← Акыда

Акыда · id 7574

التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة

عبد المحسن العباد

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

المكانية للنَّبيِّ ﷺ التي لَم تأتِ به سُنَّة، بل تعدَّاه إلى وصفِهم بأنَّهم يكرهون النَّبِيَّ ﷺ ! ولا أدري هل شَعر الكاتبُ أو لَم يشعُر أنَّ مَن يكره الرَّسولَ ﷺ لا يكون مسلماً، بل يكون كافراً؟! وسبق للكاتب أنَّ مَن زعم نُصحَهم يتَّهمون المسلمين بالشرك، وأنَّهم يُكفِّرون الصوفيَّة قاطبة، وأنَّهم يُكفِّرون الأشاعرة، وذلك كذبٌ عليهم، وهم برآء منه، وهنا يصف مَن زعم نصحَهم ـ زوراً وبُهتاناً ـ بأنَّهم يكرهون النَّبيَّ، ولا شكَّ أنَّ ذلك كفرٌ، نعوذ بالله من الكفر والشرك والنفاق. ثمَّ مِمَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ الصحابةَ الكرام ﵃ وأرضاهم ومن تبعهم بإحسانٍ لَم يكونوا يذهبون إلى الآثار المكانية التي لَم يأت بها سُنَّة، كمكان مولده ﷺ ، ومكان مَبْرَك الناقة

стр. 37

المزعوم، ولو كان خيراً لسبقوا إليه. فلَم يكونوا يحافظون على مثل هذه الآثار، وإنَّما كانوا يحافظون على آثارٍ أُخرى، وهي الآثارُ الشرعيَّةُ التي هي حديثُه ﷺ المشتمل على أقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ ، ويحافظون على فعل السُّنن وترك البدع ومحدثاتِ الأمور، ولقد أحسن مَن قال: دين النبي محمد أخبار ... نعم المطيَّةُ للفتى آثارُ لا ترغَبنَّ عن الحديث وأهلِه ... فالرأيُ ليْلٌ والحديثُ نهارُ ولَرُبَّما جهل الفتى أثرَالهُدى ... والشَّمسُ بازغَةٌ لَها أنوارُ وقال آخر: الفقهُ في الدين بالآثار مقترن فاشغَل زمانَك في فقهٍ وفي أثَرِ ...

стр. 38

فالشغل بالفقة والآثار مرتفع ... بقاصد الله فوق الشمسوالقمرِ ومقدِّمة الدكتور البوطي لأوراق الأستاذ الرفاعي تشتمل على الثناء على الرِّفاعي، وموافقته على كلِّ ما في نصيحتِه المزعومة المسمومة، وعلى وَصْفها بأنَّها (تذكرة هادئة، ولطيفة في أسلوبها!!) . وتشتملُ على الغلوِّ في الآثار المكانيَّة التي لَم يأت بها سنَّة عن رسول الله ﷺ ، بل وزعم أنَّ القرون الثلاثة وما بعدها إلى هذا الوقت مُجمعةٌ على التبرُّك بهذه الآثار، وأنَّه لَم يُخالِف في ذلك إلاَّ علماء نجد المزعوم نُصحهم، وأنَّ ذلك بدعة. ومن قوله في ذلك: "ولا نشكُّ في أنَّهم يعلمون كما نعلم أنَّ عصورَ السلف الثلاثة مرَّت شاهدة بإجماع على تبرُّك أولئك السلف بالبقايا التي تذكِّرهم برسول الله ﷺ ، من دار ولادتِه، وبيت

стр. 39

خديجة ﵂، ودار أبي أيوب الأنصاري التي استقبلته فنزل فيها في أيامه الأولى من هجرتِه إلى المدينة المنورة، وغيرها من الآثار كبئر أَريس، وبئر ذي طوى، ودار الأرقم ثم إنَّ الأجيالَ التي جاءت فمرَّت على أعقاب ذلك كانت خيرَ حارسٍ لَها، وشاهد أمين على ذلك الإجماع" وتشتملُ أيضاً على اتِّهام المزعوم نُصحهم بـ "تكفير سواد هذه الأمة بحجَّة كونهم أشاعرة أو ماتريديين! " وتشتملُ أيضاً على الإنكار على علماء نجد في تحذيرِهم من الغلُوِّ في رسول الله ﷺ ، ويُفرِّق بين الغُلُوِّ والإطراء، فيَمنعُ الإطراءَ ويُجيزُ الغلُوَّ، قال: "ولو قلتُم كما قال رسول الله ﷺ : " لاتطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم" لكان كلاماً مقبولاً، ولكان ذلك نصيحةً غاليةً.

стр. 40

أمَّا الحبُّ الذي هو تعلُّق القلب بالمحبوب على وجه الاستئناس بقُربِه والاستيحاش من بُعده، فلا يكون الغلوُّ فيه ـ عندما يكون المحبوب رسول الله ﷺ إلاَّ عنواناً على مزيدِ قُربٍ من الله!! وقد علمنا أنَّ الحبَّ في الله من مُستلزمات توحيد الله تعالى، ومهما غلا مُحبُّ رسول الله ﷺ في حُبِّه له أو بالَغ، فلن يصِل إلى أَبعد من القَدْر الذي أَمر به رسول الله ﷺ !!! إذ قال فيما اتَّفق عليه الشيخان: "لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من مالِه وولدِه والناس أجمعين"، وفي رواية للبخاري: "ومن نفسه" ". والجواب: على ذلك أن نقول: أولاً: أمَّا ثناء البوطي على الرفاعي فيصدق على المثنِي والمثنَى عليه قول الشاعر:

