← Акыда

Акыда · id 7610

الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن

عبد العزيز الكناني

Полный текст (86 стр.). Показаны 71–86 · переход к 76.

стр. 71

وكل شيء نسبته إلى العرب فهو مخالف لقولها ولغتها ومذهبها في كلامها". قال عبد العزيز: "فأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك أنت بيت اللغة وأعلم خلق الله بلغة العرب وكلامها وما تتعارفه وتتعامل به في خطابها وأنت الحاكم بيننا فإن أكن تزيدت على العرب منذ اليوم في ما حكيته عن العرب أو نسبته إليهم أو عدلت عن سنتهم أو حدث عنهم وعن مذهبهم وكلامهم وخطابهم ومخارج ألفاظهم فقد استحققت العقوبة من وجهين، أحدهما جرأتي على أمير المؤمنين أطال الله بقاه وقولي بين يديه، وحكايتي عن قومه ما يعلم خلافه مع علمي إنه أعلم خلق الله بذلك. والأخرى كذبي على سائر العرب وادعائي الباطل عليهم وأمير المؤمنين يشهد علي بكذبي وتزيدي وهو في حل وسعة من دمي ومن كل ما يعاقبني به، إن كان قد وقف على ذلك مني. وإن يكن بشر يا أمير المؤمنين قد تزيد في القول، وادعى علي الباطل كان أمير المؤمنين أعلا عينا بالرد عليه ومنعه من قول الزور والكذب". فقال المأمون: "ما قلت يا عبد العزيز منذ اليوم إلا ما تقوله العرب وما تتعارفه وتتعامل به، وما خرجت عن مذهبها، ولو عدلت عن ذلك ما سوغت١ لك الكذب عليها". قال عبد العزيز: فقلت: "الله أكبر الله أكبر كذب بشر والله بشهادة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه- لي عليه- أفلحت ورب الكعبة أفلحت ورب الكعبة وظهر أمر الله وهم كارهون". قال عبد العزيز: "فقال بشر وعلى الخلق أن يتعلموا لغة العرب٢ وما تعبدنا الله بهذا، كل إنسان يقول بلغته وبقدر معرفته، وما كلف الله الخلق فوق طاقتهم، ولا طالب أولاد العجم بلغة العرب". قال عبد العزيز: فقلت لبشر: "وكلف الله الخلق أن يتكلموا بما لا يعلمون حيث ادعيت العلم وتكلمت في القرآن العظيم وتأولت كتاب الله على غير ما عناه الله، ودعوت الخلق إلى إتباعك، وكفرت من خالفك وأبحت دمه، والله قد نهى

стр. 72

الخلق جميعا فلم يحاش نبيا مرسلا ولا صديقا ولا عبدا مؤمنا أن يقولوا مالا يعلمون، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ١ وقال لنوح ﵇: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢ فقال نوح معتذرا إلى ربه معترفا بخطيئته مستغفرا منها: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ﴾ ٤ يذمهم الله بهذا الخبر وذم فعلهم وطريقهم التي سلكوا، فقال بشر: "اخطب حتى تشبع من الكلام ثم أخاطبك". قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين إن بشرا قد تحير في ضلالته، وعمي عن رشده، وبانت فضيحة قوله ومذهبه، وانقطع فما يأتي بحجة". فقال بشر: "ما انقطعت ولا تحيرت ولا بانت فضيحة مذهبي، وأنا على بينة من أمري، وما دعوت الناس ولا أدعوهم إلا إلى سبيل الرشاد ولا أنا ولا هم الأعلى سداد وكل من خالفني فكافر حلال الدم". قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين ما كان بقي على بشر غير هذا" قد قال كما قال فرعون، ولجأ إلى سبيل فرعون فاتبعها وإلى سبيله فسلكها. فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه ثم قال: "كيف قلت يا عبد العزيز"؟ فأعدت عليه القول فازداد تبسمه ثم قال: "كيف قال بشر ما قال فرعون ولجأ إلى سبيل فرعون"؟ فقلت له: "لما قرأت على بشر القرآن وأوضحت السبيل والبرهان ودللته على طريق النجاة، ونطقت بالحق الذي أنطقني الله به قال بشر إني لعلى بينة من ربي قال هو ما دعوت الناس إلا إلى سبيل الرشاد، وكذلك قال فرعون

