← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7583

التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين

عبد الله بن عمر الشنقيطي

Полный текст (58 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين أ. د/ عبد الله بن عمر محمد الأمين الشنقيطي كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - عام ١٤٢١هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين وكفى، أنزل كتابه رحمة وفرقاناً للعالمين وهُدى، وكان حبله المتين والعرْوة الوثقى، من تمسك به سعد واهتدى، وفاز واعتز في الآخرة والأولى، ومن أعرض عنه خسر وغوى، ولم يزل مرتداً عن الحق وسائراً القهقرى، حتى يُزَجَّ به في النار على القفا، عياذاً بالله تعالى من الشر وإتباع الهوى: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. صلى اللهم وسلم على رسولك المجتبى ونبيك المرتضى خير من صام وحج وصلى وزكَّى، أحسنُ الهدى ما وفقه الله تعالى له وهدى. كان خلقه ﷺ القرآن (١) ، فإذا أمره امتثل الفعل، وإذا نهاه اجتنب المحظور، فلذلك كان ﷺ أكمل الناس خلقاً، وألينهم عريكةً، وأهداهم سبيلاً وقد سار على نهجه القويم صحابته الكرام ﵃، وأسأل ربي رضاه ومن تبعهم في ذلك وتابعوهم بإحسان، فكانوا هم ومن سلك طريقهم خير أُمَّةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله تعالى.

стр. 2

أدان الله تعالى لهم البلاد، وفتح عليهم - حباً - قلوب العباد، وقمع بهم الشر والفساد فرفرفت عليهم - بعد الحروب المدمرة رايات السلام وأتم عليهم الله بعد الفاقة غاية الإنعام وأكرمهم بعد الإهانة أيما إكرام. ولقد جعل الله تعالى تلك سنةً ماضية وسبيلاً جارية، أنه يكرم من اتبع هداه، وابتغى بطاعته رضاه وأن يجعل الذل والهوان على من جانب صراطه المستقيم وأتبع في الغيّ هواه. قال ربنا تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦) .وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة:٦٦) (١) . هذا ولقد بعدت بين العمل بكتاب الله تعالى وبين المسلمين الشُّقة، واتسعت دائرة الهوة إلا من رحمهم الله تعالى. الأمر الذي يندى له جبين كل مسلم، غيور على دين الإسلام، فيحزن لغربته بين الأنام، وإذا كان الله تعالى يقيّض لهذا الدين على رأس كل مائة سنة من أمة محمد ﷺ

стр. 3

من يجدده (١) . فإنه مشاهد أنه لا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ على الحق ظاهرة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله (٢) . ولابد في ظل ذلك من أن يوجد من المسلمين من يرثي لحال أكثر المسلمين، الذي لا يحسدون عليه في بعدهم عن القرآن الكريم، ويأسى لواقعهم المؤلم الذي قد صاروا إليه لتجنبهم صراطه المستقيم، فيُعنى بالقرآن الكريم، وينادي المسلمين للعودة إلى نهجه القويم، وهذا الشعور النبيل، وإن وجد في جميع أنحاء العالم في أفراد وجماعات فإنه يوجد في الدولة السعودية - أفراداً وجماعات ودولة - بأوضح صورة وأجلى حالةٍ منظورة، لازالت ربوعها بالإسلام، معمورة. وإن من مظاهر ذلك، الكثيرة ولا أزكي على الله أحداً، إنشاءَ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الذي أمر بإنشائه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله تعالى وجعله هديةً للمسلمين في جميع أنحاء الأرض، وما تبع ذلك من خدمة للقرآن الكريم من تفسيره بمختلف اللغات وتوزيعه في العالم في جميع الجهات وإنشاء مركز خدمة السنة التي تُعَدُّ المبين الأول للكتاب العزيز، بعد بيانه ببعضه. وإن إدارة المجمع بفضل من الله تعالى ثم بتوجيه من قادة هذه البلاد، ماضية.. في سبيلها الطيب لتحقيق هدفها النبيل وهو تزويد المسلمين بالقرآن الكريم بأحسن طباعة وتعليمهم معانيه بأوضح عبارة ودعوتهم إلى الرجوع

стр. 4

إليه والعمل به بأحسن دعاية وإن من دعايتها الإسلامية التي تدعو بها المسلمين للعودة إلى كتاب الله تعالى المبين، عقدها ندوة عن عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه لإبراز ما قامت به المملكة من دور ريادي في هذا العصر لتشجيع وتوسيع نطاق البحث الجادّ عن القرآن الكريم وعلومه، فإذا فقه المسلمون القرآن الكريم استبان لهم سبيل الحق، وأضاء لهم القرآن الكريم منار الهدى، فرجعوا إليه سراعاً، لما يرون فيه من توجيهات سامية، ودلالة على صنوف الخيرات، وبعد عن المنكرات فيسعدون بما سعد به سلفهم ويقتدي بهم في المعروف خلفهم، ويستعيدون من أمجادهم ما فقدوه بسبب ما حصل بينهم وبين القرآن الكريم من جفاء، وإنهم إذا رجعوا إليه وأنابوا أفلحوا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر:١٧-١٨) (١) . وقد كان لي بحمد الله تعالى شرف المشاركة في هذه الندوة في هذا الجانب الذي يغري المسلمين بالعودة إلى القرآن الكريم وتحكيمه في شؤونهم لما في ذلك من نفع لهم في حاضرهم ومستقبلهم في حالهم ومآلهم. ألا وهو التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين. هذا وقد قسمت البحث في هذا الجانب إلى مقدمة: ومباحث ثلاثة. المبحث الأول: في تعريف القرآن الكريم وذكر طرفٍ مما يدل على فضله.

