← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7600

السنة النبوية وحي - شيخة بنت مفرج

شيخة بنت مفرج المفرج

Полный текст (58 стр.). Показаны 36–58 · переход к 41.

стр. 36

حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب إلا قدم منها وفد على رسول الله ﷺ ولقد عرف الصحابة ﵃ تلك الوفود وفداً وفدا وحفظوا ما حدثهم به النبي ﷺ من حديث وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ ونصائح وأحكام وسنن حتى إنك لتجد كتب الحديث والسير والمغازي مملوءة بذكر هذه الوفود وما كان لها من أثر عظيم في نشر الدين والسنن سواء ما كان من هذه الوفود في سنة تسع وما كان قبلها. وهاك بعض الوفود التي أقبلت عليه ﷺ :- ١- وفد بني سعد بن بكر- وكان وافدهم إلى النبي ﷺ هو ضمام بن ثعلبة وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة ولما قدم المدينة وجد النبي ﷺ جالساً بين أصحابه ولا يعرفه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فأشاروا إلى النبي ﷺ فدنا منه وقال: "إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل عما بدا لك، فقال: يا محمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، فقال أنشدك برب من قبلك وبرب من بعدك، قال: اللهم نعم، أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟، قال اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟، قال: اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخد هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة" (١) ثم رجع ضمام إلى قومه فأسلموا جميعاً.

стр. 37

٢- وفد عبد القيس - لما قدموا على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من مضر فمرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المَغنم الخمس، ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم" (١) . من هذا ترى أن الوفود كانت تقدم على رسول الله ﷺ لتنهل من معين العلم ولتتفقه في دين الله وتقف على أحكام الإسلام، ثم يرجعوا إلى أوطانهم يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم، فهذه الوفود إلى جانب البعوث التي كان يرسلها النبي ﷺ إلى القبائل والملوك كان لها أكبر الأثر في نشر السنة النبوية في أنحاء الجزيرة العربية.

стр. 38

و حجة الوداع وأثرها في نشر الحديث: هذا ولما استتب لرسول الله ﷺ الأمر في الجزيرة قصد حج بيت الله الحرام وقد حج معه من المسلمين أكثر من مئة ألف فألقى فيهم النبي ﷺ خطبة عظيمة جمع فيها أحكاماً غزيرة وسنناً كثيرة ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام، ولكثرة الناس في ذلك اليوم اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مُبلغاً عنه، وافتتح هذه الخطبة بعد حمد الله بقوله "أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا" (١) وهي خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج وكأنه ﵇ كان يشعر بدنو أجله فلم يترك شيئاًلم يكن بينه للناس إلا بينه وأظهره، فكانت هذه الخطبة الحافلة في هذا الجمع الحاشد من أكبر العوامل في ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم وهي كمنهاج ختامي للدعوة الإسلامية عامة ولحديث رسول الله ﷺ خاصة وقد نزل في هذا الوقت قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] .

стр. 39

المنحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ مدخل ... المبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ كان مصدر التشريع في عهد الرسول ﵊ كتاب الله وسنة رسوله، ينزل الوحي فيبلغه النبي الكريم إلى الناس كافة، ويبين مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان الرسول ﷺ المرجع الأعلى في جميع أمور الأمة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري، ويعالج الأمور على مرأى من أصحابه ﵃. ثم ما لبث أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي ولم يبق أمام الأمة إلا القرآن الكريم والسنة الشريفة، مصداقاً لقوله ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" (١) . وتمسك الصحابة والتابعون بسنته ﵊ استجابة لأوامر الله وطاعة لرسوله ﵊.

