مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠, ٧١]
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
стр. 2
وبعد فإنه على الرغم من قوة تيار الكفر والضلال الذي يحول أن يسوق أمتنا بعصاه ويلقي بها في مهاوي الضياع والفناء وعلى الرغم من محاولة أنصار الجاهلية الحديثة جهدهم وتجميعهم جندهم ليقطعوا هذه الأمة الإسلامية العريقة عن عقيدتها ويجتثوا إسلامها من حياتها فإن هناك بصيصا من النور ورفيفا من الأمل يلمحه المراقب للأحداث متمثلا في ذاك التيار الوليد الذي يحبو ويحاول الحركة ويتلمس الطرق كي يصد ذاك التيار الأهوج المدمر ويرده على أعقابه وينقذ البلاد والعباد من آثاره وأخطاره.
وما ذاك التيار الحبيب إلا هذه البراعم الندية والزهرات المتفتحة هنا وهناك من الشباب المسلم المؤمن الذي فتح عينيه على الحياة واستيقظ على صيحات بعض الدعاة والمصلحين الذين حركوا فيه الغيرة والحمية وأثاروا فيه العاطفة الدينية والنفس الأبية ويحاول هؤلاء الشباب أن ينهضوا بالأمة بعد طول تأخر وينقذوها من الأعداء والأخطار فيسعون جادين مخلصين ويدأبون غير هيابين ولا وجلين ولكنهم سرعان ما يفاجؤون بأنهم ما يزالون في مكانهم وأنهم قد رجعوا بعد طول سير وشدة نصب إلى موضعهم الذي كانوا قد انطلقوا منه وغادروه فيأسفون لذلك ويحزنون وييأس بعضهم فيقعد ويعيد الكرة ويسعى من جديد آخرون ويجرب هؤلاء ويعملون ولكن تجربتهم لا تكون خيرا
стр. 3
من سابقتهم ولا بأفضل من سالفتهم وتتكرر هذه الحالة مرات ومرات.
نعم هذه حالة عامة الدعاة إلى الله في هذه الأزمان حيرة وضياع وتيه وغموض وفوضى وارتجال وعمل بدون جدوى لا يعرفون الطريق الصحيح ولا يهتدون إلى الماهر الخريت الذي يخلصهم من حيرتهم وينقذهم من متاهتهم ويجعل جهودهم تنصب في السبيل المجدي وأعمالهم تصرف في الوجه المفيد المرضي الذي يؤدي إلى الغاية المطلوبة ويحقق الهدف المنشود.
وما الطريق الصحيح إلا طريق الكتاب والسنة وفهمهما على المنهج الذي فهمه سلفنا الصالح – رضوان الله عليهم – والعمل بهما والدعوة إليهما والثبات على أمرهما وما الأدلاء الحاذقون إلا العلماء بالكتاب والسنة والعاملون بهما والمخلصون لهما والمهتدون بهديهما.
وعبثا يحاول الشباب المسلم الوصول إلى نصرة الإسلام وإنقاذ كرامة المسلمين عن غير هذه السبيل وعبثا تحاول الحركات الإسلامية تحقيق الغاية المنشودة المنشودة من دون الاستعانة بهؤلاء الأدلاء الخبراء الماهرين.
وقد من الله علينا – وله الحمد الجزيل والمنة والفضل الكبير والنعمة – فهيأ لنا عالما حقيقيا هو من بقي السلف
стр. 4
الصالح والأئمة الهداة فدلنا على العلم المستفاد من الكتاب والسنة وهدانا الله بواسطته على ما اختلف فيه الأقوام من الحق بإذنه وأطلعنا على الكنوز الثمينة والجواهر الغالية المبثوثة في كلام الله وكلام رسوله فأحسسنا برد الراحة والاطمئنان بعد طول تعب ونصب وشعرنا بالقناعة الكاملة والفهم الصحيح بعد طول تحير وتخبط فرأينا من حق أمتنا علينا عامة ومن حق شباب الإسلام علينا خاصة أن ندلهم على الخير الذي وفقنا بصرنا الله تعالى به ونرشدهم إلى سبيل الهدى ونتعاون معهم على تجنب أسباب المتاهة والردى وبالله تعالى التوفيق والتأييد دائما وأبدا.