стр. 73

حين أنطق الله من وفقه لقول الحق قال : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ ١ قلت: قال هذا المؤمن الحق الذي أنطق الله به لسانه وسدد به قوله وسمعه فرعون وقومه قال فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ٢ وكذلك بشر يا أمير المؤمنين حين سمعني أقول الحق وفقني الله إليه وأنطق به لساني، فقال: إني لعلى بينة من ربي وما دعوت الناس إلا إلى سبيل الرشاد فأجاب بمثل ما أجاب به فرعون عند سماع الحق واتبع سبيله وما عدل عنها فبشر مرة يتبع سبيل الشيطان ويأمر بما أمر به الشيطان وقد قال الله : ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ٣ ومرة يتبع سبيل اليهود في تحريف القرآن عن مواضعه، وقد قال الله : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ ٤ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ٥وقال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه﴾ ٦ ومثل هذا كثير، ومرة يتبع سبيل الكفار في التسوية بين الله وبين خلقه في خلق الأشياء، ومرة يتبع سبيل عبدة الأصنام في الحيدة عن الجواب وقد قال الله : ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ ٧ ومرة يتبع سبيل فرعون والقول بمثل قوله وقد قال الله عزوجل: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبَابٍ﴾ ٨ وقال : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ٩ وقال : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ١٠. فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءكم إنما يتكلم ويخطب لينسي خصمه حجته ويشغله بغيرها، ولولا بسط أمير المؤمنين إياه لم يقدر يدير لسانه في فمه ولكنت ظاهرا عليه، ثم أقبل بشر علي" وقال: "لو خطبت إلى غد ما تركت مطالبتك

стр. 74

بما قلت فدع عنك الهذيان وأقبل علي". قال عبد العزيز: فقلت له: "تكلم بما شئت حتى أجيبك". فقال بشر: "تعبد الله الخلق أن يعرفوا الموصل والمفصل وما يضر الخلق أن لا يعرفوا ذلك ولا يتعلمونه". فقال له المأمون: "قد رجعنا إلى الكلام الأول". فقال بشر: "أدهشني بكلامه وخطبه عن تمام الكلام في هذا وهو يتوهم أنه كسر قولي بهذا المفصل والموصل الذي لا يحتاج إلى معرفته (أ/٣٢) ولا يطالب أحد به". قال عبد العزيز: "فقلت لبشر بل قد تعبد الله الخلق أن يعرفوا ذلك ويتعلمونه لئلا يصلوا ما فصل الله ويفصلوا ما وصل الله عزوجل". قال: "ما الحجة في ذلك والدليل على صدق قولك". قال عبد العزيز: "فقلت له أما سمعت ما قرأت عليك من كتاب الله وما تلوت عليك من الآيات المحكمات فيمن وصل ما أمر الله به أن يوصل ومن قطع ما أمر الله به أن يوصل وما وعد الله هؤلاء من حسنى وعقبى الدار، وما توعد الله به هؤلاء من اللعنة والعذاب وسؤ الدار". فقال بشر: "دع ذكر ما مضى فمالك فيه حجة واحتج الساعة بشيء أفهمه". قال عبد العزيز: "فقلت له صدقت أنك ما فهمت ما مضى ولو فهمت ما قلت ما قلت، وأقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إن في بعض ما مضى لكفاية وبلاغ ولكن بشر يزعم أنه لم يفهم شيئا مما مضى وأنا أتكلم في ذكر المفصل والموصل من القرآن وأحتج للعرب في صحة لغاتها ومذاهبها في كلامها وخطابها". قال عبد العزيز فقال المأمون: "إن كان بشر لم يفهم ما مضى فكذلك لا يفهم إعادة ما يأتي فدع إعادة شيء قد مضى وظهرت لك الحجة فيه فإن هذا وقت الصلاة". فقلت: "يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأذن لي أن أتكلم بشيء لم أتكلم به في هذا المعنى أقيم به الحجة على بشر وأرجو أن يستحسنه أمير المؤمنين أطال الله بقاءه من غزير إطالة الكلام". فقال: "تكلم وأوجز". قال عبد العزيز: "فأقبلت على بشر فقلت: زعمت يا بشر إن الله لم يتعبد

