الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنّ بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهمّ أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك؛ إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا، ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية. ويحوّل رداءه من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، ويجعل أعلاه أسفله، ويتركه إلى أن ينزعه مع ثيابه، ويفعل الناس مثل ذلك، فإن لم يُسقو أعادوا ثانيا وثالثا، فإن تأهبوا للصلاة فَسُقُوا قبل الصلاة صلوا، وشكروا الله تعالى، وسألوه الزيادة.
ويستحب الاستسقاء خلف الصلوات بالدعاء، ويستحبّ لأهل الخصب أن يدعو لأهل (١) الجدب، ويستحبّ أن يقف في أول المطر (٢) ليصيبه، وأن يغتسل في الوادي إذا سال، ويسبح للرعد والبرق.
стр. 37
كتاب الجنائز:
باب ما يفعل بالميت:
يستحب لكل أحدٍ أن يكثر ذكر الموت، وأن يعود المريض، فإن رجاه دعا له وانصرف، وإن خاف أن يموت رغّبه في التوبة والوصية، وإن رآه منزولا به وجّهه إلى القبلة، ولقّنه قول: لا إله إلا الله، فإذا مات استحبّ لأرفقهم به أن يغمض عينيه، ويشد لحييه، ويلين مفاصله، ويخلع ثيابه، ويسجيه بثوب، ويجعل على بطنه حديدًا أو طينًا رطبا، ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبرائه منه، وتفرقة وصيته، ويبادر إلى تجهيزه، إلا أن يكون قد مات فجأة؛ فيُترك ليتيقن موته.
باب غسل الميت:
وغسل الميت فرض على الكفاية, والأولى أن يتولاه أبوه وجده وابنه وعصبته، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء الأقارب, وإن كانت امرأة غسّلها النساء الأقارب، ثم النساء الأجانب، ثم الزوج، ثم الرجال الأقارب، وذوو المحارم أحقّ من غيرهم، فإن مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية، أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي يُمِّمَا، فإن مات كافر فأقاربه الكفار أحقّ من أقاربه المسلمين.
ويستر الميت في الغسل عن العيون، ولا ينظر الغاسل إلا إلى ما لا بدّ له منه، والأولى أن يُغسّل في قميص، وغير المسخن من الماء
стр. 38
أولى إلا أن يحتاج إلى المسخن، وينوي غسله، وينجيه، ولا يجوز أن يمسّ عورته, ويستحب أن لا يمسّ سائر بدنه إلا بخرقة، ويوضئه وضوءًا كما يوضئه للصلاة، ثم يغسل رأسه بماء وسدر، ويسرّح شعره، ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يفيض الماء على جميع بدنه، ويفعل ذلك ثلاثًا، يتعاهد في كل مرة إمرار اليد على البطن، وإن احتاج إلى الزيادة على ذلك غسل، ويكون وترًا، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا، ويقلّم أظافره، ويحف (١) شاربه، ويحلق عانته.
والفرض من ذلك: النية، والغسل، ثم ينشفه في ثوب، فإن خرج منه بعد الغسل شيء أعيد غسله. وقيل: يوضأ. وقيل: يكفيه غسل المحل، ومن تعذّر غسله يمم.
باب الكفن:
وتكفين الميت فرض على الكفاية، ويجب ذلك في ماله مقدَّمًا على الدين والوصية، فإن كانت امرأة لها زوج فعلى زوجها. وقيل: في مالها، وإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، فإن لم يكن ففي بيت المال.
ويستحب أن يكفّن الرجل في ثلاثة أثواب: إزار، ولفافتين بيض. والمرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، ودرع، ولفافتين بيض. ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه. والواجب ثوب واحد. ويستحب أن يذر الحنوط والكافور في الأكفان، ويجعل الحنوط (٢) والكافور في قطن، ويترك على منافذ الوجه، وعلى الأذن, وعلى مواضع السجود، ولو طيّب جميع بدنه بالكافور فهو حسن، فإن كان مُحْرِمًا لم يقرب الطيب، ولا يلبس المخيط، ولا يخمر رأسه.
باب الصلاة على الميت:
وهي فرض على الكفاية، والسنة أن تفعل في جماعة، وأولى الناس بذلك
стр. 39
أبوه، ثم جده، ثم ابنه, ثم ابن ابنه, على ترتيب العصبات، فإن استوى اثنان في درجةٍ قُدِّم أسنهما، فإن استويا في ذلك أُقرع بينهما، فإن اجتمع المناسب والوالي قُدِّم المناسب في أصح القولين.
فإن اجتمع جنائز قُدِّم إلى الإمام أفضلهم.
ويقف الإمام عند رأس الرجل, وعند عجيزة المرأة، وينوي، ويكبر أربع تكبيرات، يرفع معها اليد، يقرأ في الأولى: الفاتحة. وفي الثانية: يصلي على رسول الله ﷺ . وفي الثالثة: يدعو للميت: اللهمّ هذا عبدك وابن عَبْدَيْك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظُلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك، وأنت خير منزول به, وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، ولقّه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك؛ يا أرحم الراحمين (١). ويقول في الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يسلّم تسليمتين.
والواجب من ذلك: النية، والتكبيرات، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي، وأدنى الدعاء للميت، والتسليمة الأولى.
ومن سبقه الإمام ببعض التكبيرات دخل في الصلاة, وأتى بما أدرك، فإذا سلّم الإمام كبّر ما بقي متواليًا، ثم يسلّم، ومن فاته جميع الصلاة صلّى على القبر أبدًا. وقيل: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه عند الموت. وقيل: إلى شهر. وقيل: ما لم يبل جسده. وإن كان الميت غائبا عن البلد صلّى عليه بالنية؛ كما صلّى رسول الله ﷺ على النجاشي.
وإن وُجد بعض الميت غُسل، وكُفن، وصُلِّي عليه.
ومن مات من المسلمين في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب لم يغسل ولم يصل عليه، بل ينزع عنه ثياب الحرب، ويدفن بما بقي من ثيابه.
ومن مات في
стр. 40
حرب أهل البغي ومن أهل العدل غُسل, وصُلِّي عليه في أصح القولين.
ويغسل السقط الذي نُفخ فيه الروح ولم يستهل، ويُكفّن, ولا يُصلَّى عليه، وإن لم ينفخ فيه الروح كفن، ودفن.
وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلّى على كل واحد منهم ينوي أنه هو الذي يصلي عليه.
باب حمل الجنازة، والدفن:
والأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين، فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل.
ويستحب أن يسرع بالجنازة، وأن يكون الناس أمامها بقربها، ثم يدفن، وهو فرض على الكفاية، والأولى أن يتولّى ذلك من يتولى غسله، وأن يكون عددهم وترًا، وأن يكون بالنهار, ويعمّق القبر قدر قامة وبسطة، ويدفن في اللحد إلا أن تكون الأرض رخوة فيشق ويدفن في شقها.
ويسلّ (١) الميت من قبل رأسه إلى القبر، ويُسجّى بثوب عند إدخاله إلى القبر, ويقول الذي يدخله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، ويضجع على جنبه الأيمن، ويوضع تحت رأسه لبنة، ويُفضى بخده إلى الأرض, ويُحثى عليه التراب باليد ثلاث حثيات، ثم يهال عليه التراب بالمساحي، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، وتسطيحه أفضل، ويرش عليه الماء، ولا يجصص، ولا يبنى عليه، ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة, ويُقدّم الأسن الأقرأ إلى القبلة.
والدفن في المقبرة أفضل، فإن دُفن من غير غسل أو إلى غير القبلة نُبش, وغُسّل، ووجِّه إلى القبلة.
وإن وقع في القبر شيء له قيمة نُبِش وأُخِذ، وإن بلع الميت مالا لغيره شُقّ جوفه, وأخرج.
وإن ماتت امرأة وفي جوفها ولد يُرجى حياته شُقّ جوفها، وأخرج.
وإن لم يرج ترك عليه شيء حتى يموت.
ويستحب للرجال زيارة القبور، ويقول إذا زار: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنِّا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
ولا يجلس على قبر ولا يدوسه إلا لحاجة.
ويكره المبيت في المقبرة.
стр. 41
باب التعزية، والبكاء على الميت:
ويستحبّ التعزية قبل الدفن وبعده إلى ثلاثة أيام، ويُكره الجلوس لها.
ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وفي تعزية الكافر بالمسلم: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك. وفي تعزية الكافر بالكافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك.
ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة.
ويستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يُصلحوا طعامًا لأهل الميت.
стр. 42
كتاب الزكاة:
لا تجب الزكاة إلا على حر، مسلم، تام الملك على ما تجب فيه الزكاة, فأمّا المكاتب فلا زكاة عليه، والكافر إن كان أصليا فلا زكاة عليه، وإن كان مرتدا ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: تجب. والثاني: لا تجب. والثالث: إن رجع إلى الإسلام وجب. وإن لم يرجع لم يجب.
وما لم يتم ملكه عليه -كالدين الذي على المكاتب- لا تجب فيه الزكاة. وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان: أصحهما: أنه تجب فيه الزكاة. وفي المال المغصوب والضال والدين على مماطل قولان: أصحهما: أنه تجب فيها الزكاة.
ولا تجب الزكاة إلا في المواشي، والنبات، والناض، وعروض التجارة، وما يُؤخذ من المعدن، والركاز.
وهل تجب في أعيانها أو في الذمة؟ ففيه قولان: أحدهما: أنها تجب في الذمة. والثاني: في العين، فيملك الفقراء من النصاب قدر الفرض، فإن لم يخرج منه لم تجب في السنة الثانية زكاة.
باب صدقة المواشي:
لا تجب الزكاة في المواشي إلا في الإبل، والبقر، والغنم, فإذا ملك منها نصابًا من السائمة حولا كاملا وجب فيه الزكاة في أصح القولين، ولا تجب في الآخر حتى يتمكن من الأداء.
وما ينتج من النصاب في أثناء الحول يُزكّى بحول النصاب وإن لم يمض عليه حول.
وإن باع النصاب في أثناء الحول انقطع الحول، وإن مات ففيه قولان: أصحهما: أنه ينقطع. والثاني: أنّ الوارث
стр. 43
يبني على حول المورث.
