما

стр. 37

دعا بها مكروب إلاَّ فَرَّجَ الله كُرَبَه بالتوحيد، فلا يُلقي في الكرب العظام إلاَّ الشِّركُ، ولا ينجي منها إلاَّ التوحيد، فهو مَفزَعُ الخليقة ومَلجَؤُها وحِصنُها وغايتُها، وبالله التوفيق"١ اهـ. وقد مر معنا أحاديثُ دالَّة على هذا المعنى، أوَّلُها: حديث ابن عباس ﵄ وكلُّه توحيدٌ وتمجيدٌ لله ، وترديدٌ لكلمة التوحيد لا إله إلاَّ الله، مقرونة بما يدلُّ على عظمة الله وجلاله وكماله وربوبيَّته للسَّموات والأرض وللعرش العظيم، فقد انتظمت هؤلاء الكلمات أنواعَ التوحيد الثلاثة: توحيد الربويبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فإذا قالها المسلم مُتَأَمِّلاً لمعانيها متفَكِّراً في دلالاتها سكن قلبُه، واطمأنت نفسُه، وزال عنه كَرْبُه وشدَّتُه،

стр. 38

وهُديَ إلى صراط مستقيم. وثانيها: حديث أسماء بنت عُميس ﵂، حيث أرشدها النَّبِيُّ ﷺ أن تَفزَع في الكَرْب أو عند الكرب إلى التوحيد، الذي ما دُفعت عن العبد الشدائد ولا زالت عنه الكُرُبات بمثله، وقد شدَّ صلوات الله وسلامه عليه انتباهها لهذا الأمر وشَوَقَّها إلى معرفته، وهيَّأ نفسَها لتَلَقِّيه؛ بأن طَرَح عليها استفهاماً مُشَوِّقاً "ألاَ أعلِّمُكِ كلمات تقولينَهنَّ عند الكَرب أو في الكرب"، وما من ريب أنَّ نفسَها قد تاقت لمعرفة هؤلاء الكلمات، فأرشدها ﷺ أن تقول: "اللهُ اللهُ ربِّي لا أُشرك به شيئاً"، وهي كلمةُ إخلاص وتوحيد. وقوله: "اللهُ اللهُ" هو بالرَّفع فيهما، على أنَّ الأوَّلَ مبتدأ والثاني تأكيد لفظي له، إشارةً إلى عِظَم المقام وأهمية الأمر، وخبر المبتدأ هو قوله: "ربِّي

стр. 39

"، والمعنى أنَّ إلَهي الذي أعبدُه وأخصُّه بجميع أنواع العبادة من خوف ورجاء وذلٍّ وخضوع وخشوع وانكسار وغير ذلك، هو ربِّي الذي ربَّانِي بنعمته، وأوجدنِي من العدَم، وتفضَّل علي بصنوف العطايا والمنَن. وقوله: "لا أشركُ به شيئاً" أي لا أتَّخذ معه شريكاً في العبادة كائناً مَن كان، فقوله: "شيئاً" نكرَةٌ في سياق النفي تفيدُ العموم. وعلى كلٍّ فهذه الكلمة العظيمة اشتملت على تحقيق التوحيد برُكنَيْه النفي والإثبات؛ نفيُ العبودية عن كلِّ مَن سوى الله، وإثباتها له وحده، وفي الحديث دليلٌ على أنَّ التوحيدَ هو المفزَع في الكرب، وأعظمُ أسباب زوال الهموم وذهاب الغُمُوم. وثالثها: حديث أبي بَكرة عن النَّبِيّ ﷺ :

стр. 40

"دعواتُ المكروب اللَّهمَّ رحمتَك أرجو، فلا تَكلْنِي إلى نفسي طَرْفَة عَين، وأصلح لي شأني كلَّه لا إله إلاَّ أنت" وهو كلُّه توحيد لله، والتجاءٌ إليه واعتصامٌ به. وقوله: "اللَّهمَّ رحمتَك أرجو" في تأخير الفعل دَلالةٌ على الاختصاص، أي: نخصُّك برجاء الرحمة منك، فلا نرجوها من أحد سواك. وقوله: "فلا تَكلْنِي إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلَّه" فيه شدَّةُ افتقار العبد إلى الله، وأنَّه لا غنى له عن ربِّه ومولاه طرفة عين في كلِّ شأن من شؤونه، ولهذا قال: "وأصلح لي شأني كلَّه" أي: في كلِّ جزئية من جزئياته وكلِّ جانب من جوانبه، ثم ختم هذ الدعاءَ المبارك بكلمة التوحيد لا إله إلاَّ الله. ورابعها: حديث سَعْد بن أبي وقاص، وفيه ذكرُ
следующие страницы →