المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية
تزخر السنة بالأحكام التشريعية مع تباين أنواعها، واختلاف أحكامها، فنجدها إما أن تكون مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم، أو مبينة لمجمل القرآن الكريم، أو مخصصة لعام القرآن الكريم، أو مقيدة لمطلق القرآن الكريم، أو ناسخة لحكم ثابت في القرآن الكريم، أو مثبتة لحكم سكت عنه في القرآن الكريم. وسوف نبين ذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
تأتي السنة مقررة ومؤكدة لحكم جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم له مصدران، وعليه دليلان: دليل مثبت من آي القرآن، ودليل مؤيد من سنة رسول الله ﷺ .
ومن أمثلة ذلك: قول الرسول ﷺ "لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه" (١) ؛ وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم على المسلم، فإن هذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم
стр. 37
من نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وقول الرسول ﷺ "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله وَاسْتحْلَلْتمْ فروجهن بكلمة الله" (١) فهذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والأمثلة أكثر من أن تحصر. فهناك كثير من الأحكام دلت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها السنة، من هذه الأحكام: الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمنهيات التي دلَّت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها سنن رسول الله ﷺ ، ويقام الدليل عليها منهما (٢) .
стр. 38
المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم
واللفظ المجمل هو اللفظ الذي لا يعلم المراد منه بنفس صيغته، ويتوقف فهمه ومعرفة المراد منه على أمر خارج عنه، كلفظ الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] . إن هذا لفظ لا يعرف
стр. 39
المراد منه، ولا يعلم المطلوب منه؛ لأن إقامة الصلاة قد تحصل بفعل صلاة واحدة، أو عدد من الصلوات وقد تحصل بطرائق مختلفة، وفي أوقات متعددة، ومعلوم أن التكليف بالصلاة أو بغيرها لا يكون مبهماً وغامضاً، وإنما يكون واضحاً ومعلوماً. وبالتالي فهذا اللفظ ﴿الصَّلاةَ﴾ مبهم وغامض ولا يعرف المراد منه من الصيغة نفسها، أي: من هذا اللفظ وأسلوبه، وإنما يعرف بالرجوع إلى أمر شرعي آخر، هذا الأمر الشرعي الذي بين المراد من لفظ الصلاة هو السنة النبوية الشريفة. وهي: أقواله وأفعاله وتقريراته التي وضحت المقصود من الصلاة، وبينت كيفيتها، ووقتها، وشروطها، وأركانها، ومندوباتها، وغير ذلك مما هو معروف في أحكام الصلاة.
وكذلك لفظ ﴿الزَّكَاةَ﴾ في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ هو لفظ مجمل لا يعرف المطلوب منه على وجه التحديد والضبط، وعلى سبيل التفصيل والتفريع لذلك بينته السنة النبوية، ووضحته، وذكرت تفصيلاته، وتعريفاته، وكيفية شروطه، وغير ذلك (١) .
فهناك كثير من الأحاديث بينت الإجمال في كثير من الآيات. كالأحاديث التي بينت مواقيت الصلاة، وأعداد ركعاتها، والأحاديث التي بينت الأموال التي تجب فيها الزكاة، والأموال التي لا تجب فيها، والمقدار الواجب إخراجه. فإن هذه الأحاديث تعدّ مبينة للإجمال في آيات الصلاة، وآيات الزكاة وهذا عام في كثير من أحكام التشريع.
стр. 40
المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم
واللفظ العام: هو اللفظ الذي يشمل جميع أفراده التي وضع لأجلها. مثل لفظ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو لفظ عام يشمل المؤمنين جميعهم، وكافتهم، ولا يقتصر على المؤمنين في العصر النبوي، أو الذين آمنوا من الرجال دون النساء.
واللفظ العام يرد ذكره في القرآن الكريم، وقد يراد به أحياناً العموم والشمول لجميع أفراده. وقد يراد به أحياناً بعض الأفراد فقط. ولذلك فإن معرفة المراد من العموم، وجميع الأفراد، وبعضهم، يتحدد من قبل السنة النبوية الشريفة.
وهناك في القرآن الكريم نصوص كثيرة وردت في القرآن عامة، ثم جاءت السنة وقصرت هذا العموم على بعض الأفراد، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالآية عامة في إحلال ما وراء ذكر المحرمات في صور الآية، ثم جاءت السنة وخَصَّصت هذا العموم وقصرته على بعض أفراده، بقوله: ﷺ "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١) .
стр. 41
وأيضاً قوله تعالى: َ ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ البقرة: ٢٨٢] . فلفظ البيع الوارد في الآية عام، يشمل كل أنواع البيوع، فالآية عامة في حل كل أنواع البيوع ثم جاءت السنة وخصصت هذا العموم، بنهيه عن بيع الغرر، وعن البيوع الفاسدة، وهو قوله لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك)) (١) .
