باب القراض:
من جاز تصرفه في المال صحّ منه عقد القراض، ولا يصحّ القراض إلا على الدراهم والدنانير، ولا يجوز على المغشوش منها، ولا يصحّ إلا على مالٍ معلوم الوزن، ولا يصح إلا على جزء معلوم من الربح، فإن قال: على أنّ الربح بيننا جاز، وكان بينهما نصفين. وقيل: لا يجوز، وإن قال: على أنّ لك النصف صحّ. وقيل: لا يصحّ. والأول أظهر، وإن قال: على أنّ لي النصف لم يصح. وقيل: يصح. والأول أظهر.
وإن شرط لأحدهما ربح شيء يختص به لم يصح، وإن قال: قارضتك على أن يكون الربح كله لك فسد العقد، إلا أنّه إذا تصرّف نفذ التصرف، ويكون الربح كله لرب المال، وللعامل أجرة المثل، فإن دفع إليه المال فقال: تصرّف والربح كله لي فهو إبضاع لا حق للعامل فيه، وإن قال: تصرّف والربح كله لك فهو قرض.
ولا يجوز إلا على التجارة في جنس (١) يعمّ وجوده، فإن علّقه على ما لا يعمّ، أو على أن لا يشتري إلا من رجلٍ بعينه؛ لم يصح.
ولا يصح إلا أن يعقد في الحال، فإن علّقه على شرط لم يصح، وإن عقده إلى شهر على أن لا يبيع بعده لم يصح، وإن عقده إلى شهر على أن لا يشتري بعده صح، وإن شرط على أن يعمل معه رب المال لم يصح، وإن شرط على أن يعمل غلام لرب المال صحّ على ظاهر المذهب. وقيل: لا يصح.
وعلى العامل أن يتولّى بنفسه ما جرت العادة أن يتولاه، وأن يتصرف على الاحتياط.
ولا يبيع بدون ثمن المثل ولا بثمنٍ مؤجّل إلا أن يأذن في ذلك كلّه، فإن اشترى معيبًا يرى شراءه جاز، وإن اشترى شيئًا على أنه سليم فخرج معيبًا ثبت له الخيار، وإن اختلف هو ورب المال في الردّ بالعيب عمل ما فيه المصلحة، وإن اشترى من يعتق على رب المال، أو زوج رب المال بغير إذنه لم يصح.
ولا يسافر بالمال من غير إذن، فإن سافر بالإذن فقد قيل: إنّ نفقته في ماله. وقيل: على قولين: أحدهما: أنها في ماله. والثاني: أنها في مال المضاربة، وأي قدر
стр. 107
يكون في مال المضاربة قيل: الزائد على نفقة الحضر. وقيل: الجميع.
وإن ظهر في المال ربح ففيه قولان: أحدهما: أنّ العامل لا يملك حصته إلا بالقسمة، ويكون الجميع لرب المال، وزكاته عليه، وله أن يخرجها من المال. والثاني: أنّ العامل يملك حصته بالظهور، ويجري في حوله، إلا أنّه لا يخرج الزكاة منه قبل المقاسمة.
وإن اشترى العامل أباه ولم يكن في المال ربح صحّ الشراء، وإن كان في المال ربح فقد قيل: لا يصح. وقيل: يصح، ويعتق. وقيل: يصح، ولا يعتق.
فإن اشترى سلعة بثمن في الذمّة وهلك المال قبل أن ينقد الثمن لزم رب المال الثمن. وقيل: يلزم العامل، وإن دفع إليه ألفين فتلف أحدهما قبل التصرف تلف من رأس المال، وانفسخت فيه المضاربة، وإن تلف بعد التصرف والربح تلف من الربح، ولم تنفسخ المضاربة فيه.
وإن اشترى بها عبدين فتلف أحدهما فقد قيل: يتلف من رأس المال. وقيل: يتلف من الربح، وهو الأصحّ.
والقول قول العامل فيما يدّعي أنه اشتراه للمضاربة أو لنفسه فيما يدّعي من هلاك، ويُدّعى عليه من خيانة.
وإذا اختلفا في ردّ المال فقد قيل: إنّ القول قوله. وقيل: القول قول رب المال، وإن اختلفا في قدر الربح المشروط تحالفا، وإن اختلفا في قدر رأس المال فالقول قول العامل.
ولكل واحدٍ منهما أن يفسخ العقد متى شاء، فإن مات أحدهما، أو جُنّ، أو أُغمي عليه؛ انفسخ العقد، وإذا انفسخ وهناك عرض وتقاسماه جاز، وإن طلب أحدهما البيع لزمه بيعه، وإن كان هناك (١) دين لزم العامل أن يتقاضاه لينِض (٢)، وإن قارض في المرض اعتبر الربح من رأس المال وإن زاد على أجرة المثل، وإن مات وعليه دين قدّم العامل على سائر الغرماء.
باب العبد المأذون:
إذا كان العبد بالغًا رشيدًا جاز للمولى أن يأذن له في التجارة، وما يكسبه يكون لمولاه، وما يلزم من ديْن التجارة يجب قضاؤه من مال التجارة، فإن بقي شيء أتبع به إذا عتق، ولا يجوز أن يتجّر إلا فيما أذن فيه، وإن أذن له في
стр. 108
التجارة لم يملك الإجارة. وقيل: يملك ذلك في مال التجارة، ولا يملك ذلك في نفسه.
ولا يتصرف إلا على النظر والاحتياط، ولا يهب، ولا يتخذ دعوة، ولا يبيع بنسيئة، ولا بدون ثمن المثل، ولا يسافر بالمال إلا بإذن المولى.
وإن اشترى من يعتق على مولاه بغير إذنه لم يصحّ الشراء في أصح القولين، وإن اشترى بإذنه صحّ الشراء وعتق عليه إن لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين ففي العتق قولان.
وإن ملّكه السيد مالًا لم يملك في أصح القولين، ويملك في الآخر ملكًا ضعيفًا، ويملك المولى انتزاعه منه، ولا تجب فيه الزكاة.
باب المساقاة:
من جاز تصرفه في المال صحّ منه عقد المساقاة، وينعقد بلفظ المساقاة، وبما يؤدي معناه، ويجوز على الكرْم والنخل، وفيما سواهما من الأشجار قولان. وإن ساقاه على ثمرة موجودة ففيه قولان. وإن ساقاه على وَدِيٍّ (١) إلى مدة لا تحمل فيها لم يصح، وهل يستحق أجرة العمل؟ فيه وجهان. وإن كان إلى مدة قد تحمل وقد لا تحمل فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح، وللعامل أجرة المثل. وإن ساقاه على ودِيٍّ يغرسه ويعمل عليه لم يصح.
ولا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة، ويجوز ذلك إلى مدة يبقى ما يعمل عليه في أصحّ القولين، ولا يجوز في الآخر أكثر من سنة.
ولا يجوز إلا على جزء معلوم من الثمرة؛ كالثلث والربع. وإن شرط أنّ له ثمرة نخلات بعينها أو أصوعا معلومة من الثمر لم يصحّ، فإذا انعقد لزم كالإجارة، وعلى العامل أن يعمل ما فيه مستزاد في الثمرة من التلقيح، وصرف الجريد، وإصلاح الأجاجين (٢)، وتنقية السواقي، وعلى رب المال ما يحفظ به الأصل؛ كسدّ الحيطان، وحفر الأنهار، وشراء الدولاب.
فإن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال ويكونوا تحت أمره جاز على المنصوص، وتكون نفقتهم على
стр. 109
رب المال، وإن شرط أن يكونوا على العامل جاز، وإن شرط أن يعمل رب المال لم يجز. والعامل أمين فيما يدّعي من هلاك ويُدّعى عليه من خيانة، فإن ثبت خيانته ضم إليه من يشرف عليه، فإن لم ينحفظ بالمشرف استؤجر عليه من يعمل عنه، وإن هرب العامل استؤجر من ماله من يعمل عنه، فإن لم يكن له مال اقترض عليه، فإن أنفق عليه رب المال بغير إذن الحاكم لم يرجع، وإن لم يقدر على إذنه فأنفق ولم يشهد لم يرجع، وإن أشهد فقد قيل: يرجع. وقيل: لا يرجع، وإن لم يمكن ذلك فله أن يفسخ، فإن لم تكن ظهرت الثمرة فالثمرة للمالك، وللعامل أجرة ما عمل، وإن ظهرت فهي لهما، فإن اختار ربُّ المال بيع الكل جاز، وإن لم يختر بيع منه نصيب العامل، وإن لم يختر ترك إلى أن يصطلحا، وإن مات العامل فتطوع ورثته بالعمل استحقوا الثمرة، وإن لم يعملوا استؤجر من ماله من يعمل، فإن لم يكن له مال فلربّ المال أن يفسخ.
ويملك العامل حصته من الثمرة بالظهور، وزكاته عليه. وقيل: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: أنه لا يملك إلا بالتسليم.
وإن ساقاه في المرض وبذل له أكثر من أجرة المثل اعتبرت الزيادة من الثلث. وقيل: يعتبر من رأس المال.
وإن اختلفا في القدر المشروط للعامل تحالفا.
باب المزارعة:
المزارعة أن يسلم الأرض إلى رجلٍ ليزرع ببعض ما يخرج منها، ولا يجوز ذلك إلا على الأرض التي بين النخيل، ويساقيه على النخيل، ويزارع على الأرض، ويكون البذر من صاحب الأرض، فيجوز ذلك تبعًا للمساقاة. وقيل: إن كان النخيل قليلًا والبياض كثيرًا لم يجز.
ولايجوز ذلك إلا على جزء معلوم من الزرع كالمساقاة.
باب الإجارة:
الإجارة بيعٌ تصحّ ممن يصحّ منه البيع، وتصحّ بلفظ الإجارة والبيع،
стр. 110
وتصحّ على كل منفعة مباحة.
وفي استئجار الكلب للصيد، والفحل للضراب، والدراهم والدنانير؛ وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز في جميع ذلك.
ولا يصحّ على منفعةٍ محرمة؛ كالغناء، والزمر، وحمل الخمر.
وتصحّ الإجارة على منفعةِ عين معينة؛ كاستئجار الدار للسكنى، والمرأة للرضاع، والرجل للحج والبيع والشراء، والدابة للركوب.
وتصحّ على منفعةٍ في الذمة؛ كالإستئجار لتحصيل الحج، وتحصيل حمولة في مكان، فإن كان على منفعةِ عينٍ لم يجز إلا على عينٍ يمكن استيفاء المنفعة منها، فإن استأجر أرضًا للزراعة لم يجز حتى يكون لها ماء يؤمن انقطاعه؛ كماء النهر، والمد بالبصرة، والثلج والمطر في الجبل، فإن كان بمصر لم يجز حتى تروى الأرض بالزيادة.
ولا يجوز إلا على عينٍ معروفة، فإن لم يعرف إلا بالرؤية -كالعقار- لم يجز حتى يرى.
ولا يجوز إلا على منفعةٍ معلومة القدر، فإن كانت مما لا يتقدر إلا بالعمل -كالحج، والركوب إلى مكان- قدّر به، وإن كان مما لا يتقدر إلا بالزمان -كالسكنى، والرضاع، والتطيين- قدّر به، وإن كان مما يتقدّر بهما -كالخياطة، والبناء- قدّر بأحدهما.
ويجوز أن يعقد على مدةٍ تبقى فيها العين في أصحّ القولين، ولا يجوز أكثر من سنة في الآخر. وقيل: فيه قول ثالث؛ إلى ثلاثين سنة، فإن قال: أجّرتك كل شهر بدرهم بطل. وقيل: يصح في الشهر الأول.
ولا يجوز إلا على منفعةٍ معلومة الصفة، وإن كان معلومًا بالعرف -كالسكنى، واللبس- حمل العقد عليه، وإن لم يكن معلومًا بالعرف وصفه؛ كحمل الحديد والقطن، والبناء بالجص والآجُرّ والطين واللبن، وإن لم يعرف بالوصف لكثرة التفاوت -كالمحمل، والراكب، والصبي في الرضاع- لم يجز حتى يرى.
وما عقد على مدة لا يجوز فيه شرط الخيار، وفي خيار المجلس وجهان، وما عقد على عملٍ معين يثبت فيه الخياران. وقيل: لا يثبتان. وقيل: يثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط، ولا يجوز إلا معجّلا، ويتصل الشروع في الاستيفاء بالعقد، فإن أطلق وقال: أجّرتك شهرًا لم يصح، ولا تجوز الإجارة إلا على أجرةٍ معلومة الجنس والقدر والصفة، فإن استأجر بالطعمة والكسوة لم
стр. 111
يصحّ، وإن عقد على مال جُزاف (١) جاز. وقيل: فيه قولان؛ كرأس مال السلم.
