← Акыда

Акыда · id 7618

الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كله من باب التعاون على البر والتقوى لكان أول سابق إليه هو النبي ﵇، ولفاز بالسبق إليه أصحابه رضوان الله عليهم، ومن المعلوم أنهم لم ينقل عنهم ذلك قطعا، وكذب من ادعى عليهم شيئا من ذلك. ٢- وأما قولهم إن الذكر الجماعي أقرب للإجابة. فيجاب عليهم بأن هذه العلة كانت موجودة في زمانه ﵇، بل هو ﷺ أعظم من تجاب دعوته ولا شك في ذلك، فهو ﵇ كان أحق بأن يفعل ذلك ويدعوا مع أصحابه –جماعة- خمس مرات في اليوم والليلة. لكن رغم ذلك لم ينقل عنه أنه فعل ذلك. وبالتالي يصبح من الواجب الحكم على هذا الفعل بأنه بدعة بناء على ما ثبت من فعله ﵊، وبناء على الأدلة الكثيرة في بيان وجوب طاعته، والاهتداء بهديه، والاقتداء بسنته. ٣- وأما قولهم إن الذكر الجماعي أبعد عن اللحن في الدعاء والذكر ولا سيما للعوام، فيجاب عليهم بما يلي: أ- أنه ليس من شروط صحة الدعاء عدم اللحن فيه، بل يشترط الإخلاص وصدق التوجه ومتابعة النبي ﷺ في ذلك. وقد كان الصحابة متوافرين بعد انشار الفتوحات، وظهور العجمة في الألسنة بعد أن كثر العجم الداخلون في الإسلام، وشاع بين الناس اللحن في الكلام، ومع ذلك لم ينقل عن الصحابة شيء من هذا الذكر الجماعي.

стр. 37

ب- أن هذا اللحن الذي زعموه، والموجود في الدعاء، يوجد أيضا من هؤلاء العوام في قراءة القرآن، وفي الصلاة، وفي غيرها من شعائر الدين، وكان الجدير بهؤلاء أن يعلموهم بعد الصلوات تلك الأحكام، لأنها أمور واجب تعلمها على المسلم، أما الدعاء فهو أمر مستحب. رابعا: قولهم إن هذا عمل الناس، وعليه الجماعة، وقد اجتمع عليه أكثر الناس. فيجاب عليهم بأن هذا احتجاج بالناس على الشرع، وهذا باطل. بل يحتج بالشرع وبالدليل على الناس، وعلى الرجال، وأما اتباع عامة الناس وأغلبهم في أمور الدين فهذا باب ضلال، وقد ذمه الله في كتابه فقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: الآية١١٦] . ولسنا متعبّدين بطاعة الناس واتباعهم، بل بطاعة النبي ﷺ واتباعه. وقدجاء عن أبي علي بن شاذان بسند يرفعه إلى أبي عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: "كان عبد الله بن الحسن – يعني ابن الحسن بن علي بن أبي طالب يكثر الجلوس إلى ربيعة فتذاكروا يوما. فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا (أي أن عمل العوام يخالف ذلك) . فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام، أفهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء

стр. 38

الأنبياء" (١) فبيّن عبد الله بن الحسن أن كثرة الجهال والمبتدعين، وتسلطهم على الناس، ونشرهم لبدعتهم، ليس حجة على السنة وعلى الشرع، ولا ينبغي ولا يجوز أن يعارض شرع الله، وسنة الرسول ﷺ بفعل أحد من الناس، كائنا من كان. خامسا: دعواهم أن الذكر الجماعي وسيلة لها حكم غايتها، وغاية الذكر الجماعي عبادة الله. فيجاب عليهم بما يلي: ١- أن هذه القاعدة ليست قاعدة مطردة على الدوام، بل إن لها موارد مقصورة عليها. فهذه القاعدة مقصورة على ما ورد في الشرع سواء كان وسيلة أم غاية. ومما يدل على ذلك أن الشيء قد يكون مباحا، بل واجبا، ومع ذلك تكون وسيلته مكروهة أو محرمة. كمن يتوصل إلى تحصيل ماء الوضوء عن طريق الغصب أو السرقة. ٢- يدلك على هذا كذلك فعل السلف الصالح، فإنهم –﵃ كانوا يتحرون في أمور العبادات كلها تحريا شديدا من غير التفات إلى الفرق بين ما يسمى "وسائل" و "غايات" (٢) . سادسا: وأما قولهم: إن الآثار المانعة للذكر الجماعي تعارض الأحاديث الكثيرة التي تثبت مشروعية الذكر الجماعي (كذا زعموا) . فتقدَّم الأحاديث عليها.

стр. 39

فيجاب عليهم بأنه لا تعارض بين هذه الآثار وتلك الأحاديث كما سبق، بل إن تلك الأحاديث ينبغي أن تفهم وتفسر في ضوء فهم السلف الصالح لها، وهذه الآثار الواردة عن السلف تفسر جانبا من هذه الأحاديث، كما سبق وأن ذكرناه. وأما ما رد به السيوطي أثر ابن مسعود بأنه لا يعرف له سند، فمردود بأنه أثر صحيح بمجموع طرقه رواه الدارمي في سننه، وابن وضاح في البدع (١) . والعجب أن الإمام السيوطي –﵀ ذكر هذ في كتابه ((الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع)) (٢) . وأما قول الدكتور الزحيلي (٣) : "فلا يصح القول بتبديع الدعاء الجماعي بعد الصلاة...."الخ. فيقال: قوله: "لا يصح". هذه كلمة شرعية، وإطلاق لحكم شرعي، وهذا يقتضي عدم الجواز. فمن أين أتى بهذا الحكم؟ ومن سبقه بهذا من أهل العلم المعتبرين؟ ولا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة. ثم قوله: "وجرى العمل بين المتأخرين بالاجتماع على الدعاء" (٤) اهـ