стр. 40

منهج الصحابة والتابعين في المحافظة على السنة: رأينا حرص الصحابة والتابعين على التمسك بالسنة المطهرة، وحسن اقتدائهم بالرسول ﷺ وتتبعهم آثاره، ووقوفهم عند أحكامه ﵊ متى ثبتت عندهم، وقد نهج الصحابة والتابعون

стр. 41

سبيلاً قويماً للمحافظة على الحديث النبوي، ويتضح هذا المنهج من احتياطهم في رواية الحديث، وفي تثبتهم في قبول الأخبار، هذا إلى جانب ما عرضناه من تمسكهم بالسنة وحضهم الناس على الاقتداء بالرسول ﷺ . ١ – احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث: احتاط الصحابة في رواية الحديث عن الرسول ﷺ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفاً من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف، وهي المصدر الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا اتبعوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فحملهم ورعهم وتقواهم على الاعتدال في الرواية عن الرسول ﷺ ، حتى إن بعضهم آثر الإقلال منها خوفا من الوقوع في الخطأ والزّلل لا زهداً فيه، واشتهر من بين الصحابة عمر بن الخطاب-﵁ بشدة إنكاره على من يكثر الحديث. والتزم الصحابة هذا المنهج، فلم يرووا الأحاديث إلا حين الحاجة، وكانوا حين يروونها يتحرون الدقة في أدائها، وكثيراً ما كان يقول بعضهم بعد رواية الحديث (نحو هذا، أو كما قال ,أو شبيها بذلك) (١) ونرى من الصحابة من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، ويتغير لونه حين يروي شيئاً عن الرسول ﷺ ، ورعاً واحتراما لحديثه ﵊.

стр. 42

من هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله ﷺ فلما كان ذات عشية قال: " قال رسول الله ﷺ ، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك أو شبيهاً بذلك" (١) ولم ينهج الصحابة هذا السبيل لقلة ما لديهم من الحديث، بل فعلوا ذلك كله حرصاً على السنة وصيانة لها، واحتياطاً للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زهداً في الحديث النبوي ولا تعطيلاً له. وقد ثبت عن الصحابة جميعاً تمسكهم بالحديث الشريف واجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فان وجدوا فيه ما يريدون تمكسوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى (السنة) ، فإن روي لهم خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه، وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي. وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله تعالى نظر في سنة رسول الله ﷺ فإن

стр. 43

وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون..... قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم (١) وكان عمر ﵁ يفعل ذلك. ورأى الصحابة في منهج عمر ﵁ حفظ السنة، وحمل الناس على التثبت بما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فالتزموه من غير إفراط ولا تفريط، ولم يكثروا من الرواية مخافة رفع التدبر والتفقه، فالتزموا الاعتدال فيها. ثم إن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ، وبخاصة أنه ورد النهي عن التحديث بكل ما يسمعه المرء، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" (٢) ، وسار التابعون وأتباعهم على منهج الصحابة، فاحتاطوا في رواية الحديث، وعابوا الإكثار منها مخافة أن يرتفع تدبر الحديث وفهمه، قال محمد بن المنكدر: (الذي يحدث الناس إنما يدخل بين الله وبين عباده فلينظر بما يدخل) (٣) ٢– تثبّت الصحابة والتابعين في قبول الحديث أمر الإسلام بالتثبت في قبول الأخبار، ونهى عن الكذب، وأمر بقول الحق، نزل بهذا الوحي الأمين، ونطق به الرسول الكريم، وعمل

стр. 44

بذلك الصحابة أجمعون، وسار على ذلك المتقدمون والمتأخرون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً,,يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] ، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] . وقال ﷺ : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (١) وقال: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) . هكذا أُمر المسلمون بالصدق في كل شيء، وبالأمانة والعدل وبتحري الحق واجتناب الباطل، ولهذا فقد احتاط رجال الحديث ونقاده في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار التي يرويها المسلمون، وقد نهج هذا السبيل الصحابة والتابعون, ومن جاء بعدهم، وحاولوا التثبت بكل وسيلة تضمن لهم صحة المروي وضبط ناقله، بطلب الحديث من راو آخر، وجمع طرقه تارة، وبالرجوع إلى أئمة هذا الشأن تارة أخرى.