стр. 42
المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرلآن الكريم
...
المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرآن الكريم
واللفظ المطلق هو اللفظ الذي لم يقيد، مثل لفظ"رقبة"فهو مطلق عن القيود، لكن عندما تقول"رقبة مؤمنة"فيكون هذا الوصف وهو"الإيمان"قيد به المطلق وهو"رقبة".
ويرد في القرآن الكريم ألفاظ مطلقة عن القيود والأوصاف، فتأتي السنة بتقييدها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فاليد في الآية مطلقة غير مقيدة، بكونها اليمين، أو الشمال، فجاءت السنة وقيدت المطلق هذا بكون اليد المقطوعة هي اليد اليمنى، وبيان أن القطع من الكوع.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فلفظ الوصية الوارد في الآية مطلق غير مقيد بمقدار معين، فبينت السنة أن
стр. 43
مقدار الوصية هو الثلث، أو أقل، فلا يجوز إخراج الوصية بأكثر من ثلث المال الذي تركه الميت. والحديث الذي قيد مطلق الوصية هو قوله: ﷺ "الثلث والثلث كثير" (١) .
стр. 44
المطلب الخامس: السنة تثبيت أحكامها سكت عنها القرآن الكريم
...
المطلب الخامس: السنة تثبت أحكاماً سكت عنها القرآن الكريمفالسنة أثبتت بعض الأحكام التي سكت عنها القرآن الكريم،
وذلك مثل الأحاديث الدالة على جواز الرهن في غير السفر، فقد روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل، ورَهَنه درعاً له من حديد" (٢) ، وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "توفي رسول ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير" (٣)
وكثبوت الميراث للجدة، فقد روي ((أن الجدة ذهبت إلى أبي بكر ﵁ تبغى الميراث، فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئاً،
стр. 45
وما أعلم أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك. فانفذه لها أبو بكر ﵁) (١) .
وكصلاة الوتر، فقد روي أن النبي ﷺ قال: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني" (٢) وهناك كثير من الأحكام التشريعية التي أثبتتها السنة، وسكت عنها القرآن الكريم، منها ما يلي:
تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (٣) ، وتحريم الحمر الأهلية (٤) ، وإيجاب صدقة الفطر (٥) ، وإيجاب الدية على العاقلة (٦) ، ومنع التوارث بين المسلم والكافر (٧) .وغير ذلك.
стр. 46
المطلب السادس: السنة ناسخة لأحكام ثابتة في القرآن الكريم
والنسخ هو: الإبطال والإزالة. والمراد به: إزالة دليل وإبطاله بموجب دليل آخر حل محله. أو هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم بشرع متأخر عنه.
وقد اتفق الأصوليون على أن السنة المتواترة تنسخ السنة المتواترة مثلها؛ لأنهما متماثلان في القوة.
والسنة المتواترة تنسخ الآحاد، لأن الآحاد أضعف من المتواتر، والسنة الآحاد تنسخ الآحاد، لأنهما متماثلان في القوة، ولا تنسخ المتواترة لأنهما يختلفان في القوة (١) .
وهذا هو الذي أجمع عليه أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في نسخ الكتاب للسنة ونسخ الكتاب بالسنة.
ولكن الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء هو جواز نسخ القرآن بالسنة، ومنع من ذلك الإمام الشافعي، والدليل على ذلك أن القرآن والخبر المتواتر، كلاهما شرع مقطوع بصحته. فإذا جاز أن ينسخ القرآن بالقرآن، جاز أن ينسخ بالخبر المتواتر (٢) .
стр. 47
ومن أمثلة السنة الناسخة للأحكام الثابتة في القرآن الكريم قول الرسول ﷺ : "لا وصية لوارث" (١) فإن هذا الحديث نسخ الوصية للوارث في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وهذا بناءً على رأي الجمهور.
стр. 48
المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها
المطلب الأول: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة
...
المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها.
وفيه مطلبان
المطلب الأول: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة.
المطلب الثاني: ما صدر عنه ﷺ بعد البعثة.
وفيه أربعة أقسام:
القسم الأول: ما صدر عنه ﷺ قولاً.
القسم الثاني: ما صدر عنه ﷺ فعلاً.
القسم الثالث: ما صدر عن النبي ﷺ تقريرًا.
القسم الرابع: ما صدر عنه ﷺ اجتهاداً.
