← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7598

السنة النبوية وحي - أبو لبابة بن الطاهر حسين

أبو لبابة بن الطاهر حسين

Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول- عن الوحي الذي لا ينطق عن الهوى. ٧- ومن أوضح الأدلّة على أنّ سنّة النبيّ ﷺ وحي أنه ﵊ كثيراً ما يسأل عن الشيء الذي لم ينزل عليه فيه وحي، فيسكت أو يقول لا أدري حتّى يأتيه بيان ذلك بالوحي، وكثيرا ما تنزل به النوازل فلا يفتي حتّى يريه الله الجواب والفتوى، حتّى إنّ البخاريّ ترجم لهذا المعنى في جامعه الصحيح بقوله: "باب ما كان النبيّ يسأل ممّا لم ينزل عليه الوحي فيقول: "لا أدري، أو لم يجب حتّى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأي ولا قياس، لقوله تعالى: "بما أراك الله" (١) : أ - من ذلك سؤال جابر بن عبد الله ﵁: "يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ "، قال جابر: "فما أجابني بشيء حتى نزلت آية الميراث" (٢) . ب - وكذلك سؤال أحد المعتمرين -وكان يلبس جبّة وعليه أثر الخلوق- النبيّ ﷺ وهو بالجعرانة يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمّخ بطيب؟ فسكت النبيّ ﷺ ساعة، فجاءه الوحي. . . ثمّ سرّي عنه فقال: "أين الذي سأل عن العمرة؟ " فأتي بالرجل. فقال: "اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرّات، وانزع عنك الجبّة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك" (٣) .

стр. 37

ج - وقد يسأل عن قضايا غيبيّة ممّا استأثر الله بعلمها كالروح والساعة، فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي بالجواب: - من ذلك ما رواه البخاريّ في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود: "أنّ يهوديّا سأل الرسول فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنّه يوحى إليه. . . فلمّا انجلى عنه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] (١) . - وسأله جبريل ﵇ عن الساعة؟ فقال ﵊: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، أي أنّه أخبره أن ليس عنده من ذلك علم (٢) . كما سأله رجل عن الساعة فأجابه بمثل جوابه جبريل ﵇ (٣) . د- وسئل النبيّ ﷺ عن الحمر؟ فقال "لم ينزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] " (٤) . ويشرح ابن التين الصفاقسيّ [ت٦١١هـ] المراد من الاستشهاد في هذا

стр. 38

المقام بهذه الآية فيقول: "دلّت على أنّ من عمل في اقتناء الحمير طاعة، رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصية رأى عقاب ذلك" (١) . فالرسول ﵊ متقيّد بالوحي يجيب ويفتي بما يريه الله، فلا يتعجّل جوابا مهما كانت المسألة خطيرة ومستعجلة، ومن أجلى الدلالات على صدق هذا القول "حادثة الإفك" التي نال المنافقون فيها من عرض النبيّ ﷺ وسرحوا ومرحوا دون أن يزعهم وازع، والرسول ﷺ لم يستطع أن ينهي افتراءاتهم وتخرّصاتهم حتّى نزل الوحي بعد شهر كامل ببراءة السيّدة الطاهرة البريئة المبرّأة عائشة أمّ المؤمنين ﵂ وأرضاها.

стр. 39

إخباره ﷺ عن الغيبيات وتحقق وقوعها يدل على أن السنة وحي سراقة يلبس سواري كسرى ... إخباره ﷺ عن الغيبيات وتحقّق وقوعها يدلّ على أن السنّة وحي وممّا يثبت أن السنّة وحي ما أخبر به ﵊ من الغيبيات التي اختصّ الله بعلمها: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ، وهي أخبار أمدّه بها الوحي ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود:٤٩] ، فأفصح عنها بلسانه ﷺ ، وقد تحقّقت فكانت نبوءات صادقة صدق مصدرها وهو الله سبحانه: ١- سراقة يلبس سواري كسرى من ذلك ما قاله لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجيّ: "كأنّي بك يا سراقة تلبس سواري كسرى". فقال سراقة متعجّبا: كسرى بن هرمز!! قال: "نعم ". وقد قال له هذا وهو مطارد في هجرته إلى المدينة يخاف الرصد ولا يكاد يأمن على نفسه غوائل المشركين. وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁، يفتح الله على المسلمين بلاد فارس والمدائن ويؤتى بالغنائم إلى المدينة، وكان فيها سوارا كسرى وألبس عمر سراقة سواري كسرى، وتحقّقت نبوءة الرسول ﷺ (١) ، لتكون علامة من علامات نبوّته، وآية من آيات صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