وأول نصاب الإبل: خمس، فتجب فيه شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، فإن أخرج منها بعيًرا قُبل منه، ويجزئ في شاتها الجذع من الضأن, وهو الذي له ستة أشهر، والثني من المعز، وهو الذي له سنة. وقيل: لا يجزئ فيها إلا الجذعة أو الثنية، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، فإن لم يكن في إبله بنت مخاض قُبل منه ابن لبون، وهو الذي له سنتان ودخل في الثالثة، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي الأوقاص التي بين النصب قولان: أحدهما: أنها عفو. والثاني: أن فرض النصاب يتعلق بالجميع.
ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده أُخذ منه سن أعلى منه، ورُدّ عليه شاتان، أو عشرون درهمًا، أو سن أسفل منه، ودُفع معه شاتان وعشرون درهما، والاختيار في الصعود والنزول إلى المصدق، وفي الشاتين أو العشرين درهم إلى الذي يعطي ذلك.
وإن اتفق فرضان في نصاب -كالمائتين فيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون- اختار الساعي أنفعهما للمساكين. وقيل: فيه قولان: أحدهما: ما ذكرت. والثاني: تجب الحقاق.
وأول نصاب البقر: ثلاثون، فيجب فيه تبيع، وهو الذي له سنة، وفي (١) أربعين مسنة، وهي التي لها سنتان، وفي ستين تبيعان، وعلى هذا أبدًا، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
وأول نصاب الغنم: أربعون، فتجب فيه شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين ثلاث شياة، ثم في كل مائة شاة.
وإن كانت الماشية إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا؛ لم يؤخذ في فرضها إلا الأنثى إلا في ثلاثين من البقر؛ فإنه يجزئ فيها الذكر. وإن كان كلها ذكورًا أخذ في فرضها الذكر إلا الإبل؛ فإنه لا يُؤخذ فيها إلا الإناث. وقيل: يؤخذ منها الذكر إلا أنّه يؤخذ في ست وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن لبون
стр. 44
يؤخذ في خمس وعشرين.
وإن كانت الماشية صحاحًا أخذ منها صحيحة، وإن كان مِراضًا أخذ منها مريضة، وإن كانت صحاحًا ومِراضًا أخذ منها صحيحة ببعض قيمة فرض صحيح وبعض قيمة فرض مريض على قدر المالين.
وإن كانت صغارًا؛ فإن كانت من الغنم أخذت منها صغيرة، وإن كانت من الإبل والبقر أخذ منها كبيرة أقل قيمة من كبيرة، تؤخذ من الكبار. وقيل: تؤخذ الكبيرة من النصب التي يتغير الفرض فيها بالسن، فأمّا فيما يتغير الفرض فيها بالعدد فإنه يؤخذ الصغار.
وإن كانت المواشي أنواعًا -كالبخاتي، والعراب، والبقر، والجواميس، والضأن، والمعز- ففيه قولان: أحدهما: يؤخذ من الأكثر. والثاني: يجب في الجميع بالقسط.
ولا تؤخذ الرُبَّى، والماخض، وفحل الغنم، والأكولة، وحزرات المال، إلا أن يختار رب المال.
وإن كان بين نفسين من أهل الزكاة نصاب مشترك من الماشية، أو نصاب غير مشترك إلا أنهما اشتركا في المراح والمسرح والشرب والفحل والراعي والمحلب حولا كاملا؛ زُكِّيا زكاة الرجل الواحد، فإن أخذ الساعي الفرض من نصيب أحدهما رجع على خليطه بالحصة، وإن كان بينهما نصاب من غير الماشية ففيه قولان: أصحهما: أنه كالماشية. والثاني: يزكيان زكاة المنفرد.
باب زكاة النبات:
ولا تجب الزكاة في شيء من الزروع إلا فيما يقتات مما ينبته الآدميون؛ كالحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، والأرز، وما أشبهه، والقطنية، وهي العدس، والحمص، والماش، والباقلي، واللوبيا، والهرطمان.
ولا تجب في شيء من الثمار إلا في الرطب والعنب. وقال في القديم: تجب في الزيتون، والورس (١)، والقرطم (٢)، ولا يجب ذلك إلا على من انعقد في مكله نصاب من
стр. 45
الحبوب أو بدا الصلاح في ملكه نصابًا من الثمار.
ونصابه: أن يبلغ الجنس الواحد بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار خمسة أوسق، وهو ألف وستمائة رطل بالبغدادي، إلا الأرز والعدس، وهو صنف من الحنطة، يدخر في قشره؛ فنصابه عشرة أوسق مع قشره.
وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب. وفي الزرع أربعة أقوال: أحدها: أنه يضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض. والثاني: يضم ما اتفق زراعته في فصل واحد. والثالث: ما اتفق حصاده في فصل واحد. والرابع: ما اتفق زراعته وحصاده في فصل واحد.
وما سُقي بغير مؤنة -كماء السماء، والسيح، وما يشرب بالعروق- يجب فيه العشر، وما سقي بمؤن -كالنواضح، والدوالي- يجب فيه نصف العشر، وإن سقي نصفه بهذا ونصفه بذاك وجب فيه ثلاثة أرباع العشر، وإن سقي بأحدهما أكثر ففيه قولان: أحدهما: يعتبر فيه حكم الأكثر. والثاني: يجب بالقسط، وإن جهل المقدار جعل بينهما نصفين.
ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه.
ويجب إخراج الواجب من التمر يابسًا ومن الحب مُصفًّى، فإن احتيج إلى قطعه للخوف من العطش، أو كان رطبًا لا يجيء منه تمر، أو كان عنبًا لا يجيء منه زبيب؛ أخذ الزكاة من رطبه، وإن أراد صاحب المال أن يتصرف في الثمرة قبل الجفاف خرص (١) عليه، وضمن نصيب الفقراء، ثم يتصرف، فإن كان أجناسًا خرص نخلة نخلة، وإن كان جنسًا واحدًا جاز أن يخرص دفعة واحدة، وأن يخرص واحدة واحدة، فإن باع قبل أن يضمن نصيب الفقراء بطل البيع في أحد القولين, ولم يبطل في الآخر، وإن باع الثمرة قبل بدوّ الصلاح، أو باع الماشية قبل الحول فرارًا من الزكاة؛ كُره ذلك، ولم يبطل البيع.
باب زكاة الناض:
ومن ملك نصابًا من الذهب والفضة حولا كاملا وهو من أهل الزكاة
стр. 46
وجبت عليه الزكاة.
ونصاب الذهب: عشرون مثقالًا، وزكاته: نصف مثقال، وفيما زاد بحسابه.
ونصاب الورق: مائتا درهم، وزكاته خمسة دراهم، وفيما زاد بحسابه.
وإن ملك حليا معدًّا لاستعمال مباح لم تجب الزكاة فيه في أحد القولين. وإن كان معدا لاستعمال محرم أو مكروه أو للقنية وجبت فيه الزكاة.
باب زكاة العروض:
إذا اشترى عرضًا بنصاب من الأثمان بنى حوله على حول الثمن، وإن اشتراه بعرض للقنية أو بما دون النصاب من الأثمان انعقد الحول عليه من يوم الشراء. وقيل: لا يجزئ في الحول حتى تكون قيمته نصابًا من أول الحول إلى آخره، وإن اشترى بنصاب من السائمة فقد قيل: يبني على حول الماشية. وقيل: ينعقد عليه الحول من يوم الشراء، وهو الأظهر.
ويقوّم مال التجارة برأس المال إن كان نقدًا، وبنقد البلد إن كان رأس المال عرضا. وقيل: إن كان رأس المال دون النصاب قُوّم بنقد البلد، فإن بلغت قيمته في آخر الحول نصابًا زكّاه، وإن نقصت عن النصاب لم تلزمه الزكاة إلى أن يحول عليه حول آخر. وقيل: إن زادت قيمته بعد ذلك بيوم أو بشهر صار ذلك حوله، وتلزمه الزكاة، ويجعل الحول الثاني من ذلك الوقت.
وإن اشترى عرضًا مائتي درهم ونض ثمنه، وزاد على قدر رأس المال؛ زكّى الأصل لحوله، وزكّى الزيادة لحولها. وفي حول الزيادة وجهان: أحدهما: من حين الظهور. والثاني: من حين النض. وقيل: في المسألة قولان: أحدهما: يزكي الأصل لحوله والزيادة لحولها. والثاني: يزكي الجميع بحول الأصل.
وإن باع عرض التجارة في أثناء الحول بعرض للتجارة لم ينقطع الحول، وإن باع الأثمان بعضها ببعض للتجارة فقد قيل: ينقطع الحول. وقيل: لا ينقطع.
وإن اشترى للتجارة ما تجب الزكاة [في عينه، وسبق وقت وجوب زكاة العين؛ بأن اشترى نخيلًا فأثمرت، وبدا فيها الصلاح قبل الحول؛ وجبت] (١) زكاة العي، ن وإن سبق وقت وجوب زكاة التجارة -بأن يكون عنده مال للتجارة فاشترى به نصابًا من السائمة- وجبت زكاة التجارة، وإن اتفق وقت وجوبهما ففيه قولان. وقيل: القولان في الأحوال كلها.
стр. 47
باب زكاة المعدن والركاز:
إذا استخرج من معدن في أرض مباحة أو مملوكة له نصاًبا من الذهب أو الفضة وهو من أهل (١) الزكاة دفعة، أو في أوقات متتابعة لم ينقطع فيها عن العمل بترك وإهمال؛ وجب عليه الزكاة في الحال في (٢) أصح القولين، ولا تجب في الآخر حتى يحول عليه الحول، وفي زكاته ثلاثة أقوال: أحدها (٣): ربع العشر. والثاني: الخمس. والثالث: إن أصابه بلا تعب ولا مؤنة وجب فيه الخمس، وإن أصابه بتعب أو مؤنة ففيه ربع العشر، ولا يخرج الحق إلا بعد الطحن والتخليص.
وإن وجد ركازًا من دفين الجاهلية في موات، وهو نصاب من الأثمان؛ وجب فيه الخمس في الحال، وإن كان دون النصاب أو قدر النصاب من غير الأثمان ففيه قولان، فإن كان من دفين الإسلام فهو لقطة، وإن كان في أرض مملوكة فهو لصاحب الأرض.
باب زكاة الفطر:
وتجب زكاة الفطر على كل حر، مسلم، فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ما يؤدي في الفطرة، فإن فضل بعض ما يؤدي فقد قيل: يلزمه. وقيل: لا يلزمه.
