← Акыда

Акыда · id 7610

الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن

عبد العزيز الكناني

Полный текст (86 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن تأليف: عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز ابن مسلم بن ميمون الكناني تحقيق: علي بن محمد بن ناصر الفقهي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الكتاب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وبعد:- فإن لعلماء السلف دورا كبيرا في الرد على النزعات الفلسفية التي دخلت على الأمة الإسلامية، من أعدائها لإفساد عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم، بهدف إبعادهم عن دينهم. وقد كان لليهود مجال كبير في إفساد عقائد المسلمين حيث اعتنق تلك الأفكار عنهم أناس قاموا بنشر تلك العقائد الفاسدة. ومنها الطعن في كتاب الله، للوصول إلى الطعن في أسماء الله وصفاته، كالقول بأن القرآن مخلوق. وقد نشر هذه المقالة وحمل لواءها الجهم بن صفوان المتوفى سنة ١٢٨هـ مقتولا، وقد أخذ مقالته في نفي صفات الله تعالى عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ التعطيل عن أبان بن سمعان، وأخذ أبان عن طالوت، وأخذ طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر رسول الله ﷺ . وكان لبيد زنديقا يقول بخلق التوراة١. هذه سلسلة سند المعطلة الجهمية. وقد حمل بشر المريسي لواء هذه الدعوة في خلافة المأمون، حيث لبس على المأمون الذي كان شغوفا بطلب المعرفة حتى أنه بنى دارا سماها بيت الحكمة جمع فيها كل ما وصلت إليه يده من كتب الفلسفة والمنطق، وقد نتج عن دراستها فيما يتعلق بالعقائد محن جرت على علماء السنة ممن اعتنقوا تلك الأفكار المنحرفة.

стр. 2

وقد كان من هؤلاء العلماء المتصدين لهذه الأفكار المنحرفة- عبد العزيز الكناني الذي قاوم هذه الفكرة بشجاعته وصدعه بالحق مناصرة للسنة وجهراً بالحق في مناظرته لبشر المريسي بين يدي المأمون- وقد كانت حصيلة تلك المناظرة كتاب "الحيدة" هذا الذي تضمن الأدلة القوية الصريحة في الرد على القائلين بخلق القرآن من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم ممن يقول بقولهم من رافضة، وزيدية في أقوالهم المريحة في مؤلفاتهم- وكذلك الأشعرية القائلين بأن هذا القرآن الموجود بين أيدينا مخلوق، كما ترى أدلة ذلك في هذه المقدمة- في مسألة القول بخلق القرآن وبيان أهداف المؤسسين لهذه الفكرة. وحيث إن هذا الكتاب قد طبع مرات دون تحقيق وفيه أخطاء كثيرة- اللهم إلا طبعة المجمع العلمي- بدمشق. فهي طبعة محققه ولكن بتحقيق رجل نصراني وقد ظهر في مقدمته للكتاب- نزعته للقومية العربية. ونحن نعلم أن الرد على هؤلاء الزنادقة الطاعنين في القرآن كبشر المريسي وغيره ممن سبقه، من علماء الإسلام هو رد لحماية العقيدة الإسلامية بالأدلة الصريحة من الكتاب، والصحيحة من السنة ولا صلة لتلك الردود بقومية عربية. وقد كان قيامي بتحقيق هذا الكتاب بناء على اقتراح أحد مشايخ الجامعة الإسلامية، وهو شيخي فقد درست عليه أربع سنوات في كلية الشريعة. أما عملي في الكتاب فهو على النحو التالي: أولا:- ترجمة موجزة للمؤلف، وقد ذكرت مصادر ترجمته، ثم نسخ المخطوطة المصورة من دار الكتب الوطنية التونسية الموجودة بقسم المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ٤٠٤٠. ومقابلتها بالنسخ المطبوعة، ومنها طبعة المجمع بدمشق لتحقيق النص. ثانيا:- تحقيق نسبة الكتاب الى المؤلف. ثالثا:- مسألة القول بخلق القرآن وبيان أهداف القائلين بها. وبيان موضوع الكتاب. ختمت ذلك بالفهارس الضرورية وهي.

стр. 3

ثبت المراجع. فهرس الآيات القرآنية. فهرس الموضوعات. أولا:- التعريف بعبد العزيز الكناني: يقول الخطيب البغدادي: عبد العزيز بن يحي بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون الكناني المكي١. سمع عبد الله بن معاذ الصنعاني وسليم بن مسلمة المكي، وهشام بن سليمان المخزومي، ومروان بن معاوية، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن إدريس الشافعي. وقدم بغداد في أيام المأمون وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القران وهو صاحب كتاب " الحيدة". وقال في وصفه: كان من أهل العلم والفضل، وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه بالشافعي واشتهر بصحبته، فقد طالت صحبته له وأتباعه له وخرج معه إلى اليمن، وآثار الشافعي في كتب عبد العزيز المكي بينة عند ذكر الخصوص والعموم والبيان، كل ذلك مأخوذ من كتاب المطلبي ﵀. نقل ذلك عن داود ابن علي الأصبهاني الذي صنف كتاب فضائل الشافعي وذكر فيه أصحابه الذين أخذوا عنه.

стр. 4

وقال: لما دخل عبد العزيز بن يحي المكي على المأمون وكانت خلقته شنعة جدا فضحك المعتصم. أقبل عبد العزيز على المأمون فقال: "يا أمير المؤمنين لم ضحك هذا؟ لم يصطف الله يوسف لجماله، وإنما اصطفاه لدينه وبيانه، وقد قص ذلك في كتابه بقوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أو لم يقل لما رأى جماله. فبياني يا أمير المؤمنين أحسن من وجه هذا. فضحك المأمون وأعجبه قوله. وقال للمعتصم: إن وجهي لا يكلمك وإنما يكلمك لساني". اهـ وفاته: يقول الذهبي في العبر ١/ ٤٣٤ في وفيات سنة أربعين ومائتين. "وفيها توفي عبد العزيز بن يحي الكناني المكي صاحب "الحيدة" سمع من سفيان ابن عيينة"، وناظر بشرا المريسي. وهو معدود في أصحاب الشافعي. وقال في دول الإسلام ص ١٤٦ في وفيات سنة أربعين ومائتين. قال: "وفيها توفي عبد العزيز بن يحي الكناني صاحب كتاب "الحيدة" وتلميذ الشافعي". ثانيا:- إثبات نسبة كتاب "الحيدة" لعبد العزيز الكناني إن نسبة كتاب "الحيدة" لعبد العزيز الكناني، وكذلك مناظرته لبشر المريسي بحضرة المأمون ثابتة كحادث تأريخي لم يشك في ذلك أحد من العلماء الذين نقلوا ذلك في كتبهم- اللهم إلا ما ورد عن الإمام الذهبي في كتابه "ميزان الاعتدال " من حيث إسناد الكتاب، وقد روى الكتاب ابن بطة بإسناد غير الإسناد الذي ذكره الذهبي كما سيأتي. مع أن الذهبي قد أثبت كتاب الحيدة، والمناظرة في كتابيه العبر، ودول الإسلام كما تقدم. أما ما ورد عن السبكي من طعن يا إثبات كتاب الحيدة، فقد تبع في ذلك قول الذهبي- وزاد قوله- إن في الكتاب أمورا مستشنعة، ثم قال- ولكنه موضوع كما قال شيخنا الذهبي. مع أن السبكي قد أثبت المناظرة، ولم يوضح لنا الأمور

стр. 5

المستشنعة التي يراها ولو بمثال واحد. والواقع أنه لا شيء في الكتاب اللهم إلا ما يخالف عقيدة السبكي في القرآن، كما سيأتي بيان عقيدة الأشاعرة في القرآن. ونبدأ بإيراد قول الذهبي، ثم بيان وجهة نظره، كما بينها ابن حجر في لسان الميزان، ومنا قشتها. ثم إيراد إسناد ابن بطة للكتاب، إذ أيطلع عليه الذهبي، ثم إيراد أقوال العلماء الذين أثبتوا هذه المناظرة، وكتاب الحيدة لعبد العزيز الكناني. يقول الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/ ٦٣٩ في ترجمة الكناني: عبد العزيز بن يحي بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ينسب إليه "الحيدة" في مناظرته لبشر المريسي ... إلى أن قال: قلت لم يصح إسناد كتاب الحيدة إليه فكأنه وضع عليه. والله أعلم. أما السبكي فقد قال في طبقات الشافعية ١٤٤/٢: عبد العزيز بن يحي ابن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي الذي ينسب إليه كتاب بر الحيدة. وبعد أن ذكر ثناء العلماء عليه وصحبته للشافعي نقل عين أبي العيناء قوله: "لما دخل عبد العزيز المكي على المأمون وكانت خلقته شنعة جدا ضحك أبو إسحاق المعتصم"، فقال: "يا أمير المؤمنين أيضحك هذا لم يصطف الله يوسف ﵇ لجماله وإنما اصطفاه الله لدينه وبيانه فضحك المأمون وأعجبه ... إلى أن قال: وعلى إنه كان ناصرا للسنة في نفي خلق القرآن كما دلت عليه مناظرته مع بشر"، وكتاب الحيدة المنسوب إليه فيه أمور مستشنعة لكنه كما قال شيخنا الذهبي "لم يصح إسناده إليه"، ولا ثبت أنه من كلامه فلعله وضع عليه اهـ هذا ما قاله السبكي، فهو يثبت وقوع المناظرة، لكنه يدعي أن في الحيدة أمورا مستشنعة، ولكنه كما سبق لم يبين لنا هذه الأمور ولو بمثال واحد. ونكتفي بعرض وجهة نظر الذهبي ثم مناقشتها كما ذكرها ابن حجر في لسان الميزان ثم نتبعها بإسناد ابن بطة لكتاب الحيدة ثم أقوال العلماء الذين ذكروا أن كتاب الحيدة من مؤلفات الكناني قبل الذهبي وبعده.