стр. 40

٢ - فتح بلاد كسرى وهرقل واليمن ومن ذلك ما أخبر به ﵊ في غزوة الأحزاب في شوّال من السنة ٥هـ أثناء كسره صخرة بيضاء صلدة، وهو يحفر مع المسلمين الخندق: "لقد أضاء الله لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، فأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها. . وأضاء لي القصور الحمر من أرض الروم، فأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها. . وأضاء لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها" (١) . لقد أخبر النبيّ ﷺ بهذه الفتوح والمسلمون في حال من العسر والضيق والخوف، حيث تداعت عليهم الأحزاب المشركة من أقطار الجزيرة، وخذلهم المنافقون وتآمر عليهم اليهود فخانوا عهدهم ونقضوا مواثيقهم، وقد صوّر القرآن الكريم هذا الضيق وهذا الابتلاء خير تصوير فقال: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٠-١٢] ، وتحقّق ما أخبر به النبي ﷺ ففتحت بلاد كسرى وبلاد هرقل واليمن، لتكون هذه الفتوح المباركة شاهد صدق على أنه لا ينطق عن الهوى وأنّ سنّته وحي يوحى.

стр. 41

- وسأل الرسول ﷺ ذات يوم أبا طريف عديّ بن حاتم الطائيّ [ت٦٨هـ] : "هل رأيت الحيرة؟ " قال: قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترينّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله" [قال عديّ: قلت فيما بيني وبين نفسي: أين دعّار طيئ الذين قد سعّروا البلاد!؟] ، "ولئن طالت بك حياة لتفتحنّ كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينّ الرجل يخرج ملء كفّه من ذهب أو فضّة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه". ويعدّد عديّ ما تحقّق من هذه النبوّات فيقول: "فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ". ثمّ يقول ﵁ جازماً واثقاً من صدق ما سمع من رسول الله: "ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفّه " (١) . وقد تحقّق ذلك في عهد خلافة عمر بن عبد العزيز، فقد أغنى الله الأمة فلم يجد ﵁ من الفقراء والمساكين من يعطيه الزكاة.

стр. 42

٣- المسلمون يركبون البحر للفتح ومن ذلك ما رواه البخاريّ من حديث أنس بن مالك أنّ خالته أمّ حرام بنت ملحان النجّاريّة الأنصاريّة -وكانت تحت عبادة بن الصامت- سألت النبيّ ﷺ وقد استيقظ من نومه وهو يضحك: "ما يضحكك يا

стр. 43

رسول الله؟ " قال: "ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر [أي وسطه ومعظمه] ملوكا على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرّة". قالت: يارسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها. . . فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان [في فتح قبرص] فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت (١) . يقول ابن حجر معلّقا على الخبر: "فيه إخبار بما سيكون فكان كما أخبر ﷺ " (٢) . - وقد لمّح الرسول ﷺ لغزو المسلمين في البحر عند رجوعه من غزوة تبوك في رجب من السنة ٩هـ حيث اشتكى المسلمون ما برواحلهم من الجهد فدعا لها رسول الله: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنّك تحمل على القويّ والضعيف وعلى الرطب واليابس في البرّ والبحر" فما بلغوا المدينة، حتّى جعلت تنازعهم أزمّتها. فقال فضالة بن عبيد الأنصاريّ راوي الحديث: "هذه دعوة النبيّ ﷺ على القويّ والضعيف، فما بال الرطب واليابس!؟ فلمّا رأيت السفن في البحر وما يدخل فيها عرفت دعوة النبي ﷺ " (٣) .

стр. 44

٤ - ومن الفتوح التي أخبر بوقوعها وتحقّقت فتح القسطنطينيّة فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أوّلا: قسطنطينيّة أو روميّة؟ فقال رسول الله ﷺ : "مدينة هرقل تفتح أوّلا"، يعني القسطنطينيّة، وقد تحقّقت نبوءته، ففتحها الشاب العثماني المجاهد ابن الثالثة والعشرين محمد بن مراد والمعروف بمحمد الفاتح سنة ١٤٥٣م.

стр. 45

٥ - وممّا أخبر عنه النبيّ ﷺ وتحقّق "افتراق الأمّة " بفعل الأهواء فقد أخرج أبوداود في سننه من حديث أبي سفيان بن حرب يرفعه إلى النبيّ ﷺ : ". . وإنّه سيخرج في أمّتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله" (١) ، وقد تمكّنت هذه الأهواء في الكثير من النفوس فجرت فيها مجرى الدم من العروق، وافترقت الأمّة إلى طرائق قدد، وكان الخوارج من أبرز من تنكّب عن الجماعة، فسعّروا الفتن وشغلوا الأمّة بفظاعاتهم واعتداءاتهم، وقد أخبر الرسول ﷺ بخروجهم وبأنّ طائفة من المسلمين على الحقّ تقتلهم، يقول النبيّ ﷺ : "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ" (٢) وسئل

