← Акыда

Акыда · id 7620

الرد على البردة

عبد الله أبا بطين

Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.

стр. 36

إلى ضعية وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك" ١. ومن دعائه: "اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل" ٢، وفي الدعاء المأثور في عرفة: "أنا البائس الفقير المستجير" ٣ والبائس الذي اشتد البؤس وهو شدة الفقر، وأظن هذا الجاهل لو يقال له: إن النبي ﷺ غنيٌّ عن ربه لم يستعظم هذا القول. وذكرنا في الجواب الحديث المشهور الذي فيه: "علماؤهم شر من تحت أديم السماء منهم

стр. 37

خرجت الفتنة وفيهم تعود" ١. قال المعترض: هل ورد هذا الحديث في أهل العراق فهم كفار مجوس في عهد النبي ﷺ أو فيما يأتي فهذا شناعة على عامة العلماء ومنهم الإمام أبو حنيفة وإن كان ورد في حق أهل الحرمين فهذا ظاهر البطلان، إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان ... انتهى. فانظر: إلى هذه الوقاحة هل قلنا إن هذا الحديث خاص ببلد معين وإنما مقتضى الحديث الإخبار بما يحدث في الأمة من تغيير الدين وأن سبب ذلك علماء السوء، ولا يختص هذا ببلد معين فمن اتصف بصفات علماء السوء الذي يلبسون الحق بالباطل ويفترون على الله الكذب تناوله الذم في أي زمان ومكان، والله سبحانه لم يأمر عباده عند الاختلاف بالرد إلى أهل بلد ولا إلى ما عليه أكثر الناس ولا إلى شخص غير الرسول قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] و " شيء " نكرة في سياق الشرط فيعم كل شيء حصل فيه النزاع من أصول الدين وفروعه، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهذا خطاب لجميع الناس إلى آخر الزمان وأجمع العلماء على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول إليه في حياته والرد إلى سنته بعد مماته.

стр. 38

قال ابن كثير ﵀ في الآية: " هذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع فيه المسلمون من أصول الدين وفروعه أن يرد المتنازع فيه من ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] . فما حم به كتاب الله وسنة نبيه وشهد له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل ذلك على أن من لا يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والرجوع في فصل القضاء إليهما: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي وأحسن عاقبة ومآلاً.. "انتهى. ومن المحال أن يأمر الله سبحانه بالتحاكم إلى ما لا يفصل النزاع ويحكي عن بعض الضلال أنه يقول: نحن مقلدون ولسنا داخلين تحت هذه الآية ونحوها. فيقال له يلزمك هذا في جميع خطاب القرآن كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١] و ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] وغير ذلك من خطاب القرآن في الأوامر والنواهي فمن زعم أنه ليس داخلاً في ذلك ولا معنياً به فلا شك في كفره ومن أعظم مكايد الشيطان لكثير من الناس ـ خصوصاً من ينسب إلى علم ـ أن حال بينهم وبين تدبر القرآن وتفهمه خصوصاً فيما تضمنه من أدلة التوحيد وسائر أصول الدين التي لا يجوز التقليد فيها عند عامة العلماء فإذا علم أنه لا يجوز التقليد تعين

стр. 39

معرفة أدلتها من الكتاب والسنة والله سبحانه قد بين ذلك غاية البيان والنبي ﷺ بين للناس ما نزل إليهم من ربهم قال الله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، "من ربهم" ثم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى بعدهم تكلموا في ذلك بما يكفي ويشفي قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] . قال ابن كثيرـ ﵀: " يخبر سبحانه أن في القرآن آيات محكمات أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على ما تشابه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس. . . "انتهى. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: "المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيات بعدها، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الاسراء: ٢٣] ، والآيات بعدها يعني هذه الآيات ونحوها من المحكم وقال ابن عباس أيضا التفسير على أربعة أنحاء: تفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها وتفسير لا يعلمه إلا الله". ومن أعظم ما فتن الشيطان - في هذه الأزمنة المتأخرة – أكثر العامة بل كثيراً ممن ينسب إلى علم الاغترار بالأكثر، فيقول أحدهم: هذه الأمور التي تنكرونها مما يفعل عند القبور من دعاء أصحابها بسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والنذر والذبح لهم منتشر مشتهر في

