كانت في ذمته بإجماع فلا تسقط إلا بإجماع وهو مفقود, قيل لكم: ومن ذا الذي قال بسقوطها من ذمته بالتأخير, وأن ذمته قد برئت منها, فمن قال بهذا فقوله أظهر بطلانا من أن نحتاج إلى دليل عليه. والذي يقول منازعوكم إنها قد استقرت في ذمته على وجه لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها إلا بعود ذلك الوقت بعينة, وهذا محال, ثم نعارض هذا الإجماع بإجماع مثله أو أقوى منه, فنقول: أجمع المسلمون على أنه عاص متعد مفرط بإضاعة الوقت فلا يرتفع هذا الاجماع إلا بإجماع مثله, ولم يجمعوا أنه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل بعد الوقت, بل لعل هذا لم يقله أحد.
فهذا ما يتعلق بالحجاج من الجانبين, وليس لنا غرض فيما وراء ذلك, وقد بان من هو أسعد بالكتاب والسنة وأقوال السلف في هذه المسالة والله المستعان.
فصل
فإن قيل فقد أمر النبي ﷺ المفطر متعمدا في نهار رمضان بالقضاء في موضعين أحدهما المجامع. والثاني: المستقيء. ففي السنن من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ قد جامع أهله في رمضان فذكر الحديث وقال فيه: "فأتى بعذق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعا" وفيه قال: "كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله ". وعند ابن ماجة: "وصم يوما مكانه".
وفي السنن والمسند من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض". قيل: الحديثان معلولان لا يثبتان. أما قصة المجامع في رمضان فقد رواها أصحاب الصحيح ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة, والذي ذكرها لا تقوم به الحجة فإنها من رواية عبد الجبار بن عمر الأيلي وقد ضعفه الأئمة. قال يحيى بن معين: "ليس بشيء ولا يكتب حديثه" وقال مرة: "ضعيف" وكذلك قال أبو زرعة والسعدي أي ابن سعد والنسائي, وقال البخاري: "ليس بالقوي عنده مناكير" وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه يخالف فيه والضعف بين على رواياته" ورواه أئمة أصحاب ابن شهاب عنه كمالك وغيره فلم يذكروا قوله: "صم يوما مكانه". ورواه أبو مروان العثماني عن إبراهيم بن سعد عن الليث عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "له في هذه القصة اقض
стр. 72
يوما مكانه". وكذا روي عن الدراوردي عن إبراهيم بن سعد عن الليث قال البيهقي وإبراهيم عنده الحديث عن الزهري بلا هذه الكلمة, وقد رواه حجاج بن أرطاة عن إبراهيم بن علي كذا مر عن ابن المسيب وعن الزهري عن حميد عن أبي هريرة ورواه حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وقال فيه عمرو وأمره أن يقضي يوما مكانه, وقد رواه هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال فيه: "وصم يوما مكانه واستغفر الله". فخالف هشام الناس في روايته عن أبي سلمة والحديث لحميد عن أبي هريرة.
ورواه ابن أبي اويس قال حدثني أبي أن ابن شهاب أخبره عن حميد أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ : أمر الذي يفطر في رمضان أن يصوم يوما مكانه, ولكن هذا يخالف رواية أصحاب ابن شهاب فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة, وقال الشافعي أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن ابن المسيب قال أتى أعرابي إلى رسول الله ﷺ فذكر الحديث, وقال في آخره: "فصم يوما مكان ما أصبت". وهذا مرسل ولكنه من مراسيل ابن المسيب, ورواه داود بن أبي هند عن عطاء فلم يذكر قوله: "وصم يوما مكانه" وعطاء كذبه ابن المسيب. وقال ابن حبان: "كان رديء الحفظ يخطيء ولا يعلم فبطل الاحتجاج بت".
وأما حديث المستقيء عمدا فهو حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء". فقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال: قال محمد يعني البخاري لا أراه محفوظا, وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "ليس من ذا شيء". وقال الترمذي في كتاب العلل: حدثنا علي بن حجر حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض". قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: ما أراه محفوظا قال: وقد روى يحيى ابن أبي كثير
стр. 73
عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة كان لا يرى القيء بفطر الصائم.
وبتقدير صحة الحديث فلا حجة فيه, إذ المراد به المعذور الذي اعتقد أنه يجوز له الاستقياء أو المريض الذي احتاج أن يستقيء فاستقاء فإن الاستقياء في العادة لا يكون وإلا فلا يقصد العاقل أن يستقيء حاجة فيكون المستقيء متداويا بالاستقياء كما لو تداوى بشرب دواء, وهذا يقبل منه القضاء أو يؤمر به اتفاقا, وقد اختلف الفقهاء في المجامع في نهار رمضان إذا كفر هل يجب أن يقضي يوما مكان الذي أفطره على ثلاثة أقوال: وهي الشافعي أحدها يجب. والثاني: لا يجب. والثالث: إن كفر بالعتق أو الإطعام وجب عليه الصيام وإن كفر بالصوم لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم١.
стр. 74
فصل
وأما المسألة السادسة: وهي هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا ؟
فهذه المسألة مبينة على أصلين: أحدهما أن صلاة الجماعة فرض أم سنة؟ وإذا قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها؟ فهاتان مسألتان:
أما المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص عليه الشافعي في مختصر المزني, فقال: وأما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا من عذر, وقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: ذكر حضور الجماعة على العميان, وإن بعدت منازلهم عن المسجد. ويدل على ذلك أن شهود الجماعة فرض لا ندب, ثم ذكر حديث ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا فهل يسعني أن أصلي في بيتي قال: "تسمع الإقامة". قال: نعم. قال: "فأتها". قال ابن المنذر: ذكر تخويف النفاق على تارك شهود العشاء والصبح في جماعة, ثم قال في أثناء الباب: فدلت الأخبار التي ذكرت على وجوب فرض
стр. 75
الجماعة على من لا عذر له, فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير: "لا أجد لك رخصة". فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة. قال: وفي اهتمامه ﷺ بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم أبين البيان على وجوب فرض الجماعة, إذ غير جائز أن يتهدد رسول الله ﷺ من تخلف عن ندب وعما ليس بفرض.