ومن وجبت عليه فطرته وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم، فإن وجد ما يؤدي عن البعض بدأ بمن يبدأ بنفقته. وقيل: يقدّم فطرة الزوجة على فطرة نفسه. وقيل: يبدأ بفطرة نفسه، ثم هو بالخيار في غيره. وقيل: هو بالخيار في حق نفسه وحق غيره.
وإن زوّج أمته بعبدٍ أو حر معسر، أو تزوجت موسرة بحر معسر؛ ففيه قولان: أحدهما: تجب على السيد فطرة الأمة، وعلى الحرة فطرة نفسها. والثاني: لا تجب. وقيل: تجب على السيد، ولا تجب على الحرة، وهو ظاهر المنصوص.
وتجب صدقة الفطر إذا أدرك آخر جزء من شهر رمضان وغربت الشمس في أصح القولين.
وتجب بطلوع الفجر في الثاني.
والأفضل أن تخرج قبل صلاة العيد، ويجوز إخراجها في جميع شهر
стр. 48
رمضان، ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر، فإن أخّرها أثم، ولزمه القضاء.
والواجب منه: صاع بصاع رسول الله ﷺ ، وهو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.
ويجب ذلك من الأقوات التي تجب فيها الزكاة، وهي التمر، والزبيب، والبر، والشعير، وما أشبهها. وأمّا الأقط (١) فقد قيل: يجوز. وقيل: فيه قولان.
وتجب الفطرة مما يقتاته من هذه الأجناس. وقيل: من غالب قوت البلد، فإن عدل عن القوت الواجب إلى قوتٍ أعلى منه أجزأه، وإن عدل إلى ما دونه ففيه قولان.
ولا يجزئ صاعٌ من جنسين، فإن كان عبدٌ بين (٢) نفسين مختلفي القوت فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته. وقيل: يخرجان من أدنى القوتين. وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد، فإن كانوا في باديةٍ لا قوت لهم فيها أخرجوا من قوت أقرب (٣) البلاد إليهم، ولا يؤخذ في الفطرة دقيق، ولا سويق، ولا حب معيب.
باب قسم الصدقات:
من وجبت عليه الزكاة وقَدَرَ على إخراجها لم يجز له تأخيرها، فإن أخّرها (٤) أثم، وضمن, وإن منعها جاحدًا لوجوبها كفر, وأُخذت منه، وقتل، وإن منعها بخلًا بها أخذت منه، وعزّر عليه، وإن غلّها أخذت منه، وعزّر، وإن قال: بعته ثم اشتريته ولم يحل عليه الحول, وما أشبه ذلك مما يخالف الظاهر؛ حلف (٥) عليه. وقيل: يحلف استحبابًا، وإن قال: لم يحل عليه الحول بعد وما أشبهه مما لا يخالف الظاهر حلف استحبابًا، فإن بذل (٦) الزكاة قبلت منه.
والمستحبّ أن يدعى له، ويقال: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا.
وإن مات بعد وجوب الزكاة عليه قُضي ذلك من تركته، وإن كان هناك دين آدمي ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقدّم الزكاة. والثاني: تقدم الدين. والثالث: يقسم بينهما.
وكل مال تجب فيه الزكاة
стр. 49
بالحول والنصاب جاز تقديمها على الحول.
وإن تسلّف الإمام الزكاة من غير مسألة فهلكت في يده (١) ضمن. وإن تسلّف بمسألة الفقراء فهو من ضمانهم. وإن تسلّف بمسألة أرباب الأموال فهو من ضمانهم، وإن تسلّف بمسألة الجميع فقد قيل: هو من ضمان الفقراء. وقيل: من ضمان أرباب الأموال.
وإن عجل شاة عن مائة وعشرين نتجت شاة سخلة (٢) قبل الحول ضمّ المخرج إلى ماله، ولزمه شاة أخرى، وإن نقص النصاب قبل الحول وكان قد بيّن أنها زكاة معجلة جاز له أن يسترجع، وإن هلك الفقير، أو استغنى من غير الزكاة قبل الحول؛ لم يجزئه عن الفرض، ويسترجع إن كان قد بيّن أنها معجلة.
ومن وجبت عليه الزكاة في الأموال الباطنة -وهي الناض، وأموال التجارة، والزكاة- جاز له أن يفرّق ذلك بنفسه وبوكيله، ويجوز أن يدفع إلى الإمام. وفي الأفضل أوجه: أحدها: أن يفرّق بنفسه. والثاني: أن يدفع إلى الإمام. والثالث: إن كان الإمام عادلا فالأفضل أن يدفع إليه. وإن كان جائرا (٣) فالأفضل أن يفرّق بنفسه. وفي الأموال الظاهرة -وهي المواشي، والزروع والثمار، والمعادن- قولان: أصحهما: أنّ له أن يفرق بنفسه.
ويكره أن ينقل الزكاة من بلد المال، وإن نقل ففيه قولان: أحدهما: يجزئه. والثاني: لا يجزئه. وإن نقل إلى ما لا تقصر إليه الصلاة فقد قيل: يجوز. والثاني: لا يجوز.
وإن حال عليه الحول والمال ببادية فرّقها على (٤) أقرب البلاد إليه، وإن وجبت عليه زكاة الفطر في بلد وماله في غيره ففيه قولان: أحدهما: أنها تجب لفقراء بلد المال. والثاني: تجب لفقراء موضعه، وهو الأصح.
ولا تصحّ الزكاة حتى ينوي أنها زكاة ماله وزكاة واجبة. وقيل: إن دفع إلى الإمام أجزأه من غير نية، وليس بشيء. ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع. وقيل: لا يجوز. وإن دفع إلى وكيله ونوى وكيله ولم ينو رب المال؛ لم يجز، وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل فقد قيل: يجوز. وقيل: لا يجوز.
وإن حصل عند الإمام ماشية فالمستحب أن يسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها، والغنم في آذانها، فإن كانت من الزكاة كتب
стр. 50
زكاة أو صدقة، وإن كانت من الجزية كتب جزية أو صغارا.
ويجب صرف زكاة المال إلى ثمانية أصناف:
أحدها: العامل، ومن شرطه: أن يكون حرًّا، فقيها، أمينا، ولا يكون ممن حرم عليه الصدقة من ذوي القربى، ويجعل (١) له الثمن، فإن كان الثمن أكثر من عمله ردّ الفاضل على بقية الأصناف، وإن كان أقلّ تمم (٢) من خمس الخمس في أحد القولين، ومن الزكاة في الثاني.
والثاني: الفقراء، وهم الذين لا يقدرون على ما يقع موقعًا من كفايتهم، فيدفع إليهم ما تزول به حاجتهم من أداة يكتسب بها أو مال يتجر به، وإن عُرف رجل بالغنى ثم ادعى الفقر لم يدفع إليه إلا ببينة.
والثالث: المساكين، وهم الذين يقدرون على ما يقع موقعًا من كفايتهم ولا يكفيهم، فيدفع إليهم ما تتم به الكفاية، فإن رآه قويًّا، وادعى أنه لا كسب له؛ أعطاه من غير يمين. وقيل: يعطي بيمين (٣)، وإذا ادّعى عيالا لم يقبل إلا ببينة.
والرابع: المؤلفة، وهم ضربان: مؤلفة الكفار، ومؤلفة المسلمين؛ فأما مؤلفة الكفار فضربان: من يرجى إسلامه، ومن يخاف شره؛ فيعطون من خمس الخمس. ومؤلفة المسلمين ضربان: ضرب لهم شرف، يُرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم. وقوم يُرجى إسلامهم، فكان النبي ﷺ يعطيهم، وأما بعده ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يعطون. والثاني: يعطون من سهم المؤلفة. والثالث: من خمس الخمس. وضربٌ في طرف بلاد الإسلام إن أعطوا دفعوا عن المسلمين، وقوم إن أعطوا أجبوا الصدقات ممن يليهم ففيهم أقوال: أحدها: يعطون من سهم المؤلفة. والثاني: من خمس الخمس. والثالث: من سهم سبيل الله. والرابع: من سهم المؤلفة وسهم سبيل الله.
والخامس: الرقاب، وهم المكاتبون، فيدفع إليهم ما يؤدون في الكتابة إن لم (٤) يكن معهم ما يؤدون، ولا يُزادون على ما يؤدون، ولا يُقبل قوله: إنه مكاتب إلا ببينة، فإن صدّقه المولى فقد قيل: يدفع إليه. وقيل: لا يدفع.
والسادس: الغارمون، وهم ضربٌ غرم لإصلاح ذات البين، فيدفع إليه مع الغنى في ظاهر المذهب ما يقضي به الدين، وضرب غرم لنفسه فيدفع إليه مع الحاجة يقضي به الدين، ولا يدفع إليه حتى يثبت أنه غارم بالبينة، فإن صدقه غريمه فعلى الوجهين، وإن غرم في معصية وتاب دفع إليه. وقيل: لا يدفع.
والسابع: في سبيل الله، وهم الغزاة
стр. 51
الذين لا حقّ لهم في الديون، فيدفع إليهم ما يستعينون به في غزوهم مع الغنى.
والثامن: ابن السبيل، وهو المسافر، والمريد للسفر في غير معصية، فيدفع إليه ما يكفيه في خروجه ورجوعه، ولا يدفع إليه حتى تثبت حاجته، فإن فضل منه شيء استرجع منه.
وإن فُقِدَ صنفٌ من هذه الأصناف وُفِّر نصيبه على الباقين.
والمستحب أن يصرف صدقته إلى أقاربه الذين لا يلزمه نفقتهم، وأن يعمّ كل صنف إن أمكن. وأقل ما يجزئ: أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف منهم إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحدًا، والأفضل أن يفرّق عليهم على قدر حاجتهم، وأن يسوّي بينهم، وإن دفع جميع السهم إلى اثنين غرم للثالث الثلث في أحد القولين، وأقل جزء في القول الآخر، وإن فضل عن بعض الأصناف شيء وكان نصيب الباقين وفق كفايتهم نقل ما فضل إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد إليه، وإن فضل عن بعضهم ونقص عن كفاية البعض نقل الفاضل إلى الذين نقص سهمهم عن الكفاية (١) في أحد القولين، وينقل إلى الصنف الذين فضل عنهم بأقرب البلاد في القول الآخر.
وأما زكاة الفطر فالمذهب أنها كزكاة المال؛ تُصرف إلى الأصناف. وقيل: يجزئ أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء.
ولا تدفع الزكاة إلى كافر، ولا إلى بني هاشم وبني المطلب. وقيل: إن منعوا حقهم من خمس الخمس دفع إليهم، وليس بشيء، ويجوز الدفع إلى موالي بني هاشم وبني المطلب. وقيل: لا يجوز.