стр. 6

الرابع: لو أن إسناد الكتاب تفرد به محمد بن الحسن بن الأزهر وحده ولم يأت له إسناد آخر كما سبق فإننا نقول إن نسبة الكتاب الثابتة لعبد العزيز الكناني كما سنرى ذلك من أقوال العلماء الثقات، لا يضره أن يأتي شخص مثل محمد بن الأزهر، فيروي الكتاب لأنه سيكون من باب قول رسول الله ﷺ لأبي هريرة ﵁: "صدقك وهو كذوب " ١ كيف وقد وجد له إسناد آخر. وإليك ما قاله العلماء في إثبات هذه المناظرة بين عبد العزيز الكناني، وبشر المريسي عند الخليفة المأمون، وإثبات نسبة كتاب "الحيدة" للكناني:

стр. 7

- ابن النديم- يقول في الفهرست ص ٢٧٥: عبد العزيز الكناني من طبقة الحارث، كان متكلما مقدما وزاهدا عابدا وله في الكلام والزهد كتب، وتوفي وله من الكتب كتاب/ الحيدة فيما جرى بينه وبين بشر المريسي. ٢- الخطيب البغدادي - قال في تاريخ بغداد ١٠/ ٤٤٩: عبد العزيز بن يحي الكناني المكي سمع عبد الله بن معاذ الصنعاني وسليم بن مسلمة المكي إلى أن قال: قدم بغداد في أيام المأمون وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن وهو صاحب كتاب " الحيدة". ٣- الذهبي نفسه - يقول في العبر ١/ ٤٣٤: وفي سنة أربعين ومائتين توفي عبد العزيز بن يحي الكناني المكي صاحب كتاب/ الحيدة. ويقول في دول الإسلام ص ١٤٦: وفي سنة أربعين ومائتين توفي عبد العزيز بن يحي الكناني صاحب كتاب/ الحيدة. ٤- ابن كثير- ويقول ابن كثير في طبقات الشافعية١ الطبقة الأولى: عبد العزيز الكناني صاحب كتاب/ الحيدة في مناظرة الجهمية روى عن الشافعي. قال الخطيب البغدادي هو صاحب كتاب/ الحيدة. قد طالت صحبته للشافعي، ثم نقل عن الشيرازي من طبقات الشافعية قول أبي إسحاق: وهو المكي المتكلم الذي ناظر بشرا المريسي. ٥- أبو إسحاق الشيرازي - الذي أشار إلى قوله ابن كثير، يقول في طبقات الشافعية ص ١٠٣ ومنهم عبد العزيز بن يحي الكناني المكي المتكلم، وهو الذي ناظر بشرا المريسي عند المأمون في نفي خلق القرآن، قال دود بن علي. هو أحد أصحاب الشافعي أخذ عنه وطالت صحبته وأتباعه له وخرج معه إلى اليمن. اهـ. ٦- ابن حجر- ويقول ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤٦٣/٦ وقد ذكر شيوخه وتلاميذه ثم نقل عن الخطيب قوله: قدم بغداد في أيام المأمون وجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن وهو صاحب كتاب/ الحيدة. وكان من أهل العلم والفضل وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه للشافعي واشتهر بصحبته.

стр. 8

ومما يؤكد أن رأي الذهبي وجهة نظر قابلة للنقاش- أن ابن حجر الذي ذكر وجهة النظر هذه كما تقدم قد نقل نصا من "الحيدة" في فتح الباري ١٣/ ٤٥٢ في شرح باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شيء﴾ فقد قال: وأشار ابن بطال إلا أن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحي المكي فإنه قال في كتاب "الحيدة" سمى الله تعالى نفسه شيئا إثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ شيء من أسمائه بل دل على نفسه إنه شيء تكذيبا للدهرية ومنكري الإلهية من الأمم، وسبق في علمه إنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه في الأشياء المخلوقة فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقه ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم أن كلامه صفة من صفات ذاته فكل صفة تسمى شيئا بمعنى أنها موجودة١. فعمل ابن حجر هذا يبين لنا أنه لو كان موافقا للذهبي في وجهة نظره لما نقل هذا النص الذي أشار فيه ابن بطال إن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز المكي من "كتاب الحيدة". ٧- وقد أشار إلى هذه المناظرة ابن الجوزي في المنتظم٢ ٨/ ٤١ حيمسا قال: "وفي سنة أربعمائة وعشرين في عهد القادر، في يوم الاثنين غرة ذي القعدة جمع القضاة والشهود والفقهاء والوعاظ والزهاد إلى دار الخلافة وقريء عليهم كتاب طويل جدا يتضمن ذكر أبي بكر وعمر وفضائلهما إلى أن قال: وأعيد فيه ما جرى بين بشر المريسي وعبد العزيز المكي في ذلك". اهـ ٨- ويقول: ابن العماد في شذرات الذهب٢/ ٩٥ في وفيات سنة ٢٤٠ هـ وفيها توفي عبد العزيز بن يحي الكنافب المكي، سمع سفيان بن عيينة وناظر

стр. 9

يقول ابن حجر في لسان الميزان ٥/١٢٨ في ترجمة محمد بن الأزهر: محمد بن الحسن بن الأزهر الدعاء. عن عباس الدوري اتهمه أبو بكر بن الخطيب بأنه يضع الحديث. قلت: هو الذي انفرد برواية كتاب الحيدة، رواه عنه أبو عمر بن السماك، ورأيت له حديثا رجاله ثقات سواه، وهو كذب في فضل عائشة. ويغلب على ظني أنه هو الذي وضع كتاب الحيدة، فإني لأستبعد وقوعه جدا. ثم قال ابن حجر: "ووجه استبعاد المصنف كتاب الحيدة، إنه اشتمل على مناظرات أقيمت فيها الحجة لتصحيح مذهب أهل السنة عند المأمون والحجة قول صاحبها. نجلو كان الأمر كذلك ما كان المأمون يرجع إلى مذهب الجهمية ويحمل الناس عليه ويعاقب على تركه ويهدد بالقتل وغيره كما هو معروف في أخباره في كتب المحنة. اهـ هذه وجهة نظر الذهبي، وهي مبنية على أمرين: الأول: انفراد محمد بن الحسن بن الأزهر برواية الكتاب، ومعناه أنه إذا وجدنا إسنادا آخر للكتاب، صحت النسبة ولا اعتراض عليه. وبحمد الله- قد وجدنا إسناد ابن بطة في الإبانة وسنورده بعد هذا، وبذلك يذهب الاعتراض. الأمر الثاني: وجهة نظر عقلية- وهي مبنية على أنه إذا كانت هذه المناظرة حدثت، فكيف يبقى المأمون على اعتقاده. فهل هذه الوجهة تكفي لرد هذا الكتاب الذي اشتهر أمره بين العلماء وتداولوه في كتبهم، ومنهم الإمام الذهبي نفسه فقد ذكره في كتابيه، العبر، ودول الإسلام كما سيأتي. وحيث إن وجهة النظر هذه مبنية على إسناد الكتاب الذي انفرد به محمد بن الأزهر فإليك الإسناد الآخر للكتاب من الإبانة لابن بطة: يقول ابن بطة في الإبانة ورقة ١٦٠ مخطوط بالجامعة الإسلامية: باب ذكر مناظرات الممتحنين بين يدي الملوك الجبارين الذين دعوا الناس إلى هذه الضلالة.

стр. 10

ثم قال: مناظرة عبد العزيز بن يحي المكي لبشر بن غياث المريسي بحضرة المأمون. حدثنا أبو حفص محمد بن عمر بن محمد بن رجاء قال ثنا أبو أيوب عبد الوهاب بن عمرو النزلي قال حدثني أبو القاسم العطاف بن مسلم قال حدثني الحسين بن بشر ودبيس الصائغ ومحمد بن فرقد قالوا: قال لنا عبد العزيز بن يحي المكي الكناني: "أرسل إلي المأمون أمير المؤمنين وأحضرني وأحضر بشر" ... الخ. ثم ذكر نماذج من كتاب الحيدة استغرق من ورقة ١٦٠/ ب سطر ١٢ إلى ورقة ١٦٥/ أسطر ١٧ لأن الصفحة تشمل ٢٣ سطرا ثم اتبعها بقوله: باب ذكر محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ لابن١ داود وأصحابه بحضرة المعتصم ... الخ. فهذا إسناد للكتاب غير الإسناد الذي انفرد به محمد بن الحسن بن الأزهر الذي يرى الذهبي انه انفرد بروايته، فطعن فيه من أجله، ومع ذلك فإننا سنناقش وجهة النظر هذه، وهي لماذا بقي المأمون على عقيدته إن كانت هذه المناظرة حصلت على هذا الوجه. فهذه الوجهة العقلية هي التي بنى عليها الإمام الذهبي حكمه حيث قال: "ويغلب على ظني أنه هو الذي وضع كتاب الحيدة، فإنني لاستبعد وقوعه جدا. فحكم الذهبي ﵀ كما ترى هو بغلبة الظن- لا بالقطع والإجابة على غلبة الظن هذه بالأمور التالية: الأول: أننا قد وجدنا إسنادا آخر للكتاب غير الإسناد الذي انفرد به محمد ابن الأزهر، وهو الذي قال الإمام الذهبي فيه هذا الكلام- أي يغلب على ظنه أن محمد بن الأزهر هو الذي وضع هذا الكتاب وقد سبق ذكر الإسناد عن الإمام ابن بطة من كتاب الإبانة.