قال: ويؤيده حديث أبي هريرة أن رجلا خرج من المسجد بعدما أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ , ولو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره, وإنما لما أمر الله جل ذكره بالجماعة في حال الخوف دل على أن ذلك في حال الأمن أوجب, والأخبار المذكورة في أبواب الرخصة في التخلف عن الجماعة لأصحاب الأعذار تدل على فرض الجماعة على من لا عذر له, ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للترخيص في التخلف عنها في أبواب العذر معنى, ودل على تأكيد فرض الجماعة قوله ﷺ : "من يسمع النداء فلم يجب فلا صلاة له". ثم ساق الحديث في ذلك ثم قال: وقال الشافعي ذكر الله الأذان بالصلاة, فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ . وقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . وسن رسول الله ﷺ الأذان للصلوات المكتوبات فأشبه ما وصفت أن لا يحل أن تصلي كل مكتوبة إلا في جماعة حتى لا يخلو جماعة مقيمون أو مسافرون من أن يصلي بهم صلاة جماعة فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر وإن تخلف أحد فصلاها منفردا لم تكن عليه إعادتها صلاها قبل الإمام أو بعده إلا صلاة الجمعة فإن من صلاها ظهرا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها لأن إتيانها فرض هذا كله لفظ ابن المنذر, وقالت الحنفية والمالكية: هي سنة مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه, والخلاف بينهم وبين من قال أنها واجبة لفظي. وكذلك صرح بعضهم بالوجوب, قال الموجبون: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ
стр. 76
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ . ووجه الاستدلال بالآية من وجوه:
أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة, ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ . وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى, ولو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى ففي, الآية دليل على وجوبها على الأعيان, فهذه على ثلاثة أوجه أمره بها أولا ثم أمره بها ثانيا وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ . ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه عاقبهم يوم القيامة بأن حال بينهم وبين السجود لما دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبوا أن يجيبوا الداعي. إذا ثبت هذا فإجابة الداعي هي إتيان المسجد بحضور الجماعة لا فعلها في بيته وحده, فهكذا فسر النبي ﷺ الإجابة.
فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فرخص له فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء". قال: نعم. قال: "فأجب". فلم يجعل مجيبا له بصلاته في بيته إذا سمع النداء فدل على أن الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة, ويدل عليه حديث ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله ﷺ : "تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح". قال: نعم. قال: "فحي هلا". رواه أبو داود والإمام أحمد, "وحي هلا: اسم فعل أمر معناه أقبل وأجب, وهو صريح في أن إجابة هذا الأمر بحضور الجماعة, وأن المتخلف عنها لم يجبه.
وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
стр. 77
وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ , قال: هو قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح, فهذا الدليل مبني على مقدمتين إحداهما: أن هذه الإجابة واجبة, والثانية: لا تحصل إلا بحضور الصلاة في الجماعة, وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمة وأفقههم من الإجابة وهم الصحابة ﵃, فقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: روينا عن ابن مسعود وأبي موسى أنهما قالا: من سمع النداء ثم لم يجب فإنه لا تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر, قال: وروي عن عائشة أنها قالت: من سمع النداء فلم يجب لم يرد خيرا ولم يرد بت, وعن أبي هريرة أنه قال: إن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه, فهذا وغيره يدل أن الإجابة عند الصحابة هي حضور الجماعة, وأن المتخلف غير مجيب فيكون عاصيا. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ , ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها كما سماها الله سجودا وقرآنا وتسبيحا فلا بد لقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ من فائدة أخرى وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين, والمعية تفيد ذلك.
إذا ثبت هذا الأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال, فإن قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ , والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة, قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك, بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ , ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله ولعبادته ولزوم المسجد, وكانت لا تفارقه, فأمرت أن تركع مع أهله, ولما اصطفاها الله وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء, قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى
стр. 78
نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ , فإن قيل كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا, كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ , فالمعية تقضي المشاركة في الفعل ولاتستلزم المقارنة فيه. قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة ولا سيما في الصلاة فإنه إذا قيل صل مع الجماعة أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة.
الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين, وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم, والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين ١ حسنتين لشهد العشاء". وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". متفق على صحته واللفظ لمسلم.
وللإمام أحمد عنه ﷺ : "لولا ما في البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار".
قال المسقطون لوجوبها: هذا ما لا يدل على وجوب صلاة الجماعة لوجوه:
أحدها: أن هذا الوعيد إنما جاء في المتخلفين عن الجمعة, بدليل ما راه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".
стр. 79
الثاني: أن هذا كان جائزا لما كانت العقوبات المالية جائزة, ثم نسخ بما نسخ العقوبات المالية.
الثالث: أنه هم ولم يفعل, ولو كان التحريق جائزا لكان واجبا لا تكون مستوية الطرفين, بل إما واجبة أو محرمة, فلما لم يفعل ذلك دل على عدم الجواز. قالوا: والحديث يدل على سقوط فرض الجماعة لأنه هم بالتخلف عنها وهو لا يهم بترك واجب. قالوا: وأيضا فالنبي ﷺ إنما هم بإحراق بيوتهم عليهم لنفاقهم لا لتخلفهم عن حضور الجماعة.