стр. 40

فيقال له: ومتى كان اجتماع الناس على عمل ما قاضياً على شرع الله ؟ فالحجة إنما هي في النصوص، وفي عمل الرسول ﷺ ، والصحابة الكرام، لا في عمل المتأخرين. ثم قوله في إنكار ابن مسعود على المجتمعين على الذكر: "والواقع أن هذا الإنكار ليس بسبب اجتماعهم على الذكر. وإنما لشذوذهم وادعائهم أنهم أشد اجتهادا في الدين من غيرهم" (١) اهـ. فيقال له: ما دليلك على هذا الكلام؟! وكل من روى هذه الواقعة فهم منها إنكار ابن مسعود للذكر الجماعي، ومثله إنكار خباب بن الأرت على ولده، وهل كان هناك شذوذ عند هؤلاء المذكورين غير اجتماعهم على الذكر الجماعي؟ إذ لا يمكن أن يقال إن شذوذهم كان بسبب أنهم يذكرون الله كثيرا. ومن هنا يتبين لك استدلال المجيزين للذكر الجماعي بالأدلة التي استدلوا بها بأنها لا تنهض لهم بما أرادوا، وأن الحجة قائمة عليهم بحمد الله تعالى. وكذلك يتبين لك قوة أدلة المانعين من الذكر الجماعي.

стр. 41

المبحث الخامس: حكم الذكر الجماعي سبق ذكر موقف السلف من الذكر الجماعي، وأنهم يعدون محدثا في الدين لم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة –﵃، ولا من بعدهم. وكذلك الدعاء جماعة، سواء بعد الفريضة أو غيرها فهم يعدونه بدعة، إلا ما ورد به الدليل، وقد تعددت النقول عنهم في ذلك، وقد تقدم ذكر بعضها، ودرج على منوالهم فقهاء الإسلام على اختلاف مذاهبهم، فمن ذلك: ١- ذكر الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في كتابه (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) (١) ، عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى-: أن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل، لأنه ذكر. السنة في الأذكار المخافتة؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وقوله ﷺ : "خير الدعاء الخفي " (٢) . ولذا فإنه أقرب إلى التضرع والأدب، وأبعد عن الرياء فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل

стр. 42

المخصص. انتهى. وقال العلامة المباركفوري في (تحفة الأحوذي) (١) : اعلم أن الحنفية في هذا الزمان، يواظبون على رفع الأيدي في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب، فكأنهم يرونه واجبا، ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم قام ولم يدع ولم يرفع يديه. وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة، وأيضا مخالف لما في كتبهم المعتمدة". انتهى. ٢- ومما يتعلق بمذهب مالك –﵀ في الذكر الجماعي ما جاء في كتاب (الدر الثمين) للشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي (٢) : كره وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين. ونقل الإمام الشاطبي في كتابه العظيم (الاعتصام) (٣) قصة رجل من عظماء الدولة ذوي الوجاهة فيها موصوف بالشدة والقوة، وقد نزل إلى جوار ابن مجاهد. وكان ابن مجاهد لا يدعو في أخريات الصلوات، تصميما في ذلك على المذهب - مذهب مالك- لأن ذلك مكروه فيه. فكأن ذلك الرجل كره من ابن مجاهد ترك الدعاء، وأمره أن يدعو فأبى. فلما كان في بعض الليالي

стр. 43

قال ذلك الرجل: "فإذا كان غدوة غد أضرب عنقه بهذا السيف. فخاف الناس على ابن مجاهد، فقال لهم وهو يبتسم: لا تخافوا، هو الذي تضرب عنقه في غدوة غد بحول الله. فلما كان من الصبح وصل إلى دار الرجل جماعة من أهل المسجد فضربوا عنقه. انتهى. ٣- وأما مذهب الشافعي –﵀، فقد قال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- في (الأم) (١) : وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماما يجب أن يتعلم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعُلِّم منه ثم يُسرُّ، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الاسراء: ١١٠] . يعني – والله تعالى أعلم- الدعاء، ولا تجهر: ترفع. ولا تخافت: حتى لا تسمع نفسك. انتهى. وقال الإمام النووي في المجموع (٢) : اتفق الشافعي والأصحاب – رحمهم الله تعالى- على أنه يستحب ذكر الله تعالى بعد السلام، ويستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد والرجل والمرأة والمسافر وغيره ... وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام بصلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له. انتهى. قلت: ولقائل أن يقول: نفيه للتخصيص في هذين الوقتين يدل على جواز الدعاء في جميع الصلوات، ويبطل هذا الزعم قول النووي نفسه في

стр. 44

(التحقيق) (١) : يندب الذكر والدعاء عقيب كل صلاة ويسر به، فإذا كان إماما يريد أن يعلمهم جهر، فإذا تعلموا أسر. انتهى. ٤- وأما ما يتعلق بمذهب الحنابلة، فقد قال ابن قدامة في (المغني) (٢) : "ويستحب ذكر الله تعالى والدعاء عقيب صلاته، ويستحب من ذلك ما ورد به الأثر، وذكر جملة من الأحاديث، فيها شيء من الأذكار التي كان ﷺ يقولها في دبر كل صلاة مكتوبة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- (٣) عن الدعاء بعد الصلاة، فذكر بعض ما نقل عنه ﷺ من الأذكار بعد المكتوبة، ثم قال: وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبي ﷺ . انتهى. قلت: وفيما يختص بدعاء الإنسان منفردا من غير جماعة فإنه إذا كان إماما أو مأموما أو منفردا فليس ثم مانع يمنعه من الدعاء إذا بدأ بالأذكار المسنونة والتسابيح المشروعة في أعقاب الصلوات، وقد دل على ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم ﷺ وهدي السلف الصالح –﵃. أما الدليل من الكتاب العزيز، فقول الله تعالى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح٧-٨] . وقد ورد في الكلام على هاتين الآيتين، في إحدى الروايتين: فإذا

