← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7624

الرد على الرفاعي والبوطي في كذبهما على أهل السنة ودعوتهما إلى البدع والضلال

عبد المحسن العباد

Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الله عنه قال: "قام فينا رسول الله ﷺ فذَكر الغُلولَ فعظَّمه وعظَّم أمرَه قال: "لا أُلفينَّ أحدَكم يوم القيامة على رقبَته فرسٌ له حمحمة يقول: يا رسول الله أَغِثنِي، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً قد أبلغتُك"، الحديث. ١١ قال الكاتب: "تَمنعون دفنَ المسلم الذي يموت خارج المدينة المنوَّرة ومكة المكرَّمة من الدَّفن فيهما، وهما مِن البقاع الطيِّبة المباركة التي يُحبُّها الله ورسولُه، فتَحرِمون المسلمين ثوابَ الدَّفنِ في تلك البقاع الشريفة المباركة، فعن عبد الله بن عدي الزهري ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ على راحلتِه واقفاً بالحزوَرة، يقول: (والله إنَّك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أخرجتُ منك ما خرجتُ) ، وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من استطاع أن يموت في المدينة فليَمت بها، فإنَّي أشفع لِمَن يموت بها") .

стр. 72

والجواب: أنَّ الأصلَ أن يُدفن كلُّ ميتٍ في بلد وفاته إلاَّ لضرورة تدعو إلى نقله إلى غيره، وفي هذا الزمان سهُل الوصول إلى الحرمين الشريفين بوسائل النقل المختلفة، فلو مُكِّن كلُّ مَن أراد الدفن في الحرمَين لأوشك أن تتحوَّل المدينتان المُقدَّستان إلى قبور، والمُهمُّ للمسلم أن يكون في حياته على حالة حسنةٍ وأعمالٍ صالحة، وأن يُختم له بخير. والحديثان المذكوران: الأول في فضل مكة، والثاني في فضل المدينة، وهو يدلُّ على فضل الموت بالمدينة، ومن المعلوم أنَّ كلَّ من مات بالحرمين يُدفن فيهما، ولا دلالة في ذلك على النقل إلى الحرمين للدَّفن فيهما. ثم لماذا يعيبُ الكاتب على مَن زعم نصحَهم منْعَ النقل إلى الحرمين للدَّفن فيهما، مع أنَّه مُعجَبٌ بالصوفية، وقد ذُكر عن بعضهم حكاياتٌ مفادُها أنَّ من الأمواتِ من تنقلُه الملائكةُ من المكان الذي دُفن فيه إلى مكان آخر!! وقد ذكر السخاويُّ في كتابه "المقاصد الحسنة فيما

стр. 73

يدور من الأحاديث على الألسنة" حديث: "إنَّ لله ملائكة تنقل الأموات!! "، وقال: "لم أقف عليه"، ثم ذكر حكاياتٍ، منها أنَّ العزَّ يوسف الزرندي أبا السادة الزرنديين المدنيين وهو مِمَّن لم يَمت بالمدينة رؤي في النوم وهو يقول للرائي: سلِّم على أولادي، وقل لهم: إنِّي قد حُملتُ إليكم، ودُفنت بالبقيع عند قبر العباس، فإذا أرادوا زيارتي فليَقفوا هناك، ويُسلِّموا ويدعوا!!! وذكر هذا الحديثَ العجلوني في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس فيما يدور من الحديث على ألسنة الناس"، ونقل الحكايات التي ذكرها السخاوي، ثم قال: "وقال الشعراني أيضاً في كتابه البدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير: قد ثبت وقوعه لطائفة، منهم سيدي أبو الفضل الغريق من أولاد السادات بني الوفاء، غرق في بحر النيل فوجدوه عند جدِّه بالقرافة مدفوناً!! وأما نقل الحديث فكثير، يتكلَّم الرَّجل بمصر فينتقل إلى مكة في ليلة فيجده الناس هناك!! انتهى".

стр. 74

وكانت وفاة الشعراني صاحب هذا الكلام سنة (٩٧٣هـ) . وأهل السنة والجماعة ومنهم مَن زعم الكاتبُ نصحَهم يُؤمنون بأنَّ اللهَ على كلِّ شيء قدير، ويُصدِّقون بكرامات أولياء الله حقًا، وهم الصحابة ومَن تبعهم بإحسانٍ، ولا يُصدِّقون بالحكايات المنامية وغير المناميَّة التي ليس لها خطامٌ أو زِمام. وكلُّ ميت دُفن في مكان فإنَّه يُبعث منه يوم القيامة، كما قال الله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ، والقبور تنشقُّ عن أصحابِها يوم القيامة، وأوَّلُ قبرٍ ينشقُّ عن صاحبِه قبرُ نبيِّنا محمد ﷺ كما قال ﷺ : "أنا سيِّدُ ولد آدم يوم القيامة، وأوَّلُ مَن ينشقُّ عنه القبرُ، وأوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشَفّع"، رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁. ولم يثبت في السُّنَّة ما يدلُّ على خلاف ذلك، وأنَّ الملائكةَ تنقل الموتى من مكان إلى مكان، بل قد جاء في

стр. 75

جامع الترمذي حديثُ أبي هريرة ﵁ في سؤال منكر ونكير للمؤمن والمنافق، وأنَّ كلاًّ منهما يكون في مضجعه، وفيه أنَّه يُقال للمؤمن: "نَمْ كنومَة العروس الذي لا يوقظُه إلاَّ أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". وفيه أنَّه يُقال للأرض في حقِّ المنافق: "الْتَئمِي عليه، فتَلْتَئمُ عليه، فتختلف أضلاعُه، فلا يزال فيها مُعذَّباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك"، وهو حديثٌ ثابتٌ، رجاله رجال مسلم. ١٢ عاب الكاتب على مَن زعم نصحَهم تعيينَ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ أستاذاً بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وعضواً في مجلسِها الأعلى، وزعم أنَّ الملكَ فيصلاً ﵀ طرَدَه، وأنَّه أُعيد إلى نفس المنصب بعد ذلك، ووصف كتبَه بأنَّها كاسدة!!!

