← Сира

Сира · id 7645

السيرة النبوية عند الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد

سليمان السويكت

Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.

стр. 36

من الهيثمي ما يقرب من خمسة وسبعين ومائة من كلامه على الرجال والأسانيد (١) . - والشيخ العجلوني (ت ١١٦٢هـ) أسند إلى أحكام الهيثمي مرات متعددة في كتابه المعروف (كشف الخفاء) (٢) . - الإمام الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) كثيراً ما كان يعزو الأحاديث في كتابه (سبل السلام) إلى مجمع الزوائد، ثم يورد كلام الهيثمي عقبها (٣) . - والإمام الشوكاني (ت ١٢٥٥هـ) نقل عنه في مواضع عديدة في كتابه (نيل الأوطار) (٤) . - والشيخ أبو الطيب العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ) في كتابه (عون المعبود) (٥) . - والشيخ أبو العلا المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ) في كتابه (تحفة الأحوذي) أحال أكثر من ستين مرة على الهيثمي (٦) . - والمحدث العلامة الألباني (ت ١٤٢٠هـ) أحال في كثير من كتبه على أحكام الهيثمي، وعلى سبيل المثال: رأيت من هذا القبيل في تحقيقه لكتاب (السنة لابن أبي عاصم) ما يقارب الثمانين موضعاً (٧) .

стр. 37

نماذج من مرويات السيرة النبوية من مجمع الزوائد للهيثمي (١) . أولاً: (من كتاب المغازي والسير) : ١- وعن جُبير بن نُفير قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، ومر بنا رجلٌ واستمعنا إليه، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، فأقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل أن يتمنى محضراً غيَّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه! والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وس

стр. 38

فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح (١) . ٢- وعن الحارث بن الحارث قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا، فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به، وهم يردون عليه ويؤذونه، حتى انتصف النهار، وانصدعَ الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحاً ومنديلاً، فتناوله منها فشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه، فقال: "يا بنية خَمِّري عليك نحرك، ولا تخافين على أبيك" قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته. رواه الطبراني ورجاله ثقات (٢) . ٣- وعن عبد الله بن مسعود قال: ما سمعنا مناشداً ينشد حقاً له أشدَ مناشدة من محمد ﷺ يومَ بدر؛ يقول: "اللهم أنشدك ما وعدتني، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد"، ثم التفت كأن وجهه القمر، فقال:"كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية".

стр. 39

رواه الطبراني، ورجاله ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (١) . ٤- وعن أنس والحسن قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى، يوم بدر، فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم " قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، قال ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" قال: فقام عمر، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، قال: ثم عاد رسول الله ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: يا رسول الله ترى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه النبي ﷺ ما كان فيه من الغم، قال: فعفا عنهم، وقبِلَ منهم الفداء، قال، وأنزل الله ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ الآية..) سورة الأنفال:٦٨) رواه أحمد عن شيخه علي بن عاصم بن صهيب، وهو كثير الغلط والخطأ، لا يرجع إذا قيل له الصواب، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (٢) .

стр. 40

٥- وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكنت قد أسلمْتُ، وأسلمَتْ أم الفضل، وأسلم العباس، وكان يكتم إسلامه مخافة قومه، وكان أبو لهب تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام، وكان له عليه دين، فقال له: اكفني من هذا الغزو، وأترك لك ما عليك، ففعل. فلما جاء الخبر، وكبتَ الله أبا لهب، وكنت رجلاً ضعيفاً أنحتُ هذه الأقداح في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت أقداحي في الحجرة، وعندي أم الفضل، إذا الفاسق أبو لهب يجر رجليه، أراه قال: حتى جلس عند طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فقال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث، فقال أبو لهب: هلمَّ إلي يابن أخي، فجاء أبو سفيان حتى جلس عنده، فجاء الناس فقاموا عليهما، فقال: يابن أخي، كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله ما هو إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله ما لمتُ الناس، قال: ولِمَ؟ فقال: رأيت رجالاً بيضاً على خيل بُلق، لا والله ما تُليق (١) شيئاً، ولا يقوم لها شيء، قال: فرفعت طنب الحجرة، فقلت: تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده فلطم وجهي، وثاورته؛ فاحتملني فضرب بي الأرض حتى نزل علي، وقامت أم الفضل، فاحتجزت، وأخذت عموداً من عمد الحجرة، فضربته به، ففلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: أي عدو الله، استضعفتَه أنْ رأيت سيده غائباً عنه! فقام ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى ضربه الله بالعدسة (٢) فقَتَلَتْه، فتركه ابناه يومين أو ثلاثة ما يدفنانه، حتى أنتن، فقال