стр. 75

الخلق بمعرفة الموصل والمفصل فمن زاد فيه شيئا أو نقص منه كان كافرا". قال بشر: "ما قلت هذا يا أمير المؤمنين وهو يدعيه علي". فقلت له: "أخبرني عمن قال إن الله لم يتعبد الخلق بمعرفة لشيء، من هذا أو غيره أو زاد فيه أو نقصه كان كافرا، أيكون صادقا أو كاذبا"؟ فقال: "كاذبا وإنما أقول كل شيء إذا زيد فيه أو نقص منه أو غير عما هو عليه كان فاعل ذلك (٣٢/ب) كافرا لأن الله تعبد الخلق، بمعرفته وعلمه". فقلت له: "قد وافقتني وأجبت نفسك عني وأقررت بما أنكرت". فقال بشر: "دع الكلام والتشبيه عنك وأقم الشاهد والدليل على ما تقول" قال عبد العزيز فقلت له: "قال الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ فأخبر الله أنه لا إله إلا هو وشهد بذلك لنفسه وشهدت له الملائكة وأولو العلم بمثل ذلك فلو قال رجل شهد الله أنه لا إله وقطع الكلام والصلة عامدا كان كافرا لأنه زعم أن الله شهد أن لا إله وشهدت له الملائكة وأولو العلم بذلك ومن قال هذا عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه أعظ م على الله الفرية وأبطل الربوبية وجحد أن يكون الله تعالى الها واستشهد ملائكته وأولو العلم على قوله، فإذا وصل الكلمة كما وصلها الله فقال: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم كان صادقا وكان قد قال ما قال الله وشهد به لنفسه وشهدت به الملائكة وأولو العلم وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢ وكذلك كل ما في القرآن من التهليل فعلى هذا المعنى من فصله من صلته وزاد فيه أو نقص منه كان كافرا، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ٣ لو أن رجلا قال: إن الله لا يستحي وقطع الكلام عامدا كان كافرا لأنه زعم أن الله لا يستحي، ومن قال هذا فقد أعظم الفرية إذ أخبر عن الله أنه أخبر عن نفسه أنه ا، يستحي فقد كفر وحل دمه بقوله هذا وكذلك

стр. 76

قوله في سورة الأحزاب: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقّ﴾ ١ فلو قال رجل: والله لا يستحي وقطع الصلة عامدا كان كافرا حتى يصل ما وصل الله في الحرفين فيقول في الأول أن يضرب مثلا ويقول في الآخر من الحق فيكون قد وصل ما وصل الله ولم يقطعه وإن لم يصله كان كافرا حلال الدم، وقال الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُو﴾ ٢ (٣٣/أ) فلو قال رجل: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها وقطع الصلة عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه زعم أن الله لا يعلم الغيب، ومن زعم هذا فقد رد خبر الله ورد قول الله بشهادته لنفسه بعلم الغيب بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٣ وقوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٥ فمن قال إن الله لا يعلم الغيب فقد كفر وحل دمه، فإذا وصل ما وصل الله عزوجل ولم يقطعه فقال: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو كان صادقا وكان قد قال ما قال الله ووصل ما وصل الله عزوجل ومثل هذا في القرآن كثير". قال المأمون: "أحسنت يا عبد العزيز"، قال عبد العزيز فقلت لبشر: "استمع لما في مسألتك". فقال بشر: هاته، قال عبد العزيز: "وأما المفصل الذي لا يجوز صلته فقول الله : (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء) هاهنا تم الكلام ثم يبتدي القاري فيقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٦ فلو قال رجل لفذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله وقطع الكلام عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه زعم أن لله مثل السوء وشبهه جل ذكره بالذين لا يؤمنون بالآخرة وأدخله معهم في المثل السوء، فإذا فصل الكلام كما فصله الله ولم يصله بما لم يصله الله به فقال: للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء وقطع الكلام كان صادقا وكان