стр. 49
المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها
بعد أن أثبتنا بالأدلة القاطعة من القرآن، والحديث، والإجماع، والمعقول، حجية السنة ومنزلتها وبيانها للأحكام التشريعية يأتي السؤال المهم هل كل ما صدر من الرسول ﷺ يعد تشريعاً؟
قبل أن نجيب عن هذا ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة في حياته ﷺ ، فكلنا يعرف أنه ﷺ عاش حياتين مختلفتين قبل البعثة وبعدها، وترتب عليهما وجود التشريع وعدمه، لهذا سنتناول الموضوع من هذين الجانبين الأساسين في مطلبين مختلفين:
المطلب الأول: ما صدر عن الرسول ﷺ قبل البعثة.
المطلب الثاني: ما صدر عن الرسول ﷺ بعد البعثة.
стр. 50
المطلب الأول: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة
عاش محمد ﷺ طفولته وشبابه قبل البعثة، لكنها لم تكن حياة عادية كحياة كل الأطفال والشباب في ذلك الحين؛ لأنها حياة تميزت بالمثالية التامة، فكان طرازاً رفيعاً في الفطرة الصافية، والفكر الصائب، والفطنة الأصيلة، فعايش الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجده حسناً شارك فيه، وإلا التزم عزلته وصمته، لهذا عرف في قومه بالخلال العذبة، والأخلاق الفاضلة، والشمائل الكريمة، فكان لا يشرب خمراً، ولا يعبد وثناً، وكان أصدقهم حديثاً، وأفضلهم مروءة، وأعظمهم حلماً، وأوفاهم عهداً وآمنهم أمانة يحمل الكَلَّ، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق (١) . كيف لا يكون كذلك والله سبحانه هو الذي تولاه بالرعاية (٢) والحفظ (٣) ؟
فالرسول ﷺ رغم أنه جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من أخلاق وسلوك إلا أن سيرته في هذه الفترة لا تصح أن تكون مصدراً للتشريع، وذلك لأنه لم يُكَرَّم بنزول جبريل ﵇ بآيات القرآن، ولم يعصم بالنبوة بعد.
стр. 51
المطلب الثاني: ما صدر عنه ﷺ بعد البعثة
يعد ما صدر عن النبي ﷺ بعد البعثة المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وينقسم ذلك إلى الأقسام التالية:
القسم الأول: ما صدر عنه ﷺ قولاً
وأقوال النبي ﷺ هي عباراته، وكلماته، التي تلفظ بها.
والمراد بها: الأحاديث التي تلفظ بها الرسول ﷺ تبعاً لمقتضيات الأحوال. والأحاديث القولية تمثل في الواقع جمهرة السنة وعليها مدار التوجيه والتشريع، وفيها يتجلى البيان النبوي، وتتمثل البلاغة المحمدية، بأجلى صورها، وفيها جوامع الكلم التي خص الله تعالى بها خاتم رسله.
أقسام أقوال النبي ﷺ :
تنقسم أقوال النبي ﷺ كما ينقسم كل كلام - إلى: خبر، وإنشاء.
أولاً: أخبار النبي ﷺ :
وهذه الأخبار قد تكون عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله كما في حديث أبي هريرة: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" (١) وقد تكون أخبارا عن عالم الغيب
стр. 52
مثل إخباره عن سؤال القبر ونعيمه وعذابه، وعن البعث والحشر والشفاعة، ومن أخباره أيضاً ما قصه علينا من سير الماضين من الأنبياء والصالحين، ويدخل في أخباره ما يذكره عن المستقبل مما أطلعه الله عليه.
ومما يدخل في دائرة الخبر من أقواله ما يذكره ﷺ لبيان حقائق الأشياء وبيان قيمها ومراتبها وما فيها من ثواب وعقاب.
ومن الأخبار ما يتضمن توجيهات أخلاقية ترغيباً في الخير، وترهيباً من الشر. ومنها ما يتضمن تشريعاً ملزماً للفرد المسلم وللجماعة المسلمة وإن كان في صورة خبر كما في حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" (١) وقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" (٢) .
ثانياً: الإنشاء.
والإنشاء بمعنى الطلب، من أقواله ﷺ فيشمل الأمر، والنهي، والدعاء، فتمثل الأمر قول الرسول ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٣) .
ومثل النهي قول الرسول ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب
стр. 53
الحديث" (١) .
ومن أمثلة الدعاء: قول الرسول ﷺ : " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي" (٢) .
حجية أقوال الرسول ﷺ
الأصل في حجية أقوال الرسول ﷺ ما تقدم من الأدلة العامة على حجية السنة؛ لأن الأقوال قسم من أقسام السنة بالإضافة إلى الأدلة التي تدل على وجوب التأسي والمتابعة والاقتداء في أقواله ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وجه الدلالة: حيث ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله (٣) .