وإن أجّر منفعة بمنفعة جاز.
وتجب الأجرة بنفس العقد إلا أن يشترط فيها الأجل، فيجب في محله. وإن كان العقد على مدّة فسلّم العين، ومضت المدة، أو على عمل معين، فسلم العين، ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء؛ استقرّت الأجرة، ووجب رد العين، وإن كانت الإجارة فاسدة استقرّت أجرة المثل وما يحتاج إليه للتمكين من الانتفاع؛ كمفتاح الدار، وزمام الجمل، والحزام، والقتب (٢)، فهو على المكري، وما يحتاج إليه لكمال الانتفاع -كالدلو، والحبل، والمحمل، والغطاء- فهو على المستأجر. وفي كسح (٣) البئر وتنقية البالوعة وجهان.
وعلى المكري الإشالة، والحطّ، وإركاب الشيخ، وإبراك الجمل للمرأة.
وللمكتري أن يستوفي المنفعة بالمعروف.
وإن اكترى أرضًا ليزرع الحنطة زرع مثلها، وإن استأجر دابة ليركبها أركبها مثله، وإن أكل بعض الزاد وقيمته تختلف في المنازل جاز أن يبدله، فإن لم تختلف ففيه قولان، فإن اكترى دابة إلى مكان فجاوزه لزمه المسمّى في المكان وأجرة المثل لما زاد، وإن حمل عليها أكثر مما شرط فتلفت وهي في يده ضمن قيمتها، وإن كان صاحبها معها ضمن نصف القيمة في أحد القولين، والقسط في الآخر.
وللمكتري أن يكري ما اكتراه بعد قبض العين، ولا يجوز أن يكري قبل القبض من غير المكري في أصح القولين، ويجوز من المكري في أصحّ الوجهين، وإن تلفت العين المستأجرة انفسخت الإجارة فيما بقي دون ما مضى. وقيل: فيما مضى قولان.
فإن وجد به عيبًا، أو حدث به عيب؛ ثبت له خيار الفسخ، فإن فسخ لزمه أجرة ما مضى، فإن كانت دارًا فانهدمت، أو أرضًا فانقطع ماؤها؛ ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ. والثاني: يثبت له خيار الفسخ.
وإن غصب العين حتى انقضت المدة فهو كالمبيع إذا أتلف قبل القبض، وقد بينّاه في
стр. 112
البيع.
وإن مات الصبي الذي وقعت الإجارة على إرضاعه انفسخ العقد على المنصوص. وقيل: فيه قول آخر: أنه لا ينفسخ، فإن (١) تراضيا على إرضاع غيره جاز، وإن تشاحا فسخ، وإن مات الأجير في الحج عنه، أو أحصر قبل الإحرام؛ لم يستحق شيئًا من الأجرة, وإن كان بعد الفراغ من الأركان استحق الأجرة, وعليه دم لما بقي، وإن مات وقد بقي عليه بعض الأركان استحقّ بقدر ما عمل، ويستأجر المستأجر من يستأنف الحج عنه، وإن هرب المكري والعقد على منفعة ثبت للمستأجر الخيار بين الفسخ والإبقاء، وإن كان العقد على مدة انفسخ بمضي الوقت حالا فحالا, وإن كان على عملٍ لم ينفسخ، فإذا قدر عليه طالبه به, وإن هرب الجَمَّال وترك الجِمَال وفيها فضلٌ بِيع ما فضل، وأنفق عليها، فإن لم يكن فيها فضل اقترض عليه, فإن أمر الحاكم المستأجر أن ينفق عليها قرضًا جاز في أصحّ القولين.
ويقبل قوله في النفقة بالمعروف، وإن لم يكن حاكم فأنفق وأشهد رجع. وقيل: لا يرجع. وإن مات أحد المتكاريين والعين المستأجرة باقية لم يبطل العقد، وإن هلكت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير عدوان لم يضمن.
وإن انقضت الإجارة لزم المستأجر ردّ العين، وعليه مؤنة الرد. وقيل: يجب ذلك على المؤجر، فإن اختلفا في الرد فالقول قول المؤجر، وإن هلك العين التي استؤجر على العمل فيها في يد الأجير؛ فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه والمستأجر مشاهد له لم يضمنه، وإن كان في غير ملك المستأجر ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يضمن، ويستحق الأجرة لما عمل في ملك المستأجر إلى أن هلكت، ولا يستحق لما عمل في غير ملكه، وإن اختلف المستأجر والأجير المشترك في ردّ العين فقد قيل: القول قول الأجير. وقيل: القول قول المستأجر.
وإن باع المكري العين من المكتري جاز، ولم تنفسخ الإجارة، بل يستوفي ما بقي بحكم العقد، وإن باع من غيره لم يصحّ في أحد القولين، ويصحّ في الآخر، ويستوفي المستأجر ما بقي، فإن لم يعلم المشتري بالإجارة ثبت له الخيار، وإن كان عبدًا فأعتقه عتق، ويلزم المولى للعبد أقلّ الأمرين من أجرته أو نفقته، وإن أجّر العين من غير مستأجر لم يجز، وإن أجّرها من المستأجر جاز في
стр. 113
أظهر القولين، وإن انقضت مدّة الإجارة وفي الأرض زرع، فإن كان بتفريط من المستأجر جاز إجباره على قلعه وتسوية الأرض، وجاز تركه بأجرة، وإن لم يكن بتفريطٍ منه فقد قيل: يجوز إجباره. وقيل: لا يجوز، وإن كانت الإجارة على عملٍ في الذمة جاز بلفظ السَّلَم، فإن عقد بلفظ السلم اعتبر فيه قبض الأجرة في المجلس، وإن عقد بلفظ الإجارة فقد قيل: يعتبر. وقيل: لا يعتبر، ولا تستقرّ الأجرة في هذه الإجارة إلا بالعمل.
ويجوز أن يعقد على عملٍ معجّل ومؤجّل.
وإن هلكت العين أو غصبت لم تنفسخ الإجارة، بل يطالب بالبذل، وإن هرب المكري اكتري عليه، فإن تعذّر ذلك ثبت للمكتري الخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن يجده، وإذا دفع إليه ثوبًا فقطعه قميصًا فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تقطعه قباء فعليك الأرش، وقال الخيّاط: بل أمرتني بقميص فعليك الأجرة؛ تحالفا على ظاهر المذهب، ولا يستحق الخياط الأجرة، وهل يلزم أرش النقص؟ فيه قولان:
باب الجعالة:
وهو أن يجعل لمن عمل له عملًا عوضًا فيقول: من بنى لي حائطًا, أو ردّ لي آبقًا فله كذا، فإذا عمل ذلك استحق الجعل، ويجوز على عمل مجهول، ولا يجوز إلا بعوض معلوم, ويجوز لهما الفسخ قبل العمل، فأمّا بعد الشروع في العمل فيجوز للعامل الرجوع فيه, ولا يجوز لصاحب العمل إلا بعد أن يضمن للعامل أجرة ما عمل، وإن اشترك جماعة في العمل اشتركوا في الجعل, وإن عمل لغيره شيئًا من ذلك من غير شرط لم يستحق عليه الجعل، فإن قال العامل: شرطت لي عوضًا فالقول قول (١) المعمول له, وإن اختلفا في قدره تحالفا، وإن أمر غسّالا بغسل ثوب ولم يُسمّ له شيئًا فغسل لم يستحق الأجرة. وقيل: يستحق.
стр. 114
باب المسابقة:
المسابقة على عوضٍ كالإجارة في أحد القولين, وتصحّ ممن تصحّ منه الإجارة، ولا يجوز فسخها بعد لزومها، ولا الزيادة فيها, ولا الامتناع من إتمامها، وحكمها في خيار الشرط وخيار المجلس حكم الإجارة، ويجوز أخذ الرهن والضمين فيها، وكالجعالة في القول الآخر، فيجوز فسخها والزيادة فيها والامتناع من إتمامها، ويفسخها متى شاء، ولا يأخذ فيها الرهن والضمين، ويجوز ذلك على الرمي بالنشاب والرماح والزانات (١) وما أشبهها من آلة الحرب، ويجوز على الخيل والإبل، وفي الحمار والبغل قولان، وفي الفيل وجهان، ويجوز على الأقدام والزبازب (٢) والطير في ظاهر المذاهب. وقيل: يجوز ذلك، وفي الصراع وجهان.
ولا تجوز المسابقة بين الجنسين؛ كالخيل والإبل، وتجوز على نوعين؛ كالعربي والبرذون, ولا تجوز إلا على فرسين معروفين، ولا تجوز إلا على مسافةٍ معلومة الابتداء والانتهاء، ولا تجوز إلا على عوضٍ معلوم، ويجوز أن يكون العوض منهما ومن غيرهما، فإن أخرج أحدهما السبق على أن من سبق أحرزه جاز، وإن أخرجا السبق على أن من سبق منهما أخذ الجميع لم يجز إلا أن يكون معهما محلل، وهو ثالث على فرس كفيء لفرسيهما لا يخرج شيئًا، فإن سبقهما أحرز سبقهما، وإن سبقاه أحرز كل واحد منهما سبقه, وإن سبق أحدهما مع المحلل أحرز السبق المتأخر، وإن سبق أحدهما أخذ السبقين، وإن أخرج الإمام من بيت المال أو أحد الرعية من ماله سبقًا بين اثنين، فشرط أنّ من سبق منهما فهو له جاز، فإن سبق أحدهما استحق, وإن جاءا معًا لم يستحقا، وإن شرط للسابق وللآخر لم يجز، وإن كانوا ثلاثة فشرط لاثنين دون الثالث أو أربعة فشرط لثلاثة دون الرابع جاز، وإن شرط للجميع وسوّى بينهم لم يجز، وإن فاضل فجعل للسابق عشرة، وللمجلي تسعة، وللمصلي
стр. 115
ثمانية؛ فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز.
وإن شرط أنه إذا سبق أحدهما أطعم السبق أصحابه لم تصح المسابقة على ظاهر المذهب. وقيل: تصح إلا أنه يسقط المسمى, ويجب عوض المثل. وقيل: تصح، ولا يستحق شيئًا.
والسبق في الخيل إن استوت أعناقها أن يسبق أحدهما بجزء من الرأس من الأذن وغيره, فإن اختلفا في طول العنق، أو كان ذلك في الإبل؛ اعتبر السبق بالكاهل، فإن مات أحد المركوبين قبل الغاية بطل العقد, وإن مات أحد الراكبين قام مقامه، فإن لم يكن له وارث استأجر الحاكم من يقوم مقامه, وإن كانت المسابقة على الرمي لم يجز إخراج السبق منهما أو من غيرهما إلا على ما ذكرناه في الخيل, ولا يجوز حتى يتعين الرماة، فإن كانوا حزبيْن لم يجز حتى يعرف كل واحد من رأس الحزبين أصحابه قبل العقد, ولا يجوز إلا ممن يحسن الرمي، فإن خرج في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر بإزائه واحد، ثم الرماة بالخيار بين فسخ العقد وبين الإمضاء.
ولا يجوز إلا على عدد من الرشق معلوم، وأن يكون عدد الإصابة معلومًا، فإن شرطا إصابة تسعة من تسعة، أو تسعة من عشرة، أو عشرة من عشرة؛ لم يجز في أصحّ القولين، وأن يكون مدى الغرض معلومًا، فإن شرط دون مائتي ذراع جاز، وفيما زاد قيل: يجوز إلى مائتين وخمسين ذراعًا. وقيل: يجوز إلى ثلاثمائة وخمسين ذراعًا، فإن شرط الرمي إلى غير غرض وأن يكون السبق لأبعدهما رميًا لم يصح، وأن يكون الغرض في نفسه معلوم الصفة، معلوم الطول والعرض والارتفاع والانخفاض في الأرض، وأن يعلم أنّ الرمي: محاطة، أو مبادرة، أو مناضلة؛ فالمحاطة: أن يحط أكثرهما إصابة من عدد الآخر، فيفضل له عدد معلوم يتفقان عليه فينضله. والمبادرة: أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبدر أحدهما إلى إصابة العشرة، فينضل صاحبه. والمناضلة: أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين على أن يستوفيا جميعا، فيرميان معًا جميع ذلك، فإن أصاب كل واحد منهما العشرة أو أكثر أو أقل أحرز أسبقهما، وإن أصاب أحدهما دون العشرة، وأصاب الآخر العشرة أو فوقها؛ فقد نضله، وأن يكون البادئ منهما معلومًا. وقيل: إن شرط ذلك وجب الوفاء، وإن لم يشرط جاز، وإن تشاحا أقرع بينهما، ويرميان سهمًا سهمًا، فإن
стр. 116
شرط أحدهما أن يرمي بجميع سهامه حملا على الشرط.