باب صدقة التطوع:
ويستحب الصدقة في جميع الأوقات، ويستحب الإكثار منها في شهر رمضان وأمام الحاجات، ولا يحلّ ذلك لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به في كفايته وكفاية من تلزمه كفايته، أو في قضاء دينه، ويُكره لمن لا يصبر على الإضاقة.
стр. 52
كتاب الصيام:
يجب صومُ شهر رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر على الصوم.
فأما الكافر فإن كان أصليًّا لم يجب عليه، وإن كان مرتدًّا وجب عليه.
وأما الصبي فلا صوم عليه، غير أنه يؤمر به لسبع، ويضرب على تركه لعشر.
ومن زال عقله بجنون لم يجب عليه الصوم، فإن بلغ الصبي، أو أفاق المجنون في أثناء النهار؛ لم يلزمهما صوم ذلك اليوم على ظاهر المذهب.
فأما من لا يقدر على الصوم -لكبر، أو مرض لا يُرجى برؤه- فلا يجب عليه الصوم، إلا أنّه تلزمه الفدية عن كل يوم مُدٌّ من طعام في أصح القولين، ولا يلزمه في الآخر.
ومن ترك الصوم جاحدًا لوجوبه كفر، وقُتل بكفره، ومن تركه غير جاحد من غير عذر حُبس، ومُنع الطعام والشراب.
ولا يجب صوم شهر رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غمّ عليهم وجب عليهم استكمال شعبان، ثم يصومون، فإن رأوا الهلال بالنهار فهو الليلة المستقبلة.
ويُقبل في هلال شهر رمضان عدل في أصح القولين، ولا يقبل في الآخر إلا عدلان، ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان، فإن قامت البينة بالرؤية في يوم الشكِّ وجب عليهم قضاؤه، وفي إمساك بقية النهار قولان: أحدهما: يجب. والثاني: لا يجب.
وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال أفطروا. وقيل: لا يفطرون.
وإن اشتبهت الشهور على أسيرٍ تحرّى وصام؛ فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، فإن وافق ما قبله لم يجزئه في أصح القولين، فإن رأى هلال شوال وحده أفطر سرًّا.
ولا يصح صوم شهر رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنيةٍ
стр. 53
من الليل لكل يوم. وقيل: يصح بنيةٍ مع الفجر.
ويصح النفل بنية قبل الزوال. وفيه قول آخر: أنّه يصح بنيةٍ بعد الزوال أيضًا.
ولا يصح صوم شهر رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بتعيين النية، ويصحّ النفل بنيةٍ مطلقة.
ومن مرض وخاف الضرر جاز له أن يفطر، وعليه القضاء.
ومن سافر قبل الفجر سفرًا يقصر فيه الصلاة جاز له أن يفطر، والأفضل أن يصوم، وإن أفطر فعليه القضاء.
وإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا، وعليهما القضاء، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا، وعليهما القضاء، وفي الفدية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجب عليهما في كل يوم مُد من طعام. والثاني: أنها مستحبة. والثالث: أنها تجب على المرضع دون الحامل.
وإذا حاضت الصائمة أو نفست بطل صومها، وعليها القضاء.
وإن جُنّ بطل صومه، ولا قضاء عليه.
وإن أغمي عليه جميع النهار لم يصحّ صومه، وعليه القضاء، وإن أغمي عليه في بعض النهار ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يبطل صومه. والثاني: لا يبطل. والثالث: إن كان مفيقًا من أول النهار لم يبطل. وقيل: إن كان في طرفيه مفيقًا لم يبطل.
وإن طهرت الحائض، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو قدم المسافر وهو مفطر؛ استحب لهم إمساك بقية النهار.
وإن بلغ الصبي وقدم المسافر وهما صائمان فقد قيل: يلزمهما إتمام الصوم، وعندي أنه يلزم المسافر دون الصبي.
ومن نوى الخروج من الصوم بطل صومه. وقيل: لا يبطل.
فإن أكل، أو شرب، أو استعط، أو احتقن، أو صب الماء في أذنيه فوصل إلى دماغه، أو طعن جوفه، أو طعن بأذنه، أو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه، أو استقاء، أو جامع، أو باشر فيما دون الفرج فأنزل، أو استمنى فأنزل، ذاكرًا للصوم عالمًا بالتحريم؛ بطل صومه، وعليه القضاء، وإمساك بقية النهار، وإن فعل ذلك ناسيًا أو جاهلًا، أو فُعل به شيء من ذلك مكرهًا؛ لم يبطل صومه، وإن أُكره حتى فعل بنفسه ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يبطل.
وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء إلى جوفه بطل صومه في أحد القولين دون الآخر، وإن بالغ بطل. وقيل: على قولين.
وإن أكل معتقدًا أنه ليل ثم بان أنه نهار لزمه القضاء.
وإن أكل شاكًّا في طلوع الفجر لم يلزمه القضاء.
وإن أكل
стр. 54
شاكًّا في غروب الشمس لزمه القضاء.
وإن طلع عليه الفجر وفي فيه طعام فَلَفَظَهُ، أو كان مجامعًا فنزع؛ يصح صومه، وإن استدام بطل.
وإذا جامع من غير عذر لزمهما القضاء، وفي الكفارة ثلاثة أقوال: أحدها: تجب على كل واحد منهما كفارة. والثاني: تجب عليه دونها, والثالث: تجب عليه كفارة عنه وعنها، والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد ثبت في ذمته في أحد القولين إلى أن يجد، ويسقط في الثاني.
ومن حرّكت القبلةُ شهوتَه كُره له أن يُقبل.
ويكره للصائم العلك. ويكره له الاحتجام. ويكره له السواك بعد الزوال. ويكره له الوصال. ويكره له ولغيره صمت يوم إلى الليل.
وينبغي للصائم أن ينزّه صومه من الشتم والغيبة، فإن شوتم فليقل: إني صائم.
ويستحب له أن يتسحر، وأن يؤخر السحور ما لم يخش طلوع الفجر، ويعجل الفطر إذا تحقق غروب الشمس.
ويستحب أن يفطر على تمرٍ، فإن لم يجد فعلى الماء.
ويستحب أن يدعو على الإفطار بدعاء رسول الله ﷺ : "اللهمّ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت".
ويطلب ليلة القدر في جميع شهر رمضان، وفي العشر الأخير أكثر، وفي ليالي الوتر أكثر، وأرجاها ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، ويستحب أن يكون دعاؤه فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
ومن لزمه قضاء شيء من شهر رمضان فالمستحب أن يقضيه متتابعًا، ولا يجوز أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن أخّره لزمه مع القضاء عن كل يوم مُد من طعام.
ومن مات وعليه صوم تمكّن من فعله أطعم عنه عن كل يوم مد من طعام، وفيه قول آخر: أنه يُصام عنه.
باب صوم التطوع:
يستحب لمن صام شهر رمضان أن يتبعه بستٍّ من شوال، ويستحب أن يصوم يوم عرفة إلا أن يكون حاجًّا بعرفة؛ فيُكره له. ويستحب صوم يوم تاسوعاء وعاشوراء من المحرّم، والأيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس.
ومن دخل في صوم تطوع، أو صلاة تطوع؛ استحب له إتمامها، فإن
стр. 55
خرج منهما لم يلزمه القضاء، وإن دخل في حج تطوع، أو عمرة تطوع؛ لزمه إتمامهما، فإن أفسدهما لزمه القضاء.
ولا يجوز صوم يوم الشك إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله. وقيل: لا يجوز إذا انتصف شعبان أن يصوم إلا أن يوافق عادة له، أو يصله بما قبله.
ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده، ولا يحلّ في يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق، فإن صام في هذه الأيام لم يصح الصوم. وقال في القديم: يصح للمتمتع صوم أيام التشريق.
باب الاعتكاف:
الاعتكاف سنة، ولا يجب إلا بالنذر، ولا يصح إلا بالنية، ولا يصح إلا في المسجد.
والأفضل أن يكون بصوم، وأن يكون في الجامع.
وإن نذر الاعتكاف في الليل لم يلزمه بالنهار، وإن نذر في النهار لم يلزمه في الليل، وإن نذر اعتكاف يومين متتابعين لزمه اعتكاف يومين متتابعين، وفي الليلة التي بينهما وجهان: أصحهما: أنه لا يلزمه.
وإن نذر اعتكاف مدة متتابعة، فخرج لما لا بد منه -كالأكل والشرب، وقضاء حاجة الإنسان، والحيض، والمرض، وقضاء العدة، وأداء شهادةٍ تعيّنت عليه- لم يبطل اعتكافه، فإن خرج لما له منه بُدّ -من زيارة، وعيادة، وصلاة جمعة- بطل اعتكافه إلا أن يكون قد شرط ذلك في نذره؛ فلا يضرّه، فإن خرج لما لا بد منه، فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرّج جاز.
وإن خرج من المعتكف عامدًا، أو جامع في الفرج عامدًا؛ بطل اعتكافه، وإن باشر فيما دون الفرج بشهوةٍ ففيه قولان.
وإن خرج إلى المنارة الخارجة من المسجد لم يضره.
ولا يعتكف العبد بغير إذن مولاه، ولا المرأة بغير إذن الزوج، ويجوز للمكاتب أن يعتكف بغير إذن مولاه.
стр. 56
كتاب الحج:
الحج فرض، وفي العمرة قولان: أصحهما: أنها فرض. ولا يجب في العمر إلا مرة إلا أن ينذر، أو يدخل إلى مكة لحاجةٍ لا تتكرر من تجارة أو زيارة؛ فيلزمه الإحرام بالحج أو العمرة في أحد القولين، ولا يلزمه ذلك في الآخر.
ولا يجب ذلك إلا على مسلم، عاقل، بالغ، حر، مستطيع.
فأمّا الكافر الأصلي فلا يجب عليه، ولا يصح منه، وأمّا المرتد فإنه يجب عليه، ولا يصح منه.
وأمّا المجنون فلا يجب عليه، ولا يصح منه.
وأمّا الصبي فإنه لا يجب عليه، ويصح، فإن كان مميزًا أحرم بإذن الولي، وإن كان غير مميز أحرم عنه أحدُ أبويه، وفعل عنه وليه ما لا يتأتى منه، ونفقته في الحج وما يلزمه من الكفارة في ماله في أحد القولين، وفي مال الولي في القول الآخر. وأمّا العبد فلا يجب عليه الحج، ويصح منه.