قال الموجبون: ليس فيما ذكرتم ما يسقط دلالة الحديث, أما قولكم: إن الوعيد إنما هو في حق تارك الجمعة فنعم هو في حق تارك الجمعة وتارك الجماعة, فحديث أبي هريرة صريح في أنه في حق تارك الجماعة وذلك بين في أول الحديث وآخره, وحديث ابن مسعود في أن ذلك لتارك الجمعة أيضا فلا تنافي بين الحديثين, وأما قولكم إنه منسوخ فما أصعب هذه الدعوى وأصعب إثباتها فأين شروط النسخ من وجود معارض مقاوم متأخر ولن تجدوا أنتم ولا أحد من أهل الأرض سبيلا إلى إثبات ذلك بمجرد الدعوى, وقد اتخذ كثيرا من الناس دعوى النسخ والإجماع سلما إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ وهذا ليس بهين ولا تترك لرسول الله ﷺ سنة صحيحة أبدا بدعوى الإجماع ولا دعوى النسخ إلى أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر نقلته الأئمة وحفظته: إذ محال على الأمة أن تضيع الناسخ الذي يلزمها حفظه وتحفظ المنسوخ الذي قد بطل العمل به ولم يبق من الدين.
وكثير من المولدة المتعصبين إذا رأوا حديثا يخالف مذهبهم يتلقونه بالتأويل وحمله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلا فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه فإن رأوا من الخلاف مالا يمكنهم من دعوى الإجماع فزعوا إلى القول بأنه منسوخ وليست هذه طريق أئمة الإسلام بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذا الطريق وأنهم إذا وجدوا لرسول الله ﷺ سنة صحيحة صريحة لم يبطلوها بتأويل ولا دعوى إجماع ولا
стр. 80
نسخ. والشافعي وأحمد من أعظم الناس إنكارا لذلك, وبالله التوفيق.
وإنما لم يفعل النبي ﷺ ما هم به للمانع الذي أخبر أنه منعه منه وهو اشتمال البيوت على من لا تجب عليه الجماعة من النساء والذرية فلو أحرقها عليهم إلى من لا يجب عليه وهذا لا يجوز كما إذا وجب الحد على حامل فإنه لا يقام عليها حتى تضع لئلا تسري العقوبة إلى الحمل, ورسول الله ﷺ لا يهم بما لا يجوز فعله أبدا, وقد أجاب عنه بعض أهل العلم بجواب آخر: وهو أن القوم كانوا أخوف لرسول الله ﷺ أن يسمعوه يقول هذه المقالة ثم يصرون على التخلف عن الجماعة.
وأما قولكم إن الحديث يدل على عدم وجوب الجماعة لكونه هم بتركها فمما لا يلتفت إليه ولا يظن برسول الله ﷺ أنه يهم بعقوبة طائفة من المسلمين بالنار وإحراق بيوتهم لتركهم سنة لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله وهو ﷺ لم يخبر أنه كان يصلي وحده بل كان يصلي جماعة هو وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت, وأيضا فلو صلاها وحده لكان هناك واجبان واجب الجماعة وواجب عقوبة العصاة وجهادهم, فترك أدنى الواجبين لأعلاهما كالحال في صلاة الخوف.
وأما قولكم إنما هم بعقوبتهم على نفاقهم لا على تخلفهم عن الجماعة فهذا يستلزم محظورين: أحدهما إلغاء ما اعتبره رسول الله ﷺ وعلق الحكم به من التخلف عن الجماعة. والثاني: اعتبار ما ألغاه فإنه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم بل كان يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله. الدليل الخامس: ما رواه مسلم في صحيحه أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المجسد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فرخص له, فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء". قال: نعم. قال: "فأجب" , وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم, واختلف في اسمه فقيل عبد الله وقيل عمرو.
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت: يا رسول الله أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني, فهل لي رخصة أن
стр. 81
أصلي في بيتي؟ قال: "تسمع النداء". قال: نعم. قال: "ما أجد لك رخصة".
قا المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب, وقوله: لا أجد لك رخصة أي إن أردت فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخ. قال الموجبون: الأمر مطلق للوجوب فكيف إذا صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة للعبد في التخلف عنه لضرير شاسع الدار لا يلائمه قائده, فلو كان العبد مخيرا بين أن يصلي وحده أو جماعة لكان أولى الناس بهذا التخيير مثل الأعمى.
قال أبو بكر بن المنذر: ذكر حضور الجماعة على العميان وإن بعدت منازلهم عن المسجد, ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لاندب, وإذا قال لابن أم مكتوم وهو ضرير لا أجد لك رخصة فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة.
الدليل السادس: ما رواه أبو داود وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر" -قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلاها".
قال المسقطون للوجوب: هذا حديث فيه علتان إحدهما أنه من رواية مغراء العبدي وهو ضعيف عندهم. الثانية: إنما يعرف عن ابن عباس موقوفا عليه.
قال الموجبون: قد قال قاسم بن أصبغ في كتابه: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر". وحسبك بهذا الإسناد صحة. ورواه ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن عوف حدثنا هشيم شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا؛ قالوا: ومعارك العبدي قد روى عنه أبو اسحاق السبيعي على جلالته ولو قدر أنه لم يصح رفعه فقد صح عن ابن عباس بلا شك, وهو قول صاحب لم يخالفه صاحب.
الدليل السابع: ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم
стр. 82
كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.
وفي لفظ: وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.
فوجه الدلالة أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم؛ وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه؛ ومن استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما ترك فريضة أو فعل محرم, وقد أكد هذا المعنى بقوله: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن.
وسمى تاركها المصلي في بيته متخلفا تاركا للسنة التي هي طريقة رسول الله ﷺ التي كان عليها وشريعته التي شرعها لأمته, وليس المراد بها السنة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها, فإن تركها لا يكون ضلالا ولا من علامات النفاق كترك الضحى وقيام الليل وصوم الإثنين والخميس.