стр. 77

قد وقف على تمام الكلام وفصل ما فصل الله عزوجل ولم يصل ما فصل الله قال الله : (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) هاهنا تم الكلام ثم يبتدي القاري فيقرأ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ ١ فلو قال رجل: "وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله وقطع عامدا كان كافرا حلال الدم لأنه قد أعظم الفرية على الله وزعم أن الله قد أخبر أن كلمته سفلى مع كلمة الذين كفروا فشبه (٣٣/ب) الله تعالى بالذين كفروا فإذا فصل الكلام من الصلة فقال وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ووقف على ذلك وقطع الصلة كان صادقا وكان فصل ما قد فصل الله عزوجل". قال عبد العزيز: "فأقبل علي المأمون" فقال: "أحسنت أحسنت يا عبد العزيز وقد أبلغت فلا تحتاج إلى زيادة، ثم أقبل على بشر" فقال: "يا بشر هل عندك شيء تحتاج تسأل عنه عبد العزيز أو تحتج به عليه فقد ظهرت حجته ووضح قوله عندنا. قال بشر: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك هذا يريد نص التنزيل بكل شيء يتكلم به أو يلفظ به وليس كل ما يتكلم به الناس ويحتجون به يجدونه في نص التنزيل وإنما يجدونه في التأويل وهذا لا يقبل التأويل ويبطل التفسير حتى كأنه كان يشاهد التنزيل وهذا مالا أسوغه أنا للمناظرين ولا أطيقه للمتكلمين إذ كان الناس لا يجدون علم ما يختلفون فيه ويتنازعون من أمر دينهم في كتاب الله بنص التنزيل ولو كان هذا كما يقول عبد العزيز لبطل التفسير كله وبقي الناس في حيرة من أمر دينهم والناس جميعا يوافقوني على قولي ويخالفون عبد العزيز". قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك كل ما يتكلم به الناس من علم دينهم وما يختلفون فيه ويتنازعون فيه فهو موجود في القرآن وفي غيره من كتبه لقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ وقوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ فليس من شيء يحتاج إليه يا أمير المؤمنين إلا وهو موجود في القران عقله من عقله وجهله من جهله".

стр. 78

قال عبد العزيز: "فجثى محمد بن الجهم على ركبتيه وقال يا عبد العزيز زعمت أن كل شيء يتكلم به الناس ويحتاجون إلى معرفته موجود في كتاب الله بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير فأوجدنا أن هذا الحصير مخلوق أو غير مخلوق في كتاب الله تعالى بنص التنزيل ووضع يده على حصير مرمي (٣٤/أ) كان تحتنا مبسوطا في الإيوان" فقلت له: "نعم علي أن أوجدك ذلك". قال عبد العزيز فأقبلت عليه فقلت له: "أخبرني عن هذا الحصير أليس هو من سعف النخل وجلود الأنعام"؟ قال: "بلى". قلت: "فهل فيه شيء غير هذا"؟ قال: "لا". فقلت له: "هل هاهنا شيء غير هذا" قال: "لا". فقلت له بل هاهنا شيء صار به حصيرا يجلس عليه". قال: "وما هو"؟ قلت: "الإنسان الذي صنعه وألفه وأحكمه" قال: "نعم". قال عبد العزيز: "فقلت له قال الله وقد ذكر الأنعام فقال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ ١ وأما السعف فإن الله ذكره فقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ٣ فقد كمل خلق الحصير بنص القرآن بلا تأويل ولا تفسير، فهل عندك مثل هذا في خلق القرآن تذكره وتحتج به وإلاّ فقد بطل ما تدعونه في خلقه وصح ولم يزل صحيحا أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق من كل جهة. قال فصاح المأمون: يا محمد بن الجهم مالك وللكلام خل بين الرجل وصاحبه حتى يكلمه وأقبل على بشر فقال: يا بشر هل عندك شيء تناظر به عبد العزيز قبل أن نصرفه ونقوم فقد طال المجلس وصليت الظهر. فقال بشر: يا أمير المؤمنين عندي أشياء كثيرة إلا أنه يقول بنص التنزيل وأنا أقول بالنظر والقياس فليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق القرآن الساعة فدمي حلال". فقال المأمون: "لهذا مجلس تناظرون فيه". قال عبد العزيز فقلت: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن رأيت أن تأذن لي فأناظره كما سأل على جهة النظر