ولذلك فقد حرصنا على أن نزود المسلمين بين الحين والآخر بكل ما نطلع عليه من العلم النافع والدراسة الجادة القويمة التي تعرض عليهم الإسلام الحق واضحا بلا غموض سهلا من غير تعقيد نقيا من من غير شوائب صافيا من كل قذى وكدر مقرونة فيه المسائل بأدلتها والآراء بمآخذها يغني الدارسين عن المؤلفات الكثيرة الواسعة ويقنعهم بالحجج النيرة ويجنبهم التخبط والضياع والاختلاف والاضطراب وينشئ فيهم الوحدة الفكرية التي تتولد عنها الوحدة الشعورية ثم يتبعها إن شاء الله تعالى بعد ذلك وحدة العمل لإقامة الدين والجهاد من أجل تطبيقة وتبليغه والتمين له في العالمين.
стр. 5
ونريد بهذه الكتب والرسائل أن تكون المنطلق العلمي الصحيح والقاعدة الفكرية القوية لدعاة الإسلام ولذلك فنحن نعرضها على أهل الرأي والفكر الإسلامي وعلى العلماء المسلمين والدعاة المؤمنين كي يروا فيها رأيهم ويدلوا فيها بدلوهم ونحن نرحب بكل نقد بناء ونشكر صاحبه ونعده مساهمة عملية في إنجاح عملنا والوصول به إلى مرحلة الإثمار والنضوج ولكننا نرى أنه يجب أن تتحقق في كل نقد يكتب أو ينشر الصفات الثلاثة الآتية:
١ – الإخلاص لله فيه بأن يكون قصد صاحبه منه الوصول إلى الحق والقيام بواجب النصيحة.
٢ – العلم والفهم الصحيحان المستندان إلى أصلي الدين الأصيلين وركنيه البارزين كتاب الله وسنة نبيه.
الأدب الإسلامي الرفيع والأسلوب العلمي الموضوعي الخالي عن التشهير والتحقير والتسخيف والتجهيل اللهم إلا لمن تعدى وظلم وأساء وافترى.
وهذه الرسالة التي أقدمها اليوم لأستاذنا العلامة محمد ناصر الدين الألباني بعنوان: "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام" وهي محاضرة كان ألقاها في مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين الذي انعقد في مدينة غرناطة ببلاد أسبانيا النصرانية حاليا الأندلس الإسلامية سابقا في شهر رجب عام ١٣٩٢ هـ الموافق
стр. 6
لشهر آب من سنة ١٩٧٢م.
وقد تحدث فيها المؤلف عن موقف المسلم الصحيح من السنة ومكانتها وحجيتها وجعلها في أربعة فصول تحدث في الفصل الأول عن منزلة السنة في الإسلام وواجب المسلمين في الرجوع إليها والتحذير من مخالفتها.
وتحدث في الفصل الثاني عن بطلان محاولات الخلف لمخالفتها وفساد ما تذرعوا به لذلك من القياس وبعض القواعد الأصولية التي اصطنعوها وضربوا بالسنة عرض الحائط من أجلها.
وأما الفصل الثالث فقد خصصه المؤلف – حفظه الله تعالى – للتدليل على بطلان القاعدة التي وضعها بعض علماء الكلام قديما وأشاعها بعض العلماء والدعاة حديثا وهي دعواهم أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة وبين خطأ واضعي هذه القاعدة حيث فرقوا بسببها بين أحاديث العقائد وأحاديث الأحكام دون دليل صحيح ظاهر وإنما لمجرد التوهم والتخيل.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هذا الموضوع قد تعرض له أستاذنا هنا بشيء من الاختصار لأنه كان قد بحثه بحثا مفصلا موسعا واستقصى فيه أهم ما يمكن ذكره من الأدلة على بطلان ذاك الرأي في رسالة خاصة عنوانها "حديث الآحاد والعقيدة" وهي محاضرة كان قد ألقاها في جمع من الشباب المسلم الواعي
стр. 7
في دمشق منذ نحو خمسة عشر عاما وكان لها أثر حميد في إضعاف انتشار الرأي المذكور وإحراج مروجيه ومشيعيه في أوساط المثقفين وقد يسر الله نشرها بعنوان "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" برقم "٥".
وأما الفصل الرابع والأخير من رسالتنا هذه فقد عرض فيه المؤلف إلى الأمر الثالث والخطير الذي أدى إلى إضعاف مكانة السنة عند الناس وتعطيل العمل بها وذلك هو التقليد الذي عم وطم جميع نواحي الفكر والحياة في العالم الإسلامي لعدة قرون من الزمان والذي أناخ بكلكله على العقول والنفوس فأمات فيها الابتكار وقتل العبقريات ودفن المواهب وحرم الناس فيما حرم من هدى ربهم سبحانه وصدهم عن الانتفاع بالخير الذي جاءهم عن طريق محمد ﷺ ركونا إلى اجتهادات علماء لم يرضوا لتلاميذهم أن يقلدوهم فيها من غير بصيرة بل كل منهم نصح من بعده ألا يقدموا على كتاب الله وسنة رسوله شيئا من الأقوال والآراء والاجتهادات أو فتوى تخالف قول الله وقول رسوله ورجوعهم عنها في حياتهم وبعد مماتهم.