فإن بلغ الصبي، وعتق العبد قبل الوقوف في الحج وقبل الطواف في العمرة؛ أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته.
والمستطيع اثنان: مستطيع بنفسه، ومستطيع بغيره؛ فالمستطيع بنفسه أن يكون صحيحًا، واجدًا للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه، وأن يكون واجدًا لراحلةٍ تصلح لمثله إن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة، وأن يكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم إن احتاج إليه، وقضاء دين إن كان عليه، وأن يجد طريقًا آمنًا من غير خفارة (١)، وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن
стр. 57
فيه من السير لأدائه، وإن كانت امرأة؛ بأن يكون معها من تأمن معه على نفسها. والمستطيع بغيره أن يجد من لا يقدر على الثبوت على الراحلة -لزمانة أو كبر- مالًا يُدفع إلى من يحجُّ عنه، أو له من يطيعه؛ فيلزمه فرض الحج.
والمستحب لمن وجب عليه الحج أو العمرة أن لا يؤخر ذلك، فإن أخّره وفعل قبل أن يموت لم يأثم، ومن وجب عليه ذلك وتمكّن من فعله فلم يفعل حتى مات وجب قضاؤه من تركته؛ كالزكاة.
ولا يحج ولا يعتمر عن غيره وعليه فرضه، ولا يتنفّل بالحج عن نفسه وعليه فرضه، ولا يؤدي نذر الحاج وعليه حجة الإسلام، فإن أحرم عن غيره، أو تنفّل وعليه فرضه؛ انصرف إلى الفرض، وكذلك لو أحرم بنذر الحج وعليه فرض الإسلام انصرف إلى فرض الإسلام.
ولا تجوز النيابة في حج التطوع في أحد القولين، وتجوز في الآخر.
ويجوز الإحرام بالعمرة وفعلها في جميع السنة، ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وهي شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة.
ويجوز إفراد الحج عن العمرة، ويجوز القران بينهما، ويجوز التمتع بالعمرة إلى الحج. وأفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
والإفراد: أن يحجّ، ثم يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بالعمرة.
والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحجّ من عامه.
والقران: أن يجمع بينهما في الإحرام، أو يهل بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، ثم يقتصر على أفعال الحج، وإن أهلّ بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان: أحدهما: يصح، ويصير قارنًا. والثاني: لا يصح.
ويجب على المتمتع والقارن دم، ولا يجب ذلك على القارن إلا أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام، ولا على المتمتع إلا أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، وأن لا يكون من غير حاضري المسجد الحرام، وحاضر المسجد الحرام أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، والأفضل أن يذبح دم التمتع والقران يوم النحر، فإن ذبح المتمتع بعد الفراغ من العمرة، والقارن بعد الإحرام بالحج؛ جاز على ظاهر المذهب. وقيل: لا يجوز دم التمتع حتى يفرغ من العمرة ويحرم بالحج، فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع
إلى أهله في أصح القولين، وإذا فرغ من الحج في القول الآخر.
стр. 58
باب المواقيت:
ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة. وميقات أهل اليمن: يلملم. وميقات أهل نجد: قرن. وميقات أهل الشام ومصر: الجحفة. وميقات أهل العراق: ذات عرق. وإن أهلُّوا من العتيق فهو أفضل. وهذه المواقيت لأهلها، ولكل من مرّ بها من غير أهلها، ومن كان أهلُه دون الميقات أو في الحرم فميقاته موضعه، ومن سلك طريقًا لا ميقات فيه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه, ومن كان داره فوق الميقات فالأفضل أن لا يحرم إلا من الميقات في أصح القولين، ومن (١) دويرة أهله في القول الآخر، ومن جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم أراد أن يحرم؛ أهلَّ من موضعه، ومن جاوز الميقات مريدًا للنسك وأحرم دونه فعليه دم، فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم.
باب الإحرام، وما يحرم فيه:
إذا أراد أن يحرم اغتسل، فإن لم يجد الماء تيمّم، وتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين جديدين، أو نظيفين، ويتنظّف، ويتطيب، ويصلي ركعتين، فإذا بدأ بالسير أحرم في أصح القولين، وفي القول الثاني: يحرم عقيب الصلاة، وينوي الإحرام بقلبه، ويلبي، فإن لم يلب أجزأه. وقيل: لا يجزئه حتى يلبي.
والمستحب أن يعين ما أحرم به، فإن أحرم مطلقًا، ثم صرفه إلى حجٍّ أو عمرة جاز، وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحداهما، فإن أحرم بنسك ثم نسيه ففيه قولان: أحدهما: أنه يصير قارنًا. والثاني: أنه يتحرّى، ويصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما، ولا يستحب أن يذكر ما أحرم به في تلبيته.
والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ويرفع صوته بالتلبية، والمرأة تخفض صوتها، ويستحب أن يكثر من التلبية، ويستحب ذلك في المساجد وإقبال الليل والنهار، وعند
стр. 59
اجتماع الرفاق، وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إنّ العيش عيش الآخرة، وإذا لبّى صلى على رسول الله ﷺ ، وسأل الله تعالى ما أحبّ، ولا يلبي في الطواف.
وإذا أحرم حرُم عليه لبس المخيط في جميع بدنه، فإن فعل ذلك لزمته الفدية، فإن لم يجد إزارًا جاز أن يلبس السراويل، ولا فدية عليه، ويحرم عليه لبس الخفّ، فإن لبس لزمته الفدية، فإن لم يجد نعلين جاز له أن يلبس خفين مقطوعين من أسفل الكعبين، ولا فدية عليه، ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره، فإن ستره لزمته الفدية.
ويحرم عليه الطيب في ثيابه وبدنه. ويحرم عليه شمّ الأدهان المطيبة، وأكل ما فيه طيب ظاهر، وشمّ الرياحين؛ كالورد، والياسمين، والورس، والزعفران، ويجوز له شمّ النيلوفر والبنفسج، وفي الريحان الفارسي قولان، فإن استعمل شيئًا من ذلك لزمته الفدية، ويحرم عليه أن يدهن رأسه ولحيته، فإن فعل ذلك لزمته الفدية.
ويحرم عليه تقليم الأظفار، وحلق الشعر، فإن فعل ذلك لزمته الفدية.
ويحرم عليه أن يتزوج، وأن يُزوِّج، فإن فعل ذلك فالعقد باطل، وتكره له الخطبة والشهادة على النكاح.
ويحرم عليه الجماع في الفرج، والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، والاستمناء، فإن فعل ذلك لزمته الكفارة.
ويحرم عليه الصيد المأكول، وما تولّد من مأكول وغير مأكول، فإن مات في يده، أو أتلفه، أو أتلف جزءًا منه؛ لزمه (١) الجزاء.
ويحرم عليه لحم ما صيد له، أو أعان على ذبحه، أو كان له أثر في ذبحه، فإن ذبح الصيد حرُم عليه أكله، وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان. ولا يملك الصيد بالبيع والهبة، وهل يملك بالإرث؟ فقد قيل: إنه يملك. وقيل: لا يملك. وإن كان في ملكه صيد فأحرم زال ملكه عنه في أحد القولين دون الآخر.
وإن احتاج إلى اللبس لحرٍّ أو برد، أو إلى الطيب والحلق للمرض، أو إلى ذبح صيد للمجاعة؛ جاز له ذلك، وعليه الكفارة.
وإن صال عليه الصيد جاز له قتله للدفع، ولا جزاء عليه.
وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان.
وإن نبتت في عينه شعرة فقلعها لم يلزمه شيء.
وإن تطيب، أو لبس، أو ادّهن ناسيًا؛ لم تلزمه الكفارة.
وإن قتل الصيد، أو حلق الشعر، أو قلّم الظفر ناسيًا؛ لزمته الكفارة. وقيل في الحلق والتقليم قول
стр. 60
آخر: أنه لا تلزمه.
فإن جامع ناسيًا ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تلزمه كفارة.
وإن حلق رأسه مكرهًا، أو نائمًا؛ وجبت الفدية على الحالق (١) في أحد القولين، وعلى المحلوق في الآخر، ويرجع على الحالق.
ويجوز للمرأة القميص، والسراويل، والخمار، والخف، وفي لبس القفازين قولان: أصحهما: أنه لا يجوز لها ذلك. ولا يجوز لها ستر وجهها، فإن أرادت الستر عن الناس سدلت على وجهها ما يستره، ولا يقع على البَشَرِ.
باب كفارة الإحرام:
إذا تطيب، أو لبس، أو باشر فيما دون الفرج بشهوة، أو ادّهن رأسه، أو حلق ثلاث شعرات، أو قلّم ثلاثة أظفار؛ لزمه (٢) دم، وهو مخيّر بين أن يذبح شاة وبين أن يطعم ثلاثة آصُع، لكل مسكين نصف صاع، وبين أن يصوم ثلاثة أيام. فإن قلّم ظفرًا، أو حلق شعرة؛ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب ثلث دم. والثاني: درهم. والثالث: مُدّ.
وإن لبس وتطيب لزمه لكل واحد كفارة، فإن لبس، ثم لبس، أو تطيب، ثم تطيب في مجالس قبل أن يكفر عن الأول؛ كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد القولين، ويلزمه لكل واحد كفارة في الثاني.
وإن جامع في الفرج في العمرة أو في الحج قبل التحلل الأول فسد نسكه، وعليه أن يمضي في فاسده، ويجب عليه القضاء من حيث أحرم، ويكون القضاء على الفور. وقيل: لا يجب على الفور، ويجب عليه نفقة المرأة وفي القضاء. وقيل: عليها النفقة.
وإن قضى الحج وهي معه فالمستحب أن يفترقا في الموضع الذي جامعها فيه. وقيل: يجب ذلك.
ويجب عليه بالجماع بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فسبعة من الغنم، فإن لم يجد قَوَّم البدنة دراهم، والدراهم طعامًا، وتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مد يومًا، وإن تكرّر منه الجماع ولم يكفّر عن الأول كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد الأقوال، وتلزمه بدنة في القول الثاني، وشاة في القول الثالث.