وأن تكون صفة الرمي معلومة من القرع، والخذق، والخسق، والمرق، والخرم؛ فالقرع: هو إثابة الشن. والخزق: أن يخدش الشن، ولا يثبت فيه. والخسق: أن يثبت فيه. والمرق: أن ينفذ فيه. والخرم: أن يقطع طرف الشن، ويكون بعض النصل في الشن وبعضه خارجا منه، فيحملان على ما شرطا، فإن شرطا إصابة حوالي الشن، فأصاب الشن، أو بعيدا منه؛ لم يحتسب له، وإن شرطا الخسق وفي الغرض حصاة منعت من الخسق فخزق السهم وسقط حسب له خاسقًا، وإن انقطع الوتر، أو انكسر القوس، أو استغرق في المد، فسقط، أو عرضت في يده ريح، أو هبّت ريح شديدة، فرمى فأخطأ؛ لم يحسب عليه, وإن هبّت ريح شديدة فأصاب لم يحسب له، وإن انتقل الغرض بالريح، فأصاب موضعه، والشرط هو القرع؛ حسب له, وإن كان الشرط هو الخسق فثبت السهم والموضع في صلابة الغرض حُسب له، وإن أصاب السهم الأرض فازدلف وأصاب الغرض حسب له في أحد القولين, ولم يحسب له ولا عليه في القول الآخر. وإن شرطا الرمي بالقسي العربية أو الفارسية، أو أحدهما يرمي بالعربية والآخر بالفارسية؛ حملا عليه، فإن أطلق العقد حملا على نوع واحد، وإن تلف القوس أبدل، وإن مات الرامي بطل العقد، وإن عرض عذر من مطر أو ريح أو ليل جاز قطع الرمي.
باب إحياء الموات، وتملك المباحات:
من جاز أن يملك الأموال جاز أن يملك الموات بالإحياء, ولا يجوز للكافر أن يملك بالإحياء في دار الإسلام، ويملك في دار الشرك.
وكل موات لم يجر عليه أثر ملك ولم يتعلق بمصلحة عامر جاز تملكه بالإحياء.
وما جرى عليه أثر ملك ولا يعرف له مالك؛ فإن كان في دار الإسلام لم يملك بالإحياء، وإن كان في دار الشرك فقد قيل: يملك. وقيل: لا يملك.
والإحياء: أن يهيئ الأرض لما يريد، فإن
стр. 117
كان دارًا فبأنْ يبني ويسقف، وإن كان حظيرة فبأن يحوط عليها، وينصب عليها الباب، وإن كان مزرعة فبأن يصلح ترابها، ويسوق إليها الماء، ويزرع في ظاهر المذهب. وقيل: يملك وإن لم يزرع، وإن كان بئرًا أو عينًا فبأن يحفرها حتى يصل إلى الماء، فيملك المحيا وما فيه من المعادن والشجر والكلأ وما ينبت فيه وينبع، ويملك معه ما يحتاج إليه من حريمه ومرافقة. وقيل: لا يملك الماء، والمذهب الأول، ولا يجب عليه بذل شيء من ذلك إلا الماء؛ فإنه يجب عليه بذل فضله للبهائم دون الزرع، وإن تحجر شيئًا من الموات بأن شرع في إحيائه ولم يتمم فهو أحق به، فإن نقله إلى غيره صار الثاني أحق به، وإن مات قام وارثه مقامه فيه، وإن باع لم يصحّ بيعه. وقيل: يصح، وإن لم يحيي وطالت المدة قيل له: إما أن تحيي، وإما أن تخليه لغيرك، فإن استمهل أمهل مدة قريبة، فإن لم يحيي جاز لغيره أن يحييه، وإن أقطع الإمام مواتًا صار المقطع كالمتحجر، وما بين العامر من الشوارع والرحاب ومقاعد الأسواق لا يجوز تملكها بالإحياء، ولا يجوز فيها البناء، ولا البيع، ولا الشراء، ومن سبق إلى شيء منها جاز له أن يرتفق بالقعود فيه ما لم يضرّ بالمارة، فإن قام ونقل عنه قماشه كان لغيره أن يقعد فيه، وإن طال مقامه وهناك غيره أقرع بينهما. وقيل: يقدم الإمام أحدهما، فإن أقطع الإمام شيئًا من ذلك صار المقطع أحق بالارتفاق به، وإن نقل عنه قماشه لم يكن لغيره أن يقعد فيه.
ومن حفر معدنًا باطنًا لا يتوصل إلى نيله إلا بالعمل كمعدن الذهب والفضة والحديد وغيرها فوصل إلى نيله ملك نيله، وفي المعدن قولان: أحدهما: يملكه إلى القرار. والثاني: أنه لا يملكه، فإذا انصرف كان غيره أحق به، وإن طال مقامه وهناك غيره، أو سبق اثنان إليه؛ أقرع بينهما. وقيل: يقدم الإمام أحدهما، وإن أقطع شيئًا من ذلك؛ فإن قلنا: إنه يملك المعدن بالعمل صحّ الإقطاع، وصار المقطع أحق به من غيره، وإن قلنا: لا يملك ففي الإقطاع قولان: أحدهما: لا يصح. والثاني: يصح فيما يقدر على العمل فيه.
ومن سبق إلى معدن ظاهر يتوصل إلى ما فيه بغير عمل -كالقار (١) ,
стр. 118
والنفط، والمومياء (١)، والياقوت، والبلور، والبرام (٢)، والملح، والكحل، والجص، والمدر (٣) -، أو إلى شيء من المباحات -كالصيد، والسمك، وما يؤخذ من البحر من اللؤلؤ والصدف، وما ينبت في الموات من الكلأ والحطب، وما ينبع من المياه في الموات، وما يسقط من الثلوج، وما يرميه الناس رغبة عنه, أو انتثر من الزروع والثمار وتركوه رغبة عنه، فأخذ شيئًا منه-؛ ملكه.
وإن سبق اثنان إلى ذلك, وضاق عنهما؛ فإن كانا يأخذان للتجارة قسم بينهما، وإن كانا يأخذان القليل للاستعمال فقد قيل: يقرع بينهما. وقيل: يقسم الإمام بينهما. وقيل: يقدم أحدهما.
وإن أقطع الإمام شيئًا من ذلك لم يصح إقطاعه، فإن كان من ذلك ما يلزم عليه مؤنة -بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل منه ملح- جاز أن يملك بالإحياء، وجاز للإمام إقطاعه، وإن حمى الإمام أرضًا لترعى فيها إبل الصدقة ونعم الجزية وخيل المقاتلة وأموال الحَشْرية ومال من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة (٤) ولم يضر ذلك بالناس جاز في أصح القولين، ولم يجز في الآخر، فإن زالت الحاجة جاز أن يعاد إلى ما كان. وقيل: ما حماه رسول الله ﷺ لا يجوز تغييره بحال.
باب اللقطة:
إذا وجد الحرّ الرشيد لقطة في غير الحرم في موضعٍ يأمن عليها فالأولى أن يأخذها، وإن كانت في موضعٍ لا يأمن عليها لزمه أن يأخذها، وقيل: فيه قولان في الحالين: أحدهما: يجب الأخذ. والثاني: يستحب، ثم يتعرف وعاءها وعفاصها,
стр. 119
ووكاءها وجنسها وصفتها وقدرها, ويستحب أن يشهد عليها. وقيل: يجب، فإن أراد حفظها على صاحبها لم يلزمه التعريف، وإن أراد أن يملكها عرّفها سنة على أبواب المساجد والأسواق وفي الموضع الذي وجدها فيه، ويقول: من ضاع منه شيء، أو من ضاع منه دنانير. وقيل: إن كان قليلا كفاه أن يعرّفه في الحال ثم يملكه.
وقدر القليل بالدينار، وقُدّر بالدرهم، وقدر بما لا يقطع فيه السارق، وظاهر المذهب أنه لا فرق بين القليل والكثير.
ويجوز التعريف في سنة متفرقة. وقيل: لا يجوز، والأول أظهر، فإذا عرف واختار التملك ملك. وقيل: يدخل في ملكه بالتعريف.
وإن هلك قبل أن يملك لم يضمن, وإن هلك بعد ما ملك ضمن، وإن جاء صاحبها قبل التملك أخذها مع زيادتها، وإن جاء بعد التملك أخذها مع الزيادة المتصلة دون الزيادة المنفصلة، وإن جاء من يدعيها ووصفها وغلب على ظنه صدقه جاز أن يدفع إليه، ولا يلزمه إلا ببينة.
وإن وجد اللقطة في الحرم لم يجز أن يلتقطها إلا للحفظ على ظاهر المذهب. وقيل: يجوز أن يلتقط للتملك، وإن كان الواجد عبدًا ففيه قولان: أحدهما: يجوز التقاطه، ويملكه السيد بعد الحول؛ إما بتعريفه، أو تعريف العبد. والثاني: لا يجوز، فإن تلفت في يده ضمنها في رقبته، وإن دفعها إلى السيد زال عنه الضمان، وإن كان نصفه حرًّا ونصفه عبدًا فهو كالحرّ على المنصوص، فيكون بينه وبين مولاه يعرفان ويملكان إن لم يكن بينهما مهايأة، فإن كان بينهما مهايأة فهل تدخل اللقطة فيها؟ قولان: أحدهما: أنها تدخل، فإن وجدها في يومه كانت له، وإن وجدها في يوم السيد فهي له. والثاني: لا تدخل، فتكون بينهما، وخرج فيه قول آخر أنه كالعبد، وإن كان مكاتبًا ففيه قولان: أحدهما: أنه كالحر؛ يعرف ويملك. والثاني: أنه لا يلتقط، فإذا أخذ انتزع الحاكم من يده وعرّفه، ثم يتملك المكاتب، وإن كان فاسقًا كره له أن يلتقط، فإن التقط أقرّ في يده في أحد القولين، وينتزع في الآخر، ويسلّم إلى ثقة، وهل ينفرد بالتعريف؟ فيه قولان: أحدهما: ينفرد به. والثاني: أنه يُضم إليه من يشرف عليه، فإذا عرف تملكه، وإن كان كافرًا فقد قيل: يلتقط ويملك، وهو الأصح، وقيل:
стр. 120
لا يلتقط في دار الإسلام, ولا يملك، وإن وجد جارية تحلّ له لم يجز أن يلتقطها للتملك، بل يأخذها للحفظ، وإن وجد ضالة تمتنع من صغار السباع بقوّته -كالإبل والبقر-، أو لسرعته -كالظبي-، أو بطيرانه -كالحمام-؛ فإن كان في مهلكة لم يلتقطها للتملك، فإن التقط لذلك ضمن، وإن سلّمه إلى الحاكم برئ من الضمان، وإن التقط للحفظ؛ فإن كان حاكمًا جاز, وإن كان غيره فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. وإن كان مما لا يمتنع -كالغنم وصغار الإبل والبقر- جاز التقاطه، فإذا التقطه فهو بالخيار بين أن يحفظها على صاحبها ويتبرع بالإنفاق عليها، وبين أن يعرفها سنة ثم يتملكها، وبين أن يأكلها ويغرم قيمتها إذا جاء صاحبها أو يبيعها في الحال ويحفط ثمنها على صاحبها ويعرفه سنة ثم يتملكه، فإن وجد في البلد فهو لقطة يعرفها سنة إلا أنه إذا وجدها في البلد لا يأكل, وفي الصحراء يأكل. وقيل: هو كما لو وجده في الصحراء؛ لا يأخذ الممتنع، ويأخذ غير الممتنع، إلا أنه ليس له الأكل في البلد، وله الأكل في الصحراء، وإن كان ما وجده مما لا يمكن حفظه -كالهريسة وغيرها- فهو مخيّر بين أن يأكل وبين أن يبيع، فإن أكل عزل قيمته مدة التعريف وعرف سنة ثم يتصرف فيها. وقيل: يعرف ولا يعزل القيمة.