وقد أهاب أستاذنا في ختام المحاضرة بالشباب المسلم أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة في كل ما يبلغهم منهما وأن يعملوا لتحقيق مرتبة الاتباع في نفوسهم حسب استطاعتهم وإمكانياتهم
стр. 8
فبذلك يفردون الرسول ﷺ وحده بالاتباع كما أفرده الله تعالى وحده بالعبودية وبذلك يحققون فعلا – لا قولا فقط – معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وبذلك يحققون في أنفسهم – عملا لا دعوى – شعار "الحاكمية لله تعالى وحده" بعد أن أعلنوه شعارا وتغنوا به قولا وبذلك أيضا ينشئون "الجيل القرآني الفريد" الذي يحقق دولة الإسلام المنشودة بإذن الله تعالى.
هذا وقد نالت هذه المحاضرة استحسانا كبيرا من جماهير الطلبة المثقفين المسلمين الذين استمعوا إليها لما رأوا فيها من المناقشة العلمية الموضوعية والرأي الصائب القويم وأرسلوا عدة رسائل إلى المؤلف يطلبون منه طبعها ونشرها ليعم النفع بها كل مسلم مخلص غيور يبحث عن الحق ويتمسك به.
كما يحسن أن ننبه هنا إلى أن لأستاذنا الفاضل موضوعا ثالثا عن السنة هو محاضرة كان قد ألقاها منذ نحو سنتين في جمع من الشباب المسلم في بلاد قطر العزيزة تحدث فيها عن أهمية السنة النبوية ومنزلتها في التشريع الإسلامي والحاجة إليه من أجل فهم القرآن ومعرفة تفسيره وعساها يقدر لها كذلك النشر قريبا بإذن الله.
هذا وقد طلبنا من أستاذنا الكريم إجابة الطلبات الكثيرة لطبع هذه المحاضرة القيمة ونشرها فوافق – جزاه الله تعالى خيرا – على ذلك مشكورا فقمنا بقراءتها عليه ونقحناها بإشرافه
стр. 9
ووضعنا عناوين صغيرة لأفكارها الأساسية تسهيلا على القارئ ومساعدة له على إدراك عناصر الموضوع الرئيسية وهذا نوع من الترتيب الحديث والتنظيم الجيد للكتابة نافع ومفيد١.
وقد رأيت أن أقدم بين يدي الرسالة بتعريفات لبعض المصطلحات الحديثية التي لها صلة بالموضوع وبفوائد هامة يحسن بيانها وأرجو الله تعالى أن ينفع بهذه الرسالة كثيرين وأن يجزي كاتبها وناشرها ومبلغها خير الجزاء وبه سبحانه التوفيق والسداد ومنه وحده العون والاستمداد.
стр. 10
الفصل الأول: وجوب الرجوع إلى السنة وتحريم مخالفتها
مدخل
...
الفصل الأول: وجوب الرجوع إلى السنة وتحريم مخالفتها
أيها الإخوان الكرام: إن من المتفق عليه بين المسلمين الأولين كافة أن السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - هي المرجع الثاني والأخير في الشرع الإسلامي في كل نواحي الحياة من أمور غيبية اعتقادية - أو أحكام عملية أو سياسية أو تربوية وأنه لا يجوز مخالفتها في شيء من ذلك لرأي أو اجتهاد أو قياس كما قال الإمام الشافعي ﵀ في آخر "الرسالة ": "لا يحل القياس والخبر موجود "ومثله ما اشتهر عند المتأخرين من علماء الأصول: "إذا ورد الأثر بطل النظر" "لا اجتهاد في مورد النص" ومستندهم في ذلك الكتاب الكريم والسنة المطهرة
القرآن يأمر بالاحتكام إلى سنة الرسول ﷺ
أما الكتاب ففيه آيات كثير أجتزئ بذكر بعضها في هذه المقدمة على سبيل الذكرى ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦]
الأحاديث الداعية إلى اتباع النبي ﷺ في كل شيء:
وأما السنة ففيها الكثير الطيب مما يوجب علينا اتباعه ﵊ اتباعا عاما في كل شيء من أمور ديننا وإليكم النصوص الثابتة منها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
أخرجه البخاري في "صحيحه كتاب الاعتصام "
٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
"جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنه
стр. 15
نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيه مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أولوها يفقهها فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله ومحمد ﷺ فرق١ بين الناس
أخرجه البخاري أيضا
٣ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك
مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق" أخرجه البخاري ومسلم
٤ - عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما
стр. 16
أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه "وإلا فلا".