стр. 5

وتحته مطلبان: المطلب الأول: في تعريف القرآن الكريم. المطلب الثاني: في ذكر طرف مما يدل على فضله. المبحث الثاني: في التمسك بالقرآن الكريم ومظاهره. المبحث الثالث: في أثر التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين وما شوهد منه. وتحته مطالب ثلاثة. المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم. المطلب الثاني: فيما شوهد من ذلك في ماضي الأمة الإسلامية. المطلب الثالث: فيما هو مشاهد من ذلك في واقع الأمة اليوم. الخاتمة: أسأل الله تعالى حسن الختام في عافية. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 6

المبحث الأول: في تعريف القرآن الكريم وذكر طرف مما يدل على فضله: المطلب الأول: في تعريف القرآن الكريم: وأما تعريفه: فهو كلام الله تعالى المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ المعجز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته حروفاً ومعاني المبدوء (١) بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة:١) الآية المختوم بـ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس:٦) فهو كلام الله تعالى، الذي يتلوه عباده بألسنتهم ويحفظونه في صدورهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (التوبة:٦) (٢) . وقال ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (العنكبوت: ٤٩) . وقد أنزله الله تعالى على عبده ورسوله محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵊. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء:١٩٢-١٩٥) .

стр. 7

وقد أعجز الله تعالى الإنس والجن عن أن يأتوا بسورة مثله قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس:٣٨) . وهو مُتَعبد بتلاوته، مأجور من قرأه ابتغاء وجه الله تعالى الكريم مأجور على حروفه الحرف بعشر حسنات كما قال ﷺ "من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" الحديث (١) . وتدبُّر معانيه والعمل به يؤجر المسلم عليه قال ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة" الحديث (٢) . ومعلوم أن أشرف العلوم وأجلها علم يفهم من كتاب الله تعالى. وإن بداية القرآن الكريم هي سورة الفاتحة، وأفضل سورة فيه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وخاتمته نهاية سورة الناس، في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس: ٦) من سورة الناس التي ما تعوذ متعوذ بأفضل منها مع سورة الفلق (٣) . وقد رقى بهما جبريل ﵊ رسول الله ﷺ ، لما سُحر (٤) . أعوذ بالله من كل سوء فهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 8

المطلب الثاني: في ذكر طرف مما يدل على فضل القرآن الكريم: غني عن البيان أن القرآن يكفي في ذكر ما يدل على فضله أنه كلام الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت:١-٣) ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٢) ، ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (البقرة:١٤٩) . وقد ورد عن النبي ﷺ أنه ذكر في فضائل القرآن الكريم أحاديث كثيرة منها ما هو فيه بعامة، ومنها ما يخص بعض سوره الكريمة، وكل سوره كريمة ومنها ما يخص بعض آياته وكل آياته كريمة. فمما يعمه بالفضل قوله ﷺ "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (١) . ومنها ما رواه الترمذي بسنده إلى علي ﵁ قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا إنها ستكون فتنة، قلت: - ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال:- كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه،

стр. 9

هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدى إلى الرشد فآمنا به. من قال به صدق ومن عمل به أُجر ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه، هُدى ... إلى صراط مستقيم (١) ". وقد ورد في فضل بعض سوره أحاديث كفضل الفاتحة وأنها أعظم سورة (٢) وسورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن الكريم (٣) وأن حبها سبب في دخول الجنة (٤) أسأل الله تعالى أن يجعلني ممن كان حبه لها سبباً في دخوله الجنة بفضل الله تعالى فإني أشهد ربي الله تعالى على حب سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، كما وردت أحاديث عن رسول الله ﷺ تدل على فضل بعض الآيات الكريمة كفضل آية الكرسي (٥) ، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (البقرة:٢٥٥) ، وفضل خواتيم سورة البقرة (٦) ، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ (البقرة:٢٨٥-٢٨٦) وغير ذلك. وقد أفرد للقرآن الكريم كثير من علماء الحديث رحمني الله وإياهم أبواباً وكتباً ذكروا فيها بعض ما ورد في فضله من أحاديث وآثار عن الصحابة

стр. 10

رضوان الله عليهم فمن بعدهم ممن تبعهم بإحسان. أسأل الله تعالى أن يرحمني والجميع بواسع رحمته (١) . ويكفى القرآن فضلاً مع ما تقدم من آيات كريمة وأحاديث منيفة، قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. َهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥-١٦) والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11