وإذا أراد البيع دفع إلى الحاكم، وإن لم يكن الحاكم باع بنفسه وحبس ثمنه، وإن كان ما وجده يمكن إصلاحه -كالرطب-؛ فإن كان الحظّ في بيعه باعه، وإن كان في تجفيفه جفّفه.
باب اللقيط:
والتقاط المنبوذ فرض على الكفاية, فإذا وجد لقيط حكم بحريته، فإن كان معه مال متصل به أو تحت رأسه فهو له (١)، وإن كان مدفونًا تحته لم يكن له، وإن كان بقربه فقد قيل: هو له. وقيل: ليس له, وإن وجد في بلد المسلمين وفيه مسلمون، أو في بلدٍ كان لهم ثم أخذه الكفار فهو مسلم، وإن وجد في بلد فتحه المسلمون ولا مسلم فيه، أو في بلد الكفار ولا مسلم فيه؛ فهو كافر,
стр. 121
وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون فقد قيل: هو مسلم. وقيل: هو كافر.
فإن التقطه حر مسلم أمين مقيم أقرّ في يده، ويستحب أن يشهد عليه على ما معه. وقيل: يجب ذلك، فإن كان له مال كان نفقته في ماله، ولا ينفق عليه الملتقط من ماله بغير إذن الحاكم، فإن أنفق بغير إذنه ضمن، فإن أذن له الحاكم جاز. وقيل: على قولين: أصحهما: أنه يجوز.
وإن لم يكن حاكم وأنفق عليه من غير إشهاد ضمن، وإن أشهد ففيه قولان: وقيل: وجهان: أحدهما: يضمن. والثاني: لا يضمن، وإن لم يكن له مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم يكن ففيه قولان: أحدهما: يستقرض له في ذمته, والثاني: يقسط على المسلمين من غير عوض، وإن أخذه عبد أو فاسق لم يقرّ في يده، وإن أخذه كافر؛ فإن كان اللقيط محكومًا بإسلامه لم يقرّ في يده, وإن كان محكومًا بكفره أقر في يده، وإن أخذه ظاعن؛ فإن لم يختبر أمانته لم يقرّ في يده، وإن اختبر نظر؛ فإن كان ظاعنًا إلى البادية واللقيط في حضر لم يقرّ في يده، وإن كان ظاعنًا إلى بلد آخر ففيه وجهان، وإن كان اللقيط في البادية فأخذه حضري يريد حمله إلى الحضر جاز، وإن كان بدويًا؛ فإن كان له موضع راتب أقرّ في يده، وإن كان ينتقل من موضع إلى موضع فقد قيل: يقرّ. وقيل: لا يقرّ، وإن التقطه رجلان من أهل الحضانة وأحدهما موسر والآخر معسر فالموسر أولى، وإن كان أحدهما مقيمًا والآخر ظاعنًا فالمقيم أولى، وإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما، فإن ترك أحدهما حقه أقرّ في يد الآخر. وقيل: يرفع الأمر إلى الحاكم (١) حتى يقرّ في يد الآخر، وليس بشيء، وإن ادّعى كل واحد منهما أنه الملتقط؛ فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه، وإن كان في يدهما أقرع بينهما، وإن لم يكن في يد واحد منهما سلّمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما، وإن أقام أحدهما بينة حُكم له، وإن أقاما بينتين مختلفتي التاريخ قدّم أقدمهما تاريخًا، وإن كانتا متعارضتين سقطتا في أحد القولين، وصار كما لو لم تكن لهما بينة، وإن ادّعى نسبه مسلم لحق به، وتبعه في الإسلام، فإن كان هو الملتقط استحب أن يقال له: من أين هو ابنك؟ فإن ادّعاه كافر لحق به، فإن أقام البينة على ذلك تبعه الولد في الكفر، وسلّم إليه، وإن لم يقم البينة لم يتبعه في
стр. 122
الكفر ولم يسلم إليه. وقيل: إن أقام البينة جعل كافرًا قولًا واحدًا، وإن لم يقم البينة ففيه قولان، وإن ادّعت امرأة نسبه لم يقبل في ظاهر النص إلا ببينة. وقيل: يقبل. وقيل: إن كان لها زوج لم يقبل، وإن لم يكن لها قُبل, وإن ادّعاه اثنان ولأحدهما بينة قُضي له، وإن لم يكن لواحد منهما بيّنة أو لكل واحد منهما بيّنة عرض على القافة (١)، فإن كان لأحدهما يد لم تقدم بينته باليد، فإن ألحقته القافة بأحدهما لحق به، وإن ألحقته بهما، أو نفته عنهما، أو أشكل عليها، أو لم تكن قافة؛ تُرك حتى يبلغ، فينتسب إلى من تميل نفسه إليه، وإن ادّعى رجل رقّه لم يقبل إلا ببينة تشهد بأنّ أمته ولدته، وفيه قول آخر: أنه لا يقبل حتى يشهد بأن أمته ولدته في ملكه، وإن قتل اللقيط عمدًا فللإمام أن يقتص من القاتل إن رأى ذلك، وله أن يأخذ الدية إن رأى ذلك، وإن قطع طرفه عمدًا وهو موسر انتظر حتى يبلغ وإن كان فقيرًا، فإن كان معتوهًا كان للإمام أن يعفو على مال يأخذه وينفقه عليه، وإن كان عاقلًا انتظر حتى يبلغ، وإن بلغ فقذفه رجل وادّعى أنه عبد وقال اللقيط: بل أنا حر ففيه قولان: أصحهما: أنّ القول قول القاذف، وإن جنى عليه حر فقال: أنت عبد، وقال: بل أنا حرّ؛ فالقول قول اللقيط، فيحلف ويقتص منه. وقيل: فيه قولان كالقذف، وإن بلغ اللقيط ووصف الكفر؛ فإن كان حكم بإسلامه تبعًا لأبيه فالمنصوص أنه لا يقرّ عليه، وخرج فيه قول آخر أنه يقر عليه، وإن حكم بإسلامه بالدار ثم بلغ ووصف الكفر فالمنصوص أن يقال له: لا نقبل منك إلا الإسلام ويفزعه، فإن أقام على الكفر قبل منه، وخرج فيه قول آخر: أنه كالمحكوم بإسلامه بأبيه، وإن بلغ وسكت فقتله مسلم فقد قيل: لا قود عليه. وقيل: يجب. وقيل: إن حكم بإسلامه بأبيه فعليه القود. وإن حكم بإسلامه بالدار فلا قود (٢) عليه، وإن بلغ وباع واشترى ونكح وطلق وجنى وجُني عليه ثم أقر بالرق فقد قيل: فيه قولان: أحدهما: إقراره. والثاني: لا يقبل. وقيل: يقبل إقراره قولًا واحدًا، وفي حكمه قولان: أحدهما: يقبل في جميع الأحكام. والثاني: يفصل، فيقبل فيما عليه، ولا يقبل فيما له.
стр. 123
باب الوقف:
والوقف قربة مندوب إليه.
ولا يصح إلا ممن يجوز تصرفه في ماله، ولايصح إلا في عين معينة، فإن وقف شيئًا في الذمة -بأن قال: وقفت فرسًا أو عبدًّا- لم يصح.
ولا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام؛ كالعقار، والحيوان، والأثاث، فإن وقف مالًا ينتفع به مع بقائه -كالأثمان، والطعام-، أو مالًا ينتفع به على الدوام -كالمشموم- لم يجز.
ولا يجوز إلا على معروف وبرّ؛ كالوقف على الأقارب والفقراء والقناطر وسبل الخير، فإن وقف على قاطع الطريق، أو على حربي، أو مرتد؛ لم يجز، وإن وقف على ذمي جاز، ولا يجوز أن يقف على نفسه، ولا على مجهول؛ كرجل غير معين، ولا على من لا يملك الغلّة؛ كالعبد والحمل، فإن وقف على من يجوز ثم على من لا يجوز بطل في أحد القولين، وصحّ في الآخر، ويرجع إلى أقرب الناس إلى الواقف، وهل يختص به فقراءهم، أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان. وقيل: يختص به الفقراء قولًا واحدًا، فإن وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فقد قيل: يبطل قولًا واحدًا. وقيل: فيه قولان: أحدهما: يبطل. والثاني: يصحّ، فإن كان ممن لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه -كالمجهول- صرف الغلة إلى من يصحّ، وإن كان ممن يمكن اعتبار انقراضه -كالعبد- فقد قيل: يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه. وقيل: لا يصرف إليه إلى أن ينقرض. وقيل: يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض ثم يصرف إلى من يجوز الوقف عليه، وإن وقف على رجل بعينه ثم على الفقراء فرد الرجل بطل في حقه، وفي حق الفقراء قولان؛ فإن وقف وسكت عن السبل (١) بطل في أحد القولين، ويصح في الآخر؛ فيصرف إلى أقرب
стр. 124
الناس إلى الواقف، ولا يصح الوقف إلا بالقول, وألفاظه: وقفت، وحبّست، وسبّلت، وفي قوله: حرّمت، وأبدّت وجهان، وإن قال تصدقت لم يصح الوقف حتى ينويه أو يقرن به ما يدل عليه؛ كقوله: صدقة محرمة، أو مؤبدة، أو صدقة لا تباع، وما أشبهها.
وإذا صح الوقف لزم، فإن شرط فيه الخيار أو شرط أن يبيعه متى شاء بطل، ولا يجوز أن يعلّق ابتداءه على شرط، فإن علّقه على شرط بطل، وإن علّق انتهاءه -بأن قال: وقفت هذا إلى سنة- بطل في أحد القولين، ويصح في الآخر، ويصرف بعد السنة إلى أقرب الناس إلى الواقف، وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب؛ فقد قيل: ينتقل إلى الله تعالى, وقيل: إلى الموقوف عليه. وقيل: فيه قولان.
ويملك الموقوف عليه غلة الوقف ومنفعته وصوفه ولبنه، فإن كان جارية لم يملك وطئها، وفي التزويج أوجه: أحدها: لا يجوز بحال. والثاني يجوز للموقوف عليه. والثالث: يجوز للحاكم، فإن وطئت أخذ الموقوف عليه المهر، وإن أتت بولد فقد قيل: يملكه الموقوف عليه ملكا يملك التصرف فيه بالبيع وغيره, وقيل: هو وقف كالأم، وإن أتلف اشترى بقيمته ما يقوم مقامه. وقيل: إن قلنا: إنه للموقوف عليه فهي له، وإن قلنا: إنه لله تعالى اشترى بها ما يقوم مقامه، وإن جنى خطأ وقلنا: هو له؛ فالإرش عليه، وإن قلنا: لله تعالى؛ فقد قيل: في ملك الواقف. وقيل: في بيت المال. وقيل: في كسبه، وينظر في الوقف من شرطه الواقف؛ فإن شرط النظر لنفسه جاز، وإن لم يشرط نظر فيه الموقوف عليه في أحد القولين، والحاكم في القول الآخر.
ولا يتصرف الناظر فيه إلا على وجه النظر والاحتياط، فإن احتاج إلى نفقة أنفق عليه من حيث شرط الواقف، فإن لم يشرط أنفق عليه من الغلة، ويصرف الباقي إلى الموقوف عليه.
والمستحب أن لا يؤجر الوقف أكثر من ثلاث سنين، فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة انفسخت الإجارة. وقيل: لا تنفسخ، ويصرف أجرة ما مضى إلى البطن الأول، وما بقي إلى البطن الثاني، ويصرف الغلة على شرط الواقف والتقديم والتأخير والجمع والترتيب وإخراج من شاء بصفة واحدة وإدخاله بصفة، فإن وقف على الفقراء جاز أن يصرف إلى ثلاثة منهم، وإن وقف
стр. 125
على قبيلة كثيرة بطل الوقف في أحد القولين، وصح في الآخر، ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم، وإن وقف على مواليه له موال من أعلى وموال من أسفل فقد قيل: يبطل. وقيل: يصحّ ويصرف إلى الموالي من أعلى. وقيل: يقسم بينهما، وهو الأصح، وإن وقف على زيد وعمرو وبكر ثم على الفقراء فمات زيد صرف الغلة إلى من بقي من أهل الوقف، فإذا انقرضوا صرفت إلى الفقراء.
باب الهبة:
الهبة مندب إليها، وللأقارب أفضل.
ويستحب لمن وهب لأولاده أن يسوّي بينهم.