стр. 46

عليه الصلاة والسلام عن سيماهم فقال: "سيماهم التحليق" (١) . كما سئل: يا رسول الله! هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: "يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو الثدية" (٢) ، وفي رواية: "آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة" (٣) . وقد قاتلهم عليّ بن أبي طالب ﵁، وقتلهم، فقال لأصحابه: "اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه! فقال: ما كذبت ولا كذبت، اطلبوه، فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يده مثل سبلات السنّور (٤) ، فكبّر عليّ والناس، وأعجبه ذلك" "وفي رواية" قال عليّ: "التمسوا لي العلامة التي قال رسول الله ﷺ فإنّي لم أكذب ولا أكذب، فجيء به فحمد الله وأثنى عليه حين عرف العلامة" (٥) . وحول صدق ما أخبر به النبيّ ﷺ من هذه الغيبيّات يقول أبو سعيد الخدريّ: "أشهد سمعت من النبيّ ﷺ ، وأشهد أنّ عليّا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ " (٦) .

стр. 47

٦ـ وممّا أخبر بوقوعه من الغيبيّات خروج متنبّئين كذّابين روى الإمام البخاريّ في جامعه الصحيح بسنده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجّالون كذّابون قريبا من ثلاثين، كلّهم يزعم أنّه رسول الله" (١) . وفي حديث ثوبان بن بجدد الهاشميّ مولى رسول الله ﷺ [ت٥٤هـ] مرفوعا يرويه أبو داود في سننه: "وإنّه سيكون في أمّتي كذّابون ثلاثون كلّهم يزعم أنّه نبيّ، وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي. ." (٢) . وروى أحمد في مسنده، عن أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذّابا دجّالا كلّهم يكذب على الله ورسوله ﷺ " (٣) . يقول ابن حجر عن ثبوت نبوءة الرسول ﷺ وصدق ما أخبر به: "وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبيّ ﷺ فخرج مسيلمة الكذّاب باليمامة، والأسود العنسيّ باليمن، ثمّ خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميميّة في بني تميم، وفيها يقول شبيب بن ربعيّ، وكان مؤدّبها: أضحت نبيّتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وقتل الأسود قبل أن يتوفّى النبيّ ﷺ ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر،

стр. 48

وتاب طليحة بن خويلد الأسديّ، ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أنّ سجاحا التميميّة تابت كذلك [وانتقلت إلى البصرة وماتت بها] ، ومن هؤلاء الكذّابين المختار بن أبي عبيد الثقفيّ [صاحب الفرقة الكيسانيّة] الذي زيّن له الشيطان ادعاء النبوّة، وزعم أنّ جبريل يأتيه، وقد روى الشعبيّ أنّ الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر فيه أنه نبيّ. ومنهم الحارث الكذّاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتله. . " (١) . فظهور ما أخبر عنه النبيّ ﷺ من هؤلاء الكذّابين قبل خروجهم بزمن طويل يدلّ على صدقه كما يدلّ على أن مصدر خبره الوحي؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.

стр. 49

٧ـ نعي أمراء مؤتة الثلاثة قبل وصول خبرهم إلى المدينة وممّا أخبر به النبيّ ﷺ من الغيبيات استشهاد أمراء المعركة الثلاثة قبل وصول خبرهم إلى المدينة: روى البخاريّ عن أنس بن مالك ﵁: أنّ النبيّ ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثمّ أخذ الراية جعفر فأصيب، ثمّ أخذ الراية ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتّى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم " (١) .

стр. 50

وذكر موسى بن عقبة [ت١٤٠هـ] في مغازيه أنّ يعلى بن أميّة كان أوّل من قدم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله: "إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرك". قال: فأخبرني، فأخبره خبرهم. فقال: والذي بعثك بالحقّ ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره" (١) . فمن أخبر النبيّ ﷺ خبر المعركة وتفاصيل استشهاد الأمراء، وبين المدينة ومؤتة ببلاد الشام [الأردن] مسافات بعيدة في عصر تنعدم فيه وسائل الاتصال البرقي والسريع، لا شكّ أن الوحي هو الذي أمدّه بكلّ تلك التفاصيل الدقيقة.