ولما كان التأسي بأقواله ﷺ أمرًا واجبًا، لهذا فقد عنى المسلمون بنقل أقوال النبي ﷺ أيما عناية، وقسموا (٤) الأقوال المقبولة المتصلة السند إلى
стр. 54
أحاديث قولية متواترة، ومشهورة، وآحاد، فقالوا: إن الأحاديث القولية المتواترة توجب العلم والعمل، ولا مجال للشك فيها.
أمّا الأحاديث القولية المشهورة فإنها تفيد علم الطمأنينة، وهو الظن القريب من اليقين، وتوجب العمل بها بالإجماع.
أما الأحاديث القولية الآحاد فاختلف فيها، هل تفيد العلم أو تفيد الظن؟ والراجح أنها تفيد العلم، لأن العلماء أجمعوا على وجوب العمل بأخبار الآحاد.. فكيف يوجب العمل وهي غير مفيدة للعلم؟ فالعمل فرع عن تصور العلم، وبالتالي فهي توجب العلم والعمل.
وتقسيم (١) السنة إلى: متواتر، ومشهور، وآحاد تقسيم حادث، وليس من منهج الصحابة والسلف الصالح، وإنما كان منهجهم هو وجوب اتباع الرسول ﷺ في جميع أقواله (٢) .
القسم الثاني: ما صدر عنه فعلاً ﷺ
الأفعال: جمع فِعْل، والفعل هو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره، بسبب التأثير كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعاً ... ومنه الفعل العلاجي
стр. 55
وهو ما يحتاج حدوثه إلى تحريك عضو كالضرب والشتم (١) .
والمراد بأفعال الرسول ﷺ هو كل ما يعمله ﷺ ببدنه فيدخل في ذلك الإشارة باليد وبالرأس؛ لأنها حركة بعضو من أعضاء البدن ويدخل أيضاً في الأفعال كتاباته ﷺ إلى الملوك.
أقسام أفعال الرسول ﷺ :
اختلف العلماء في تقسيم أفعال النبي ﷺ وحصرها وعدها، فمنهم من حصرها في سبعة أقسام كالزركشي والشوكاني (٢) . ومنهم من حصرها في ضربين كالشيرازي (٣) ومنهم من قسمها دون حصر لعددها كأبي الحسين البصري (٤) .
وهذه التقسيمات مستحدثة لم تكن إلا بعد عصر الأئمة، ولا ينبني على ذلك التقسيم فائدة، ولكن هذا التقسيم يوضح ما يستحب فيه المتابعة، وما يمتنع وما يجوز، لذلك ستقسم أفعال النبي ﷺ حتى يتضح الأمر إلى ما يلي:
أولاً: أفعال جِبِلِّيَّة وهذا القسم على نوعين:
١ - أفعال تقع من الرسول اضطراراً دون قصد منه لإيقاعه مطلقاً،
стр. 56
وذلك كما في سرور الرسول ﷺ فإنه إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر (١) . وكان إذا كره شيئاً رُئي في وجهه.
وهذا النوع من الأفعال لا يتعلق به متابعة أو تأثر أو اهتداء لوقوعه دون قصد منه.
٢ - أفعال تقع منه اختياراً، وهي ما يفعله الرسول عن قصد وإرادة ولكنها أفعال تدعو إليها الضرورة والحاجة من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصداً عند شعوره بتلك الضرورة، إلا أن اتباعها تابع لإرادته وقصده بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت.
وذلك كالقيام والقعود وهواجس النفس وحركة اليد أثناء المشي ونومه وأكله وشربه، وهذا النوع أيضاً لا يتعلق به متابعة أو تأسٍّ أو اقتداء. ولكن إن واظب الرسول ﷺ على إيقاع هذا الفعل الجِبِلِّي على هيئة مخصوصة ووجه معروف كوضع يده اليمنى تحت خده عند النوم ونومه على جنبه الأيمن وأكله بثلاث أصابع، فهذا يندب التأسي فيه؛ لأن الغالب من أفعال الرسول ﷺ التشريع، إذ هو بعث لبيان الشرعيات (٢) .
وقيل: يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن تدريباً للنفس وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، فإن النفس مهما سومحت في اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه، وكان ابن عمر ﵄
стр. 57
يأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثار الرسول ﷺ . قال نافع: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع آثار الرسول ﷺ لقلت هذا مجنون (١) .
ثانياً: أفعال صدرت منه على وفق العادات (٢) كأحواله ﷺ في المأكل والمشرب والملبس وطريقة مشيته وطريقة كلامه. فهذه الأفعال مباحة لأنه لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة. لكن لو تأسى به متأس فلا بأس، وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكباراً فلا بأس ويثاب على قصده التأسي، فقد ورد عن ابن عمر ﵄ كان يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة، فسئل عن ذلك فقال: "وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها" (٣) .
