← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7649

الشبهات المزعومة حول القرآن الكريم في دائرتي المعارف الإسلامية والبريطانية

محمد السعيد جمال الدين

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة: عنيت الموسوعات العالمية بمختلف أنواعها - العامة منها والمتخصصة – بالقرآن الكريم، فأفرد له بعضها مقالات ومواد مستقلة جرى الحديث فيها عن مصدر القرآن، وكيف جمع، والقراءات المختلفة، وأجزائه وسوره وآياته، وأسلوبه، وموضوعاته، وترجماته إلى اللغات الحية. إلخ. وتحظى هذه الموسوعات بقبول واسع في دوائر المثقفين والباحثين، كما تتميز بالتأثير البالغ في توجيه أفكار الناشئة والشباب، غير أنها تحفل بالكثير من الشبهات والأخطاء حول القرآن الكريم وكذلك حول الرسول ﷺ وسائر دعائم الدين الحنيف، مما يسهم في تقديم صورة مغلوطة ومشوهة عن الإسلام. ولما كان لابد من تتبع هذه الموسوعات للرد على ما ورد بها من شبهات وتصحيح ما اشتملت عليه من أغلاط بشأن القرآن الكريم، فقد رأينا الاقتصار على موسوعتين إحداهما متخصصة والأخرى عامة، كل واحدة منهما تعد علماً في مجالها ونموذجاً لهذا المجال:

стр. 2

(٢) - وأما الموسوعة العامة فهي دائرة المعارف البريطانية Encyclopaedia Britannica، وهي تتمتع بانتشار واسع في دوائر المثقفين في سائر أرجاء العالم. وينقسم هذا المقال إلى: تعريف بخصائص الموسوعات العالمية وبيان أهميتها وخطرها، مع التركيز على الموسوعتين المذكورتين، واستخلاص المنهج الذي اعتمده المستشرقون في دراستهم للقرآن الكريم مما ورد في الموسوعتين، وبيان للشبهات الواردة فيهما والرد عليها بمنهج المستشرقين أنفسهم. وينتهي المقال بخاتمة تتضمن جماع النتائج التي توصل إليها البحث. والله الموفق،

стр. 3

الموسوعات منهج الدراسات الاستشراقية للقرآن على نحو ما ورد بالموسوعات العالمية الموسوعات: تعريف وتوضيح ... الموسوعات: تعريف وتوضيح تنطوي الموسوعات على أهمية بالغة للباحثين والمثقفين، ويطلق اسم الموسوعات أو دوائر المعارف Encyclopaedia على الكتاب الذي يشتمل على مجموع المعارف الإنسانية في مجالات الثقافة والفنون والعلوم، ويتضمن نبذة مختصرة ومبسطة تتناول معلومات في مختلف المجالات، وينقسم إلى مواد منفصلة يراعى في إيرادها الترتيب الأبجدي "وهي تحاول أن تقدم كل شيء لكل الناس، والأثر الطبيعي الذي تحدثه بنفس القارئ هو تذكيره بمدى قلة ما يعرفه مما هو محيط به، فربما دفعه هذا الشعور إلى مزيد من التعلم" (١) . وتحقق الموسوعات فائدة مزدوجة لكل من القراء الراغبين في المعرفة والباحثين، فهي تقدم للقارئ معلومات مجملة عن النقاط الثانوية في الموضوع، والتواريخ، وأسماء الأماكن وغيرها، لكن أحكامها في القضايا الرئيسة لابد أن تكون موثقة (٢) . وتذيّل كل مادة من مواد الموسوعة بثبت بأسماء المصادر والمراجع المهمة في الموضوع، ومن ثم فإن أول ما ينصح به الباحث المبتدئ هو أن تكون المواد المكتوبة في الموسوعات حول موضوعه هي أول ما يرجع إليه للاستعانة بها في اكتشاف أبعاد هذا الموضوع، والتعرف على جهود السابقين في دراسته والمصادر والمراجع المتاحة.

стр. 4

وفي كل مرة يعاد فيها طبع الموسوعة تعاد كتابة موادها لتشتمل على أحدث ما توصل إليه العلم والمعرفة في كل مادة من هذه المواد، وإضافة مواد جديدة لم تشتمل عليها الطبعات السابقة. ويمكننا أن نميز بين نوعين من الموسوعات: موسوعات عامة، وأخرى متخصصة، فأما العامة فتتجه إلى القارئ العادي غير المتخصص أكثر من اتجاهها إلى الباحث المتخصص فتكون أقل تفصيلاً من الموسوعات المتخصصة، ومن ثم فإن موادّها تناسب القارئ المتعجل الذي يريد أن يلمّ بأطراف الموضوع ويحصل فيه على نوع من المعرفة المتميزة دون التعمق فيه (١) . وأما الموسوعة المتخصصة فتقتصر على مجال محدد تتناوله من مختلف جوانبه وفروعه دون غيره، كدائرة المعارف الإسلامية التي تعنى بكل ما يتعلق بالإسلام من علوم ومعارف. وقد عرف العالم الإسلامي تدوين الموسوعات منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) منذ ألف ابن النديم كتابه: الفهرست، ثم تبعه الفارابي فألف "إحصاء العلوم" وما لبث التأليف الموسوعي أن ذاع وانتشر بفضل الموسوعات الكبرى التي ألفت في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) مثل كتاب نهاية الأدب للنويري، و"صبح الأعشى" للقلقشندي و"مسالك الأبصار" لابن فضل الله العمري.

стр. 5

وفي القرن الماضي ألفت موسوعتان كبيرتان بالعربية هما: "دائرة معارف البستاني" في أحد عشر مجلداً، و "دائرة معارف القرن العشرين" لمحمد فريد وجدى في عشرة مجلدات. ومنذ القرن الثامن عشر الميلادي عني الأوربيون عناية كبيرة بتأليف الموسوعات الضخمة التي تبلغ كل منها ما يزيد على مائة مجلد كدائرة المعارف الفرنسية الكبرى التي أشرف على نشرها " الأمبر Alambert والتي بلغ تعداد مجلداتها ١٦٦ مجلداً فضلاً عن ٤٠ أطلسا وخريطة، ودائرة دى لاردنر deLardner الإنجليزية والتي تشتمل على ١٣٢ مجلداً وقد صدرت أجزاؤها تباعاً منذ سنة ١٨٢٩ حتى سنة م١٨٤٦. وتعد الموسوعة البريطانية (دائرة المعارف البريطانية) أشهر الموسوعات العامة على الإطلاق، كما تعد أفضل موسوعة كتبت باللغة الإنجليزية (١) ، وهي توزّع على نطاق واسع في كل القارات، ويتباهى بتملكها المثقفون في كل أنحاء العالم. وكانت قد طبعت لأول مرة في بريطانيا سنة ١٧٧١هـ في ثلاثة أجزاء بإشراف عدد من كبار العلماء البريطانيين في ذلك الوقت، ثم طبعت بعد ذلك عدة طبعات وصدرت طبعتها الرابعة عشرة في شيكاغو (أمريكا) سنة ١٩٢٩م في ٢٤ مجلداً. وكانت دائر المعارف البريطانية قد خلت من مادة مستقلة عن "القرآن" في طبعاتها القديمة التي أحيل فيها إلى الرجوع تارة إلى مادة "محمد" وتارة إلى مادة "الأدب العربي" (انظر طبعتي ١٨٩٠و١٩٢٦م) حتى أفردت في طبعه