الدليل الثامن: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمام ة أقرؤهم". ووجه الاستدلال به أنه أمر بالجماعة وأمره على الوجوب.
الدليل التاسع: أنه ﷺ أمر من صلى وحده خلف الصف أن يعيد الصلاة, فروى وابصة بن معبد أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة, رواه الإمام أحمد مسند وأهل السنن وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وحسنه الترمذي.
وعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة, فرأى رجلا فردا خلف
стр. 83
الصف, فوقف عليه حتى انصرف, وقال: "استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف". رواه الإمام أحمد وابن حبان.
وفي رواية الإمام أحمد صليت خلف النبي ﷺ فرأى رجلا يصلي فردا خلف الصف فوقف نبي الله ﷺ الرجل حتى انصرف فقال له استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف.
قال ابن المنذر: وثبت هذا الحديث أحمد وإسحاق, فوجه الدلالة أنه أبطل صلاة المنفرد عن الصف وهو في جماعة, وأمره بإعادة صلاته مع أنه لم ينفرد إلا في المكان خاصة فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان, يوضحه أن غاية هذا الفذ أن يكون منفردا, ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله ﷺ بنفيها, فأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته.
قال المسقطون للوجوب: لايمكنكم الاستدلال بهذا الحديث إلا بعد إثبات بطلان صلاة الفذ خلف الصف. وهذا قول شاذ مخالف لجمهور أهل العلم وقد دل على صحتها إجماع الناس على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصف, وقد صلى رسول الله ﷺ خلف جبريل, فروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ أتاه جبريل يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس وأتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ . رواه النسائي.
فقد صلى رسول الله ﷺ خلف جبريل مقتديا به. قالوا: وقد أحرم أبو بكرة فذا خلف الصف ثم مشى حتى دخل الصف ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة. قالوا: وقد أحرم ابن عباس عن يساره ﷺ فأخذ بيده فأداره عن يمينه ولم يأمره النبي ﷺ باستقبال الصلاة بل صحح إحرامه فذا, فهذا في النفل وحديث جابر في الفرض أنه قام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيده فأقامه عن يمينه.
قال الموجبون: العجب من معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل ذلك
стр. 84
فإنه لا تعارض بين الأحاديث بوجه من الوجوه, وأما قولكم إن هذا قول شاذ فلعمر الله ليس شاذا ومعه رسول الله ﷺ وسنته الصحيحة والصريحة, ولو تركها من تركها فلا يكون ترك السنن لخفائها على من تركها أو لنوع تأيل مسوغا لتركها لغيره, وكيف يقدم ترك التارك لهذه السنة عليها.
هذا وقد قال بهذه السنة جماعة من أكابر التابعين منهم سعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي ومن دونهم كالحكم وحماد وابن أبي ليلى والحسن بن صالح ووكيع. وقال بها الأوزاعي, حكاه الطحاوي عنه وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن اسحاق بن خزيمة فأين الشذوذ, وهؤلاء القائلون وهذه السنة.
وأما معارضتكم بموقف المرأة فمن أفسد المعارضات لأن ذلك هو موقف المرأة المشروع لها حتى لو وقفت في صف الرجال أفسدت صلاة من يليها عند أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب أحمد, فإن قيل لو وقفت فذة خلف صف النساء صحت صلاتها قيل ليس كذلك بل إذا انفردت المرأة عن صف النساء لم تصح صلاتها كالرجل الفذ خلف الرجال ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في تعليقه لعموم قوله ﷺ : "لا صلاة لفرد خلف الصف". خرج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرجال للحديث الصحيح بقي فيما عداه على هذا العموم وأما قصة صلاته صلوات الله وسلامه عليه خلف جبريل وحده والصحابة خلفه فقد أجيب عنها بأنها كانت في أول الأمر حين علمه مواقيت الصلاة وقصة أمره ﷺ الذي صلى خلف الصف فذا بالإعادة متأخرة بعد ذلك وهذا جواب صحيح.
وعندي فيه جواب آخر وهو أن النبي ﷺ كان هو إمام المسلمين فكان بين أيديهم وكان هو المؤتم بجبريل وحده وكان تقدم جبريل ﵇ أبلغ في حصول التعليم من أن يكون إلى حانبه كما أن النبي ﷺ صلى بهم على المنبر ليأتموا وليتعلموا صلاته وكان ذلك لأجل التعليم لم يدخل في نهيه ﷺ الإمام إذا أم الناس أن يقوم في مقام أرفع منهم
стр. 85
وأما قصة أبي بكرة فليس فيها أنه رفع رأسه من الركوع قبل دخوله في الصف وإنما يمكن التمسك بها لو ثبت ذلك ولا سبيل إليه وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد فيمن ركع دون الصف ثم مشى راكعا حتى دخل فيه بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع, وعنه في ذلك ثلاث روايات:
إحداها تصح مطلقا, وحجة هذه الرواية أن النبي ﷺ لم يأمر أبا بكرة بالإعادة ولا استفصله هل أدركه قبل رفع رأسه من الركوع أم لا ولو اختلف الحال لاستفصله. وروى سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يركع قبل أن يدخل في الصف، ثم يمشي راكعا ويعتد بها. وصل الصف أم لم يصل.
والرواية الثانية: أنها لا تصح. نص عليها في رواية إبراهيم بن الحارث ومحمد بن الحكم. وفرق بينه وبين من أدرك الركوع في الصف، لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة فأشبه ما لو أدركه وقد سجد, وهذه الرواية أصح عند أكثر أصحابه.
والرواية الثالثة: إن كان عالما بالنهي لم تصح صلاته وإلا صحت لقصة أبي بكرة وقول النبي ﷺ : "لا تعد". والنهي يقتضي الفساد, ولكن ترك في الجاهل به حيث لم يأمره بالإعادة, وكانت هذه حال أبي بكرة.