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة والطحاوي وغيرهم بسند صحيح
٥ - عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه١ فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه".
رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح
٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهم ما تمسكتم بهما كتاب
стр. 17
الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض".
أخرجه مالك مرسلا والحاكم مسندا وصححه
ما تدل عليه النصوص السابقة:
وفي هذه النصوص من الآيات والأحاديث أمور هامة جدا يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - أنه لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله وأن كلا منهما ليس للمؤمن الخيرة في أن يخالفهما وأن عصيان الرسول ﷺ كعصيان الله تعالى وأنه ضلال مبين
٢ - أنه لا يجوز التقدم بين يدي الرسول ﷺ كما لا يجوز التقدم بين يدي الله تعالى وهو كناية عن عدم جواز مخالفة سنته ﷺ قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" "١/٥٨":
"أي لا تقولوا حتى يقول وتأمروا حتى يأمر ولا تفتوا حتى يفتي ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضي "
٣ - أن المطيع للرسول ﷺ مطيع لله تعالى
٤ - أن التولي عن طاعة الرسول ﷺ إنما هو من شأن الكافرين
٥ - وجوب الرد والرجوع عند التنازع والاختلاف في شيء من أمور الدين إلى الله وإلى الرسول ﷺ قال ابن القيم "١/٥٤":
стр. 18
فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل "يعني قوله: وأطيعوا الرسول" إعلاما بأن طاعته تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه
أوتي الكتاب ومثله معه "ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول "
ومن المتفق عليه عند العلماء أن الرد إلى الله إنما هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته وأن ذلك من شروط الإيمان
٦ - أن الرضى بالتنازع بترك الرجوع إلى السنة للخلاص من هذا التنازع سبب هام في نظر الشرع لإخفاق المسلمين في جميع جهودهم ولذهاب قوتهم وشوكتهم
٧ - التحذير من مخالفة الرسول ﷺ لما لها من العاقبة السيئة في الدنيا والآخرة
٨ - استحقاق المخالفين لأمره ﷺ الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة
٩ - وجوب الاستجابة لدعوة الرسول ﷺ وأمره وأنها سبب الحياة الطيبة والسعادة في الدنيا والآخرة
١٠ - أن طاعة النبي ﷺ سبب لدخول الجنة والفوز العظيم وأن معصيته وتجاوز حدوده سبب لدخول النار والعذاب المهين
стр. 19
١١ - أن من صفات المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر أنهم إذا دعوا إلى أن يتحاكموا إلى الرسول ﷺ وإلى سنته لا يستجيبون لذلك بل يصدون عنه صدودا
١٢ - وأن المؤمنين على خلاف المنافقين فإنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى الرسول ﷺ بادروا إلى الاستجابة لذلك وقالوا بلسان حالهم ومقالهم: "سمعنا وأطعنا" وأنهم بذلك يصيرون مفلحين ويكونون من الفائزين بجنات النعيم
١٣ - كل ما أمرنا به الرسول ﷺ يجب علينا اتباعه فيه كما يجب علينا أن ننتهي عن كل ما نهانا عنه
١٤ - أنه ﷺ أسوتنا وقدوتنا في كل أمور ديننا إذا كنا ممن يرجو الله واليوم الآخر
١٥ - وأن كل ما نطق به رسول الله ﷺ مما له صلة بالدين والأمور الغيبية التي لا تعرف بالعقل ولا بالتجربة فهو وحي من الله إليه. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
١٦ - وأن سنته ﷺ هي بيان لما أنزل إليه من القرآن
١٧ - وأن القرآن لا يغني عن السنة بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع وأن المستغني به عنها مخالف للرسول ﵊ غير مطيع له فهو بذلك مخالف لما سبق من الآيات
стр. 20
١٨ - أن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله وكذلك كل شيء جاء به رسول الله ﷺ مما ليس في القرآن فهو مثل ما لو جاء في القرآن لعموم قوله: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".
١٩ - أن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو التمسك بالكتاب والسنة وأن ذلك حكم مستمر إلى يوم القيامة فلا يجوز التفريق بين كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تسليما كثيرا.
لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام:
أيها الأخوة الكرام هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع السنة اتباعا مطلقا في كل ما جاء به النبي ﷺ وأن من لم يرض بالتحاكم إليها والخضوع لها فليس مؤمنا فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامين أيضا:
الأول: أنها تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة وذلك صريح في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: ٢٨] وفسره ﷺ بقوله في حديث: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" متفق عليه وقوله: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا
стр. 21
كان من أهل النار" رواه مسلم وابن منده وغيرهما "الصحيحة ١٥٧".
والثاني: أنها تشمل كل أمر من أمور الدين لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية أو حكما عمليا أو غير ذلك فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي ﷺ أو من صحابي آخر عنه كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي فكما كان لا يجوز للصحابي مثلا أن يرد حديث النبي ﷺ إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه ﷺ فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها مادام أن المخبر به ثقة عنده وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
стр. 22
تحكم الخلف بالسنة بدل التحاكم إليها:
ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا السنة النبوية وأهملوها بسبب أصول تبناها بعض علماء الكلام وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين كان من نتائجها الإهمال المذكور الذي أدى بدوره إلى الشك في قسم كبير منها ورد قسم آخر منها لمخالفتها لتلك الأصول والقواعد فتبدلت الآية عند هؤلاء فبدل أن يرجعوا بها إلى السنة ويتحاكموا إليها فقد قلبوا
стр. 23
الأمر ورجعوا بالسنة إلى قواعدهم وأصولهم فما كان منها موافقا لقواعدهم قبلوه وإلا رفضوه وبذلك انقطعت الصلة التامة بين المسلم وبين النبي ﷺ وخاصة عند المتأخرين منهم فعادوا جاهلين بالنبي ﷺ وعقيدته وسيرته وعبادته وصيامه وقيامه وحجه وأحكامه وفتاويه فإذا سئلوا عن شيء من ذلك أجابوك إما بحديث ضعيف أو لا أصل له أو بما في المذهب الفلاني فإذا اتفق أنه مخالف للحديث الصحيح وذكروا به لا يذكرون ولا يقبلون الرجوع إليه لشبهات لا مجال لذكرها الآن وكل ذلك سببه تلك الأصول والقواعد المشار إليها وسيأتي قريبا ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
ولقد عم هذا الوباء وطم كل البلاد الإسلامية والمجلات العلمية والكتب الدينية إلا نادرا فلا تجد من يفتي فيها على الكتاب والسنة إلا أفرادا قليلين غرباء بل جماهيرهم يعتمدون فيها على مذهب من المذاهب الأربعة وقد يتعدونها إلى غيرها إذا وجدوا في ذلك مصلحة - كما زعموا - وأما السنة فقد أصبحت عندهم نسيا منسيا إلا إذا اقتضت المصلحة عندهم الأخذ بها كما فعل بعضهم بالنسبة لحديث ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث وأنه كان على عهد النبي ﷺ طلقة واحدة فقد أنزلوها منزلة بعض المذاهب المرجوحة وكانوا قبل أن يتبنوه يحاربونه ويحاربون الداعي إليه!
стр. 24
غربة السنة عند المتأخرين:
وإن مما يدل على غربة السنة في هذا الزمان وجهل أهل العلم والفتوى بها جواب إحدى المجلات الإسلامية السيارة عن سؤال: "هل تبعث الحيوانات ... " ونصه:
قال الإمام الآلوسي في تفسيره: ليس في هذا الباب - يعني بعض الحيوانات - نص من كتاب أو سنة يعول عليه يدل على حشر غير الثقلين من الوحوش والطيور "
هذا كل ما اعتمده المجيب وهو شيء عجيب يدلكم على مبلغ إهمال أهل العلم - فضلا عن غيرهم لعلم السنة فقد ثبت فيها أكثر من حديث واحد يصرح بأن الحيوانات تحشر ويقتص لبعضها من بعض من ذلك حديث مسلم في "صحيحه ": "لتؤدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". وثبت عن ابن عمرو وغيره أن الكافر حين يرى هذا القصاص يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]
стр. 25
أصول الخلف التي تركت السنة بسببها:
فما هي تلك الأصول والقواعد التي أقامها الخلف حتى صرفتهم عن السنة دراسة واتباعا؟ وجوابا عن ذلك أقول:
يمكن حصرها في الأمور الآتية:
الأول: قول بعض علماء الكلام: إن حديث الآحاد لا تثبت به
стр. 26
عقيدة وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه بل يحرم.