стр. 45

وحق للأمة الإسلامية أن تتثبت في حديث رسول الله ﷺ وتستوثق له - وهو المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، فكما احتاط الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم في رواية الحديث، احتاطوا وتثبتوا في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وأمثلة تثبت الصحابة والتابعين ومن خلفهم أكثر من أن تحصى، وسنكتفي بذكر مثال عليها: روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع". فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ (١) . ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتماما من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم وإن من يتتبع تاريخ الرواة، وكيفية تحملهم الحديث الشريف؛ ليدرك تماما جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السنة إلى خَلَفهم، وهذا مثال يدل على ذلك: ١ - عن عبادة بن سعيد التجيبي أن عقبة بن نافع الفهري أوصى بنيه فقال: (يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة) .

стр. 46

ويؤكد ذلك قول كثير من العلماء كعبد الله بن عون (١٥٠هـ) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (المتوفى نحو سنة ١٥٣هـ) وشعبة بن الحجاج (٨٢-١٦٠هـ) ، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) وغيرهم قالوا: (خذوا العلم من المشهورين) ، و (لا يؤخذ هذا العلم إلا عمن شهد له بالطلب) (١) .

стр. 47

المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة بعد أن أدى الصحابة والتابعون ما في وسعهم لحفظ السنة آتى هذا الجهد ُثماره يانعة في عهد أتباع التابعين الذين ساروا على خطى من سبقهم وذلك بأمرين:- الأول: ما خرج للناس من مدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يسمى مصنفا وبعضها يسمى جامعا أو مجموعا وغير ذلك. وقد اختلف في أول من صنف وبوب، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج البصري (١٥٠هـ) بمكة، ومالك بن أنس (٩٣-١٧٩هـ) أو محمد بن إسحاق ( ... -١٥١هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (٨٠-١٥٨هـ) موطأ أكبر من موطأ مالك، والربيع بن صبيح ( ... -١٦٠هـ) أو سعيد بن أبي عروبة ( ... -١٥٦هـ) أو حماد بن سلمة ( ... -١٦٧هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) بالكوفة، وخالد بن جميل العبد، ومعمر

стр. 48

ابن راشد (٥٩-١٥٣هـ) باليمن (١) ، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٨٨–١٥٧هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (١١٨-١٨١هـ) بخرا سان، وهشيم بن بشير (١٠٤-١٨٣هـ) بواسط (٢) ، وجرير بن عبد الحميد (١١٠-١٨٨هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (١٢٥-١٩٧هـ) بمصر (٣) , ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان معظم هذه المصنفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا بعض هذا في موطأ الإمام مالك بن أنس (٤) . ثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي ﷺ في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي ولو كانت في مواضيع مختلفة – تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا. وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (٣٣ -٢٠٤هـ) (٥) . وتبعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي ( ... -٢١٢هـ) وهو أول من صنف المسند بمصر، وعبيد الله بن موسى العبسي ( ... -٢١٣هـ) وقال ابن

стр. 49

عدي: هو أول من صنف المسند بالكوفة، ونعيم بن حماد الخزاعي المصري ( ... -٢٢٨هـ) واقتفى الأئمة آثارهم كأحمد بن حنبل (١٦٤ -٢٤١هـ) وإسحاق بن راهويه (١٦١-٢٣٨هـ) وعثمان بن أبي شيبة (١٥٦-٢٣٩هـ) وغيرهم (١) . ويعُدّ مسند الإمام أحمد بن حنبل – وهو من أتباع التابعين – أوفى تلك المسانيد وأوسعها. جمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده. واجتنبوا الأحاديث الموضوعة وذكروا طرقا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب واقتصروا فيها على الحديث الصحيح. ظهرت الكتب الستة في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ) ، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤-٢٦١هـ) ، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢-٢٧٥هـ) ، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ( ... -٢٧٩هـ) وأحمد بن شعيب النسائي (٢١٥-٣٠٣هـ) . ثم ابن ماجه وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (٢٠٧-٢٧٣هـ) ، وقد خدمت هذه الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاؤوا بعدهم (٢) .