стр. 41

رجل من قريش لابنيه: ألا تستحييان أن أباكما قد أنتن في بيته؟ فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتقي الطاعون، فقال رجل: انطلقا فأنا معكما، قال: فوالله ما غسَّلاه إلا قذفاً بالماء من بعيد، ثم احتملوه، فقذفوه في أعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة. رواه الطبراني والبزار وفي إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات (١) . ٦- وعن الزبير قال: اجتمعت على النبي ﷺ بالمدينة يوم أحد، فلم يبق أحدٌ من أصحاب النبي ﷺ يعني: بالمدينة - حتى كثرت القتلى، فصرخ صارخٌ: قد قتل محمد، فبكين نسوة، فقالت امرأة: لا تعجلن بالبكاء حتى أنظر، فخرجت تمشي ليس لها همٌّ سوى رسول الله ﷺ ، وسؤال عنه. رواه البزار، وفيه عمرو بن صفوان، وهو مجهول (٢) . ٧- وعن حسيل بن خارجة الأشجعي قال: قدمت المدينة في جَلَبٍ أبيعُه، فأتي بي النبي ﷺ ، فقال: " أجعلُ لك عشرين صاعاً، من تمرٍ، على أن تدلَّ أصحابي على طريق خيبر"، ففعلتُ، فلما قدم رسول الله

стр. 42

صلى الله عليه وسلم خيبر، وفتحها، جئت فأعطاني العشرين، ثم أسلمت. رواه الطبراني وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف (١) . ٨- وعن عروة بن الزبير، قال: وفرَّ عكرمة بن أبي جهل عامداً إلى اليمن، وأقبلت أم الحكيم بنت الحارث بن هشام، وهي يومئذ مسلمة، وهي تحت عكرمة بن أبي جهل، فاستأذنتْ رسولَ الله ﷺ في طلب زوجها، فأذن لها وأمَّنَهُ، فخرجت بعبدٍ لها روميٍّ فَرَاوَدَها عن نفسها، فلم تزل تُمنِّيه وتُقرِّب له حتى قدمت على أناس من عُكّ، فاستعانتهم عليه، فأوثقوه، فأدركت زوجها ببعض تهامة، وقد كان ركب سفينة، فلما جلس فيها نادى باللات والعزى، فقال أصحاب السفينة: لا يجوز أن تدعوَ هاهنا أحداً إلا الله وحده مخلصاً، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر، إنه لفي البر وحده، فأقسم بالله لأرجعن إلى محمد ﷺ ، فرجع عكرمة مع امرأته، فدخل على رسول الله ﷺ فبايعه، وقبلَ منه. ودخل رجلٌ من هذيل حين هُزمت بنو بكر على امرأته فاراً، فلامته وعجَّزته وعيَّرته بالفرار، فقال: وأنتِ لو رأيتِنا بالخَنْدَمَة إذ فرَّ صفوانُ وفرَّ عِكرمة ولَحِقَتْنَا بالسيوف المُسلِمة يقطعنَ كلَّ ساعدٍ وجُمجمة

стр. 43

لم تنطقي في اللَّومِ أدنى كَلِمَة رواه الطبراني وهو مرسل، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف (١) . ثانياً: (من كتاب علامات النبوة) : ٩- وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال عبد المطلب: خرجت إلى اليمن في إحدى رحلتي الإيلاف، فنزلت على رجل من اليهود، فرآني رجل من أهل الديور، فنسبني، فانتسبت له، فقال: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك؟ قلت: نعم، مالم يكن عورة، ففتح إحدى منخري فنظر، ثم نظر في الآخر، قال: أشهد أن في إحدى يديك ملكاً، وفي الأخرى نبوة، وإنا لنجد ذلك في بني زهرة! فكيف ذلك؟ قلت: لا أدري، قال: هل لك من شاعة؟ قلت: وما الشاعة؟ قال: زوجة، قلت: أما اليوم فلا، قال: فإذا رجعتَ فتزوجْ في بني زهرة، فرجعَ عبد المطلب، فتزوجَ هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت له حمزة وصفية، وزوَّج عبد الله ابنه آمنة بنت وهب، فقالت قريش: نتج عبد المطلب على ابنه، فولدت له رسول الله ﷺ ، وكان حمزة ﵁ أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة؛ مولاة أبي لهب، وكان أسن من رسول الله ﷺ . رواه الطبراني وفيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك (٢) .