стр. 45

فرغت من صلاتك، فانصب إلى ربك في الدعاء وسله حاجتك. نقل هذا ابن جرير الطبري (١) في تفسيره، وابن أبي حاتم (٢) ، والسمعاني (٣) ، والقرطبي (٤) ، وابن الجوزي (٥) ، وابن كثير (٦) ، والشوكاني (٧) ، والسعدي، وغيرهم من المفسرين. قال السعدي –﵀ وفي تفسير هاتين الآتين: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ أي إذا تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه فاجتهد في العبادة والدعاء. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ﴾ وحده ﴿فَارْغَبْ﴾ أي أعظم الرغبة في إجابة دعائك، وقبول دعواتك، ولا تكن ممن إذا فرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد قيل: إن معنى هذا: فإذا فرغت من الصلاة، وأكملتها فانصب في الدعاء. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ في سؤال مطالبك. واستدل من قال هذا القول على مشروعية الدعاء عقب الصلوات المكتوبات. والله أعلم" (٨) انتهى.

стр. 46

وأما من السنة، فعن أبي أمامة قال: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات". رواه الترمذي (١) وقال: هذا حديث حسن. وقد جاءت بذلك فتاوى العلماء قديما وحديثا. فمن القديم ما ذكره ابن مفلح قال: قال مهنا سألت أبا عبد الله عن الرجل يجلس إلى القوم، فيدعو هذا، ويدعو هذا، ويقولون له: ادع أنت. فقال: لا أدري ما هذا؟! أي: أنه استنكره. وقال الفضيل بن مهران: سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت: إن عندنا قوما يجتمعون، فيدعون، ويقرأون القرآن، ويذكرون الله تعالى، فما ترى فيهم؟ قال: فأما يحيى بن معين فقال: يقرأ في مصحف، ويدعو بعد الصلاة، ويذكر الله في نفسه، قلت: فأخ لي يفعل ذلك. قال: انهه، قلت: لا يقبل، قال: عظه. لت لا يقبل. أهجره؟ قال: نعم. ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضا: يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله. قلت: فأنهاه؟ قال: نعم. قلت فإن لم يقبل؟ قال: بلى إن شاء الله، فإن هذا محدث، الاجتماع والذي تصف (٢) . وقال الإمام الشاطبي في بيان البدع الإضافية ما نصه: "كالجهر

стр. 47

والاجتماع في الذكر بين متصوفة الزمان. فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا إذ هما كالمتضادين عادة" (١) . وقال ابن الحاج: "ينبغي أن ينهى الذاكرون جماعة في المسجد قبل الصلاة، أو بعدها، أو في غيرهما من الأوقات. لأنه مما يشوش بها" (٢) . وقال الزركشي: "السنة في سائر الأذكار الإسرار إلا التلبية" (٣) . جاء في (الدرر السنية) : "فأما دعاء الإمام والمأمومين، ورفع أيديهم جميعا بعد الصلاة، فلم نر للفقهاء فيه كلاما موثوقا به. قال الشيخ تقي الدين: "ولم ينقل أنه ﷺ كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام. بل يذكرون الله كما جاء في الأحاديث" (٤) وجاء في فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا ما يلي: "ختام الصلاة جهارا في المساجد بالاجتماع، ورفع الصوت، من البدع التي أحدثها الناس، فإذا التزموا فيها من الأذكار ما ورد في السنة، كانت من البدع الإضافية" (٥) . وقال في موضع آخر: "إنه ليس من السنة أن يجلس الناس بعد الصلاة بقراءة شيء من الأذكار، والأدعية المأثورة، ولا غير المأثورة برفع الصوت وهيئة الاجتماع ... وأن الاجتماع في ذلك

стр. 48

والاشتراك فيه ورفع الصوت بدعة" (١) . وجاء في الفتاوى الإسلامية للشيخ ابن عثيمين: "الدعاء الجماعي بعد سلام الإمام بصوت واحد لا نعلم له أصلا على مشروعيته" (٢) . وقال الشيخ صالح الفوزان: "البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، لأن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع شيء منها إلا بدليل. وما لم يدل عليه دليل فهو بدعة ... ثم ذكر بعض البدع. وقال: ومنها الذكر الجماعي بعد الصلاة لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردا" (٣) . فأصل الدعاء عقب الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، وإنما يباح منه ما كان لعارض، قال الإمام الشاطبي –﵀: "لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في بعض الأوقات: للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزا ... وإذا لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات، ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب" (٤) . وإنما كان هذا الدعاء بعد الصلوات بهيئة الاجتماع بدعة، مع ثبوت

стр. 49

مشروعية الدعاء مطلقا، وورود بعض الأحاديث بمشروعية الدعاء بعد الصلوات خاصة، وذلك لما قارنه من هذه الهيئة الجماعية، ثم الالتزام بها في كل الصلوات حتى تصير شعيرة من شعائر الصلاة. فإن وقع أحيانا فيجوز إذا كان من غير تعمد مسبق، فقد روي عن الإمام أحمد –﵀ أنه أجاز الدعاء للإخوان إذا اجتمعوا بدون تعمد مسبق، وبدون الإكثار من ذلك حتى لا يصير عادة تتكرر (١) ، وقال شيخ الإسلام: "الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم تتخذ ذلك عادة راتبة كالاجتماعات المشروعة، ولا اقترن به بدعة منكرة" (٢) ، وقال: "أما إذا كان دائما بعد كل صلاة فهو بدعة، لأنه لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ والصحابة والسلف الصالح" (٣) .