وأما قصة ابن عباس وجابر في ترك أمرهها بابتداء الصلاة وقد أحرما فذين فهذه أولا ليس فيها أنهما قد دخلا في الصلاة. وإنما فيه أنهما وقفا عن يساره فأدارهما عند أول وقوفهما, ولو قدر أنهما أحرما كذك فمن أحرم فذا صح إحرامه بالصلاة ودخوله فيها, وإنما الاعتبار بالركوع وحده وإلا فمن وقف معه آخر قبل الركوع صحت صلاته, ولو أعتبرنا إحرام المأمومين جميعا لم ينعقد تحريم أحد حتى يتفق هو ومن إلى جانبه في ابتداء التكبير وانتهائه, وهذا من أعظم الحرج والمشقة ولهذا لم يعتبره أحد أصلا والله أعلم.
الدليل العاشر: ما رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء. قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ثلاثة في قرية لا يؤذن فيهم ولا
стр. 86
تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان, فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية".
فوجه الاستدلال منه أنه أخبر باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان وإقامة الصلاة, ولو كانت الجماعة ندبا يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها.
الدليل الحادي عشر: ما رواه في صحيحة رقم من حديث أبي الشعثاء المحاربي قال: كنا قعودا في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصرة حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وفي رواية سمعت أبا هريرة وقد رأى رجلا يجتاز في المسجد خارجا بعد الأذان فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ , ووجه الاستدلال به أنه جعله عاصيا لرسول الله ﷺ بخروجه بعد الأذان لتركه الصلاة جماعة, ومن يقول الجماعة ندب يقول لا يعصي الله ولا رسوله من خرج بعد الأذان وصلى وحده, وقد احتج ابن المنذر في كتابه على وجوب الجماعة بهذا الحديث, وقال لو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره, والذي يقول صلاة الجماعة ندب إن شاء فعلها وإن شاء تركها يجوز للرجل أن يخرج من المسجد وقد أخذ المؤذن في إقامة الصلاة بل يجوز له أن يجلس فلا يصلي مع الإمام والجماعة, فإذا صلوا قام فصلى وحده ولو رأى رسول الله ﷺ وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا عليه غاية الإنكار بل قد أنكر ما هو دون هذا وهو على من لا يصلي مع الجماعة اكتفاء بصلاته في رحله. وقال: "ما لك لا تصلي معنا ألست برجل مسلم". وأمر بالصلاة في الجماعة لمن صلى ثم أتى مسجد الجماعة فقال: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة".
الدليل الثاني عشر: إجماع الصحابة ﵃, ونحن نذكر نصوصهم وقد تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن ابن مسعود قال: من سمع المنادي فلم يجب عذر فلا صلاة له.
стр. 87
وقال أحمد أيضا: حدثنا وكيع حدثنا مسعر عن أبي الحصين عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: من سمع المنادي فلم يجب بغير عذر فلا صلاة له, وقال أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي ﵁ قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. قيل: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع المنادي. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أخبرنا منصور عن الحسن بن علي قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر. وقال عبد الرزاق عن يروي عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: من سمع النداء من جيران المسجد وهو صحيح من غير عذر فلا صلاة له.
وقال وكيع عن عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي عن أبي هريرة قال: لأن تمتليء أذنا ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن عدي بن ثابت عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر فلم يرد خيرا أولم يرد به.
قال وكيع حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عابس قال: من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
وقال عبد الرزاق عن ليث عن مجاهد قال: سأل رجل ابن عباس فقال: رجل يصوم النهار ويقوم الليل لا يشهد جمعة ولا جماعة. فقال ابن عباس: هو في النار, ثم جاء الغد فسأله عن ذلك فقال: هو في النار. قال: واختلف إليه قريبا من شهر يسأله عن ذلك, ويقول ابن عباس: هو في النار.
فهذه نصوص الصحابة كما تراها صحة وشهرة وانتشارا, ولم يجيء عن صحابي واحد خلاف ذلك وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة لو كان وحده, فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟ وبالله التوفيق.
стр. 88
فصل
وأما المسالة السابعة وهي: هل الجماعة شرط في صحة الصلاة أم لا ؟
فاختلف الموجبون لها في ذلك على قولين:
стр. 89
أحدهما: أنها فرض يأثم تاركها وتبرأ ذمته بصلاته وحده, وهذا قول أكثر المتأخرين من أصحاب أحمد ونص عليه أحمد في رواية حنبل فقال إجابة الداعي إلى الصلاة فرض, ولو أن رجلا قال: هي عندي سنة أصليها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث وصلاته جائزة, وعنه رواية ثانية ذكرها أبو الحسن الزعفراني في كتاب الإقناع أنها شرط للصحة فلا تصح صلاة من صلى وحده, وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب واختاره أبو الوفاء ابن عقيل وأبو الحسن التميمي وهو قول داود وأصحابه. قال ابن حزم: وهو قول جميع أصحابنا ونحن نذكر حجج الفريقين:
قال المشترطون: كل دليل ذكرناه في الوجوب يدل على أنها شرط فإنها إذا كانت واجبة فتركها المكلف لم يفعل ما أمر به فبقي في عهدة الأمر. قالوا: ولو صحت الصلاة بدونها لما قال أصحاب رسول الله ﷺ إنه لا صلاة له, ولو صحت لما قال النبي ﷺ : "من سمع المنادي ثم لم يجبه لم تقبل منه الصلاة التي صلى". فلما وقف القبول عليها دل على اشتراطها, كما أنه لما وقف القبول على الوضوء من الحدث دل على اشتراطه.