стр. 44

١٠- وعن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان بدء أول أمرك؟ قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام". رواه أحمد، وإسناده حسن، وله شواهد تقويه، ورواه الطبراني (١) . ١١- وعن رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم -وكانت لِدة عبد المطلب- قالت: تتابعتْ على قريش سنونَ أمحلت الضرعَ وأدقت العظم، فبينا أنا راقدة الهمِّ أو مهمومة، إذا هاتف يصرخ بصوت صَحْلٍ (٢) يقول: يا معشر قريش، إن هذا النبي المبعوث قد أظلتكم أيامه، وهذا إبَّانُ نجومه، فحيهلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلاً منكم وسيطاً عظاماً جساماً أبيضَ بضياء، أوطفَ أهدبَ، سهلَ الخدين، أشمَّ العِرنين، له فخرٌ يكظم عليه، وسنة يهدي إليه، فليخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجلٌ، فليشنُّوا من الماء، وليمسّوا من الطيب، وليستسلموا الركن، ثم ليرقوا أبا قبيس، ثم ليدعوَ الرجلُ، وليؤمِّن القوم، فغثتم ما شئتم، فأصبحتُ - علمَ الله - مذعورة، اقشعر جلدي، ووله عقلي، واقتصصت رؤيايَ، وفشت في شعاب مكة، فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلا قال: هذا شيبةُ الحمد، وتناهت إليه

стр. 45

رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فشنوا، ومسوا، واستلموا، ثم ارتقوا أبا قبيس، واصطفوا حوله، ما يبلغ سعيهم مهله، حتى إذا استووا بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ ، غلامٌ أيفعٌ، أو كَرُبَ، فرفعَ يده، وقال: اللهم سادَّ الخُلَّة، وكاشف الكربة، أنت مُعْلِم غير مُعْلَم، ومسؤول غير مبخَّل، وهذه عبداؤك وإماؤك بِعَذِرَاتِ حَرَمِكَ يشتكون إليك، سَنَتُهم أذهبتْ الخفَّ والظلفَ، اللهم فأمطرن علينا غيثاً مغدقاً مريعاً. فورب الكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه، فسمعتُ شيخانَ قريش وجُلَّتَها، عبدَ الله بن جدعان، وحربَ بن أمية، وهشامَ بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئاً لك أبا البطحاء (١) ، وفي ذلك تقول رقيقة بنتُ أبي صيفي: بشيبةَ الحمد أسقى الله بلدتَنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوَّذ المطرُ فجاد بالماء جَوْنيٌّ له سَبَلٌ ... سَحَا فعاشت به الأنعام والشجر مَنّاً منَ الله بالميمونِ طائرُه ... وخيرِ من بُشِّرت يوماً به مضر مباركُ الأمر يُستسقى الغمامُ به ... ما في الأنام له عِدل ولا خَطر رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم (٢) . ١٢- وعن سعيد بن أبي راشد قال: رأيت التنوخيَّ رسولَ هرقل

стр. 46

إلى رسول الله ﷺ بحمص، وكان جاراً لي؛ شيخاً كبيراً قد بلغ الفَنَدَ، أو قربَ، فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ ، ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال: بلى، وقدم رسول الله ﷺ تبوك، وبعث دحية الكلبي إلى هرقل، فلما أن جاء كتاب رسول الله ﷺ ، دعا قسِّيسي الروم وبطارقتها، ثم غلق عليه وعليهم الدار، قال: نزل هذا الرجلُ حيث رأيتم، وقد أرسل إليَّ يدعوني إلى ثلاث خصال: يدعوني أن أتبعه على دينه، أو أن نعطيه مالنا على أرضنا، والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب، والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب ليأخذن ما تحت قدمي، فهلمَّ نتبعه على دينه، أو نعطيه مالنا على أرضنا، فَنَخَروا نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز، فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه رفاقهم وملكَه، قال: إنما قلت ذلك لكم: لأعلم صلابتكم على أمركم، ثم دعا رجلاً من عرب تجيب - كان على نصارى العرب - قال: ادع لي رجلاً حافظاً للحديث، عربي اللسان، أبعثُه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاءني فدفع إليَّ هرقل كتاباً، فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما ضيَّعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال: انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء؟ وانظر إذا قرأ كتابي، هل يذكر الليل؟ وانظر في ظهره هل به شيء يريبك؟ فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره، ثم قال: " ممن أنت "؟ قلت: أنا أحد تنوخ، فقال: " هل لكَ في الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم "؟ قلت: إني رسولُ قوم، وعلى دين