المبحث الثاني: في التمسك بالقرآن الكريم ومظاهره: التمسك بالشيء التزامه والعمل بمقتضاه، اقتناعاً به وتصديقاً بمدلوله فالتمسك بالقرآن الكريم، الإيمان به وتصديق وعده ووعيده والقيام على تعلمه وتعليمه والاعتناء برسمه وضبطه، حتى يسهل حفظ نصه الكريم غضاً كما أنزل وكذا العناية بتفسيره لفهم معانيه، ومعرفة مراميه حتى يتسنى للناس تدبره والعمل به، إذ كيف يمكن تدبره إلا بعد معرفة معانيه قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩) . التمسك بالقرآن الكريم، يكون بالإيمان بكل ما ورد فيه من أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، فلا ينسبون فعله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا هو تعالى، إلى غيره. ولا يصرفون شيئاً من عبادتهم إلى سواه ، ولا يلحدون في أسمائه فلا يصفونه إلا بما وصف به نفسه تعالى أو وصفه به رسول الله ﷺ ويعتقدون أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ويعتقدون أنه تعالى هو الإله الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ويكون التمسك بالقرآن الكريم بالإيمان بمحمد رسول الله ﷺ ، نبياً لا يعبد ورسولاً لا يكذب بل يطاع ويتبع.

стр. 12

وكذا الإيمان بكل ما أخبر به من أنه رسول رب العالمين، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، والإيمان بملائكة الله تعالى عليهم الصلاة والسلام وكتبه ورسله عليهم الصلاة والسلام واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. ويكون التمسك بالقرآن الكريم بالاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص له من الشرك. فلا يعبد إلا الله تعالى وحده لا شريك له ولا يرجى سواه ولا يخاف إلا منه، فلا نافع إلا هو ، ولا ضار إلا هو وحده، فلا يتعلق بولي كائناً من كان، ليجلب نفعاً أو يدفع ضراً فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده. التمسك بالقرآن الكريم، بالإحسان بمراقبة الله تعالى وحده، فمرتبة المراقبة تحدو صاحبها إلى عمل كل خير والابتعاد عن كل شر أملاً في وعد الله تعالى، وخوفاً منه ومن وعيده سبحانه وبحمده. المجتمع المتمسك بالقرآن الكريم مساجدهم عامرة بالمصلين المخبتين إلى الله تعالى رب العالمين وفقراؤهم أغنياء بما أفاء الله تعالى عليهم من فضل أموال المزكين، ورمضانهم نهاره صيام عن كل ما حرم الله تعالى، وكذا ليله مع ما ازدان به من قيام، ومن تيسر حاله منهم حج لله تعالى واعتمر البيت الحرام. المجتمع المتمسك بالقرآن الكريم يحكم بما أنزل الله تعالى، ويحكمه في عبادته ومعاملاته وأخلاقه وسلوكياته، وقضائه قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥)

стр. 13

وقال تعالى رب العالمين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥) . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٧) . وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥) (١) . من التمسك بالقرآن الكريم - التمسكُ بسنة نبيه ﷺ (٢) . والأخذ بكل ما جاءت به من أحكام وأخلاق وآداب، سواء أكانت مبينة للقرآن الكريم، أم مؤسسة لذلك، وذلك هو العلم الحقيقي أن يتعلم المسلمون الكتاب العزيز وسنة رسوله ﷺ . قال تعالى عن رسوله ﷺ : ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى﴾ (النجم:٣-٤) . وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) . وقد قال النبي ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (٣) .

стр. 14

فلا يتأتى التمسك بالقرآن الكريم إلا بالتمسك بسنة النبي ﷺ ، سواء أكانت قولاً، أم فعلاً، أم تقريراً، أم صفة لها علاقة بالتبليغ عن الله تعالى ربنا. وهذا التنويه عن التمسك بالسنة وبكونه واجباً كان يمكن الاستغناء عنه لأنه أمر مركوز في طبيعة المسلم السليمة لولا أنه نبتت في جسم الأمة الإسلامية نابتة سوء يدعون أنفسهم القرآنيين يرون أنهم ليسوا ملزمين إلا بما في القرآن الكريم، أما ما في السنة فليسوا مطالبين به، وقد كذبوا في زعمهم الأول، والثاني. أما الأول: وهو نسبتهم أنفسهم إلى القرآن الكريم فكيف تصح نسبتهم إليه وهم لا يعملون به في مدلول قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: ٧) . وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣-٤) . أما الثاني: فقد كذبوا في زعمهم أنهم ليسوا مطالبين بمدلول السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) . ثم كيف قد عرف هؤلاء أوقات الصلاة، وعدد ركعات الفرائض وكيفية الحج ومقادير الزكاة إن كانوا يصلون أو يزكون أو يحجون فأين توضيح ذلك وكثير غيره، إلا بسنة رسول الله ﷺ . ولا يبعد أن يكون هؤلاء ممن عَنَى رسول الله ﷺ في خوفه من أن يردَ بعض الناس بعض الأحكام الثابتة في الشرع بالسنة المطهرة بتلك الحجة الواهية حيث قال ﷺ "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعان على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن

стр. 15

فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام، فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كلُّ ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يُقروهم، فإن لم يقروهم فعليهم أن يُعقبوهم بمثل قراهم" (١) . المجتمع المتمسك بكتاب الله تعالى، يقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى، ليعبده عباده وحده لا شريك له متبعين في ذلك هدي رسوله ﷺ وحده فذلك معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١) . وقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ (٢) الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:١١٢) . وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠) . هذا والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 16