ثالثاً: أفعال لم يتبين أمرها ولم يوجد دليل على وقوعها قربة أو عبادة، ولكن لها علاقة بالعبادة، سواء وقعت في أثناء العبادة أو في وسيلتها أو قبلها أو بعدها. كنزوله بالمحصب ليلة النفر، وجلسة الاستراحة في الصلاة، ودخوله مكة من طريق كدي، وخروجه من طريق
стр. 58
كداء، ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة. فقد اختلف العلماء في ذلك، والراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: وهو أنه يستحب اتباع النبي ﷺ في هذه الأفعال ويُنْدَبُ إلى ذلك ولا يجب (١) .
رابعاً: أفعال بيانية، فإن كان المبين واجباً كان الفعل المبين له واجباً، وإن كان مندوباً فمندوب؛ لأن البيان لا يتعدى رتبة المبيَّن، ومتى تعداه لا يكون بيانا له.
خامساً: الأفعال الخاصة بالرسول ﷺ التي ثبت بالدليل اختصاصه بها، كالجمع بين تسع نسوة، فهذا القسم يحرم التأسي فيه (٢) .
ومن خصائص الرسول ﷺ التبرك بأثره والاستشفاء به، فقد نقل أنه ﷺ دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه ومجَّ فيه ثم قال لأبي موسى وبلال ﵄: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما (٣) . وتوضأ وشرب جابر بن سمرة ﵁ من وضوئه (٤) ، وجمعت أم سليم ﵂ عرقه لتتطيب (٥) ، وشرب بعضهم دم حجامته (٦) .
стр. 59
والدليل على أن هذا من خصائصه أن الصحابة لم يتبركوا بأفاضلهم، وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ولم ينقل عن أحد منهم ولو حادثة واحدة أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة فهذا إجماع على الترك (١) .
حجية أفعال الرسول ﷺ :
الأصل في حجية أفعال الرسول ﷺ ما تقدم سابقا من الأدلة العامة على حجية السنة، لأن الأفعال من أقسام السنة، بالإضافة إلى الأدلة التي تدل على وجوب التأسي والاقتداء بأفعاله على وجه الخصوص، مثال ذلك:
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وجه الدلالة: حيث عبر الله بالمصدر ﴿أُسْوَة﴾ أي تأسوا به والتأسي هو أن نفعل مثل فعله على وجهه لأجل فعله (٢) .
ويشترط في التأسي والمتابعة شرطان:
الأول: المتابعة في صورة العمل.
الثاني: المتابعة في القصد.
فإذا طاف ﷺ حول الكعبة واستلم الحجر وصلى خلف المقام، كان التأسي والاقتداء به أن يفعل هذا الفعل، وأن يقصد به العبادة، لأنه ﷺ فعل ذلك وقصد به العبادة.
стр. 60
أما ما فعله ﷺ بحكم الاتفاق ولم يقصده، مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً منه ﷺ لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإن تخصيص ذلك المكان بالصلاة لا يكون تأسياً به ﷺ ، لأنه لم يقصد ذلك المكان بالعبادة، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعل استحباباً أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه عليه، هل فعله لأنه أسمح لخروجه، أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك" (١) .
القسم الثالث: ما صدر عنه ﷺ تقريراً
والمراد بالسنة التقريرية: هي ما أقره الرسول ﷺ مما صدر من بعض الصحابة من أقوال وأفعال بسكوت منه وعدم إنكاره أو بموافقته وإظهار استحسانه وتأييده (٢) .
والمقصود بالتقرير: هو أن يفعل أحد الصحابة بحضرته فعلاً أو يقول قولاً فيمسك ﷺ عن الإنكار ويسكت (٣) .
أمثلة للسنة التقريرية:
١ - ما رواه أبو سعيد الخدري أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما
стр. 61
ماء فعرضت الصلاة فتيمما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك فقال للذي لم يعد. أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: "ولك الأجر مرتين" (١) .
٢ - احتلم عمرو بن العاص ﵁ في غزوة ذات السلاسل فلم يغتسل خوفاً من الهلاك لشدة البرد، بل تيمم وصلى بأصحابه الصبح، فلما ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال له: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال له عمرو: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] ، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً (٢) وهذا إقرار منه ﷺ لعمرو في اجتهاده.
٣ - إقراره لاجتهاد الصحابة في صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته فلم يصل إلا في بني قريظة بعد المغرب، وقالوا: لا نصلي حتى نأتيها. وفهم البعض أن المقصود الحث على
стр. 62
الإسراع فصلاَّها في وقتها. وبلغ النبي ﷺ ما فعل الفريقان فأقرهما، ولم يعنف أحدهما (١) .
٤ - إقراره ﷺ إنشاد الشعر المباح (٢) .
حجية السنة التقريرية:
أولاً: الدليل على أن إقرار الرسول ﷺ حجة هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ سكوته يدل على جواز ذلك بخلاف سكوت غيره (٣) .