стр. 50

الثاني: علم الرجال أو ما يسمى بالجرح والتعديل وقد ظهر هذا العلم في عصر الصحابة والتابعين ولكن اشتدت الحاجة إليه في عصر أتباع التابعين، حيث كان التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس أحد من نقاد الحديث ورجاله يحابي في حديث رسول الله ﷺ أباه ولا أخاه ولا ولده، وقد قصد الجميع خدمة الشريعة الإسلامية وحفظ مصادرها، فصدقوا القول وأخلصوا النية. فهذا شعبة بن الحجاج (٨٢-١٦٠هـ) يُسأل عن حديث حكيم ابن جبير فيقول (أخاف النار) (١) وكان شديداً على الكذابين، ولهذا قال الإمام الشافعي: (لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق) (٢) . وقد كان أئمة الحديث يدققون في حكمهم على الرواة, يعرفون كل محدث ما له وما عليه قال الإمام الشعبي: (والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدو علي تلك الواحدة) (٣) وقال يحيى بن سعيد القطان: (سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكاً وابن عيينةَ عن الرجل يكون ثبتاً في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا أخبر عنه أنه ليس بثبت) (٤)

стр. 51

وقد أكد العلماء ضرورة بيان أحوال الرواة، وأنه ليس في هذا غيبة، بل في ذلك حفظ السنة، وصيانتها عن الدخيل، وبيان الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، قال ابن المبارك: (المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين، كيف يعرف الحق من الباطل؟) (١) وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك ... هذا نصيحة وليس هذا غيبة) (٢) وكانت غاية العلماء في كل هذا بيان الحق بكل أمانة وإخلاص، وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر من الأمانة في الحديث، فكانوا أمناء في كل هذا ولولا ضرورة التثبت والبحث ما خاضوا هذا الميدان الخطير، وما قاسوا المكاره والصعاب. وقيل ليحيىبن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءَك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول: لم حدثت عني حديثاً ترى أنه كذب؟) (٣)

стр. 52

وهكذا قام هؤلاء العلماء بهذه الجهود المباركة لما فيها من نصح للمسلمين، وحفظ لسنة رسول الله ﷺ وإقامة لقواعد الدين استجابة لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ – ٧١] فجزى الله هؤلاء الرجال الأفذاذ خير الجزاء على ما قدموه من جهود جبارة لخدمة هذا الدين وجعلها في موازين أعمالهم.. آمين.

стр. 53

الخاتمة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده. فإنه في ختام هذه الوريقات يطيب لي أن أخرج بهذه الخلاصة التي أرجو أن تنفع من قرأها. *أن المعنى اللغوي للسنة يقود للمعنى الاصطلاحي وبينهما رابط قوي ألا وهو الطريق والمنهج المسلوك، على ما ورد من اختلافات طفيفة في التعريف الشرعي بين المحدثين والفقهاء والأصوليين، فكل يعرف بما يخدم علمه لكنها كلها تصب في قالب واحد. *أن الله كما أوحى لنبيه محمد ﷺ بالقرآن فقد أوحى له بالسنة لأنه وصفه بأنه لا ينطق عن الهوى ولأن ما ينطق به شرع يتعبد به والله هو الشارع سبحانه. *أن الله كما حفظ كتابه، فقد قيض لسنة نبيه من يحفظها من الصحابة الأبرار ومن جاء بعدهم ممن حمل همَّ هذا الدين حتى تبقى شرعاً يُعمل به إلى أن تقوم الساعة. وما كان في هذا البحث من صواب فمن الله، وما كان فيه من تقصير فمن نفسي المقصرة ومن الشيطان. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