стр. 11

الثاني: أن المناظرة بين الكناني وبشر المريسي ثابتة كحادثة تأريخية بين يدي المأمون لم يشك في وقوعها أحد لا الذهبي ولا السبكي، فكلاهما يثبتها، بل إن الذهبي أثبت إضافة إلى المناظرة كتاب الحيدة في كتابيه العبر، ودول الإسلام. الثالث: كون المأمون بقي بعد تلك المناظرة على رأيه، لا ينهض دليلا على عدم وقوع المناظرة، ولا طعنا في كتاب "الحيدة" الذي هو حصيلة تلك المناظرة، لأن الشبهة التي ليس بها الجهمية على المأمون كانت قوية بحيث أصبحت عند المأمون عقيدة يرى أن مخالفها كافر مرتد يستحق العقوبة بالقتل، فكم من مناظرة قد أقيمت بين يديه، وكم من عالم حبس وضرب، بل وقتل، فمن أجل هذه الشبهة القوية لم يستطع المأمون التخلص منها، ويدل لذلك أن بشرا وأتباعه لازالوا بعد المناظرة يستغلون الفرص المناسبة للطعن على الكناني عند المأمون، وقد ذكر ذلك الكناني نفسه في هذه الرسالة، فقد قال يا ورقة ٣٦/ ب من المخطوطة ص ١٢٠ من الرسالة- قال: فسر المسلمون جميعا بما وهبه الله لهم من إظهار الحق وقمع الباطل وجعل الناس يجيؤون إلي أفواجا حتى أغلقت بابي واحتجبت عنهم خوفا على نفسي وعليهم من مكروه يلحقنا فقالوا: لابد أن تملي علينا ما جرى لنعرفه ونتعلمه، فتهيبت ذلك وتخوفت سوء عاقبته فلما ألحوا في قلت لهم: "أذكر لكم بعض ما جرى مما لا يكون علي حجة في ذكره فرضوا بذلك فأمليت عليهم أوراقا يسيرة مقدار عشر أوراق مختصرة مما جرى لأقطعهم بها عني وعن ملازمة بابي"، ولم يتهيأ لي شرح هذا كله، لما تخوفت على نفسي مما قد يلحقني بعضه، وأنا أذكر بعد هذا المجلس ما جرى، بسبب تلك الأوراق التي كتبها الناس عني في كتاب مفرد بعد هذا إن شاء الله. فيؤخذ من كلام الكناني هذا أنه قد بدأ بكتابة هذه المناظرة بنفسه، فقد كتب مقدار عشر أوراق، ويظهر من هذا أنه أكمل الباقي بعد ذلك لأن الكتاب كله يتكون من سبع وثلاثين ورقة. وأن بشرا وأتباعه مازالوا يلبسون على، المأمون، ويحثونه على إيذاء المخالفين لهم لاسيما عبد العزيز الكناني في هذا الم لمحت الذي انتشر فيه خبر المناظرة، كما أشار الكناني إلى ذلك.

стр. 12

بشرا المريسي في مجلس المأمون بمناظرة عجيبة غريبة فانقطع بشر وظهر عبد العزيز، ومناظرتهما مشهورة مسطورة، وعبد العزيز هو صاحب "الحيدة" وهو معدود في أصحاب الشافعي. وابن أبي العز الحنفي في كتابه شرح الطحاوية. ٩- فقد قال في ص ١٢٢-١٢٣ الطبعة الثانية تحقيق زهير الشاوش قال: وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون، بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل وألزمه الحجة، فقال بشر: "يا أمير المؤمنين ليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه، ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال". قال عبد العزيز: تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: اسأل أنت، وطمع فيّ فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها إما أن تقول: إن الله خلق القرآن، وهو عندي أنا كلامه- في نفسه أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره"؟ قال: "أقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها". وحاد عن الجواب. فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشرا فقد انقطع. فقال عبد العزيز؟ إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لأن الله لا يكون محلا للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق. وإن قال خلقه في غيره فيلزم في النظر والقياس إن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه. فهو محال أيضا لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره- هو كلام الله ... إلى أن قال: هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في "الحيدة" انظره في الحيدة ص وبهذا يتضح أنه ليس عند الذهبي ﵀ في رد الكتاب إلا وجهة نظر ذكرها في لسان الميزان، وبسببها استبعد وقوع هذه المناظرة وهي عدم رجوع المأمون عن رأيه في خلق القرآن، وقد عرفنا إن الشبهة كانت قوية، وأن بشرا وإتباعه لا زالوا يتابعون الكناني ويستثيرون المأمون عليه، كما أشار هو لذلك. ثم إن الذهبي ﵀ نفسه أثبت نسبة الحيدة- للكناني في كتابيه العبر، ودول الإسلام، وكذلك العلماء الآخرون قبله وبعده كالخطيب، وابن النديم،

стр. 13

وأبو إسحاق الشيرازي، وابن كثير، وكذلك السبكي فإنه أثبت المناظرة، أما ما أشار إليه من الأمور المستشنعة في الرسالة- فإنه لم يوضح ذلك ولو بمثال واحد كما سبق ذلك. كل ذلك يجعلنا نطمئن إلى أن كتاب "الحيدة" هو من تأليف عبد العزيز الكناني وقد نصر فيه السنة، وقمع البدعة، وقد استفاد من هذا الكتاب أناس كثيرون. غير المأمون الذي لم يستفد من تلك المناظرة ومعلوم أن المأمون لا يريد إلا الحق، ولكنه لم يهتد إليه- ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ١٢/ ٤٨٨. "فإن الإمام أحمد قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل من الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو ... إلى أن قال: ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق"، كما ذكر في ص ٥٠١: إن من ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة. اهـ ومن هنا نقول: إن هذه المناظرة وإن قامت فيها الحجة للكناني على بشر المريسي أمام المأمون إلا أن الشبهة على المأمون أن كانت قوية، فلم تزل عنه بتلك المناظرة. ثالثا: مسألة خلق القرآن إن القول بخلق القرآن فكرة يهودية أراد بها أصحابها الطعن في ذات الله وأسمائه وصفاته لأن أول قائل بها يهودي زنديق. وذلك لأن القرآن الكريم كلام الله، وكلامه صفة من صفاته، والله بأسمائه وصافاته واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ونم يكن له كفوا أحد، وقد نزلت سورة

стр. 14

الإخلاص جوابا لسؤال المشركين واليهود الموجه لرسول الله ﷺ بأن يصف لهم ربه. فالقول بأن القرآن مخلوق طعن في صفاته تعالى وأنها مخلوقة، وهذا القول كفر ومن هنا حكم العلماء على أن من أزيلت عنه الشبهة وأقيمت عليه الحجة في هذه المسألة وبقي معاندا فإنه كافر. أما إن هذه الفكرة يهودية فإليك بيانها: يقول ابن الأثير في الكامل ٧/ ٧٥ وفي سنة أربعين ومائتي توفي القاضي أبو عبد الله أحمد بن داود في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يوما، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقا فأفشى الزندقة. اهـ. هذا أصل فكرة القول بخلق القرآن، وهذا منشؤها، وهذه أهداف القائلين بها، فالذين حملوا راية هذه البدعة عن الجهمية ورئيسهم الجهم بن صفوان الذي قتل عام ١٢٨ هـ المعتزلة، وقد أثروا على الخليفة العباسي المأمون، الذي كان صاحب همة وولع بالمعرفة، وقد أنشأ ما عرف في زمن خلافته ببيت الحكمة، وحدث باعتناقه لهذه الفكرة بلاء عظيم على الإسلام وعلماء السنة، وقد عرفت تلك الفترة بمحنة القول بخلق القرآن، وقد قتل فيها من قتل وحبس من حبس وجلد من جلد حتى رفع الله هذه المحنة في خلافة المتوكل وعاد الأمر إلى أهل السنة وأشهر القول ببدعة القول بخلق القرآن وأعلن مذهب أهل السنة في القرآن وإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. ولكن قول المعتزلة هذا تسرب إلى الأشاعرة الذين نجد في ظاهر كلامهم معاداتهم للمعتزلة والرد عليهم ولكن أفكار المعتزلة دخلت عليهم, وقد عرف عن الأشاعرة إثباتهم لسبع صفات ومنها صفة الكلام، فيا ترى هل يقولون بأن هذا القرآن الموجود بين أيدينا هو كلام الله وصفة من صفاته منه بدأ وإليه يعود، أو إن هذا النظم الموجود في المصحف مخلوق.

стр. 15

الجواب:- أن الأشاعرة القدامى منهم والمعاصرون يقولون: إن هذا القرآن الموجود في المصحف مخلوق، وإنما هو عبارة أو حكاية- عن كلام الله الذي عرفوه- أعني- الكلام- أنه معنى قائم بالنفس وهذا الموجود هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، ولم يبينوا من الذي عبر أو حكى كلام الله هل هو جبريل ﵇ أو محمد ﷺ ، وقد نفى الله عن كلامه هذا، أي القرآن الكريم أن يكون من كلام البشر، أو كلام جبريل كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهذا الكلام الذي يسمعه المشرك المستجير، هو الموجود في المصحف، وليس الكلام النفسي القائم بالذات. أما كون الأشاعرة يقولون-أن القرآن مخلوق فإليك بيان ذلك عن السابقين واللاحقين: ١- من القدامى يقول صاحب جوهرة التوحيد ص ٥٤ ونره القرآن أفي كلامه ... عن الحدوث وأحذر انتقامه ويقول الشارح للجوهرة البيجوري بعد أن رد على المعتزلة قولهم: إن القرآن مخلوق، قال: ومذهب أهل السنة- ويعني بهم الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال القرآن مخلوق ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق. أي الكلام النفسي. اهـ. أما الكاتب المعاصر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فيقول في كتابه "كبرى اليقينات الكونية" الطبعة الثامنة سنة ١٤٠٢هـ ص ١٢٦ في حديثه عن صفة الكلام قال: إذا تأملت فيما ذكرناه أدركت النقطة الخلافية بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة- ويعني بأهل السنة والجماعة- الأشاعرة، وهي أن هناك معنى لألفاظ القرآن يتكون فيه الأمر والنهي والأخبار المتوجه إلى الناس، وهو قديم. فما اسم هذا المعنى؟. المعتزلة: اسمه العلم إذا كان أخبارا، والإرادة إذا كان أمرا ونهيا. الجمهور: اسمه الكلام النفسي، وهو صفة زائدة على كل من العلم والإرادة قائم بذاته تعالى.