ثانياً: أن من خصائص الرسول ﷺ وجوب إنكار المنكر، لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] (٤) .
ثالثاً: احتجاج الشافعية والحنابلة في إثبات النسب بالقيافة، فحديث عائشة ﵂ أن مجززاً المدلجي رأى زيد بن حارثة وابنه أسامة فقال هذه الأقدام بعضها من بعض (٥) فَسُرَّ النبيُّ، وأعجبه ذلك.
رابعاً: إجماع المسلمين على أن ما صدر من الرسول ﷺ من قول، أو
стр. 63
فعل، أو تقرير وكان مقصوداً به التشريع والاقتداء، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين، ومصدرًا تشريعياً يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين (١) .
شروط الاحتجاج بالسنة التقريرية
ويكون سكوت الرسول ﷺ وعدم إنكاره حجة ودليلاً على الجواز بشروط:
أولاً: أن يعلم الرسول ﷺ بوقوع الفعل أو القول فإما أن يقع ذلك بحضرته، أو في زمنه، وهو عالم به لانتشاره انتشاراً يبعد معه ألا يعلمه ﷺ (٢) .
ثانياً: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه سبق تحريمه، فإن سبق تحريمه يكون نسخاً، لئلا يكون سكوته محرما (٣) .
ثالثاً: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه صادراً من كافر كمضيه إلى كنيسة، وبالتالي فلا أثر لسكوته اتفاقاً، وإلا دل على جوازه (٤) .
ولأن إنكاره ﷺ لما يفعله الكفار معلوم ضرورة، فالعبرة في فعل أحد المسلمين.
стр. 64
القسم الرابع: ما صدر عن الرسول ﷺ اجتهاداً
وقد ألحق أكثر العلماء اجتهاد الرسول ﷺ فيما أقره الله عليه بالسنة التشريعية لذلك أدرجناه هنا.
ومسألة اجتهاد الرسول ﷺ من المسائل التي اختلف فيها العلماء ولكن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن العقل يُجَوِّز اجتهاد الرسول ﷺ وواقع مطلقاً.
فيقول صاحب تيسير التحرير: ((وأكثر أهل العلم على أن الرسول ﷺ كان مأموراً بالاجتهاد مطلقاً في الأحكام الشرعية، والحروب، والأمور الدينية، من غير تقييد بشيء منها. أو من غير تقييد بانتظار الوحي، وهو مذهب عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث)) (١) .
ولاشك في أن نزول الوحي على الرسول ﷺ لا يمنع من كونه أقوى الناس قريحة، وأشدهم حذقاً، وأثقبهم بصيرة، وأصوبهم رأياً، وأحدهم ذكاء، وأكثرهم فهماً لمقاصد التشريع ولمصالح المؤمنين. كيف وهو أتقى الناس وأورعهم وأشدهم خشية لله؟ كما أنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد وصفه الله بأنه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وكل هذه الأمور أدوات يستعين بها المجتهد في
стр. 65
الوصول إلى إظهار حكم الله في الحادثة وهو يفترق عن سائر الناس بتأييده بالوحي الذي يقره على الصواب ويوجهه إلى الأولى.
واجتهاد الرسول ﷺ لم يقع في موطن واحد، أو مكان واحد، أو موضوع واحد، وإنما تعددت المواطن والأمكنة والموضوعات.
لذلك سنحصر مواطن اجتهاد الرسول ﷺ حتى نعرف ما هو تشريع، وما هو ليس بتشريع.
أولاً: اجتهاد الرسول ﷺ في الأمور الدنيوية:
كما في مسألة تأبير النخل: لما قدم الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة فوجد أهلها يلقحون النخل فقال: "ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنعه. قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"
فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" (١) .
وفي رواية عائشة وأنس رضى الله عنهما: "أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج شِيْصاً. فمرَّ بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢) .
وهذا النوع من الاجتهاد لا يعد تشريعاً؛ لأنه قول في أمور المعايش من طب وزراعة بما يقول به الناس، ناتج عن تجارب وعادة وهذا فيما لا
стр. 66
وحي فيه (١) . وقول الرسول ﷺ " أنتم أعلم بأمور دنياكم" ينطق صراحة بأن الأمور التي ترجع إلى الخبرة والتجربة والشؤون الدنيوية كبعض الأفعال الخاصة بالتجارة والزراعة لا يجب الاقتداء فيها والناس أدرى بأحوالهم ومجريات أمورهم (٢) .