قالوا: ونفي القبول إما أن يكون لفوات ركن أو شرط ولا ينتقض هذا بنفي القبول عن صلاة العبد الآبق وشارب الخمر أربعين يوما؛ لأن امتناع القبول هناك لارتكاب أمر محرم قارن الصلاة فأبطل أجرها.
قالوا: ولو صحت صلاة المنفرد لما قال ابن عباس إنه في النار, قالوا: لو صحت صلاته أيضا لما كانت واجبة, وأنه إنما يصح عبادة من أدى ما أمر به, وقد ذكرنا من أدلة الوجوب ما فيه كفاية. قال المصححون لها وهم ثلاثة أقسام قسم يجعلها سنة إذا شاء فعلها وإن شاء تركها, وقسم يجعلها فرض كفاية إذا قام بها طائفة سقطت عمن عداهم, وقسم يقول: هي فرض على الأعيان وتصح بدونها. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". وفيهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسة وعشرين ضعفا, وذلك أنه إذا توضأ
стр. 90
فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث تقول: اللهم صل عليه اللهم ارحمه, ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة". قالوا فلو كانت صلاة المنفرد باطلة لم يفاضل بينها وبين صلاة الجماعة إذ لا مفاضلة بين الصحيح والباطل.
قالوا: وفي صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله". قالوا: فشبه فعلها في جماعة بما ليس بواجب, والحكم في المشبه كهو في المشبه به أو دونه في التأكيد.
قالوا: وقد روى يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا قال: "علي بهما" -فجيء بهما ترعد فرائصهما- قال: "ما منعكما أن تصليا معنا" , فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا. قال: "فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة". رواه أهل السنن. وعند أبي داود: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك مع الإمام فليصلها معه فإنها له نافلة". قالوا: ولولا صحة الأولى لم تكن الثانية نافلة.
وعن محجن بن الأذرع قال: أتيت النبي ﷺ فحضرت الصلاة فصلى يعني ولم أصل فقال لي: "ألا صليت" قلت: يا رسول الله قد صليت في الرحل ثم أتيتك. قال: "فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة". رواه الإمام أحمد
وفي الباب عن أبي هريرة وعن أبي ذر وعبادة وعبد الله بن عمر ولفظ حديث ابن عمر عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيت على ابن عمر وهو بالبلاط والقوم يصلون في المسجد فقلت: ما يمنعك أن تصلي مع الناس قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". رواه أبو داود والنسائي.
فصل
قال الموجبون: التفضيل لا يستلزم براءة الذمة من كل وجه سواء كان مطلقا أو مقيدا فإن التفضيل يحصل مع مناقضة المفضل للمفضل عليه من كل وجه
стр. 91
كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ , وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ , وهو كثير فكون صلاة الفذ جزءا واحدا من سبعة وعشرين جزءا من صلاة الجميع لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة, ولزوم كونها ابنة بوجه من الوجوه, وغايتها أن يتأدى الواجب بها, وبينهما من الفضل ما بينهما فإن الرجلين يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتهما في الفضل كما بين السماء والأرض.
وفي السنن عنه ﷺ : "إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له من الأجر إلا نصفها ثلثها ربعها خمسها" حتى بلغ عشرها فإذا عقل اثنان يصليان فرضهما صلاة أحدهما أفضل من صلاة الآخر بعشرة أجزاء وهما فرضان فهكذا يعقل مثله في صلاة الفذ وصلاة الجماعة.
وأبلغ من هذا قوله ﷺ : "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها". فإذا لم يعقل في صلاته إلا في جزء واحد كان له من الأجر بقدر ذلك الجزء, وإن برأت ذمته من الصلاة, فهكذا المصلي وحده له جزء واحد من الأجر وإن برئت الذمة, ومثل هذه الصلاة لا يسميها الشارع صحيحة وإن اصطلح الفقهاء على تسميتها صلاة فإن الصحيح المطلق ما تربت عليه أثره وحصل به مقصودة وهذه قد فات معظم أثرها ولم يحصل منها جل مقصودها فهي أبعد شيء من الصحة, وأحسن أحوالها أن ترفع عنه العقاب وإن حصلت شيئا من الثواب فهو جزء وما هذا إلا على قول من لا يجعلها شرطا للصحة. وأما من جعلها شرطا لا تصح بدونه فجوابه إن التفضيل إنما هو بين صلاتين صحيحتين وصلاة الرجل وحده إنما تكون صحيحة للعذر, وأما بدون العذر فلا صلاة له كما قال الصحابة ﵃, وهؤلاء لو أجابوا بهذا لرد عليهم منازعوهم إن المعذور يكمل له أجره, فأجابوا على ذلك بأنه لا يستحق بالفعل إلا جزءا واحدا, وأما التكميل فليس من جهة الفعل بل بالنية إذا كان من عادته أن يصلي جماعة فمرض أو حبس أو سافر وتعذرت عليه الجماعة والله يعلم أن من نيته أن لو قدر على الجماعة لما تركها فهذا يكمل له أجره مع أن صلاة الجماعة أفضل من صلاته من حيث العملين.
قالوا: ويتعين هذا ولا بد. فإن النصوص قد صرحت بأنه لا صلاة لمن سمع النداء ثم
стр. 92
صلى وحده, فدل على أن من له جزء من سبعة وعشرين جزءا هو المعذور الذي له صلاة, قالوا: والله تعالى يفضل القادر على العاجز وإن لم يؤاخذه فذلك فضله يؤتيه من يشاء.
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين وكان مبسورا قال سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: "من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد". فهذا إنما هو في المعذور وإلا فغير المعذور ليس له من الأجر شيء إذا كانت الصلاة فرضا, وإن كانت نفلا لم يجز له التطوع على جنب فإنه لم يفعله رسول الله ﷺ يوما من الدهر ولا أحد من الصحابة البتة مع شدة حرصهم على أنواع العبادة وفعل كل خير, ولهذا جمهور الأمة يمنع منه ولا تجوز الصلاة على جنب إلا لمن لم يستطع القعود كما قال النبي ﷺ لعمران: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب". وعمران بن حصين هو راوي الحديثين وهو الذي سأل عنهما النبي ﷺ .