ولا تصح إلا من جائز التصرف في ماله غير محجور عليه.
ولا يجوز هبة المجهول, ولا هبة ما لا يقدر على تسليمه، وما لا يتم ملكه عليه؛ كالمبيع قبل القبض، ولا يجوز تعليقه على شرط مستقبل, ولا بشرط ينافي مقتضاه، فإن قال: أعمرتك هذه الدار وجعلتها لك حياتك ولعقبك من بعدك صحّ, وإن لم يذكر العقب صحّ أيضًا، وتكون له في حياته ولعقبه من بعد موته. وقيل: فيه قول آخر: أنه باطل. وفيه قول آخر: أنه يصح، ويكون للمعمر في حياته، فإذا مات رجع إلى المعمر، أو إلى ورثته إن كان قد مات, وإن قال: جعلتها لك حياتك، فإذا مت رجعت إليّ بطل في أحد الوجهين، ويصح في الآخر، ويرجع إليه بعد موته, وإن قال: أرقبتك هذه الدار؛ فإن مت قبلي عادت إليّ، وإن متّ قبلك استقرت لك صحّ، ويكون حكمه حكم العمرى.
ولا يصح شيء من الهبات إلا بالإيجاب والقبول، ولا يملك المال فيه إلا بالقبض، ولا يصح القبض إلا بإذن الواهب، فإن وهب منه شيئًا في يده أو رهنه عنده لم يصح القبض حتى يأذن فيه, ويمضي زمان يتأتّى فيه القبض. وقيل: في الرهن لا يصح إلا بالإذن، وفي الهبة يصح من غير إذن. وقيل: فيهما قولان.
وإن مات الواهب قبل القبض قام الوارث مقامه؛ إن شاء أقبض، وإن شاء لم يقبض. وقيل: ينفسخ العقد، وليس بشيء.
وإن وهب الأب أو الأم أو أبوهما أوجدهما شيئًا للولد وأقبضه إياه جاز له أن يرجع فيه، وإن تصدّق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع. وقيل: لا يرجع، فإن زاد
стр. 126
الموهوب زيادة مميزة -كالولد والثمرة- رجع فيه دون الزيادة، وإن أفلس الموهوب له وحجر قيل: يرجع. وقيل: لا يرجع.
وإن كاتب الموهوب أو رهنه لم يرجع فيه حتى تنفسخ الكتابة وينفك الرهن، وإن باعه أو وهبه لم يرجع في الحال. وقيل: إن وهب ممن يملك الواهب الرجوع في هبته جاز له أن يرجع عليه، فإن عاد المبيع أو الموهوب فقد قيل: لا يرجع. وقيل: يرجع.
وإن وطأ الواهب الجارية الموهوبة كان ذلك رجوعًا. وقيل: لا يكون رجوعًا.
ومن وهب شيئًا ممن هو أعلى منه ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه الثواب. والثاني: يلزمه, وفي قدر الثواب أقوال: أحدها: يثيبه إلى أن يرضى. والثاني: يلزمه قدر الموهوب. والثالث: يلزمه ما يكون ثوابًا لمثله في العادة، فإن لم يثبه ثبت للواهب الرجوع. وإن قلنا: لا يلزمه الثواب؛ فشرط ثوابا مجهولًا بطل, وإن شرط ثوابًا معلومًا ففيه قولان، وإن قلنا: يلزمه الثواب؛ فشرط ثوابًا مجهولًا جاز، وإن شرط ثوابًا معلومًا ففيه قولان: أحدهما: أنه يبطل، ويكون حكمه حكم البيع الباطل. والثاني: أنه يصح، ويكون حكمه حكم البيع الصحيح.
باب الوصية:
من جاز تصرفه في ماله جازت وصيته، ومن لا يجوز تصرفه -كالمعتوه والمبرسم (١) - لا يصح وصيته، وفي الصبي المميز والمبذّر قولان.
ولا تصح الوصية إلا إلى حرّ مسلم بالغ عاقل عدل، فإن وصى إليه وهو على غير هذه الصفات فصار عند الموت على هذه الصفات جاز. وقيل: لا يجوز، وإن وصى إلى أعمى فقد قيل: تصح. وقيل: لا تصح.
ويجوز أن يوصي إلى نفسين؛ فإن أشرك بينهما في النظر لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، وإن وصى إليه في شيء لم يصر وصيًّا في غيره.
وللوصي أن يوكل فيما لا يتولى مثله بنفسه، وليس له أن يوصي، فإن جعل إليه أن يوصي ففيه قولان، وإن وصى إلى رجل ثم بعده إلى آخر جاز، ولا تتم الوصية إليه إلا بالقبول، وله أن يقبل في الحال، وله أن يقبل
стр. 127
في الثاني.
وللموصي أن يعزله متى شاء، وللوصي أن يعزل نفسه متى شاء.
ولا يجوز الوصية إلا في معروف؛ من قضاء دين، وأداء حج، والنظر في أمر الصغار، وتفرقة الثلث، وما أشبه ذلك، فإن وصى بمعصية -كبناء كنيسة، أو كتب التوراة-، أو بما لا قربة فيه -كالبيع من غير محاباة-؛ لم تصحّ, وإن وصى لوارث عند الموت لم تصح الوصية في أحد القولين, وتصح في الآخر، ويقف على الإجازة، وهو الأصح.
وإن وصى للقاتل بطلت الوصية في أحد القولين، وصحّت في الآخر, وهو الأصح.
وإن وصى لحربي فقد قيل: تصح. وقيل: لا تصح.
وإن وصى لقبيلة كثيرة أو لمواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل فعلى ما ذكرناه في الوقف.
وإن وصى لما تحمل هذه المرأة فقد قيل: تصح. وقيل: لا تصح.
ويستحق الوصية بالموت إن كانت لغير معين، وإن كانت لمعين ففيه أقوال: أحدها: يملكه بالموت. والثاني: بالموت والقبرل. والثالث -وهو الأصح-: أنه موقوف، فإن قبل حكم له بالملك من حين الموت، وإن رد حكم بأنها ملك الوارث، وإن لم يقبل ولم يرد وطالب الورثة خيّره الحاكم بين القبول والرد، فإن لم يفعل حكم عليه بالإبطال، وإن قبل الوصية وقبض ثم ردّ لم يصح الرد، وإن رد بعد القبول وقبل القبض فقد قيل: يبطل. وقيل: لا يبطل، والأول أصحّ.
وإن مات الموصى له قبل الموصي بطلت الوصية، وإن مات بعد موته قام وارثه مقامه في القبول والرد.
وتجوز الوصية بثلث المال، وإن كان ورثته أغنياء استحب أن يستوفي الثلث، وإن كانوا فقراء استحب أن لا يستوفي في الثلث، فإن أوصى بأكثر من الثلث ولا وارث له بطلت الوصية فيما زاد على الثلث، وإن كان له وارث ففيه قولان: أحدهما: تبطل الوصية. والثاني: تصح وتقف على إجازة الوارث، فإن أجاز صح، وإن رد بطل، ولا يصح الرد والإجازة إلا بعد الموت، فإن أجاز ثم قال: أجزت لأني ظننت أن المال قليل وقد بان خلافه فالقول قوله مع يمينه أنه لم يعلم، وإن قال: ظننت أن المال قليل وقد بان خلافه فالقول قوله مع يمينه أنه لم يعلم، وإن قال: ظننت أن المال كثير وقد بان خلافه ففيه قولان أحدهما: يقبل. والثاني: لا يقبل.
وما وصى به من التبرعات يعتبر من الثلث سواء وصى به في الصحة أو المرض.
وما وصى به من الواجبات إن قُيّد بالثلث اعتبر من
стр. 128
الثلث، وإن أطلق فالأظهر أنه لا يعتبر من الثلث. وقيل: يعتبر. وقيل: إن كان قد قرن بما يعتبر من الثلث، وإن لم يقرن بذلك لم يعتبر، وما تبرّع به في حياته -كالهبة, والعتق، والوقف، والمحاباة، والكتابة، وصدقات التطوع-؛ إن كان قد فعله في الصحة لم يعتبر من الثلث، وإن كان فعله في مرض مخوف -كالبرسام، والرعاف (١) الدائم، والزحير (٢) المتواتر، وطلق الحامل، وما أشبه ذلك- واتصل بالموت؛ اعتبر من الثلث, وإن فعله في حال التحام الحرب، أو تموج البحر, أو التقديم للقتل ففيه قولان: أحدهما: يعتبر من الثلث. والثاني: لا يعتبر.
وإن وصى بخدمة عبد اعتبرت قيمته من الثلث على المنصوص. وقيل: يعتبر المنفعة من الثلث، فإذا عجز الثلث عن التبرعات المنجزة في حال المرض بدئ بالأول فالأول، فإن وقعت دفعة واحدة أو وصى وصايا متفرقة أو دفعة واحدة؛ فإن لم يكن عتقا ولا معها عتق قسم الثلث بين الجميع، وإن كان فيها عتق وغير عتق ففيه قولان: أحدهما: يقدّم العتق. والثاني: يسوي بين الكل، فإن كان الجميع عتقا ولم تجز الورثة جزؤا ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فيكتب ثلاث رقاع في كل رقعة اسم، ويترك في ثلاث بنادق طين متساوية، وتوضع في جحر رجل لم يحضر ذلك، ويؤمر بإخراج واحد منها على الحرية، فيعتق من خرج اسمه، ويرق الباقون، وإن كان له مال حاضر ومال غائب، أو عين ودين؛ دفع إلى الموصى له ثلث الحاضر وثلث العين، وإلى الورثة من ذلك ثلثاه، وكلما نض من الدين شيء، أو حضر من العائب بشيء؛ قسم بين الورثة وبين الموصى له.
وإن وصى بثلث عبد فاستحق ثلثاه؛ فإن احتمل ثلث المال الباقي نفذت الوصية، وإن لم يحتمل نفذت في القدر الذي يحتمل. وقيل: لا تصح الوصية إلا في ثلثه، وليس بشيء. وتجوز الوصية بالمعدوم؛ كالوصية بما تحمله الشجرة، أو الجارية، وبالمجهول؛ كالوصية بالأعيان الغائبة، وبما لا يقدر على تسليمه؛ كالطير
стр. 129
الطائر والعبد الآبق، وما لا يملكه؛ كالوصية بألف درهم لا يملكه. وقيل: إن لم يملك شيئًا أصلا لم تصح، وليس بشيء. ويجوز تعليقها على شرط في الحياة وعلى شرط بعد الموت، ويجوز بالمنافع والأعيان، وما يجوز الانتفاع به من النجاسات؛ كالسماد والسرجين والكلب والزيت النجس, ولا يجوز بما لا يجوز الانتفاع به؛ كالخمر والخنزير.
وإن أوصى لأقارب فلان دفع إلى من يعرف بقرابته، ويسوى بين الأقرب والأبعد منهم، وإن وصى لأقرب الناس إليه لم يدفع إلى الأبعد مع وجود الأقرب، فإن اجتمع الأب والابن قدم الابن في أحد القولين، وسوى بينهما في الآخر, وإن اجتمع الجد والأخ قدّم الأخ في أحد القولين، وسوّى بينهما في الآخر.
وإن وصى لجيرانه صرف إلى أربعين دارًا من كل جانب.
وإن أوصى لفقراء بلد استحب أن يعمهم، فإن اقتصر على ثلاثة منهم جاز، وإن أوصى بالثلث لزيد وللفقراء فهو كأحدهم. وقيل: يدفع إليه نصف الثلث.
وإن أوصى لحمل هذه المرأة دفع إلى من يعلم أنه كان موسرًا عند الوصية.
وإن وصى للرقاب إلى المكاتبين، أو إن أوصى لسبيل الله؛ صرف إلى الغزاة من أهل الصدقات، وإن وصى لعبد وقبل دفع إلى سيده، وإن وصى بعتق عبد أعتق عنه ما يقع عليه الاسم. وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة, وإن قال: أعطوه رأسًا من رقيقي ولا رقيق له عند الموت بطلت الوصية، وإن قال: أعطوه عبدًا من مالي اشتري ودفع إليه، وإن قال: أعطوه رأسًا من رقيق فماتوا كلهم أو قتلوا إلا واحدًا تعينت فيه الوصية, وإن قتلوا كلهم دفعت إليه قيمة أحدهم، وإن وصى له برقبة عبد دون منفعته أعطى الرقبة، فإن أراد عتقها جاز، وإن أراد بيعها لم يجز. وقيل: يجوز. وقيل: إن أراد بيعها من مالك المنفعة جاز، وإن أراد بيعها من غيره لم يجز، وفي نفقته وجهان: أحدهما: على الموصى له بالرقبة. والثاني: أنه على مالك المنفعة.