стр. 79

والقياس وأدع مطالبته بالقرآن ونص التنزيل ويكون أمير المؤمنين أطال الله بقاءه الشاهد علينا والمحتفظ لكلامنا فإن أقام بشر علي الحجة كما زعم وأقررت بشيء مما قال ورجعت عن شيء مما قلت (٣٤/ب) فدمي حلال كما قال بشر وإن ثبتت الحجة عليه من القياس والنظر كما ثبتت عليه من القران والسنة وشهد عليه أمير المؤمنين بذلك فقد حل دمه بما شرط على نفسه". قال عبد العزيز: "فقال المأمون أنا الشاهد عليكما والحاكم بينكما فأوجزا واقتصرا ولا تطيلا فيخرج وقت الصلاة. قال عبد العزيز لبشر: أتسألني أم أسألك؟ فقال: سل أنت فطمع في هو وجميع أصحابه وتوهموا أني إذا خرجت عن التنزيل لم أحسن أن أتكلم بشيء غيره. قال عبد العزيز فقلت لبشر: تقول إن كلام الله مخلوق. فقال: إن القرآن مخلوق، قال عبد العزيز فقلت له يلزمك واحدة من ثلاث لابد أن تقول أن الله خلق القرآن وهو عندي أنا كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائما بذاته ونفسه فقل ما عندك". قال بشر: "أقول إنه مخلوق وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها. قال عبد العزيز فقلت: يا أمير المؤمنين تركنا القرآن والسنن والأخبار عند هربه منها وناظرناه بالقياس والكلام لما ادعاه وذكر أنه يقيم الحجة علي به وإني أقر معه بخلق القرآن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب وانقطع الكلام فإن كان يريد مناظرتي على أنه يجيبني عما أسأله عنه وإلاّ فأمير المؤمنين أعلا عينا في ما يراه في صرفي فإنما يريد بشر أن يقع معه من لا يفهم فيحيد عن دينه ويحتج عليه بما لا يعقله فتظهر حجته عليه فيبيح بذلك دمه". قال فأقبل عليه المأمون فقال: "أجب عبد العزيز عما سألك فقد ترك قوله ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه". فقال بشر: "قد أجبته ولكنه يتعنت. فقال له المأمون: يأبى عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة من ثلاث". قال: هذا شر من مطالبته بالتنزيل ما عندي غيرها أجبت به. قال عبد العزيز: "فأقبل (٣٥/أ) علي المأمون فقال يا عبد العزيز تكلم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها ودع بشرا فقد انقطع عن الجواب من كل جهة.