المبحث الثالث: في أثر التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين وما شوهد منه المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم ... المبحث الثالث: في أثر التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين وما شوهد منه: وتحته مطالب ثلاثة: المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم: عرفنا مما تقدم، طرفاً من كيفية التمسك بالقرآن الكريم وأنه باختصار هو: - الإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، والعمل به والدعوة إليه، والصبر على الأذى في ذلك ولا شك أن أثر ذلك هو سعادة الدنيا والآخرة، لأن المتمسك بالقرآن الكريم هو من اتقى الله تعالى، ولا يسعد في الدنيا والآخرة إلا من اتقى الله تعالى. قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: ٢-٣) . وقال رب العالمين: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ (الطلاق: ٤) . وقال إله العالمين: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (الطلاق: ٥) . فماذا بقي من خيري الدنيا والآخرة يريده المتقي بعد هذه الوعود من رب العالمين الذي لا يخلف الميعاد. ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد من تمسك بالقرآن الكريم فقد نُفخت فيه روح الهداية والتوفيق لكل خير، وقد استنار بالنور الذي يبدد ظلام الجهل ويهدي صاحبه إلى سواء الصراط.

стр. 17

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً (١) مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الشورى: ٥٢-٥٣) . اللهم اهدنا به ﷺ . من تمسك بالقرآن الكريم في جميع شؤونه، فقد اهتدى كل الهدى، ومن اهتدى بهدى الله فقد فاز في دنياه وأخراه. قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة:١-٥) وقال تعالى عن المتمسك بهداه، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٣٨) . وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: ١٢٣) . فقد تكفل الله تعالى لمن تمسك بالقرآن الكريم بألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (٢) . من تمسك بالقرآن الكريم مكن له الله تعالى في الأرض، ويسر له أسباب الاستقرار وعدم الاضطراب. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥) .

стр. 18

واعتبر ذلك بحال رعيل هذه الأمة الأول الذين كانوا أكثر الناس تمسكاً بالقرآن الكريم وأعظمهم إتباعاً له، كيف فتح الله تعالى عليهم البلاد وقهر لهم العباد، وأعانهم حتى تهاوت لهم عروش الجبابرة من أهل الكفر والعناد فأصبحوا بالتمسك بالقرآن الكريم سادة بعد أن كانوا مسودين، وأصبحوا قادة بعد أن كانوا مستعبدين. وصدق الله العظيم الذي قال وقوله الحق: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:٢٦) . وصدق رسول الله ﷺ الذي يقول ولا يقول إلا حقاً: "إن الله تعالى ليرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين" (١) . أسأل الله تعالى أن يرفعنا به أحياء وأمواتاً ومبعوثين آمنين آمين. من تمسك بالقرآن الكريم - وأسأل الله تعالى أن نكون منهم - أمنه الله تعالى من الخوف في نفسه وأهله، وفي عاجله وآجله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:٣٨) . والخوف هنا نكرة في سياق النفي تعمّ. (٢) . وقال تعالى عن المتمسكين بالقرآن الكريم وهم المؤمنون العاملون الصالحات: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (النور:٥٥) . وقال عز من قائل عليماً: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:٨٢) .

стр. 19

وقال تعالى عمن استقام على القرآن الكريم متمسكاً به - أسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأحقاف:١٣) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (فصلت:٣٠-٣٢) . ومن أثر التمسك بالقرآن الكريم القدرة بعون الله تعالى على إقامة صرح الدولة الشامخ المبنى على تقوى من الله تعالى ورضوان فلا يتزعزع بناؤها، ولا يتهلهل أساسها ما دام أهلها متمسكين بالقرآن الكريم وذلك لأن القرآن الكريم وضع للمسلمين أسس إقامة الدولة من حيث المحافظة على دينها الذي هو عصمة أمرها، ودنياها التي فيها معاشها، وآخرتها التي إليها معادها. وقد تقدم طرف مما تقيم به الدولة دعامة دينها، وبه يستقيم أمرها وتسعد في معادها أما ما يختص بشؤون دنياها فقد رسم القرآن الكريم طرق السياسة الصحيحة التي يُساس بها الناس فيستقيم أمرهم. كما أوضح أسس المعايير الاجتماعية التي تقيم العلاقات بين الأفراد والجماعات. كما بين حقائق بناء اقتصاد الدولة على أسس سليمة لا ينهار معها ولا يضطرب.

стр. 20

كما يبين القرآن الكريم أسباب القوة ليؤخذ بها حتى يبقى صرح الدولة فارعاً شامخاً وبين أسباب الضعف لتجتنب، حتى لا يعصف بالدولة عواصف الهدم ولا يعمل فيها معاول التخريب. وإليك - عفا الله عني وعنك - بعض ما ذكر القرآن الكريم فيما تقدم. أما السياسة: فهي تدبير الأمور، وإدارة الشؤون (١) ، وينتظمها قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: ٤٠) وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) . فالحاكم الذي يسوس أهل دولته ويدبر شؤونهم بأمر الله تعالى ونهيه، إنما يضمن لهم سعادة الدنيا والآخرة. وتنقسم السياسة إلى قسمين داخلية وخارجية والخارجية يدور رحاها على قطبين أساسيين. الأول: إعداد القوة الكافية لحماية الدولة من عادية المعتدين، وأخذ الحذر من أعداء المسلمين وقد أوضح الله تعالى ذلك بقوله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:٦٠) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء:٧١) . الثاني: الاتحاد الشامل حول تلك القوة وعدم التفرق، لأن الاتحاد قوة والتفرق ضعف. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:١٠٣) . وقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦) . وقد حذرت السنة المطهرة المسلمين من مغبة الفرقة والتشرذم حيث أمر ﷺ الأمة بأنه "إذا أتاهم رجل يريد الأمارة، وكان أمرهم