стр. 47

قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (سورة القصص: ٥٦) . يا أخا تنوخ إني كتبت بكتابٍ إلى كسرى فمزَّقه والله ممزِّقُه وممزقٌ ملكه، وكتبت إلى النجاشي فخرَّقها والله مخرِّقُه ومخرقٌ ملكَه، وكتبت إلى صاحبكم بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير ". قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، وأخذت سهماً من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي، ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي؛ تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ " فأخذت سهماً من جعبتي، فكتبته في جلد سيفي، فلما فرغ من قراءة كتابي، قال: " إن لك حقاً، وإنك رسولٌ، فلو وجدتَ عندنا جائزة جوَّزناك بها، إنا سَفْرٌ مُرمِلون "، قال: فناداه رجل من طائفة الناس، أنا أجوزه، ففتح رحَله، فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، فقلت: من صاحب الحلة؟ قيل: عثمان، ثم قال رسول الله ﷺ : "من يُنْزِلُ هذا الرجل"؟ فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري، وقمت معه فلما خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أخا تنوخ" فأقبلت أهوي حتى كنت قائماً في مجلسي الذي كنت فيه بين يديه، فحلَّ حبوتَه عن ظهره فقال: "هاهنا امض لما أمرتَ به" فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف، مثل الحجمة الضخمة. رواه عبد الله بن أحمد، وأبو يعلى،

стр. 48

ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك (١) . ١٣- وعن حذيفة قال: بينا أنا أمشي في طريق المدينة، إذا رسول الله ﷺ ، فسمعته يقول: "أنا محمد، وأحمد، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة" أو "الملاحم". رواه أحمد، والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، وفيه سوء حفظ (٢) . ١٤- وعن أم أنس بن مالك قالت: كانت لنا شاة، فجمعت من سمنها في عُكة، فملأت العكة، ثم بعثت بها مع ربيبة، فقلت: يا ربيبة أبلغي هذه العكة رسول الله ﷺ يأتدمُ بها، فانطلقت ربيبةُ حتى أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم، فقال: "فرِّغوا لها عكتها" ففرغت العكة، فدفعت إليها، فانطلقت، فجاءت أم سليم، فرأت العكة ممتلئةً تقطرُ، فقالت أم سليم: يا ربيبة، أليس قد أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: قد فعلت، فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله ﷺ ، فانطلقت أم سليم ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله، إني بعثتُ إليك

стр. 49

معها بعكة فيها سمن، فقال: "قد فَعَلَتْ، قد جاءت بها"، فقالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمناً. قال: فقال لها رسول الله ﷺ : "أتعجبين أن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي"، قالت: فجئت البيت فقسمت في قُعب لنا كذا وكذا، وتركت فيها ما ائتدمنا به شهراً، أو شهرين. رواه أبو يعلى، والطبراني إلا أنه قال: زينب بدل ربيبة، وفي إسنادهما: محمد بن زياد البرجمي، وهو اليشكري، وهو كذاب (١) . ويظهر من خلال النصوص السابقة ما يأتي: - أحكام مختلفة بين التوثيق والتجريح. - أحاديث مختلفة بين الطول والقصر. - الجمع بين أكثر من مصدر في استخراج الزوائد. - التوقف عن الحكم على الإسناد في حال وجود راو غير معروف. - التفصيل في حال بعض الرواة. - الاعتبار بالشواهد. - عدم التزام ألفاظ معينة في التوثيق والتجريح في حال بعض الرواة. - التمييز بين الأسانيد المتصلة والمرسلة. - تمييز سماع المتقدم من المتأخر. - الدقة في تمييز الألفاظ الزائدة بين مصدر وآخر. - اعتماد توثيق ابن حبان أحياناً، وأخرى توثيق الذهبي.

стр. 50

الخاتمة: - تناول هذا البحث كتاباً من أشهر المصنفات الحديثية في بابه، وأجلى مادته المتعلقة بالسيرة النبوية، بعد أن وقف على جوانب مهمة من حياة مصنِّفه، ولاسيما تأكيد تفوقه في الحفظ والاستحضار للمتون على أقرانه، بل شيوخه. - أوضح البحث أن الأبواب الخاصة بالسيرة النبوية المدرجة في هذا الكتاب تشمل مساحة شاسعة في ميدان السيرة النبوية، تحوي مادة غزيرة جداً تعدُّ من أوسع ما هو موجود في المصادر الحديثية. - بلغ مجموع المرويات المتعلقة بالمرحلة المكية من السيرة النبوية ما يناهز سبعة وتسعين ومائتي حديث أو رواية. - بينما بلغت المرويات المتعلقة بالمرحلة المدنية ما يقارب أربعين وأربعمائة حديث أو رواية. - أما المرويات التي تدخل في أبواب علامات النبوة فتصل إلى ما ينوف على ثلاثة وعشرين وثلاثمائة حديث أو رواية. - ومن كل هذا يتألف لدينا من هذا الكتاب رصيد من المرويات؛ يبلغ مجموعه قريباً من ستين وألف حديث أو رواية، يصب كله في محيط السيرة النبوية. - وهذا الرصيد الضخم من المرويات المحكوم عليه حديثياً إلى حد كبير، يتيح فرصاً جديدة للباحثين في ميدان السيرة النبوية؛ دراسة وتحليلاً ومقارنة بمرويات أخرى من مصادر أخرى. هذا والله تعالى أحكم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبيه وآله وصحبه