стр. 76

والجواب: أنَّ الشيخَ العلاَّمةَ المحدِّث محمد ناصر الدِّين الألباني ﵀ معروفٌ لدى أهل الإنصاف بجهودِه العظيمة في خدمة السنَّة، وتسهيل الوصول إلى معرفة الأحاديث، وبيان مظانِّها وطرُقِها ومتابعاتها وشواهدها والحكم عليها. وقد عُيِّن مدرِّساً في الجامعة الإسلامية بالمدينة في السنوات الأولى من إنشائها، وعُيِّن عُضواً في مجلسها الأعلى، ثم انتهى التعاقد معه كما ينتهي التعاقد مع المدرِّسين غير السعوديين، وكنتُ مدرِّساً في الجامعة الإسلامية منذ تأسيسها، وما سمعتُ أنَّ الملكَ فيصلاً ﵀ طرد الشيخَ الألبانيَّ كما زعم الكاتب! والمجلسُ الأعلى للجامعة سابقاً يتألَّف من أعضاء، فيهم عشرة من خارج المملكة يصدر بتعيينهم أمرٌ مَلَكيٌّ لمدَّة ثلاث سنوات بناءً على ترشيح رئيس الجامعة. وقد كنتُ منذ عهد الملك فيصل ﵀ على وظيفة نائب رئيس الجامعة الإسلامية، وبعد انتقال الشيخ

стр. 77

عبد العزيز بن باز ﵀ من رئاسة الجامعة الإسلامية إلى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في شوال عام ١٣٩٥هـ، كنتُ المسئول الأول في الجامعة مدَّة أربع سنوات، فرشَّحتُ عشرة أعضاء في المجلس الأعلى للجامعة، فيهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، وتَمَّت الموافقة على تعيينهم، ويرجع اختيار الشيخ الألباني ﵀ إلى علمِه وفضله وجهودِه في خدمة السنَّة، وإلى كونه ناصراً للسُنَّة محذِّراً من البدع، رادًّ على المبتدعة. وأمَّا وصف الكاتب لكُتبِه بأنَّها كاسدة، فنعم هي كاسدةٌ عنده وأمثاله! أمَّا مَن له اشتغالٌ بالعلم واهتمامٌ بالسُنَّة فيحرص على اقتنائها والاستفادة منها. ١٣ أشاد الكاتبُ في أوراقه بإقامة احتفالات لِمولدِ رسول الله ﷺ ، وأَنكَرَ على مَن زعم نُصحَهم إنكارهم لذلك.

стр. 78

والجواب: أنَّ مَحَبَةَ الرسول ﷺ يجب أن تكون في قلبِ كلِّ مسلم أعظمَ من محبَّتِه لوالديه وولده والناسِ أجمعين، كما قال ﷺ : "لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِه وولدِه والناس أجمعين"، رواه البخاري ومسلم. بل يجبُ أن تكون أعظمَ من مَحبَّتِه لنفسِه، كما ثبت ذلك في حديث عمر ﵁ في صحيح البخاري، وإنَّما وجب أن تكون مَحبَّتُه ﷺ أعظمَ مِن مَحبَّة النفسِ والوالِدِ والولَدِ؛ فلأنَّ النِّعمةَ التي ساقها اللهُ للمسلمين على يديه ﷺ وهي نعمةُ الهدايةِ للصراطِ المستقيم، نعمةُ الخروج من الظلمات إلى النُّورِ هي أَجَلُّ النِّعم وأعظَمُها، لا يُساويها نعمةٌ ولا يُماثلُها نعمة. والعلامةُ الواضحةُ الجليَّةُ لِمَحبَّتِه ﷺ اتِّباعُ ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابُه الكرام ﵃، وذلك بتصديقِ الأخبار، وامتثالِ الأوامرِ، واجتنابِ النَّواهي، وأن تكون العبادةُ لله مُطابقةً لِما جاء في الكتاب والسُّنَّة.

стр. 79

ومِن المعلوم أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يأتِ عنه شيءٌ يدلُّ على احتفاله بِمولِده، وكذا لَم يأتِ شيءٌ من ذلك عن أصحابِه الكرام، ولا عن التابعين وأتباعِ التابعين، ومَضتِ القرونُ الثلاثةُ الأولى ليس فيها شيءٌ من الاحتفالات بمولِده ﷺ ، وأولُ مَن عُرف عنه إحداثُ الاحتفال بالموالدِ ومنها مولده ﷺ العُبَيدِيُّون الذين حَكموا مصرَ، الذين يُقال لهم: الفاطميين، وكان بدءُ حكمهم مصر في القرن الرابع الهجري، فقد ذكر تقيُّ الدِّين أحمد بن علي المقريزي في كتابه: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (١/٤٩٠) أنَّه كان للفاطميِّين في طول السَّنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرةٌ جدًّا، ومنها مولدُ الرسول ﷺ ، ومولد عليٍّ وفاطمة والحسن والحُسين ﵃، ومولد الخليفة الحاضر. وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (٥٦٧هـ) ، وهي السنةُ التي انتهت فيها دولتُهم بموتِ آخرهم العاضد، قال: "ظهرتْ في دولتِهم البدعُ

стр. 80

والمنكرات، وكثُرَ أهلُ الفساد، وقلَّ عندهم الصالِحون من العلماء والعُبَّاد ... ". وذكر ابن كثير قبل ذلك بقليل أنَّ صلاح الدِّين قطع الأذانَ بِحيَّ على خير العمل من مصر كلِّها. وفي القول بالاحتفال بمولد الرسول ﷺ تقليدٌ للنصارى في احتفالهم بميلادِ عيسى ﵊، فقد قال السخاويُّ في كتابه التبر المسبوك في ذيل السلوك (ص:١٤) : "وإذا كان أهلُ الصَّليب اتَّخذوا ليلة مولِد نبيِّهم عيداً أكبر، فأهل الإسلام أولَى بالتكريمِ وأجدَر!!! ". وتعقَّبه مُلاَّ علي القاري في كتابه المورد الروي في المولد النبوي (ص:٢٩، ٣٠) بقوله: "قلت: مِمَّا يَرِدُ عليه أنَّا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب". أورد النقل عنهما الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري ﵀ في كتابه القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرُّسل وهو ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النَّبوي (٢/٦٣٠ ٦٣١) .