فإن قتل العبد اشترى بقيمته عبد يقوم مقامه. وقيل: قيمته للموصى له بالرقبة، وإن قال: أعطوه ثورًا لم يعط بقرة، وإن قال: أعطوه جملًا لم يعط ناقة على المنصوص. وقيل: يعطى، وإن قال: أعطوه دابة دفع إليه فرس أو بغل أو حمار على المنصوص. وقيل: إن قال هذا في غير مصر لم
стр. 130
يدفع إليه إلا فرس، وإن قال: أعطوه كلبًا من كلابي وله ثلاثة أكلب دفع إليه واحد, وإن كان له كلب دفع إليه ثلثه، وإن قال: أعطوه كلبًا ولا كلب له بطلت الوصية, وإن قال: أعطوه طبلًا أو عودًا أو مزمارًا؛ فإن كان ما يصلح منه للهو ويصلح لمنفعة مباحة دفع إليه, وإن قال: أعطوه قوسًا دفع إليه قوس ندف أو قوس رمي إلا ما يقرن به ما يدل على أحدهما فيحمل عليه, وإن وصى بأن يحج عنه؛ فإن كان ذلك من رأس المال حج عنه من الميقات، وإن كان من الثلث فقد قيل: يحج عنه من الميقات. وقيل: إن كان قد صرّح بأنه من الثلث حج من بلده، وإن لم يصرّح حجّ من الميقات، وإن قال: اعطوه جزءًا من مالي أو سهمًا من مالي أعطي أقل جزء، وإن قال: أعطوه مثل نصيب أحد وراثي أعطي مثل نصيب أقلهم, وإن قال: أعطوه مثل نصيب ابني ولا وارث له غيره كانت الوصية بالنصف، وإن قال: أعطوه ضعف نصيب ابني كانت الوصية بالثلثين, وإن قال: ضعفي نصيب ابني كانت الوصية بثلاثة أرباعه, وإن قال: أعطوه نصيب ابني فالوصية باطلة. وقيل: هو كما لو قال: مثل نصيب ابني، وإن وصى لرجل بالنصف وللآخر بالثلث, وأجاز الورثة؛ أخذ كل منهما وصيته، وإن لم يجيزوا كما كان للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم من خمسة وللآخر سهمان من الثلث, وإن وصى بشيء رجع في وصيته صح الرجوع، وإن وصى لزيد بجميع ماله أو بثلثه أو بعبد ثم وصى بذلك لعمرو سوى بينهما، وإن قال: وصيت لعمرو بما وصيت به لزيد جعل ذلك رجوعًا عن وصية زيد، وإن وصى لرجل بشيء ثم أزال الملك فيه ببيع، أوهبة، أو عرضه لزوال الملك -بأن دبّره, أو كاتبه-، أو عرضه على البيع، أو وصى ببيعه؛ كان ذلك رجوعًا، وإن وصّى به ثم رهنه فقد قيل: هو رجوع. وقيل: ليس برجوع، وإن آجره أو كانت جارية فزوجها لم يكن رجوعا, وإن وصى بشيء ثم أزال اسمه -بأن كان قمحًا فطحنه، أو دقيقًا فعجنه، أو عجينًا فخبزه- كان ذلك رجوعًا, وإن كان غزلا فنسجه، أو نقرة فضربها دراهم، أو ساجًا فجعله بابًا؛ فقد قيل: هو رجوع. وقيل: ليس برجوع، وإن وصى بدار فانهدمت وبقيت عرصتها فقد قيل: تبطل الوصية. وقيل: لا
стр. 131
تبطل، وإن كان طعامًا بعينه فخلطه بغيره كان رجوعًا، وإن كان قفيزًا من صبرة فخلطه بأجود منه كان رجوعًا، وإن خلطه بمثله أو بما هو دونه لم يكن رجوعًا.
باب العتق:
العتق قربة مندوبٌ إليه.
ولا يصحّ إلا من مطلقِ التصرف في ماله.
ويصحّ بالصريح والكناية.
وصريحه: العتق، والحرية. والكناية: قوله: لا ملك لي عليك، ولا سلطان لي عليك, ولا سبيل لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق، وأنت حرام، وحبلُك على غاربك، وما أشبه ذلك. وفي قوله: فككتُ رقبتك وجهان: أحدهما: أنه صريح. والثاني: أنه كناية.
ويقع العتق بالصريح من غير نية, ولا يقع بالكناية إلا بالنية.
ويجوز أن يعلّق العتق على الأخطار والصفات كمجيء الأمطار، وهبوب الرياح، وغير ذلك من الصفات، وإذا علّق العتق على صفةٍ لم يملك الرجوع فيها بالقول، ويملك بالتصرف بالبيع وغيره، فإن باعه ثم اشتراه لم تعد الصفة، وإن علّق العتق على صفةٍ مطلقة فمات السيد بطلت الصفة، وإن أتت الجارية التي علّق عتقها على صفةٍ بولدٍ تبعها الولد في أحد القولين، ولا يتبعها في الآخر، وهو الأصحّ.
ويجوز العتق في العبد وفي بعضه، فإن أعتق بعض عبده عُتق جميعه، وإن أعتق شِرْكًا له في عبدٍ؛ فإن كان معسرًا عُتق نصيبه ورقّ الباقي، وإن كان موسرًا قوّم عليه نصيب شريكه يوم العتق، ومتى يعتق حصة الشريك؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يُعتق في الحال، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول المعتق. والثاني: يُعتق بدفع القيمة، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول الشريك. والثالث: أنه موقوف، فإن دفع القيمة حكمنا بأنه عتق في الحال، وإن لم يدفع حكمنا بأنه لم يعتق، وإن كان المعتق موسرًا ببعض القيمة
стр. 132
عتق منه بقدره, وإن قال لغيره: أعتق عبدك عني فأعتقه عنه دخل في ملك السائل, وعتق عليه، وإن أعتق أحدٌ عبديْه أو إحدى أمتيه عيّن العتق فيمن شاء، فإن مات قام وارثه مقامه. وقيل: لا يقوم، وليس بشيء، فإن وطئ إحدى الأمتين كان ذلك تعيينًا للعتق في الأخرى. وقيل: لا يكون تعيينًا، وإن أعتق أحدهما بعينه ثم أشكل ترك حتى يتذكر، فإن مات قام الوارث مقامه، فإن قال الوارث: لا أعرف أقرع بينهما في أحد القولين، فمن خرجت عليه القرعة عتق، ووقف الأمر في القول الآخر، ومن ملك أحدًا من الوالدين وإن علوا، أو من المولودين وإن سفلوا؛ عتق عليه، فإن ملك بعضه؛ فإن كان برضاه وهو موسر قُوّم عليه الباقي وعتق، وإن كان بغير رضاه لم يُقوّم عليه، ومن وجد من يعتق عليه مملوكًا استحبّ له أن يتملكه ليعتق عليه، وإن أوصى لمولى عليه بمن يعتق عليه وإن كان معسرًا لزم الناظر في أمره أن يقبله، وإن كان موسرًا؛ فإن كان ممن لا تلزمه نفقته وجب قبوله، وإن كان ممن تلزمه نفقته لم يجب قبوله، وإن وصّى له ببعضه وهو معسر لزمه قبوله، فإن كان موسرًا وهو ممن تلزمه نفقته لم يجز القبول، وإن لم تلزمه نفقته ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز القبول. والثاني: يلزمه، ولكن لا يقوم عليه.
باب التدبير:
التدبير قربة، يُعتبر من الثلث.
يصحّ من كل من يجوز تصرفه، وفي الصبى المميز والمبذّر قولان: أحدهما: يصحّ تدبيره. والثاني: لا يصحّ.
والتدبير أن يقول: أنت حرٌّ بعد موتي، أو إن مت من مرضي هذا, أو في هذا البلد فأنت حرٌّ، فإن قال: دبّرتك، أو أنت مدبّر؛ ففيه قولان.
ويجوز أن يُعلّق التدبير على صفة؛ بأن يقول: إن دخلت الدار فأنت حرٌّ بعد موتي، ويجوز في بعض العبد, فإن دبّر البعض لم يسر إلى الباقي، وإن دبّر شركًا له في عبدٍ لم يقوّم عليه على ظاهر المذهب. وقيل: يقوّم عليه، وإن كان عبد بين اثنين فدبّراه ثم أعتق أحدهما
стр. 133
نصيبَه لم يقوّم عليه نصيب شريكه في أصحّ القولين, ويقوّم في الآخر.
ويجوز الرجوع في التدبير بالتصرف بالبيع وغيره، وهل يجوز بالقول؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يجوز، فإن وهبه ولم يقبضه بطل التدبير. وقيل: لا يبطل.
وإن دبّر جارية ثم أحبلها بطل التدبير, وإن كاتب عبدًا ثم دبّره صحّ التدبير، فإن أدّى المال عتق، وبطل التدبير، وإن لم يؤدّ حتى مات السيد عتق وبطلت الكتابة، فإن لم يحتمل الثلث جميعه عتق الثلث، وبقي ما زاد على الكتابة، وإن دبّر عبدًا ثم كاتبه بطل التدبير في أحد القولين، ولم يبطل في الآخر، ويكون مدبَّرًا مكاتبًا، فإن أتت المدبرة بولدٍ من نكاحٍ أو زنى لم يتبعها في أصح القولين، ويتبعها في الآخر، وإن دبّر الكافر عبده الكافر فأسلم العبد؛ فإن رجع في التدبير بيع عليه، وإن لم يرجع لم يقرّ في يده، فإن خارجه جاز، وإن لم يخارجه سلّم إلى عدل، وينفق عليه إلى أن يرجع عن التدبير فيباع أو يموت فيعتق.
باب الكتابة:
الكتابة قُربة، تعتبر في الصحة من رأس المال, ومن الثلث في المرض.
ولا يجوز إلا من جائز التصرف في ماله، ولا يجوز أن يكاتب إلا عبدًا بالغًا عاقلًا.
ولا يستحب إلا لمن عرف كسبه وأمانته.
ولا يجوز إلا على عوضٍ في الذمة معلوم الصفة.
ولا يجوز على أقل من نجمين (١) يعلم ما يؤدي في كل نجم، فإن كاتبه على عملٍ ومالٍ قدّم العمل على المال، وجعل المال في نجمٍ بعده، وإن كاتبه على عملين ولم يذكر مالًا لم يجز.
ولا يصحّ حتى يقول: كاتبتك على كذا، فإن أديت فأنت حرٌّ.
ولا تصحّ إلا بالقبول.
ولا يجوز عقدها على صفةٍ مستقبلة، ولا على شرط
стр. 134
خيار.
ولا يجوز على بعضِ عبد إلا أن يكون باقيه حرًّا, وإن كان عبدٌ بين اثنين فكاتبه أحدهما في نصيبه بغير إذن شريكه لم يجز، وإن كان بإذنه ففيه قولان, وإن كاتباه لم يجز إلا على مالٍ بينهما على قدر الملكين، وعلى نجومٍ واحدة. وللمكاتب أن يفسخ العقد متى شاء, وليس للسيد أن يفسخ إلا أن يعجز العبد المكاتب عن الأداء.
وإن مات العبد انفسخت الكتابة, وإن مات السيد لم تنفسخ.
وعلى السيد أن يحطّ عن المكاتب بعض ما عليه، فإن لم يفعل حتى قبض المال ردّ عليه بعضه.
ولا يعتق المكاتب ولا شيء منه ما بقي عليه درهم.
فإن كان عبدٌ بين اثنين فكاتباه وأبرأه أحدهما عن حقه, أو مات فأبرأه أحد الوارثين عن حقه؛ عتق نصيبه، وقوّم عليه نصيب شريكه في أحد القولين, ولا يقوّم في الآخر.