стр. 51

٨ـ كشف خبر الخطاب السرّي الذي أرسله حاطب إلى قريش لمّا أجمع الرسول ﷺ المسير إلى مكّة لفتحها في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك، ثمّ أعطاه امرأة من مزينة اسمها سارة، وكانت مولاة لبعض بني عبد المطلب وقيل مولاة للعبّاس، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فإذا بالوحي ينزل على رسول الله ﷺ بما صنع حاطب، فبعث ﵊ عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام والمقداد بن الأسود وقال لهم: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها". يقول عليّ راوي الحديث: "فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتّى أتينا الروضة، فإذا نحن

стр. 52

بالظعينة، قلنا لها: " أخرجي الكتاب! قالت: "ما معي كتاب! فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب. قال فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ . . " الحديث (١) . ونلاحظ هنا أنّ عليّا وصاحبيه ﵃ لم يصدّقا المرأة في ادعائها، وهدّداها بحزم بخلع ثيابها إن هي لم تخرج الرسالة لأنهم واثقون من صدق خبر الرسول ﷺ ، ومن أنّ الوحي هو الذي أطلعه على سرّ الرسالة وصاحبها وحاملتها، والموضع الذي سيجدونها فيه. . . الأمر الذي يدعم الحقيقة الصادعة أنّ أحاديث الرسول وأخباره وحي.

стр. 53

٩ ـ استحلال الزنى والخمر والمعازف ومن الغيبيات التي أخبر عنها الرسول ﷺ وتحقّقت، استحلال الزنى ولبس الرجال الحرير واتخاذ المعازف، يقول النبيّ ﷺ : "ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف" (١) . والحر بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء هو الفرج، كنّى به عن الزنى، وما ذكره الحديث من محرّمات أصبحت تُتعاطى في بعض البلاد الإسلاميّة بدون نكير وكأنّها من الطيّبات!! بل فقد أقرّت سلطات بعض البلاد ما

стр. 54

سنّه الاستعمار من قوانين غداة احتلاله لها، لإفساد الشبيبة المسلمة وإضعاف روح المقاومة، تقضي بإقامة دور الخنا العلني وتنشيط زراعة عنب الخمور وفتح الخمّارات في كلّ زاوية من زوايا البلاد وحماية مرتادي تلك البؤر الخبيثة برجال شرطة مسلمين يتقاضون مرتّباتهم من دافعي الضرائب المسلمين!! فالذي أخبر الرسول بما سيؤول إليه أمر أمّته من التدني والانحطاط وتداعي الأمم عليها وإذلالها وانتهاك مقدّساتها ونهب ثرواتها بسبب مجافاتها الشريعة وعدم قيامها بأحكامها، وانتهاك المحرّمات. . إنما هو الوحي الصادق.

стр. 55

١٠ـ أرض العرب تعود كما كانت مروجا وأنهارا ومن الغيبيات التي أخبر عنها الرسول ولم تتجسّد بعد على أرض الواقع إخباره أنه: "لا تقوم الساعة حتّى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا" (١) . والحديث يتضمّن حقيقتين: الأولى: هي أنّ أرض العرب الصحراويّة كانت في غابر الزمن مروجا وبساتين وأنهارا. والثانية: أنّ يوما ما من تاريخ الأرض وقبل قيام الساعة ستعود أرض العرب إلى سالف عهدها من الخضرة وتدفّق مياه الأنهار في ربوعها. وهذان الأمران حين نسمع بهما للوهلة الأولى يتملّكنا الاستغراب والتعجّب لكن حينما نتيقّن من مصدر الخبر لا نملك إلا التصديق. وممّا

стр. 56

يزيدنا تصديقا وإيمانا أنّ العلم يؤيّد هذه النبوّة، يروي الشيخ عبد المجيد الزنداني عن أحد علماء الجيولوجيا قوله: "من الحقائق العلميّة التي يعرفها علماء الجيولوجيا أنّ جزيرة العرب الصحراويّة اليوم كانت في زمن قديم بساتين وحدائق، والدليل الحفريّات الأثريّة التي تدلّ على أنّ هذه الأرض كانت مروجا وأنهارا وأوضح برهان على ذلك قرية "الفاو" والتي اكتشفت تحت رمال الربع الخالي. أمّا عن عودة جزيرة العرب إلى ما كانت عليه من مروج وأنهار فيقول: "وهذه حقيقة ثابتة. . . نعرفها نحن الجيولوجيين " ويتحدّث عن الأحقاب المناخيّة التي ستمرّ بها الأرض، ومنها حقبة جليديّة وفي هذه الحقبة سيتغيّر طقس الأرض وضمن ذلك يحدث تغيير في طقس بلاد العرب فيصبح باردا وتصبح شبه الجزيرة من أكثر بلاد العالم أمطارا وأنهارا ". ويعلّق الشيخ الزنداني على هذه المعلومات بقوله: "فالرسول ﷺ لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علويّ " (١) . فهذه الأمثلة القليلة التي استعرضناها من إخباره ﵊ بالغيبيات، والتي تحقّقت أو أثبت العلم تحقّقها يقينا مستقبلا تثبت أنّ السنّة وحي وأنّ الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى.

