← Сира

Сира · id 7646

السيرة النبوية في دائرة المعارف البريطانية

وليد بن بليهش العمرى

Полный текст (82 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة: الحمد لله رب العالمين، الذي بعث رسوله للناس كافة بالحق وإمام مبين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين محمد المأمور بأن يصدع بالقول ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:١٠٤] ، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، أما بعد. فآخر ما كان يدور في خلدي أن تجد طعونات المستشرقين طريقها إلى موسوعة عُرف عنها أن أول سماتها العلم والمعرفة، وهي الموسوعة البريطانية ذات الصيت والشهرة؛ لتميلها ميلاً عظيماً عن خط الرصانة العلمية الذي رسمته لنفسها منذ أول صدورها، وعندما عكفت على قراءة ما كتب فيها تحت موضوع "الإسلام" هالني ما ساد الموضوع من انحراف عن المنهج العلمي السليم، والتحامل المغرض والرغبة الجارفة في المساس بكل ما يعده المسلمون مقدساً. ولا عجب في هذا الاستغراب، فالموسوعة البريطانية هي أكثر الموسوعات العالمية العامة شعبية وأوفرها سمعة من حيث الدقة ولاسيما أنها تختار كتابها من أشهر المتخصصين ذوي الرأي والكلمة المسموعة، ويشتهر عنها اعتمادها لغة تربط مادتها باهتمامات القارئ الغربي ومنظومته المعرفية، وتحلل الحقائق من منظور عقلي موضوعي يميل إليه الفكر العلمي التحليلي. ويرى بعض المستشرقين أن هذه هي منهجية العلم المتبعة في الأوساط العلمية الغربية، ويقول رودي بارت بهذا الصدد إن المستشرقين:"يطبقون على

стр. 2

الإسلام وتاريخه وعلى المؤلفات التي يشتغلون بها المعيار النقدي، الذي يطبقونه على تاريخ الفكر عندهم" (١) . ورغم هذا تبدى لي جلياً أن الهدف الأول الذي تسعى إليه الموسوعة في مادة "محمد: النبي ورسالته"، التي أدرسها في هذا البحث، هو حشد كل ما يمكن من شبهات وافتراءات وسوقها في خطوط فكرية عامة يلتفت إليها القارئ الذي قد يأخذ بما فيها باسم العلم والمعرفة؛ ليعملوا بذلك -سواء عمدا أو عن غير عمد - على إدامة غرض الاستشراق الأول وهو صد الناس عن الإسلام (٢) ؛ لينكصوا على أعقابهم خاسرين. ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث، لكشف ستار هذه الطعونات وإبانتها على حقيقتها بعون الله، وتبيين ما فيها من انحراف عن الموضوعية والرصانة العلمية، وتنبيه القارئ عليها. وأبدأ هذا البحث بخلفية عن الموسوعة البريطانية أعرض فيها باختصار تاريخ الموسوعة وبعض الأرقام؛ ثم أمضي في استعراض السياسة التحريرية للموسوعة التي أقصد من هذا البحث بيان فشلها في تحقيق الحياد والموضوعية عندما يخص الأمر الإسلام، وإن كانت الموسوعة تؤكد على هذا المنهج. بعد ذلك نأتي إلى المادة قيد البحث وهي مادة "محمد: النبي ورسالته"؛ لأكشف ميل الموسوعة إلى الأخذ بآراء كبار رواد الفكر الاستشراقي المعاصر حول تاريخ الرسالة المحمدية، وهي آراء نعلم أنها مليئة بالأباطيل.

стр. 3

أولا: الموسوعة البريطانية: تاريخ وأرقام مدخل ... أولاً: الموسوعة البريطانية: تاريخ وأرقام صدرت الموسوعة البريطانية أول ما صدرت عام ١٧٦٨م، عندما أخرج ثلاثة ناشرين أسكتلنديين كتاباً معرفياً شاملاً وأسموه Encyclopedia Britannica أو الموسوعة البريطانية؛ ليكون بذلك أول الموسوعات باللغة الإنجليزية المستمرة حتى اليوم، ومنذ ذلك الوقت خرج منها خمس عشرة طبعة، وتعدّ الموسوعة البريطانية أكبر الموسوعات المكتوبة بالإنجليزية وأوفرها شهرة، إذ تنتشر في الوقت الراهن (١) في القارات كافة وهي أشملها وأفضلها توثيقاً للمعلومة؛ إذ حرصت منذ بدايتها الأولى على جذب أشهر العلماء، وكتب فيها عدد ممن حصلوا على جائزة نوبل بفروعها المختلفة. وكانت قد طبعت لأول مرة في إدنبرة بأسكتلندا في ثلاثة أجزاء تتألف من ٢٦٥٩صفحة، صدرت كاملة عام ١٧٧١م، ثم طبعت بعد ذلك خمس عشرة طبعة صدرت الطبعة ما قبل الأخيرة من شيكاغو بأمريكا بعدما نقلت ملكيتها إلى وليام بنتون عام ١٩٤١م الذي ورّثها مؤسسة بنتون، وهي مؤسسة خيرية يدعم دخُلها قسمَ الاتصال الجماهيري في جامعة شيكاغو (٢) .

стр. 4

وصدرت الطبعة الخامسة عشرة والأخيرة عام ١٩٥٢م وروجعت عام ١٩٨٥م، وهي لا تزال تراجع سنوياً. ووصلت مبيعات الموسوعة البريطانية ذروتها عام ١٩٩٠م إذ حققت مبلغاً قدره ٦٥٠ مليون دولار (١) . وتقع الموسوعة اليوم في ثلاثين مجلدا موزعة في ثلاثة أجزاء: (١) Propaedia وهو عرض شامل لمحتويات الموسوعة في جزء واحد، (٢) Micropaedia أو الموسوعة المصغرة وهي ذات مداخل مختصرة تقع في اثنى عشر جزءاً، كتب على كعب كل جزء عبارة "مرجع متأت"، (٣) Macropaedia أو الموسوعة الشاملة وفيها يكتب عن موضوعات عامة ومهمة كالإسلام، وتطور البشرية، بإسهاب، يكتبها علماء ومؤلفون مبرزون، وتقع في سبعة عشر جزءا، كتب على كعب كل جزء عبارة "المعرفة بعمق". ومنذ ظهور الحاسوب كانت الموسوعة البريطانية سباقة للاستفادة من الفرص التي تمنحها هذه التقنية الحديثة، فصدرت الموسوعة بالإضافة إلى النسخة الورقية على أسطوانات ليزر، شاملة لكل ما حوته النسخة الورقية، إضافة إلى آلاف الصور والوسائط المتعددة، كما شملت الأسطوانات معجم ماريام وبستر، وموسوعة أمم العالم التي تحوي معلومات إحصائية. ولم تغفل الموسوعة البريطانية أهمية الشبكة العالمية حيث نُشرت كاملة على الإنترنت، ويتحتم دفع اشتراك لمن يريد أن يتعمق ويقرأ المقالات كاملة، أما إمكان البحث ومطالعة النُّبَذ المقتضبة فمجاناً. وموقع الموسوعة www.eb.com البريطانية كما هو في شكله الحالي يعد من أقوى مواقع جمع

стр. 5

المعلومات العامة على الإنترنت، فبمجرد إدخال كلمات، مثل: encyclopaedia أي موسوعة، أو information و background أي معلومات خلفية عن موضوع، سرعان ما تظهر الموسوعة البريطانية ضمن أول النتائج. ويشترك العديد من الجامعات العالمية والمدارس في الموقع لتوفر خدمة البحث به مجاناً للطلبة الذين يريدون أن يكتبوا مقالة حول موضوع ما، بالإضافة إلى آلاف الصور والأشكال التوضيحية والوصلات العديدة التي تم اختيارها بعناية من قبل محرري الموسوعة، وتفاعلها مع القضايا ذات الاهتمام الواسع، بإفراد صفحات تحوي معلومات موسعة - تتعلق بتاريخ القضية وآراء المحللين حولها - يثق أساتذة الجامعات ومعلمو المدارس بقيمة المعلومة التي توفرها الموسوعة التي حققت بها شهرتها الواسعة عبر أكثر من مئتي عام من الانتشار.

стр. 6

أ - السياسة التحريرية لموسوعة البريطانية ... أ- السياسة التحريرية للموسوعة البريطانية: لا شك أن مما ضمن هذا الاستمرار والحضور القوي للموسوعة البريطانية هي السياسة التحريرية التي انتهجتها منذ أول ظهور لها، ويلخص توم بانيلاس سياسة الموسوعة التحريرية كما يلي: "هدفنا هو عرض جميع مجالات المعرفة الإنسانية متخذين موقفاً عالمياً شاملاً، أي أننا نشمل الثقافات الإنسانية الكبرى كلها دون محاباة لثقافة بعينها. فنحن نسعى بجدّ لنكون متوازنين في طرحنا على قدر يتوافق مع الطبع البشري، وسعياً في هذا الاتجاه نقدم جميع الموضوعات، وبالنسبة للموضوعات

стр. 7

التي يدور حولها الجدال ويختلف عليها العلماء فإننا نستنفد جهدنا في تلخيص جميع نقاط الجدال لقرائنا عوضاً من الانحياز إلى رأي دون آخر. ويتم مراجعة وتقويم جميع موادنا دورياً لتحديثها وتصحيحها ولمعرفة ما إذا كانت متوافقة مع آخر ما توصل إليه العلم، وتساعد شبكة من المستشارين العلميين تنتشر في جميع أنحاء العالم محرري الموسوعة في هذه المراجعات، وتعاد كتابة المادة إذا دعا الأمر لذلك، وإذا كان حجم التصحيحات كبيرا قد نكلف أحدا بكتابة مادة جديدة كليا" (١) . إذاً فسياسة الموسوعة التحريرية هي الحيادية والشمولية والمراجعة والمتابعة المستمرة، ولكن إذا ما أردنا التجرد من هذا الرأي الصادر عن مدير العلاقات العامة في الموسوعة فإنه يمكن التعرف على كثير من معالم السياسة التحريرية للموسوعة البريطانية من خلال قراءة متأنية لسطورها. ولا حاجة للباحث لأن يذهب بعيداً في البحث لكي يستشفها، وبخاصة مَنْ يريد قراءة مادة ما من مواد الموسوعة قراءة نقدية، خلاف ذلك الذي يريد الاطلاع لمجرد المعرفة، ويمكن توزيع سياسة الموسوعة على محورين عامين تنطوي تحتهما عدة عوامل. أولا: اختيار المعلومة بدقة، وانتخاب صفوة من الكتاب المتخصصين. فعند تصفح مجلدات الموسوعة الموسعة يجد القارئ ملحقا بكل موضوع بحث قائمة ببليوجرافية موزعة حسب مواد الموضوع، مثلا تندرج تحت موضوع

стр. 8

"الإسلام" المواد: "الإسلام" و "محمد" و "القرآن" و "الحديث" و "اللاهوت والفلسفة" و"الصوفية الإسلامية" و "القانون الإسلامي" و "الأساطير والخرافات الإسلامية"، وتذيَّل كل مادة بثبت بأسماء المراجع والمصادر المهمة التي أخذت منها المادة المكتوبة في الموسوعة ويمكن البحث فيها للاستزادة عن الموضوع، وبالاطلاع على هذه القوائم يمكن لمختص في مجال مّا أن يتأكد من أن الكتابات التي رُجع إليها معتمدة في مجال تخصصها ولها قيمتها العلمية، وهي قد اختيرت من قبل أكاديمي بارز في مجاله، أو كاتب حاصل على أعلى الجوائز العالمية كما ذكر آنفا، وعادة ما يتخذ القارئ من هذه المصادر أول ما يرجع إليه للتوسع في بحثه. ولكن عندما نقرأ القوائم الملحقة بموضوع الإسلام نجد أنها كلها كتابات مستشرقين معروفين من أمثال نودلكه ووات وآربري، وأن الزاوية التي تناول منها كُتَّاب المواد، أو وجهوا من قبل فريق التحرير إلى تناول الموضوع منها، زاوية مجحفة في حق الإسلام وتاريخه. وسنتابع هذه السياسة التحريرية عن كثب في تحليل مادة "محمد: النبي ورسالته". ثانياً: الموضوعية، وهي بناء المعلومة على الحقائق وتجريدها من الرأي والرؤية الشخصية للباحث. ويكاد يكون هناك إجماع عام في الدوائر العلمية، - خاصة بعد الازدهار الكبير الذي تشهده النزعة النسبية في الجامعات الغربية، التي ترى عدم إطلاق الحقائق وبخاصة فيما يتعلق بوقائع التاريخ (١) - على أن الموضوعية شيء نسبي، ورغم أن الموسوعة البريطانية تبدو للقارئ غير

стр. 9

المتمرس - الذي يبحث عن معلومات خلفية - ذات صبغة موضوعية حول موضوع ما، إلا أن غطاء الموضوعية ينكشف سريعا أمام من هو على علم بالموضوع المطروح وبخاصة فيما يتعلق بطروحاتها عن الإسلام، وذلك من خلال اختيار مراجع تكشف لنا الدراسات الاستشراقية الإسلامية أنها عمد في هذا المجال، وأنها شكلت النظرة الغربية وربما العالمية التشكيكية غير المستساغة للإسلام، وهي وإن كانت تبدو أعمالاً علمية رصينة تستحق الرجوع إليها واقتباس طروحاتها، إلا أنها أحادية النظرة تفتقر إلى العلمية والموضوعية ويعوزها كثير من الإنصاف. ومما يزيد من فرص قبول مادة الموسوعة والتأثر ببعض أفكارها اللغة التي كتبت بها تلك المواد، فهي رغم أنها قد صيغت بلغة يرى العقل الغربي أنها هي لغة العلم والموضوعية بعينها، تبدو كأنها لا تعطي تقريراً نهائياً ورأياً حاسماً بل قلما يجد القارئ فرصة كافية لكي ينفك من تأثيرها القوي وآرائها شبه النهائية، كما أنه ربما يعجز معها عن تكوين رأيه الخاص عن الموضوع المطروح، وبالرغم من هذا فمحصلة ما يكتب عن الموضوع وآرائه هي التي قد يخرج بها القارئ الذي يرى أنها هي بعينها رأي أهل العلم الذين يستحقون ثقته بهم. ومن ملامح هذه اللغة ما يظهر جلياً طريقتهم في النقاش والجدال التي تهدف إلى إقناع القارئ بوجهة نظر الكاتب، وهذه الطريقة تختلف بين الثقافات، ولاسيما الثقافتين العربية والإنجليزية الغربية. وهناك أسلوبان أساسيان لطريقة النقاش (١) وهي: (١) الجدال المستمر (through-

стр. 10

argumentation) والجدال المناقِض (counter-argumentation) ، ووفقاً للأسلوب الأول يطرح المجادل رأياً ويستمر في دعمه حتى النهاية. ويرى كثير من منظري الاتصال بين الثقافات أن أسلوب الجدل المستمر هو الأسلوب السائد في الكتابات العربية، ولكن هذه النظرة بدأت تتغير نتيجة لتأثير حركة الترجمة الواسعة التي تشهدها الثقافة العربية. أما الجدال المناقض فيعمد بداية إلى ذكر الرأي المخالف ربما بشيء من التقدير ثم دحض هذا الرأي بهدوء وتقديم الدلائل المنطقية على موقف المجادل، وعادة ما يقدم المجادل بهذا الأسلوب تنازلاً مراوغاً (false concession) أو اعترافاً بوجاهة الرأي الآخر؛ لكي يوحي للقارئ بأنه فهم الرأي الآخر، ولكن بعد تفكير عميق وبحث واستقراء للواقع وصل إلى نتيجة مخالفة، وهذا الأسلوب هو المتبع غالباً في الأوساط العلمية الغربية، والموسوعة البريطانية لا تشذ عن طوق هذه اللغة العلمية، فتحت العنوان الفرعي "الشخصية والإنجازات" الذي كتب عن نبي الرحمة نبينا محمد ﷺ تبدأ الموسوعة بالآتي: "ورغم الإجحاف في حقه كثيراً من قبل علماء أوربا القرون الوسطى - الذين لا تزال آراؤهم تحتفظ ببعض التأثير - أصبحت النظرة لمحمد أكثر موضوعية في القرن التاسع عشر فبعض الأدلة ضده، مثل تواطئه في بعض الاغتيالات وإقراره اغتيال بعض رجال قبيلة يهودية، أمور تاريخية لا يمكن تكذيبها". فالموسوعة بعد أن تورد تنازلاً مراوغاً يرهف إليه سمع القارئ تذكر من الإجحاف ما قالت إنه شيء لا يحتفظ إلا بقليل من التأثير في الوقت الراهن. ومن مظاهر هذه اللغة العلمية أيضاً اعتماد لغة التحاشي hedging)) ،

стр. 11

وهي لغة يحاول بها الكاتب تحاشي التصريح بالحقائق, وإعطاء انطباعٍ بعدم الوضوح والتأكد، وتوظف هذه اللغة بالاعتماد على وسائل عدة منها صيغة المبني للمجهول مثل: يُقال، ويُعتقد، والقارئ لا يعرف من الذي يقول أو يعتقد أهو الكاتب نفسه أم أحد العلماء المتخصصين؟ وعبارات مثل: يبدو وربما، وصفات وتقديرات مثل: قليل، إلى حد بعيد، بشكل ما، وخلافها. ورغم أن هذه اللغة هي اللغة السائدة في المراكز الأكاديمية الغربية إذ تعد حجر زاوية في أي أطروحة دراسات عليا يراد أن يكتب لها تجاوز المناقشة بنجاح، إلا أن مجرد ذكر القول المُضعَّف يُرجِّحه على غيره دون التزام بما فيه من فكر، ومن مزايا لغة التحاشي أيضاً جعلها الكاتب يبدو أقل تسرعاً وأكثر روية في قراءة معطيات الواقع، وكذلك إعطاؤها انطباعاً بالتشكيك في الموضوع المطروح، وكل هذا يعتمد على الحالة الخاصة معرض الحديث وهذا ما سنناقشه في الموضوع التالي. وبالإضافة إلى هذا تتميز لغة الموسوعة البريطانية بالسهولة والسلاسة في صياغة الفكرة في عبارات يسهل تحليلها في ذهن القارئ وفهمها، بغض النظر عن مستواه الثقافي، فهي تستخدم الكلمات المتداولة وتتحاشى الألفاظ الغريبة والمتخصصة، وتتميز جمل مواد الموسوعة بالقصر إذ تشكل في جملتها وحدات معنوية ((semantic chunks مما يجعل القارئ ينخرط في القراءة ويتتبع الأفكار المطروحة دون تشويش. وهناك عدة وسائل لغوية أخرى توظفها الموسوعة في توجيه ذهن القارئ للخروج بقراءة معينة سنناقشها حين ورودها في الموضوع التالي.

стр. 12

ب- مادة محمد في الموسوعة البريطانية: تقع مادة "محمد: النبي ورسالته" في الجزء ٢٢ من الموسوعة، في القسم الموسع تحت مدخل "محمد ودين الإسلام" تحت موضوع "الإسلام"، وكتبت المادة في الصفحات من ١ إلى ٥ وهي صفحات من القطع الكبير كتبت فيها المادة بالحرف الصغير في عمودين، وعند سؤالي عن كاتب المادة ردَّ توم بانيلاس مدير العلاقات العامة بالموسوعة: - الكاتب الأساس لمادة محمد هو وليام مونتقمري وات، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أدنبرة بين عامي ١٩٦٤-١٩٧٩، مؤلف: "محمد: نبي ورجل دولة"؛ "مفكر مسلم: دراسة للغزالي"؛ والمحرر المشرف على "دراسات إسلامية" Islamic Surveys. ولكن حياة محمد وتركته التي تم التعرض لها أيضا في مقالتنا الطويلة ساهم فيها عدد من العلماء منهم: فضل الرحمن، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة شيكاغو بين عامي ١٩٦٩-١٩٨٨م، ومؤلف "الإسلام والآخرون". ومحسن س. مهدي، أستاذ اللغة العربية بجامعة هارفارد ومؤلف "فلسفة التاريخ عند ابن خلدون"، وآن ماري شيميل، أستاذة سابقة للثقافة الإسلامية-الهندية بجامعة هارفارد، ولها "جناح جبريل" (١) و"الخط الإسلامي" وغيرهما. وأوردت الموسوعة قائمة بالمراجع والمصادر التي استقت منها ما كتب في

стр. 13

الموسوعة وهذه ترجمتها: - محمد. أعمال مرجعية: و. مونتقمري وات "محمد في مكة" (١٩٥٣م) و"محمد في المدينة" (١٥٦، وأعيد طبعه في ١٩٧٧م) ، وهما معالجة شاملة اختصرا في "محمد: نبي ورجل دولة" (١٩٦١م وأعيد إصداره في ١٩٧٤م) بواسطة المؤلف؛ فرانتس بول "حياة محمد" الطبعة الثالثة وهو ترجمة ألمانية لعمل نشر بالدنمركية عام ١٩٠٣م ولا يزال يعدّ موثوقاً به؛ تور أندريه "محمد: الرجل وعقيدته" ترجمة ثيوفل منسل (١٩٣٦م، وأعيد طبعه في ١٩٧١م) ويهتم بالجوانب الدينية؛ ابن هشام "حياة محمد: ترجمة سيرة رسول الله لابن إسحق" [ترجمة الفريد جيّوم] (١٩٥٥م وأعيد إصداره في ١٩٦٧م) وهي السيرة العربية الأكثر أهمية؛ نابيا أبوت "عائشة: محبوبة محمد" (١٩٤٢م وأعيد طبعه في ١٩٣٧م) وهو عمل علمي رصين؛ جون باقوت كلوب "حياة محمد وزمانه" (١٩٧٠م) وهو عمل ذو شعبية واسعة بني على معرفة المؤلف بالحياة العربية. المصادر الرئيسة: القرآن بطبيعة الحال يحتوي على مواد أساسية معاصرة عن محمد، ولكن من الصعب تقويمها دون معرفة تاريخية أوسع. المجموعات الكبيرة للأحاديث، أو ما يروى حول ما قاله محمد وما فعله، يثار حولها جدل تاريخي، وخلافاً لهذا فهي نادراً ما تعطي شيئاً ذا بال عن حياة محمد. والمصادر الرئيسة ذات القيمة التاريخية هي السير المبكرة (من القرنين الثامن والتاسع) وبخاصة سيرة ابن هشام، كما صاغها ابن إسحق ومغازي الواقدي، مع المواد المكملة التي سجلها زميله ابن سعد، وهذا يحتوي على مواد عن الصحابة وعن علاقة الرسول بهم وعمله معهم. وحفظت بعض الوثائق مع عهد محمد في السير المبكرة، وأهمها ما يطلق عليه ميثاق المدينة. وهو مدون

стр. 14

في ترجمة جيّوم لسيرة ابن إسحاق المذكورة آنفاً والوثائق الأخرى موجودة في كتاب وات "محمد في المدينة". وبقراءة سريعة فيما كتب تحت مادة "محمد: النبي ورسالته" يظهر اعتماد محرري الموسوعة المطلق على كتابات المستشرقين وبخاصة آراء مونتقمري وات، وهذا أمر سيلقي ظلاله على الطروحات الواردة في المادة خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الاستشراق هو وليد حركة الجدل التنصيري ضد الإسلام ونبيه، وأن ميلاده ونشأته في حضن اللاهوت النصراني والإيديولوجية الغربية، قد أخضع مناهج المستشرقين لتلك الإيديولوجية مما أدى إلى فساد قواعد البحث العلمي، والتغاضي عن المنهجية العلمية، وقلب أصول البحث العلمي رأساً على عقب، ووضع الافتراضات السابقة التي توجه عملية البحث (١) ، وهذا ما سنحاول الوقوف عليه في المحور الآتي.

стр. 15

ثانيا: منهج مونتقمري وات في دراسة السيرة النبوية كتب وات في مقدمة كتابه Muhammad at Mecca أي "محمد في مكة" تعريفاً بمنهجه الذي اتبعه في دراسة السيرة النبوية، وأوضح أن دراسته موجهة أساسا إلى المؤرخين، وأنه حاول التزام الحياد في القضايا الخلافية، ويحاول وات طمأنة المسلمين إلى أنه قد حاول، مع التزامه بقواعد البحث

стр. 16

التاريخي الغربية، ألا يقول شيئاً يقتضي رد مبدأ من مبادئ الإسلام الأساسية، ورغم هذا الادعاء يرسم الأستاذ عبد الله محمد النعيم (١) ملامح منهج وات ويفصّله وفقاً للنقاط التالية: القفز إلى نتيجة مفادها أن النبي ﷺ تأثر بالبيئة من حوله وبأفكار ورقة بن نوفل والمسيحية واليهودية، وحاول وات جهده إظهار مواطن يزعم أنه انعكس فيها تأثر الرسول ﷺ بما حوله على الإسلام؛ ليثبت أنه جاء به من تلقاء نفسه. يلقي وات بظلال المنهج العلماني التشكيكي الذي لا يؤمن بالغيب ولا بالمعجزات على السيرة النبوية، فهو ينكر حدوث أي شيء خارق للعادة مثل حادثة شق صدره ﷺ وحدوث الوحي وغيرها من الآثار الثابتة عن النبي ﷺ ، حيث يقول بشأنها: "إن هناك العديد من القصص ذات الطابع الديني يكاد يكون من المتيقَّن أنها ليست حقيقة من وجهة نظر المؤرخ العلماني الواقعية" (٢) . يعمد وات إلى المنهج المادي، ويذكر أن المؤرخ أكثر إدراكا للعوامل المادية الكامنة وراء التاريخ، وبأن مؤرخ منتصف القرن العشرين سيثير أسئلة كثيرة عن الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسة للحركة التي بدأها محمد، من غير أن يهمل أو يقلل من شأن الجوانب العقدية (٣) ، ولذا نراه يعزو ظهور الدعوة إلى الحالة الاجتماعية والاقتصادية التي سادت في مجتمعه ﷺ ، ويفسر

стр. 17

الغزوات الإسلامية من هذا المنطلق. يسقط وات الرؤية الغربية المعاصرة على أحداث السيرة، فنراه يطبق نظرية تدرج تطور الأديان أياً كانت على الدين الإسلامي حيث يتحدث عن توحيد غامض في بداية الدين الإسلامي ويتدرج ليصل إلى ما نعرفه اليوم. التشدد في اتباع منهج الإقصاء واعتماد الضعيف والشاذ، حيث يسرف وات في نفي الروايات الإسلامية إذ لا تكاد رواية إسلامية تنجو من تضعيفه لها دون إعطاء مسوّغ واضح لإقصاء هذه الرواية أو تلك، ونراه في المقابل يعتمد روايات ضعيفة وشاذة تحمل في طياتها التشكيك في دوافع وقائع السيرة وأهدافها؛ ليبين أنه موضوعي يعمد إلى المنطق دون الإيمان. الإكثار من منهج البناء والهدم، حيث لا تخلو بعض جوانب السيرة من الثناء في كتابات وات الذي سرعان ما يتبعه نقداً، فمثلاً نراه يسهب في الحديث عن حكمة النبي ﷺ ليقول إن من له مثل هذه الحكمة لم يكن ليدعو قيصر الروم وكسرى فارس للدخول في الإسلام ليلفت انتباههم بذلك إلى الخطر الذي يشكله على ملكهم (١) . ولكي تكتمل الصورة عن منهج وات، فيجدر بنا الحديث عن المصادر التي اعتمد عليها في دراسته للسيرة النبوية، حيث رجع إلى مصادر موثوقة مثل ابن هشام والطبري والواقدي وابن سعد، فأخذ منها ما اخذ ورد منها ما رد وشكك في كثير من الروايات الواردة فيها، وكذلك رجع إلى دراسات غلاة المستشرقين من أمثال ب. ?. لامانس وجوزيف شاخت وليون كاتياني

стр. 18

ورتشارد بي وتيودور نودلكه وبروكلمان، ويصل به التأثر ببعضهم إلى القول: "إن مخالفة قولد زيهر ليست بالأمر السهل" (١) . وبما أن الموسوعة البريطانية استكتبت وات ليشارك فيها بمادة "محمد: النبي ورسالته"، فليس من الغريب أن يؤثر منهجه فيما كتب في المادة وأن تعكس كثيرا من آرائه، وهذا ما سنحاول الوقوف عليه في المحور الآتي.

стр. 19

ثالثا: قراءة مادة "محمد: النبي ورسالته " مدخل ... ثالثا: قراءة مادة "محمد: النبي ورسالته": كتبت المادة تحت العنوان التالي Muhammad: the Prophet and his message أي " محمد: النبي ورسالته"، ومن يعرف تاريخ تهجئة اسم نبينا الكريم عبر تاريخ الاستشراق يرى أن هذه التهجئة تسامت عن التحيز البائن الذي اتصفت به كتابات المستشرقين في الشطر الأول الطويل من تاريخ الاستشراق، فإنها حرِّفت عمداً في العصور الأوروبية الوسطى إلى Mohound التي كان من بين معانيها الشيطان وأمير الظلام (٢) ، وكتبت تارة Mohomet وتارة Mahomet كما في كتاب فولتير الموغل في الإجحاف Mahomet أو "محمد" الذي نشر عام ١٧٤٢، وفي الترجمة الفرنسية الأولى للقرآن الكريم التي أخذت عنها الترجمة الإنجليزية الأولى، وهي تهجئة تحاكي النطق التركي للكلمة – وإن كانت محرفة عنها –، ولا غرو فأوروبا كانت تعدّ الخطر العثماني الزاحف وخطر الإسلام أو المحمدية Mahometanism

стр. 20

كما أطلقوا هذا اللفظ على الدين احتقاراً (١) ، وهذا التحامل يظهر جلياً على غلاف أول ترجمة فرنسية-إنجليزية لمعاني القرآن الكريم، حيث كتب إن هذه الترجمة أعدت "لإرضاء كل من عنده الرغبة في معرفة زيف الأتراك"، بل وإنه حتى الطبعة الحادية عشرة من الموسوعة البريطانية التي تعد طبعة كلاسيكية، وأكثر طبعات الموسوعة شهرة كتب فيها اسم نبينا الكريم وفق التهجئة Mahomet وكيلت فيها الأكاذيب كيلاً. ومن يعرف هذا التاريخ يرى بأن تهجئة اسم نبينا الكريم في هذه المادة سليمة تتسامى عن تلك الأكاذيب واضحة التعسف والخطأ. ولكن هذه هي مزية الدراسات الاستشراقية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتحديداً عام ١٨٤٠م، عندما ألقى رجل الدين الإنجليزي توماس كارلآيل سلسلة محاضرات بعنوان "عندما يكون البطل نبيا:"محمد والإسلام"؛ إذ شكلت نقطة تحول في الفكر الاستشراقي حيث كشف فيها كثيراً من الحقائق التي تتعلق بالرسول ﷺ والإسلام. والحقيقة هي أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد نظرة جديدة إلى الإسلام ونبيه، ذلك أن عصر التنوير الأوروبي كان من جوانب عديدة متحرراً من النزعة اللاهوتية المعادية للإسلام، التي شجعتها الكنيسة في أوروبا، إلا أن النظرة الجديدة لم تأت خالية من التحيز والتحريف والتشويه المعهود، حيث أصبح المستشرقون يميلون إلى "صدق الرسول" ولكن قالوا بأن

стр. 21

الوحي الذي تلقاه كان من حديث النفس ومن الحيل النفسية التي خدع بها نفسه ليجابه محيطه الاجتماعي الذي ساءه جداً (١) . ويرى الدكتور عبد العظيم الديب واقع الاستشراق الحديث ليس فيه موضوعية ولا منهجية ولا استقامة "وإنما كان هذا التغير أو التطور في الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، وكان لابد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه – المخاطب أصلاً بالدراسات الاستشراقية – فحيثما كان العصر عصر أمية وجهالة وهمجية كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سباً وشتماً في الإسلام ورسول الإسلام ﷺ وفي المسلمين، حتى يقبحوه ويشوهوه في أعينهم وينفروهم منه. وأما مع التطور والاستنارة ومعرفة هؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام، نتيجة للاحتكاك في القتال والتجارة والانتقال فكان لابد من أن يغير هؤلاء أساليبهم، حتى تنطلي على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم ويتواءم مع درجة معرفة هؤلاء عن الإسلام والمسلمين" (٢) . وإذا ما جمعنا الأفكار والآراء المعروضة في مادة محمد في الموسوعة البريطانية وربطنا بين أجزائها فإننا نخرج بتصور عام عن القضايا الرئيسة التي تركز عليها، والشبه والطعونات التي تسوقها. وقد اجتهدت في استخلاص هذه القضايا الكلية وأدرجت تحت كل واحدة منها ما يتصل بها مما ورد في المادة، وأود أن أؤكد هنا الأمور التالية:

стр. 22

أولا: أهمية رجوع القارئ إلى المادة وقراءتها؛ ليكوِّن انطباعاً عاماً عمَّا كتب في المادة، إذ إن الأمثلة المستشهد بها مأخوذة من ذلك السياق. ثانياً: أني ركزت في مناقشتي هنا على القضايا والطعونات الأساسية التي تعد أفكاراً مركزية في الفكر الاستشراقي المعاصر والتي تكشف تعسفهم في التفسير والاستنتاج والخروج بالنتائج قبل تحليل الحقائق. ثالثاً: أن بعض الآراء المطروحة في المادة أهم من بعضها الآخر والتركيز عليها يكون أكبر في المادة، ولكن يظهر جلياً ترابط هذه الآراء وقيامها على القاعدة نفسها وسيرها في اتجاه واحد، أي أن نتائجها تعزز الفكرة نفسها التي يخرج بها قارئ المادة عن رسول الإسلام ﷺ ولا يناقض بعضها بعضاً. رابعاً: إذا كانت آراء مونتقمري وات والشبه التي يثيرها - وهو الكاتب الأساس لمادة "محمد: النبي ورسالته" التي أتناولها تحليلاً في هذا البحث -ذات علاقة توضيحية بما ورد في الموسوعة وتفيد في فهم الشبه المذكورة- أذكر آراءه وفقا لما تقتضيه هذه الحاجة؛ لأن ما يظهر في الموسوعة لا يعدو كونه رأس جبل الجليد الكامن تحت الماء، إذ إن الشبه التي تعرضها الموسوعة تناقش بشكل أوسع في كتابات وات، ونحتاج في مواضع إلى تنبيه القارئ لهذا الخطر. خامساً: إظهاراً للحق وجَلْواً للبس أقوم بالرد على هذه الشبه كلٍّ على حدة؛ متسلحاً في ذلك بردود عدد من الباحثين المسلمين (١) الذين درسوا هذه

стр. 23

الآراء، ومضيفا إليها ما فتح الله عليَّ به، والله نسأل التوفيق والسداد. سادساً: نظرا لتداخل الشبه وانطلاقها من السياق التفسيري نفسه لأحداث السيرة النبوية، فإن الردود عليها تكون في مواضع مترابطة فيما بينها، وعلى القارئ أخذ السياق العام للشبهة والرد في الحسبان. سابعاً: على القارئ ملاحظة أن الاقتباسات المأخوذة من الموسوعة تبدأ بالعلامة ? في متن البحث، وأورد الأصل في الحواشي.

стр. 24

الشبهة الأولى: التشكيك في المصادر العربية ويورد د. فاروق عمر فوزي قول تور أندريه وهو يشكك في الثقة بالمعلومات التي وصلتنا عن محمد ﷺ قائلاً: "لا نعرف بالضبط متى ولد محمد؟ وأكثر ما جاءنا عن حياته الأولى معلومات أسطورية" (ص ٥١) ، وتعليقاً على هذا يقول د. فاروق عمر فوزي: "وهكذا يفاجئ المؤرخ المتخصص بتاريخ الإسلام ... وبعد كل التقدم الذي حصل في تحقيق ونشر المخطوطات العربية وفي طريق البحث العلمي في التاريخ وفي تفسير التاريخ وفلسفته، يفاجئ المؤرخ بفرضيات وتفاسير تعود به إلى تصورات المبشرين المتطرفين في العصور الوسطى" (١) .

стр. 25

ويجد هذا المنهج السقيم طريقه إلى الموسوعة في عدة أماكن ويظهر التشكيك في أمور نعدها من المسلمات، ومن أمثلة ذلك: *محمد (الاسم كاملا، أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم) ولد في مكة سنة ٥٧٠م تقريباً بعد موت والده عبد الله (١) . *وفي حوالي ٥٩٥م في إحدى هذه الرحلات كان مسؤولاً عن تجارة امرأة ثرية وهي خديجة من بني أسد، وبهرها لدرجة أنها عرضت عليه الزواج. ويقال إنها كانت في الأربعين، ولكنها ولدت لمحمد على الأقل ولدين ماتا صغيرين وأربع بنات وأشهرهن فاطمة زوجة ابن عم محمد، علي (٢) . يقول وات: "بولغ كثيرا في عمر خديجة، وتذكر المصادر أسماء سبعة أطفال ولدت لمحمد، ولو كان الأمر كما يذكر ابن سعد أنها أنجبتهم على فترات منتظمة، مما يجعل عمرها ثمانية وأربعين قبل ولادة الطفل الأخير، وهذا ليس أمراً مستحيلا ولكنه من الغرابة بمكان بحيث يستحق الإشارة إليه، أنه أمر يمكن اعتباره معجزة" (٣) . ورغم اعتراف وات بأن ولادة المرأة في سن الثامنة والأربعين "ليس أمراً مستحيلا" إلا أنه يلقي بظلال من الشك على هذا الاحتمال، ويقول: بأنه

стр. 26

معجزة، وهذا ما يعرف بالتنازل المراوغ أو بمنهج البناء والهدم (١) ، وهو ليس إلا تلاعباً بالألفاظ وتدليساً كلامياً، فكم من امرأة ولدت بعد الخمسين، فإن كانت هذه "معجزة" في رأي وات فهي معجزة لا تستحق كثيرا من الاهتمام. *ويقال: إن المكيين خططوا لقتل محمد قبل أن يرحل (٢) . *يستبعد وات محاولة اغتيال الرسول ﷺ التي تعرض لها قبيل هجرته التي حيكت في دار الندوة، إذ يقول "ليس هناك شك في أن هذا الاجتماع قد عقد، وأن الحاضرين أدركوا أن محمداً يهيئ مشاريع معادية لهم، كما يقول ابن إسحق، وتوضح الحوادث التي وقعت فيما بعد أن النية لم تنعقد على قتل محمد ... ؛ لأن الاتفاق على ذلك لم يكن بالإجماع، ولربما كان قرب وقوع الخطر هو الذي عجل برحيل محمد، ومن الصعب التأكد من طبيعة الخطر الذي كان يهدد محمدا وأتباعه، فلقد أضيفت أشياء كثيرة على قصة الهجرة، حتى إن المصادر الأولى نفسها لم تخل من الإضافات، ولا يستبعد أن يكون محمد قد رُجِم في مكة بعد الاجتماع" (٣) . يثير كلام وات هذا تساؤلات أكثر مما يجيب عنها: إذا كان يقطع جازما أن الاجتماع قد عقد، فلماذا عقد هذا الاجتماع؟ ثم لماذا يستبعد مشروع الاغتيال، بحجة أن هذا لا يتم في اجتماع؟ ألا يتم اتفاق كهذا في اجتماع

стр. 27

للملأ من أهل مكة؟ لقد أخبرنا العزيز الحكيم بما تم فعلا في هذا الاجتماع في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ( [الأنفال: ٣٠] ، وإذا كان يعترف بأن هناك خطراً يهدد محمداً ﷺ وأتباعه، فما هو هذا الخطر؟ ولماذا لا يكون الخطر هو محاولة الاغتيال؟ وكيف يفترض احتمال رجم محمد ﷺ دون دليل؟ أو يشكك وات في المصادر الأولى بحجة أنها "لم تخل من الإضافات" ثم يأتي باحتمال لا نعرف من أين أتى به؛ ليوهم القارئ بأنه لم شتات ما بَعثر.

стр. 28

الشبهة الثانية: التشكيك في نزول الوحي يزعم المستشرقون أن الوحي إنما هو استشعار داخلي ولكنه صادق، فهم لا يشككون بصدق شعور النبي ﷺ بالنبوة، ولكنهم يظنون إنما هو استشعار داخلي وقناعة ذاتية دون أن يكون هناك شيء خارجي اسمه الوحي (١) ، وأن كلمة "الوحي" لا تعني تلقي النص من الله بل تعني اقتراحاً أو إشارة suggestion أو تكلم ذهني intellectual locution. وفي حوالي ٦١٠م بينما كان يتدبر في أمور كهذه تراءى لمحمد مخلوق ذو أبهة (قيل فيما بعد إنه الملك جبريل) وسمع صوتا يقول له: "أنت رسول الإله". وشكلت هذه بداية مهنته رسولاً من الإله ( [بالعربية] رسول الله) أو نبياً. ومن وقت لآخر تلقى، على فترات متتابعة، حتى موته "وحياً"،

стр. 29

أي رسائل كلامية اعتقد أنها أتت مباشرة من الرب. وأحياناً بقيت هذه في ذاكرة محمد وأصحابه وأحياناً كتبت. وفي حوالي ٦٥٠م جمعت وكتبت في القرآن (أو Koran كتاب الإسلام المقدس) في الصيغة التي بين أيدينا. ويؤمن [يعتقد] المسلمون بأن القرآن وحي إلهي كتب من كلام الرب نفسه (١) . ونلاحظ في هذا الاقتباس الذي تفوح منه رائحة التشكيك أن كلمة "وحي" حصرت بين فاصلتين معقوفتين قبلها ومثلها بعدها أي ركِّنت. وهذه سنة متبعة في كتابات من يشككون في الوحي ممن ذكرنا آنفا يقصد بها التشكيك فيما بين الفواصل وتأكيده دون سواه في السياق الذي يرد فيه (٢) . ويخرج وات بهذه النتيجة من خلال تأثره بأقوال سابقيه وبفهمهم الخاطئ لمعنى كلمة وحي، فهم يقصرون معناه على حديث النفس للنفس ويزعمون بأن مصدره هو "اللاوعي الجماعي، الذي هو مصدر كل وحي ديني" (٣) ، وعملاً بمنهجهم في اختلاق النتائج ولي أعناق الوقائع التاريخية وتقطيع أوصالها

стр. 30

للتوافق مع هذه النتائج، أوّلوا آي الكتاب وبخاصة الآيات ١-١٢ من سورة النجم، والآيات ٢٢-٢٨ من سورة التكوير، التي تتحدث عن إلقاء الوحي إلى رسول الله ﷺ ولقائه جبريل ﵇، حيث يقول وات: إن عدم ذكر اسم الملك يشكك في رؤية الرسول ﷺ له! ثم بعد ذلك يناقش باستفاضة أن كلمة "أوحى" تعني "اقترح"، ويستقرئ الروايات الإسلامية في ضوء هذا الزعم. وإذا كان وات يرى هذا فما باله بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ( [الدخان:٣] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ [القدر:١] ، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، فهل كلمة أنزل تعني اقترح أيضا؟ وماذا سيقول وات وغيره من المستشرقين في آيات الإعجاز التي تشهد يوما بعد يوم أن القرآن ليس من عند رسول أمي عاش قبل ألف وأربعمائة سنة، فهل من حديث النفس للنفس أن ينزل الله وصفاً دقيقاً لمراحل نمو الجنين لم تهتد إلى مثل دقته البشرية بكل ما أوتيت من أنواع المعارف إلا في القرن التاسع عشر؟ وما رأي وات في المظاهر الحسية -التي ذكرتها الروايات المتواترة المنقولة عمن عاصروه ﷺ من تفصُّد جبينه عرقاً في اليوم الشديد البرد، ومن ثقله الشديد الذي لا يحتمله بشر عادي أثناء نزول الوحي عليه ﷺ ؟ ومن ذلك ما رواه البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ عندما كان فخذه تحت فخذ رسول الله

стр. 31

صلى الله عليه وسلم ونزل الوحي عليه وهم على حالهم تلك فوجد زيد ما وجد من الشدة حتى خاف أن تُرَضّ فخذه، وهل هذه المظاهر الحسية أيضا من حديث النفس للنفس؟

стр. 32

الشبهة الثالثة: التفسير المادي لوقائع السيرة يرى وات أن النمو التجاري وتدفق الثروة كان لهما أثر سلبي على قيم الرحمة والكرم في المجتمع المكي مما انعكس على تصدع اللحمة القبلية، وكانت الحاجة ملحة للموافقة بين الازدهار المادي والنظام الأخلاقي الروحي البدائي الذي كان سائدا في المجتمع، ولتحقيق هذا الهدف تصور محمد ﷺ حلاًّ دينياً للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، ولذا يقول إن: "إعلان الدين الجديد جاء رداً على مرض العصر الذي سببه التطور الذي انتقل بالمجتمع المكي من حياة البداوة إلى اقتصاد حضري" (١) . وتجد هذه الآراء طريقها إلى الموسوعة في الموضوع الفرعي التالي: الدعوة النبوية والنشاطات الدينية المبكرة. يبدو أن محمداً كان يمر بمرحلة من المزاج التأملي ويقال: إنه تبنى عادة قضاء الليالي في فترات متفرقة في غار في جبل في مكة. ولاشك في أن الفقر والنوازل في حياته المبكرة جعلته مدركاً للتوترات في المجتمع المكي. فمكة التي تقطنها قبيلة قريش التي ينتمي إليها بنو هاشم كانت مركزاً تجارياً بنيت حول ملاذ محرم وهو الكعبة التي ضمنت أمن من يأتون للتجارة في الأسواق. وفي أواخر القرن السادس

стр. 33

نشطت التجارة بقوافل الجمال بين اليمن ومنطقة البحر المتوسط (غزة ودمشق) ، وجلبت البضائع من الهند وإثيوبيا إلى البحر المتوسط، وفرض كبار تجار مكة احتكاراً على هذه التجارة. ولهذا كانت مكة مزدهرة ولكن أغلب الثروة كانت في يد أقلية. ونتيجة لهذا تصدعت اللحمة القبلية فقد سعى التجار وراء مصالحهم الشخصية وأهملوا واجباتهم التقليدية نحو من هم أقل حظوظاً. وفي حوالي سنة ٦١٠م بينما كان يتدبر في أمور كهذه تراءى لمحمد مخلوق ذو أبهة (قيل فيما بعد إنه الملك جبريل) وسمع صوتا يقول له: "أنت رسول الإله". وشكلت هذه بداية مهنته رسولاً من الإله ( [بالعربية] رسول الله) أو نبياً (١) . نحن لا ننكر وجود بعض أفراد في قريش استأثروا برؤوس الأموال دون غيرهم، واستحوذ عليهم الجشع حتى صاغوا من واقع مجتمعهم ومعاملاتهم المعيشية ما صاغوا وفقاً لما تقتضيه المصالح الاقتصاديةنهم أنهم صاغوا واقعه, وأن المجتمع المكي كان

стр. 34

فيه من الدنايا ما فيه، إلا أن اختزال رسالة محمد ﷺ في برنامج ضيق للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لضمان حق المستضعفين في توزيع الثروة، والقفز إلى هذه النتيجة، تفسير تلفيقي للأمور يقوم على فرضية أن هذا الدين مختلق وأن الوحي أتى من داخل النبي وهو أمر رددنا عليه في الشبهة الثانية، وإثبات أن الوحي من عند الله هو إثبات أن محمداً ﷺ لم يأت به من تلقاء نفسه. إن أسباب إعلان الدين الجديد معروفة، فمنها: قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ يس: ٦] ؛ وقول الحق : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] ، ويقول ابن كثير: "بعث الله محمداً ﷺ في حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إبراهيم الخليل، فبدلوه وغيروه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن الله بها ... فبعث الله محمداً بشرع عظيم شامل كامل في الهداية والبيان لكل ما يحتاج إليه الناس من أمر معاشهم ومعادهم" (١) .

стр. 35

الشبهة الرابعة: دعوى تأثر الإسلام بالبيئة الوثنية يتحدث وات عن بداية الإسلام بتوحيد غامض لم يتضح إلا فيما بعد، ويقول إن: "الأجزاء الأقدم في القرآن لا تحتوي على أي هجوم على الوثنية،

стр. 36

بل كانت تقول بوجود توحيد غامض (vague monotheism) عند أتباع محمد، ثم أخذ الإلحاح يشتد على وجود إله واحد مع اشتداد النقد لعبادة الأصنام" (١) ، ويدعي أن التوحيد: "لم يكن في الأصل واضح المعالم وبخاصة لم يُبت في أمر اعتبار الكائنات الأقل أهمية [الأصنام] لا تتفق معه تماماً (٢) ، ويقول وات بتدرج تطور التوحيد. واستقراء وات هنا ليس إلا إسقاطاً للنظرة الغربية فيما يتعلق بتطور الأديان على وقائع الدعوة المحمدية، وإيهاماً بأن الرسول لم يكن يدرك حقيقة أبعاد دعوته ﷺ وما يدعو إليه. وإذا كان القرآن لم يحاول مهاجمة الوثنية على حد زعمه فماذا عن سورة "الكافرون"، وماذا تعني الآيات: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ, أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤-٥] ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦] ، أليس فيها دليل على وقوع خلاف بين محمد ﷺ والمشركين حول مفهوم التوحيد ووجوب عبادة الله وحده دون إشراك، ثم ماذا عن سورة الإخلاص، وما فيها من تكريس لهذا المفهوم ونفي مطلق للشرك؟ لقد كانت الفكرة الجوهرية للدعوة الإسلامية منذ البداية هي عقيدة

стр. 37

التوحيد وهي عقيدة لم تنشأ تدريجياً، فالرسول ﷺ أصر في أوائل الرسالة على "لا إله إلا الله" وقريش تساومه (١) . والتصديق بهذه النظرة المنحرفة يظهر في الموسوعة في مواضع منها: واعتقد بعضهم أن الله "إله أعلى" يفوق الآلهة الأقل مكانة (٢) . ولم يلبث أن جمع حوله أصدقاء متعاطفين قبلوا دعواه بأنه نبي وصحبوه في العبادات والصلوات الجامعة. ونتجت هذه عن فعل سجود يلمسون فيه الأرض بجباههم اعترافاً بعظمة الرب - لا يزال هذا العمل عظيماً في العبادة الإسلامية (٣) . وتنعكس هذه النظرة المنحرفة أيضاً في تأكيد أهمية الكعبة؛ لكونها معلماً وثنياً مقدساً مما جعلها عظيمة في الإسلام: ويُرجَّح أنهم أحياناً تعبدوا معاً في الكعبة وهي مكان عبادة لعبدة الأصنام من العرب (٤) . وتُؤكد سور القرآن المبكرة الموحاة إلى محمد خيرية وقوة الرب كما ترى في الطبيعة وفي رفاهية المكيين وتدعو هؤلاء إلى الامتنان إلى "رب الكعبة"،

стр. 38

الذي عرف على أنه الرب (١) . ويُقترح في بعض الأحيان أن السبب الرئيس وراء المعارضة هو خوف التجار من أن الدين الجديد لن يعترف بالكعبة مكاناً مقدساً، ولكن هذا الاقتراح بعيد عن الواقع. لقد كان هناك بالتأكيد هجوم على الأصنام ظهر في القرآن، وبدأ الإسلام يُنتقد لتمسكه بأنه "لا إله إلا الله"، ولكن لم يكن هناك هجومٌ على الكعبة، والأصنام المذكورة كان لها معابدها الرئيسة في أماكن أخرى (٢) . في صيف عام ٦٢١م أعلن اثنا عشر رجلاً من المدينة خلال زيارتهم لمكة من أجل الحج السنوي إلى الكعبة (التي كانت لم تزل معبداً وثنياً) إسلامهم سراً وعادوا للدعاية له في المدينة (٣) . والتاريخ يشهد أن الكعبة كانت معلماً توحيدياً رفع قواعدها إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉ قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ, رَبَّنَا

стр. 39

وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧-١٢٨] ، وأن قريشاً كانت تفتخر بدين أبيها إبراهيم، وإنما كانت الكعبة مقدسة عند العرب خلال فترة الوثنية لعلمهم بقداستها من عند الله ، ولم ينكروا وجوده وإنما أتوا بالأصنام في الكعبة وحولها؛ جهلاً منهم وتلبيساً للشيطان عليهم تقرباً لله بها وتشفعاً عنده ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] . ولكن يظهر أن الموسوعة ومن ورائها وات، وهو من درس تاريخ العرب قبل الإسلام، لم يلفت نظر القارئ إلى هذه الحقيقة التاريخية الكبيرة ليجزِّئ تاريخ مكة ويبدأه من عصر الجاهلية ومن ثم يبين أن هذه هي الركيزة والأرضية الثقافية التي قام عليها الإسلام، وهذه مبالغة في بتر أطراف التاريخ لينساق عاجزاً في الطريق التي أرادوا، إنما دعوة محمد ﷺ أتت لتطهير هذا البيت من الأوثان والشرك للطائفين والعاكفين والركع السجود من جديد (١) .

стр. 40

الشيهة الخامسة: دعوى خصوصية الإسلام للعرب ... الشبهة الخامسة: دعوى خصوصية الإسلام للعرب يذكر وات ما يفيد أن الدعوة المحمدية كانت خاصة بقريش والعرب: "اعتبر محمد نفسه أول الأمر مرسلاً إلى قومه من القرشيين، ثم أخذ شيئا فشيئاً وبدرجات لا تبدو بوضوح في القرآن يتراءى له هدف أوسع لرسالته" (٢) ، ويزيد: "نحن نعتقد بأن محمداً بعد عودته من الطائف أخذ يدعو أفراد القبائل
следующие страницы →