стр. 81

وكتاب الأنصاريِّ هذا من أحسن ما أُلِّف في هذه المسألةِ التي ابتُلي بها كثيرٌ من الناس منذ أن أُحدثت في القرن الرابع إلى الآن. وإذاً فالمُحْدِثون لبدعة الموالدِ الرافضةُ العُبيديُّون، والمقلَّدون فيها النصارى الضَّالُّون، وصدق الرسول الكريمُ ﷺ في قوله: "لتَتبعُنَّ سَنَن مَن كان قبلكم، شِبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ تَبِعتموهم. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟ "، رواه البخاريُّ ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ١٤ قال الكاتبُ: "كان للمذاهب الأربعة في الحَرم المكيِّ منابر، فهدمتُموها، ثمَّ كراسي للتدريس، فمنعتموها ... ". واستنكرَ قولَ أحد المُدرِّسين في المسجد النَّبوي: إنَّ

стр. 82

أبوي رسول الله ﷺ في النار، واستشهد لإنكارِه بقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا﴾ ، وبقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ !!! وعوَّل في نجاةِ الأَبَوين على رسائل للسيوطي في ذلك. والجواب: أن يُقال: يُريد الكاتبُ بالمنابر المهدومة المقامات التي على أطراف المطاف سابقاً، والتي يُقال لها: مقام الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وكانت موجودةً قبل ولاية الملك عبد العزيز ﵀، وكان كلُّ أصحاب مذهبٍ يُصلُّون على حِدَةٍ عند هذه المقامات، فكان من أعظمِ حسناتِ الملك عبد العزيز ﵀ أنَّه منذ بدء ولايتِه قضَى على هذا التفرُّق في الصلاة حول الكعبة، وجمع النَّاسَ على إمامٍ واحد يُصلِّي بهم مجتمعين غير متفرِّقين، وقد بقيت البناياتُ التي يُقال لها المقامات إلى أن أُزيلت عند توسِعة المطاف، وقد شاهدتُها عندما حججتُ فرضي سنَة (١٣٧٠هـ) .

стр. 83

وقد سمعتُ من الدكتور محمد تقي الدِّين الهلالي ﵀، وهو مِمَّن أدرك ذلك الوقت يذكر أنَّ واحداً مِمَّن آلَمَهم ذلك التفرُّق تحدَّث مع واحدٍ من المتعصِّبين مُنكِراً لذلك التفرُّق، فكان جواب ذلك المتعصِّب أن قال: الدليل على أنَّكم لستم على حقٍّ أنَّه ليس لكم مقامٌ حول الكعبة، فكان جواب المنكِر لذلك التفرُّق: يكفي المسلمين جميعاً مقامُ إبراهيم، ولا يحتاجون إلى مقامات أخرى!! والكاتبُ في أوراقِه يُظهرُ التألُّمَ من فُرقة المسلمين في هذا الزمان، فيقول: "بلادُ أمريكا وأوربا وصلها داؤكم الدَّفين، فاشتعلَ الخلافُ في مساجدِ ومدارس المسلمين، هذا تابعٌ لابن باز وابن عُثيمين، يُكفِّرُ الصوفيةَ والذَّاكرين، وهذا أشعريٌّ أو ماتريديٌّ، وهذا ديوبَنديٌّ أو بريلوي ... إلخ، يُحاربُ بعضُهم بعضاً، ويُحرِّم الصلاة خلفهم، والزواج والتواصل فيما بينهم، ويقطع أواصرَ الدِّين ... ". فإذا كان هذا تألُّمُه لفُرقةِ المسلمين في أوربا وأمريكا،

стр. 84

فما باله يتألَّم ويحزن لوِحدتِهم وزوال فُرقتِهم عند الكعبة، فينقمُ على مَن كانوا سبباً في هذه الوِحدةِ، ويقول: "كان للمذاهب الأربعة في الحَرم المكيِّ منابر، فهدمتُموها"؟!! وهذا التناقضُ من الكاتبِ في تأَلُّمِه على الفُرقة في أمريكا وأوربا، وتألُّمه وحُزنِه على وِحدة المسلمين في صلاتِهم عند الكعبة ناشيءٌ عن اتِّباعِ الهَوَى والنَّيلِ مِمَّن يَدْعو إلى الحقِّ والهدى، وما أحسن قول أبي عثمان النيسابوري ﵀: "مَن أمَّر السُّنَّةَ على نفسِه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسِه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة". ثمَّ ما علاقةُ مَن أراد نُصحَهم بتفَرُّق غيرهم إلى أشعريٍّ أو ماتريديٍّ، وديوبَنديٍّ أو بريلويٍّ ... إلخ، على حدِّ قوله. وقوله: "هذا تابعٌ لابن باز وابن عُثيمين، يُكفِّرُ الصوفيةَ والذَّاكرين"، هو من الإفكِ المُبين، كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك.

стр. 85

وأمَّا التدريسُ في المسجد الحرام والمسجد النَّبَويِّ، فهو مستَمرٌّ وقائمٌ والحمد لله في التفسير والحديث والفقه وغيرها، وأذكرُ أنَّ مِمَّا دُرِّس في المسجد النَّبَويِّ موطأ الإمام مالك ﵀، درَّسه كلٌّ من الشيخ عطية محمد سالم، والشيخ عمر محمد فلاتة رحمهما الله، ومقتضى الولاية والأمانة والنُّصح للمسلمين ألاَّ يُسمح لكلِّ مَن أراد أن يفتحَ فاه في المسجدَين الشريفين. وأمَّا إنكارُه القول بأنَّ أبوي رسول الله ﷺ في النار فلا وجه له؛ لأنَّ الذي قال ذلك هو رسول الله ﷺ ، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار"، فلمَّا قَفَّى دعاه، فقال: "إنَّ أبي وأباك في النَّار". وقد بوَّب النَّوويُّ لهذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم بقوله: "باب: بيان أنَّ مَن مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقرَّبين". وقال في شرحه: "وفيه أنَّ مَن مات في الفترة على ما