стр. 41

ذهب الرِّجال المُقتدَى بفعالِهم ... والمنكرون لكلِّ فعل منكرِ وبقيتُ في خَلْف يُزكِّي بعضُهم ... بعضاً ليدفع معور عن معور ثانياً: إنَّ وصفَ البوطي لنصيحة الرِّفاعيِّ المزعومة بـ (أنَّها تذكرة هادئة، وأنَّها لطيفة في أسلوبها!!) بعيدٌ عن الحقيقة والواقع؛ يتَّضحُ ذلك بالوقوف على بعض الجُمل التي أوردتُها من كلام الرِّفاعيِّ، ففيها الكذب والجفاء. ثالثاً: وأمَّا موافقتُه للرِّفاعي فيما جاء في أوراقه، فإنَّ كلَّ ما تقدَّم في الردِّ على الرِّفاعي هو ردٌّ على البوطي. رابعاً: وأمَّا إجماع العصور الثلاثة وما بعدها الذي زعمه البوطي على التبرُّك بآثار النَّبِيِّ ﷺ المكانيَّة، كمكان مولدِه وبئر أريس التي سقط فيها

стр. 42

خاتَمُه ﷺ ونحو ذلك، فلا يتأتَّى له إثبات هذا الإجماع، بل ولا إثبات القول به عن واحدٍ من الصحابة ﵃! وأيُّ إجماعٍ يُزعمُ من الصحابة ومَن بعدهم على ذلك، وقد جاء عن عمر ﵁ الأمر بقطع شجرة بيعة الرضوان في الحديبية قرب مكة، وجاء عنه أيضاً التحذيرُ من التعلُّق بمثل هذه الآثار، وقال: "إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتَّخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً"؟! كما مَرَّ ثبوت ذلك عنه في مصنَّفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة. خامساً: وأمَّا زعمه بأنَّه لَم يُخالف هذا الإجماعَ المزعوم إلاَّ علماءُ نجد، فغيرُ صحيح؛ لأنَّ كلَّ متَّبع للكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة يقول بهذا الذي ثبت عن عمر ﵁، وهم في هذا العصر كثيرون، منتشرون في الأقطار المختلفة، ومنها

стр. 43

الكويت والشام التي منها الرفاعي والبوطي! سادساً: وأمَّا زعمه أنَّ المزعومَ نُصحهم يُكفِّرون سوادَ الأُمَّة بحُجَّة كونهم أشاعرةً أو ماتريديِّين، فهو كذبٌ منه وافتراءٌ، كما أنَّه كذبٌ وافتراءٌ من الرفاعي، وقد مرَّ الردُّ عليه. وأزيد هنا فأقول: إنَّ الفِرَقَ الواردةَ في قوله ﷺ : "ستفترِقُ هذه الأُمَّة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلاَّ واحدة" الحديث، هم من المسلمين؛ لأنَّ أُمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتان: أمَّة الدعوة، يدخل فيها اليهود والنصارى، وكلُّ إنسيٍّ وجِنِّي من حين بِعثة الرسول ﷺ إلى قيام الساعة. وأمَّةُ الإجابة: وهم الذين دخلوا في هذا الدِّين، وفيهم الفِرق المذكورة في الحديث، وكلُّ هذه الفِرَق مسلمون مُستحقُّون للعذاب بالنَّار، سوى فرقةٍ واحدة، وهي مَن كان على ما كان عليه الرسول

стр. 44

صلى الله عليه وسلم وأصحابُه ﵃. سابعاً: وأمَّا تفريقُه بين الإطراءِ والغُلُوِّ، ومَنعُه الأولَ وتجويزُه الثاني، فهو من التفريقِ بين متماثِلَين، وكما أنَّ النَّهيَ جاء عنه ﷺ عن الإطراء، فإنَّ الغُلُوَّ جاء فيه النَّهيُ عن الله وعن رسوله ﷺ ، قال الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ، وقد لَقَطَ ابنُ عبَّاسٍ لرسول الله ﷺ حصَى الجِمار، وهنَّ مثل حصى الخذف، فأمرهم ﷺ أن يَرموا بمِثلِها، قال: "وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الغلُوُّ في الدِّين"، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيُّ وغيرُه. ومعلومٌ أنَّ مَحبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ يجبُ أن تكون في قلب كلِّ مسلم أعظمَ من مَحبَّته لنفسِه وأهله والناس أجمعين، لكن لا يجوز فيها الغُلُوُّ الذي قد

стр. 45

يُؤدِّي إلى أن يُصرَف إلى النَّبِيِّ ﷺ شيءٌ من حقِّ الله، كالذي حصل للبوصيريِّ في أبياتِه التي أشرتُ إليها فيما تقدَّم في الردِّ على الرفاعي. وليت شعري! ما الذي سوَّغ للبوطيِّ تجويز الغلوِّ في محبَّة الرسول ﷺ ، وهي من أعظم أُسُس الدِّين، وقد قال ﷺ في الحديث المتقدِّم آنفاً: "وإيَّاكم والغلو في الدِّين، فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين"؟! وأسأل الله أن يهدي مَن ضلَّ من المسلمين سبل السلام، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن يوفِّق المسلمين جميعاً للفقه في الدِّين والثبات على الحقِّ، إنَّه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.