стр. 16

وأما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا على أنه مخلوق، وعلى أنه غير قائم بذاته سبحانه. باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه، فقد ذهبوا إلى أن هذه الحروف والأصوات أيضا قديمة بذاتها، وإنها هي المعنى بصفة الكلام. ثم قال: ولا تدخل- بعد أن عرفت نقطة الوفاق والخلاف- في شيء من المناقشة والجدال اللذين قاما حول هذا البحث، لاعتقادنا بأن الخطب أيسر من ذلك، وإن كنا نعتقد ما ذهب إليه الجمهور من أن المعنى الذي هو مدلول العبارات اسمه الكلام النفي، وأنه صفة زائدة على كل من صفتي العلم والإرادة ... إلى أن قال: ومعظم ما تسمعه من الأصداء الرهيبة للخلاف التاريخي في هذه المسألة، إنما منشؤه الخلاف بين أحمد بن حنبل ﵁ والفرق الأخرى كالجهمية والمعتزلة. هذا كلام البوطي المعاصر فهو يقرر أن هذا القرآن بين أيدينا مخلوق، وأنه لا فرق بين- جمهور أهل السنة- والمقصود بهم الأشاعرة- وبين المعتزلة في ذلك. ثم إنه يقلل من المحنة التي ثبت فيها الإمام أحمد بن حنبل وأظهر الله الحق على يديه بعد أن تعرض للضرب والحبس والإهانة في هذه المسألة- فيقول بهذا الكلام الساخر: ومعظم ما تسمعه من الأصداء الرهيبة للخلاف التاريخي في هذه المسألة إنما منشؤه الخلاف بين أحمد بن حنبل ... الخ ولم يقل حتى- الإمام. هكذا يرى أن هذا الخلاف لا قيمة له، ما دام الأشاعرة والمعتزلة متفقون على أن القرآن مخلوق. ونحن نوضح هذا للشباب الذي يتمسك بمنهج السلف الصالح، ليكون على بينة من أن الأفكار القديمة التي فرقت كلمة الأمة الإسلامية وحاربها علماء الأمة دفاعا عن الدين والعقيدة السليمة لازالت سارية يعتنقها الكثيرون ويروجون لها ويطعنون ويهونون من تضحيات أولئك الذين وقفوا ضد محنة القول بخلق القرآن، وقد قتل فيها من قتل، وسجن من سجن، وضرب من ضرب كالإمام أحمد بن حنبل الذي أيد الله أهل السنة والجماعة بثباته في تلك المحنة.

стр. 17

والبوطي كما ترى يقلل من تلك المحنة، بل إن العلماء الذين قتلوا وعذبوا كانوا على غير صواب، لأن القرآن الموجود بين أيدي المسلمين مخلوق. موضوع الكتاب أما موضوع الكتاب- فهو الرد على القائلين بأن القرآن مخلوق وقد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب حيث قال: "اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهر بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون، وعامة الناس، وما قد دفع الناس إليه من المحنة والأخذ في الدخول في هذا الكفر والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته وإحجامهما. عن الرد عليه ... واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجُمعات والجماعات وهربهم من بلد إلى بلد خوفا على أنفسهم وأديانهم وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته ... والانتحال لمذهبه رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه " وقد جرت المناظرة بين بشر المريسي وعبد العزيز الكناني في هذه المسألة وقد أورد الكناني في هذه المناظرة الأدلة القاطعة الدامغة لمن ينتحل هذه الفكرة بأسلوب أدبي علمي عجيب دل على سعة علم الكناني ومعرفته لكتاب الله وسنة رسوله فقد انتزع منه الحجج القطعية التي أبطل بها مذهب الجهمية والمعتزلة ومن يقول بقولهم من أن القرآن مخلوق. وقد أصلت المناظرة على الاحتجاج بنص التنزيل والرجوع عند الاختلاف إلى كتاب الله أو سنة رسوله، ولما عجز بشر عن ذلك طلب المناظرة بالنظر والقياس, فأجابه الكناني لذلك، ثم أبطل حجته. وهي رسالة جديرة بالقراءة، ومن قرأها مرة فلابد أن يعود إليها مرة أخرى لما حوته من معلومات قيمة وأسلوب أدبي علمي رفيع.

стр. 18

النص المحقق ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (٣/أ) ذكر ما جرى بين عبد العزيز بن يحيى ﵀ وبين بشر المريسي قرأت على أبي عمر أحمد بن خالد في ربيع الآخر عام اثنين وخمسين وثلاثمائة، حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك قال ثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن أزهر بن حسين القطايعي، قال: حدثني أبو عبد الله العباس ابن محمد بن فرقد، قال: حدثني أبي محمد بن فرقد بهذا الكتاب من أوله إلى آخره، قال: قال عبد العزيز بن مسلم الكناني١: اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعائه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في الدخول في هذا الكفر٢ والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجُمعات والجماعات، وهريهم من بلد إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه. قال عبد العزيز بن يحي: فأزعجني ذلك وأقلقني وأسهر ليلي وأطال غمي

стр. 19

وهمي فخرجت من بلدي متوجها إلى ربي عزوجل أسأله سلامتي وتبليغي، حتى قدمت بغداد فشاهدت من غلظ الأمر واحتداده أضعاف ما كان يصل إلي، ففزعت إلى ربي أدعوه وأتضرع إليه راغبا وراهبا، واضعا له خدي، وباسطا إليه يدي، أسأله إرشادي وتسديدي، وتوفيقي ومعونتي، والأخذ بيدي وأن لا يسلمني ولا يكلني إلى نفسي، وأن يفتح لفهم كتابه قلبي، وأن يطلق لشرح بيانه لساني، وأخلصت لله عزوجل نيتي ووهبت له نفسي، فعجل ﵎ إجابتي، وثبت عزمي، وشجع وفتح لفهم كتابه قلبي، وأطلق به لساني، وشرح به صدري، فأبصرت رشدي بتوفيقه إياي، وأنست إلى معونته ونصره وتأييده ولم أسكن إلى مشاورة أحد من خلق الله في أمري، وجعلت أستر أمري وأخفي خبري عن الناس جميعا ((خوفا)) من أن يشيع خبري، ويعلم بمكاني، فأقتل قبل أن تسمع كلامي، فأجمع رأي على إظهار نفسي وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الخلائق والأشهاد، والقول بمخالفة أهل الكفر والضلال والردة عليهم وذكر كفرهم وتبيين ضلالتهم، وأن يكون ذلك في مسجد الجامع في يوم الجمعة، وأيقنت أنهم لا يحدثوا علي حادثة، ولا يعجلون علي بقتل وغيره من العقوبة بعد إشهاري نفسي، والنداء بمخالفتهم على رؤوس الخلائق إلا بعد مناظرتي والاستماع مني. (وكان ذلك كله بتوفيق الله لي، ومعونته إياي) . قال عبد العزيز بن يحي: "وكان الناس في ذلك الزمان وذلك الوقت في أمر عظيم، قد منع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والداعون من القعود في الجامعين ببغداد وفي غير هما من سائر المواضع، إلا بشر المريسي وابن الجهم، ومن كان موافقا لهما على مذهبهما، فإنهم كانوا يقعدون يعني (الجهم بن صفوان الذي به تعرف الجهمية،١ يجتمع الناس إليهم فيعلمونهم الكفر والضلال، وكل من

стр. 20

أظهر مخالفتهم، وذم مذهبهم، أو اتهم بذلك أحضر، فإن وافقهم ودخل في كفرهم، وأجابهم إلى ما يدعونه إليه وإلا قتلوه سرا، وحملوه من بلد إلى بلد، فكم من قتيل لم تعلم به، وكم فين مضروب قد ظهر أمره وكم ممن قد أجابهم واتبعهم على قولهم من العلماء خوفا على أنفسهم لما عرضوا على السيف والقتل أجابوا كرها، وفارقوا الحق عيانا، وهم يعلمون لما حذروا، من بأسهم والوقوع بهم. قال عبد العزيز: فلما كان في الجمعة التي اعتزمت فيها على إظهار نفسي، وإشهار قولي، واعتقادي، صليت الجمعة بالمسجد الجامع بالرصافة من الجانب الشرقي بحيال القبلة والمنبر بأول صف من صفوف العامة، فلما سلم الإمام من صلاة الجمعة، وثبت قائما على رجلي ليراني الناس وسمعوا كلامي، ولا تخفى عليهم مقالتي، وناديت بأعلى صوتي لابني، وكنت قد أقمت ابني بحيالي عند الاسطوانة الأخرى، فقلت له: يا ابني ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق".. قال عبد العزيز: "فلما سمع الناس كلامي، ومسألتي لابني وجوابه إياي، هربوا على وجوههم خارجين من المسجد إلا يسير من الناس خوفا على أنفسهم، وذلك أنهم سمعوا ما لم يكونوا يستمعون، وظهر لهم ما كانوا يخفون ويكتمون، فلم يستتم ابني الجواب حتى أتاني أصحاب السلطان، واحتملوني وابني فأوقفوني بين يدي عمرو بن مسعدة١ وكان قد جاء ليصلي الجمعة، فلما نظر إلى وجهي، وكان قد سمع كلامي ومسألتي لابني، وجواب ابني إياي، فلم يحتج أن يسألني عن كلامي، فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت،: لا. قال: فموسوس أنت؟ قلت: لا. قال: أفمعتوه أنت؟ قلت: لا. إني لصحيح العقل جيد الفهم ثابت المعرفة والحمد لله كثيرا. قال: فمظلوم أنت؟ قلت: لا. فقال لأصحابه ورجاله: مروا بهما إلى منزلي". قال عبد العزيز: "فحملنا على أيد الرجال حتى أخرجنا من المسجد ثم جعلوا يتعادون بنا سحبا شديدا وأيدينا في أيد الرجال يمنة ويسرة، وسائر أصحابه خلفنا وقدامنا، حتى صرنا إلى منزل عمرو بن مسعدة على تلك الحال