ثانياً: اجتهاد الرسول ﷺ في الأمور الحربية:
كما حصل في يوم بدر وموافقته لرأي الحباب بن المنذر رضى الله عنه: قال ابن اسحاق: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر يبادر قريشاً إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به. فجاء الحباب ﵁ بين الجموع. قال يا رسول الله: "أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء، من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القُلَب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله ﷺ : "لقد أشرت بالرأي" وفعل ما أشار به الحباب بن المنذر ﵁ (٣) .
وهذا النوع من الاجتهاد فيه دلالة صريحة على أنه ليس تشريعاً؛ لأنه
стр. 67
لو كان تشريعاً ما رجع الرسول ﷺ عن رأيه، وأخذ برأي الحباب بن المنذر ونفذ الرسول ﷺ رغبة الحباب ﵁.
ثالثاً: اجتهاده ﷺ في الأقضية:
والرسول ﷺ يجتهد في الأقضية بالإجماع (١) . وقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: "إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٢) .
وفي الحديث دلالة على الحالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئاً، إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على الناس وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر، فيحكم ﷺ بالبينة واليمين، ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن على خلاف ذلك، ولكنه إنما كُلف بحكم الظاهر (٣) .
وقضاء الرسول ﷺ يكون في القضية قبل نزول الوحي، فإن نزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضي به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآنُ الكريم، ولذلك فقضاؤه بغير الوحي إنما هو عن اجتهاد منه.
стр. 68
وقد ورد أيضاً عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله: ﷺ "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ فيه" (١) .
ومن اجتهاداته ﷺ قضاؤه لفاطمة بنت قيس أن تعتد عند أم شريك ثم رجوعه عن ذلك بقضاء آخر لمصلحة رآها (٢) .
رابعاً: اجتهاد الرسول ﷺ في الأحكام الشرعية:
اختلف العلماء في اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام الشرعية والفتاوي في الأمور الدينية، ولكن للرسول ﷺ أن يجتهد في الأحكام الشرعية والفتاوي في الأمور الدينية عندما ينقطع طمعه في العثور على النص، ولولم يرد الله سبحانه له الاجتهاد لبادر بالوحي في كل حادثة تَعْرِض له، ولسارع بجوابه في كل سؤال يوجه إليه. ولكن الوحي يتأخر، والحادثة ملحَّة تطلب الحل، ولا يجد الرسول ﷺ أمامه إلا الاجتهاد في إطار ما نزل عليه من النصوص، وما فهمه من مقاصد الشريعة، ويجتهد ويصيب حكم الله في كثير من الوقائع التي اجتهد فيها، وقليلاً ما كان يغلب على ظنه حكم يكون غيره أولى منه، ومع هذا لا يغلق الله أمامه باب الاجتهاد بإنزال النص، بل يتركه يمارس الاجتهاد، ويُقَلِّب الآراء، بل ويصدر الحكم. فيأتي بعد هذا وحيُ الله إليه منبهاً له إلى الحكم الأفضل، فلا يُقَرُّ على الخطأ، ولكن الله يبين له وجه الحق والصواب في مثل هذه
стр. 69
الاجتهادات (١) . ومن أمثلة اجتهاد الرسول في الأحكام الشرعية:
اجتهاده ﷺ في الهمِّ بإيقاعه العذاب على المتخلفين عن صلاة الجماعة، ورجوعه عن قراره هذا، فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال: "إن رسول الله ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم، فيحرِّقوا عليهم بحُزَم الحطَب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها. يعني صلاة العشاء" (٢) .
ومن ذلك: إقراره لمن صلى العصر قبل الغروب وبعده يوم قريظة (٣) .
وحاصل الأمر أن ما صدر عن الرسول ﷺ اجتهادا في الأحكام الشرعية بعد إقرار الله عليه فهو تشريع، ويجب العمل به، أما الحكم الذي صدر منه ﷺ قبل الإقرار فلا يعد تشريعاً، ولا يجب العمل به.
стр. 70
الخاتمة:
من خلال دراسة هذا البحث توصلت إلى النتائج التالية:
أولاً: تأكيد حجية السنة النبوية في التشريع الإسلامي والتي دلت عليها آيات القرآن الكريم ونصوص الأحاديث الصحيحة وإجماع الأمة المسلمة والعقول السليمة.
ثانياً: إن السنة النبوية هي المصدر الثاني المعصوم بعد كتاب الله، وهذه المرتبة حددتها آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة، وإجماع الأمة، وكذلك المنطق المعقول.
ثالثاً: إن السنة النبوية ملازمة للقرآن الكريم، ولا يمكن فَصْلُ أحدهما عن الآخر، لأن القرآن كليٌّ هذه الشريعة، والسنة بيان وتفصيل لمجمله، وتوضيح لمبهمه.
رابعاً: التنبيه على أنه ليس كل ماصدر من الرسول ﷺ يعد تشريعاً؛ لأن الصادر منه تشريعاً لابد أن ينضبط بضوابط معينة.