стр. 57

الإعجاز العلمي الوارد في السنة النبوية يدل على أنها وحي الجسد يبلى ماعدا عجب الذنب ... الإعجاز العلمي الوارد في السنة النبوية يدلّ على أنّها وحي ومما يثبت علويّة السنة وأنّها وحي من الله ما تحدث عنه الرسول ﷺ من أخبار علميّة معقدة تحقّق فيها الإعجاز العلمي، إذ لم تكتشف حقائقها إلا بعد تطوّر العلوم وأدوات البحث في العصر الحديث، وسوف نكتفي بذكر عينات قليلة للتدليل على أنّ ما تحدّثت عنه السنة من هذه الحقائق لا يكون إلا وحيا من خالق الكون سبحانه: ١- الجسد يبلى ما عدا عجب الذنب عن أبي سعيد الخدري يرفعه: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه"، قيل: وما عجب ذنبه يا رسول الله؟ قال: "مثل حبّة خردل، منه نشأ" وفي رواية عن أبي هريرة: "ومنه يركّب الخلق يوم القيامة". يقول د. زغلول النجّار: "يشتمل هذا الحديث على حقيقة علميّة لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة، حين أثبت المتخصّصون في علم الأجنّة أنّ جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمّى الشريط الأولي الذي يتخلّق بقدرة الله سبحانه في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم. . . وثبت أنّ هذا الشريط الأوّلي يندثر عدا جزءاً يسيرا منه يبقى في نهاية العمود الفقري وهو المقصود بعجب الذنب [نهاية العمود الفقري] ". ويضيف: "وقد أثبتت مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المختبريّة استحالة إفناء عجب الذنب كيميائياً بالإذابة في أقوى الأحماض أو فيزيائياً بالحرق أو بالسحق أو

стр. 58

بالتعريض للأشعّة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث المصطفى ﷺ الذي يعد سابقاً لكافة العلوم بأكثر من ١٤٠٠ سنة ". إنه لا يمكن لعاقل أن يتصوّر مصدراً لهذه الحقيقة العلميّة التي صدع بها محمد ﷺ من قبل ألف وأربعمائة سنة غير وحي صادق من الله الخالق (١) .

стр. 59

٢ - متى ينجب الزوجان ذكراً ومتى ينجبان أنثى ؟ روى عبد الله بن عبّاس ﵁ عن الرسول ﷺ قال: "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنّثا بإذن الله" (١) . إنّ تحديد جنس الجنين من القضايا العلميّة المعقّدة التي لم يتوصّل العلم إلى معرفة أسرارها إلا حديثاً جدّا، فقد عكف الأستاذ سعد حافظ خبير علم العقم عند الرجال على دراسة العلاقة بين ماء الرجل وماء المرأة طوال عشر سنوات مستخدماً ما توصّل إليه العلم من تقنية حديثة متطوّرة، ثم وصل إلى النتيجة التالية وهي: أنّ ماء الرجل قلويّ، وماء المرأة حمضيّ، فإذا التقى الماءان وتغلّبت الحموضة التي للأنثى على القلويّة التي للذكر كان الناتج أنثى، وإذا تغلّبت القلويّة التي للذكر على الحموضة التي للأنثى كان الناتج ذكراً (٢) .

стр. 60

هذه الحقيقة العلميّة عبّر عنها الرسول ﷺ قبل اكتشافها بأربعة عشر قرناً من الزمان وهي تدلّ على أنّ الرسول ﷺ موصول بالوحي ومعلَّم من خالق السموات والأرض خالق كلّ شيء.

стр. 61

٣ - الحمَّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء، ولا تسبّوها فإنّها تنقّي الذنوب روى البخاريّ بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: "إنّ الحمى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء" (١) . وعن جابر بن عبد الله يرفعه: "لا تسبّيها" أي الحمى "فإنّها تنقّي الذنوب كما تنقّي النارُ خبث الحديد" (٢) . لقد تبيّن أنّ الحمّى قد تتسبّب في حرارة شديدة تصل إلى ٤١ درجة مئوية، فيصدق عليها وصف النبي ﷺ بأنها من فيح جهنم. . . وهذه الحرارة قد تؤدّي إلى هياج شديد ثم هبوط عام وغيبوبة تكون سبباً في الوفاة، ولذا كان لزاماً تخفيض درجة الحرارة فوراً حتى ينتظم مركز تنظيم الحرارة بالمخّ، وليس لذلك وسيلة إلا وضع المريض في ماءٍ بارد أو عمل كمّادات من الماء البارد والثلج. . ولذا كان الرسول ﷺ إذا حمَّ دعا بقربة من الماء فأفرغها على رأسه. أما لِمَ دعا النبي ﷺ لعدم سبّ الحمى؟ فلأنه عند الإصابة بالحمى تزيد نسبة مادّة "الإنترفيرون " [Intefeon] لدرجة كبيرة وهي مادّة