стр. 21

العنيفة الغليظة، فوقفنا على بابه حتى دخل، وأمر بنا فأدخلنا عليه وهو جالس في صحن داره على كرسي حديد، ووسادة عليه، فلما صرنا بين يديه، أقبل في فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، فقال: ما حملك على ما فعلت بنفسك"؟ قلت: "طلب القربة إلى الله وطلب الزلفة لديه". قال: "فهلا فعلت ذلك سرا من غير نداء ولا إظهار لمخالفة أمير المؤمنين، أطال الله بقاه. ولكنك أردت الشهرة والرياء والتسوق لتأخذ أموال الناس. فقلت: ما أردت من هذا شيئا، ولا أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه لا غير ذلك. فقال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم. ولذلك قصدت وبلغت بنفسي ما ترى بعد خروجي من بلدي وتغريري بنفسي مع سلوكي البراري أنا وولدي، رجاء تأدية حق الله فيما استودعني من الفهم والعلم وما أخذ علي وعلى العلماء من البيان". فقال: "إن كنت إنما جعلت هذا سببا لغيره إذا وصلت إلى أمير المؤمنين فقد حل دمك بمخالفتك أمير المؤمنين". فقلت له: "إن تكلمت في شيء غير هذا، أو جعلت هذا ذريعة إلى غيره فدمي حلال لأمر المؤمنين". قال عبد العزيز: "فوثب عمرو قائما على رجليه، وقال: أخرجوه بين يدي إلى أمير المؤمنين. قال: فأخرجت، وركب من الجانب الغربي وأنا بين يديه وولدي يعدي بنا على وجوهنا، وأيدينا في أيدي الرجال حتى صار إلى أمير المؤمنين من الجانب الشرقي، فدخل وأنا في. الدهليز قائم على رجلي، فأطال عند أمير المؤمنين، ثم خرج فقعد في حجرة له، وأمر بي فأدخلت عليه، فقال لي: قد أخبرت أمير المؤمنين أطال الله بقاه بخبرك وما فعلت، وما قلت وما سألت من الجمع بينك وبين مخالفيك من المناظرة بين يديه، وقد أمر أطال الله بقاه، بإجابتك إلى ما سألت وجمع المناظرين عن هذه المقالة إلى مجلسه أعلاه الله في يوم الاثنين الآتي وتحضر معهم ليناظروا بين يديه أيده الله ويكون هو الحاكم بينكم. قال عبد العزيز: فأكثرت حمد الله على ذلك وشكرته وأظهرت الشكر والدعاء لأمير المؤمنين، فقال لي عمرو بن مسعدة: أعطنا كفيلا بنفسك حتى تحضر معهم يوم الاثنين وليس بنا حاجة إلى حبسك". فقلت له: "أعزك الله أنا رجل غريب ولست أعرف في هذا البلد أحدا ولا يعرفني من أهله أحد، فمن أين لي من يكفلني، وخاصة مع إظهار مقالتي

стр. 22

لو كان الخلق يعرفوني لتبرؤا مني، وهربوا من قربي وأنكروا معرفتي، قال: فنوكل بك من يكون معك حتى يحضرك في ذلك اليوم، وتنصرف فتصلح من شأنك وتفكر في أمرك فلعلك أن ترجع عن غيك وتتوب من فعلك فيصفح أمير المؤمنين عن جرمك، فقلت ذلك إليك أعزك الله فافعل ما رأيت". قال عبد العزيز: "فوكل بي من يكون معي في منزلي وانصرفت". قال عبد العزيز: "فلما كان يوم الاثنين، صليت الغداة في مسجدي الذي كان على باب منزلي، فلما فرغت من الصلاة إذ بخليفة عمرو بن مسعدة قد جاء ومعه خلق كثير من الفرسان والرجال فحملوني مكرما على دابة حتى صاروا بي على باب أمير المؤمنين فأوقفوني حتى جاء عمرو بن مسعدة فدخل فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها، ثم أذن لي بالدخول عليه فدخلت.. فلما صرت بين يديه أجلسني" ثم قال لي: "أنت مقيم على ما كنت عليه"، أو قد رجعت عنه، فقلت: "بل مقيم على ما كنت وقد ازددت بتوفيق الله إياي بصيرة في أمري"، فقال لي عمرو: "أيها الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم وبلغت الغاية في مكروهها وتعرضت لما لا قوام لك به، من مخالفة أمير المؤمنين أطال الله بقاه، وادعيت ما لا يثبت لك به حجة على مخالفيك ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد الحجة عليك إلا السيف، فانظر لنفسك وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة، ولا تقبل لك معذرة، ولا تقال لك عثرة، فقد رحمتك وأشفقت عليك مما هو نازل بك، وأنا استقبل أمير المؤمنين أطال الله بقاه وأسأله الصفح عن جرمك وعظيم ما كان منك، إن أظهرت الرجوع عنه، والندم على ما كان منك، وآخذ لك الأمان منه أيده الله والجائزة، وإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت لك حاجة قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت بنفسك فيه"، فقلت له: "ما ندمت أعزك الله ولا رجعت، ولا خرجت عن بلدي، وغررت بنفسي إلا في طلب هذا اليوم، وهذا المجلس رجاء أن يبلغني الله ما أؤمل من إقامة الحق فيه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل".

стр. 23

قال محمد بن الحسن١ سمعت أبا عبد الله٢ يقول: قال لي أبي٣ جاء عبد العزيز إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ وهو في الحبس فقال: "إن هذا الأمر الذي أنت فيه ليس تطيقه على دقته، فاذكرني فبعث إليه أبو عبد الله أنا قد وقعت، وأخاف أن أذكرك فأشيط بدمك، فيكون قتلك على يدي، فأقتل أنا أحب إلي، فانصرف بسلام". قال عبد العزيز: "فقام عمرو بن مسعدة على رجليه، وقال: "قد حرصت في كلامك جهدي، وأنت حريص مجتهد في سفك دمك وقتل نفسك، فقلت له: معونة الله أعظم، والله عزوجل ألطف من أن يسلمني ويكلني إلى نفسي، وعدل أمير المؤمنين أطال الله بقاه أوسع من أن يقصر عني، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". قال عبد العزيز: "وأمر بي فأخرجت إلى الدهليز الأول، ومعي جماعة موكلون بي، وكان قد تقدم إلى سائر بني هاشم ممن يحضر مجلس أمير المؤمنين أطال الله بقاه، أن يركبوا ووجه إلى الفقهاء والقضاة والموافقين لهم على مذهبهم. وسائر المتكلمين، والمناظرين أن يحضروا دار أمير المؤمنين، فأمر القواد والأمراء أن يركبوا في السلاح كل ذلك ليرهبوني بهم. ومنع الناس من الانصراف إلى أن ينقضي المجلس، فلما اجتمع الناس وتأهبوا ولم يتخلف منهم أحد ممن يعرفون بالكلام والجدال، أذن لي في الدخول، فلم أزل أنقل من دهليز إلى دهليز حتى صرت إلى الحاجب "صاحب " الستر الذي على باب الصحن، فلما رآني أمربي فأدخلت إلى حجرته، ودخل معي فقال لي: إن احتجت إلى أن تجدد طهرا فافعل، فقلت: لا حاجة لي بذلك، فقال: صل ركعتين قبل دخولك، فصليت أربع ركعات ودعوت الله وتضرعت إليه، فلما فرغت، أمر من كان بحجرته فخرج من الحجرة، ثم تقدم إلي فقال لي وهو يسارني: يا هذا إن أمير المؤمنين بشر مثلك رجل من ولد

стр. 24

آدم، وكذلك كل من يناظرك بحضرته فهو بشر مثلك، فلا تتهيبهم، واجمع فهمك وعقلك لمناظرتهم، وإياك والجزع، واعلم علما يقينا أنه إن ظهرت حجتك عليهم انكسروا وانقطع كلامهم عنك، وأذللتهم وغلبتهم ولم يقدروا على ضر ولا مكروه وصار أمير المؤمنين أطال الله بقاه وسائر الأولياء والرعية معك عليهم، وإن ظهرت حجتهم عليك أذلوك وقتلوك وأشهروك وجعلوك للخلق عبرة، فاجمع همتك ومعرفتك ولا تدع شيئا مما تحسنة وتحتاج إليه أن تتكلم به خوفا من أمير المؤمنين أو من أحد غيره وتوكل على الله واستخر الله، وقم فادخل". فقلت له: "جزاك الله خيرا فقد أديت النصيحة وسكنت الروعة وآنست الوحشة، وخرج، وخرجت معه إلى باب الصحن". قال عبد العزيز: "فشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي وجعل أقوام يتعادون بي، وأيديهم في ظهري وعلى عنقي، فجعلت أسمع أمير المؤمنين وهو يقول: خلو عنه خلو عنه، وكثر الضجيج من الحجاب والأولياء بمثل ذلك، فخلي عني وقد كاد عقلي أن يتغير من شدة الجزع وعظيم ما رأيت في ذلك الصحن من السلاح والرجال، وقد انبسطت الشمس عليهم، وملأ الصحن صفوفا، وكنت قليل الخبرة بدار أمير المؤمنين، ما رأيتها قبل ذلك ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت هناك فسمعته يقول: قربوه قربوه، فلما دخلت من باب الإيوان وقعت عيني عليه، وقبل ذلك لم أتبينه لما كان على باب الإيوان من الحجاب والقواد، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: أدن مني، فدنوت منه، ثم قال: أدن مني زاده تكرارا، وأنا أدنو منه خطوة خطوة، حتى صرت في الموضع الذي يجلس فيه المناظرون، ويسمع كلامهم، والحاجب معي يقدمني، فلما انتهيت إلى الموضع. قال لي المأمون: اجلس فجلست". قال عيد العزيز: "فسمعت رجلا من جلسائه يقول وقد دخلت من الإيوان": يا أمير المؤمنين يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، لا والله ما أريت خلق الله قط أقبح وجها منه، فسمعته يقول هذا وفهمت كلامه كله ورأيت شخصه على ما بي من الروعة والجزع والخوف، وجعل ينظر إلي وأنا أرتعد وأنتفض، فأحب أن