فإن جامع بعد التحلل الأول لم يفسد حجه، وعليه بدنة في أحد القولين، وشاة في الآخر، وإن أفسد القضاء؛ فإن قتل صيدًا له مثلٌ من النعم وجب فيه مثله من
стр. 61
الغنم، فيجب في النعامة: بدنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش: بقرة، وفي الضبع: كبش، وفي الغزال: عنز، وفي الأرنب: عناق، وفي اليربوع: جفرة، وفي الصغير: صغير، وفي الكبير: كبير، وفي الذكر: ذكر، وفي الأنثى: أنثى، وفي الصحيح: صحيح، وفي المكسور: مكسور، فإن فدى الذكر بالأنثى فهو أفضل على المنصوص. وقيل: إن أراد تفريق اللحم لم يجز الأنثى عن الذكر، وإن فدى الأعور من اليمين بالأعور من اليسار جاز، ثم هو بالخيار إن شاء أخرج المثل، وإن شاء اشترى بقيمته طعامًا وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يومًا، وإن أتلف ظبيًا ماخضًا ضمنه بقيمة شاة ماخض، وإن قتل صيدًا لا مثل له من النعم وجبت فيه القيمة، ثم هو بالخيار بين أن يخرج الطعام وبين أن يصوم، إلا الحمام وكل ما عبَّ وهدر؛ فإنه يجب فيه شاة، وهو بالخيار بين الشاة وبين الطعام وبين الصيام، ويرجع في معرفة المثل والقيمة إلى عدلين. وإن جرح صيدًا له مثل فنقص عشر قيمته لزمه عشر ثمن المثل. وقيل: يجب عليه عشر المثل، إلا أن لا يجد عشر المثل. وإن جرح صيدًا فأزال امتناعه ضمنه بكمال الجزاء. وقيل: يلزمه أرش ما نقص. وإن كسر بيض صيد لزمه القيمة. وإن اشترك جماعة في قتل صيد لزمهم جزاء واحد. وإن أمسكه محرم فَقَتَلَهُ حلالٌ وجب الجزاء على المحرم، وإن قتله محرم آخر وجب الجزاء بينهما نصفين.
وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، فمن قتله منهما وجب عليه ما يجب على المحرم في صيد الإحرام، ويحرم على الحلال والمحرم قلع شجر الحرم. وقيل: لا يحرم قلع ما أنبته الآدمي. والأول هو المنصوص، وإن قلعه ضمنه، فإن كانت كبيرة ضمنها ببقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة، وإن قطع غصنًا منها ضمن ما نقص، فإن عاد الغصن سقط الضمان في أحد القولين، ولم يسقط في الآخر، فإن أخذ أوراقها لم يضمن.
ويحرم قطع حشيش الحرم إلا الإذخر (١)، والعوسج (٢)، فإن قطع الحشيش ضمنه
стр. 62
بالقيمة، وإن استخلف سقط عنه الضمان، ويجوز رعي الحشيش.
ويحرم صيد المدينة كما يحرم صيد الحرم، إلا أنه لا يضمن. وفيه قول آخر: أنه يسلب القاتل وما وجب على المحرم من طعام وجب تفرقته على مساكين الحرم، وما وجب من هدي وجب ذبحه في الحرم وتفرقته على فقراء الحرم.
وإن أحصر جاز أن يذبح، ويفرّق حيث أحصر.
باب صفة الحج:
إذا أراد المحرم دخول مكة اغتسل، ويدخل من ثنية كَدَاء من أعلى مكة، فإذا خرج خرج من ثنية كُدًى من أسفل مكة، فإذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرّفه وعظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، اللهمّ أنت السلام ومنك السلام؛ فحينا ربنا بالسلام، ويبتدئ بطواف القدوم، ويضطبع؛ فيجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويطرح طرفيه على عاتقه الأيسر، ويبتدئ من الحجر الأسود؛ فيستلمه بيده، ويقبّله، ويحاذيه، فإن لم يمكنه استلمه، فإن لم يمكنه أشار إليه بيده، ثم يجعل البيت على يساره، ويطوف، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه، وقبّل يده، ولا يقبله. ويقول عند ابتداء الطواف: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ . ويطوف سبعًا، ويرمل في الثلاثة الأولى منها، ويمشي في الأربعة، وكلما حاذى الحجر الأسود استلمه وقبّله، وكلما حاذى الركن اليماني استلمه، وفي كل وترٍ أحبُّ، ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، ويقول في الأربعة: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، أو يدعو فيما بين ذلك بما أحبّ، ولا ترمل المرأة، ولا تضطبع.
والأفضل أن يطوف راجلًا، وإن طاف راكبًا جاز، وإن حمله محرم ونويا جميعًا ففيه قولان: أحدهما: أنّ الطواف للحامل. والثاني:
стр. 63
أنه للمحمول.
وإن طاف محدثًا، أو نجسًا، أو مكشوف العورة، أو طاف على جدار الحجر، أو على شاذروان الكعبة؛ لم يجزئه.
وإن طاف من غير نية فقد قيل: يصح. وقيل: لا يصح.
ثم يصلي ركعتي الطواف، والأفضل أن يكون خلف المقام، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: قل هو الله أحد، وهل تجب هذه الصلاة؟ ففيه قولان: أصحهما: أنها لا تجب.
ثم يعود إلى الركن ويستلمه، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى، يبدأ بالصفا، والأولى أن يرقى عليها حتى يرى البيت، والمرأة لا ترقى، ويكبر ثلاثا، ويقول: الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، ذو الجلال والإكرام، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ثم يدعو بما أحبّ، ثم يدعو ثانيًا وثالثًا، ثم ينزل من الصفا، ويمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلّق بفناء المسجد نحو ستة أذرع، فيسعى سعيًا شديدًا حتى يحاذى الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يمشي حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه حتى يأتي الصفا، ثم يفعل ذلك سبعًا، فإن بدأ بالمروة لم يعتدّ بذلك حتى يأتي الصفا فيبدأ به، والمرأة تمشي ولا تسعى.
فإن كان يوم السابع من ذي الحجة خطب الإمام بعد الظهر بمكة، وأمر الناس بالغدو إلى منى من الغد، ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ويبيت بها، ويصلي بها الصبح، فإذا طلعت الشمس على ثبير (١) سار إلى الموقف، واغتسل للوقوف، وأقام بنمرة، فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبة خفيفة، وجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم، ويأمر بالأذان، ويخطب الخطبة الثانية، ويفرغ منها مع فراغ المؤذن، ثم يقيم، ويصلي الظهر والعصر، ثم يروح إلى الموقف، والأفضل
стр. 64
أن يقف عند الصخرات بقرب الإمام، وأن يستقبل القبلة، وأن يكون راكبًا في أحد القولين، وفيه قول آخر: أنّ الراكب وغيره سواء، ويكثر من الدعاء، ويكون أكثر قوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
ووقت الوقوف: من الزوال يوم عرفة إلى الفجر الثاني من يوم النحر، فمن حصل بعرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل فقد أدرك الحج، ومن فاته ذلك، أو وقف وهو مغمى عليه؛ فقد فاته الحج، ومن أدرك الوقوف بالنهار وقف حتى تغرب الشمس، فإن دفع قبل الغروب لزمه دم في أحد القولين.
ثم يدفع بعد الغروب إلى المزدلفة على طريق المأزِمَيْنِ، ويمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وجد فرجة أسرع، ويصلي بها المغرب والعشاء، ويبيت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني، ويأخذ منها حصى الجمار، ومن حيث أخذ جاز، فإن دفع قبل نصف الليل لزمه دم في أحد القولين، ثم يصلي الصبح في أول الوقت، ثم يقف على قزح -وهو المشعر الحرام- فيدعو، ويذكر الله تعالى إلى أن يسفر النهار، ويكون من دعائه: اللهم كما وفقتنا فيه، وأريتنا إياه؛ فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك -وقولك الحق-: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ إلى قوله: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾، ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا وجد فرجة أسرع، فإذا بلغ وادي محسر أسرع، أو حرّك دابته قدر رمية حجر، فإذا وصل إلى منى بدأ بجمرة العقبة، فيرمي إليها سبع حصيات؛ واحدة واحدة، لا يجزئه غيره، يكبّر مع كل حصاة، ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه، والأولى أن يكون راكبًا؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، ويقطع التلبية مع أول حصاة، وإن رمى بعد نصف الليل أجزأه، فإذا رمى ذبح هديًا (١) إن كان معه، وحلق أو قصّر، وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات، والأفضل أن يحلق جميع رأسه، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمرّ الموسى على رأسه، والمرأة تقصّر، ولا تحلق.
وهل الحلق نسك أم لا؟
فيه قولان: أحدهما: أنه نسك. والثاني: أنه استباحة محظور.
ويخطب الإمام بعد الظهر بمنى، ويعلّم الناس النحر، والرمي,
стр. 65
والإفاضة.
ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل، ويطوف طواف الزيارة أول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والمستحب أن يكون في يوم النحر، فإن أخّره عنه جاز، فإذا فرغ من الطواف؛ فإن كان قد سعى مع طواف القدوم لم يسع، وإن لم يكن سعى أتى بالسعي، فإن قلنا: إن الحلق نسك حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهي الرمي، والحلق، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثالث. وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بواحد من الاثنين: الرمي، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني، وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان: أصحهما: أنه يحل بالأول ما سوى النساء، وبالثاني تحل النساء. والقول الثاني: يحل بالأول لبس المخيط، والحلق، وقلم الأظفار، وبالثاني يحل الباقي.
ثم يعود بعد الطواف إلى منى، ويرمي في أيام التشريق في كل يومٍ الجمرات الثلاث، كل جمرة سبع حصيات كما وصفنا، فيرمي الجمرة الأولى -وهي التي تلي مسجد الخيف-، ويقف قدر سورة البقرة يدعو الله تعالى، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف ويدعو كما ذكرنا، ثم يرمي الجمرة الثالثة -وهي جمرة العقبة-، ولا يقف عندها.
ومن عجز عن الرمي استناب من يرمي عنه، ويكبّر هو، ولا يجوز الرمي إلا بالحجر، والأولى أن يكون بحصى الخذف، ولا يجوز رمي الجمار إلا مرتبًا، ولا يجوز إلا بعد الزوال، فإن ترك الرمي حتى مضت أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك حصاة ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه ثلث دم. والثاني: مد. والثالث: درهم.
ويبيت بها في أيام الرمي، فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث لزمه دم في أحد القولين، وفي ليلة الأقوال الثلاثة التي في الحصاة.