ويملك المكاتب بالعقد منافعه وأكسابه، وله أن يبيع ويشتري ويستأجر ويكري، وهو مع السيد كالأجنبي مع الأجنبى في البيع والشراء والأخذ بالشفعة وبذل المنافع، وله أن يسافر في أحد القولين دون الآخر, ولا يتزوّج إلا بإذن المولى، ولا يحابي، ولا يهب، ولا يعتق، ولا يكاتب، ولا يضارب، ولا يرهن, ولا يكفر بالطعام والكسوة، ولا ينفق على أقاربه غير ولده من أمته، ولا يشتري من يعتق عليه، فإن أذن له السيد في شيء من ذلك ففيه قولان, وإن وصى له بمن يعتق عليه وله كسب يفي بنفقته جاز أن يقبل ويقف عتقه على عتقه، وإن أحبل جاريته فالولد مملوك يعتق بعتقه، وفي الجارية قولان: أحدهما: أنها تصير أم ولد له. والثاني: لا تصير, وإن أتت المكاتبة بولدٍ من نكاح أو زنى ففيه قولان: أحدهما: أنه ملك للمولى يتصرف فيه. والثاني: أنه موقوف على عتق الأم.
ولا يجوز للمولى بيع المكاتب في أصح القولين، ولا بيع ما في ذمته في أصح القولين, ويجوز أن يوصي بما في ذمته، فإن عجز عن أداء المال إلى الموصى له كان للورثة فسخ الكتابة.
وإن كاتب أمة لم يملك تزويجها إلا بإذنها، ولا يجوز له وطؤها، فإن وطئها لزمه المهر, وإن أحبلها صارت أم ولد له، فإن أدّت المال عتقت وصحبها كسبها، وإن مات السيد قبل أن تؤدي عتقت بالاستيلاء, وعاد الكسب إلى السيد، وإن حبس المكاتب مدّة لزمه أجرة المثل في
стр. 135
أحد القولين، وتخليته مثل تلك المدة في القول الآخر.
وإن جنى عليه لزمه أرش الجناية، وإن جنى المكاتب عليه جناية خطأ فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية في أحد القولين، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر، فإن لم يفد نفسه كان للمولى أن يعجزه، وإن جنى على أجنبي فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية، فإن لم يفد بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة.
وإن كاتبه على عوضٍ محرّمٍ أو شرطٍ فاسدٍ فسدت الكتابة، وبقيت الصفة، وللسيد فسخها، فإن دفع المال قبل الفسخ إلى الوكيل أو الوارث لم يعتق، وإن دفعه إلى المالك عتق، ورجع المولى عليه بالقيمة، ورجع هو على المولى بما دفع، فإن كانا من جنسٍ واحدٍ سقط أحدهما بالآخر في أحد الأقوال، ولا يسقط في الثاني، ولا يسقط في الثالث إلا برضا أحدهما، ولا يسقط في الرابع إلا برضاهما.
وإن وصى بالمكاتب وهو لا يعلم بفساد الكتابة ففيه قولان: أحدهما: يصح. والثاني: لا يصح.
وإن أسلم عبدٌ لكافر أمر بإزالة الملك فيه، فإن كاتبه ففيه قولان: أحدهما: يجوز. والثاني: لا يجوز.
باب عتق أم الولد:
إذا وطئ جاريته أو جاريةً يملك بعضها فأولدها فالولد حرٌّ، والجارية أم ولد له, وإن أولد جارية ابنه فالولد حرٌّ وفي الجارية قولان: أصحهما: أنها أم ولد له. وإن أولد جارية أجنبي بنكاح أو زنى فالولد مملوك لصاحب الجارية، ولا تصير الجارية أم ولد له. وإن أولد جارية أجنبي بشبهة فالولد حرّ، والجارية ليست بأم ولدٍ له في الحال، فإن ملكها ففيه قولان: أحدهما: أنها تصير أم ولد له. والثاني: لا تصير.
وإن وطئ جاريته فوضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي فيشهد أربع من القوابل أنه لو ترك لكان آدميًّا ففيه قولان: أحدهما: أنها تصير أمّ ولد. والثاني: أنها لا تصير.
ولا يجوز بيعُ أم ولد، ولا هبتها، ولا الوصية بها. ويجوز استخدامها وإجارتها. ويجوز وطئها. وفي تزويجها ثلاثة أقوال: أصحها:
стр. 136
أنه يجوز له (١). والثاني: لا يجوز. والثالث: يجوز له برضاها.
وتُعتق أم الولد بموت السيد من رأس المال، فإن جنت أم الولد فداها المولى بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش الجناية، فإن فداها بقيمتها ثم جنت جناية أخرى ففيه قولان: أحدهما: يفديها في الثانية أيضًا بأقل الأمرين. والثاني: أنه يشارك المجني عليه ثانيًا المجني عليه أولًا فيما أخذ، ويشتركان فيه على قدر الجنايتين، وإن أسلمت أم ولد نصراني حيل بينه وبينها، وأنفق عليها إلى أن يموت فتعتق.
باب الولاء:
ومن عتق عليه مملوك بملك، أو بإعتاقه، أو بإعتاق غيره عنه بإذنه، أو بتدبيره، أو بكتابته, أو باستيلاده؛ فولاؤه له, وإن أعتق على المكاتب عبد ففي ولائه قولان: أحدهما: أنه لمولاه. والثاني: أنه موقوف على عتقه، فإن عتق فهو له، وإن عجز نفسه فالولاء لمولاه.
وإن تزوّج عبد لرجل بمعتقة لرجل فأتت منه بولد كان ولاء الولد لمعتق الأمة، فإن أعتق أب الولد انجرّ الولاء من مولى الأم إلى مولى الأب, وإن أعتق جده والأب مملوك فقد قيل: لا ينجرّ من مولى الأم إلى مولى الجد. وقيل: ينجرّ، فإن أعتق الأب بعد ذلك انجرّ من مولى الجد إلى مولى الأب.
ومن ثبت له الولاء فمات انتقل ذلك إلى عصباته دون سائر الورثة، يقدّم الأقرب فالأقرب، فإن كان له ابن وأب فالولاء للابن، وإن كان له أخ وأب فالولاء للأب، وإن كان له أخ من الأب والأم وأخ من الأب فالولاء للأخ من الأب والأم، وإن كان له أخ وجدّ فيه قولان: أحدهما: الولاء للأخ. والثاني: بينهما، وإن كان له ابن أخ وعم فالولاء لابن الأخ، وإن كان له عم وابن عم فالولاء للعم، وإن لم تكن له عصبة انتقل إلى مواليه، ثم إلى عصبتهم على ما ذكرت، وإن أعتق عبدًا ثم مات وترك ابنين، ثم مات أحدهما وترك ابنًا، ثم مات العبد المعتق؛ فما له للكبير من العصبة، وهو ابن المولى دون ابن ابن المولى، وإن مات ابناه بعده وخلّف أحدهما ابنًا والآخر تسعة ثم مات
стр. 137
العبد المعتق كان ماله بينهم على عددهم، لكل ابن عشر.
ولا ترث النساء بالولاء إلا من أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو جرّ الولاء إليهن من أعتقن، فإذا ماتت المرأة المعتقة انتقل حقها من الولاء إلى أقرب الناس إليها من عصاباتها على ما ذكرت.
стр. 138
كتاب الفرائض:
من مات وله مالٌ ورث إلا المرتد، فإنه لا يورث، ومن بعضه حر وبعضه (١) عبد ففيه قولان: أحدهما: يورث عنه ما جمعه بحريته. والثاني: لا يورث.
وإذا مات من يورث عنه بُدئ من ماله بمؤنة تجهيزه ودفنه، ثم بقضاء ديونه، ثم ينفذ وصاياه، ثم تقسم (٢) تركته بين ورثته.
والوارثون من الرجال: خمسة عشر: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد وإن علا، والأخ للأب والأم، والأخ للأب، والأخ للأم، وابن الأخ للأب والأم، وابن الأخ للأب، والعم للأب والأم، والعم للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، والزوج، والمولى المعتق.
والوارثات من النساء: إحدى عشرة: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، والجدة من قبل الأم، والجدة من قبل الأب، والأخت من الأب والأم، والأخت للأب، والأخت للأم، والزوجة، والمولاة المعتقة، ومولاة المولاة.
ومن قتل مورثه لم يرثه. وقيل: إن كان متهمًا في القتل لم يرث، وإن لم يكن متهمًا ورث. وقيل: إن كان القتل يُوجب ضمانًا لم يرث، وإن لم يوجب ورث.
ولا يرث أهل ملة من غير أهل ملتهم إلا الكفار، فإنه يرث بعضهم من بعض مع اختلاف الملل.
ولا يرث حربيٌّ من ذميٍّ، ولا ذمي من حرب.
ولا يرث العبد والمرتد من أحد.
وإذا مات متوارثان بالغرق أو الهدم ولا يُعرف السابق منهما لم يورث أحدهما من الآخر.
стр. 139
باب ميراث أهل الفرض:
وأهل الفرض هم الذين يرثون الفروض المذكورة في كتاب الله , وهي: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. وهم عشرة: الزوج، والزوجة، والأم، والجدة, والبنت، وبنت الابن، والأخت، وولد الأم, والأب مع الابن أو ابن الابن، والجد مع الابن أو ابن الابن.
فأمّا الزوج فله النصف مع عدم الولد وولد الابن، وله الربع مع الولد وولد الابن.
وأمّا الزوجة فلها الربع مع (١) عدم الولد وولد الابن، ولها الثمن مع الولد وولد الابن، وللزوجتين والثلاث والأربع ما للواحدة من الربع أو الثمن.
وأمّا الأم فلها الثلث مع عدم الولد وولد الابن، أو اثنين من الإخوة والأخوات، ولها السدس مع الولد وولد الابن، أو الاثنين من الإخوة أو الأخوات، ولها ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج أو الزوجة في فريضتين، وهما زوجٌ وأبوان، وزوجة وأبوان.
فأما الجدة؛ فإن كانت أم الأم أو أم الأب فلها السدس، وإن كانت أم أب الأب ففيه قولان: أصحهما: أنّ لها السدس، وإن اجتمعت جدتان متحاذيتان (٢) فالسدس بينهما، وإن كانت إحداهما أقرب؛ فإن كانت القربى من قبل الأم أسقطت البُعدى، وإن كانت من الأب ففيه قولان: أصحهما: أنها تسقط البعدى.
وأما البنت فلها النصف إذا انفردت، وللبنتين فصاعدًا الثلثان.
وأما بنت الابن فلها النصف، وللاثنتين فصاعدًا الثلثان، ولها مع بنت الصلب السدس تكملة الثلثين.
وأما الأخت؛ فإن كانت من الأب والأم فلها النصف، وللاثنتين فصاعدًا الثلثان، فإن كانت من الأب فلها النصف، وللاثنتين فصاعدًا الثلثان، ولها مع الأخت من الأب والأم السدس تكملة الثلثين. والأخوات من الأب والأم مع البنات عصبة، فإن لم تكن، فالأخوات من الأب.
وأما ولدا الأم فللواحد السدس، وللاثنين فصاعدًا الثلث، ذكورهم وإناثهم فيه سواء.
وأما الأب فله السدس مع الابن وابن الابن.
وأما الجدّ فله السدس مع الابن وابن الابن، ولا يرث
стр. 140
بنت الابن مع الابن، ولا ابن الابن مع الابن، ولا الجدّات مع الأم، ولا الجدّة وأم الأب مع الأب، ولا الجدّ مع الأب.
ولا يرث ولد الأم مع أربعة: مع الولد، وولد الابن، والأب، والجد.
ولا يرث الإخوة من الأب والأم مع ثلاثة: مع الابن، وابن الابن، والأب.
ولا يرث الإخوة من الأب مع أربعة: مع الابن، وابن الابن، والأب، والأخ من الأب والأم. وإذا استكملت البنات الثلثين لم يرث بنات الابن إلا أن يكون في درجتهن أو أسفل منهن ذكر (١) فيعصبهن الذكر مثل حظّ الأنثيين, وإذا استكمل الأخوات للأب والأم الثلثين لم يرث الأخوات من الأب إلا أن يكون معهنّ أخ لهن فيعصبهن.
ومن لا يرث لا يحجب أحدًا عن فرضه، وإذا اجتمع أصحاب فروض ولم يحجب بعضهم بعضًا فُرض لكل واحد منهم (٢) فرضه.
وإن زادت الفروض على السهام أُعيلت بالجزء الزائد (٣)؛ مثل مسألة المباهَلَة، وهي: زوج، وأم، وأخت من أب وأم، فيُجعل للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، فتعال الفريضة بفرض الأم، وهو سهمان، تصير من ثمانية، للزوج نصف عائل، وللأخت نصف عائل، وللأم ثلث عائل.