الثاني: بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في "أصولها" يحضرني الآن منها ما يلي:
أ - تقديم القياس على خبر الآحاد. "الإعلام ١/٣٢٧ و٣٠٠ شرح المنار ص ٦٢٣"
ب - رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول. "الإعلام ١/٣٢٩، شرح المنار ص ٦٤٦"
ج - رد الحديث المتضمن حكما زائدا على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له والسنة لا تنسخ القرآن "شرح المنار ص ٦٤٧، الأحكام ٢/٦٦"
د - تقديم العام على الخاص عند التعارض أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد
"شرح المنار ص ٢٨٩ - ٢٩٤، إرشاد الفحول ١٣٨ - ١٣٩ - ١٤٣ - ١٤٤"
هـ - تقديم أهل المدينة على الحديث الصحيح
الثالث: التقليد واتخاذه مذهبا ودينا.
стр. 27
الفصل الثاني: بطلان تقديم القياس وغيره على الحديث
مدخل
...
الفصل الثاني: بطلان تقديم القياس وغيره على الحديث
إن رد الحديث الصحيح بالقياس أو غيره من القواعد التي سبق ذكرها مثل رده بمخالفة أهل المدينة له لهو مخالفة صريحة لتلك الآيات والأحاديث المتقدمة القاضية بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف والتنازع ومما لا شك فيه عند أهل العلم أن رد الحديث لمثل ما ذكرنا من القواعد ليس مما اتفق عليه أهل العلم كلهم بل إن جماهير العلماء يخالفون تلك القواعد ويقدمون عليها الحديث الصحيح اتباعا للكتاب والسنة كيف لا مع أن الواجب العمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به قال الإمام الشافعي في "الرسالة" "ص ٤٦٣/٤٦٤": "ويجب أن يقبل الخبر في الوقت الذي ثبت فيه وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر". وقد قال العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين" "١/٣٢ - ٣٣":
ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي
стр. 28
أيضا نص في "رسالته الجديدة" على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ... ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها ما توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص"
وقال ابن القيم أيضا "٣/٤٦٤ - ٤٦٥":
وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من ضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له ﷺ والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وأمثاله "مما تقدم" فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: كذا وكذا يقول: من قال بهذا؟ دفعا في صدر الحديث ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا
стр. 29
الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان
قلت: وإذا كان هذا حال من يخالف السنة وهو يظن أن العلماء اتفقوا على خلافها فكيف يكون حال من يخالفها إذا كان يعلم أن كثيرا من العلماء قد قالوا بها وأن من خالفها لا حجة له إلا من مثل تلك القواعد المشار إليها أو التقليد على ما سيأتي في الفصل الرابع
سبب الخطأ في تقديم القياس وأصولهم على الحديث:
ومنشأ الخطأ في تقديمهم القواعد المشار إليها على السنة في نظري إنما هو نظرتهم إلى السنة أنها في مرتبة دون المرتبة التي أنزلها الله ﵎ فيها من جهة وفي شكهم في ثبوتها من جهة أخرى وإلا كيف جاز لهم تقديم القياس عليها علما بأن القياس قائم على الرأي والاجتهاد وهو معرض للخطأ كما هو معلوم ولذلك لا يصار إليه إلا عند الضرورة كما تقدم في كلمة الشافعي ﵀: لا يحل القياس والخبر موجود وكيف جاز لهم تقديم عمل أهل بعض البلاد عليها وهم يعلمون أنهم مأمورون بالتحاكم إليها عند التنازع كما سلف؟ وما
стр. 30
أحسن قول الإمام السبكي في صدد المتمذهب بمذهب يجد حديثا لم يأخذ به مذهبه ولا علم قائلا به من غير مذهبه:
والأولى عندي اتباع الحديث وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي ﷺ وقد سمع ذلك منه أيسعه التأخر عن العمل به؟ لا والله وكل أحد مكلف بحسب فهمه١
قلت: وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن الشك في ثبوت السنة هو مما رماهم في ذاك الخطأ وإلا فلو كانوا على علم بها وأن رسول الله ﷺ قد قالها لم يتفوهوا بتلك القواعد فضلا عن أن يطبقوها وأن يخالفوا بها مئات الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ولا مستند لهم في ذلك إلا الرأي والقياس واتباع عمل طائفة من الناس كما ذكرنا وإنما العمل الصحيح ما وافق السنة والزيادة على ذلك زيادة في الدين والنقص منه نقص في الدين قال ابن القيم "١/٢٩٩" مفسرا للزيادة والنقص المذكورين:
فالأول القياس والثاني التخصيص الباطل وكلاهما ليس من الدين ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول هذا قياس ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة ويقول: ليس العمل عليه أو يقول: هذا خلاف القياس أو خلاف الأصول. "قال": ونحن نرى أنه كلما اشتد