стр. 21

قبل ذلك مجتمعاً على أحدهم، أن يقتلوا الثاني كائناً من كان" أو كما قال ﷺ (١) . كما لم يغفل القرآن الكريم التخطيط لما قد يطرأ على المسلمين من ضعف يحتاجون معه إلى إبرام العهود وطرح خيار الهدنة، وما يتبع ذلك من حل رباط المعاهدات عند الحاجة إليه. قال تعالى في البراءة من المشركين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة:٤) . وقال تعالى عن المشركين: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (التوبة: ٤) . وقال تعالى في حال حل العهود لسبب طارئ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: ٥٨) . إلى غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مما ينظم هذا النوع من السياسة وما دام القرآن الكريم، قد نظم من ذلك ما يخص المسلمين مع الكفار فلأن يكون قد نظم ذلك فيما بين المسلمين من باب أولى فقد أعطى في ذلك وغيره كل ذي حق حقه. أما السياسة الداخلية: فترجع في حقيقتها إلى ما يكفل نشر الأمن والطمأنينة داخل المجتمع، وكف المظالم ورد الحقوق إلى أهلها (٢) . قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمني وإياه: والجواهر العظام التي عليها مدار السياسة الداخلية ست:-

стр. 22

الأول: الدين: وقد جاء الشرع بالمحافظة عليه لذا قال ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" (١) وفي ذلك ردع بالغ عند تبديل الدين وإضاعته. الثاني: الأنفس: وقد شرع الله تعالى في القرآن الكريم، القصاص محافظة عليها، قال تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٨٣) . وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: ١٧٩) . الثالث: العقول: وقد جاء القرآن الكريم بالمحافظة عليها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠) . وفي الحديث الشريف "وما أسكر كثيره فقليله حرام" (٢) . ولأجل المحافظة على العقول أوجب الشرع الحد على شارب الخمر. الرابع: الأنساب وللمحافظة عليها: شرع الله تعالى حد الزنى قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: ٢) . وقد رجم رسول الله ﷺ الزاني المحصن (٣) . الخامس: الأعراض: ولأجل المحافظة عليها شرع القرآن الكريم جلد القاذف ثمانين جلدة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا

стр. 23

بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (النور: ٤-٥) . فهذا في غاية الزجر عن الوقوع في أعراض الناس بالقذف، والجلد، والوصم بالفسق، ورد الشهادة أبداً حتى يتوب. السادس: الأموال: ولأجل المحافظة عليها شرع الله تعالى قطع يد السارق، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨) الآية (١) . هذا وإن مما يعكر صفاء السياسة على الساسة المسلمين ما قد يتعرض له المجتمع الإسلامي من ضعف في الصف واختلاف في الكلمة، وتسلط عدوهم عليهم. وهذا من سنن الله تعالى الكونية أن يبتلي عباده بما شاء من هذه الأمور وغيرها أسأل الله تعالى، أن يجعل ابتلاءنا وخيرنا في غمرنا بنعمه وتوفيقنا لشكر ربنا الله تعالى مسديها إنه تعالى ربي جواد كريم آمين. وقد بيَّن القرآن الكريم سبب اختلاف الكلمة وحذر منه تعالى، وبيّنَ سببه، فسببه اختلاف القلوب لأن القلب إذا صلح، صلح الجسد كله وإذا فسد، فسد الجسد كله كما جاء في الحديث الشريف (٢) . أما بيانه تعالى سببه، ففي قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر: ١٤) . أما التحذير منه، ففي ذكره ذلك عن اليهود في

стр. 24

معرض الذم، ثم ببيان سببه في قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: ١٤) . فهذا منتهى التحذير عن أن يقع المسلمون فيه لأنه أولاً من صفات اليهود الذميمة ولأن سببه انعدام العقل. وقد بين ، علاج هذا الداء العضال الذي لم يفتك بالأمة في ماضيها ولا حاضرها مثلُه، وذلك في بيان القرآن الكريم لعلاج ضعف العقل الذي هو سبب اختلاف الكلمة قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (الأنعام: ١٢٢) . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: ٢٥٧) . وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: ٢٢) . فبين تعالى أنه هو الذي يحيي القلوب الميتة بنور وحيه، وتوفيقه للعمل به، كما بيّن تعالى أن من يمشى على صراط مستقيم، هو المرضي ولا يهدي هذا الصراطَ إلا الله تعالى وحده كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (النور: ٤٦) . أسأل الله تعالى أن يهدينا إليه صراطاً مستقيماً آمين. إذا، فبإتباع القرآن الكريم، تحصل العقلانية المرضية التي تمتلئ معها القلوب إيماناً وحكمة فلا يختلف أصحابها، بل يجتمعون على الحق والهدى، فيبقون أقوياء، محترمي الجانب لا يستطيع عدوهم النيل منهم. وقد بين القرآن الكريم سبب الضعف وتسلط العدو على المسلمين وأنه هو اختلاف الكلمة والتنازع، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا

стр. 25

وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦) . وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٦٥) . قال الشيخ الأمين (١) رحمني الله وإياه: إن السبب الذي من عند أنفسهم، هو ما أوضحه الله تعالى من قوله الكريم في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٢) . فأنت ترى أن سبب الضعف، هو الفشل واختلاف الكملة والرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة (٢) ، ومتى حصل الضعف أصبح المسلمون لقمة سائغة لعدوهم. وقد بين القرآن الكريم علاج ذلك وما به ينْسدُّ عن المسلمين ثلْمته ويكتفون شر عدوهم المتربصين بهم الدوائر. وذلك العلاج هو الإخلاص لله تعالى وحده والتوجه إليه دون من سواه. قال تعالى عن المؤمنين المتوكلين عليه تعالى في كل حال ومنه حال الشعور بالضعف أمام الكفار: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ .

стр. 26

(الفتح:١٨) وكان من نتائج ذلك الإخلاص أن جعلهم قادرين على ما كانوا عنه عاجزين قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الفتح:٢١) . وكذلك كان الإخلاص لله تعالى والتوكل عليه سبباً لنصر الله تعالى للمؤمنين في غزوة الأحزاب، حيث قال تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (الأحزاب: ٢٢) . فلما كان هذا حالهم جاء نصر الله تعالى الذي لا غالب إلا هو، جاء بأن أرسل الله تعالى على أعدائه جنوداً من عنده لم يرها المؤمنون، كما أرسل عليهم ريحاً باردة في ليلة مظلمة بعثرت آنيتهم، وأطفأت نيرانهم فلم يلو أحد منهم على صاحبه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (الأحزاب: ٩) . وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الأحزاب: ٢٥-٢٧) . وإذا كان بالتوكل على الله تعالى وصدق التوجه إليه يكسر الحصار العسكري، فبه كذلك يكسر الحصار الاقتصادي.

стр. 27

ألا ترى ما قاله الله تعالى عن المنافقين: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ (المنافقون: ٧) قال لهم تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: ٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٢٨) . أما الاقتصاد: فقد بين القرآن الكريم أصوله ومسائله التي يرجع إليها وهي في جملتها ترجع إلى أصلين. الأصل الأول: حسن النظر في اكتساب المال: فقد أوضح الشارع كيفية اكتساب المال من طرقه المباحة وبأساليبه المناسبة بحيث لا تقدح في الدين ولا في المروءة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (المنافقون:١٠) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٢٩) . وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (البقرة: ٢٧٥) . وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ (الأنفال: ٦٩) .

стр. 28

وقال ﷺ : "إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله تعالى واجملوا في الطلب" (١) الحديث الأصل الثاني: - حسن النظر في صرف المال في مصارفه: فقد أمر القرآن الكريم بالكرم والاقتصاد في الصرف، بحيث لا يكون بخل ولا إسراف قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (الإسراء: ٢٩) (٢) . وقال تعالى في معرض مدح عباد الرحمن الطيبين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ (الفرقان: ٦٧) . وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: ٢١٩) . وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (البقرة: ٢١٥) . وقد حذر الرسول الكريم ﷺ من مغبة جمع المال إلا من طريق مباح ومن صرفه إلا في سبيل صلاح في قوله ﷺ "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: - عن عمره فيم أفناه

стр. 29

وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به" الحديث (١) أسأل الله تعالى مغفرته لي ما فرطت في جنبه تعالى من ذلك وغيره لي وللمسلمين آمين. أما المعايير الاجتماعية التي تنظم أوجه العلاقات بين الأفراد والجماعات، فقد أعطاها القرآن الكريم عناية فائقة:- قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمني الله تعالى وإياه في هذا المقام: فانظر إلى ما يأمر به الرئيس الكبير أن يفعله مع مجتمعه ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥) . ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) . وانظر إلى ما يأمر به المجتمع العام أن يفعله مع رؤسائه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) . وانظر إلى ما يأمر الإنسان أن يفعله مع مجتمعه الخاص كأولاده وزوجته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ (التحريم: ٦) .أعوذ بالله تعالى ربي من النار. وانظر كيف ينبهه على الحذر والحزم في مجتمعه الخاص، ويأمره إن عثر على ما لا ينبغي منهم، أن يعفو ويصفح، فيأمره أولاً بالحذر والحزم، وثانياً بالعفو والصفح. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن: ١٤) .

стр. 30

وانظر إلى ما يأمر به أفراد المجتمع العام أن يتعاملوا به فيما بينهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ (الحجرات: ١٢) (١) . وقال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: ١١) . وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢) . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠) وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨) . ولما كان المجتمع لا يسلم فرد من أفراده كائناً من كان من مناوئ يناوئه ومعادٍ يعاديه من مجتمعه الإنسي والجني. ليس يخلو المرء من ضد ولو ... حاول العزلة في رأس الجبل وكان كل فرد محتاجاً إلى علاج هذا الداء. أوضح تعالى علاجه في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز بين فيها أن علاج المناوئ من الإنس، يكون بالإعراض عنه، ومقابلة إساءته بالإحسان.