стр. 62

تفرزها خلايا الدم البيضاء، وتستطيع القضاء على الفيروسات التي تهاجم الجسم كما تكون أكثر قدرة على تكوين الأجسام المضادّة الواقية. ومادة "الإنترفيرون " لا تخلّص الجسم من الفيروسات والبكتيريا فحسب، ولكنّها تزيد من مقاومة الجسم للأمراض، وقدرته على القضاء على الخلايا السرطانية منذ بدء تكوّنها وبالتالي حماية الجسم من ظهورها. ولذا قال بعض الأطباء: إنّ كثيراً من الأمراض نستبشر فيها بالحمى لأنّها تكون أنفع من شرب الدواء (١) . ومن هنا ندرك الحكمة من وراء منع الرسول ﷺ الناس من سبّ الحمى، وهي أنها تنقّي الذنوب كما في الحديث الماضي ذكره عن جابر ﵁. فالحديث وما تضمّنه من حقائق علميّة يثبت أنّ قائله موصول بالله يوحي إليه بما لا يأتيه الباطل.

стр. 63

٤- إذا وقع الذباب في شراب أحدكم روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإنّ في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء" (١) . يعدّ هذا الحديث من معجزات الرسول ﷺ الطبّيّة فقد أثبتت التجارب

стр. 64

العلمية الحديثة. . أنّ هناك خصّيصة في أحد جناحي الذباب، وهي أنّه يحمل البكتيريا، فإذا سقط في شراب أو طعام وألْقَى تلك الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب أو الطعام فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم هو مبيد البكتيريا الذي يحمله في جوفه قريباً من أحد جناحيه. . ولذا فإنّ غمس الذباب كلّه وطرحه كاف لقتل الجراثيم وإبطال عملها. كما أنّه قد ثبت علمياً أن الذباب يفرز جسيمات صغيرة من نوع الإنزيم تسمّى "باكتريوفاج " [Bacte ﷺ iophage] أي مفترسة الجراثيم وهي عامل الشفاء من الداء. فالعلم توصّل إلى هذه الحقائق التي أخبر عنها النبيصلى الله عليه وسلم بصورة إعجازية منذ أربعة عشر قرناً ممّا يدلّ على أنّ سنّته وحي تلقاه من الخالق العلام.

стр. 65

٥ - الاحتراس من الأوبئة بالتزام قواعد حفظ الصحة: روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده إلى جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعاً: "غطّوا الإناء وأوكئوا السقاء، فإنّ في السَّنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمرّ بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء" (١) . لقد تبيّن عند الباحثين أنّ الأمراض الخطرة والأوبئة تنتشر في مواسم معيّنة من السنة أو في عدد معيّن من السنوات، وحسب نظام دقيق لا يعرف تعليله حتى الآن، فالحصبة مثلاً وشلل الأطفال يكثران في سبتمبر وأكتوبر وحمّى

стр. 66

المستنقعات [التيفويد - Typhoid] يكثر في الصيف أما الطاعون [الكوليرا Chole ﷺ a] فإنّه يأخذ دورة كل ٧ سنوات والجدري كل ٣ سنوات. ففي قول النبي ﷺ : "إنّ في السنة ليلة ينزل فيها وباء" إعجاز علميّ يكشف وجود أوبئة موسميّة في أوقات معيّنة لم تقف الكشوفات الطبّيّة على هذه الحقيقة إلا في عصور متأخّرة، فمن علَّم الرسول ﷺ هذه الحقائق العلميّة المعقّدة؟ إنّه الوحي.

стр. 67

هل وجود أحاديث محمولة على غير محاملها ينقض القول بأنّ السنّة وحي ؟ إنّ الإقرار بأنّ السنّة وحي ينبني عليه الإقرار بأنّ السنّة حقّ وصواب لأنّ مصدرها الله العليم الخبير. وهنا قد يسأل سائل: كيف تكون السنّة وحيا مبرّأ عن الخطإ والاختلاف والتضارب وفيها أحاديث مختلفة (١) ، وأخرى مشكلة (٢) ، وغيرها ناسخة ومنسوخة (٣) !؟ والمعلوم أنّ هذا الضرب من الأحاديث المحمولة على غير محاملها لا يتعارض مع كون السنّة وحيا، لأنّ تعارض الأحاديث المختلفة إنّما هو تعارض ظاهريّ وليس حقيقيّا واقعيّا، وقد تولّى علماء الأمّة بداية من الإمام الشافعيّ الجمع بين تلك الأحاديث وإثبات توافقها وعدم اختلافها، وحلّ إشكالات الأحاديث المشكلة، وبيان تساوقها مع العقل والشرع ومع حقائق التاريخ ونواميس الطبيعة المشاهدة المعروفة. وكذلك النسخ فهو حقيقة شرعيّة ربّانيّة، وليس نكوصا عن حكم شرعيّ وليس استبدال حكم آخر به اعتباطا، علما بأنّ كلا من الحديث الناسخ والحديث المنسوخ صحيح ثابت لا يضعف النسخ من قيمته وإن أبطل حكمه.