стр. 31
توغل الرجل في القياس اشتدت مخالفته للسنن ولا نرى خلاف السنن والآثار عند أصحاب الرأي والقياس فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به وكم من أثر درس حكمه بسببه فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها معطلة أحكامها معزولة عن سلطانها وولايتها لها الاسم ولغيرها الحكم لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي وإلا فلماذا ترك
стр. 32
أمثلة من الأحاديث الصحيحة التي خولفت بتلك القواعد:
١ - حديث قسم الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا أو ثلاثا إن كانت ثيبا ثم يقسم بالسوية؟
٢ - وحديث تغريب الزاني غير المحصن
٣ - وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل بالشرط
٤ - وحديث المسح على الجوربين
٥ - وحديث أبي هريرة ومعاوية بن الحكم السلمي في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة
٦ - وحديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة
٧ - وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيا
стр. 33
٨ - وحديث الصوم عن الميت
٩ - وحديث الحج عن المريض الميئوس من برئه
١٠ - وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين
١١ - وحديث قطع يد السارق في ربع دينار
١٢ - وحديث من تزوج امرأة أبيه ضرب عنقه ويأخذ ماله
١٣ - وحديث "لا يقتل مؤمن بكافر"
١٤ - وحديث "لعن الله المحلل والمحلل له"
١٥ - وحديث "لا نكاح إلا بولي"
١٦ - وحديث المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة
١٧ - وحديث "أصدقها ولو خاتما من حديد"
١٨ - وحديث إباحة لحوم الخيل
١٩ - وحديث "كل مسكر حرام"
٢٠ - وحديث: "ليس فيما دون الخمس أوسق صدقة"
٢١ - وحديث المزارعة والمساقاة
٢٢ - حديث ذكاة١ الجنين وذكاة أمه
٢٣ - وحديث "الرهن مركوب ومحلوب"
стр. 34
٢٤ - وحديث النهي عن تخليل الخمر
٢٥ - وحديث "لا تحرم المصة والمصتان"
٢٦ - وحديث "أنت ومالك لأبيك"
٢٧ - وحديث الوضوء من لحوم الإبل
٢٨ - وأحاديث المسح على العمامة
٢٩ - وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده
٣٠ - وحديث من دخل والإمام يخطب يوم الجمعة يصلي تحية المسجد
٣١ - وحديث الصلاة على الغائب
٣٢ - وحديث الجهر بآمين في الصلاة
٣٣ - وحديث جواز رجوع الأب فيما وهب لولده ولا يرجع غيره
٣٤ - وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال
٣٥ - وحديث نضح بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام
٣٦ - وحديث الصلاة على القبر
٣٧ - وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره١
стр. 35
٣٨ - وحديث النهي عن جلود السباع
٣٩ - وحديث لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره
٤٠ - وحديث إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء
٤١ - وحديث الوتر على الراحلة
٤٢ - وحديث "كل ذي ناب من السباع حرام"
٤٣ - وحديث: من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة١
٤٤ - وحديث لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده
٤٥ - وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه
٤٦ - وأحاديث الاستفتاح في الصلاة
٤٧ - وحديث: "تحريمها التكبير وتحلها التسليم"
٤٨ - وحديث حمل الصبية في الصلاة
٤٩ - وأحاديث العقيقة
٥٠ - وحديث: "لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك"
٥١ - وحديث أن بلالا يؤذن بليل
٥٢ - وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة
стр. 36
٥٣ - وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء
٥٤ - وحديث عسب الفحل
٥٥ - وحديث " المحرم إذا مات لم يخمر رأسه لم يقرب طيبا"
قلت: هذه الأحاديث كلها أو جلها إلى أضعافها تركت من أجل القياس أو القواعد التي سبق ذكرها بعضها عزاها ابن حزم للتاركين للسنة من أجل عمل المدينة وإليكم أمثلة أخرى من مخالفة هؤلاء للسنة فمن ذلك مخالفتهم ل:
١ - حديث قراءته ﷺ "بالطور" في المغرب و"المرسلات" في آخر عمره ﷺ
٢ - تأمينه ﷺ بعد الفاتحة
٣ - سجوده ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
٤ - صلاته ﷺ بالناس جالسا وهم جلوس وراءه. فقالوا: صلاة من صلى كذلك باطلة
٥ - حديث أن أبا بكر الصديق ﵁ ابتدأ بالناس الصلاة فأتى النبي ﷺ فدخل فجلس إلى جنب أبي بكر ﵁ فأتم ﵇ الصلاة بالناس. فقالوا: ليس عليه العمل ومن صلى هكذا بطلت صلاته
٦ - حديث جمع بين الظهر والعصر "يعني في المدينة" في
стр. 37
غير خوف ولا سفر١
٧ - حديث أنه أتى بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله
٨ - وحديث أنه ﵇ كان يقرأ في صلاة العيد بسورة "ق" و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
٩ - حديث أنه ﵇ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد
١٠ - حديث أنه ﵇ رجم يهوديين زنيا. فقالوا: لا يجوز رجمهم
١١ - حديث أنه ﷺ احتجم وهو محرم
١٢ - حديث تطيبه ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت٢
١٣ - أحاديث التسليمتين في الصلاة
إلى غير ذلك من الأحاديث التي خالفوا فيها أوامره ﷺ التي لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى
وقد درسنا مسألة تقديم القياس وغيره على الحديث فيما مضى فلندرس الآن الأمرين الآخرين على ضوء الكتاب والسنة والنصوص المتقدمة لنتبين منها حقيقتها في فصلين اثنين
стр. 38
الفصل الثالث: حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام
مدخل
...
الفصل الثالث: حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام
إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية ثبتت بحديث الآحاد وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام فهل تجد هذا التفريق في النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة كلا وألف كلا بل هي بعمومها وإطلاقاتها تشمل العقائد أيضا وتوجب اتباعه ﷺ فيها لأنها بلا شك مما يشمله قوله "أمرا" في آية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وهكذا أمره تعالى بإطاعة نبيه ﷺ والنهي عن عصيانه والتحذير من مخالفته وثناوه على المؤمنين الذين يقولون عندما يدعون للتحاكم إلى الله ورسوله: سمعنا وأطعنا كل ذاك يدل على وجوب طاعته واتباعه ﷺ في العقائد والأحكام. وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فإنه "ما" من ألفاظ العموم والشمول كما هو معلوم. وأنت لو سألت هؤلاء القائلين بوجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام عن الدليل عليه لاحتجوا بهذه الآيات السابقة وغيرها مما لم نذكره اختصارا وقد استوعبها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه "الرسالة" فليراجعها من شاء فما الذي حملهم
стр. 39
على استثناء العقيدة من وجوب الأخذ بها وهي داخلة في عموم الآيات؟ إن تخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص وذلك باطل وما لزم منه باطل فهو باطل
شبهة وجوابها
لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة وهي أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ويعنون به الظن الراجح طبعا والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقا ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية والمسائل العلمية وهي المراد بالعقيدة ونحن لو سلمنا لهم جدلا بقولهم: "إن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن" على إطلاقه فإنا نسألهم: من أين لكم هذا التفريق وما الدليل على أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة؟
لقد رأينا بعض المعاصرين يستدلون على ذلك بقوله تعالى في المشركين: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [النجم: ٣٦] ونحو ذلك من الآيات التي يذم الله تعالى فيها المشركين على اتباعهم الظن. وفات هؤلاء المستدلين أن الظن المذكور في هذه الآيات ليس المراد به الظن الغالب الذي يفيده خبر الآحاد والواجب الأخذ به اتفاقا وإنما هو الشك الذي هو الخرص فقد جاء في "النهاية" و "اللسان" وغيرها من كتب اللغة: "الظن: الشك يعرض لك في الشيء فتحققه وتحكم به".
стр. 40
فهذا هو الظن الذي نعاه الله تعالى على المشركين ومما يؤيد ذلك قوله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: من الآية٦٦] فجعل الظن هو الخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين
ولو كان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الغالب كما زعم أولئك المستدلون لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضا وذلك لسببين أثنين:
الأول: أن الله أنكره عليهم إنكارا مطلقا ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام
والآخر: أنه تعالى صرح في بعض الآيات أن الظن الذي أنكره على المشركين يشمل القول به في الأحكام أيضا فاسمع إلى قوله تعالى الصريح في ذلك: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ "فهذه عقيدة" ﴿وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ "وهذا حكم" ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ويفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فثبت مما تقدم أن الظن الذي لا يجوز الأخذ به إنما هو الظن اللغوي المرادف للخرص والتخمين والقول بغير