стр. 31

وأن شيطان الجن لا علاج لدائه إلا بالاستعاذة بالله تعالى من شره: الموضع الأول: في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . وهذا في شأن الإنسي. وفي شأن شيطان الجن قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف:٢٠٠) (١) . الموضع الثاني: في سورة المؤمنون قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:٩٦) في شأن الإنسي وقال في نظيره الجني ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ . (المؤمنون: ٩٧-٩٨) . الموضع الثالث: في سورة فصلت وقد زاد فيه تعالى التصريح بأن ذلك العلاج يقطع ذلك الداء الشيطاني، وزاد فيه أيضاً أنه إنما يعطاه من كان ذا نصيب أوفر وحظ أكبر. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: ٣٤،٣٥) هذا في شأن الشيطان الإنسي، وقال تعالى في نظيره الجني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: ٣٦) .

стр. 32

وقد بين تعالى: - أن ذلك التعامل بالرفق لخصوص المسلمين دون الكافرين قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤) . وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩) (١) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التحريم: ٩) . فالشدة في محل اللين حمق وخرق واللين في محل الشدة ضعف وخور إذا قيل حلم قل فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل (٢) تلك بعض خيرات التمسك بالقرآن الكريم في حياة الفرد والجماعة والدولة بل والأمة من أرادها فليرجع إلى كتاب ربه الكريم ففي ذلك الخير العميم والهدي إلى الصراط المستقيم والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 33

المطلب الثاني: فيما شوهد من خير تطبيق القرآن الكريم في ماضي الأمة لقد بنى القرآن الكريم صرح دولته الشامخ على تقوى من الله تعالى ورضوان يرفرف عليها ظل الإسلام والإيمان والإحسان يعبد أهلها الله تعالى

стр. 34

وحده لا يشركون به شيئاً فقوى أساسها وعلا بنيانها وعز بفضل الله تعالى، جانبها فعاش الناس فيها بخير، قضى العمل بالقرآن الكريم على الرذيلة، ونمت به كل فضيلة فتراحم المسلمون فيما بينهم، وكانوا يداً واحدة على عدو الله تعالى وعدوهم واستراح القضاء فلم تكد توجد قضية يترافع الناس فيها إليه إلا على وجه الندور لمعرفة كل فرد بما له وما عليه، ولعمل كل ما أوحى الله تعالى في القرآن الكريم إليه. نعم كان إشعاع نور القرآن الكريم الأول قد انبثق، من جنبات مكة المكرمة وانتشر نوره متسارعاً إلى المدينة فاستنارت به ربوعها وسعدت بخيره أفرادها وجموعها. وواصل سيره الميمون حثيثاً، فجبلت قلوب عباد الله تعالى عليه ومن لم يصله، بعد سماعه به جاء هو راغباً إليه، فانشرحت به وله صدور العباد، فعم خيره ما إليه وصل نوره من البلاد، فلم ينتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى حتى أصبحت للدين في الجزيرة العربية، الكلمة بدون منازع يذكر، ولا مناوئ في مدر ولا وبر. حتى نهى رسول الله ﷺ "عن أن يجتمع في الجزيرة العربية دينان" الحديث (١) فلو لم تكن للإسلام الجولة، ولو لم يكن قد دالت له الدولة لما تأتَّى أن يقبل مزاحمة دين آخر، في جزيرة غاب عنها نور الوحي، أزماناً متطاولة كما قال الله تعالى ربى في الدلالة على صدق رسالة سيد الخلق ورسول الحق محمد ﷺ : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَمَا كُنْتَ

стр. 35

بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٤-٤٦ القصص) (١) . ولم يمض سوى وقت قليل بالنسبة لما أنجز فيه أهل القرآن الكريم من أعمال الخير حتى أنفقت كنوز قيصر وكسرى (٢) كنوز أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر في سبيل الله تعالى كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ (٣) وذلك بعد فتح بلادهم وحلول الإسلام فيها محل الضلال ولم يمض سوى زمن يسير - بالنسبة لما حقق فيه أهل القرآن الكريم من فتوحات باهرة، توالت فيها عليهم من الله تعالى انتصارات باطنة وظاهرة - لم يمض سوى وقت قليل، حتى رفرفت راية التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ على أجزاء من هذا العالم واسعة، من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي ووسط أوربا غرباً. ومن وسط آسيا الصغرى شمالاً إلى السودان والصحراء الكبرى بأفريقيا جنوباً (٤) .

стр. 36

ورغم سعة هذه الدولة وترامى أطرافها، واختلاف أجناس وعادات وأعراف سكانها، فقد عم فيها خير العمل بالقرآن الكريم فعاش الناس في أمن واطمئنان وعز ورخاء فازدهرت الحركة العلمية فاستنارت عقول الناس وانتعش الاقتصاد فارتاحت من ضنك العيش حتى قال قائلهم وقد أظلته سحابه، اذهبي فحيثما أمطرت فخراجك لنا (١) فذابت فوارق العادات وانصهر اختلاف الرغبات في بوتقة العمل بالقرآن الكريم، حتى أصبح سلوك العربي والعجمي واحداً، يعبدون رباً واحداً، ويستسلمون لأمره ويبتعدون عن نهيه، فعاش الناس في ظل العمل بالقرآن الكريم في أرغد عيش في معاشهم، مع ما ينتظرون من سعادة عند الله تعالى في ميعادهم. ولم يكن الله تعالى ليغير ما بقوم حتى يكونوا هم الذين يغيرون على أنفسهم سنة الله تعالى التي لا تتبدل ونظامه الذي لا يتحول كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: ٥٣) وقال تعالى: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً﴾ (الفتح: ٢٣) . وقد بدأ الإسلام - دينُ القرآن الكريم - رحلة اغتراب عن المسلمين، منذ أن بدؤوا هم في الاغتراب عنه واستمر البون بينهما يتسع والشق بين الإسلام والمسلمين يزيد فلا يرتقع، بقدر بعدهم عن القرآن الكريم، شيئاً فشيئاً حتى آل أمرهم إلى ما ترى، بان فيه صبح الحقيقة لذى عينين، فأصبحت دولة الإسلام دويلات، حين حلت الأنانية حباً للمناصب محل إنكار