стр. 86

كانت عليه العربُ من عبادة الأوثان فهو في النَّار، وليس هذا مُؤاخذة قبل بلوغ الدَّعوة؛ فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوةُ إبراهيم وغيره من الأنبياء صلواتُ الله تعالى وسلامه عليهم". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنتُ ربِّي أن أستغفرَ لأُمِّي فلَم يأذن لِي، واستأذنتُه أن أزورَ قبرَها فأذِن لِي". وفيه أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: "زار النَّبِيُّ ﷺ قبرَ أُمِّه، فبَكى وأبْكى مَن حوله، فقال: استأذنتُ ربِّي في أن أَستغفرَ لَها فلَم يُؤذن لِي، واستأذنتُه في أن أزورَ قبرَها فأذِنَ لِي، فزوروا القبورَ؛ فإنَّها تُذكِّرُ الموتَ". قال النوويُّ في شرحه هذا الحديث: "فيه جوازُ زيارةِ المشركين في الحياة، وقبورِهم بعد الوفاة؛ لأنَّه إذا جازت زيارتُهم بعد الوفاة ففِي الحياة أولَى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ، وفيه النَّهيُ عن الاستغفار للكفَّار، قال القاضي عياض ﵀: سببُ

стр. 87

زيارتِه ﷺ قبرها أنَّه قصَد قوة الموعظة والذِّكرى بمُشاهدةِ قبرِها؛ ويُؤيِّده قوله ﷺ في آخر الحديث: "فزوروا القبور؛ فإنَّها تُذِّكركم الموت". وقال أيضاً: "قوله: فبكى وأَبْكى من حوله، قال القاضي: بكاؤُه ﷺ على ما فاتها من إدراك أيَّامِه والإيمان به". وقال البيهقيُّ في السنن الكبرى (٧/١٩٠) : "وأبواه كانا مشركَين؛ بدليل ما أخبرنا ... "، ثمَّ ساق بإسناده حديثَ أنسٍ: "إنَّ أبي وأباك في النَّار"، وبإسنادِه حديث أبي هريرة في استئذانِه ﷺ في أن يستغفرَ لأمِّه فلَم يُؤذن له، وهما اللَّذان أخرجهما مسلم. وعلى هذا فالثابتُ عن رسول الله ﷺ كون أَبوَيه ماتا مشركَين، وأنَّهما في النَّار، ولَم يثبت شيءٌ يدلُّ على خلاف ذلك، وما ذكره مَن قال بإحيائهما له ﷺ وإسلامِهما ليس بصحيح؛ لعدم ثبوته من حيث الإسناد؛ لأنَّ فيه مجاهيل، كما ذكر ذلك ابنُ كثير وغيرُه.

стр. 88

وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/٣٢٤ ٣٢٧) : "سُئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّ الله ﵎ أحيا له أَبَويه حتى أَسلَما على يديْه، ثمَّ ماتَا بعد ذلك؟ فأجاب: لَم يصحَّ ذلك عن أحدٍ من أهل الحديث، بل أهلُ المعرفة مُتَّفقون على أنَّ ذلك كذبٌ مُختَلَقٌ، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر يعني الخطيب في كتابه السابق واللاحق، وذكره أبو القاسم السُّهيلي في شرح السيرة بإسنادٍ فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبيُّ في التذكرة، وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنَّه من أظهرِ الموضوعات كذباً كما نصَّ عليه أهلُ العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدَة في الحديث، لا في الصحيح، ولا في السنن، ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يَروُون الضعيفَ مع الصحيح؛

стр. 89

لأنَّ ظهورَ كذب ذلك لا يخفى على مُتديِّن، فإنَّ مثلَ هذا لو وقعَ لكان مِمَّا تتوافرُ الهِمَمُ والدَّواعي على نقلِه، فإنَّه من أعظمِ الأمورِ خرقاً للعادة من وجهين: من جهة إحياءِ الموتى، ومن جهةِ الإيمانِ بعد الموتِ، فكان نقلُ مثل هذا أولَى من نقلِ غيرِه، فلَمَّا لَم يروِه أحدٌ من الثقاتِ عُلِم أنَّه كذبٌ. والخطيبُ البغداديُّ هو في كتاب "السابق واللاحق" مقصوده أن يذكر مَن تقدَّم ومَن تأخَّر من المُحدِّثين عن شخصٍ واحد، سواء كان الذي يروونه صدقاً أو كذباً، وابنُ شاهين يروي الغثَّ والسَّمينَ، والسُّهيليُّ إنَّما ذكر ذلك بإسنادٍ فيه مجاهيل. ثمَّ هذا خلاف الكتاب والسُّنَّة الصحيحة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ

стр. 90

الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ . فبيَّن الله تعالى أنَّه لا توبة لِمَن مات كافراً، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ﴾ ، فأخبر أنَّ سنَّتَه في عبادِه أنَّه لا ينفع الإيمانُ بعد رؤية البأس، فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من النصوص. وفي صحيح مسلم: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ ﷺ : أين أبي؟ قال: "إنَّ أباكَ في النار"، فلمَّا أدبَر دعاه، فقال: "إنَّ أبي وأباك في النَّار". وفي صحيح مسلم أيضاً أنَّه قال: "استأذنتُ ربِّي أن أزورَ قبرَ أمِّي فأذِن لِي، واستأذنته في أن أستغفرَ لها فلَم يأذن لِي، فزوروا القبورَ؛ فإنَّها تُذكِّرُ الآخرة". وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: "إنَّ أمِّي مع أُمِّك في النَّار". فإن قيل: هذا في عام الفتح، والإحياءُ كان بعد ذلك