стр. 68

ويتحصّل من كلّ ما مضى أنّ السنّة وحي مصدره ربّ العالمين الذي لا ينسى ولا يسهو ولا يخطئ ولا يعكّر صفو هذه الحقيقة وجود أحاديث مختلفة ومشكلة وناسخة ومنسوخة.

стр. 69

هل وحي القرآن هو نفسه وحي السنّة ؟ وإذا ثبت لدينا أنّ السنّة في مجملها وحي - اللهم إلا بعض الاجتهادات في قضايا معيشيّة لا صلة لها بالحلال والحرام ولا بالقضايا الغيبيّة التوقيفيّة، كتأبير النخل ونحوه - حقّ لنا أن نتساءل: هل وحي القرآن هو نفسه وحي السنّة؟ لقد انعقد الإجماع على أنّ وحي القرآن نزل على النبيّ ﷺ بلفظه ومعناه، في اليقظة، بواسطة جبريل ﵇، وأنه لم ينزل عليه منه شيء في النوم ولا بطريق من طرق الوحي الأخرى، وليس ذلك لأنّ طرق الوحي الأخرى يعتريها اللبس أو يلحقها الشكّ، لأنّ الوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقينيّ ضروريّ بأنّه من الله سبحانه (١) . أمّا وحي السنّة سواء كان حديثا نبويّا أو حديثا قدسيّا فقد يكون بوحي جليّ أي يأتي به جبريل في حال اليقظة، كما يكون بوحي خفيّ أي بالإيحاء، والإلهام، والبثّ في الروع، والرؤيا الصادقة في المنام، وإذا كان معنى الحديث وحيا من الله فإنّ لفظه من صياغة الرسول الأمين ﷺ .

стр. 70

الخاتمة: بعد فقد تبيّن لنا ممّا تقدّم أنّ ظاهرة الوحي ممكنة الحدوث، وأنّ تواتر أخبار الرسالات السماويّة، وما توصّل إليه العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكّرين تثبت أنّ الوحي ضرورة حتميّة حتى يهدي الله به البشر عن طريق الرسل إلى الحقائق الغيبيّة التي كثيرا ما يستعصي فهمها على الناس، وأمّا ما جنح ويجنح إليه المادّيّون والملاحدة وأتباع المذهب الوضعيّ [Le positivisme] من إنكار الوحي وعالم الغيب عامّة فلا يعتدّ به؛ لأنّ آراءهم لا تستند إلى دليل عقليّ منطقيّ وتتعارض مع طبيعة الإنسان وما فطر عليه من الإيمان بالله وبعالم الغيب. أمّا ما سقناه من أدلّة قرآنيّة ومن أدلّة من السنة النبويّة وما استعرضناه من أخبار غيبيّة تنبّأ الرسول ﷺ بوقوعها وتحقّقت، أو ما ذكرناه من أحاديث تضمّنت إشارات علميّة دقيقة ومعقّدة تحقّق فيها الإعجاز العلميّ، فهي كلّها تثبت أنّ السنّة في مجملها وحي من الله وأنّ الرسول محمدا ﷺ موصول بربّه عن طريقه. وإذا كانت السنّة وحيا، وكان الرسول ﷺ معصوما من الخطإ فإنّ كلّ ما صحّ صدوره عنه صدق وحقّ، واجب الأخذ به والعمل بأحكامه، أو بما يمكن أن يستنبط منه من أحكام شرعيّة. ونظرا إلى أنّ السنّة دين وشريعة فقد حرّم الكذب والتزيّد فيها، يقول النبيّ ﷺ : "من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار" (١) .

стр. 71

وكما وعد الله بحفظ كتابه، فإنّه تعالى تعهّد بحفظ بيان هذا الكتاب وهو السنّة إذ لا يحفظ المبيَّن [اسم مفعول] إلا بحفظ المبيِّن [اسم فاعل] وقد قيّض للسنة من أبناء الأمّة رجالا أفذاذا علماء ربّانيّين حفظوها ونفوا عنها ما ليس منها فكانت مع القرآن الدين القيّم. فمن حارب السنة أو شكّك فيها بدعاوى باطلة متهافتة فإنّما يحارب الله الذي أوحى بها لعبده ورسوله محمد سيد المرسلين وخاتمهم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 72