стр. 80

فقلت يا أمير المؤمنين سألته عن كلام الله أمخلوق هو" قال: "نعم". فقلت له: "ما صح يلزمك في هذا القول وهو واحدة من ثلاث لابد منها أن تقول إن الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائما بذاته. فإن قال إن الله خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد السبيل إلى القول به من قياس ولا نظر معقول لأن الله لا يكون مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه تعالى أدته عن ذلك وجل وتعاظم. وإن قال:" خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن يمل كلام خلقه الله في غيره هو كلام الله لا يقدر أن يفرق بينهما فيجعل الشعر كلاما لله تعالى ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذم قائله كلاما لله وهذا محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به لظهور الشناعة والفضيحة على قائله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". وإن قال: "خلقه قائما بنفسه وذاته وهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم كما لا تكون الإرادة إلا من مريد ولا العلم إلا من عالم ولا القدرة إلا من قادر ولا رئي ولا يرى كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته وهذا مالا يعقل ولا يعرف ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقا ثبت أنه صفة لله وصفات الله عزوجل كلها غير مخلوقة فبطل قول بشر يا أمير المؤمنين من جهة النظر كما بطل من جهة القرآن والتنزيل". فقال المأمون: "أحسنت "يا عبد العزيز فقال بشر: "تسأل عن غير هذه المسألة فلعله يخرج بيننا شيء يسمع فقلت نعم أنا أدع هذه المسألة وأسأل عن غيرها (٣٥/ب) " فقال: "سل يا عبد العزيز." قال عبد العزيز فقلت لبشر: "تقول إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل شيئا ولما يخلق شيئا". قال: "بلى". فقلت له: "بأي شيء حدثت الأشياء بعد إذ لم تكن شيئا أهي أحدثت أنفسها أم الله أحدثها"؟ قال: "الله أحدثها". فقلت له: "فبأي شيء أحدثها"؟ قال: "أحدثها بقدرته التي لم تزل". قلت له: "صدقت أحدثها

стр. 81

بقدرته أفليس تقول إنه لم يزل قادرا"؟ قال: "بلى. قلت له: فتقول إنه لم يزل يفعل"؟ قال: "لا أقول هذا. قلت له: فلابد من أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة وليس الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة الله ولا يقال لصفة هي الله ولا هي غير الله". قال بشر: "ويلزمك أيضا أن تقول إن الله أيزل يفعل ويخلق وإذا قلت ذلك فقد أثبت أن المخلوق أيزل مع الله ". قال عبد العزيز فقلت له: "ليس لك أن تحكم علي وتلزمني مالا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل إذ لم أقل إنه لم يزل فاعلا يفعل فيلزمني مثل ما قلت وإنما قلت إنه أيزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله يقدر علي ولا يمنعه منه مانع". قال بشر: "أنا أقول إنه أحدث الأشياء بقدرته فقل أنت ما شئت". قال عبد العزيز: "فقلت يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء معه وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن الأشياء بقدرته، وقلت أنا إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله أو بإرادة أرادها أو بقدرة قدرها فأي ذلك فقد ثبت إن هاهنا إرادة ومريد وقول وقائل ومقال وقدرة وقادر ومقدور عليه وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق فليس هو من الخلق في شيء وكسرت والله يا أمير المؤمنين قول بشر ودحضت حجته بإقراره بلسانه فقد كسرت قوله بالقرآن والسنة واللغة العربية، والنظر والمعقول، ولم يبق إلا القياس، وأنا أكسره بالقياس إن شاء الله تعالى". قال عبد العزيز: "وكان المأمون قد جلس منا مقعد الحاكم من الخصمين". فقال: "هاته يا عبد العزيز وأوجز"، فقلت: "يا أمير المؤمنين، لو كان لبشر غلامان، وأنا لا أجد عليهما في أحد من الناس إلا من بشر، يقال لأحدنا خالد، وللآخر يزيد، وكان بشر غائبا عني فكتب إلي ثمانية عشر كتابا يقول في كل كتاب منها، ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب. وكتب إلي أربعة وخمسين كتابا "يقول في كل