стр. 91

في حَجَّة الوداع، ولهذا ذكر ذلك مَن ذكره، وبهذا اعتذر صاحبُ التذكرة، وهذا باطلٌ لوجوه: الأول: إنَّ الخبرَ عمَّا كان ويكون لا يدخله نسخٌ، كقوله في أبي لَهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ، وكقوله في الوليد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ . وكذلك في: "إنَّ أبي وأباك في النار"، و "إنَّ امِّي وأمَّك في النَّار"، وهذا ليس خبراً عن نارٍ يخرج منها صاحبُها كأهل الكبائر؛ لأنَّه لو كان كذلك لجاز الاستغفارُ لهما، ولو كان قد سبق في علمِ الله إيمانُهما لَم يَنهَهُ عن ذلك، فإنَّ الأعمالَ بالخواتيم، ومَن ماتَ مؤمناً فإنَّ الله يغفرُ له، فلا يكون الاستغفارُ له مُمتَنِعاً. الثاني: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ زارَ قبرَ أُمِّه؛ لأنَّها كانت بطريقه بالحجون عند مكة عام الفتح، وأمَّا أبوه فلم يكن هناك، ولم يَزُره؛ إذ كان مدفوناً بالشام في غير طريقه، فكيف يُقال: أُحْيِيَ له؟! الثالث: إنَّهما لو كانا مؤمنين إيماناً ينفع كانا أحقَّ

стр. 92

بالشُّهرةِ والذِّكر من عمَّيه: حمزة، والعباس، وهذا أبعد مِمَّا يقوله الجُهَّال من الرافضة ونحوهم مِن أنَّ أبا طالب آمن، ويحتجُّون بِما في السيرة من الحديث الضعيف، وفيه أنَّه تكلَّم بكلامٍ خفيٍّ وقت الموت. ولو أنَّ العبَّاس ذكر أنَّه آمن لَمَا كان قال للنبيِّ ﷺ : عمُّك الشيخ الضَّال كان ينفعُك، فهل نفعتَه بشيءٍ؟ فقال: "وجدتُه في غمرة من نارٍ، فشفعتُ فيه حتى صار في ضحضاحٍ من نار، في رجليه نعلان من نارٍ يَغلِي منهما دماغُه، ولولا أنا لكان في الدَّرك الأسفل من النار". هذا باطلٌ مُخالفٌ لِما في الصحيح وغيره، فإنَّه كان آخر شيءٍ قاله: هو على ملَّة عبد المطلب، وأنَّ العبَّاس لَم يشهد موتَه، مع أنَّ ذلك لو صحَّ لكان أبو طالبٍ أحقَّ بالشُّهرةِ من حمزة والعبَّاس، فلَمَّا كان من العلم المتواترِ المستفيض بين الأُمَّة خلفاً عن سلَفٍ أنَّه لَم يُذكَر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يُذكرُ من أهله المؤمنين، كحمزة، والعبَّاس، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين

стр. 93

رضي الله عنهم، كان هذا من أَبيَنِ الأدلَّةِ على أنَّ ذلك كذبٌ. الرابع: أنَّ الله تعالى قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ ، الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ . فأمرَ بالتَّأسي بإبراهيم والذين معه، إلاَّ في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار، وأخبرَ أنَّه لَمَّا تبيَّن له أنَّه عدوٌ لله تبرَّأ منه، والله أعلم". اه. وأمَّا تعويلُ الكاتب على رسائل السيوطي في نجاةِ الأَبَوَين، فجوابُه أنَّ السيوطيَّ لَم يأت بشيء ثابتٍ في ذلك يُعوَّلُ عليه، وقد ألَّف الشيخ علي مُلاَّ القاري الحنفي رسالةً في الردِّ عليه، وبيان أدلة معتقد أبي حنيفة في ذلك. وقال فيها (ص:٨٥ ٨٧) : "والعجبُ من الشيخ

стр. 94

جلال الدِّين السيوطي مع إحاطتِه بهذه الآثار التي كادت أن تكون متواترةً في الأخبار أنَّه عَدَل عن مُتابعةِ هذه الحجَّة، وموافقة سائر الأئمَّة، وتَبِع جماعةً من العلماء المتأخِّرين، وأورد أدلَّةً واهيةً في نظر الفضلاء المعتَبَرين، منها أنَّ الله سبحانه أحيا له أبويه حتى آمنا به؛ مُستدلاًّ بِما أخرجه ابنُ شاهين في الناسخ والمنسوخ، والخطيب البغدادي في السابق واللاحق، والدارقطني وابن عساكر، كلاهما في غرائب مالك بسندٍ ضعيف عن عائشة ﵂ قالت: (حجَّ بنا رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم حجَّةَ الوداع، فَمَرَّ بي على عَقبة الحجون، وهو باكٍ حزينٌ مغتَمٌّ، فنزل، فمكث عنِّي طويلاً، ثمَّ عاد إليَّ وهو فرِحٌ، فتبسَّم، فقلتُ له؟ فقال: ذهبتُ لقبر أُمِّي، فسألتُ الله أن يُحيِيَها، فآمنت بِي، وردَّها الله . وهذا الحديثُ ضعيفٌ باتِّفاق المُحدِّثين، كما اعترف به السيوطي، وقال ابن كثير: إنَّه منكرٌ جدًّا، ورواتُه مجهولون". اه.

стр. 95

ثمَّ كيف يزعم الكاتبُ أنَّ القولَ بكون أَبَوي الرسول ﷺ في النار فيه إيذاءٌ للرَّسول ﷺ ، وهو مَبنِيٌّ على سُنَّةٍ ثابتةٍ عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وغيره؟!! بخلاف القول بإحياءِ الأبَوين وإسلامهما وهو الذي عوَّل عليه الكاتب فإنَّه لَم يثبت في السُّنَّةِ عن رسول الله ﷺ ، وهو قولٌ على الله ورسوله بغير علم، وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . ١٥ قال الكاتبُ: "كفَّرتُم ابنَ عَرَبي، ثمَّ أَلحقتُم به حُجَّةَ الإسلام الغزالي، ثمَّ التَفَتُّم لأبي الحسن الأشعري". والجواب: أن يُقال: أمَّا أبو الحسن الأشعريّ، فإنَّ آخرَ أمرِه أنَّه في الاعتقاد على طريقةِ أهل الحديث، كما جاء ذلك عنه في كتابَيه: المقالات، والإبانة.