стр. 40

أمصار المسلمين وكذلك القصائد المتضمنة الاستغاثة بالنبي ﷺ كما في البردة ونظم الصرصري وغيرهما متداول مستعمل لا ينكرونه. وهذا كلام فلان في قصيدته وشرحها فلان وفلان وتداولها العلماء وهذه هي الشبه العظيمة التي قامت بقلوبهم فلا يصغون إلا إليها ولا يعولون إلا عليها كأنهم لم يسمعوا بنبي مرسل ولا بكتاب منزل، فيقال: أولاً هؤلاء أصحاب موسى الكليم الذين صحبوه فضله الله على عالمي زمانهم وآتاهم الكتاب والحكمة قد سئلوا موسى أن يجعل لهم إلهاً، قال سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] . وكذلك الذين قالوا لنبينا من أصحابه: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال ﷺ " الله أكبر.. إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ، لتركبن سنن من كان قبلكم١. فهؤلاء خفي عليهم أن الذي طلبوه بقولهم اجعل لنا ذات أنواط أنه من التأله لغير الله ومن الشرك الذي حرمه الله، كذلك قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً، خفي عليهم قبح ما طلبوه وأنه من الشرك الذي ينهى عنه

стр. 41

موسى ﵇ فإذا كان قد خفي على المذكورين فلا يستبعد خفاؤه على من دونهم، ويقال أيضاً لمن احتجوا بأكثر الناس وأن الحق ما هم عليه خاصة إذا كان المحتج ممن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد والحنابلة: أكثر الناس في هذه الأزمان مخالفون لما عليه الإمام أحمد وأصحابه في كثير من صفات الرب، منها صفة علو الرب سبحانه فوق سماواته واستواؤه على عرشه فأكثر الناس اليوم لا يثبتون هذه الصفة ويبدِّعون من أثبتها ويضلِّلونهم، وبعضهم يكفِّرهم ويخصون الحنابلة بذلك لأن مذهب الإمام أحمد وأصحابه إثبات صفات الرب واستوائه على عرشه حقيقة من غير تكييف ولا تمثيل، وعلى ذلك أئمة الإسلام وكلامهم معروف في تضليل من لم يثبت هذه الصفة وأكثرهم صرَّح بكفرهم. ومن ذلك مسألة كلام الرب سبحانه أكثر الناس اليوم يقولون كلامه سبحانه هو المعنى النفسي وأن حروف القرآن مخلوقة ومذهب أحمد وأصحابه وسائر الأئمة أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه وليس شيء منه مخلوقاً ويضللون من قال بخلق الحروف وخلاف الحنابلة خاصة مع هؤلاء معروف. ذكرنا هاتين المسألتين على سبيل المثال وإلا فأكثر الناس اليوم على خلاف ما عليه السلف في أكثر الصفات وكذلك في الإيمان فجمهور الناس في هذه الأزمان يقولون: الإيمان التصديق ويقولون: الأعمال ليست من الإيمان وإنما سُميت إيماناً في بعض الأحاديث فعلى سبيل المجاز ومذهب أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص وكثير من السلف كفَّروا من قال: إن الإيمان هو التصديق فقط. إذا عُرِف

стр. 42

ذلك تبين للمحتج بالأكثر إن كان على مذهب الإمام أحمد وأصحابه وجميع أهل السنة في إثبات الصفات أن حجته حجة داحضة واهية وعلم أن أهل الحق هم الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً. وقد روى ابن وضَّاح عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله فإنه سيأتي من بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم١. ويشهد لذلك قول النبي صلى عليه وسلم: " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" ٢"، وقال: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء" ٣

стр. 43

وقال عبد الله بن مسعود ﵁ لعمرو بن ميمون: "أتدري ما الجماعة قلت: لا، قال إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك" وفي طريق أخرى: "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وأن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل١. والله سبحانه علم ما يحدث في الأمة من الاختلاف والتنازع وأوجب عليهم عند التنازع الرد إلى كتابه وسنة نبيه فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ والنبي ﷺ أمر الأمة عند الاختلاف بالرد إلى سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فقال: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ٢. وقول بعض الناس لو كان ما تقولون حقاً لكان غيركم أولى به منكم يشابه قول الكفار: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الاحقاف: ١١] ، ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] ، فقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] ، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥] ،

стр. 44

والميزان العدل هو الكتاب والسنة وعليهما تعرض أقوال الناس وأعمالهم فما شهدا له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، ونحن نتحقق أن في أمصار المسلمين كثيراً ينكرون هذه الأمور الشركية، كما قد سمعنا من بعض من لقينا وبلغنا عن بعض من لم نلق، لكن صارت الغلبة لضدهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. أما قول المعترض: لو أن عبارات العلماء مثل البيضاوي والقسطلاني وغيرهما تجدي لديكم شيئاً لذكرناه لكم ولكنها تمحي بلفظة واحدة وهي أنهم كفار.. انتهى. فهلا ذكر لصحابه من كلام من ذكر وغيرهم ما ينشطهم وهو قد غرهم بما افتراه من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى علماء الأمة عامة، فما الذي يمنعه من ذكر الصدق لهم ليزدادوا يقيناً في باطلهم، وأما افتراؤه علينا أننا نكفِّر علماء المسلمين فهو قد اجترأ على الكذب على الله وعلى رسوله وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥] . ونحن ندعو للمسلمين عموماً ولعلمائهم خصوصاً فنقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، ومع ذلك نقول كما أوصونا به:"كل يؤخذ من كلامه ويرد إى رسول الله ﷺ ". ولهم زلات، وفي الحديث المشهور: "اتقوا زلة العالم" ١ فإذا تبين لنا زلة أحد منهم لم نتابعه عليها وندعو له، وقد

стр. 45

قال ابن عباس ﵄: "أخشى أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر". وقال أحمد بن حنبل ﵀: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".. انتهى. وليعلم أننا لم نجترئ على تكفير من وجدنا في كلامه ألفاظاً شركية كصاحب البردة وأمثاله، وهذه زلات عظيمة ربما لو نبهوا عليها لتنبهوا ولا نسب الأموات وقد أفضوا إلى ما قدموا، ونسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. وأنكر المعترض قولنا: إن طلب الدعاء من النبي ﷺ ممتنع عقلاً وشرعاً فقال ومن أين لكم هذا الامتناع وما دليله من العقل والسماع. جوابه.. أما امتناعه عقلاً فلأن النبي ﷺ ميت. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ، وقال أبو بكر ﵁: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً بشر قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ولن يجمع الله عليك موتتين"١

стр. 46

ومقتضى قول من يقول: أنه ﷺ حي في قبره كحياته حين كان على وجه الأرض١ أن يجمع عليه موتتين لأنه قد قام الدليل القاطع أنه عند النفخ في الصور لا يبقى أحد حياً. والعقل الصحيح يمنع طلب الدعاء من الميت ولم يرد حديث صحيح بأنه ﷺ حي في قبره لكن نقطع أن الأنبياء أعلى رتبة من الشهداء، وقد أخبر الله عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون فالأنبياء أولى بذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . ومع ذلك فالشهداء داخلون تحت قوله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] . وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ فهذا الموت المثبت غير الموت المنفي، فالموت المثبت هو فراق الروح البدن والمنفي زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن، فلو جاء إنسان إلى شهيد بعد خروج روحه وهو على وجه الأرض لا يتحرك ولا ينطق يطلب منه أن يدعو الله له لأنكر ذلك ذوو الفطرة السليمة والعقل الصحيح، فكيف إذا صار في بطن الأرض

стр. 47

وهو في كلتا الحالتين حيّ حياة الله أعلم بحقيقتها مع القطع بأنها ليست كحياته لما كان على وجه الأرض قبل القتل، وثبت عن النبي ﷺ : "أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش تسرح حيث شاءت من الجنة"١. وهم مع ذلك أحياء وصحَّ عن النبي ﷺ : " أن نسمة٢ المؤمن طائر يَعلُق٣ في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" ٤وفي

стр. 48

وفي سنن أبي داود عنه ﷺ قال: "ما من مسلم يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇" ١ فهذا يدل على أن روحه ﷺ ليست في جسده دائماً بل هي في أعلى عليين، ولها اتصال بجسده أحياناً، الله أعلم بحقيقته وليس ذلك الرد- أعني رد الروح- خاصاً به ﷺ ، بل ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه

стр. 49

روحه حتى يرد ﵇" ١ هذا وروحه في الجنة كما تقدم في الحديث فأرواح الشهداء بل عامة المؤمنين في الجنة ولها اتصال بأجسادهم في بعض الأحيان لا يعلم صفته إلا الله، وأمر البرزخ وأحكامه على خلاف ما يشاهد في الدنيا، وأما امتناع طلب الدعاء منه بعد موته شرعاً فلأن الصحابة ﵃ وهم أعلم بالله وبرسوله ممن بعدهم- لم يأتوا إلى قبره ﷺ يطلبون منه أن يدعوا لهم ويستسقي لهم ويستنصر لهم لعلمهم أن هذا ممتنع بعد موته، ولم يأت أحد منهم يستفتيه في قبره في مسائل كثيرة أشكلت عليهم، قال عمر ﵁: "ثلاث وددت أني سألت رسول الله ﷺ عنها" ٢. واستسقى عمر بالعباس ولم يأت إلى قبره ﷺ ليستسقي لهم٣، وكان الناس يجيئون إلى أم المؤمنين عائشة

