Полный текст (146 стр.). Показаны 141–146 · переход к 146.
стр. 141
وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة، وفيها: التوحيد والتحميد.
فقوله: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له " توحيد، وقوله: " له الملك وله الحمد " تحميد، وفيها معان أخرى شريفة.
وقد جاء الجمع بين التوحيد، والتحميد، والاستغفار، في مواضع؛ مثل حديث كفارة المجلس: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك " فيه: التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار. من قالها في مجلس؛ إن كان مجلس لغط كانت كفارة له، وإن كان مجلس ذكر كانت كالطابع له، وفى حديث أيضا: " إن هذا يقال عقب الوضوء ".
ففى الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد يتوضأ فيَسْبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتحِِت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ". وفى حديث آخر أنه يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
وقد روى عن طائفة من السلف، في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، ونحو هذه الكلمات.
روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: " اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي،فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، فأنت خير الراحمين، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب على، إنك أنت التواب الرحيم ".
стр. 142
فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء، وخاتمة الوضوء فيها التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار.
فالتسبيح، والتحميد، والتوحيد لله تعالى؛ فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو.
والاستغفار من ذنوب النفس، التي منها تأتى السيئات.
وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد، والاستغفار في غير موضع، كقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] ، وفى قوله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٢، ٣] وفى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] .
وفى حديث رواه ابن أبى عاصم وغيره: " يقول الشيطان: أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار، وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بَثَثْت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صُنُعًا ".
و" لا إله إلا الله " تقتضى الإخلاص والتوكل والإخلاص [يقتضى] الشكر، فهي أفضل الكلام، وهى أعلى شعب الإيمان، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنه قال: " الإيمان بضْعُ وستون أو بضع وسبعون شُعْبَة، أعلاها قول لا إلا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
فـ " لا إله إلا الله " هي قطب رحَى الإيمان، وإليها يرجع الأمر كله.
والكتب المنزلة مجموعة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وهي
стр. 143
معنى " لا إله إلا الله " و " لا حول ولا قوة إلا بالله " هي من معنى " لا إله إلا الله " و " الحمد لله " في معناها، و " سبحان الله والله أكبر " من معناها، لكن فيها تفصيل بعد إجمال.
فصل
وقد ظن بعض المتأخرين: أن معنى قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي فمن نفسك؟ وأنه استفهام على سبيل الإنكار. ومعنى كلامه: إن الحسنات والسيئات، كلها من الله لا من نفسك.
وهذا القول يباين معنى الآية، فإن الآية بينة أن السيئات من نفس الإنسان.أي بدونه، وهؤلاء يقولون: ليست السيئات من نفسه.
وممن ذكر ذلك: أبو بكر بن فورك. فإنه قال: معناه: أفمن نفسك؟ يدل عليه قول الشاعر:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب
قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في الخبر المخصوص من غير دلالة، فإن هذا يناقض المقصود. ويستلزم أن كل من أراد أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينقيه، بأن يقدر في خبره استفهاما.ويجعله استفهام إنكار.
وهذا من جهة العربية نظير ما زعمه بعضهم في قول إبراهيم ﵇: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أهذا ربي؟
стр. 144
قال الإنباري: هذا قول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا يضمر إذا كان فارقا بين الإخبار والاستخبار.
وهؤلاء استشهدوا بقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ .
وهذا لا حاجة فيه، لأنه قد تقدم الاستفهام في ألأول الجملة، الشرطية ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فلم إلى ذكره ثانية. بل ذكره يفسد الكلام. ومثله قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ وهذا من فصيح الكلام وبليغه واستشهدوا بقوله:
لعمرك لا أدري، وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
وقوله:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ...
غلس الظلام من الرباب خيالا؟
تقديره: أكذبتك عينك؟
وهذا لا حجة فيه.لأن قوله فيما بعد "أم بثمان" و "أم رأيت" يدل عل الألف المحذوفة في البيت الأول.وأما الثاني: فإن كانت "أم" هي المتصلة فكذلك. وإن كانت المنفصلة فالخبر على بابه.
وهؤلاء مقصودهم: أن النفس لا تأثير لها في وجود السيئات وليست سببا فيها. بل قد يقولون: إن المعاصي علامة محضة على العقوبة لاقترانها بها. لا أنها سبب لها.وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وللعقل.
стр. 145
والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحدا ولم يعذبه إلا بذنب، فقال هناك: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وقال لهم في شأن أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقال تعالى في سورة الشورى أيضا: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْأِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ. ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقال تعالى في سورة القلم عن أهل الجنة الذين ضرب بهم المثل لما أهلكها بذلك العذاب: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وقال تعالى عن أهل سبأ: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ - إلى قوله - ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ
стр. 146
بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وقال تاعلى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ .
وفي الحديث الصحيح الإلهي: " يا عبادي إنما هي أعمالك أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا: فليحمد الله ومن وجد غير ذلك: فلا يلومن إلا نفسه ".
وفي سيد الاستغفار: " أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي " وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
والحمد لله وحده، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم. ورضي الله عن الصحابة أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.