стр. 6

سنة ١٩٢٩للقرآن مادة مستقلة تشتمل على ترجمة لكتاب ألماني بعنوان" موجزات شرقية" نشره المستشرق الألماني تيودور نولدكه (توفي سنة ١٩٣٠) في برلين سنة ١٨٩٢ (١) . أما طبعة سنة ١٩٧٤، وهي الطبعة الخامسة عشرة، والتي بين أيدينا الآن فقد كتب مادة القرآن فيها باللغة الإنجليزية H. R (كذا دون تعريف كاف) . وتقع هذه المادة في المجلد الخامس عشر، في نحو خمس صفحات على عمودين كاملين. أما دائرة المعارف الإسلامية (٢) وهي موسوعة متخصصة فقد قرر مجلس إدارتها أن يضرب صفحاً عن طبعتها الأولى ويعيد كتابة موادها من جديد، فصدرت الدائرة في طبعتها الجديدة بالاسم نفسه وأضيفت إليها عبارة الطبعة الثانية Encyclopaedia of Islam second Edition. وقام بكتابة مواد هذه الطبعة المستشرقون المحدثون وعدد من كتاب الطبعة السابقة ممن ظلوا على قيد الحياة لكي تتضمن خلاصة ما توصل إليه الفكر الاستشراقي الحديث من آراء ونتائج في مختلف الموضوعات الإسلامية. وبدأت مجلداتها تصدر تباعاً من مطبعة بريل، بمدينة ليدن بهولندا منذ سنة ١٩٦٠م. ثم أعيد طبع هذه الطبعة نفسها مرة أخرى بعد ذلك في سنة ١٩٧٩.

стр. 7

ويبدو لي أن بعض دوائر المعارف المتخصصة، وبخاصة دائرة المعارف الإسلامية، تتوسع في مقالاتها توسعاً يكاد يخرجها عن كونها مجرد إشارات سريعة تتيح أمام الباحث المبتدئ مساحة كافية تعينه على تكوين رأي خاص في الموضوع، بل توشك هذه المقالات أن تكون تقارير شبه كاملة تتضمن الكثير من التقرير والحسم، قلما يجد الباحث فرصة كافية لكي ينفك من تأثيراتها الغالبة وآرائها شبه النهائية ويكون لنفسه رأياً خاصاً في موضوعاتها. وإذا نظرنا إلى مادة "القرآن" التي كتبها باللغة الإنجليزية A.T.Welch في الطبعة الثانية المشار إليها، والتي اعتمدنا عليها في كتابة هذا المقال، نجد أنها تقع في ٣٣ صفحة من القطع الكبير، ببنط صغير وعلى عمودين كاملين في كل صفحة، مما يساوي كتاباً بأكمله في الموضوع. وقد حشد الكاتب المادة بآراء كبار المستشرقين – القدماء منهم والمحدثين في كل جزئية من جزئيات المقال، الأمر الذي يجعل الباحث المبتدئ لا يملك - في الغالب الأعم - إلا أن يتبنى الخط العام الذي يوحي به المقال.

стр. 8

منهج الدراسات الاستشراقية للقرآن على نحو ما ورد بالموسوعات العالمية حين طالعت مادة "القرآن" بدائرة المعارف الإسلامية التي تضمنت عرضاً شاملاً لدراسات المستشرقين المحدثين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الثلث الأخير من القرن العشرين حول القرآن اكتشفت أن هؤلاء المستشرقين قد تأثروا أبلغ التأثر في دراستهم بمنهج تم تطويره لنقد ما يسمّى الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) وكتب أخرى تلحق بهما، فرأيت أن أدرس هذا المنهج، وأستخلص أصوله وقواعده لكي نرى ما إذا كان صالحاً حقاً للتطبيق على القرآن الكريم. وكان النقد المنهجي للكتاب المقدس قد حقق منذ القرن التاسع عشر حتى وقت قريب نتائج باهرة في نقد العهد القديم (التوراة وكتب أخرى ملحقة بها) بخاصة، مما جعل المستشرقين يظنون أن بوسعهم إن عمدوا إلى تطبيق قواعد هذا النقد على القرآن الكريم أن يتوصلوا إلى نتائج مماثلة، ومن ثم استندت دراساتهم للكتاب العزيز على تلك القواعد منذ منتصف القرن التاسع عشر، وانعكس ذلك بوضوح على ما كتب بشأن القرآن الكريم في الموسوعات العالمية. ومن هنا كان علينا أن نتوقف قليلاً للتعرف على تلك القواعد وتبين الأسس التي ينتهجها المستشرقون في دراساتهم المذكورة.

стр. 9

وكان نقاد ما يسمى الكتاب المقدس من العلماء الألمان بخاصة والأوربيين بعامة قد اعتمدوا في نقدهم للعهد القديم على منهج نقدي أسموه "النقد الأعلى" الذي يهدف إلى دراسة نصوص ذلك العهد على أنها نصوص تاريخية على الباحث أن يطبق عليها كل المعايير التي يطبقها على أية نصوص تاريخية أخرى، بصرف النظر عن أنها نصوص مقدسة (١) . استطاعوا به التوصل إلى عدد من النتائج التي لا تقبل الجدل، من أهمها: (١) - أن موسى ﵇ لا يمكن أن يكون هو الذي كتب الأسفار الخمسة التي يطلق عليها اليهود والنصارى. "التوراة" وينسبونها إليه (٢) . (٢) - أن بعض الأسفار التي تنسب إلى أنبياء بني إسرائيل - مثل سفر أشعياء النبي إنما هي مزيفة ومختلقة ولا يمكن أن تنسب إليه، بل هي من تأليف ثلاثة من المؤلفين عاشوا في أزمنة مختلفة (٣) . (٣) - تم اكتشاف عدة مصادر بشرية للتوراة لكل مصدر منها طابعه الخاص وزمنه الذي وضع فيه (٤) .

стр. 10

(٤) - تم اكتشاف مصدر أصلي سابق على المصادر المشار إليها في الفقرة السابقة وقد استعانت به كل هذه المصادر، يتمثل في التراث الشعبي الشفهي الذي يعتمد على الذاكرة ويتضمن الأحكام والأمثال الشعبية والأساطير (١) . وقد تبين لهؤلاء العلماء أخيراً، وبعد جهد مضنٍ، أن تلك الأسفار مكتوبة بأقلام اليهود، وتظهر فيها الأفكار والنظم المتعددة التي كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل (٢) . وطبّق العلماء المنهج نفسه في دراستهم للأناجيل الأربعة (العهد الجديد) وأضافوا بعداً آخر لابد من الرجوع إليه لتفسير جوانب كثيرة غامضة في النصرانية، وهو الديانات الوثنية في كل من بابل ومصر وفارس وآسيا الصغرى وسوريا واليونان والهند (٣) . وقد ميّز أصحاب هذا المنهج بين نوعين من الدراسة: أ- الدراسة النقدية العليا (وتشبه النقد الخارجي في المنهج التاريخي) . (٤) وهي التي تختص بدراسة الظروف المحيطة بالنص كموقف المؤلف وأهدافه، والظروف التاريخية والاجتماعية السائدة.

стр. 11

ب- النقد الأدنى، بمعنى دراسة النص نفسه لتبين التناقض في الأجزاء التشريعية والقصص وغيرها. ويجري الجهد الآن للمزج بين هذين النوعين (١) : وسأحاول الآن أن استخرج مجموعة القواعد المفصلة التي يقوم عليها هذا المنهج، وذلك من خلال قراءتي للنتائج التي حققها علماء نقد الكتاب المقدس، لنتبين إلى أي حد كان كتّاب الموسوعات أوفياء لقواعد هذا المنهج ملتزمين بأصوله في دراستهم للقرآن الكريم (٢) .

стр. 12

أولا: الدراسات النقدية العليا "النقد الأعلى " ... أولاً: الدراسة النقدية العليا (النقد الأعلى) : (١) - لابد للباحث أن يستخدم قاعدة الشك المنهجي، فلا يجزم بشيء يتعلق بالراوي إلا بعد التثبت من ذلك بأسباب قوية. (٢) - فيما يتعلق بالراوي لابد من الإجابة عن هذه الأسئلة. من الراوي، وما سيرته وأخلاقه، وما غايته؟ متى كتب كتابه، وفي أي وقت، ولمن كتب؟

стр. 13

مدى تحقق شروط العدالة الأخلاقية والضبط العلمي فيه، فإن وجد نقص في أيهما انتفت الصحة من الرواية. (٣) - دراسة البيئات السياسية والاجتماعية والأحداث التاريخية والصراعات العقدية، ومدى انعكاسها على الكاتب وبالتالي على النص. (٤) - كيف جمع النص أولاً وما الأيدي التي تناولته، وما النسخ التي اشتمل عليها؟

стр. 14

ثانياً: النقد الأدنى (ويشبه النقد الداخلي في مناهج الدراسة الأدبية) : (١) - وجوب دراسة لغة ما يسمى الكتاب المقدس (العبرية) لفهم المعنى المقصود دون تدخل من المترجمين. (٢) - لا يؤخذ النص ككل بل يحلل إلى أجزاء ويدرك كل جزء على حدة. (٣) - تجمع العبارات في أقسام رئيسة وتفرز العبارات الواضحة من العبارات المبهمة والمعارضة لفظياً، مع تطبيق قاعدة الحقيقة والمجاز اللفظي لا المعنوي في شأن هذه العبارات. (٤) - التحليل الداخلي الدقيق للنص للعثور على الأخطاء والاختلافات والتناقضات مثل: أ- الأخطاء الطبيعية والرياضية.

стр. 15

ب- أن يذكر الحديث في أكثر من موضع بشكل مختلف من حيث تحديد الزمان والمكان والعناصر زيادة كانت أو نقصاً. ج- إثبات شيء في موضع ونفيه في موضع آخر. د- ذكر قاعدة شرعية في موضع ونفيها في موضع آخر. هـ- ورود لفظ لا يمكن أن يكون قد استعمل بهذه الدلالة إلا في عصور لاحقة. و تباين الأسلوب الأدبي بين أجزاء النص. (٥) - ملاحظة تطور الفكر العقدي من عصر إلى آخر، لاكتشاف اختلاف تواريخ كتابة أجزاء النص.

стр. 16

القرآن وقواعد النقد الأعلى والأدنى: وكانت أول محاولة لتطبيق قواعد النقد الأعلى والأدنى على القرآن الكريم هي ما قام به المستشرقون في شأن ترتيبه حسب النزول. وقد توسع المستشرق الألماني تيو دور نولدكه في دراسة النص القرآني لترتيبه زمانياً حسب نزوله، فاتجه إلى تقسيم السور المكية من القرآن الكريم إلى ثلاث فترات يتميز أسلوب النص القرآني في كل منها عن الآخر، كما يزعم. ولاشك أن نولدكه متأثر في ذلك بمنهج نقد ما يسمى الكتاب المقدس، والذي كتبت أسفاره - كما تبين بالدراسة الفاحصة - على فترات متباعدة تفصل بينها أحياناً عشرات بل مئات السنين. يقول الدكتور عبد الرحمن

стр. 17

بدوي معلقاً على صنيع نولدكه: "فيما يخص الأسلوب، فلو كان مفيداً في التمييز بين الفترات الطويلة فلن يفيد فيما يتعلق بالتمييز بين التتابع التاريخي للسور في فترة قصيرة في الواقع أن كل الفترة المكية لا توفّي إلا ١٢ سنة من ٦١٠ –٦٢٢م، فبأي حق ندعي إذاً التمييز بين أسلوب كاتب خلال ١٢ سنة فقط؟ ناهيك عن استطاعتنا التمييز في تلك الفترة بين ثلاث فترات قصيرة" ويختم بدوي قوله: "إنه من الشطط - إن لم يكن من الكذب - أن نزعم استطاعتنا ترتيب السور تاريخياً في الفترة المكية حسب الأسلوب (١) . وقد أدرك عدد من كبار المستشرقين عدم جدوى تطبيق قواعد النقد الأعلى والأدنى على النص القرآني. يقول المستشرق الإنجليزي آربرى في ذلك: "أنا ألحّ على الرأي القائل بأن عملاً خالداً كالقرآن لا يمكن أن يفهم بصورة أحسن لو أخضعناه لتجربة النقد الأدنى، إنه أمر خارج عن الموضوع أن تتوقع أن المواضع المطروحة في السور المستقلة سوف تنظم بعد عملية إحكام رياضي بعض الشيء لتشكل نموذجاً منطقياً. إن منطق الوحي ليس منطقاً مدرسياً، فليس هناك "قبل" وبعد"في رسالة النبي، عند ما تكون هذه الرسالة صادقة فإن الحقيقة الدائمة لا يمكن أن

стр. 18

تحصر داخل إطار زمني أو مكاني، ولكن كل لحظة تعرض نفسها بشكل كلي مطلق" (١) . وإلى هذا الرأي نفسه يذهب المستشرق السويدي" تور أندريه" صاحب كتاب: "محمد: حياته وعقيدته"، فقد عارض هذا المنهج العقيم الذي سلكه بعض المستشرقين في البحث، مبيناً أن جوهر النبوة لا يمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية. ومهمة الباحث - في رأيه - أن يدرك في نظرة موضوعية كيف تتألف من العناصر والمؤثرات المختلفة وحدة جديدة أصيلة تنبض بالحياة (٢) . لقد ألمح كل من آربرى وتورأندريه، فيما نقلناه عنهما بالفقرتين السابقتين، إلى عيوب تطبيق منهج النقد الأعلى والأدنى على دراسة النص القرآني، وحصرا تلك العيوب في طريقة تحليل النص إلى أجزاء صغيرة وفق أصول الكم الرياضي والكيف المنطقي والترتيب الزماني، وتنبّها إلى أن النص القرآني يعلو على هذه المعايير كلها، وهذا كله حق بلا جدال. لكن الملاحظ أن أحداً من هذين المستشرقين الكبيرين لم يشأ أن يعترف صراحة بالحقيقة الجوهرية والنقطة المبدئية في الأمر كله، وهي أن تطبيق هذا المنهج على القرآن الكريم فاسد من كل الوجوه، لأنهم يدرسونه لا باعتباره

стр. 19

وحياً إلهياً وكتاباً منزلاً من عند الله بل باعتباره نصاً تاريخياً من صنع بشر، ومن تأليف محمد ﷺ ، فمنهج النقد الأعلى والأدنى إن صح تطبيقه في دراسة العهدين القديم والحديث مما يسمى الكتاب المقدس، بل وفي سائر النصوص التاريخية التي هي نصوص بشرية، فلا يصح تطبيق معاييره على نص ينتمي إلى مجال آخر وميدان مختلف غير المجال البشري المحدود. ومن هنا يتبين لنا فساد المنهج الذي يطبقه المستشرقون في دراساتهم القرآنية من حيث المبدأ. ولا يمكننا - بطبيعة الحال - أن ننتظر من المستشرقين خلاف ذلك لأنهم إن سلموا بأنه منزل من عند الله لوجب عليهم التصديق به والإذعان له، ولزمهم اتباعه، ولأنهم لن يفعلوا وتأبى قلوبهم فكان لابد لهم من الحكم سلفاً بأن مصدر القرآن بشرى لكي يطبقوا عليه منهجاً يصلح للتطبيق على النصوص البشرية. وفي هذا العار كل العار للعلم والمعرفة، لأن مقتضى النظر العلمي ألا يدخل الإنسان على الموضوع بفكرة سابقة وإلا فسد مخرجه بفساد مدخله، وفسدت نتائجه بفساد مقدماته وهو آفة العلم الكبرى التي لا علاج لها. لقد ناسب هذا المنهج حالتهم وراقهم لأن من شأنه أن يعفيهم من الحرج - أمام مواطنيهم من الغربيين على الأقل، ويحقق لهم - باسم العلم والموضوعية - أغراضهم في الطعن على الإسلام ورسوله، والتنفيس عن هذا العداء للإسلام والحقد على رسوله مما ورثوه ورضعوه منذ طفولتهم وسيطر، على عقولهم وتسبب في عمى بصيرتهم.

стр. 20

ولست أشك في أن إصرارهم على نفي صفة "كلام الله" عن القرآن الكريم من حيث المبدأ هو الأمر الذي أوقعهم في سلسلة الأخطاء التي ارتكبوها في سائر كتاباتهم والتي حاول المتأخرون منهم التماس الأعذار فيها للمتقدمين (١) ، والمآزق العلمية والمنهجية التي أوقعوا أنفسهم فيها ولم يجدوا منها مخرجاً (٢) ، والجرأة والتبجح والتعالم بالتقول على أسلوب القرآن حتى قال أحد الباحثين العرب (٣) : فمن أين لأعجمي ادعاء أن القرآن فيه ركاكة في اللغة. هذا القرآن الذي أصبح فيما بعد مقياس اللغة العربية. إلى أن يرث الله الأرض من وعليها، فلو أني اتهمت أسلوب جوته الشاعر الألماني بالركاكة لسخر الناس مني، رغم إلمامي باللغة الألمانية، وإجادتي لها لدرجة التأليف بها، فكيف بمستشرق يفهم العربية باستعمال القواميس. إلخ؟ ولو أنهم ردوا القرآن الكريم إلى مصدره الإلهي الحق، واتصفوا بروح التواضع والإنصاف (الذي يلبسون مسوحه ويتظاهرون به أمام الناس خداعاً ومخاتلة) ولم يدخلوا على البحث بفكرة سابقة وإصرار أكيد لكانوا قد سلموا من ذلك كله، ولكن كيف يمكنهم ذلك؟ هل يخشون أنهم لو دخلوا على البحث بروح محايدة فافترضوا ضمن فروضهم – كما يقتضيه النظر العلمي - أن القرآن وحي من الله سيقودهم ذلك إلى التسليم به؟ واضح أنهم فعلوا

стр. 21

ذلك لأنهم نفوا هذا الفرض تماماً ونحوه بعيداً، فلم يشيروا إليه من قريب أو بعيد إلا على سبيل التوهين والاستهزاء، لكن هذا الفرض ظل حاضراً في أذهانهم دائماً لأن كل جهدهم (العلمي!!) كان منصرفاً إلى البرهنة على نقيضه، ومباركة كل محاولة تبذل للزعم بأنه من تأليف محمد ﷺ . وتتوالى سلسلة الفساد التي بدأت من تلك المقدمة الفاسدة المتعسّفة - كما ذكرنا - لتضرب كل قاعدة اتخذوها أساساً لنقدهم، فقد ألزمهم نفي كون القرآن كلام الله اتباع ما يلي: (١) - الشك في الراوي: محمد ﷺ ، الذي يؤكد أن القرآن وحي أوحي إليه من الله تعالى وما دام الأمر ليس كذلك (كما يقرره المنهج وكما يزعمون) فلابد من اختلاق الأكاذيب حول سيرته وأخلاقه وغايته، وجمع كل المفتريات في القديم والحديث وحشدها للقدح في ذلك كله، وبذر بذور الشك في نبوته ﷺ . (٢) - طالما أن النص من صنع بشر – كما يزعمون – فلابد من حصره في حدود الطاقات والتصورات البشرية، وما يخرج فيه عن دائرة قدرة العقل البشري والمدركات الحسية يدخل في نطاق الأسطورة ويصبح من حق الباحث - اعتماداً على عقله وحواسه وعلى أصول المنطق والمعرفة المتراكمة التاريخية والعلمية - أن يرفض أي حقائق تتجاوز الواقع المادي المحسوس، كالغيبيات والعقائد، ويبدو كل ما يتجاوز الواقع المادي خرافة غير قابلة للتصديق. وهذا يعني الطعن في ما ورد

стр. 22

بالقرآن من غيب كالمسائل: الألوهية (١) والوحي والملائكة واليوم الآخر والجنة والنار، وما يخرج عن نطاق التاريخ الإنساني المدون. إلخ. (٣) - محاولة إبراز أثر البيئة والزعم بتأثير ما راج بين العرب قبل عصر النبوة من مقولات يهودية ونصرانية ووثنية على النص والتدليل على ذلك بأكاذيب شتى واضحة البطلان - كما سنذكر فيما بعد - والتماس المشابهات بين ما ورد بالنص القرآني وكل من التوراة والإنجيل من ألفاظ وقصص. وحين يعييهم البحث عن أي تشابه في الألفاظ يشتطون في الكذب والاختلاق، أما القصص فحين انتابهم اليأس من العثور على أصول لقصص عاد وثمود في العهد القديم (٢) شك بعضهم في هذه الأقوام أصلاً، بينما ردّها آخرون إلى أثر المرويات الشفوية التي كانت رائجة في البيئة العربية قبل عصر النبوة، ولا دليل لهم عليه. (٤) - النظر إلى الآيات الشريفة بحسبانها مرتبطة بزمان معين ومشدودة الوثاق بظروف البيئة والعصر الذي نزلت فيه، لا باعتبارها أحكاماً نهائية مطلقة خارجة عن إسار الزمان والمكان قد اكتسبت صفة

стр. 23

الديمومة والخلود (كما لاحظ المستشرق آربرى في تصريحه السابق في ص ١٠-١١) وقد أدت بهم هذه النظرة إلى الفشل الذريع الذي منيت به محاولاتهم المتكررة لتقييد النص القرآني بقيود تاريخية وترتيبه حسب الزمان (١) . (٥) - التحوّط من كل الروايات التي قالها المسلمون والأحكام التي استخلصها علماؤهم، والقدح فيها باعتبارها أقوالاً وأحكاماً منحازة غير محايدة في الموضوع فضلاً عن أنه لا دليل عقلياً عليها. وإنما يقتصر منها على أجزاء ما بها من أقوال وأحكام تسند ما يذهبون إليه حتى ولو كانت ظاهرة البطلان، ولكن يعتدّ بها لأنها إنما صدرت عن المؤمنين بالقرآن أنفسهم ومؤيّديه. (٦) - تشبثهم بالمفاهيم الغربية في النقد الأدبي كاشتراط "وحدة الموضوع" في كل سورة من السور وتمسكهم المتعسف بضرورة أن يكون موضوع كل سورة موضوعاً موحداً، وبالتالي دراسة البناء الداخلي لكل واحدة من السور بمعزل عن غيرها (٢) . وقد ّم بعض المستشرقين جدوى أية محاولة تجري في الحاضر أو المستقبل في

стр. 24

هذا الاتجاه (١) . والملاحظ هنا أن ما يتشبث به المستشرقون من "وحدة الموضوع" في السور لا يتصل من قريب أو بعيد بمسألة " النظم " القرآني وترتيب الآيات ترتيباً توقيفياً لا شبهة فيه (٢) . فهذا الترتيب يعد من أبرز دلائل الإعجاز في القرآن الكريم، وهو "من عمل الوحي يقيناً" (٣) . (٧) - لابد لمن يطبق هذا المنهج أن يتحلّى بمعرفة واسعة بأساليب اللغة العربية وبالتالي التعامل بالقدر اللازم من الفهم والوعي مع النص القرآني. ولما كان المستشرقون يفتقرون إلى مثل هذه المعرفة العميقة فقد وقعوا في أخطاء فاحشة عند التطبيق سيتبين لنا جانب منها بالدراسة الفاحصة لما ورد في بعض أعمالهم بعد قليل. (٨) - محاولتهم وضع نماذج وأطر معيارية لصيغ القرآن وأساليبه الإنشائية والخبرية، وهي المحاولة التي باءت بالفشل وعبّر عنها كاتب مقال القرآن بدائرة المعارف الإسلامية بقوله: إن طبيعة القرآن وترتيبه تجعل من الصعب تصنيف صيغه الأدبية أو تنظيم موضوعاته الرئيسة، وأية محاولة لتصنيف أجزاء القرآن وفق النماذج الأدبية المعيارية تصاب بالانهيار على الفور.

стр. 25

(٩) - وطالما أنه نص من صنع بشر – كما يزعمون - والبشر لابد له أن يستقي أفكاره وتصوراته من مصادر بعينها، فإنه لابد من رد هذه التصورات التي أطلقوا عليها "غرائب تثير الدهشة" و "أساطير" مما ليس له وجود في التوراة والإنجيل والبيئة العربية قبل نزول القرآن إلى روايات من قصص تقليدية توجد في ثقافات الشرق الأدنى، وقد عدّلت لتتطابق مع النظرة العالمية وتعاليم القرآن (١) . ويضربون لذلك أمثلة لا يمكن إن لم يكن من المستحيل – التأكد بأن لها أصولاً في ثقافات الشرق القديم، لأن البحث في تلك الثقافات لم يرق إلى درجة اليقين بما كانت تشتمل عليه من تصورات وأفكار. (١٠) - وإذا ورد في النص القرآني ما يثبت العلم الحديث حقيقة وقوعه ويقع في دائرة المعطيات الحسية لابد من المبادرة إلى التشكيك فيه حتى لا يترك للقارئ - أو حتى للباحث المبتدئ - مجرد فرصة التفكير في تطابق الحقائق العلمية مع ما ورد بالقرآن الكريم مما يجعله مختلفاً عن التوراة في هذا المجال. فقد رأينا كاتب مادة "القرآن" في دائرة المعارف الإسلامية حين عرض لقصة نوح ﵇ وأشار إلى الطوفان الذي وردت قصته في سورة هود (الآيات ٣٦-٤٨) وأثبت البحث في علوم طبقات الأرض حدوثه – رأينا الكاتب يسارع إلى القول: " وعلى أي حال فهو ليس الطوفان الذي عمّ العالم بأسره،

стр. 26

ونسأله: أي طوفان يكون إذاً طوفان نوح؟ فلا يحير جواباً بعد هذه العبارة ولا يقدم دليلاً. وأكتفي في هذه العجالة بهذا القدر من بيان الأخطاء التي كان لابد أن يقع فيها المستشرقون بسبب اعتمادهم على منهج النقد الأعلى والأدنى في دراساتهم للقرآن الكريم.

стр. 27

الشبهات الواردة في الموسوعتين: الإسلامية والبريطانية: تحليل ونقد أولا: شبهات في دائرة المعارف الإسلامية: الطبعة الجديدة مدخل ... الشبهات الواردة في الموسوعتين: الإسلامية والبريطانية: تحليل ونقد أولاً: شبهات في دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الجديدة) تبدأ مادة القرآن في دائرة المعارف الإسلامية بعرض الخطوط الرئيسة التي سيتم تناولها على النحو التالي: (١) - أصل الكلمة ومرادفاتها: أ- الاشتقاق والاستعمال القرآني للكلمة. ب- الترادف في القرآن. (٢) - محمد والقرآن. (٣) - تاريخ القرآن بعد سنة ٦٣٢: أ- جمع القرآن. ب- القراءات المختلفة، ومخطوطات الصحابة. ج- بناء النص المعتمد والقراءات. (٤) - التكوين العام: أ- السور وأسماؤها. ب- البسملة.

стр. 28

ج– الحروف الغامضة (يعني حروف المقطعات) . (٥) - تاريخ النص: أ- الإشارات التاريخية في القرآن. ب- الترتيب الزماني التقليدي عند المسلمين. ج- الترتيب الزماني الغربي الحديث. (٦) - اللغة والأسلوب: أ- لغة القرآن. ب- الألفاظ الأجنبية. ج- السجع والتكرار. د- التكوين التخطيطي والروايات المتعددة. (٧) - الصيغ الأدبية والموضوعات الرئيسة: أ- القسم وما يتصل به. ب- الأجزاء الرمزية. ج- الأجزاء الصريحة. د- القصص. هـ- التنظيمات. و الصيغ التعبدية.

стр. 29

(٨) - القرآن في حياة المسلمين وفكرهم. المصادر والمراجع المتعلقة بالبنود من ١إلى ٨. (٩) - ترجمة القرآن: أ- المذهب التقليدي. ب- الترجمة إلى لغات معينة. وتبدو هذه الخطة مستوعبة للموضوع من مختلف جوانبه، عمد الكاتب إلى بسط إطارها العام لكي يقدم من خلالها خلاصة للنتائج التي أجراها المستشرقون منذ تيودور نولدكه في كتابه "تاريخ القرآن" (طبعة جوتنجن ١٨٦٠) وجوستاني ويل في كتابه " الفتوحات الحربية التاريخية" (بليفيلد ١٨٧٨) ، حتى العقد الثالث من القرن العشرين حول القرآن الكريم. ويحاول الكاتب أن يبدو موضوعياً فلا يشير في مقاله إلى الأعمال التي نشرها القساوسة والكتاب الأوربيون في القرون السابقة عن القرآن الكريم والتي حفلت بالهجوم الخاطئ والمحاولات الساذجة غير المعقولة، وإنما يبدأ بالدراسات التي أجراها المستشرقون منذ منتصف القرن الرابع عشر، بعد أن توافرت لهم الأدوات العلمية، والقدرة على فهم اللغات، وبعد نشر الكثير من المخطوطات العربية، فبدوا - كما يحاول كاتب المقال أن يظهرهم - أكثر موضوعية وتدقيقاً في المنهج. وفي نطاق محاولته لكي يبدو موضوعياً يبدأ في كل فصل من الفصول بعرض آراء المسلمين الأوائل، ثم يأتي بعد ذلك بآراء المستشرقين الغربيين.

стр. 30

علينا الآن أن نتتبع كاتب المادة بدقة في الفصلين الأولين - نموذجاً لسائر ما كتبه في المقال - وهما: أصل الكلمة ومرادفاتها، محمد ﷺ والقرآن، لنعرف إلى أي حد كان الكاتب ملتزماً بقواعد منهج النقد الأعلى والأدنى الذي جعله معياراً لعمله ومناطاً لجهده في البحث والدرس (١) .

стр. 31

أصل الكلمة ومرادفاتها: يعرض الكاتب أول ما يعرض لكلمة "القرآن" والتي ترددت في القرآن نفسه - كما يشير الكاتب - أكثر من سبعين مرة بمعان مختلفة. ويقول: إن المستشرقين قبلوا النظرية التي قال بها شفالي في كتابه (تاريخ القرآن) أن "القرآن" قد اشتق من كلمة "قرياءنا" السريانية، (ومعناها القراءة المقدسة، والدرس) . أما النظرة الغالبة لدى الدوائر الإسلامية فهي أن الكلمة اسم من قرأ. ويشير الكاتب إلى أن كلا الرأيين يجد لنفسه سنداً من القرآن، حيث يظهر فعل "قرأ" ولكن ليس كما يتكرر بمعنى القراءة أو التلاوة. ثم يقول: "ولعل أنسب النتائج وأقربها قبولاً هي أن مصطلح القرآن قد أصّل في القرآن نفسه لكي يمثّل كلمة "قيريانا السريانية" ولكنه أسس على مصدر عربي بصيغة "فعلان" من قرأ". وهكذا حاد كاتب المقال عن الحقيقة بعد أن تبينت له، فالكلمة العربية اشتقت من القراءة، كما أن أول سورة من القرآن - حسب الترتيب الزماني للسور والذي أعده المستشرقون أنفسهم، تبدأ بكلمة: اقْرَأ، فعل أمر من قرأ،

стр. 32

وهي نفس المادة العربية التي اشتقت منها كلمة القرآن. وآثر الكاتب أن يقحم الرأي المتعسف الذي افتراه المستشرق الألماني شفالي ومن سار على دربه من المستشرقين بأن الكلمة منحدرة من المصادر النصرانية السريانية، (معتمداً على مخطوطة سريانية من القرن السادس موجودة بالمتحف البريطاني) وهي المصادر التي لا يمكن لأحد أن يأتي بدليل على ظهورها وتأثيرها عند نزول القرآن الكريم. ولا شك أن الكاتب يهدف بتصدير المقال بهذا المبحث اللغوي المتعسف إلى أن يبين أن هناك اتصالاً وثيقاً بين القرآن الكريم والمصادر المذكورة، وأن هذا الاتصال إنما يبدأ بكلمة "القرآن" نفسها التي ليست في الواقع إلا كلمة مأخوذة من السريانية، كل ذلك لكي يسهل على القارئ أن يتقبل ما سوف يرد من آراء في هذا السياق. ويمضي كاتب المقال قائلاً: "ولا يمكن لمعنى كلمة القرآن ومصدر الكتاب المقدس للمسلمين أن يتضحا تماماً دون أن نضع في الاعتبار استخدام عدد آخر من المصطلحات الوثيقة الصلة بالموضوع، ولا يقتصر الأمر هنا على "آية" و"كتاب" فحسب، بل يشمل أيضاً "سورة" و "ذكر" و"مثاني"، و "حكمة" وغيرها. ثم يقول "إن المعنى الأصلي للفظ "آية" كالكلمة الشبيهة في العبرية "أوث"، والسريانية "آثا"، هي العلامة والدليل وتأتي كرمز لحقيقة غير مرئية" ولكنه يستدرك قائلاً" غير أن اشتقاقها ليس مؤكداً". وبعد ذلك يعرض لكلمة "سورة" فينقل عن شفالي قوله: إنها تبدو مشتقة من "صورطا" أو "سورثا" السريانية: ومعناها الكتاب المقدس.

стр. 33

كما يعرض للفظ"مثاني" فينقل ما قاله بعض المستشرقين من أنها مشتقة من "مشنا" العبرية، وبعضهم الآخر من "ماثنيتكا" السريانية أو الآرامية، لكن اللفظ كما يؤكد كاتب المقال - لابد أن يكون متأثراً بـ "ثنى" العربية، بمعنى أعاد وكرر. ثم يأتي الكاتب إلى كلمة "حكمة" فيقول إنها ربما جاءت من الكلمة الآرامية "حخما" فالكاتب بقدر ما ينفي أن بعض هذه الكلمات ترجع إلى أصول عبرية أو سريانية أو آرامية فإنه يشير إلى صحة اشتقاق بعضها من هذه الأصول. وهو يتتبع كل كلمة من الكلمات السابق ذكرها فيعرض لمعانيها الواردة في المكي ثم المدني من القرآن الكريم متبعاً في ذلك منهج النقد الأدنى، كما سبق أن أشرنا. وإذا تأملنا النتائج التي توصل إليها المستشرقون في هذا البحث - وفقاً لما عرضه كاتب المقال - نجد أنها لم تأت بجديد، فهي قد أقرت بما أعلنه المسلمون من أن ألفاظ: قرآن، آية، سورة، كتاب إنما تمثل وحدات من التنزيل، وأن الكتاب يعني كتاب الله. إلخ ومن ثم لا يشتمل هذا المبحث إلا على ما أثاره بعض المستشرقين من شبهات حول اشتقاق بعض ألفاظ القرآن الكريم وردها إلى أصول عبرية أو سريانية، وبمعنى آخر ردّها إلى أصول يهودية أو نصرانية. ولاشك أن الهدف من وراء هذا التشكيك في أصالة المصطلحات الرئيسة في القرآن الكريم وردّها إلى أصول عبرية أو سامية أو آرامية إنما هو

стр. 34

استدراج للقارئ وتمهيد لإقناعه بأن القرآن هو من اختراع محمد وتأليفه، وأنه قد تعلم هذه الألفاظ من اليهود والنصارى. ويناقش الدكتور عبد الرحمن بدوي مزاعم المستشرقين في هذا الصدد قائلاً: "ولكي نفترض صحة هذا الزعم فلا بد أن محمداً كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولابد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل الأدب التلمودي والأناجيل المسيحية ومختلف كتب الصلوات وقرارات المجامع الكنسية وكذلك بعض أعمال الآباء اليونانيين وكتب مختلف الكنائس: الملل والنحل المسيحية". ويعلق عبد الرحمن بدوي على هذا بقوله: "هل يمكن أن يعقل هذا الكلام الشاذ لهؤلاء الكتاب، وهو كلام لا برهان عليه. إن حياة النبي محمد ﷺ قبل ظهور رسالته وبعدها معروفة للجميع. ولا أحد قديماً أو حديثاً يمكنه أن يؤكد أن النبي كان يعرف غير العربية، إذاً كيف يمكن أن يستفيد من هذه المصادر كما يدَّعون" (١) . على أن اللغات العربية والعبرية والسريانية تنتمي إلى سلالة لغوية واحدة هي سلالة اللغات السامية، ولابد من أجل ذلك أن يكون بينها الكثير من التشابه والتماثل. ومن ثم فإن القول بأن إحدى اللغات قد استعارت ألفاظاً بعينها من أخواتها هو ضرب من التعسف، مالم يقم عليه دليل.

стр. 35

ويمكن أن تكون هذه الألفاظ قد وجدت في العربية قبل زمن النبي ﷺ بوقت طويل واستقرت في اللغة العربية حتى أصبحت جزءاً منها وصارت من مفرداتها التي يروج استخدامها بين العرب. كما أن من المستحيل الآن بسبب غموض تاريخ اللغات السامية أن نحدد من اقتبس هذه الألفاظ المشتركة من الآخر: العربية أم العبرية (١) ؟ وهذا كاف في الدلالة على إثبات تفاهة حجج من توسع من المستشرقين في باب الاشتقاق من اللغات السامية (٢) .

стр. 36

(٢) محمد والقرآن: يبدأ كاتب المقال هذا الفصل بقوله إن كتاب الإسلام المقدس وتجربة محمد النبوية ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يمكن فهم أيهما فهماً كاملاً دون الآخر. ثم يشير إلى ما استقر عليه الرأي من أن الله في القرآن هو المتكلم دائماً، وأن محمداً هو المتلقي وأن جبريل هو وسيط الوحي ويضيف: ولكن تحليل النص يبين أن الموقف أشد تعقيداً من هذا.

стр. 37

ويبدأ الكاتب في عرض نصوص من القرآن الكريم لبيان العلاقة التي تربط بين أطراف القضية الثلاثة: المتكلم، والوسيط، والمتلقي، استناداً إلى منهج " النقد الأعلى والأدنى" الذي يعمد إلى تحليل هذه النصوص وربط بعضها ببعض ربطاً تاريخياً، وسوف نتتبع الكاتب في هذا العرض ونتقصَّى ما ذهب إليه، فإن كان مشتملاً على حقائق علمية ثابتة أيدناها ووافقناها، خدمة للكتاب العزيز، وإن جاء متضمناً غير ذلك بيناً وجه الخطأ فيه، وحاولنا قدر استطاعتنا الإبانة عن الحق والصواب بالبينة والبرهان. أ- المتكلم: يقول: "فيما يبدو أن الأجزاء الأقدم من القرآن، لا يتبين المتكلم أو مصدر الوحي، ففي بعض السور (يشير إلى آيات في سور الشمس، والقارعة، والتكاثر، والعصر) لا نجد حتى مجرد إشارة بأن الرسالة تأتي من الإله. والكاتب يتجاهل هنا الآيات الأولى التي نزلت من القرآن، في سورة العلق (١) ، اقرأ باسم ربك الذي خلق"، فالرسالة قد أنزلت من الخالق، والنبي مكلف بالبلاغ. كما يتجاهل الكاتب - هو ومن نقل عنه من المستشرقين (٢) - ما ورد في سورة الشمس نفسها التي استشهد بها من قول الله

стр. 38

تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ فهذه وغيرها كلها إشارات إلى الخالق المعبود وصنعه في الكون وفي النفس البشرية. ثم يقول الكاتب: إن السور المبكرة التي يشار فيها إلى إله محمد لا ترد فيها إشارة إلى اسم الإله، إنما هو لفظ الشخص الثالث، إذ ترد في العبارة "ربي" و"ربك" ويضرب الكاتب على ذلك مثلاً بما ورد في سورة: الذارايات، والطور، والمدثر. إلخ. ولا يمكن من يزعم أنه يتبع منهجاً تحليلياً لنص من النصوص - وفقاً لمنهج النقد الأدنى - أن ينتقى منه ما يشاء ويغفل عن بقيته، إلا إذا كان يبغي التضليل، فهو قد غفل عن اسم إله محمد الذي ورد في السورة الأولى: العلق. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (١٤:١) ، كما ورد في السورة الثانية: المدثر: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣١:٢) . بل ورد في السورة التي استشهد بها الكاتب كالذاريات: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر" (٥١:٥٠) . وفي هذا - وغيره كثير - دلالة على أن اسم إله محمد (الله) قد ورد في السور المبكرة، على عكس ما يزعم الكاتب. كما ورد في سورة المدثر - التي يستشهد بها الكاتب - بصيغة المتكلم أيضاً لا المفرد الغائب فقط - ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ ... وَجَعَلْتُ.. وَمَهَّدْتُ ... سَأُرْهِقُهُ ... سَأُصْلِيهِ﴾ . (٢٦:١١) . وواضح أن كاتب المقال - ومن اعتمد عليه من المستشرقين - يحاول أن يشكك في ماهية الطرف الأول من أطراف القضية (المتكلم: الله تعالى)

стр. 39

فيزعم أن هذا الطرف كان غامضاً في الفترة المكية المبكرة، لأن السور التي تنتمي لتلك الفترة لم تحدده أو تعينه بوضوح. والكاتب يرمي إلى الإيحاء بأن اسم هذا الإله ما تحدد بوضوح إلا في الفترة المدنية بعد أن اتصل محمد باليهود الذين تعلم منهم كما يزعم الكاتب. ثم ما لبث الكاتب أن ناقض نفسه فقال "ورد في القرآن أن محمداً (الذي زعم الكاتب لتوه أنه لم يكن يعرف ربه تماماً) قد رأى الله مرات عديدة Muhammed had Visions of God كما ورد في سورة النجم ١٠ (لعله يعني الآية ١١) : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وفي سورة التكوير ٢٣: "ولقد رآه بالأفق المبين"وعلى الأقل في الفترة المكية كان صوت الله نفسه، وليس أي وسيط، ما سمعه محمد". ونقول إن النص في كلا الموضوعين لا يسمح بأن تكون الإشارة إلى الله تعالى، وإنما الضمير عائد في الآية الأولى إلى "شديد القوى " يعني جبريل ﵇، الذي علم النبي ﷺ : فقد رآه النبي على صورته التي خلقه الله عليها كما قال العلماء: وفي الآية الثانية يعود الضمير إلى رسول كريم، وهو أيضاً جبريل ﵇ الذي يمهد الكاتب لإنكاره دوره بزعمه أن الشواهد تقول: إن محمداً قد تلقى الوحي في الفترة المكية من الله مباشرة، إذ لم تكن ثمة حاجة إلى وسيط بينه وبين محمد. والكاتب يريد بهذا التلبيس أن يعد قارئه لقبول النتيجة التي يسوقها في الفقرة التالية.

стр. 40

ب- الوسيط: يقول: وفي السور المبكرة ومن أجل تحديد مصدر الوحي، فإن الله هو المتكلم، وهو المصدر المباشر، مثلاً ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (١) . (المزمل ٥) و ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (الأعلى ٦) ، وعدد آخر من السور المكية المتأخرة والمدنية المبكرة يتحدث عن آيات القرآن والكتاب لمحمد (يشير إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ (البقرة: ٢٥٢) ، وآل عمران ١٠٨ وكلاهما مدنية، والجاثية ٦ مكية) . لكن في خلال الفترة نفسها نجد مجموعة من السور تقول بتعالي الله عن الإيحاء المباشر. وقد جاء هذا بطريقتين: أن تقال الرسالة لكي تنزّل عن طريق وسطاء معينين. وأن تتصل بشكل ما بـ "الكتاب" وكلتا الظاهرتين تتضح في سورة الشورى ٥١ حيث ينكر القرآن بصراحة أن يتكلم الله مباشرة مع محمد: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء. وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ نقول: لا يمكن - بعد ما قدمناه في أول هذا الفصل - أن يزعم الكاتب اعتماداً على الآيتين اللتين أوردهما من سورة المزمّل وسورة الأعلى أن الله قد كلم محمداً ﷺ تكليماً فما هو إلا تنزيل، ولا شك أن التحجج بالكلمات: سنلقي عليك، سنقرئك، نتلوها عليك، يدل على جهل مطبق بأساليب العربية، وهي لا تدل بحال على الإلقاء المباشر أو القراءة والتلاوة المباشرة على المتلقي.
следующие страницы →