стр. 82

كتاب "١ ادفع إلى يزيد، ولم يقل: يزيد غلامي، هذا الكتاب، ثم كتب إلي كتابا جمعهما فيه فقال: ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب، وإلى يزيد ولم يقل، يزيد غلامي. ثم قدم بشر من سفره، فقال: أليس تعلم أن يزيد هذا غلامي؟ فقلت له: قد كتبت إلي أربعة وخمسين كتابا "تقول في كل كتاب منها"٢ ادفع هذا الكتاب إلى يزيد ولم تقل غلامي، ولم أسمعك تقول إنه أحد غلاميك، وأنا لا أجد علمه عن أحد غيرك. وكتبت إلي ثمانية عشر كتابا- تقول في كل واحد منها- ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب فعلمت إنه غلامك، ثم كتبت إلي كتابا جمعتهما فيه فقلت: ادفع إلى خالد غلامي هذا الكتاب، وإلى يزيد ولم تقل غلامي، فمن أين أعلم أن يزيدا غلامك وأنت لم تقل لي قبل هذا الوقت إنه كلامك وليس أعلم خبر هما من غيرك". فقال: "بشر فرطت، فحلفت أنا إن بشرا فرط، وحلف بشر إني أنا فرطت حيث لم أعلم إن يزيدا غلامه من كتبه، فأينا المفرط يا أمير المؤمنين". فقال: "بشر المفرط، فقال بشر وأي شيء هذا مما نحن فيه". قال عبد العزيز: "إن الله أخبر في كتابه عن خلق الإنسان في ثمانية عشر موضعا، ما ذكره في موضع منها إلا أخبر عن خلقه. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا من كتابه فلم يخبر عن خلقه في موضع منها ولا أشار إليه بشيء من صفات الخلق، ثم جمع بين القرآن والإنسان في موضع واحد وأخبر عن خلق الإنسان، ونفى الخلق عن القرآن. فقال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الأِنْسَانَ﴾ ٣ ففرق بين القرآن وبين الإنسان، فزعم بشر يا أمير المؤمنين إن الله عزوجل فرط في الكتاب، وكان يجب عليه أن يخبر عن خلق القرآن، وقال الله ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ ٤ فهذا كسر قول بشر لا القياس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".

стр. 83

قال المأمون: "أحسنت يا عبد العزيز، ثم أمر لي بعشرة ألاف درهم، فحملت بين يدي وانصرفت من مجلسه على أحسن حال وأجملها، قد أعز الله دين الإسلام وعز أهله وأذل الكفر وأهله فلله الحمد والشكر على نعمه كلها وعلى مننه وتوفيقه وتسديده". قال عبد العزيز: "فسر المسلمون جميعا بما وهبهم الله من إظهار الحق وقمع الباطل، وانكشف عن قلوبهم ما كان قد اكتنفها من الغم والهم والحزن وجعل الناس يجيئون إلي أفواجا حتى أغلقت بابي واحتجبت عنهم خوفا على نفسي وعليهم من مكروه يلحقنا، فقالوا: لابد أن تملى علينا ما جرى لنعرفه ونتعلمه، فتهيبت ذلك، وتخوفت سوء العاقبة، فلما ألحوا علي قلت: أنا أذكر بعض ما جرى مما لا يكون علي حجة في ذكره فرضوا بذلك، فأمليت عليهم أوراقا يسيرة مقدار عشر أوراق مختصرة مما جرى لأقطعهم بها عني وعن ملازمة بابي، ولم يتهيأ لي شرح هذا كله لما تخوفت على نف! حي مما يلحقني بعضه"، وأنا أذكر ما لحقني بعد هذا المجلس وما جرى بسبب تلك الأوراق التي كتبها الناس عني في كتاب مفرد بعد هذا إن شاء الله تعالى١ "آخر كتاب الحيدة". قال عبد العزيز الكناني: "وكان خلف ظهري وأنا في مجلس أمير المؤمنين المأمون أناظر بشرا المريسي على ما سأذكره في هذا الكتاب رجل ممن يعرف بالكلام والنظر، فجعل كلما سكت بشر وانقطع يحرضه على الكلام، وإذا أردت أنا أن أتكلم لا يزال يهذي خلفي ويقرب رأسه من أذني ليسمعني ويدهشني ويقطعني بذلك عن حجتي، فشكوت إلى أمير المؤمنين ذلك فصاح به وباعده عني، فلما قلت لبشر: ما من شيء كان أو هو كائن مما يحتاج الناس إلى معرفته وعلمه إلا وقد ذكره الله في كتابه عقله من عقله، وجهله من جهله"، فإذا ذلك الرجل يضرب يده على فخذه ويقول: "يا سبحان الله تزعم أن كل ما هو كائن مما يحتاج إليه قد ذكره الله ما أعظم هذا وكيف يعلم ما هو كائن فيذكره"؟ قال عبد العزيز: "فالتفت إليه فقلت له أنت جهمي قدري أيضا وأنت تهذي دائما، ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن هذا الذي