стр. 25

يؤنسني وأن يسكن عني ما قد لحقني وأن ينشطني، فجعل يكثر كلام جلسائه ويكلم خليفته عمرو بن مسعدة، ويتكلم بأشياء كثيرة مما لا يحتاج أن يتكلم بها يريد بذلك كله إيناسي، وجعل يطيل النظر إلى الإيوان، ويدير طرفه فيه، فوقعت عينه على موضع من نقش الجص قد انتفخ، فقال: يا عمرو أما ترى هذا الذي قد انتفخ من هذا النقش، وسيقع فبادره في يومنا هذا، فقال عمرو: قطع الله يد صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا. قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون فقال لي: "الاسم"، فقلت: "عبد العزيز". فقال لي: "ابن من"؟ فقلت: "ابن يحي"قال: "ابن من"؟ قلت: "ابن عبد العزيز"، قال لي: "ابن من"؟ قلت: "ابن مسلم." قال: "ابن من"؟ قلت: "ابن ميمون الكناني". قال: "وأنت من كنانة". قلت: "نعم،" يا أمير المؤمنين، فتركني ولم يكلمني هنيهة، ثم أقبل علي فقال: "من أين الرجل"، قلت: "من الحجاز"، قال: "من أي الحجاز"، قلت: "من مكة"، قال: "ومن تعرف من أهلهاط، قلت: "يا أمير المؤمنين كل من بها من أهلها أعرفه إلا رجلا ضوى إليها وجاور بها من الغرباء فإني لا أعرفه، قال: فهل تعرف فلانا، هل تعرف فلانا حتى عد جماعة من بني هاشم كلهم أعرفهم حق معرفتهم، فجعلت أقول: نعم أعرفه، وسألني عن أولادهم وأنسابهم فأخبره من غير حاجة به إلى شيء من ذلك، ولا مما تقدم من مسألتي وإنما يريد به إيناسي وبسطي للكلام، وتسكين روعتي وجزعي، فذهب عني ما كان لحقني من الجزع، وجاءت المعونة من الله عزوجل، فقوى بها ظهري، واشتد بها قلبي، واجتمع بها فهمني، وعلا بها جدي، وانشرح بها صدري، وانطلق بها لساني، ورجوت بها النصر على عدوي". قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: "يا عبد العزيز إنه اتصل بي ما كان منك في قيامك في المسجد الجامع، وقولك إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبحضرة الخلق على رؤوس الأشهاد، ومسألتك بعد ذلك الجمع بينك وبين مناظريك على هذه المقالة بحضرتي وفي مجلسي، والاستماع منك ومنهم، وقد جمعتك والمخالفين لك لتتناظروا بين يدي وأكون آنا الحكم فيما بينكم فإن تكن لك الحجة والحق معك تبعناك، وإن تكن لهم الحجة عليك والحق معهم عاقبناك. ثم أقبل المأمون على بشر المريسي" فقال: "يا بشر قم إلى عبد العزيز نناظره وأنصفه".

стр. 26

قال عبد العزيز: "فوثب إلي بشر من موضعه الذي كان فيه كالأسد يثب إلى فريسته، فجاء فانحط علي، فوضع فخذه الأيسر على فخذي الأيمن، فكاد أن يحطمها، واعتمد علي بقوته كلها. فقلت له: مهلا فإن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لم يأمرك بقتلي ولا بظلمي، وإنما أمرك بمناظرتي وإنصافي، فصاح به المأمون تنح عنه، وكرر ذلك عليه حتى باعده مني". قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز ناظره على ما تريد واحتج عليه، ويحتج عليك، وسله ويسألك، وتناصفا في كلامكما، وتحفظا ألفاظكما، فإني مستمع إليكما ويحفظ ألفاظكما". قال عبد العزيز: "فقلت السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، ولكني أقول شيئا فإن رأى أمير المؤمنين أبقاه الله تعالى أن يأذن لي في ذلك فعلت. فقال: قل ما تريد. فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إني رجل عربي، وفي كلامي دقة، ولم يسمع أمير المؤمنين أطال الله بقاه من كلامي شيئا قبل هذا الوقت، فجليل كلامي في سمع أمير المؤمنين دقيق، وبشر يا أمير المؤمنين كثير سماع أمير المؤمنين دقيق كلامه، فصار في سمع أمير المؤمنين جليلا، فإن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاه أن يأذن لي فأقدم شيئا من كلامي في هذا المجلس ليقيس ما يدق بعده من كلامي على ما تقدم، ويعرف مذهبي في كلامي، ثم يجمعني ومن أحب لمناظرتي بعد هذا في أي وقت شاء". قال المأمون: "أنا مشغول عن هذا بما يلزمني من أمر المسلمين، وإنما جمعتك ومخالفيك لما أظهرت من مخالفتك إياهم وذمك لمذهبهم، وادعائك الرد عليهم، ومسألتك الجمع "بينك " وبينهم ولست أجمعك وإياهم بعد هذا المجلس إلا عن مناظرة تجري بينك وبينهم فتحتاجون إلى عودة لاستمام ما بقي عليكما من المناظرة فأجمعكما لذلك". قال عبد العزيز: "فقلت في نفسي، هذا الذي سألت الله أن يبلغنيه وعاهدته لأن بلغني لأقومن بحقه ولأذبن عن دينه بما يلهمني بتوفيقه صابرا محتسبا وإن عرضت على السيف والقتل حتى إذا بلغني الله ما أملته وأعطاني ما سألته، وأيدني بالمعونة، وكفاني المؤونة وعطف قلوب عباده علي، وصرف عتي ما كنت أحاذر من سوء بادرة تكون قبل قيامي بحق الله تعالى، أأنقض عهده، وأخلف

стр. 27

وعده، وأكفر نعمه، فيسخط علي ويخذلني ويكلني إلى نفسي، والله والله لا فعلت ولو تلفت نفسي". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنة إني لم أتهيب المناظرة ولم أعجز عنها، وإنما أحببت أن أقدم في هذا المجلس شيئا من كلامي ليقف من بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاه ومن في مجلسه على معنى كلامي ودقته فلا يخفى عليهم بعض ما يجري بيننا". قال: فقال أمير المؤمنين المأمون لبشر: "ناظر صاحبك على ما تريد". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إن رأيت أن تأذن لي أن أتكلم بشيء قد شغل قلبي قبل مناظرتي لبشر. فقال لي: تكلم بما شئت فقد أذنت لك". فقلت: "أسألك بالله يا أمير المؤمنين من بلغك إنه كان أجمل ولد آدم ﷺ . فأطرق مليا، ثم رفع رأسه" فقال: "يوسف ﵇". فقلت: "صدقت يا أمير المؤمنين- فوالله ما أعطي يوسف على حسن وجهه بعرتين، ولقد سجن وضيق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وقف على براءته بالشاهد الذي أنطقه الله بتصديقه وبيان قوله وبعد إقرار امرأة العزيز إنها هي راودته عن نفسه فاستعصم فحبس بعد ذلك كله لحسن وجهه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ١ فدل بقوله إنه سجن بغير ذنب لعلة حسن وجهه وليغيبوه عنها وعن غيرها، فطال في السجن حبسه حتى إذا عثر الرؤيا ووقف الملك على علمه ومعرفته اشتاق إليه، ورغب في صحبته فقال : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ ٢ فكان هذا القول من الملك عندما وقف عليه من علم يوسف ومعرفته قبل أن يسمع كلامه، فلما دخل عليه وسمع كلامه وحسن عبارته صيره على خافي خزائن الأرض، وفوض إليه

стр. 28

الأمور كلها وتبرأ منها وصار كأنه من تحت يده، فكان هذا الذي بلغه يوسف ﵇ بكلامه وعلمه لا بجماله، قال : ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ١ ولم يقل إني حسن جميل، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء﴾ ٢ فوالله يا أمير المؤمنين ما أبالي إن وجهي أقبح مما هو، وإني أحسن من الفهم والعلم أكثر مما أحسن". قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون وأي شيء أردت بهذا القول، وما الذي دعاك إلى ذكر هذا؟ فقلت سمعت بعض من هاهنا يقول لأمير المؤمنين: يفيك من كلامه قبح وجهه، فما يضرني قبح وجهي مع ما رزقني الله عزوجل من فهم كتابه، والعلم بسنة نبيه ﷺ فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه، ثم قلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك فقد رأيتك تنظر إلى هذا النقش وانتفاخ الجص وتذكره، وسمعت عمرا يعيب ذلك ويدعو على صانعه، ولا يعيب الجص، ولا يدعو عليه، فقال المأمون: العيب لا يقع على الشيء المصنوع، وإنما يقع العيب على الصانع. قال: قلت: صدقت يا أمير المؤمنين، ولكن هذا يعيب ربي لم خلقني قبيحا فازداد تبسما حتى ظهرت (ثناياه) ". قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون" وقال: يا عبد العزيز: "ناظر صاحبك فقد طال المجلس بغير مناظرة"، فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، كل متناظرين على غير أصل يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شيء من الفروع، فهما كالسائر على غير الطريق، لا يعرف الحجة فيتبعها ويسلكها وهو لا يعرف الموضع الذي يريد فيقصده، ولا يدري من أين جاء فيرجع يطلب الطريق فهو على ضلال أبدا. ولكننا نؤصل بيننا أصلا، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلاّ رمينا به ولم نلتفت إليه". قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: "نعم ما قلت، فاذكر الأصل الذي تريد أن يكود بينكما، ويذكر أيضا هو مثله حتى تتفقا على الأصل فتؤصلاه بينكما".