ويجوز لأهل سقاية العباس ﵇ رعاء الإبل أن يَدَعُوا المبيت ليالي منى، ويرموا يومًا، ويَدَعُوا يومًا، ثم يرموا ما فاتهم، فإن أقام الرعاء حتى غربت الشمس لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يبيتوا.
ويجوز لأهل سقاية العباس أن يَدَعُوا المبيت بمنى وإن أقاموا إلى الغروب.
ومن ترك المبيت لعبدٍ أبق، أو لأمرٍ يخاف فوته؛ كان كالرعاء وأهل السقاية على المنصوص.
ثم يخطب الإمام يوم الثاني من أيام التشريق بعد صلاة الظهر، ويودع الحاج، ويعلمهم جواز النفر، فمن نفر قبل غروب
стр. 66
الشمس سقط عنه الرمي في اليوم الثالث، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس لم يسقط عنه الرمي، فإن نفر قبل الغروب ثم عاد زائرًا أو مارًّا لم يلزمه الرمي.
ويستحب لمن حج أن يدخل البيت حافيًا، ويصلي فيه، ويشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتنفس ثلاثا، ويتضلع (١) منه، وأن يكثر الاعتمار والنظر إلى البيت، ويكون آخر عهده بالبيت إذا خرج أدمن النظر إليه إلى أن يغيب عنه، وإذا أراد الخروج بعد قضاء النسك طاف للوداع، ولم يقم بعده، فإن أقام لم يعتد بطوافه عن الوداع، ومن ترك طواف الوداع لزمه دم في أحد القولين، وإن نفرت الحائض بلا وداع لم يلزمها دم، وإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب ويقول: اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري هذا أو انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، ثم يصلي على النبي ﷺ .
باب صفة العمرة:
إذا أراد العمرة أحرم من الميقات، فإن كان من أهل مكة خرج إلى أدنى الحل، والأفضل أن يحرم من التنعيم، فإن أحرم بها ولم يخرج إلى أدنى الحل ففيه قولان: أحدهما: لا يجزئه. والثاني: يجزئه. وعليه دم، ثم يطوف، ويسعى، ويحلق، وقد حلّ.
стр. 67
باب فروض الحج والعمرة، وسننهما:
وأركان الحج أربعة: الإحرام, والوقوف, والطواف, والسعي.
وواجباته: الإحرام من الميقات، والرمي، والوقوف بعرفة إلى الليل في أحد القولين، والمبيت بالمزدلفة في أحد القولين، والمبيت ليالي منى في أحد القولين، والحلق في أحد القولين، وطواف الوداع في أحد القولين.
وسننه: الغسل، وطواف القدوم، والرمل، والاضطباع في الطواف، والسعي، والاستلام، والتقبيل، والارتقاء على الصفا. وقيل: إنه واجب، والمبيت بمنى ليلة عرفة، والوقوف على المشعر الحرام، والخطب، والأذكار، والإسراع في موضع الإسراع، والمشي في موضع المشي.
وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق.
ومن ترك ركنًا لم يحل من إحرامه حتى يأتي به. ومن ترك واجبًا لزمه دم.
ومن ترك سنة لم يلزمه شيء.
باب الفوات والإحصار:
ومن فاته الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، ويتحلّل بأفعال عمرة، وهو الطواف، والسعي، والحلق، وعليه القضاء ودم التمتع في الحال. وقيل: يجب الدم في القضاء، وإن أخطأ الناس في العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك، وإن وقع ذلك لنفر لم يجزئهم، وعليهم القضاء كما وصفت، ومن أحصره عدو وهو محرم ولم يكن له طريق غيره ذبح هديًا، وتحلّل، وإن لم يكن معه هدي ففيه قولان: أحدهما: لا بدل للهدي. والثاني: أنّ له بدلًا، وهو الصوم، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: صوم التمتع. والثاني: صوم الحلق. والثالث: صوم التعديل عن كل مد يوم، وفي تحلله قبل أن يصوم في أحد القولين وقبل أن يهدي في القول الآخر قولان.
ومن أحصره مرض لم يتحلل إلا أن يكون قد شرط ذلك في الإحرام.
فإن أحرم العبد بغير إذن مولاه جاز له أن يحلله.
وإن أحرمت المرأة بحج التطوع بغير إذن زوجها جاز له أن يحللها، وفي حج الإسلام قولان.
ومن تحلل بالإحصار لم يلزمه القضاء، وفيه قول آخر: أنه يجب
стр. 68
القضاء إذا لم يكن الحصر عامًّا.
باب الأضحية:
الأضحية سنة إلا أن ينذر.
ويدخل وقتها إذا انبسطت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، ويخرج وقتها بخروج أيام التشريق، فمن لم يضح حتى مضى الوقت؛ فإن كان تطوعًا لم يضح، وإن كان منذورًا لزمه أن يضحي.
والمستحب لمن دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي أن لا يحلق شعره، ولا يقلّم ظفره حتى يضحي.
ويجزئ في الأضحية: الجذعة من الضأن، وهي التي لها ستة أشهر، أو الثنية من المعز والإبل والبقر، والثنية من المعز: ما لها سنة تامة. ومن البقر ما لها سنتان. ومن الإبل ما لها خمس سنين.
وتجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وإن كان بعضهم يريد اللحم وبعضهم يريد القربة جاز، وأفضلها البدنة، ثم البقرة، ثم الجذعة من الضأن، ثم الثنية من المعز، وأفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم السوداء.
ولا يجزئ فيها معيبة بعيب ينقص اللحم.
والأفضل أن يذبحها بنفسه، فإن لم يحسن فالأفضل أن يشهد ذبحها.
والمستحب له أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث في أحد القولين، وفيه قول آخر: أنّه يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، فإن أكل الكل فقد قيل: لا يضمن. والمذهب أنّه يضمن القدر الذي يجزئه، وهو أدنى جزء. وقيل: يضمن القدر المستحب، وهو النصف أو الثلث.
وإن نذر أضحية معينة زال ملكه عنها، ولم يجز بيعها، وله أن يركبها، فإن ولدت ذبح معها ولدها، وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها، وإن كان صوفها يضرُّ بها إلى وقت الذبح جاز له أن يجزه، وينتفع به، ولا يأكل من لحمها شيئا. وقيل: يجوز أن يأكل، فإن تلفت لم يضمنها، وان أتلفها ضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها، أو أضحية مثلها، فإن زادت القيمة على مثلها تصدّق بالفضل. وقيل: يشتري به اللحم، ويتصدق به. وقيل: يشارك به في ذبيحة، وإن لم يذبحها حتى فات الوقت لزمه أن يذبحها.
стр. 69
باب العقيقة (١):
المستحب لمن وُلِد له ولد أن يحلق رأسه يوم السابع، فإن كان غلامًا ذبح عنه شاتين، وإن كانت جارية ذبح عنها شاة.
ويستحب نزع اللحم من غير أن يكسر العظم، ويفرق على الفقراء.
باب الصيد والذبائح:
ولا يحل من الحيوان المأكول شيء من غير ذكاة إلا السمك والجراد.
ولا يحلّ ذكاة المجوسي، والمرتد، ونصارى العرب، وعبدة الأوثان.
ويُكره ذكاة المجنون، والسكران.
ويجوز الذبح بكل ما له حدٌّ يقطع إلا السن والظفر، فإن ذبح بهما لم يحل، ولا يذبح بسكين كالّ، فإن ذبح به حلّ، وما قدر على ذبحه لم يحل إلا بقطع الحلقوم والمريء.
ويستحب أن يوجّه الذبيحة إلى القبلة، ويسمّي الله تعالى عليها، ويصلي على النبي ﷺ ، وأن يقطع الأوداج كلها، وأن ينحر الإبل معقولة من قيام، ويذبح البقر والغنم مضطجعة، ولا يكسر عنقها، ولا يسلخ جلدها حتى تبرد، وإن علم جارحة بحيث إذا أغراه على الصيد طلبه، وإذا أشلاه استشلى (٢) , وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، وخلّى بينه وبينه، ثم أرسله من هو من أهل الزكاة فقتل الصيد بظفره أو نابه أو تركه ولم تبق فيه حياة مستقرة، أو بقيت فيه حياة مستقرة إلا أنّه لم يبق من الزمان ما يمكن ذبحه فيه حتى مات؛ حلّ.
وإن أرسله مجوسي، أو شارك المسلم في الإرسال، أو شارك الجارح (٣) جارحة أرسلها مجوسي في قتل الصيد؛ لم يحل.
وإن قتل الجارح (٤) الصيد بثقلها ففيه قولان.
وإن رمى سهمًا أو غيره فقتل الصيد بثقله لم يحل.
وإن أكل الجارحة من الصيد ففيه قولان.
وإن كان
стр. 70
الجارحة كلبًا غسل موضع الظفر والناب من الصيد. وقيل: يُعفى عنه.
وإن رمى طيرًا فأصابه السهم فوقع في ماء أو على جبل فتردّى منه فمات لم يحل.
وإن أصاب صيدًا فجرحه جرحًا لم يقتله، ثم غاب عنه فوجده ميتًا؛ حلّ في أحد القولين، ولا يحل في الآخر.
وإن أرسل سهمًا أو كلبًا على صيد فقتل غيره حلّ.
وإن أرسل على غير صيد فقتل صيدًا لم يحل. وقيل: يحل في السهم دون الكلب.
وإن رمى شيئًا يحسبه حجرًا فكان صيدًا فقتله حلّ أكله.
وإن أرسل عليه كلبًا فقد قيل: يحل. وقيل: لا يحل.
وإن نضب سكينا فوقع به صيد فجرحه فمات لم يحل.
ومن أخذ صيدًا، أو أزال امتناعه؛ مَلَكَهُ.
ومن ملك صيدًا ثم أرسله لم يزل ملكه عنه في أصح الوجهين.
باب الأطعمة:
ويؤكل من دوابّ الإنس: الإبل، والبقر، والغنم، والخيل.
ولا يؤكل: الكلب، والخنزير، والبغل، والحمار، والسنور.
ويؤكل من دواب الوحش: البقر، والحمار، والظبي، والضبع، والثعلب، والأرنب، واليربوع، والقنفذ، والوبر (١)، وابن عرس، والضب، وسنور البر؛ فقد قيل: إنه يؤكل. وقيل: لا يؤكل.
ولا يؤكل ما استخبثه العرب من الحشرات؛ كالحية، والعقرب، والوزغ، وسام أبرص (٢)، والخنفساء، والزنبور، والذباب، وبنت وردان، وحمار قبان (٣)، وما أشبهها.