стр. 51

مصادر ومراجع ... المصادر والمراجع - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي، دار الوطن للنشر، الطبعة الأولى، الرياض ١٤٢٠هـ. - إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر العسقلاني، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الأولى، الهند ١٣٩٢هـ. - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون للبغدادي، مكتبة المثنى، بغداد د. ت. - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني، دار المعرفة، بيروت د. ت. - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث للهيثمي، تحقيق: حسين بن أحمد الباكري، مركز خدمة السنة والسيرة في الجامعة الإسلامية بالتعاون مع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، المدينة الشريفة ١٤١٣هـ. - بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت ١٤١٤هـ. - البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف للحسيني، تحقيق: حسين عبد المجيد هاشم، دار التراث العربي، القاهرة د. ت. - التبيين لأسماء المدلسين لسبط بن العجمي، تحقيق: محمد إبراهيم الموصلي، دار الريان، الطبعة الأولى، بيروت ١٤١٤هـ. - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري، دار الكتب

стр. 52

العلمية، بيروت د. ت. - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت ١٣٩٩هـ. - ترتيب الثقات للعجلي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت ١٤٠٥هـ. - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة لابن حجر العسقلاني، تحقيق: إكرام الله إمداد الحق، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت د. ت. - تنبيهات على تحريفات وتصحيفات في كتاب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي د. عاصم القريوتي، دار الهجرة، الطبعة الثانية، الثقبة، السعودية ١٤١٥هـ. - الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير للسيوطي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، بيروت ١٤٠٦هـ. - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، القاهرة ١٣٨٧هـ. - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية، القاهرة ١٣٨٥هـ. - ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني، نشر حسام الدين القدسي، القاهرة د. ت.

стр. 53

- ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد للفاسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت ١٤١٠هـ. - ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي، نشر حسام الدين القدسي، القاهرة د. ت. - الذيل على العبر في خبر من غبر لابن العراقي، تحقيق: صالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت ١٤٠٩هـ. - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للكتاني، تحقيق: محمد المنتصر الكتاني، دار البشائر الإسلامية، الطبعة الرابعة، بيروت ١٤٠٦هـ. - سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني، تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الرابعة، بيروت ١٣٧٩هـ. - السنة لابن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت ١٤١٣هـ. - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي، دار الفكر، بيروت د. ت. - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة د. ت. - طبقات الحفاظ للذهبي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت ١٤٠٣هـ. - علم زوائد الحديث عبد السلام محمد علوش، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت ١٤١٥هـ. - عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العظيم آبادي، دار

стр. 54

الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت ١٤١٥هـ. - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للفاسي، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية، القاهرة ١٣٨٥هـ. - فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، المكتبة التجارية، الطبعة الأولى، مصر ١٣٥٦هـ. - القول المسدد لابن حجر العسقلاني، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الأولى، القاهرة ١٤٠١هـ. - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت د. ت. - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة، مكتبة المثنى، بغداد د. ت. - لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لابن فهد، نشر حسام الدين القدسي، القاهرة د. ت. - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٨هـ. - المجمع المؤسس للمعجم المفهرس (مشيخة) لابن حجر، تحقيق: يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت ١٤١٥هـ. - المستدرك على الصحيحين للحاكم، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت ١٤١١هـ. - مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر د. ت.

стр. 55

- مسند البزار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، الطبعة الأولى، بيروت، ١٤٠٩هـ. - مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم الأسد، دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى، دمشق ١٤٠٤هـ. - المعجم الأوسط للطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد وزميله، دار الحرمين، القاهرة ١٤١٥هـ. - المعجم الكبير للطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، ١٤٠٤هـ. - المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار المعارف، القاهرة ١٣٩٢هـ. - المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي للهيثمي، تحقيق: نايف بن هاشم الدعيس، تهامة، الطبعة الأولى، جدة ١٤٠٢هـ. - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، بيروت د. ت. - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني، دار الجيل، بيروت ١٣٩٣هـ.