стр. 29

قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك: أو أصل بيني وبينه ما أمرنا الله به واختاره لنا وأدبنا به وعلمنا ودلنا عليه عند التنازع والاختلاف، ولم يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى اختيارنا". فقال المأمون: "وذلك موجود عن الله "؟ قلت: "نعم يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١ وهذا تعليم الله وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين وهو خير وأحسن ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعت أنا وبشر يا أمير المؤمنين فنحن نؤصل بيننا كتاب الله عزوجل وسنة نبيه ﷺ كما أمرنا فإن اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى كتاب الله ، فإن وجدناه فيه وإلاّ رددناه إلى سنة نبيه ﷺ فإن وجدناه فيها وإلاّ ضربنا به الحائط ولم نلتفت إليه". فقال بشر: "وأين أمرنا الله أن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ " قلت: "كأنك لم تسمع ما جرى وما ابتدأت به، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٢. قال بشر: "فإنما أمر الله أن يرد إليه وإلى الرسول، ولم يأمرنا أن نرده إلى كتابه العزيز وإلى سنة نبيه ﵇". قال عبد العزيز: "هذا مالا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم إن رددناه إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته رددناه إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحد لأن، وقد روى هذا بهذا اللفظ عن ابن عباس٣ وعن جماعة من الأئمة٤ الذين اخذ العلم عنهم رحمة الله عليهم". قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون: فافعلا وأصلا بينكما يا عبد العزيز أصلا واتفقا عليه وأنا الشاهد بينكما إن شاء الله تعالى".

стр. 30

قال عبد العزيز. فقلت يا أمير المؤمنين: "إنه من الحد في كتاب الله جاحدا أو زائدا لم يناظر بالتأويل، ولا بالتفسير، ولا بالحديث". فقال المأمون: "وبأي شيء تناظره"، قلت: "بنص التنزيل كما قال الله عزوجل لنبيه ﷺ : ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ وقال حين ادعت اليهود تحريم أشياء لم تحرم عليهم: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣ وقال لنبيه ﵊: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ٤. فإنما أمر الله نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل، وإنما يكون التأويل لمن أقر بالتنزيل، وأما من الحد في التنزيل فكيف يناظر بتأويله. فقال لي المأمون: ويخالفك في التنزيل؟ قلت: نعم ليخالفني، أو ليدع قوله ومذهبه ويوافقني". قال عبد العزيز: "ثم أقبلت على بشر فقلت: يا بشر ما حجتك إن القرآن مخلوق، وانظر إلى أحذ سهم في كنانتك فارمني به، ولا تحتاج إلى معاودتي بغيره. فقال: تقول القرآن شيء أم غير شيء، فإن قلت إنه شيء أقررت إنه مخلوق إذ كانت الأشياء مخلوقة بنص التنزيل، وإن قلت إنه ليس بشيء فقد كفرت لأنك تزعم أنه حجة الله على خلقه وإن حجة الله ليس بشيء". قال عبد العزيز: "فقلت لبشر ما رأيت أعجب من هذا تسألني وتجيب نفسك عني وتكفرني ولم تسمع كلامي ولا قولي فإن كنت سألت لأجيبنك، فاسمع مني فإني أحسسن أن أجيب عن نفسي وأحتج عن مقالتي ومذهبي، وإن كنت إنما تريد أن تخطئني وتتكلم لتدهشني وتنسيني حجتي فلن أزداد بتوفيق الله إياي إلا بصيرة وفهما، وما أحسبك إلا وقد تعلمت شيئا أو سمعت قائلا يقول هذه المقالة التي قلتها أو قرأتها في كتاب فأنت تكره أن تقطعها حتى تأتي على آخرها".

стр. 31

قال عبد العزيز: فأقبل المأمون: على بشر فقال: "صدق عبد العزيز، اسمع منه جوابه ورد عليه بعد ذلك بما شئت من الكلام، ثم قال لي: تكلم يا عبد العزيز وأجب عما سألك عنه". قال عبد العزيز: "سألت عن القرآن أهو شيء أم غير شيء، فإن كنت تريد هو شيء إثباتا للوجود ونفيا للعدم١ فهو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا". فقال بشر: "ما أدري ما تقول ولا أفهمه ولا أعقله ولا أسمعه، ولابد من جواب يفهم ويعقل أنه شيء يعقل أو غير شيء". قال عبد العزيز: "صدقت إنك لا تفهم ولا تعقل ولا تسمع ما أقول ولقد وصفت نفسك بأقبح الصفات، واخترت لها أذم الاختيارات، ولقد ذم الله في كتابه من قال مثل ما قلت: أو كان بمثل ما وصفت به نفسك، فقال الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢ وقال عزوجل لنبيه ﷺ : ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣ وقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ... إلى قوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٤. ومثل هذا في القرآن كثير جدا، ولقد امتدح الله في كتابه أقواما بحسن الاستماع وأثنى عليهم أحسن الثناء فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٥ وقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ٦ وقالت : ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٧ وقال :

стр. 32

﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١ ومثل هذا في القرآن كثير، فما اخترت لنفسك ما اختاره الرسول، ولا ما اختاره المؤمنون، ولا ما اختاره أهل الكتاب، ولا ما اختاره الجن لأنفسهم. قال عبد العزيز: قال المأمون: دع هذا يا عبد العزيز وارجع إلى ما كنت فيه، وبين ما كنت فيه، واشرحه، واحتج لنفسك، فقلت: يا أمير المؤمنين: إن الله أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته فلم يتسم بالشيء ولم يجعل الشيء اسما من أسمائه ولكنه دل على نفسه أنه شيء وأكبر الأشياء إثباتا للوجود ونفيا للعدم٢، وتكذيبا منه للزنادقة، والدهرية، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ٣ فدل على نفسه أنه شيء ليس كالأشياء، وأنزل في ذلك خبرا خاصا مفردا لعلمه السابق أن جهما وبشرا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه ويشبهون على خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأسماء المخلوقة، قال عزوجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤ فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة بهذا الخبر تكذيبا لمن الحد في كتابه، وافترى عليه، وشبهه بخلقه، قال عزوجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥ ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء ولم يجعله اسما من أسمائه، ثم قال النبي ﷺ : "إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحضاها دخل الجنة" ٦ ثم عدها فلم نجده جعل الشيء اسما لله عزوجل، ثم ذكر جل ذكره كلامه كما ذكر نفسه ودل عليه بمثل ما دل على نفسه ليعلم الخلق أنه من ذاته وأنه صفة من صفاته، فقال الله.

стр. 33

عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ﴾ ١ فذم الله اليهودي حين نفى أن تكون التوراة شيئا، وذلك أن رجلا من المسلمين ناظر رجلا من اليهود بالمدينة، فجعل المسلم يحتج على اليهودي من التوراة بما علم من صفة النبي ﷺ وذكر نبوته فيها حتى أثبت نبوته ﷺ من التوراة فضحك اليهودي وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تكذيبه، وذم قوله، وأعظم فريته حين جحد أن يكون كلام الله شيئا، ودل بذلك على أن كلامه شيء ليس كالأشياء، كما دل على نفسه أنه شيء ليس كالأشياء ثم قال في موضع آخر: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ٢ فدل بهذا الخبر أيضا على أن الوحي شيء بالمعنى، وذم من جحد أن كلام الله شيء، فلما أظهر الله عزوجل اسم كلامه لم يظهره باسم الشيء فيلحد الملحدون في ذلك ويدخلونه في جملة الأشياء المخلوقة، ولكنه أظهره باسم الكتاب والنور والهدى ولم يقل قل من أنزل الشيء الذي جاء به موسى، فيجعل الشيء اسما لكلامه، وكذلك سمى كلامه بأسماء ظاهرة يعرف بها، فسمى كلامه نورا وهدى، وشفاء، ورحمة، وحقا، وقرآنا، وأشباه ذلك لعلمه السابق في جهم وبشر ومن يقول بقولهما إنهم سيلحدون في أسمائه وصفاته التي هي من ذاته وسيدخلونها في الأشياء المخلوقة". فقال بشر: "يا أمير المؤمنين قد أقر عبد العزيز إنه شيء، وإنه لا كالأشياء فليأت بنص التنزيل كما أخذ علي وعلى نفسه، أنه ليس كالأشياء، وإلاّ فقد بطل ما ادعاه وصح قولي إنه مخلوق، إذ كنا قد أجمعنا واتفقنا إنه شيء، وقلت أنا هو شيء كالأشياء وداخل في الأشياء، وقال هو ليس هو شيء كالأشياء ولا داخل لا الأشياء، فليأت بنص التنزيل على ما ادعاه، وإلا فقد ثبتت الحجة عليه بخلقه إذ كان الله قد أخبرنا بنص التنزيل إنه خالق كل شيء". قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز، وجعل محمد بن الجهم وغيره يصيحون "يقولون " ظهر أمر الله وهم كارهون، جاء الحق وزهق

стр. 34

الباطل وطمعوا في قتلي، وجثا بشر على ركبتيه وجعل يقول: أقر والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، فأمسكت فلم أتكلم حتى قال لي المأمون: مالك لا تتكلم يا عبد العزيز فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، قد تكلم بشر وطالبني بنص التنزيل على ما قلت وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء أي شيء هو وأنا لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل كما طالبني ولست أتكلم في هذا المجلس ويتكلم فيه غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ويتكلم غيره في مكانه، فصاح المأمون بمحمد بن الجهم وغيره فأمسكوا". قال عبد العزيز: "فقال لي المأمون تكلم يا عبد العزيز فليس يعارضك أحد غير بشر". قال عبد العزيز: "قال الله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢ وقالت : ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣ فدل بهذه الأخبار كلها وأشباه لها كثيرة على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه غير الأشياء، وأنه خارج عن الأشياء، وأنه إنما تكون الأشياء بقوله وأمره، ثم ذكر خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيئا إلا ذكره، وأخرج كلامه وقوله وأمره منها ليدل على أن كلامه غير الأشياء وخارج عن الأشياء المخلوقة، فقال : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ ٤. فجمع في هذه اللفظة الخلق كله، ثم قال: والأمر، يعني الأمر الذي كان به هذا الخلق، ففرق بين خلقه وبين أمره، فجعل الخلق خلقا والأمر أمرا، وجعل هذا غير هذا، وهذا غير هذا، فقال : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ٥ يقول إذا أردت شيئا فإنما هو كلمح

стр. 35

البصر يقول له كن كما أريد فيكون كلمح بالبصر، وقال : ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١ يقول من قبل الخلق ومن بعد الخلق، ثم جمع عزوجل بين الأشياء المخلوقة في آيات كثيرة من كتابه، وأخبر عن خلقهما بقوله وكلامه، وأن كلامه وقوله غيرها وخارج عنها فقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقّ﴾ ٢ وقال : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ٣ وقال : ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ وقال : ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٥ وقال : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ بِالْحَقّ﴾ ٦ وقال : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ ٧ وقال : ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ "٨. قال عبد العزيز: فقال لي المأمون بعض هذا يجزيك فاختصره، فقلت: "يا أمير المؤمنين قد أخبرنا الله عن خلق السماوات والأرض وما بينهما، فلم يدع شيئا من الخلق إلا ذكره، وأخبر عن خلقه، وأنه إنما خلقه بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خلق الخلق كله، وأنه غير الخلق، وخارج عن الخلق، وهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة، وليس هو كالأشياء وإنما به تكون الأشياء".

стр. 36

فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك فقد ادعى أن الأشياء إنما تكون بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات فزعم أن الله عزوجل يخلق بها الأشياء فأكذب نفسه ونقض قوله ورجع عما ادعاه من حيث لا يدري، وأمير المؤمنين أطال الله بقاه الشاهد عليه الحاكم بيننا". قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: "يا عبد العزيز قد قال بشر كلاما قد قلته وتحتاج أن تصحح قولك ولا ينقض بعضه بعضا، وجعل بشر يصيح ويقول: لو تركناه يتكلم لجاءنا بألف لون مما خلق الله عزوجل بها الأشياء". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، ذهبت الحجج وانقطع الكلام، ورضي بشر وأصحابه بالضجيج والترويج إلى الباطل وقطع المجلس وطلب الخلاص ولإخلاص من الله . قال: فصاح المأمون: يا بشر أقبل على صاحبك واسمع منه، ودع هذا الضجيج، وكان قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم". قال عبد العزيز: "ثم أقبل علي المأمون وقال: تكلم يا عبد العزيز. فقلت: يا بشر زعمت أني قد أتيت بأشياء متباينات متفرقات، فزعمت أن الله خلق بها الأشياء، فما قلت إلا ما قال الله عزوجل في كتابه، وما جئت بشيء غير كلام الله ولا قلت ولا أقول إلا أن "الله " خلق الأشياء بكلامه. قال بشر: "يا أمير المؤمنين، قد قال إنه خلق الأشياء بقوله وبأمره، وبكلامه، وبالحق، فقال المأمون: بلى قد قلت هذا يا عبد العزيز". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين قد قلت هذا، وما قلته إلا على صحته، ولا خرجت عن كتاب الله عزوجل ولا قلت إلا ما قال الله عزوجل، ولا أخبرت إلا بما أخبر الله به أنه خلق "مما" يوافق بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وكل ما ذكر الله عزوجل إنه خلق ويخلق به الأشياء فهو شيء واحد له أسماء، هو كلام الله، هو قول الله، هو أمر الله، وهو الحق، فقول الله هو كلامه وكلامه هو الحق، والحق هو آمره، وأمره هو قوله، وقوله هو الحق، وهي أسماء شتى لشيء واحد، كما سمي كلامه نورا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنا، وفرقانا، فهذا مثل ذلك، وذلك مثل هذا، وإنما أجرى الله مثل هذا على

стр. 37

كلامه، كما أجراه على نفسه لأنه من ذاته، فسمى كلامه بأسماء كثيرة، وهي شيء واحد كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد أحد صمد فرد، وإنما ينكر بشر هذا وبستعظمه لقلة فهمه ومعرفته باللغة، ومعنى كلام العرب وألفاظها". قال بشر: "يا أمير المؤمنين قد أصل بيني وبينه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وزعم أنه لا يقبل إلا نص التنزيل فما لنا ولذكر لغة العرب وغيرها لست أقبل منه إلا نص التنزيل بما قال أن كلام الله هو قوله، وهو أمره، وهو الحق. فقال المأمون: ذلك يلزمك يا عبد العزيز لما عقدت علي نفسك من الشرط". قال عبد العزيز: فقلت: "صدقت يا أمير المؤمنين إن ذلك يلزمني وعلي أن آتي به من نص التنزيل"، قال: "هاته". قال عبد العزيز: فقلت: "قال الله وقد ذكر كلامه فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه﴾ ١ يعني حتى يسمع القرآن، لأنه لا يقدر أن يسمع كلام الله من الله، وإنما غنى القرآن لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك. وقال : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢ فسمى الله القرآن كلامه، وسماه قوله، وأخبر أن قوله هو كلامه بقوله عز من قائل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣ وقال الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ ٤ فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق. وقال : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٥ فأخبر عن القرآن إنه الحق، وقال : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٦ فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق، وقال :

стр. 38

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١ فهذا خبر الله عن القرآن إنه الحق وقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ٢ وقال : ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٤ وقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ ٥ وقال عز جل: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ ٦، فهذه كلها وأمثالها في القرآن كثير، إخبار الله عن القرآن أنه الحق، فسماه باسم الحق، ثم ذكر أن القرآن قوله وأن قوله هو الحق فقال : ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٧ فهذا خبر الله عن قوله إنه الحق وإن الحق قوله، وقال : ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٨ وقالت : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ ٩ فهذه أخبار الله كلها عن الحق إنه قوله وان قوله هو الحق، ومثل هذا في القرآن كثير، ثم ذكر أن الحق كلامه وأن كلامه الحق فقال : ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١٠ فأخبر عن كلام الله أنه الحق، وقال : ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١١ فأخبر عن الحق أنه كلامه وأن كلامه هو الحق، وقال : ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١٢ فهذه أخبار الله عن الحق أنه كلامه وإن كلامه هو الحق ثم ذكر أن القرآن أمره، وهو كلامه فقال : ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا﴾ ١٣ يعني القرآن، فأخبر

стр. 39

الله أن القرآن أمره، وأن أمره القرآن، وقال : ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ١ يعني القرآن فهذا خبر الله أن القرآن أمره وأن أمره القرآن، وإن هذه أسماء شتى لشيء واحد، وهو الشيء الذي به خلق الأشياء وهو غير الأشياء، وخارج عن الأشياء، وغيره داخل في الأشياء، ولا هو كالأشياء وبه تكون الأشياء، وهو كلامه، وهو قوله، وهو أمره، وهو الحق. وهذا نص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير". قال عبد العزيز: فقال المأمون: "أحسنت أحسنت يا عبد العزيز." فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، إنه يحب أن يخطب ويهذي بما لا أعقله، ولا أسمعه، ولا التفت إليه، ولا أتى بحجة، ولا أقبل من هذا شيئا. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، من لا يعقل عن الله ما خاطب به نبيه ﷺ ، وما علمه لعباده المؤمنين في كتابه، ولا يعلم ما أراد الله بكلامه وقوله، يدعي العلم، ويحتج بالمقالات والمذاهب ويدعو الناس إلى البدع والضلالات"؟. فقال بشر: "أنا وأنت في هذا سواء، أنت تنتزع بآيات من القرآن لا تعلم تفسيرها ولا تأويلها، وأنا أرد ذلك وأدفعه حتى تأتي بشيء أفهمه وأعقله". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين، قد سمعت كلام بشر وتسويته فيما بيني وبينه، (ولقد فرق الله فيما بيني وبينه) وأخبر أنا على غير السواء، قال: وأين ذلك لك من كتاب الله ؟ قلت: قال الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢ فأنا والله يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه ﷺ هو الحق، وأومن به، وبشر يشهد على نفسه إنه لا يعلم ذلك ولا يعقله ولا يقبله ولا هو مما يقوم لي به عليه حجة، فلم يقل كما قال الله عزوجل، ولا كما علم نبيه ﷺ أن يقوله، ولا كما قال موسى ﵇، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنون، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر الله عن جهله, وأزال عنه التذكرة, وأخرجه عن جملة أولى الألباب، لكن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لما خصه الله به من الفضل

стр. 40

والسؤدد، ورزقه من دقة الفهم وكثرة العلم والمعرفة باللغة عقل عن الله قوله، وعرف ما أراد به وما عنى به فقبله واستحسنه ممن انتزعه بين يديه وأظهر قبوله والرضاء بقوله". فقال بشر: "يا أمير المؤمنين قد أقر بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده كيف "شاء" فقد اتفقنا على أنه شيء، وقال الله بنص التنزيل: إنه ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١ وهذه لفظة لم تدع شيئا إلا أدخلته في الخلق ولا يخرج عنها شيء ينسب إلى الشيء لأنها لفظة استقصت الأشياء وأتت عليها مما ذكر الله تعالى ومما لم يذكرها فصار القرآن مخلوقا بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين علي أن أكسر قوله وأكذبه فيما قال بنص التنزيل حتى يرجع أو يقف أمير المؤمنين علي كسر قوله وكذبه وبطلان ما ادعاه. فقال: هات ما عندك يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله عزوجل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٢ يعني الريح التي أرسلت على عاد، فهل أبقت الريح يا بشر شيئا لم تدمره، قالت: لا لم يبق شيء إلا دمرته، وقد دمرت كل شيء كما أخبر الله تعالى لأنه لم يبق شيء إلا وقد دخل في هذه اللفظة. قلت: قد أكذب الله من قال هذا بقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٣ فأخبر عنهم أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم، ومساكنهم أشياء كثيرة. وقال : ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ٤ وقد أتت الريح على الأرض والجبال والمساكن والشجر وغير ذلك فلم يصر شيئا منها كالرميم وقال : ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥ يعني بلقيس، فكأن بقولك يا بشر يجب أن لا يبقى شيء يقع عليه اسم الشيء إلا دخل في هذه اللفظة وأوتيته بلقيس، وقد بقي ملك سليمان وهو مائة ألف ضعف مما أوتيته لم يدخل في هذه اللفظة. فهذا كله مما يكسر قولك ويدحض حجتك، ومثل هذا في القرآن كثير مما يبطل قولك، ولكني أبدأ بما هو أشنع وأظهر فضيحة لمذهبك وأدفع لبدعتك، قال الله : ﴿وَلا
следующие страницы →