стр. 50

المبحث السادس: مفاسد الذكر الجماعي سبق الإشارة إلى بعض مفاسد الذكر الجماعي باختصار ضمن المبحث الرابع. ونظرا لأهمية هذه المسألة فقد أفردتها بهذا المبحث المستقل. فأقول - مستعينا بالله- إن من مفاسد الذكر الجماعي: الأولى: مخالفة هدي النبي ﷺ وأصحابه – ﵃، فإنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك. ولا شك أن ما خالف هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه الكرام –﵃، فهو بدعة ضلالة. ولو كان خيرا لفعله ﷺ ، ولتبعه في ذلك الصحابة الكرام، ولنقل ذلك عنهم ولا شك. فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أنهم لم يفعلوه. وما لم يكن دينا في زمانهم فليس بدين اليوم. الثانية: الخروج عن السمت والوقار، فإن الذكر الجماعي قد يتسبب في التمايل، ثم الرقص، ونحو ذلك، وهذا لا يجوز بحال، بل هو مناف للوقار الواجب عند ذكر الله تعالى، وحال أهل الطرق الصوفية معروف في هذا الباب. الثالثة: التشويش على المصلين، والتالين للقرآن، وذلك إذا كان الذكر الجماعي في المساجد. ولا شك أن المجيزين له يعدون المساجد أعظم الأماكن التي يتم الالتقاء فيها للذكر الجماعي.

стр. 51

الرابعة: أنه قد يحصل من الذاكرين تقطيع في الآيات، أو إخلال بها وبأحكام تلاوتها، أو بأذكار مما يجتمع عليها، كما لو أن أحدهم قد انقطع نَفَسه ثم أراد إكمال الآية فوجد الجماعة قد سبقوه، فيضطر لترك ما فاته واللحاق بالجماعة فيما يقرأون. أو أن يكون بعض القارئين مخلا بالأحكام فيضطر المجيد للأحكام إلى مجاراتهم حتى لا يحصل نشاز وتعارض، ونحو ذلك. الخامسة: أن في الذكر الجماعي تشبها بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية جماعة وبصوت واحد. وهذا التشبه بأهل الكتاب مع ورود النهي الشديد عن موافقتهم في دينهم دليل واضح على عدم جواز الذكر الجماعي. السادسة: أن فتح باب الذكر الجماعي قد يؤدي إلى أن تتبع كل طائفة شيخا معينا يجارونه فيما يذكر، وفيما يقول، ولو أدى ذلك إلى ظهور أذكار مبتدعة، ويزداد التباعد بين أرباب هذه الطرق يوما بعد يوم؛ لأن السنة تجمع، والبدعة تفرق. السابعة: أن اعتياد الذكر الجماعي قد يؤدي ببعض الجهال والعامة إلى الانقطاع عن ذكر الله إذا لم يجد من يشاركه، وذلك لاعتياده الذكر الجماعي دون غيره. ولا شك أن للذكر الجماعي مفاسد أخرى، وفيما ذكرت كفاية، ولله الحمد.

стр. 52

الخاتمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فمن خلال هذا البحث، وما ورد من فيه، يتبين لنا أن الذكر الجماعي ليس له أصل في دين الله تعالى، إذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة الكرام أنهم يذكرون الله جماعة، ولم يفعله السلف الصالح –﵃، بل أنكروا على من فعل ذلك، ولم تنتشر هذه البدعة إلا بقوة السلطان، وذلك على يد المأمون بن هارون الرشيد، لما أمر به ودعا إليه، ثم اعتاده الناس، وشاع بينهم حتى أصبح عندهم كالفريضة. وقد احتج أصحاب هذه البدعة بنصوص عامة لا تسعفهم صراحة عند الاستدلال بها. وقد استدلوا كذلك بمصالح - ادعوها- للذكر الجماعي، وقد سقنا – والحمد لله- الجواب عن حجتهم، بل وذكرنا بعضا من مفاسد هذه البدعة في مبحث مستقل خلال هذا البحث، وبينا بعضا من أضرارها على صاحبها، وعلى غيره. وأسأل الله أن أكون قد وفقت في إخراج هذا البحث، وما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني، والله ورسوله منه براء، وأسأل الله القبول، والحمد لله رب العالمين.

стр. 53

فتاوى أهل العلم وكلامهم حول الذكر الجماعي فتاوى الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين ــ رحمهما الله تعالى ــ حول الذكر الجماعي . ... فتاوى أهل العلم وكلامهم حول الذكر الجماعي التلبية الجماعية قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: بعض الحجاج يلبون بصوت جماعي، فيتقدم واحد منهم أو يكون في الوسط أو في الخلف ويلبي ثم يتبعونه بصوت واحد، وهذا لم يرد عن الصحابة –﵃، بل قال أنس بن مالك: كنا مع النبي ﷺ يعني في حجة الوداع- فمنا المكبّر، ومنا المهلّل، ومنا الملبِّي، وهذا هو المشروع للمسلمين؛ أن يلبي كل واحد بنفسه، وألا يكون له تعلق بغيره. (فقه العبادات ص ٣٤٣) سؤال: ما حكم التلبية الجماعية للحجاج؟ جواب: هؤلاء أيضا عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة ينبغي على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي ﷺ ، وأما الالتزام بين الحجر الأسود وبين الكعبة، فهذا قد ورد عن الصحابة ﵃ فعله، ولا بأس به، ولكن مع المزاحمة والضيق كما يشاهد اليوم، لا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يتأذى به أو يؤذي به غيره، في أمر ليس من الواجبات. (دليل الأخطاء التي يقع فيها الحاج والمعتمر ص ٤٣) (الشيخ ابن عثيمين)