стр. 54

مصادر ومراجع ... المصادر والمراجع ١) القرآن الكريم. ٢) أصول الحديث علومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الرابعة - دار الفكر – بيروت لبنان ١٤٠١هـ – ١٩٨١ م. ٣) أصول الفقه الإسلامي لزكي الدين شعبان، الطبعة الثالثة – دار العلم – بيروت لبنان ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م. ٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، توزيع دار الباز، مكة المكرمة. ٥) تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر بن أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان. ٦) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للحافظ السيوطي، حققه عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية – دار الكتب الحديثة – مصر ١٣٨٥هـ - ١٩٦٦م. ٧) تفسير ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - للحافظ ابن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم ومحمد عاشور ومحمد البنا - طبعة الشعب - القاهرة. ٨) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، الطبعة الأولى – مطبعة دار المعارف – الهند.

стр. 55

٩) الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية لمحمد أبو زهو - طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض - المملكة العربية السعودية - الطبعة الثانية - ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م. ١٠) دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، تأليف الدكتور - محمد مصطفى الأعظمي - طبعة المكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - ١٤٠٠هـ -١٩٨٠م. ١١) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للعلامة محمد بن جعفر الكتاني، الطبعة الرابعة - دار البشائر الإسلامية – بيروت - لبنان ١٤٠٦هـ – ١٩٨٦م. ١٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية – الدار السلفية – الكويت ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م. ١٣) السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الثالثة- دار الفكر– بيروت - لبنا ن ١٤٠٠هـ - ١٩٨٠م. ١٤) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي، الطبعة الرابعة للمكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م. ١٥) سنن ابن ماجه للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة المكتبة العلمية، بيروت- لبنان. ١٦) سنن أبي داود للإمام الحافظ أبي داود (سليمان بن الأشعث

стр. 56

السجستاني الأزدي) ، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، الطبعة الأولى - دار الحديث - حمص - سورية. ١٧) سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت – لبنان. ١٨) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للإمام ابن حجر العسقلاني، تصحيح وتحقيق ومقابلة سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز، طبعة دار الفكر، رقمه محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وأشرف على طبعه محب الدين الخطيب. ١٩) صحيح سنن ابن ماجه، تأليف محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى - المكتب الإسلامي – بيروت - لبنان - ١٤٠٧هـ -١٩٨٦م. ٢٠) صحيح سنن أبي داود، صحح أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى -المكتب الإسلامي - بيروت - لبنان ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م. ٢١) صحيح مسلم لمسلم بن حجاج النيسابوري، اعتنى به محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة المكتبة الإسلامية، استانبول - تركيا. ٢٢) الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى – دار الكتب العلمية – بيروت - لبنان ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م، توزيع دار الباز.

стр. 57

٢٣) القاموس المحيط للعلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية - بيروت - لبنان - ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م. ٢٤) الكفاية في علم الرواية للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي. ٢٥) لسان العرب لابن منظور - طبعة دار المعارف - تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي. ٢٦) المراسيل تصنيف أبي داود، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة – بيروت لبنان – ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م. ٢٧) المسند للإمام أحمد بن حنبل، شرحه ووضع فهارسه أحمد شاكر، الطبعة الثانية - دار المعارف بمصر - ١٣٩١هـ -١٩٧١م. ٢٨) المسند للإمام أحمد بن حنبل، وبهامشه منتخب كنز الكمال في سنن الأقوال والأفعال، طبعة المكتب الإسلامي. ٢٩) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة - ١٣٦٤هـ. ٣٠) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف إعداد خادم السنة المطهرة أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الفكر - بيروت - لبنان - ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م.

стр. 58

٣١) الموطأ للإمام مالك بن أنس، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي – دار إحياء الكتب العربية. ٣٢) النهاية في غريب الحديث والأثر للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري بن الأثير، تحقيق محمود محمد الطناحي، طاهر أحمد الزاوي - دار إحياء الكتب العربية.