стр. 50

ليستفتوها عند قبره ﷺ وهو مع ذلك يسمعهم يُجيبهم لو سألوه على مقتضى زعم الغلاة، وهذا من المحال. بل نهوا عن تحري دعاء الله عند قبره ﷺ ، ولما رأى علي بن الحسين ﵀ رجلاً كان يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: "ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" فرأى على بن الحسين- ﵀ أن ذلك من اتخاذه عيداً، روى سهيل بن أبي سهيل قال: "رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر فناداني، وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده، فقال: دخلت المسجد فسلم، ثم قال: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليَّ حيثما كنتم". ما أنتم ومن الأندلس إلا سواء" ١

стр. 51

قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: "فهذا علي بن الحسين أفضل أهل بيت النبي ﷺ من التابعين نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده وهو أعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذاً له عيداً، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل١

стр. 52

القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً. فانظر: هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت ﵃ الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط". وقال- ﵀: "ولقد جرَّد السلف الصالح التوحيد وحمو جانبه حتى كرهوا قصد دعاء الله عند قبره ﷺ ، فكيف بدعائه نفسه، وكان أحدهم إذا سلَّم على النبي ﷺ وأراد أن يدعو الله، استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ونص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة إذا صلى على النبي ﷺ وأراد أن يدعو الله لأن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره: " الدعاء هو العبادة" ١، فجرَّد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند القبور إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ من السلام على أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم وما أحسن ما قال مالك بن أنس ﵀: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ولكن كلما

стр. 53

ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك". وقال شيخ الإسلام: ودعاء الميت من الشرك سواءً طُلب منه أن يفعل أو طُلب منه أن يسأل الله وذكر القاضي عياض في "الشفاء" عن مالك ﵀ أنه كره أن يُقال: زرنا قبر النبي ﷺ . قال القاضي: "والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر رسول الله ﷺ لقوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١ فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك قطعاً للذريعة وحسماً للباب". وفي المبسوط عن مالك: " لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعوا ولكن يسلم ويمضي ". وقال: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن أناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدون يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في لجمعة وفي الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه

стр. 54

ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. انتهى. فانظر: إلى ما ذكر عن علي بن الحسين وما روي عن الحسن بن الحسن مما قدمناه وإلى قول مالك يكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. هل هذا تنقُّص منهم له ﷺ أو سد للذريعة عن الغلو الذي نهى عنه ﷺ ، وفي أثناء كلام لشيخ الإسلام- ﵀ قال: "وكل ما سوى الله يتلاشى عند ذكر توحيده، والنبي ﷺ أعظم الناس تقريراً لما يقال على هذا الوجه وإن كان هو المسلوب كما قالت عائشة ﵂ لما أخبرها براءتها: " والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمد إلا الله" ١. وفي لفظ: "بحمد الله لا بحمدك "٢. فأقرها ﷺ وأبوها على ذلك لأن الله أنزل براءتها بغير فعل أحد. قال حبان: "قلت لابن المبارك: إني لأستعظم هذا القول، قال:

стр. 55

دلت الحمد أهله". وفي الحديث الذي رواه أحمد: "اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، قال عرف الحق لأهله" ١. وكان يعلم أصحابه تجريد التوحيد فقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" ٢، وقال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده" ٣.

стр. 56

وقال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقير: عبد الله ورسوله" ١، ٣، ٤، ٥. وقال: "يأيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله" ١. وقال: "لا تتخذوا قبري عيداً. ٢ وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" ٤. وقد قال الله سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ . وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ . وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً، قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [الجن:٢٢:٢١] . أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه، وقال لابنته وعمهم عباس وعمته صفية: "لا أملك لكم من الله شيئاً" ٥. وفي لفظ: "لا أغني عنكم من الله شيئاً".

стр. 57

فعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم وأبوا ذلك كله وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضم مراتبهم وتنقصهم. وهم قد هضموا جانب الإلهية غاية الهضم وتنقَّصوا فلهم نصيب في قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.