وكذلك لا يؤكل ما يتقوّى بنابه؛ كالأسد، والفهد، والنمر، والذئب، والدب، والفيل، والقرد، والتمساح، والزرافة، وابن أوى.
ويؤكل من الطير: النعامة، والديك، والدجاج، والبط، والأوز، والحمام، والعصفور، وما أشبهها.
ولا يؤكل ما يصطاد بالمخلب؛ كالنسر، والصقر، والشاهين، والباز،
стр. 71
والحدأة.
ولا ما يأكل الجيف؛ كالغراب الأبقع (١)، والغراب الأسود الكبير، وأما غراب الزرع والغداف (٢)؛ فقد قيل: إنهما يؤكلان. وقيل: لا يؤكلان.
وما تولّد من مأكول وغير مأكول لا يحل أكله؛ كالسبع وغيره.
وتكره الشاة الجلّالة (٣)، وإن أطعم الجلّالة فطاب لحمها لم يكره.
ويؤكل من صيد البحر السمك.
ولا يؤكل الضفدع وما سواهما. فقد قيل: إنه يؤكل. وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل، وما لا يؤكل شبهه لم يؤكل.
وكل طاهر لا ضرر في أكله يحل أكله إلا جلد ما يؤكل إذا مات ودبغ؛ فإنه لا يجوز أكله في أحد القولين، ويجوز في الآخر.
وما ضرّ أكله -كالسم وغيره- لا يحل أكله.
ولا يحل أكل شيء نجس.
فإن اضطر إلى الميتة أكل منها ما يسد به الرمق (٤) في أحد القولين، وقدر الشبع في الآخر، وإن وجد المضطر ميتة وطعام الغير أكل طعام الغير، وضمن بدله. وقيل: يأكل الميتة، فإن وجد صيدًا وميتة وهو محرم ففيه قولان: أحدهما: يأكل الميتة. والثاني: يأكل الصيد.
ومن اضطر إلى شرب الخمر جاز له شربها. وقيل: لا يجوز. وقيل: يجوز للتداوي، ولا يجوز للعطش.
ولا يحرم كسبُ الحجّام، والأولى أن يتنزه الحرُّ من أكله.
باب النذر:
لا يصح النذر إلا من مسلم، بالغ، عاقل. وقيل: يصح من الكافر.
ولا يصح النذر إلا في قربة.
ويصح النذر بالقول، وهو أن يقول: لله عليّ كذا، أو عليّ كذا. وقيل: يصح بالنية وحدها.
ومن علّق النذر على أمرٍ يطلبه -كشفاء المريض، وقدوم الغائب- لزمه الوفاء به عند وجود الشرط، ومن نذر شيئًا ولم
стр. 72
يعلقه على شيء فقد قيل: لا يصح. والمذهب أنه يصح.
ومن نذر شيئًا على وجه اللجاج -بأن قال: إن كلمت فلانا فعليّ كذا- فهو بالخيار عند وجود الشرط بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
وقيل: إن نذر حجًّا لزمه، وليس بشيء.
ومن نذر الحج راكبًا فحج ماشيًا لزمه دم، ومن نذر الحج ماشيًا لزمه الحج ماشيًا من دويرة أهله. وقيل: من الميقات. ولا يجوز أن يترك المشي إلى أن يرمي في الحج ويفرغ من العمرة، فإن حجّ راكبًا من غير عذر فقد أساء، وعليه دم، وإن حج راكبًا لعذر جاز، وعليه دم في أصح القولين.
ومن نذر المضي إلى مكة، أو إلى الكعبة؛ لزمه قصدها بحج أو عمرة.
وإن نذر المشي إلى بيت الله تعالى، ولم يقل: الحرام؛ لم يلزمه المشي على ظاهر المذهب. وقيل: يلزمه.
وإن نذر المشي إلى مسجد رسول الله ﷺ ، أو إلى المسجد الأقصى؛ لزمه ذلك في أحد القولين دون الآخر.
وإن نذر المشي إلى ما سواهما من المساجد لم يلزمه المشي.
ومن نذر النحر بمكة لزمه النحر بها، وتفرقة اللحم على أهل الحرم، وإن نذر النحر والتفرقة في بلد آخر لزمه، وإن نذر النحر وحده فقد قيل: يلزمه النحر والتفرقة. وقيل: لا يلزمه.
ومن نذر أن يهدي شيئًا معينًا إلى الحرم نقله إليه إن كان مما يُنقل، وإن لم يكن نقله باعه ونقل ثمنه، فإن نذر الهدي وأطلق لزمه الجذع من الضأن، أو الثني من المعز والإبل والبقر، وإن نذر أن يهدي لزمه ما ذكرنا في أحد القولين، وما يقع عليه الاسم في القول الآخر، وإن نذر بدنة في الذمة لزمه ما نذر، فإن أعوزه الإبل أخرج بقرة، وإن أعوزه البقرة أخرج سبعًا من الغنم. وقيل: هو مخيّر بين الثلاثة.
والمستحب لمن أهدى شيئا من البدن أن يشعرها بحديدة في صفحة سنامها الأيمن، وأن يقلّدها خرب القرب ونحوها من الخيوط المفتولة والجلود، ويقلّد البقر والغنم ولا يشعرها.
وإن عطب منها شيء قبل المحل نحره، وغمس نعله في دمه، وضرب صفحته، وخلّى بينه وبين المساكين.
ومن نذر صوم سنة بعينها لم يقض أيام العيد والتشريق وشهر رمضان، وإن كانت امرأة فحاضت قضت أيام الحيض في أصح القولين.
وإن نذر أنه يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان لم يصح نذره في أحد القولين، ويصح في الآخر، وإن قدم في أثناء
стр. 73
النهار نوى صومه ويجزئه، وإن كان مفطرًا لزمه القضاء، وإن وافق ذلك شهر رمضان لم يقض، وإن وافق يوم العيد قضاه في أصح القولين.
ومن نذر صلاة لزمه ركعتان في أصح القولين، وركعة في الآخر.
ومن نذر عتق رقبة أجزأه ما يقع عليه الاسم. وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة.
стр. 74
كتاب البيوع:
باب ما يتمُّ به البيع:
ولا يصحّ البيع إلا من مطلق التصرف غير محجور عليه.
ولا ينعقد إلا بإيجاب وقبول، وهو أن يقول: بعتك، أو ملكتك، وما أشبهه، ويقول المشتري: قبلت، أو ابتعت، وما أشبهه، فإن قال المشتري: بعني، فقال: بعتك؛ انعقد البيع.
وإذا انعقد البيع ثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا، أو يتخايرا، وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع، أو فسخه، فإن تبايعا على أن لا خيار لهما لم يصح البيع. وقيل: يصح، ولا خيار لهما. وقيل: يصح، ويثبت لهما الخيار.
وإن تبايعا بشرط الخيار إلى ثلاثة أيام فما دونها جاز إلا في الصرفِ وبيعِ الطعام بالطعام.
ويعتبر ابتداء المدة من حين العقد. وقيل: من حين التفرق.
وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال، وبانقضاء الخيار في الثاني، وموقوف في القول الثالث، فإن تم البيع بينهما حكمنا بأنه انتقل بنفس العقد، وإن لم يتمّ حكمنا بأنه لم ينتقل.
ولا يملك المشتري التصرف في المبيع حتى ينقطع خيار البائع ويقبض المبيع، ولا ينفذ تصرف البائع في الثمن إن كان معينًا حتى ينقطع خيار المشتري ويقبض الثمن، وإن كان في الذمة لم ينفذ تصرفه فيه قبل انقطاع الخيار، وهل يجوز قبل قبضه؟ فيه قولان: أصحهما: أنه يجوز.
ولا يدخل المبيع في ضمان المشتري إلا بالقبض، ولا يستقرّ ملكه عليه إلا بالقبض، فإن هلك قبل القبض انفسخ البيع، وإن أتلفه المشتري استقرّ عليه الثمن، وإن أتلفه أجنبي ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ البيع. والثاني: لا ينفسخ، بل يثبت للمشتري الخيار بين
стр. 75
الفسخ وبين الإمضاء والرجوع على الأجنبي بالقيمة، وإن أتلفه البائع انفسخ البيع. وقيل: هو كالأجنبي.
والقبض فيما يُنقل النقل، وفيما يُتناول باليد التناول، وفيما سواه التخلية.
باب ما يجوز بيعه، وما لا يجوز:
لا يصحّ البيع إلا في عين طاهر، فأمّا الكلب والخنزير والخمر والسرجين (١) والزيت النجس فلا يجوز بيعها. ويجوز بيع الثوب النجس.
ولا يصح إلا فيما فيه منفعة. وأمّا الحشرات والسباع التي لا تصلح للاصطياد فلا يجوز بيعها.
ولا يجوز فيما يبطل به حق آدمي؛ كالوقف، وأم الولد، والمكاتب في أصح القولين، والمرهون. وفي العبد الجاني قولان. وقيل: إن كانت الجناية خطأ لم يجز قولًا واحدًا، وإنما القولان في جناية العمد. وقيل: إن كانت الجناية عمدًا جاز قولا واحدًا، وإنما القولان فيما إذا كانت الجناية خطأ.
ولا يجوز بيع ما لا يملكه إلا بولاية أو نيابة، ولا بيع ما لم يتم ملكه عليه -كالمملوك بالبيع، والنكاح، وغيرهما من المعاوضات- قبل القبض، فأمّا ما (٢) ملكه بالإرث، أو الوصية، أو عاد إليه بفسخ عقد؛ جاز له بيعه قبل القبض.
ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه؛ كالطير الطائر، والعبد الآبق، وما أشبهه، ولا ما في تسليمه ضرر؛ كالصوف على ظهر الغنم، وذراعٍ من ثوب ينقص قيمته بقطعه.
ولا يجوز بيع المعدوم، ولا بيع العربون.
ولا يجوز بيع ما يُجهل قدره؛ كبيع الصبرة إلا قفيزًا منها.
ولا يجوز بيع ما يجهل صفته؛ كالحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأرة، وبيع ذراع من دارٍ وهما لا يعلمان ذُرْعَان الدار.
وفي بيع الأعيان التي لم يرها المشتري قولان: أصحهما: أنه لا يجوز. والثاني: أنه يجوز إذا وصفها، ويثبت للمشتري الخيار إذا رآها، وإن رآها قبل العقد وهي مما لا يتغير غالبًا جاز بيعها، فإن رآها