وإن اجتمع في شخص جهتا فرض -كالأم إذا كانت أختًا- ورثت (٤) بالقرابة التي لا تسقط، وهي الأمومة، ولا ترث بالأخرى.
باب ميراث العصبة:
والعصبة: كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى.
وأقرب العصبات: الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد ما لم يكن إخوة، ثم ابن الأب، وهو الأخ، ثم ابنه وإن سفل، ثم ابن الجد، وهو العم، ثم ابنه وإن سفل، ثم ابن جد الأب، وهو عمّ الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم ابن جدّ الجد، ثم ابنه وإن سفل، وعلى هذا فإذا انفرد واحد منهم أخذ جميع المال، وإذا اجتمع مع ذي فرضٍ أخذ ما بقي بعد الفرض، ولا يرث أحدٌ منهم بالتعصيب وهناك من هو أقرب منه، فإن استوى اثنان منهم في درجةٍ فأولاهما من انتسب إلى الميت بأب وأم، ولا يعصب أحد منهم أخته إلا الابن وابن الابن والأخ,
стр. 141
فإنهم يعصبون أخواتهم، للذكر مثل حظ الأنثيين, ويعصب ابن الابن من يحاذيه من بنات عمه, ويعصب ابن ابن الابن من فوقه من عماته وبنات عم أبيه إذا لم يكن لهن فرض، ولا يشارك أحدٌ منهم أهل الفرض في فرضه إلا ولد الأب والأم، فإنهم يشاركون ولد الأم في فرضهم في المشركة، وهي: زوج، وأم، أو جدة، واثنان من ولد الأم، وواحد من ولد الأب والأم، فيُجعل للزوج النصف, وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، يشاركهم فيه ولد الأب والأم, وإن وُجد فى شخص جهة فرض وتعصيب -كابن عمٍ هو زوج، أو ابن عم هو أخ من أم- ورث بالفرض والتعصيب, وإن كان في الورثة خنثى مشكل دفع إليه ما يتيقن أنه حقه، ووقف ما شكّ فيه، وإن لم يكن من العصبات أحد ورث المولى المعتق رجلًا كان أو امرأة، فإن لم يكن فعصبته على ما ذكرته في باب الولاء، فإن لم يكن وارث انتقل ماله إلى بيت المال ميراثًا للمسلمين، فإن لم يكن سلطان عادل كان لمن في يده المال أن يصرفه في المصالح, أو أن يحفظه إلى أن يلي سلطان عادل. وقيل: يرد إلى ذوي الفرض غير الزوجين على قدر فروضهم إن كان هناك أهل الفرض, وإن لم يكن صرف إلى ذوي الأرحام، وهم ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وبنات الأعمام, وولد الأخ من الأم، والعمّ للأم، والعمة، وأب الأم، والخال، والخالة, ومن أدلى بهم يورثون على مذهب أهل التنزيل، فيقام كل واحد منهم مقام من يُدلي به، فيُجعل ولد البنات والأخوات بمنزلة أمهاتهن، وبنات الإخوة والأعمام بمنزلة آبائهم, وأب الأم والخال والخالة بمنزلة الأم، والعم للأم والعمة بمنزلة الأب.
باب الجد والإخوة:
إذا اجتمع الجدّ مع الإخوة للأب والأم، أو الإخوة للأب؛ جُعل كواحدٍ منهم، يقاسمهم، ويعصّب إناثهم ما لم ينقص حقه عن الثلث، فإن نقص حقه بالمقاسمة عن الثلث فُرض له الثلث, وجُعل الباقى للإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين, وإن اجتمع مع الأخ للأب والأم والأخ من الأب قاسمهما
стр. 142
المال أثلاثًا، ثم ما حصل للأخ من الأب يرده على الأخ من الأب والأم، فإن كان ولد الأب والأم أختًا واحدة رَدَّ عليها الأخُ من الأب تمامَ النصف، والباقي له، وإن اجتمع معه من له فرض جُعل للجد الأوفر من المقاسمة، أو ثلث ما يبقي بعد الفرض، أو سدس جميع المال، فإن بقي شيء أخذه الإخوة، وإن لم يبق سقطوا؛ مثل أن يكون زوج, وأم، وجد، وأخ؛ فيُجعل للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، ويسقط الأخ، ولا يفرض للأخت مع الجد إلا في الأكدرية، وهي: زوج، وأم، وأخت، وجد؛ فيُجعل للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، فتعول إلى تسعة، ثم يجمع نصف الأخت، وسدس الجد، فيُجعل بينهما للذكر مثل حظّ الأنثيين، وتصح من سبعة وعشرين، للزوج تسعة, وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة.
стр. 143
كتاب النكاح:
من جاز له النكاح من الرجال وهو جائز التصرف؛ فإن كان غير محتاج إليه كُره له أن يتزوج، إن كان محتاجًا استحب له أن يتزوج.
والأولى أن لا يزيد على امرأةٍ واحدة.
وهو مخيّر بين أن يعقد بنفسه وبين أن يوكّل من يعقد له، ولا يوكّل إلا من يجوز أن يقبل العقد بنفسه، فإن وكّل عبدًا فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز.
والمستحب أن لا يتزوج إلا من يجمع الدين والعقل.
فإن لم يكن جائز التصرف؛ فإن كان صغيًرا ورأى الأب أو الجد تزويجه زوّجه.
وإن كان مجنونًا؛ فإن كان يفيق في وقتٍ لم يزوّج إلا بإذنه، وإن كان لا يفيق وهو محتاج إلى النكاح زوّجه الأب أو الجدّ أو الحاكم.
وإن كان سفيهًا, وهو محتاج إلى النكاح زوّجه الأب أو الجد أو الحاكم، فإن أذنوا له فعقد بنفسه جاز، وإن كان يكثر الطلاق سُرِّيَ بجارية.
وإن كان عبدًا صغيرًا زوّجه المولى، وإن كان كبيرًا تزوّج بإذن المولى، وهل للمولى أن يُجبره على النكاح؟ فيه قولان: أصحهما: أنه ليس له إجباره، فإن طلب العبد النكاح فهل يجبر المولى عليه؟ فيه قولان: أصحهما: أنه لا يجبر.
ومن جاز لها النكاح من النساء؛ فإن كانت لا تحتاج إلى النكاح كُره لها أن تتزوج، وإن كانت محتاجة إليه استحبّ لها أن تتزوج، وإن كانت حرّة ودَعَتْ إلى كفءٍ وجب على الولي تزويجها، وإن كانت بكرًا جاز للأب والجد تزويجها بغير إذنها، والمستحب أن يستأذنها إن كانت بالغة، وإذنها السكوت.
وإن كانت ثيّبًا؛ فإن كانت عاقلة لم يجز لأحد تزويجها إلا
стр. 144
بإذنها بعد البلوغ, وإذنها بالنطق.
فإن كانت مجنونة؛ فإن كانت صغيرة جاز للأب والجد تزويجها، وإن كانت كبيرة جاز للأب والجد والحاكم تزويجها, وإن كانت أمة وأراد المولى تزويجها بغير إذنها جاز، وإن دعت المولى إلى تزويجها لم يلزم المولى تزويجها. وقيل: إن كانت محرّمة عليه لزمه تزويجها, وإن كانت مكاتبة لم يجز للمولى تزويجها بغير إذنها, وإن دعت هي إلى تزويجها فقد قيل: يجب. وقيل: لا يجب.
ولا يصحّ نكاح المرأة إلا بوليٍّ ذكر؛ فإن كانت أمة زوّجها السيد، وإن كانت لامرأةٍ زوّجها من يزوج المرأة بإذنها, وإن كانت المرأة غير رشيدة فقد قيل: لا تزوّج. وقيل يزوجها أب المرأة وجدها، وإن كانت حرّة زوّجها عصباتها، وأولاها: الأب، ثم الجد، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم، ثم المولى، ثم عصبة المولى، ثم مولى المولى، ثم عصبته، ثم الحاكم، ولا يزوّج أحد منهم وهناك من هو (١) أقرب منه، فإن استوى اثنان في الدرجة وأحدهما يدلي بالأبوين والآخر بالأب فالولي هو الذي يدلي بالأبوين في أصح القولين, وفيه قول آخر: أنهما سواء، وإن استوى اثنان في الدرجة والإدلاء فالأولى أن يقدّم أسنهما وأعلمهما وأفضلهما، فإن سبق الآخر فزوّج صحّ، وإن تشاحا أقرع بينهما، فإن خرجت القرعة لأحدهما فزوّج الآخر فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح.
ولا يجوز أن يكون الولي عبدًا، ولا صغيرًا، ولا سفيهًا ولا ضعيفًا, ولا يجوز أن يكون الولي فاسقًا، إلا (٢) السيد في تزويج أمته. وقيل: إن كان غير الأب والجد جاز أن يكون فاسقًا, وهو خلاف النص.
وهل يجوز أن يكون الولي أعمى؟ فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز.
ولا يجوز أن يكون ولي المسلمة كافرًا، ولا ولي الكافرة مسلمًا، إلا السيد في الأمة، والسلطان في نساء أهل الذمة.
وإن خرج الولي عن أن يكون وليًّا انتقلت الولاية إلى من بعده من الأولياء, وإن عضلها وقد دعت إلى كفء أو غاب زوّجها الحاكم، ولم تنتقل الولاية إلى من بعده. وقيل: إن كانت الغيبة إلى مسافة لا تُقصر فيها الصلاة لم تزوّج حتى يستأذن.
ويجوز للولي أن يوكّل من يزوّج. وقيل: لا يجوز لغير الأب والجد إلا بإذنها.
ويجب أن يعيّن
стр. 145
الزوج في التوكيل في أحد القولين, ولا يجب في الآخر.
ولا يجوز أن يوكّل إلا من يجوز أن يكون وليًّا. وقيل: يجوز أن يوكّل الفاسق.
وليس للولي ولا للوكيل أن يوجب النكاح لنفسه. وقيل: يجوز للسلطان فيمن هو في ولايته.
ولا يجوز لأحدٍ أن يتولّى الإيجاب والقبول في نكاحٍ واحد. وقيل: يجوز للجدّ أن يوجب ويقبل في تزويج بنت ابنه بابن ابنه.
ولا يزوّج أحدٌ من الأولياء المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء، فإن دعت إلى غير كفء لم يلزم الولي تزويجها.
والكفاءة في النسب والدين والصنعة والحرية، ولا تزوّج عربية بأعجمي، ولا قرشية بغير قرشي, ولا هاشمية بغير هاشمي، ولا عفيفة بفاجر، ولا حرّة بعبد، ولا بنت تاجر أو تانئ بحائك أو حجّام، فإن زوّجها من غير كفء بغير رضاها وبغير رضا بقية الأولياء فالنكاح باطل. وقيل: فيه قولان: أحدهما: أنّ النكاح باطل. والثاني: أنه صحيح, ولها الخيار.
ولا يصحّ النكاح إلا بحضرة شاهدين ذكرين حرّيْن مسلمين عدلين، فإن عقد بشهادة مجهولين جاز على المنصوص.
ولا يصحّ إلا على زوجين معينين.
ويستحب أن يخطب قبل العقد، وأن يقول قبل العقد: أزوجك على ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإحسان.
ولا يصحّ العقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح، فإن قال: زوجتك وأنكحتك، فقال: قبلت، ولم يقل: نكاحها أو تزويجها؛ فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح. وقيل: على قولين.
وإن عقد بالعجمية وهو يحسن بالعربية لم يصحّ، وإن لم يحسن صحّ على ظاهر المذهب. وقيل: لا يصحّ.
ويجب تسليم المرأة في منزلِ الزوج إن كانت ممن يمكن الاستمتاع بها، فإن سألت الإنظار ثلاثة أيام أُنظرت، وإن كانت أمة لم يجب تسليمها إلا بالليل.
والمستحب إذا سُلّمت إلى الزوج أن يأخذ بناصيتها أول ما يلقاها, ويقول: بارك الله لكل واحدٍ منا في صاحبه.
ويملك الاستمتاع بها من غير إضرار، وله أن يسافر بها إن شاء, وله أن ينظر إلى جميع بدنها. وقيل: لا ينظر إلى الفرج.
ولا يجوز وطؤها في حال الحيض ولا في الدبر, وإن كانت أمة فله أن يعزل عنها، والأولى أن لا يعزل، وإن (١) كانت حرّة لم يجز إلا بإذنها. وقيل: يجوز من غير إذنها، وله أن يجبرها على ما