стр. 96

والأشاعرةُ المنتَسِبون إليه ليسوا على عقيدتِه التي هو عليها في آخر أمرِه، وعلى هذا فأيُّ تكفيرٍ أو تبديعٍ حصل له مِمَّن زعم الكاتبُ نُصحَهم؟! وأمَّا الغزالي فهو في الاعتقادِ على طريقة المتكلِّمين، ولكن نقل بعضُ العلماء ما يدلُّ على رجوعِه، قال ابنُ أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية (ص:٢٤٣ ٢٤٤) وهو في مَعرض ذكره جماعةً من المتكلِّمين حصلت لهم الحيرة قال: "وكذلك الغزالي ﵀ انتهى آخرُ أمرِه إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلاميَّة، ثمَّ أعرَضَ عن تلك الطُّرُق، وأقبَل على أحاديث الرَّسول ﷺ ، فمات و (البخاري) على صدره". وكتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" اشتمل على التحذير من الاشتغال بعلم الكلام، والحثِّ على الاشتغال بالكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأُمَّة. وعلى هذا فمن أين للكاتبِ أنَّ مَن زعم نُصحَهم كفَّروه؟!

стр. 97

وأمَّا ابن عَربي الطائي صاحب الفصوص، القائل بوحدة الوجود، فإنَّ مَن يقف على كلامِه في فصوصه لا يتوقَّف في تكفيرِه، وقد ألَّف الشيخ برهان الدِّين البقاعي المتوفى سنة (٨٨٥هـ) كتاباً سَمَّاه: "تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي"، يقع في (٢٤١) صفحة، قال في مقدِّمتِه: "وبعد، فإنِّي لَمَّا رأيتُ الناسَ مضطربِين في ابن عربي المنسوب إلى التصوُّف، الموسوم عند أهل الحق بالوحدة، ولم أرَ مَن شفى القلبَ في ترجمته، وكان كفرُه في كتابه الفصوص أظهرَ منه في غيره أحببتُ أن أذكرَ منه ما كان ظاهراً؛ حتى يُعلم حالُه، فيُهجر مقالُه، ويُعتقَد انحلالُه، وكفرُه وضلالُه، وأنَّه إلى الهاوية مآبُه ومآلُه، وامتثالاً لِما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لَم يستطع فبلسانه، فإن لَم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان"، وفي رواية عن عبد الله بن مسعود: "وليس وراء ذلك من الإيمان مثقالُ حبَّةٍ من خَردَل".

стр. 98

وما أَحضَر إليَّ النسخة التي نقلتُ ما تراه إلاَّ شخصٌ من كبار مُعتقديه وأتباعه ومُحبِّيه". إلى أن قال: "وسَمَّيتُ هذه الأوراق "تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي"، وإن شئتَ فسمِّها "النصوص من كفر الفصوص"؛ لأنِّي لَم أستشهد على كفرِه وقبيحِ أمرِه إلاَّ بما لا ينفع معه التأويل من كلامِه، فإنَّه ليس كلُّ كلامٍ يُقبل تأويلُه وصرفُه عن ظاهرِه". اه. وأَكتفي بأن أنقلَ للأذكياء والأغبياء جُملاً من كلام ابن عربي في فصوصه التي أوردها البقاعيُّ في كتابه، مشيراً في ذلك إلى الصفحات المنقول منها، ثمَّ أُشيرُ إلى جملة الذين نقل عنهم القول بتكفيره أو ذمِّه ذمًّا شنيعاً، مع ذكر أسماء جماعة من الذين صرَّحوا بكفرِه أو ذمِّه ذمًّا شنيعاً، ونقل شيءٍ من كلامِهم في ذلك. فمِن أقوال ابن عربي: قوله (ص:٤٩) : " ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ : وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري!!

стр. 99

﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ﴾ : أي بِما يَميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه رأيتُم صورتَكم فيه، فمَن تخيَّل منكم أنَّه رآه فما عرف! ومَن عرف منكم أنَّه رأى نفسَه فهو العارف!! فلهذا انقسم الناسُ إلى غير عالِم وعالِم!!! ". وقوله (ص:٥١) : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَن لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ : أي حكم، فالعالم يعلم مَن عَبد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر حتى عُبد، وأنَّ التفريقَ والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقِوى المعنويَّة في الصورة الروحانية، فما عُبد غير الله في كلِّ معبود!!! ". وقوله (ص:٦٠) : ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ﴾ : أي: تَدَعهم وتتركهم، ﴿يُضلُّوا عِبَادَكَ﴾ : إلى الخير!! فيُخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أرباباً بعد ما كانوا عند أنفسِهم عبيداً، فهم العبيد الأرباب!!! ". وقوله (ص:٦٠ ٦١) : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ : استرني، واستر من أجلي، فيُجهل مقامي وقدري، كما جُهل

стр. 100

قدرُك في قولك، ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ . ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ : من كنتُ نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة!! ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أي: قلبي!! ﴿مُؤْمِنًا﴾ : أي مصدِّقاً لما يكون فيه من الإخبارات الإلَهية، وهو ما حدثت به أنفسها!! ﴿وَلِلمُؤْمِنِينَ﴾ : من العقول!! ﴿وَلِلمُؤْمِنَاتِ﴾ : من النفوس!! ". وقوله (ص:٦١) : "ومن أسمائه الحسنى: العلي، على مَن وما ثمَّ إلاَّ هو؟!!! فهو العليُّ لذاته. أو عن ماذا، وما هو إلاَّ هو؟!!! فعلُوُّه لنفسه، وهو من حيث الوجود عينُ الموجودات، فالمسمَّى مُحدثات هي العليَّة لذاتها، وليست إلاَّ هو!! ". وقوله (ص:٦٢) : "فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال

стр. 101

ظهوره، وما ثمَّ من يراه غيره، وما ثَمَّ مَن يُبطنُ عنه، فهو ظاهر لنفسه، باطنٌ عنه، وهو المسمَّى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المُحدثات!!! ". وقوله (ص:٦٨) : ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ : فما نكح سوى نفسه، فمنه الصاحبة والولد، والأمر واحدٌ في العدد!!! ". وقوله (ص:٨٤) : " ﴿مَا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ : فكلُّ ماشٍ فعلى صراط الربِّ المستقيم، فهم غير مغضوب عليهم من هذا الوجه، ولا ضالُّون، فكما كان الضلالُ عارضاً، فكذلك الغضبُ الإلَهي عارض، والمآل إلى الرَّحمة التي وسعت كلَّ شيء!!! ". وقوله (ص:٨٩) : "ألا ترى عاداً قوم هود كيف قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ؟ فظنُّوا خيراً بالله تعالى وهو عند ظنِّ عبده به فأضرب لهم الحقُّ عن هذا القول، فأخبرهم بما هو أتَمُّ وأعلى في القُرب؛ فإنَّه إذا