стр. 37

الذات، في سبيل لم شعث المسلمين وجمع كلمتهم حول آيات القرآن الكريم البينات. فنزل الحق عن نصابه، ورفل الباطل المزيف، في ثيابه، وضاعت الأمانة وانتشرت الخيانة، وتفرقت كلمة المسلمين بعد اجتماعها، فتاه أكثرهم في بيداء الضلال، وانتشر فيهم الجهل، حتى لم يفرقوا بين حرام وحلال، فانفلت من أيديهم زمام القيادة، واصبحوا - إلا من رحم ربي منهم - تابعين فيما لا خير لهم فيه بعد أن كانوا متبوعين فيما فيه سعادة الدنيا والآخرة. فسار الإسلام عن أكثر أهله، مشّرقاً لما ساروا عنه مغربّين وشتان بين مشرّق ومغرّب. ومع ذلك، فلا تزال طائفة من أمة القرآن الكريم متمسكين به مهتدين بهديه لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم قائمين لله تعالى بأمره منتهين عن نهيه يهتدون بالقرآن الكريم وبه يعدلون (١) . فعسى أن يتأسى بهم من خالفهم من المسلمين ويرجعوا إلى رشدهم بالعودة إلى القرآن الكريم والاهتداء بهديه القويم، فعندها سيرد الله تعالى لأمة الإسلام مكانتها العليا ويُعيدها إلى الخير، سيرتها الأولى. والله تعالى المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 38

المطلب الثالث: فيما هو مشاهد من أثر التمسك بالقرآن في حياة المسلمين اليوم سبق أن تكلمت - أسأل الله تعالى مغفرته - عن أثر التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين وما عاد عليهم ذلك التمسك به من نفع في حياتهم،

стр. 39

وما مكن الله تعالى لهم بسببه في الأرض، حتى أقاموا دولة انتشرت بالخير العميم، في القارات الثلاث المعروفة في ذلك الزمان، في وقت قصير جداً في أعمار الناس فضلاً عن أعمار الدول بالمقارنة بما أنجز فيه من أعمال خيّرة وإنجازات عظيمة. فأكل الناس في تلك الدولة في ظل القرآن الكريم والتمسك به - أكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، واستقام على الحق أمرهم، وثابوا بعد الضلال إلى رشدهم فسعدوا في معاشهم، وأملوا من ربنا تعالى بإتباع القرآن الكريم، الخير في معادهم. أما اليوم: وقد كادت غربة الإسلام تبلغ غايتها، والعزلة عن منهج القرآن الكريم تصل نهايتها فلا تكاد ترى للعمل به في حياة كثير من المسلمين أثراً، ويعز على المتأمل في حال أكثر المنتسبين إلى القرآن الكريم أن يرى له في سلوكهم نهياً ولا أمراً أما الحكم به بين عباد الله في معاملاتهم وأقضياتهم فيقل جداً، أن تعرف بينهم وبينه، في ذلك المجال، نسباً أو صهراً. وإن كان العمل بالقرآن الكريم يترك أثره الحسن على حياة الفرد والمجتمع ويورث سعادة الدنيا والآخرة، فإن هجره قد أورث صاحبه سلوكاً منحرفاً وشقاء عياذاً بالله تعالى فأفراد تلك المجمعات قد مُسخت شخصيتها وضلت في بيداء الضياع هويتها، وتخبطت حكوماتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، في مسيرتها.

стр. 40

قال ربي الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٣-١٢٤) . وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾ (الحج: ٤٠-٤١) . ولئن تنكَّب كثير من الناس في هذا العصر، صراط القرآن المستقيم أفراداً وجماعات وحكومات، فاحترقوا في سعير المعاصي فتراهم صرعى في أودية الهلاك وغرقى في بحار الردى لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يأمن إنسان على نفس ولا عرض ولا مال، إلا على وجه الندور، تراهم غرقى حيث اضطربت سفُن السياسة في بحار الردى بعواصف الخلافات المدمرة والأهواء المبعثرة التي لا يحدو أصحابها إلا حبُّ المناصب والرغبة في الظهور فيضطرب أمن البلاد والعباد وتلتهم نيران الجشع الأخضر واليابس مما فيها من خيرات واقتصاد، ويعم جنباتها الشرُّ والفساد. قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:٤١) . إن كان الأمر كذلك، فإننا بحمد الله تعالى نعيش في هذه البلاد - بلاد المملكة العربية السعودية التي آثرت في نشأتها الخيرة الأولى أن تكون دولة تتفيأ ظلال القرآن الكريم رغبة منها - ولا أزكي على الله تعالى أحداً - في أن تنعم بما وعد الله تعالى به من تمسك بالقرآن الكريم، من سعادة في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →