← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7616

الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلم

عبد الرحيم المغذوي

Полный текст (70 стр.). Показаны 36–70 · переход к 41.

стр. 36

ثالثاً: الهداية للتي هي أقوم، والبشارة للمؤمنين، المتبعين لهدي القرآن، المستمسكين به. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ (الإسراء: ٩) . يقول الشيخ ابن سعدي في تفسيره للآية الكريمة: يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته، وأنه ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: أعدل وأعلى، من العقائد، والأعمال، والأخلاق. فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن، كان أكمل الناس، وأقومهم، وأهداهم في جميع الأمور ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ من الواجبات والسنن ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ أعده الله لهم في دار كرامته، لا يعلم وصفه إلا هو (١) . رابعاً: كونه شفاء وعافية ورحمة وهدى للمؤمنين. إن التمسك بكتاب الله تعالى حق التمسك يمد المؤمن بالشفاء والعافية وكذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة. ولا ريب أن القرآن الكريم طب القلوب والأبدان، ففيه دواء بإذن الله تعالى، وفيه شفاء وعافية لمن أخلص النيّة، وأحسن القصد، وأعظم الثقة بالله تعالى وبكتابه الكريم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) .

стр. 37

ففي هذه الآية الكريمة يلفت الله تعالى أنظار الناس إلى أنه: قد جاءتكم موعظة من ربكم تذكركم عقاب الله وتخوفكم وعيده، وهي القرآن وما اشتمل عليه من الآيات والعظات لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم، وفيه دواء لما في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض، ورشد لمن اتبعه من الخلق فينجيه من الهلاك، جعله نعمة ورحمة للمؤمنين، وخصهم بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالإيمان، وأما الكافرون فهو عليهم عمى (١) . وقال تعالى في موضع آخر من كتابه الكريم مؤكداً شفاء كتابه الكريم لأمراض الناس وعللهم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ (الإسراء: ٨٢) . يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في إيضاح المقصود بهذه الآية الكريمة: ((يقول تعالى مخبراً عن كتابه.. إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي: يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضاً رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به، وصدقه، واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعداً وكفراً، والآفة من الكافر لا من القرآن (٢)) ) . وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها (٣) .

стр. 38

وعن عائشة ﵂: أن النبي صلى الله عليهوسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات (١) .خامساً: حصول الأجر العظيم على قراءة القرآن الكريم. إن قراءة القرآن الكريم، والمداومة عليها، مطلوبة من كل مسلم ومسلمة كما قال تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: ٢٠) . ولا ريب أن المؤمن القارئ لكتاب الله تعالى سوف يحصل على الأجر العظيم والخير العميم، وله فضل على من سواه من الناس. فعن أنس بن مالك ﵁ عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها (٢) . ومما قاله الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: ((وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دَلَّ عليه (٣)) ) .

стр. 39

ومن أنواع الأجر الذي يتحصل عليه قارئ القرآن أن له بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، وهذا فضل وخير ولطف من الله تعالى بهذه الأمة، التي هي خير الأمم. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه (١) . يقول الحافظ المباركفوري في تعليقه على المقصود بالحرف الوارد في الحديث: والحرف يطلق على حرف الهجاء، والمعاني، والجملة المفيدة، والكلمة المختلفة في قراءتها، وعلى مطلق الكلمة (٢) . وأما الأجر المتحصل لقارئ القرآن يوم القيامة فهو عظيم وجزيل. فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتِّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣) . ومن فضائل قارئ القرآن الكريم التي ينفرد ويتميزّ بها عن الناس أنه مرافق للملائكة الكرام البررة.

стр. 40

فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران (١) . يقول الإمام النووي ﵀ في شرحه للحديث. ((السفرة، جمع سافر ككاتب، وكتبة، والسافر: الرسول، والسفرة: الرسل، لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله وقيل السفرة الكتبة، والبررة المطيعون من البر وهو الطاعة، والماهر: الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه واتقانه. قال القاضي: يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أنه له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة ولاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى. قال: ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم، وأما الذي يتتعتع فيه فهو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه فله أجران، أجر بالقراءة وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته. قال القاضي وغيره من العلماء: وليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه واتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه والله أعلم (٢)) ) . سادساً: خيرية من تعلَّم القرآن وعلمه.

стр. 41

إن في تعلّم القرآن الكريم وتعليمه خيرا كثيرا، وفضلا جزيلا وذلك لما يعود على العالم والمتعلم من الأجر والمثوبة. فعن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. ورواية أخرى: إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه (١) . يقول الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه للحديث. ((يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط، بل من أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه، وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، ولا يقال لو كان المعنى حول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علماً ما في ذلك، لأنا نقول القرآن أشرف العلوم فيكون مَنْ تعَلَّمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه فيثبت المدعي. ولا شك أن الجامع بين تعلّم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عني بقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع ... إلى أن قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من

стр. 42

يقتصر على نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عيناً (١) . وقد كان سلف الأمة الصالح يتعاهدون القرآن الكريم علماً وتعلّماً وتعليماً، وكانت لهم في ذلك عناية ورعاية خاصة، ومن آثارهم الدالة على ذلك. عن ابن مسعود ﵁ قال: إن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله ﵎ القرآن (٢) . وعن الأعمش قال: مر أعرابي بعبد الله بن مسعود ﵁ وهو يقرئ قوماً القرآن، أو قال: وعنده قوم يتعلمون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ (٣) . وعن عمرو بن قيس السكوني قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ يقول: عليكم بالقرآن، فتعلموه وعلموه أبناءكم، فإنكم عنه تسألون، وبه تجزون وكفى به واعظاً لمن عقل (٤) . ومن آثار السلف الصالح الدالة على حث الناس على تعلَّم القرآن وتعليمه ومن ثم حصول الأجر والخير والمثوبة. قول كعب: عليكم بالقرآن، فإنه فهم العقل ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهداً، وقال في التوراة: يا محمد، إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صُماً، وقلوباً غُلفاً (٥) .

стр. 43

وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن هذا القرآن كان لكم أجراً، وكائن لكم ذكراً، وكائن بكم نوراً، وكائن عليكم وزراً، اتبعوا هذا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يزُخُّ في قفاه، فيقذفه في جهنم (١) .

стр. 44

الفصل الثاني آثار التمسّك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين ويتضمن ستة مباحث: المبحث الأول: الأثر الإيماني والتعبدي. المبحث الثاني: الأثر الدعوي والإصلاحي. المبحث الثالث: الأثر الخلقي والمسلكي. المبحث الرابع: الأثر العلمي والفكري. المبحث الخامس: الأثر الإنساني والحضاري. المبحث السادس: الأثر الأمني الشامل.

стр. 45

المبحث الأول: الأثر الإيماني والتعبدي. للقرآن الكريم آثاره العظيمة في المجتمع المسلم، ولعل أعظم ذلك الأثر الإيماني والأثر التعبدي. والمتأمل في أحوال الجاهلية وما كانت عليه من شرك، وظلم، وفساد في المعتقد، وعكوف على الأصنام والأوثان والأحجار، يدرك مدى ما كان عليه أولئك الناس من ضلال مبين. وهو ما ذكره الله تعالى في معرض امتنانه على هذه الأمة بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢) . والإيمان الذي نعنيه هو: الاعتقاد بالجنان، والنطق باللسان والعمل بالجوارح والأركان (١) . وهو كما يقول الإمام ابن القيم الجوزية ﵀: هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له محبةً وخضوعاً، والعمل به باطناً وظاهراً، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكما له في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده، والطريق إليه تجريد متابعةرسول ﷺ ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله (٢) .

стр. 46

وقد أكد الله تعالى الإيمان وبين أهميته ولوازمه في كتابه الكريم فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧) . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:١٥) . وفي حديث جبريل - المشهور - الذي يرويه عمر بن الخطاب ﵁، وسؤاله له للنبي ﷺ عن الإيمان بقوله: " فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت ... " الحديث (١) . ومعلوم النقلة الإيمانية العظيمة التي أحدثها القرآن الكريم في نفوس المسلمين، فانقاد الناس لتوحيد رب العالمين، وانغرست في قلوبهم معاني الخير للناس أجمعين. كذلك أثمر الإيمان في نفوس الناس التقوى والإخبات لله تعالى والخوف والخشية منه ومراقبته تعالى في السر والعلن، فكان لذلك الأمر نتائجه العظيمة في صلاح الناس واستقامة أحوالهم. وأما الأثر التعبدي الذي أحدثه القرآن الكريم في المجتمع المسلم فهو بلا شك أثر عظيم وكبير وذو فوائد جَمَّة عديدة.

стр. 47

والعبادة التي نعنيها ليست قاصرة على نوع محدد من العبادات بل هي شاملة لكل ما يطلق عليه اسم العبادة. وهي كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اسم جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (١) . والعبادة تستغرق جميع احوال المسلم وتصرفاته، فكل قصد وقول وعمل يريد به المسلم طاعة الله تعالى فهو عبادة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢-١٦٣) . والعبادة المطلوبة شرعاً هي التي تكون خالصة لله تعالى، صالحة، بعيدة عن الشرك، مقتفية أثر النبي ﷺ وملتزمة بمنهجه. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر:٢- ٣) ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: ١١٠) .

стр. 48

المبحث الثاني: الأثر الدَّعوي والإصلاحي. إن من آثار القرآن العظيمة في المجتمع: أثره في دعوة الناس إلى الله تعالى، وإصلاحهم في مختلف المجالات الاجتماعية والحياتية. والدعوة إلى الله تعالى لا تقتصر على أمر معين بل ينتظم فيها كل ما يهم المسلم في دينه ودنياه، وبمعنى آخر: تعدُّ الدعوة صياغة جديدة لحياة المسلم، مبناها على التوحيد الخالص لله تعالى، والالتزام بشرعه، والتمسك بأمره والابتعاد عن نهيه. ومن هنا كانت النقلة النوعية العظيمة في حياة المجتمعات الإنسانية حينما ابتدأت الدعوة الإسلامية وظهرت وانتشرت. فدخل الناس في دين الله أفواجاً، واستقامت حياتهم على الحق والخير والهدى والصلاح. قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: ١) ، ودعوة الناس وإصلاحهم وإرشادهم هي وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ (النحل: ٣٦) . والداعية الموفق هو الذي يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وبعيد كل البعد عن الإساءة أو الغلظة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١٢٥) . كما أن الدعوة ينبغي أن تسير على المنهج الإيماني القويم، والسبيل النبوي الكريم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) .

стр. 49

والداعية إلى الله تعالى ينبغي أن يكون واضحاً كالكتاب المقروء وأن لا يخالف قوله فعله، وأن يسلك بالناس المسالك الصالحة الحميدة، كما قال تعالى واصفاً حال شعيب ﵇ مع قومه: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨) . ولا ريب أن الأثر الدعوي والإصلاحي الذي أحدثه القرآن الكريم في المجتمع المسلم أثر عظيم وكبير، ليس فقط في داخل الأمة الإسلامية، بل وتأثرت به المجتمعات الإنسانية الأخرى. وأصبحت تلك المجتمعات تنظر إلى المسلمين نظرة الإعزاز والتقدير، وتتمنى أن تصل إلى ما وصل إليه المسلمون في حياتهم وشؤونهم الخاصة والعامة.

стр. 50

المبحث الثالث: الأثر الخلقي والمسلكي. للخلق والمسلك الحسن أهمية كبرى في حياة أي مجتمع من المجتمعات. وقد أوضح كتاب الله تعالى الأخلاق والمسالك الحميدة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم، سواء في ألفاظه، أو أعماله، أو تصرفاته، أو طباعه، أو معاملته مع الآخرين. ولا ريب أن حالة المجتمعات قبل الإسلام حالة يرثى لها في التدني الخلقي، والانحراف المسلكي، والانحطاط الإجتماعي، وهو ما يوضحه قول جعفر بن أبي طالب ? للنجاشي ملك الحبشة حينما سأله عن الدين الذي من أجله فارقوا قومهم وأهليهم. فقال له جعفر: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ مِنَّا الضّعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرَّحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. (١) . والحقيقة أن أخلاق القرآن العالية، ومسالكه الرفيعة تجل عن الوصف، فما من خلق كريم إلا ودل القرآن عليه، وما من مسلك جميل إلا وأرشد القرآن إليه. ومن هنا كانت المنظومة الإجتماعية القوية التي أرسى دعائمها القرآن الكريم، وأحاطها بسياج من الخلق والأدب الرفيع، والتعامل الذي لا يوجد له مثيل.

стр. 51

ومن الأمثلة القرآنية على الأخلاق والمسالك الفردية والجماعية، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦) ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١١-١٢) . وقال تعالى معدداً بعض أوصاف المؤمنين الصادقين وأخلاقهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ١-٩) . وقال تعالى مبيناً آداب الاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٢٧-٢٨) .

стр. 52

وقال تعالى منبهاً على ما يجب أن يتصف به المؤمنون والمؤمنات من أخلاق ومسالك عالية رفيعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣٠-٣١) . ومن الأخلاق القرآنية العظيمة الخاصة بالمؤمنين، قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا

стр. 53

وقال تعالى منبهاً على ما يجب أن يتصف به المؤمنون والمؤمنات من أخلاق ومسالك عالية رفيعة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣٠-٣١) . ومن الأخلاق القرآنية العظيمة الخاصة بالمؤمنين، قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ (الفرقان: ٦٣-٧٦) .

стр. 54

المبحث الرابع: الأثر العلمي والفكري. أول ما نزل على قلب رسول الله ﷺ ، قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١-٥) . ومنذ نزول تلك الآيات المباركات طويت صفحات، وابتدأت صفحات في تاريخ الإنسانية جمعاء. طويت صفحات الجهل والخرافة والوهم والتخلف العلمي والعقلي والفكري، وابتدأت صفحات من نور العلم والمعرفة والعقل والفكر الصحيح. ولا ريب أن المتأمل في أحوال المجتمعات البشرية قبل الإسلام وما بعده يدرك صحة هذا القول. وكتاب الله تعالى قد تضمّن الإشارة إلى أهمية العلم، وتميز العالم، والهدف من التفكير الصحيح. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١) . وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه: ١١٤) . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:٩) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩٠-١٩١) .

стр. 55

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ: ٤٦) . وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم: ٨) . كما تضمّن كتاب الله تعالى الإشارة إلى بعض الحقائق العلمية التي سيقت مساق الهداية، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ الحجر:٢٢) . وقد أثبت العلم الحديث أن من وسائل تلقيح النبات الرياح لأنها تنقل الملقحات من عضو التذكير النباتي إلى عضو التأنيث النباتي (١) . ومن الآيات التي فيها إشارة علمية كذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٥) . وتشير هذه الآية الكريمة إلى ظاهرة نقصان الأوكسجين في طبقات الجو العليا، فيتأثر الجسم نتيجة ذلك، وقد أثبت العلم الحديث أنه كلما ارتفعنا في الجو قَلَّ الضغط الجوي، وبالتالي الضغط الجوي للأوكسجين. ويعد عنصر الأوكسجين أهم عناصر الهواء المستنشق الذي يتركب من الآتي: ٢٠.٩٥ % غاز أوكسجين. ٧٨.٠٩ % غاز نيتروجين. ٠٠.٠٣ % غاز ثاني أوكسيد الكربون.

стр. 56

الباقي: غازات غير هامة لوظائف الجسم. وأما ظاهرة (الحرج) الواردة في الآية الكريمة فهو الذي يمثله الارتفاع الحرج الذي يهبط فيه الضغط إلى ٨٧مم/زئبق والبالغ ٥٠.٠٠٠ قدم وهنا حتى استنشاق الأوكسجين الصافي ١٠٠ % لا يفي بتاتاً بحاجة الجسم من الأوكسجين. ويقسم العلماء مراحل أعراض ظاهرة نقص الأوكسجين إلى أربعة مراحل تتعلق بالضغط الجوي ومستوى الارتفاع، ونسبة تركيز الأوكسجين في الدم وهي: ١- مرحلة عدم التغيير (من مستوى سطح البحر إلى الارتفاع ١٠.٠٠٠ قدم) وفي هذه المرحلة لا توجد أعراض لنقص الأوكسجين، ولا تتأثر الرؤية بالنهار. ٢- مرحلة التكافؤ (الفسيولوجي) (من ارتفاع ١٠.٠٠٠ قدم إلى ١٦.٠٠٠ قدم) وتعمل أجهزة التكافؤ (الفسيولوجي) في هذه المرحلة على عدم ظهور أعراض نقص الأوكسجين إلا إذا طالت مدة التعرض لهذا النقص، أو قام الفرد بمجهود جسماني في هذه الظروف فتبدأ عملية التنفس في الازدياد عدداً وعمقاً، ويزيد النبض، وضغط الدم، وكذلك سرعة الدورة الدموية. ٣- مرحلة الاختلال (الفسيولوجي) (من ارتفاع ١٦.٠٠٠ قدم إلى ٢٥.٠٠٠ قدم) وفي هذه المرحلة لا تفي أجهزة التكافؤ (الفسيولوجي) بالمطلوب، ولا تستطيع توريد الكمية الكافية من الأوكسجين للأنسجة، وهنا يبدأ ظهور الأعراض. وفي هذه المرحلة نجد تفسيراً واضحاً لضيق الصدر الذي يشعر به الإنسان عندما يصعد إلى هذه الارتفاعات، كما يحدث عند الطيارين وغيرهم.

стр. 57

٤- المرحلة الحرجة من ارتفاع (٢٥٠٠٠ قدم فأعلى) وفي هذه المرحلة يفقد الإنسان الوعي تماماً بسبب فشل الجهاز العصبي. وهذه الحقائق العلمية الواردة في الآية الكريمة لم يصل إليها العلماء إلا بعد اجتهادات وأبحاث دامت عشرات السنين (١) . ولا ريب أن كتاب الله تعالى قد تضمّن العديد من الآيات الكريمة التي أشارت إلى حقائق وركائز علمية في هذا الكون، بشكل محكم (وإن سوق القرآن الكريم لهذه الحقائق وبهذه السعة والشمول، وبهذه الدقة المتناهية يحمل كل صاحب عقل منصف إلى القول بأن هذا تنزيل من العزيز الحكيم الذي أحاط بكل شيء علماً (٢) . ومن هنا ندرك مدى قوة النهضة العلمية والفكرية التي أحدثها القرآن الكريم في حياة المسلمين، وفي مختلف مجالات العلم والمعرفة والفكر (٣) .

стр. 58

المبحث الخامس: الأثر الإنساني والحضاري. إن من آثار القرآن العظيم في المجتمع المسلم تقرير مفهوم الإنسان وأصله ومبدئه وحقيقته، وحقوقه وواجباته، وكيف يبني حضارته على وجه هذه الأرض وماضوابطها. ولا شك أن للقرآن العظيم منهجه المتميز في ذلك، وله وسائله وأساليبه وطرقه في تقرير تلك الحقائق والأمور. وبنظرة إلى حالة العرب، بل وإلى المجتمعات الإنسانية قبل نزول القرآن الكريم تتضح مدى ما كانت تعانيه من إهدار لكرامة الإنسان، ووأد له، ومصادرة لحقوقه، بل وجعله من ضمن المتاع الذي يورث. ولا يبعد عن ذلك ما تعانيه البشرية اليوم في كثير من مجتمعاتها - التي لم تهتد بكتاب الله تعالى - من انحراف في فهم الوجود الإنساني، ومن تضييع لكرامته ونتيجة لذلك حاولت تلك الأمم أن تقرّر شيئاً من حقوق الإنسان فاجتمعت وأصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في عام ١٩٤٨م (١) . والتساؤل: هل كان لذلك القانون أثر في حفظ الكرامة الإنسانية في العالم المعاصر اليوم؟ وهل كفل للإنسانية المعذبة الحياة اللائقة بها؟ بل هل كفل لها أدنى متطلبات الإنسان؟ . والجواب عن ذلك: أن الحالة السيئة التي تعيشها الإنسانية اليوم وفي ظل تلك القوانين والأعراف تنبئ عن حالها، وإن الواقع المشاهد المحسوس يغني عن كثير من الكلام.

стр. 59

أما كتاب الله تعالى فله الأثر العظيم البالغ في تقرير حقوق الإنسان وهو ما طبقه المسلمون واقعاً في تاريخهم وحاضرهم لا ادعاءً. يقول الله تعالى مبيناً أولاً حقيقة الوجود الإنساني: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٨-٢٩) . وفي مجال بيان التكريم الإلهي لهذا الإنسان يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠) . وفي مجال مسؤولية الإنسان عن نفسه وعمله يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨-٣٩) . وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩) . وفي مجال المساواة الحقيقية بين البشر يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣) . وقال تعالى في مجال العدل بين الناس: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨) . وقوله سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) . إلى غير ذلك من الحقوق الإنسانية التي أقرها القرآن الكريم للإنسان والتي عجزت النظم الوضعية عن مجاراتها أو الإتيان بمثلها. كما قرر القرآن الكريم أن الحضارة الإنسانية ينبغي أن تؤسس على تقوى، وهدى من الله تعالى، وأن تكون وفق منهج الله تعالى ومراده لا للمباهاة أو المراءاة أو البطر والأشر. قال تعالى حكاية عن هود ﵇ مع قومه وتذكيره لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: ١٢٨-١٣١) . وخلاصة القول: أن القرآن العظيم قد رسم للإنسانية منهجاً واضحاً في حياتها، وبين لها كل ما يهمها، وما ينبغي أن تسير عليه وتبني عليه علاقاتها وحضارتها فكان منهجاً متميزاً أثمر عن كل خير وفضل للإنسانية جمعاء.

стр. 60

المبحث السادس: الأثر الأمني الشامل. يعيش الإنسان على هذه الأرض ويتقلب في مناكبها، ويسعى بين جنباتها، وقد يعرض له ما يخيفه ويحذر منه، ونتيجةً لذلك أصبح الأمن مطلباً ضرورياً للإنسان في حياته. والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن القرآن الكريم قد كفل للإنسان أمنه وطمأنينته في حياته الدنيا، وفي حياته الأخرى. والأمن الذي نادى به القرآن الكريم شامل وكامل في حياة الإنسان، (ولا يتوفر الأمن بمجرد ضمانه لحياة الإنسان فحسب، بل هو يحتاج إلى الأمن على عقيدته التي يؤمن بها، وعلى هويته الفكرية والثقافية، وعلى موارد حياته الاقتصادية والمادية) (١) . يقول تعالى ممتناً على قريش بما هيأه لها من الأمن دون سائر القبائل، وليكون ذلك داعياً لها إلى عبادة الله تعالى وتوحيده: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ٣-٤) . وقال تعالى مبيناً أن الأمن الحقيقي يكون لمن آمن به ووحده ولم يخلط إيمانه بشرك، وأن غير ذلك من الأمن تبع له، ويتضح ذلك في معرض قصة إبراهيم ﵇ مع قومه: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ

стр. 61

آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:٨٠-٨٢) . ويبين القرآن العظيم أن الأمن الحقيقي والدائم هو ما يكون يوم القيامة من دخول المؤمنين الجنة كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ (الحجر:٤٦) . أما في هذه الحياة الدنيا فإن الإنسان يتقلّب بين أمن وخوف، ولكن في الحقيقة لا أمن ولا طمأنينة له إلا بالاعتصام بكتاب الله الكريم، والإيمان به وعبادته سبحانه دون شريك له كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥) . وقال تعالى منبهاً على خصوصية لبيته الحرام وهي خاصية الأمن دون سواه من البيوت: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ (البقرة: ١٢٥) . كما بين تعالى أنَّ من دخل بيته الكريم فهو آمن، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ (آل عمران: ٩٧) . وبعد أن بين الله تعالى أسباب الأمن الحقيقية في كتابه الكريم حذّر من مغبّة اخترامها، والاعتداء على حقوق الله تعالى، وحقوق الناس، وأن ذلك مدعاة للخراب والخوف والدمار، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:١١٢) . ومن الوسائل العظيمة التي شرعها القرآن الكريم كي يعم الأمن وتقوم الحياة على منهاج آمن صحيح: الحدود الشرعية، وتنفيذ أحكام الله تعالى بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩) .

стр. 62

ولا ريب أن تشريعات القرآن العظيمة قد كفلت الأمن والسعادة للإنسان في حياته الدنيا وحياته الآخرة، فكان التميّز القرآني المجيد على غيره من النظم والقوانين الوضعية، والتي باتت ترنو إلى شيء من آثار القرآن الكريم وتشريعاته العالية الرفيعة.

стр. 63

الخاتمة استعرضنا في الصفحات السابقة موضوع (الدعوة إلى التمسّك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين) ، وقد تكلمنا في عدة نقاط: كالتعريف بالقرآن الكريم، وأسمائه، وخصائصه، وأهمية الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم، ومظاهر التمسك بالقرآن الكريم، وفضائل ذلك، ثم تحدثنا عن آثار التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين، وهي بلا شك عديدة ولكن ركزنا الحديث في الأثر الإيماني والتعبدي، والأثر الدعوي والإصلاحي، والأثر الخلقي والمسلكي، والأثر العلمي والفكري، والأثر الإنساني والحضاري، والأثر الأمني الشامل. وحقيقة الأمر، فإن آثار القرآن العظيمة أكبر وأجل من أن تحصى لأنها آثار ذات جوانب عديدة، ومتعلقات كثيرة. والذي أود التركيز عليه والتنبيه إليه هو: ما ينبغي لكل مسلم ومسلمة من التمسك بكتاب الله تعالى والعناية به وعدم هجره، والامتثال لأمره، والاجتناب عن نهيه. كما أود أن أوصي نفسي وإخواني الدعاة بضرورة الاهتمام بكتاب الله تعالى، وجعله منطلق الدعوة، ورائدها، ومحور ارتكازها واعتمادها. وإذا كان لي من اقتراح فإنني أود اقتراح الأمور الآتية: أولاً: تكثيف الدراسات القرآنية في مراحل التعليم المختلفة حتى الدراسات العليا. ثانياً: الاهتمام بعلوم القرآن الكريم والدراسات المتعلقة بذلك. ثالثاً: بيان أحكام القرآن الكريم ومزاياه وفضائله ونشره على الناس. رابعاً: إطلاع العالم غير الإسلامي على جوانب من كتاب الله ودعوتهم للإيمان به. خامساً: إنشاء المراكز القرآنية المتخصصة في العالم الإسلامي، وعقد الندوات المفيدة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 64

فهارس المصادر والمراجع أولاً: القرآن الكريم. ثانياً: ١- الإتقان في علوم القرآن، للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ط ٤ (مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٣٩٧ هـ) . ٢- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للإمام محمد علي الشوكاني، تحقيق: أحمد عزّو عناية، ط ١ (دار الكتاب العربي، بيروت ١٤١٩هـ) . ٣- إعجاز القرآن، للقاضي أبي بكر الباقلاني، على حاشية الإتقان للسيوطي، ط ٤ (مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة، ١٣٩٧ هـ) . ٤- الأمن في حياة الناس وأهميته في الإسلام، د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، (من مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الرياض ١٤١٧هـ) . ٥- الأنشطة الدعوية في المملكة العربية السعودية، د. صالح بن غانم السدلان، ط ٢ (دار بلنسية، الرياض ١٤٢٠هـ) . ٦- الإيمان، للإمام ابن تيمية، ط ٣ (المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠١هـ) . ٧- الإيمان بالله وأثره في الحياة، د. عبد المجيد عمر النجار، ط ١، (دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٩٧م) .

стр. 65

٨- تأملات في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، د. صلاح الدين المغربي وآخرين، ط ١ (دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة، ١٤١٤هـ) . ٩- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للحافظ محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (دار الكتب العلمية، بيروت) . ١٠- التعبير الفني في القرآن، د. بكري شيخ أمين، ط ٣ (دار الشروق، بيروت، ١٣٩٩هـ) . ١١- التعريفات، للشريف علي بن محمد الجرجاني، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ) . ١٢- تفسير ابن سعدي (المسمى: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (نشر مركز صالح بن صالح الثقافي، عنيزة، ١٤٠٧هـ) . ١٣- تفسير البيضاوي (المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للقاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨هـ) . ١٤- تفسير الخازن (المسمى: لباب التأويل في معاني التنزيل) للإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن، ط ١، (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ) . ١٥- تفسير الطبري (المسمى: جامع البيان في تأويل القرآن) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢هـ) .

стр. 66

١٦- تفسير القاسمي (المسمى: محاسن التأويل) للإمام محمد جمال الدين القاسمي، ضبط وتصحيح محمد باسل عيون السود، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨هـ) . ١٧- تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، (دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٢هـ) . ١٨- التفسير الكبير (المسمى: مفاتيح الغيب) ، للإمام الرازي، ط ١، (دار الإحياء التراث العربي،بيروت، ١٤١٥هـ) . ١٩- التفسير الميسّر، إعداد نخبة من العلماء، بإشراف د. عبد الله بن عبد المحسن التركي (إصدار مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، ١٤١٩هـ) . ٢٠- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للسيد محمود الألوسي البغدادي، ضبط وتصحيح علي عبد الباري عطية، ط ١ (دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ) . ٢١- زاد المسير في علم التفسير، للحافظ ابن الجوزي، ط ٣ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤هـ) . ٢٢- سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، بتحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، ط ٢ (مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة ١٣٩٨هـ) . ٢٣- سنن الدارمي، للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق وتعليق د. مصطفى ديب البغا، ط ٣ (دار القلم، دمشق، ١٤١٧هـ) .

стр. 67

٢٤- سيرة النبي ?، لأبي محمد عبد الملك بن هشام، بتعليق الشيخ محيي الدين عبد الحميد (توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض) . ٢٥- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق جماعة من العلماء، وتخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني / ط ٨ (المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٤هـ) . ٢٦- شرح النووي على صحيح مسلم، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، ط ٢ (دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٩٢هـ) . ٢٧- صحيح البخاري (المسمى: الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، بشرح محب الدين الخطيب، وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ونشر ومراجعة قصي محب الدين الخطيب، ط١ (المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٤٠٠هـ) . ٢٨- صحيح سنن الترمذي، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ١ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٨هـ) . ٢٩- صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج القشيري، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة) . ٣٠- العبودية، للإمام ابن تيمية، ط ٦ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ) .

стр. 68

٣١- العلاقة الإنسانية في القرآن الكريم، حمزة إبراهيم فودة، ط ١ (مطبوعات نادي مكة الثقافي الأدبي، ١٤٠٣هـ) . ٣٢- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، بتصحيح محب الدين الخطيب، ط ١ (دار الريَّان، القاهرة، ١٤٠٧هـ) . ٣٣- فضائل القرآن ومعالمه وآدابه، لأبي عبيد القاسم بن سلام، دراسة وتحقيق أحمد بن عبد الواحد الخياطي (مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، ١٤١٥هـ) . ٣٤- الفوائد، للإمام ابن القيم الجوزية، تخريج وحواشي أحمد راتب عرموش، ط ٦ (دار النفائس، بيروت، ١٤٠٥هـ) . ٣٥- الكلمات الإسلامية في الحقل القرآني، د. عبد العال سالم مكرم، ط ١ (مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٧هـ) . ٣٦- لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير، لمحمد الصباغ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٤هـ) . ٣٧- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية، للشيخ محمدالسفاريني الحنبلي، ط ٣ (المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤١١هـ) . ٣٨- مباحث في إعجاز القرآن، د. مصطفى مسلم، ط ١ (دار المنارة جدة، ١٤٠٨هـ) .

стр. 69

٣٩- مباحث في علوم القرآن، للشيخ مناع القطان، ط ٨ (مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠١هـ) . ٤٠- معجم لغة الفقهاء، د. محمد قلعجي وزميله، ط ٢ (دار النفائس، بيروت، ١٤٠٨هـ) . ٤١- مدخل إلى علوم القرآن وتفسيره، د. فاروق حمادة، ط ١ (مكتبة المعارف، الرباط - المغرب، ١٣٩٩هـ) . ٤٢- المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لشهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة المقدسي، بتحقيق طيارآقولاج. (دار صادر، بيروت، ١٣٩٥هـ) . ٤٣- مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، (دار الفكر، بيروت، بدون) . ٤٤- النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز، ط ٢ (دار القلم، الكويت، ١٣٩٠هـ) . ٤٥- نور من القرآن في طريق الدعوة والدعاة، د. محمد الحسين أبو سم، (سلسلة دعوة الحق، السنة ٨، العدد ٨٨، ١٤٠٩هـ، إصدار رابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة) . ٤٦- هذا القرآن، لعبد الحي العمراني (مطابع فضالة المحمدية-المغرب، ١٤٠٣هـ) .

стр. 70

الدعوة إلى التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين إعداد د/ عبد الرحيم محمد المغذوي الأستاذ المشارك بقسم الدعوة - كلية الدعوة وأصول الدين الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة بحث مقدم لندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه تحت رعاية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية في الفترة من ٤/٦/١٤٢١هـ وإلى ٧/٦/١٤٢١هـ