стр. 102

أمطرهم فذلك حظُّ الأرض وسقي الحبِّ، فما يَصِلون إلى نتيجة ذلك المطر إلاَّ عن بُعد، فقال لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، فجعل الرِّيحَ إشارةً إلى ما فيها من الراحة؛ فإنَّ بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسدف المدلهمة!! وفي هذه الريح عذابٌ، أي: أمرٌ يستعذبونه إذا ذاقوه، إلاَّ أنَّه يوجِعُهم لفُرقة المألوف!! ". وقوله (ص:٩٣) : "فقُلْ في الكون ما شئتَ، إن شئتَ قلتَ: هو الخلق، وإن شئتَ قلتَ: هو الحق، وإن قلتَ: هو الحقُّ الخلق، وإن شئتَ قلتَ: لا حق من كلِّ وجه، ولا خلق من كلِّ وجه، وإن قلتَ بالحيرة في ذلك؛ فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب، ولولا التحديدُ ما أخبرت الرُّسل بتحوُّل الحقِّ في الصُّوَر، ولا وصفته بخلع الصُّوَر عن نفسه: فلا تنظر العينُ إلاَّ إليه ولا يقع الحكم إلاَّ عليه!! ". وقوله (ص:١٠٢) : "وأمَّا أهل النار فمآلُهم إلى

стр. 103

النَّعيم، ولكن في النَّار؛ إذ لا بدَّ لصورة النَّار بعد انتهاء مدَّة العقاب أن تكون برداً وسلاماً على مَن فيها!! وهذا نعيمُهم، فنعيمُ أهل النَّار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين أُلقيَ في النَّار!!! فإنَّه ﵇ تعذَّب برؤيتِها وبما تعوَّد في علمِه وتقرَّر من انَّها صورةٌ تؤلِم مَن جاوَرَها من الحيوان، وما علم مرادَ الله فيها ومنها في حقِّه، فبعد وجود هذه الآلام وَجَدَ برداً وسلاماً، مع شهود الصورة اللونية في حقِّه، وهي نارٌ في عيون الناس، فالشيءُ الواحد يتنوَّع في عيون الناظرين، هكذا هو التجلِّي الإلَهي!!! ". وقوله (ص:١١٢) : "وكان موسى ﵇ أعلمَ بالأمر من هارون؛ لأنَّه علم ما عَبَده أصحابُ العِجل؛ لعلمه بأنَّ الله قضى ألاَّ نعبدَ إلاَّ إيَّاه، وما حكم الله بشيء إلاَّ وقع، فكان عتْبُ موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتِّساعه؛ فإنَّ العارفَ مَن يرى الحقَّ في كلِّ شيء، بل يراه عينَ كلِّ شيء!!! ".

стр. 104

قال الشيخ زين الدِّين العراقي: "هذا الكلامُ كفرٌ من قائلِه من وجوه: أحدها: أنَّه نسب موسى ﵇ إلى رضاه بعبادة قومِه للعجل. الثاني: استدلالُه بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَن لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ، على أنَّه قدَّرَ أن لا يُعبد إلاَّ هو، وأنَّ عابدَ الصنَمِ عابدٌ له. الثالث: أنَّ موسى ﵇ عتبَ على أخيه هارون ﵉ إنكاره لِما وقع، وهذا كذبٌ على موسى ﵇، وتكذيب لله فيما أخبر به عن موسى من غضبِه لعبادتِهم العجل. الرابع: أنَّ العارفَ يرى الحقَّ في كلِّ شيءٍ، بل يراه عين كلِّ شيء، فجعل العجلَ عين الإلَه المعبود!!! فليعجب السامعُ لمثل هذه الجُرأة التي لا تصدر مِمَّن في قلبِه مثقال ذرَّة من إيمان! ".

стр. 105

وقوله (ص:١١٨) عند قوله تعالى: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ : "وكان قرَّةَ عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهَّراً، ليس فيه شيءٌ من الخبَث؛ لأنَّه قبضه عند إيمانِه قبل أن يكتسبَ شيئاً من الآثام، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبله، وجعله آيةً على عنايتِه بِمَن شاء؛ حتى لا ييأس أحدٌ من رحمة الله، فإنَّه لا ييأس من رَوْحِ الله إلاَّ القوم الكافرون!!! ". وبعد وقوفِ القارئ على هذه النقول من كتاب الفصوص لابن عربي بواسطة كتاب الشيخ برهان الدِّين البقاعي، وهي في غاية السوءِ، وقائلُها في غاية الجُرأة على الله، أُضيف إلى ذلك نقلاً عنه في مطلع كتابه الفصوص، فيه الجرأةُ على رسول الله ﷺ ، في رؤيا مناميَّة زعم فيها أنَّ رسول الله ﷺ أعطاه كتاب الفصوص، وأمره بأن يخرجَ به إلى الناس لينتفعوا به، وهو قوله (ص:٣٨) : "أمَّا بعد، فإنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ في مُبَشرة أُريتُها في العشر الآخر من محرَّم سنة سبعٍ وعشرين وستمائة

стр. 106

بمحروسة دمشق، وبيده كتابٌ، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحِكَم! خذْه، واخرُج به إلى الناس ينتفعون به، فقلتُ: السَّمعُ والطاعةُ لله ولرسوله وأولي الأمر منَّا، كما أُمرنا، فحققتُ الأُمنية، وأخلصتُ النيَّة، وجرَّدتُ القصدَ والهِمَّة إلى إبراز هذا الكتاب كما حدَّه لي رسولُ الله ﷺ من غير زيادةٍ ولا نقصان". وإذا كان ابنُ عربي صادقاً في حصول رؤياه، فلا شكَّ أنَّه لَم ير النَّبِيَّ ﷺ ، وإنَّما رأى شيطاناً، وقد قال الشيخ بدر الدِّين بنُ جماعة: "وحاشا رسول الله ﷺ أن يأذن في المنامِ فيما يُخالفُ أو يُضادُّ قواعدَ الإسلامِ، بل ذلك من وساوِس الشيطان ومحنتِه، وتلاعبه برأيه وفتنتِه، وأمَّا إنكارُه يعني ابن عربي ما ورد في الكتاب والسُّنَّة من الوعيد، فهو كافرٌ به عند علماء التوحيد، وكذلك قوله في نوح وهود ﵉ قول لغو باطل مردود". تنبيه الغبي (ص:١٤٠) . وبعد هذا أقول للبوطي والرِّفاعي: هذا التَّائه الذي