стр. 54

الدعاء الجماعي في الطواف سؤال: هناك بعض الأخطاء التي تقع في الطواف ما هي هذه الأخطاء..؟ جواب: ١- كثير من الحجاج يلتزم أدعية خاصة في الطواف يقرؤها من مناسك، وقد يكون مجموعات منهم يتلقونها من قارئ يلقنهم إياها ويرددونها بصوت جماعي، وهذا خطأ من ناحيتين: الأولى: أنه التزام دعاء لم يرد التزامه في هذا الموطن لأنه لم يرد عن النبي ﷺ في الطواف دعاء خاص. الثاني: أن الدعاء الجماعي بدعة وفيه تشويش على الطائفين، والمشروع أن يدعو كل شخص لنفسه وبدون رفع صوته. ٢- بعض الحجاج يقبّل الركن اليماني، وهذا خطأ لأن الركن اليماني يسلم باليد فقط ولا يقبّل، وإنما الحجر الأسود، فالحجر الأسود يستلم ويقبّل إن أمكن أو يشار من الزحمة إليه والركن اليماني يسلم ولا يقبل ولا يشار إليه عند الزحمة، وبقية الأركان لا تسلم ولا تقبّل. (الفتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ٢/ ٣٠)

стр. 55

الاجتماع على الذكر بصوت جماعي وقول: "لا إله إلا الله أو هو هو" سؤل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله، ويقولون في النهاية: الله، الله بصوت عال فما حكم عملهم هذا؟ جواب: هذه العقيدة التيجانية من العقائد المبتدعة والطرق المنكرة، وفيها منكرات كثيرة، وبدع كثيرة، ومحرمات شركية يجب تركها، ولا يؤخذ منها إلا ما وافق الشرع المطهر الذي جاء به نبينا محمد ﵊. والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: الله. الله، أو: هو. هو، إنما الذكر الشرعي أن يقول: لا إله إلا الله فهذا هو الذكر الشرعي، أو سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أستغفر الله، اللهم اغفر لي أما الاجتماع بصوت واحد: لا إله إلا الله أو: الله. الله، أو: هو. هو؛ فهذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة. فالواجب على المسلمين ترك البدع، لأن الرسول ﵊ يقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) يعني فهو مردود ويقول: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)

стр. 56

ويقول أيضا علي٧هـ الصلاة والسلام: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) وكان يخطب في الجمعة ﷺ فيقول: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (٢) . فالواجب المسلمين أن يحذروا البدع كلها سواء كانت تيجانية أو غيرها، وأن يلتزموا بما شرعه الله على لسان نبيه ورسوله محمد ﵊، هذا هو الواجب على المسلمين، كما قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) ، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤) ، وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) . فالواجب على أهل الإسلام من الرجال والنساء طاعة الله ورسوله والحذر من البدع في الدين، بل الله كفانا ، وأتم لنا

стр. 57

النعمة وأكمل لنا الدين، كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (١) . فالإسلام الذي رضيه الله وأكمله لنا علينا أن نلتزم به وأن نستقيم عليه وأن نحافظ عليه، وألا نحدث في الدين ما لم يأذن به الله ونسأل الله للجميع الهداية. (فتاوى نور على الدرب ١/ ٣٥٨) (الشيخ ابن باز) الاجتماع لقراءة ورد الصباح والمساء سؤال: إذا خرج بعض الإخوان لرحلة أو لعمرة أو نحوهما، يأمرون أحدهم أو بعضهم يوميا صباحا ومساء بقراءة ورد الصباح والمساء الوارد عن الرسول ﷺ وبقية الجماعة يستمعون إليه فما حكم ذلك؟ جواب: كان لرسول الله ﷺ أذكار وأدعية يذكر الله ويدعوه بها، صباحًا ومساءً في نفسه، وسمعها منه أصحابه وتعلموها، وذكروا الله ودعوه بها صباحا ومساء، كلٌ منهم في نفسه منفردًا, اقتداء برسول الله ﷺ ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ – فيما نعلم- أنهم كانوا يقولون تلك الأذكار والأدعية مجتمعين، ويقرؤونها، جميعا أو يقرؤها بعضهم ويستمع الآخرون، فينبغي للمسلم أن يهتدي بهدي

стр. 58

الرسول ﷺ وأصحابه –﵃ في ذكره ودعائه وكيفية ذلك وفي سائر ما شرعه ﵊ فإن الخير في اتباعه، والشر كل الشر في مخالفته، والاجتماع لذلك واتخاذه طريقة وعادة من البدع المحدثة وقد قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) ، وقال ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢) . (فتاوى إسلامية ٤/ ٥١٠) (اللجنة الدائمة) الأذكار أو الصلاة على النبي ﵇ جماعة عقب الصلاة سؤال: نجد الناس في بعض المساجد في أيام رمضان بين كل ركعتين من صلاة التراويح تجدهم بصوت عال وجماعي يصلون على النبي وعلى الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين والعشرة المبشرين بالجنة وذلك بترتيب محدد يعرفونه هم فما حكم ذلك؟ جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ... وبعد:

стр. 59

الأذكار أو الصلاة على النبي ﷺ جماعة عقب الصلاة فريضة أو نافلة أو بين ركعات التراويح بدعة محدثة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الرابع من الفتوى رقم ٦٢٦٠) . ذكر الله جماعة في الخطبة سؤال: لقد رأينا إماما بمدينة البليدة يقول للمسلمين وهو على المنبر وحدوا الله فتنطلق أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير، فهل من حق الإمام أن يقول لهم ذلك؟ وهل من حقهم أن يهللوا؟ وما معنى الحديث القائل: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت نرجو الإجابة والسلام عليكم ورحمة الله. جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ... وبعد. أولا: إذا كان قصد الخطيب من قوله للحاضرين: وحدوا الله أن يرشدهم إلى ما يجب من توحيد الله في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته ليعتقدوا ذلك لا ليجيبوه بتلك الأصوات المرتفعة بالتهليل