خامساً: إن الصادر من الرسول ﷺ تشريعاً ليس على درجة واحدة في العمل، لأن منه الواجب، والمندوب ومنه ما هو للتأسي فقط.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 71
فهرس لأهم مصادر ومراجع البحث
١. إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر، د. عبد الكريم النملة دار العامة، ط. الأولى ١٤١٧?.
٢. الإتقان في علوم القرآن، للإمام السيوطي مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده - مصر ١٣٥٤?.
٣. اجتهاد الرسول ﷺ د. نادية العمري - مؤسسة الرسالة.
٤. الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الأندلسي ط. الإمام - القاهرة.
٥. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للإمام الشوكاني ط. الحلبي وشركاه ١٣٥٦?.
٦. أصول الأحكام الإسلامية، د. أبو السعود عبد العزيز موسى ط ١٤١٣?.
٧. أصول الفقه / لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي - القاهرة.
٨. أصول الفقه، للبرديسي ط. الثالثة ١٩٦٩م دار النهضة.
٩. إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن القيم المكتبة التجارية - مصر.
١٠. أفعال الرسول ﷺ ، لمحمد الأشقر- مؤسسة الرسالة ط. الثانية ١٤٠٨?.
١١. البحر المحيط، للزركشي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت ط. الثانية ١٤١٣?.
стр. 72
١٢. تاريخ التشريع الإسلامي، الشيخ مناع القطان- مؤسسة الرسالة - الطبعة العاشرة ١٤١٣ ?.
١٣. تدريب الراوي، للإمام السيوطي - دار إحياء السنة النبوية، ط. الثانية١٣٩٩?.
١٤. تعليم علم الأصول، د. نور الدين مختار الخادمي مكتبة العبيكان، ط. الأولى ١٤٢٣?.
١٥. تفسير الطبري، للإمام محمد بن جرير الطبري طبعة بيروت.
١٦. تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير ط. عيسى البابي الحلبي وشركاه.
١٧. تيسير التحرير، لمحمد أمين دار الكتب العلمية - بيروت.
١٨. جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، المكتبة العلمية - المدينة المنورة.
١٩. الرسالة، للإمام الشافعي المطبعة السلفية - مصر.
٢٠. روضة الناظر، لابن قدامة مطابع الرياض ١٣٩٧?.
٢١. السنة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، / د. مهدي رزق الله مركز الملك فيصل للبحوث ١٤١٢? ط. الأولى.
٢٢. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، د. مصطفى السباعي المكتب الإسلامي، ط. الثالثة ١٤٠٢?.
٢٣. سيرة ابن هشام، مكتبة المنار، ط. الأولى ١٤٠٩?.
٢٤. شرح الأسنوي على المنهاج، لجمال الدين عبد الرحيم ط. صبيح.
стр. 73
٢٥. شرح الكوكب المنير، للفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار دار الفكر ت دمشق ١٤٠٠?.
٢٦. شرح اللمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشيرازي دار الغرب الإسلامي - بيروت ١٤٠٨?.
٢٧. شرح النووي على صحيح مسلم، دار الريان، ط. الأولى ١٤٠٧?.
٢٨. شرح تنقيح الفصول، للإمام القرافي- مكتبة الكليات الأزهر.
٢٩. علم أصول الفقه، لعبد الوهاب خلاف مطبعة النصر - القاهرة، ط. السابعة ١٣٧٦?.
٣٠. علوم الحديث ومصطلحه، د. صبحي الصالح دار العلم للملايين - بيروت ط. الأولى ١٣٧٨?.
٣١. كتاب الأم، للإمام الشافعي نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
٣٢. كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام، للبزدوي دار الكتاب العربي - بيروت.
٣٣. الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي - دار الكتاب العربي - بيروت ١٤٠٦?.
٣٤. المدخل لدراسة السنة النبوية، د. يوسف القرضاوي مكتبة وهبة - القاهرة، ط. الثانية ١٤١١?.
٣٥.معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، للجيزاني دار ابن الجوزي، ط. الثانية ١٤١٩?.
стр. 74
٣٦. المعتمد، لأبي الحسين البصري دار الكتب العلمية - بيروت.
٣٧. مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، للإمام السيوطي- دار السلام، ط. الأولى.
٣٨. مقدمة تحفة الأحوذي، للمباركفوري المكتبة السلفية، ط. الثانية. المدينة المنورة.
٣٩. مكانة السنة في التشريع الإسلامي، د. محمد لقمان السلفي - دار الداعي ط. الثانية ١٤٢٠?.
٤٠.المهذب في علم أصول الفقه، للدكتور عبد الكريم النملة مكتبة الرشد، ط. الأولى ١٤٢٠?.