стр. 107

يقول (بإيمان فرعون، وأنَّ عذابَ النَّار نعيمٌ لأهلها، وأنَّ عُبَّادَ العِجل إنَّما عبدوا الله؛ لأنَّه حالٌّ في المخلوقات، وأنَّ الريحَ التي عُذِّبت بها عادٌ راحةٌ لهم وأمرٌ يستعذبونه!!!) . أقول: هذا التَّائهُ القائل بهذا الكفر، ألاَ يكون كافراً عدوًّا لله؟! ومع هذه الأقوال القبيحة الشنيعة هو عند جماعات من الصوفيَّة ولِيٌّ من أولياء الله!! ثمَّ ألاَ يستحقُّ ابنُ عربي الذمَّ من البوطيِّ والرفاعيِّ، أم أنَّ الأحقَّ بذمِّهما مَن زعمَا نُصحَهم، وعابَا عليهم تكفيره؟! ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ؟! ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ؟! ومعلومٌ أنَّ الباءَ في مثل هذا تدخل على المتروك. وأمَّا العلماء الذين نقل عنهم البقاعيُّ تكفيرَ ابن عربي أو ذمَّه ذمًّا شنيعاً، فعددهم يُقاربُ الخمسين. ومِمَّن نقل عنهم القولَ بكفره:

стр. 108

الحافظ ابن حجر العسقلاني وشيخه سراج الدِّين عمر البلقينِي (ص:١٥٩) ، وزين الدِّين العراقي (ص:٥٢) ، وابنه أبو زرعة وليُّ الدِّين العراقي (ص:١٢٤) ، وشمس الدِّين الذهبي (ص:١٦١) ، وعبد الرحمن بن خلدون (ص:١٦٣) ، وبدر الدِّين بن جماعة (ص:١٤٠) ، وشمس الدِّين محمد بن يوسف الجزري (ص:١٤١) ، وحفيدُه إمام القرَّاء محمد بن محمد الجزري صاحب الجزرية (ص:١٧٦) ، وعلي بن يعقوب البكري (ص:١٤٤) ، ومحمد بن عقيل البالسي (ص:١٤٦) ، وابن هشام، صاحب مغني اللبيب، وأوضح المسالك في ألفية ابن مالك (ص:١٥٠) ، وشمس الدِّين محمد العيزري (ص:١٥٢) ، وعلاء الدِّين البخاري الحنفي (ص:١٦٤) ، وعلي بن أيوب (ص:١٨٢) ، وشرف الدِّين عيسى بن مسعود الزواوي المالكي (ص:١٤٣) ، وشمس الدِّين الموصلي (ص:١٥٤) ، وزين الدِّين عمر الكتاني (ص:١٤٢) ، وبرهان الدِّين السفاقينِي (ص:١٥٩) ، وسعد الدِّين الحارثي الحنبلي (ص:١٥٣) ،

стр. 109

ورضي الدِّين بن الخياط (ص:١٦٣) ، وشهاب الدِّين أحمد ابن علي الناشري (ص:١٦٣) . ومِن الذين ذمُّوه ذمًّا شنيعاً يدلُّ على تكفيره: محمد بن علي النقاش، قال في وحدة الوجود (ص:١٤٧) : "وهو مذهبُ المُلحدين، كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، مِمَّن يجعلُ الوجودَ الخالق هو الوجود المخلوق!! ". ومنهم: أبو حيَّان الأندلسي صاحبُ التفسير، فقد ذكر في تفسير سورة المائدة عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ بنُ مَرْيَمَ﴾ (ص:١٤٢ ١٤٣) : "ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط مَن أقرَّ بالإسلامِ ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلولَ الله في الصُّوَر الجميلة، ومَن ذهب من ملاحدَتِهم إلى القول بالاتِّحاد والوحدة كالحلاَّج، والشعوذي، وابن أحلى، وابن عربي المقيم بدمشق، وابن الفارض، وأتباع هؤلاء كابن سبعين" وعدَّ جماعةً ثمَّ قال: "وإنَّما سردتُ هؤلاءِ نصحاً لدين الله يعلمُ اللهُ ذلك وشفقَةً على ضعفاء المسلمين.

стр. 110

وليُحذَروا؛ فإنَّهم شرٌّ من الفلاسفة الذي يُكذِّبون اللهَ ورسلَه، ويقولون بِقِدم العالَم، ويُنكرون البعثَ، وقد أُولِع جهلةٌ مِمَّن ينتمي إلى التصوُّف بتعظيمِ هؤلاء، وادِّعائهم أنَّهم صفوةُ الله!! ". ومِنهم: تقيُّ الدِّين السُّبكي (ص:١٤٣) ، فقد قال: "ومَن كان من هؤلاء الصوفية المتأخِّرين كابن عربي وغيره، فهم ضُلاَّلٌ جُهَّالٌ، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء". وقد مرَّ نقلُ كلام بدر الدِّين بن جماعة وزين الدِّين العراقي في تكفير ابن عربي، ومِن أقوال الذين صرَّحوا بتكفيره قول إمام القرَّاء شمس الدِّين بن الجزري (ص:١٧٥ ١٧٦) : "ومِمَّا يجب على ملوك الإسلامِ، ومَن قَدَرَ على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر أن يُعدِموا الكتبَ المخالفةَ لظاهِر الشرع المُطهَّر من كتب المذكور وغيره، ولا يُلتَفَتُ إلى قول مَن قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يُؤوَّل؛ فإنَّه غلطٌ من قائلِه، إنَّما
следующие страницы →