стр. 60

والتكبير ولكنهم فهموا منه خلاف ما أراد فأجابوه قولا بهذه الأصوات فلا حرج عليه. أما هم فقد أخطأوا في فهمهم ورفع أصواتهم وعليه أن ينصحهم ويرشدهم إلى ما أراد حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك مرة أخرى. وإن كان قصده أن يجيبوه في الحال بالتهليل والتكبير مع رفع الأصوات بذلك فهو مخطئ مبتدع وهم مخطئون مبتدعون. لأن ذلك لم يعهد من النبي ﷺ في خطبه ولا من الخلفاء الراشدين في خطبهم ولا ممن كانوا يستمعون لهم إنما كان يسأل الخطيب بعض من في المسجد عن أمر يتعلق به كما كان من النبي ﷺ مع سليك لم دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب فجلس ولم يصل تحية المسجد فأمره النبي ﷺ أن يقوم فيصلي ركعتين. وكما كان منه مع أعرابي اشتكى القحط وطلب من النبي ﷺ أن يسأل الله تعالى أن ينزل المطر، فدعا رسول الله ﷺ ربه فنزل الغيث واستمر حتى طلب منه في خطبة الجمعة التي بعدها أن يمسكه فدعا النبي ﷺ ربه أن يجعله حيث ينتفع به ولا يضر. وكما كان من عمر مع عثمان لم يبكر إلى الجمعة يوما قال عمر: أية ساعة هذه، فقال عثمان والله لم أزد على أن توضأت فقال عمر: والوضوء أيضا رضي الله عن الجميع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) ، وقال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) ثانيا: الحديث الذي ذكرت رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن

стр. 61

ومعناه: إذا تكلمت مع جليسك والإمام يخطب خطبة الجمعة ولو بنصيحة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكقولك اسكت واستمع للخطبة فقد أسأت، وارتكبت ما لا ينبغي، والذي ينبغي في ذلك أن يوجه الكلام على الخطيب لينصح من يراد نصحه ليكف عن الشر ويقبل على الخير وذلك حتى لا يتتابع الحاضرون بالمسجد وقت الخطبة في اللغط واللغو من الكلام ولا ما نع من أن يشير إلى المسيء إشارة يفهم منها الكف عن الإساءة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الثاني من الفتوى رقم ٣٢٤٦) ذكر الله مع التمايل يمينا وشمالا سؤال: ما حكم الإسلام فيمن يذكرون وهم يتمايلون يمينا وشمالا في حالة قفز وفي جماعة وفي صوت عال؟ جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: لا يجوز لأنه بهذه الكيفية بدعة محدثة وقد قال النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) .

стр. 62

سؤال: هل كان النبي ﷺ يقرأ الفاتحة بعد الدعاء؟ جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة بعد الدعاء فيما نعلم، فقراءتها بعد الدعاء بدعة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. السؤال الثامن من الفتوى رقم ٥٨٨١) قراءة الفاتحة والصلوات الإبراهيمية جماعة سؤال: نحن جماعة من العماء المسلمين المهاجرين بفرنسا اجتمعنا على تقوى الله واتباع سنة حبيبه محمد ﷺ وفقنا بمشيئة الله سبحانه على الحصول على قاعة نؤدي فيها الصلوات الخمس يوميا وقد اخترنا لنا إماما أعانه الله على حمل هذا العبء الثقيل الملقى على أعتقه، وبالإضافة إلى الصلوات الخمس التي تقام يوميا هناك دروس في الوعظ والإرشاد من حين لآخر ومشكلتنا الحالية أن هذه الجماعة قد بدأت تتفكك شيئا ما والسبب في ذلك هو أننا بعد الانتهاء من الصلاة بعد السلام مباشرة كل واحد منا يسبح الله ٣٣ مرة ويحمد الله ٣٣ مرة ويكبر الله كذلك، وذلك مصداق واتباع لحديث سيد الخلق وحبيب الخلق محمد ﷺ كما رواه أبو هريرة في الحديث الشريف: "جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما

стр. 63

نصوم ولهم فضل أمول يحجون بها ويعتمرون ويتصدقون فقال: "ألا أحدثكم بحديث إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين.." (١) الخ. الحديث وهذه الصيغة الواردة في الحديث الشريف يأتي بها كل مصل سرا وبعدها نقرأ جماعة فاتحة الكتاب والصلوات الإبراهيمية ونختم بسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. فقام من بيننا إخوة قالوا: إنا براء منكم إنكم بقراءتكم هذا جماعة ابتدعتم بدعة يبقى عليكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين، أفتنا في أمرنا هل قراءة الفاتحة والصلوات الإبراهيمية والآيات الأخيرة من الصافات ١٨٠، ١٨١، ١٨٢ جماعة سنة حسنة أم بدعة ابتدعناها، وليس هذا كل ما في الأمر بل هؤلاء الإخوة أصبحوا لا يحضرون معنا الصلاة قائلين لن نصلي معكم حتى تقلعوا عن هذه البدعة لا بد لنا من فتوى تكون حسما للخلاف القائم حاليا بين هؤلاء الإخوة فإن كنا على غير هدي فإننا نقلع عن هذا حتما ونستغفر الله على ما سلف، وإن كنا على بينة نطلب الله أن يلهم هؤلاء الإخوة رشدهم وكفى ما بالمسلمين من خلافات مزقت وحدتهم وفرقت شملهم؟ جواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:

стр. 64

ما ذكرتم من أنكم تقرءون جماعة فاتحة الكتاب والصلوات الإبراهيمية وتختمون بسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين لا يجوز فعله بل هو بدعة لعدم وروده عن المصطفى ﷺ . أما الإخوة الذين تركوا الصلاة معكم من أجل البدعة المذكورة فما كان ينبغي منهم ذلك بل الواجب عليهم أن يصلوا معكم أداء للواجب مع النصيحة بالمعروف أصلح الله حال الجميع. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم ٦٩١٧) الاستغفار جماعة بعد الصلوات سؤال: لنا مسجد نصلي فيه وعندما ينتهي الجماعة من الصلاة يقولون بصوت جماعي: استغفر الله العظيم وأتوب إليه.. هل هذا وارد عن النبي ﷺ ؟ جواب: أما الاستغفار فهو ثابت عن النبي ﷺ أنه إذا سلم استغفر الله ثلاثا قبل أن ينصرف إلى أصحابه وأما الهيئة التي ذكرها السائل بأن يؤدى الاستغفار بأصوات جماعية فهذا بدعة. لم يكن من هدي النبي ﷺ بل كان يستغفر لنفسه غير مرتبط بالآخرين ومن غير صوت جماعي والصحابة كانوا يستغفرون فرادى بغير صوت جماعي وكذا من

стр. 65

بعدهم من القرون المفضلة. فالاستغفار في حد ذاته سنة بعد السلام لكن الإتيان به بصوت جماعي هذا هو البدعة فيجب تركه والابتعاد عنه. (نور على الدرب فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ١/ ٢٣) ترديد الأذكار بعد الصلاة جماعة سؤال: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل وراء الإمام أو من يساعده وهو عندنا المؤذن الذي يؤذن للصلاة والإقامة؟ هل من المسنون أن يقول وبصوت عال بعد الصلاة: جلّ ربنا الكريم. جل ربنا العظيم سبحانك يا عظيم "سبحان الله": يعني قولوا سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا يا ربنا دائما نشكرك شكرا كثيرا "الحمد لله" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جلّ شأنه "الله أكبر" يعني قولوا: الله أكبر أربعا وثلاثين مرة ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟ هل من السنة أن يصوت والمصلون يستمعون إليه ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون؟ أو السنة أن يستغفر المصلي ربه ثلاثا فيقول ثلاث مرات أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله العظيم، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثم يقول: اللهم

стр. 66

أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ثلاثا وثلاثين مرة بشكل منفرد؟ هل تجري هذه الأذكار بشكل أم أن الإمام يأمر بها واحدة واحدة؟ جواب: هذه الصفات التي ذكرها السائل في كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي ﷺ : وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه. لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة: فقد ثبت عن ابن عباس – ﵄ أنه قال: كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ . وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة خلافا لما كان عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح والتحميد والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلا من السنة في التفريق بين هذا وهذا. وإنما السنة الجهر، وقول بعض الناس: إن الرسول ﷺ جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي ﵊ قد حصل بالقول كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثين وثلاثين" (١) . ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يون في صل الدعاء. أو في أصل الذكر يكون أيضا بصفته، فالرسول ﷺ علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، كون الرسول

стр. 67

عليه الصلاة والسام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي ﵊ يقتصر على أن يعلم الناس ثم يقول للناس هذا الذكر سرّا؛ فالمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يسن الذكر ورفع الصوت به. (كتاب سؤال وجواب من برنامج نور على الدرب ١/ ١٤) (الشيخ ابن عثيمين) الدعاء جماعة بعد الصلاة مع رفع الصوت والتأمين سؤال: نرى في بعض المناطق أن الإمام يرفع يديه بعد الصلوات المكتوبة والمأمومون كذلك ... يدعو الإمام ويؤمن المأمومون على دعائه فأرجو إثباته أو نفيه بالدلائل؟ جواب: العبادات مبنية على التوقيف فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيأتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك ولا نعلم سنة في ذلك عن النبي ﷺ لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره والخير كله باتباع هديه ﷺ وهديه ﷺ في هذا الباب ثابت بالأدلة الدالة على ما كان يفعله ﷺ بعد السلام وقد جرى خلفاؤه وصحابته من بعده ومن بعدهم التابعون لهم بإحسان، ومن أحدث خلاف هدي الرسول ﷺ فهو مردود عليه قال ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) فالإمام الذي يدعو بعد السلام ويؤمن المأمومون على دعائه والكل رافع يديه يطالب بالدليل المثبت

стр. 68

لعمله وإلا فهو مردود عليه. (فتاوى إسلامية ٤/ ١٧٩) (اللجنة الدائمة) الدعاء الجماعي بعد الصلاة بصوت واحد قالت اللجنة الدائمة الدعاء الجماعي بعد سلام الإمام بصوت واحد لا نعلم له أصلا يدل على مشروعيته وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، هذا نصها: "ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي سواء كان من الإمام وحده أو المأموم وحده أو منهما جميعا، بل ذلك بدعة لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به لورود بعض الأحاديث بذلك". وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. (فتاوى إسلامية ١/ ٣١٨) (اللجنة الدائمة) قراءة القرآن جماعة بصوت واحد سؤال: من عادتنا نحن المغاربة نقرأ القرآن جماعة صباحا ومساءً بعد صلاة الصبح والمغرب فهنا من يقول إنها بدعة. جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله

стр. 69

وصحبه ... وبعد: التزام قراءة القرآن جماعة بصوت واحد بعد كل من صلاة الصبح والمغرب أو غيرهما بدعة. وكذا التزام الدعاء جماعة بعد الصلاة، أما إذا قرأ كل واحد لنفسه أو تدارسوا القرآن جميعا كلما فرغ واحد قرأ الآخر واستمعوا له فهذا من أفضل القرب، لقول النبي ﷺ : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" (١) . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الثالث من الفتوى رقم ٤٩٩٤) سؤال: ما حكم قراءة القرآن جماعة بصوت واحد وخاصة يوم الجمعة قبل دخول الإمام؟ جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: لا يجوز ذلك وتخصيصه بيوم الجمعة قبل دخول الإمام بدعة محدثة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم ٦٣٦٤)