مصادر ومراجع ... قائمة المراجع ١- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كثير، أحمد محمد شاكر ط٣،١٩٥٢م، مطبعة الصبيح، مصر. ٢- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزيّ ١٤٠٣?، ١٩٨٢م، طبعة جمعيّة المكتبة السعيديّة بحيدر آباد، الهند، نشر الدار القيّمة، بمباي. ٣- التفسير الواضح الميسّر، الشيخ محمد الصابوني ط١ ١٤٢٢?، ٢٠٠١م، مؤسّسة الريّان للطباعة والنشر، بيروت. ٤- تقييد العلم، الخطيب البغداديّ ط٢، ١٩٧٤م، دار إحياء السنّة النبويّة، بيروت. ٥- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، أبو عمر يوسف بن عبد البرّ، ط١ الطبعة السلفيّة، المدينة المنوّرة. ٦- جامع البيان عن تأويل القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، ط٣، ١٣٨٨?، ١٩٦٨م، مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر. ٧- جريدة المحجّة، جريدة جامعة نصف شهريّة، تصدر بفاس بالمغرب. ٨- الحديث والمحدّثون، محمد محمد أبو زهو ط١، ١٩٧٨م بمصر. ٩- حيّ بن يقظان، ابن سينا وابن الطفيل والسهرورديّ، تحقيق وتعليق أحمد أمين، ط٣، ١٩٦٦م، دار المعارف بمصر.

стр. 73

١- الرسالة للإمام الشافعيّ، ط١، ١٤٠٨?/١٩٨٨م، الناشر مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة. ٢- السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ، مصطفى السباعيّ، ط٤،١٤٠٥?، ١٩٨٥م، المكتب الإسلاميّ بيروت، دمشق. ٣- سنن أبي داود، طبعة المكتبة الإسلاميّة، إسطنبول، تركيا. ٤- سنن الترمذيّ، طبعة مصطفى البابي الحلبيّ، ١٣٥٦?، ١٣٨٨م. القاهرة. ٥- سنن الدارميّ، المدينة المنوّرة ١٣٨٦?، ١٩٦٦م. ٦- سنن ابن ماجه طبعة عيسى البابي الحلبيّ ١٩٧٢م. ٧- سنن النسائيّ، طبعة دار البشائر، ١٩٨٦م، بيروت. ٨- سيرة ابن هشام، ط٢، ١٣٧٥?، ١٩٥٥م، تحقيق السقا، الأبياريّ، شلبيّ طبعة مصطفى البابي الحلبيّ، القاهرة. ٩- السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنّة، محمد محمد أبو شهبة، ط٥، ١٤١٩?، ١٩٩٩م، دار القلم، دمشق. ١٠- عون المعبود شرح سنن أبي داود ـ للعلامة أبي الطيّب محمد شمس الحقّ العظيم آبادي، ط٢، ١٣٨٩?، ١٩٦٩م، مؤسّسة قرطبة للنشر والتوزيع، الهرم، مصر] . ١١- صحيح البخاري: انظر متن فتح الباري. ١٢- صحيح مسلم، ط ١، ١٣٧٤?، ١٩٥٥م، عيسى البابي الحلبيّ، مصر.

стр. 74

١- الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار - أبو بكر محمد بن موسى الحازميّ، ط١، ١٣٨٦?، ١٩٦٦م، مطبعة الأندلس، حمص، سوريا. ٢- فتح الباري للإمام الحافظ أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، إخراج وتصحيح محبّ الدين الخطيب. ط١، ١٤٠٧?، ١٩٨٦م، دار الريّان للتراث، القاهرة. ٣- فقه اللغة وسرّ العربيّة، الثعالبيّ، مطبعة الاستقامة، القاهرة، بدون تاريخ ولا بيان رقم الطبعة. ٤- محاضرات في علوم الحديث، مصطفى أمين التازيّ، ط٣، ١٣٩١?، ١٩٧١م، مطبعة دار التأليف، مصر. ٥- مسند أحمد، ط١، ١٩٦٩م، دار صادر بيروت. ٦- معالم السنن شرح سنن أبي داود، أبو سليمان الخطابيّ، ط٢، ١٤٠١?، ١٩٨١م، منشورات المكتبة العلميّة، بيروت، لبنان. ٧- معجم المصطلحات والشواهد الفلسفيّة، جلال الدين سعد، دار الجنوب للنشر ١٩٩٨ م، تونس. ٨- مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهانيّ، ط٢،١٤١٨?، ١٩٩٧م، دار القلم، دمشق، الدار الشاميّة، بيروت. ٩- الموافقات في أصول الشريعة لأبي القاسم الشاطبي، ط٣، ١٤١٧?، ١٩٩٧م، دار المعرفة، بيروت.

стр. 75

١- الموطّأ لمالك بن أنس، ط٧، ١٤٠٤?، ١٩٧٣م، رواية يحيى الليثي، إعداد أحمد راتب عمروش، دار النفائس، بيروت. ٢- المواقع التالية: - www. alhikmeh. com - aabic. mktba/quanalislam/as. htm - www. wamy. og/html/quan١.asp - www. geocities. com/ _eemzhtm٣٤.htm - www. geocities. com/ _eemz٤٥.htm