الكلام على الشرط الرابع: الصدق المنافي للكذب المانع من النفاق
...
الرابع: الصدق المنافي للكذب المانع من النفاق
أي: الشرط الرابع: الصدق المنافي للكذب؛ فلابد أن يقولها صدقًا من قلبه، يواطئ قلبه لسانه، أما إذا قالها بلسانه في الظاهر وهو كاذب في الباطن؛ فهذا منافق، والنفاق: هو إظهار الخير وإبطان الشر عياذًا بالله من النفاق.
وقد فضخ الله المنافقين الذين يقولونها كذبًا في آيات من كتابه العزيز، بل أنزل فيهم سورة كاملة- وهي سورة المنافقين- لعظم خطرهم، وكذا معظم سورة التوبة فيهم، وتسمى الفاضحة؛ لأن الله كشف فيها أستارهم، وأبدى فضائحهم، وحذر منهم ومن صفاتهم، وما ذاك إلا لشدة شرهم والتباسهم بالمسلمين؛ فهم أعداء الإسلام وأهله الباطنون، أما الكفار؛ فهم أعداء ظاهرون.
ويأتي مزيد كلام على المنافقين في أنواع النفاق إن شاء الله تعالى.
فالصدق شرط، فإذا انتفى، انتفى المشروط.
والصدق لغة: مطابقة الشيء للواقع والاعتقاد، وضده الكذب.
стр. 37
الكلام على الشرط الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه والسرور بذلك
...
الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه والسرور بذلك
أي: الشرط الخامس: المحبة لهذه الكلمة، وضدها الكراهية.
والمحبة أمرها عظيم وخطبها جسيم، بل إن العبادة مبنية على ثلاثة أصول: الخوف، والرجاء، والمحبة.
والمحبة الواجبة: هي التي لا يحكم لأحد بأنه مسلم إلا بالإتيان بها،
стр. 38
وهي محبة الله محبة توجب فعل ما أوجبه عليه وألزمه به، وترك ما حرمه عليه، فإن أخل بذلك كله، أو بما لا يدخل الإسلام إلا به؛ فليس بمسلم، وإن تهاون ببعض الواجبات؛ فينقص من إيمانه على حسب ذلك.
والمحبة المستحبة: هي التي تقتضي الإتيان بما ندب إلى فعله وحث عليه؛ فلا بد من المحبة لكلمة التوحيد، ولما دلت عليه من الأوامر ونحوها، والسرور والفرح بذلك.
ومدار المحبة على اتباع سنة رسول الله ﷺ ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
وهذه الآية تسمى آية المحنة؛ لأن الله امتحن بها من ادعى محبته.
وقد قال بعض المتقدمين رحمه الله تعالى:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
والمقصود أن المحبة شرط، فإذا انتفت؛ انتفى المشروط.
стр. 39
الكلام على الشرط السادس: الانقياد بحقوقها
...
السادس: الانقياد بحقوقها
وهي الأعمال الواجبة- إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته
أي: الشرط السادس: الانقياد، وضده الترك.
والانقياد بحقوقها هو المحك؛ لأن كثيرًا ممن يدعي أنه يعلم معنى هذه الكلمة، وأنه مخلص ومصدق ومستيقن، إذا أمر بأمر أو نهي عن شيء؛ لم ينقد، وبان بطلان دعواه؛ لأنه لو كان صادقًا ومستيقنًا ومحبًا حقيقة؛ لانقاد بحقوق هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا؛ إخلاصًا لله، وطلبًا لمرضاته، وخوفًا من
стр. 40
غضبه وعقابه.
وتأمل قصة أبي طالب لعنه الله؛ فإنه قد صدق بالنبي صلي الله عليه وسلم، وعلم وتيقن صدق ما جاء به، ولكنه لم ينقد لأوامر الله تعالى فلم ينفعه ذلك ومحبته له، بل هو كافر مشرك خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله؛ إلا أنه يخفف عنه العذاب بشفاعة النبي ﷺ الخاصة لأبي طالب في تخفيف العذاب فقط؛ حيث إنه حماه وذاد عنه بنفسه وأهله، وكان يحوطه وينصره، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه١. نسأل الله العافية.
فلانقياد شرط، فإذا انتفى الشرط؛ انتفى المشروط.
стр. 41
الكلام على الشرط السابع: القبول المنافي للرد
...
السابع: القبول المنافي للرد
أي: الشرط السابع: القبول المنافي للرد.
فلا بد من قبول هذه الكلمة بالقلب واللسان، فمن لم يقبلها وردها واستكبر عنها؛ فهو كافر؛ كما ردها كفار قريش عنادًا واستكبارًا ولم يقبلوها.
وقد قص الله علينا في كتابه من أنباء ما قد سبق من إنجائه لمن قبل هذه الكلمة، وانتقامه ممن ردها وأباها، وكذلك أخبرنا بما وعد به القابلين لها من الثواب، وما أعده لمن ردها من العذاب، والآيات في ذلك كثيرة معلومة خصوصًا عند ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما حصل لأممهم عندما يقبلونها أو يردونها، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد.
فالمقصود: أن القبول شرط من الشروط السبعة التي لا تصح هذه الكلمة والشهادة إلا باجتماعها كلها.
стр. 42
وبهذا الشرط تمت الشروط مجملة، ثم تأتي مفصلة بأدلتها من الكتاب والسنة إن شاء الله تعالى.
стр. 43
أدلة هذه الشروط
من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله ﷺ
هذا شروع من المؤلف ﵀ في بيان أدلة الشروط المتقدمة من الكتاب والسنة.
والأدلة: جمع دليل، والدليل: هو ما يوصل إلى المطلوب.
فبمعرفة هذه الأدلة يصير المسلم على حقيقة ونور من دينه؛ فلا يتلعثم، ولا يتردد، ولا يتزعزع، ولا يكون إمعة.
واعلم أنه ليس المقصود حفظ هذه الشروط بأدلتها فقط بدون العمل والتطبيق؛ فكم من عامي اجتمعت فيه هذه الشروط والتزمها وعمل بها، ولو قيل له: اعددها؛ لم يحسن ذلك. وكم من حافظ لألفاظها، يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها وينقصها وهو لا يشعر، وعلى هذا فقس، والتوفيق بيد الله، والله المستعان.
أفاده العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى مع التصرف قليلًا١.
وقد جمع بعضهم هذه الشروط بقوله:
стр. 44
علمٌ يَقِيْنٌ وَإِخْلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعَ ... مَحَبَّةٍ وَانقيادٍ والقَبول لهَا
وَزِيدَ ثَامِنُهَا الْكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا ... دونَ الإلهِ مِنَ الْأَوْثَانِ قَدْ أَلِهَا
وهذا الأخير جعله بعضهم شرطًا ثامنًا، وهو كذلك، لكن أشار بعض العلماء إلى أنه داخل في السبعة المتقدمة عند التأمل، وهو أيضًا له أدلة١، فإذا انتفى؛ انتفى المشروط.