стр. 70

الدعاء جماعة عند القبر والتأمين سؤال: ما حكم دعاء الجماعة عند القبر بأن يدعو أحدهم ويؤمن الجميع؟ جواب: ليس هذا من سنة الرسول ﵊ ولا من سنة الخلفاء الراشدين، وإنما كان الرسول ﵊ يرشدهم إلى أن يستغفروا للميت ويسألوا له التثبيت كلٌّ بنفسه وليس جماعة. (فتاوى التعزية ص ٤٠) (الشيخ ابن عثيمين) رفع الصوت بالتهليل الجماعي أثناء الخروج بالجنازة سؤال: ما حكم رفع الصوت بالتهليل الجماعي أثناء الخروج بالجنازة والمشي بها إلى المقبرة؟ جواب: هدي الرسول ﷺ إذا تبع الجنازة أن لا يسمع له صوت بالتهليل أو القراءة أو نحو ذلك ولم يأمر بالتهليل الجماعي – فيما نعلم- بل قد روي عنه ﷺ أنه "نهى أن يتبع الميت بصوت أو نار" (١) رواه أبو داود. وقال قيس بن عباد وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز

стр. 71

وعند الذكر وعند القتال. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك هذا مذهب الأئمة الأربعة وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين ولا أعلم فيه مخالفا. وقال أيضا: وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون المفضلة. وبذلك يتضح لك أن رفع الصوت بالتهليل الجماعي مع الجنائز بدعة منكرة وهكذا ما شابه ذلك من قولهم وحدوه أو اذكروا الله أو قراءة بعض القصائد كالبردة. (فتاوى إسلامية ٢/ ٤٩) (اللجنة الدائمة)

стр. 72

كلام الشيخ حمود التويجري في كتابه (إنكار التكبير الجماعي وغيره) ... كلام الشيخ حمود التويجري في كتاب (إنكار التكبير الجماعي وغيره) قال الشيخ حمود: صليت في المسجد الحرام صلاة عيد الفطر في سنة ١٣٧٧ فسمعت من في أعلى زمزم ومن في أعلى المقام الحنفي يتجاوبون بالتكبير والتهليل والتحميد والصلاة على رسول الله ﷺ بأصوات عالية ملحنة يخرجونها مخرجا واحدا على نحو ما يفعله أهل الغناء. وكذلك كانوا يفعلون في أعلى زمزم في سنة ١٣٧٨هـ بعد ما هدم المقام الحنفي. وأخبرني بعض الحجاج أنهم كانوا يفعلون مثل ذلك في عيد الأضحى. وقد رأيت بعض الحاضرين يطربون لهذه الأصوات كما يطرب المفتونون بالغناء للغناء. وفعلهم هذا من الاستهزاء بذكر الله تعالى ومن البدع التي يجب إنكارها. وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري – ﵂ ما هو دون ذلك وعده ابن مسعود – ﵁ من البدع فروى الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال كنا قعودا على باب ابن مسعود – ﵁ بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى – ﵁ فقال اخرج إلينا أبا عبد الرحمن فخرج ابن مسعود ﵁ فقال أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة قال لا والله إلا أني رأيت أمرا ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا احمدوا كذا وكذا قال فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء وأزواجه ثواب وثيابه وأبنيته لم تغير احصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم. وروى الدارمي عن عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال كنا

стр. 73

نجلس على باب عبد الله بن مسعود – ﵁ قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري –﵁ فقال أحرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا نكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال فما هو؟ فقال إن عشت فستراه قال رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة قال فماذا قلت لهم قال ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أو انتظار أمرك قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتحوا باب ضلالة؟ قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال كم من مريد للخير لن يصيبه. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال أخبر رجل عبد الله بن مسعود –﵁ أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول

стр. 74

كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود –﵁ فجاء وكان رجلا حديدا فقال أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. عليكم بالطريق فألزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا. وروى محمد بن وضاح أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدث أن ناسا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. إذا علم هذا فصنيع المتجاوبين بالتكبير يوم العيد مما لا ريب أنه من المنكرات وأنه أعظم مما أنكره ابن مسعود وأبو موسى ﵄ وأولى بأن ينكر على فاعليه ويمنعوا منه. وبيان ذلك من وجوه: أحدها: في فعل المتجاوبين بالتكبير من التطريب به واجتماع الجماعة على إخراجه بأصوات عالية متطابقة كأنها من تطابقها صوت احد على نحو ما يفعله المغنون. وهذا المسلك مما ينبغي تنزيه ذكر الله وإجلاله عنه. الثاني: ما في ذلك من التشويش على من في مسجد الحرام من التالين للقرآن والذاكرين لله تعالى بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد وغير ذلك من أنواع الذكر والدعاء فتلتبس القراءة على القارئ والذكر

стр. 75

على الذاكر والدعاء على الداعي. وقد نهى النبي ﷺ عن الجهر بالقرآن إذا حصل من الجهر به تشويش على الغير كما في الموطأ (١) عن أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري (٢) ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة" قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه وقال ابن عبد البر – رحمه الله تعالى- حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان انتهى. وفي المسند (٣) من حديث عبد الله بن عمر –﵁ أن النبي ﷺ اعتكف وخطب الناس فقال أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة. وإذا كان المصلي منفردا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين فنهي المتجاوبين
следующие страницы →