стр. 84

شكوت إليك أذاه منذ اليوم. هو جهمي قدري قد جمع الأمرين من جهتين، ينكر أن يكون الله يعلم ما يكون قبل أن يكون"، فقال المأمون؟ هذا قوله، فقلت له: "إن رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأذن لي حتى أكذبك وأكسر قوله وأدحض حجته وأبطل مذهبه بنص التنزيل الساعة". فقال المأمون: "لهذا وقت غير هذا ومجلس غير هذا تتكلم معه ومع غيره في القدر خاصة". قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين ليس أطول إنما أحتج عليه بآية واحدة. فقال المأمون: قل ما تريد". قال عبد العزيز فقلت له: "أتنكر أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون". قال: "نعم. أنا أنكر هذا". فقلت: "والله يا أمير المؤمنين لقد علم الله ما لم يكن، ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون. فصاح الرجل ما أجرأك على الكذب الحمد لله الذي أخذك بلسانك". فقال لي المأمون: "أعد هذا الكلام يا عبد العزيز. فقلت له: نعم والله لقد علم الله ما لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون". فقال لي المأمون: "يا عبد العزيز هذا شيء تقوله من نفسك أو شيء تحكيه عن غيرك، فقلت له: هذا شيء أخبرنا الله به في كتابه الذي أنزله على نبيه ﷺ "، فقال لي المأمون: "وأين ذلك من كتاب الله ". قال عبد العزيز فقلت له: "قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ١ في قولهم هذا، وهذا ما لم يكن ولا يكون لأنهم لا تردون لا هم ولا غيرهم، فأخبر بعلمه السابق فيهم أن لوردوا ما كانوا فاعلين، ولن تردوا أبدا، فهذا ما لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف يكون".

стр. 85

فقال لي المأمون: "أحسنت يا عبد العزيز، وما قلت في يومك هذا أحسن ولا أدق من هذا". فقلت: "قد أكذبت والله أهل هذه المقالة وكسرت قولهم ودحضت حجتهم وأبطلت مذهبهم بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير والحمد لله رب العالمين". تم كتاب الحيدة بعون الله تعالى وتوفيقه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وكان الفراغ من نسخه أواخر جماد الأولى سنة ١١٩١ واحد وتسعين ومائة وألف. والله ولي التوفيق١.

стр. 86

مصادر ومراجع ... ثبت المراجع القرآن الكريم العبر للذهبي. الكويت سنة ١٩٦٥ م تحقيق/ المنجد. الفهرست لابن النديم/ مطبعة الاستقامة بالقاهرة. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي/ طبعة دار الكتاب العربي. بيروت دول الإسلام للذهبي/ طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب العربي. بيروت. طبقات الفقهاء للشيرازي/ طبعة سنة ١٩٧٠ م دار الرائد العربي. بيروت. طبقات الشافعية لابن كثير/ مخطوط مكتبة الشيخ حماد طبقات الشافعية للسبكي/ الطبعة الأولى سنة ١٣٨٣ هـ. الحلبي الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية/ الطبعة الأولى عام ١٣٨١ هـ. مطابع الرياض الكامل لابن الأثير/ طبعة عام ١٤٠٢ هـ. دار صادر. ميزان الاعتدال للذهبي/ الطبعة الأولى سنة ١٣٨٢ هـ. الحلبي. فتح الباري لابن حجر/ المطبعة السلفية سنة ٣٨٠ اهـ. تهذيب التهذيب لابن حجر/ دار صادر. بيروت. المنتظم لابن الجوزي/ الطبعة الأولى دائرة المعارف حيدر آباد سنة ١٣٥٩ هـ شذرات الذهب لابن العماد/ المطبعة التجارية. بيروت. شرخ الطحاوية لابن أبي العز/ الطبعة الثانية/ تحقيق: زهير الشاوش