فصل
وأما استدلالكم بحديث عثمان بن عفان: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل". فمن أفسد الاستدلال وأظهر ما في نقضه عليكم قوله ﷺ : "من صام رمضان واتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر". وصيام الدهر غير واجب وقد شبه به الواجب. بل الصحيح أن صيام الدهر كله مكروه فقد شبه به الصوم الواجب فغير ممتنع تشبيه الواجب بالمستحب في مضاعفة الأجر على الواجب القليل حتى يبلغ ثوابه ثواب المستحب الكثير.
فصل
وأما استدلالكم بحديث يزيد بن الأسود ومحجن بن الأدرع وأبي ذر وعبادة فليس في حديث واحد منهم أن الرجل كان قد صلى وحده منفردا مع قدرته على الجماعة البتة ولو أخبر النبي ﷺ لما أقره على ذلك وأنكرعليه. وكذلك ابن عمر لم يقل صليت وحدي وأنا أقدر على الجماعة. ونحن نقول: إنه لم يصل من ترك الجماعة وهو يقدر عليها. ونقول كما قال أصحاب رسول الله ﷺ إنه لا صلاة له, فحيث يثبت لهؤلاء صلاة فلا بد من أحد الأمرين: أن
стр. 93
يكونوا صلوا جماعة مع غير هذه الجماع, ة أويكونوا معذورين وقت الصلاة, ومن صلى وحده لعذر ثم زال عذره في الوقت لم يجب عليه إعادة الصلاة, كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أو صلى قاعدا لمرض ثم بريء في الوقت أو صلى عريانا ثم وجد السترة في الوقت.
قالوا: وقد دلت أحكام الشريعة على أن صلاة الجماعة فرض على كل واحد وذلك من وجوه أحدها أن الجمع لأجل المطر جائز وليس جوازه إلا محافظة على الجماعة, وإلا فمن الممكن أن يصلي كل واحد في بيته منفردا, ولو كانت الجماعة ندبا لما جاز ترك الواجب, وتقديم الصلاةعن وقتها ندب محض.
الثاني: أن المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلى وحده صلى جماعة وترك القيام ومحال أن يترك ركنا من أركان الصلاة لمندوب محض.
الثالث: أن الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام ويعملون العمل الكثير في الصلاة ويجعلون الإمام منفردا في وسط الصلاة كل ذلك لأجل تحصيل الجماعة, وكان من الممكن أن يصلوا وحدانا بدون هذه الأمور ومحال أن يرتكب ذلك وغيره لأجل أمر مندوب إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله, وبالله التوفيق.
стр. 94
فصل
وأما المسألة الثامنة وهي هل له فعلها في بتيه أم يتعين المسجد ؟
فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد: أحدهما له فعلها في بيته وبذلك قالت الحنفية والمالكية وهو أحد الوجهين للشافعية. والثاني: ليس له فعلها في البيت إلا من عذر, وفي المسألة قول ثالث: فعلها في المسجد فرض كفاية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي, وجه القول الأول حديث الرجلين اللذين صليا في رحالهما فإن النبي ﷺ ندبهما إلى فعلها في المسجد ولم ينكر عليهما فعلها في رحالهما, وكذلك حديث محجن بن الأدرع وحديث عبد الله بن عمر وقد تقدمت هذه الأحاديث, وفي الصحيحن عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا
стр. 95
فربما عملا الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم ﷺ ونقوم خلفه فيصلي بنا.
وفي الصحيحين أيضا قال: سقط النبي ﷺ عن فرس فجُحش١ شقة الأيمن, فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعدا, وفي الصحيحن أيضا عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ أي مسجد وضع في الأرض أول قال: "المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى ثم حيثما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد". وصح عنه ﷺ : "جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا". ووجه الرواية الثانية ما تقدم من الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة فإنها صريحة في إتيان المساجد.
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن أم مكتوم أن رسول الله ﷺ أتى المسجد فرأى في القوم رقة فقال: "إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه". وفي لفظ لأبي داود: "ثم آتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرق عليهم بيوتهم". وقال له ابن أم مكتوم وهورجل أعمى: هل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "لا أجد لك رخصة". وقال ابن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.
وعن جابر بن عبد الله قال: فقد النبي ﷺ قوما في صلاة فقال: "ما خالفكم عن الصلاة"؟ . فقالوا: الماء كان بيننا, فقال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في السمجد". رواه الدارقطني.
وقد تقدم هذا المعنى عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة, فإن خالف وصلى في بيته جماعة عذر ففي صحة صلاته قولان: قال أبو البركات ابن تيمية في شرحه فإن خالف وصلاها في بيته جماعة لا تصح من غير عذر بناء على ما اختاره ابن عقيل في تركه الجماعة حيث ارتكب النهي, ويعضده قوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
قال: والمذهب الصحة لقوله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تضاعف على صلاته
стр. 96
في بيته أو في سوقه خمسا وعشرين ضعفا". ويحمل قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". على نفي الكمال جمعا بينهما. قال والرواية الأولى اختيار أصحابنا وأن حضور المسجد لا يجب وهي عندي بعيدة جدا إن حملت على ظاهرها فإن الصلاة في المسجد من أكبر شعائر الدين وعلاماته وفي تركها بالكلية أو في المفاسد ومحو آثار الصلاة بحيث تفضي إلى فتور همم أكثر الخلق عن أصل فعلها, ولهذا قال عبد الله بن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. قال: وإنما معنى هذه الرواية -والله اعلم- أن فعلها في البيت جائز لآحاد الناس إذا كانت تقام في المساجد فيكون فعلها في المسجد فرض كفاية على هذه الرواية, وعلى الأخرى فرض عين. قال: ويدل على ذلك جواز الجمع بين الصلاتين للأمطار, ولوكان الواجب فعل الجماعة فقط دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأن أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت فإن الإنسان غالبا لا يخلو أن تكون عنده زوجة أو ولد أو غلام أو صديق أو نحوهم فيمكنه الصلاة جماعة فلا يجوز ترك الشرط وهو الوقت من أجل السنة, فلما جاز الجمع علم أن الجماعة في المساجد فرض إما على الكفاية وإما على الأعيان هذا كلامه.
ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة, فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر, وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار, ولما مات رسول الله ﷺ وبلغ أهل مكة موته خطبهم سهيل بن عمرو وكان عتاب بن أسيد عامله على مكة قد توارى خوفا من أهل مكة فأخرجه سهيل وثبت أهل مكة على الإسلام فخطبهم بعد ذلك عتاب وقال: يا أهل مكة والله لا يبلغني أن أحدا منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربت عنقه. وشكر له أصحاب رسول الله ﷺ هذا الصنيع وزاده رفعة في أعينهم, فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر. والله أعلم بالصواب.
стр. 97
فصل
وأما المسألة التاسعة وهي: حكم من نقر الصلاة ولم يتم ركوعها ولا سجودها
فهذه المسألة قد شفى فيها رسول الله ﷺ وكفى, وكذلك أصحابه من بعده فلا معدل لناصح نفسه عما جاءت به السنة في ذلك ونحن نسوق مذهب رسول الله ﷺ وأصحابه في ذلك بألفاظه. فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا". فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. قال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". متفق على صحته وهذا لفظ البخاري.
وفيه دليل على تعين التكبير للدخول في الصلاة وأن غيره لا يقوم مقامه كما يتعين الوضوء واستقبال القبلة وعلى وجوب القراءة وتقييد بما تيسر لا ينفي تعين الفاتحة بدليل آخر. فإن الذي قال هذا الذي قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". وهو الذي قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" , ولا تضرب سننه بعضها ببعض.
وفيه دليل على وجوب الطمأنينة وأن من تركها لم يفعل ما أمر به فيبقى مطالبا بالأمر, وتأمل أمره بالطمأنينة في الركوع والاعتدال في الرفع منه فإنه لا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائما قلنا فيجمع بين الطمأنينة والاعتدال خلافا لمن قال إذا ركع ثم سجد من ركوعه ولم يرفع رأسه صحت صلاته, فلم يكتف من شرع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملا بحيث يكون معتدلا فيه ولا ينفي هذا وجوب التسبيح في الركوع والسجود والتسميع والتحميد في الرفع بدليل آخر فإن الذي قال هذا وأمر به هو الذي أمر بالتسبيح في الركوع فقال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِْ﴾ . قال: "اجعلوها في ركوعهم" , وأمر بالتحميد في الرفع فقال: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد". فهو الذي أمرنا
стр. 98
بالركوع وبالطمأنينة فيه وبالتسبيح والتحميد, وقال في الرفع من السجود: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسا".
وفي لفظ: "حتى تعتدل جالسا". فلم يكتف بمجرد الرفع كحد السيف حتى تحصل الطمأنينة والاعتدال ففيه أمر بالرفع والطمأنينة فيه والاعتدال ولا يمكن التمسك بما لم يذكر في هذا الحديث على اسقاط وجوبه عند أحد من الأئمة، فإن الشافعي يوجب الفاتحة والتشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ ولم يذكر فيه, وأبو حنيفة يوجب الجلوس مقدار التشهد والخروج من الصلاة بالمنافي ولم يذكر ذلك فيه, ومالك يوجب التشهد والسلام ولم يذكر ذلك فيه, وأحمد يوجب التسبيح في الركوع والسجود والتسميع والتحميد وقول رب اغفر لي ولم يذكر في الحديث, فلا يمكن لأحد أن يسقط كل ما لم يذكر فيه, فإن قيل فرسول الله ﷺ قد أقره على تلك الصلاة مرتين ولو كانت باطلة لم يقره عليها فإنه لا يقر على باطل قيل: كيف يكون قد أقره وهو ﷺ يقول له ارجع فصل فإنك لم تصل فأمره ونفى عنه مسمى الصلاة التي شرعها, وأي إنكار أبلغ من هذا فإن قيل فهو لم ينكر عليه في نفس الصلاة قيل: نعم لما في ذلك من التنفير له وعدم تمكنه من التعليم كما ينبغي كما أقر الذي بال في المسجد على إكمال بوله حتى قضاها ثم علمه, وهذا من رفقة وكمال تعليمه ولطفه صلوات الله وسلامه عليه, فإن قيل: فهلا قال له في نفس الصلاة اقطعها قيل لم يقل للبائل اقطع بولك وهذا أولى, نعم: لو أقره على تلك الصلاة ولم يأمره بإعادتها ولم ينف عنه الصلاة الشرعية كان فيه متمسك لكم فإن قيل قوله: لم تصل أي لم تصل صلاة كاملة وإنما الممتنع أن تكون له صلاة صحيحة قد أخل ببعض مستحباتها ثم يقول له ارجع فصل فإنك لم تصل, هذا في غاية البطلان.
وعن رفاعة بن رافع أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد يوما ونحن معه إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ فقال ﷺ : "وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل". ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا
стр. 99
كل ذلك يأتي النبي ﷺ فيسلم على النبي ﷺ فيقول النبي ﷺ : "وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل" , فخاف الناس وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل فقال الرجل في آخر ذلك فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطيء, فقال أجل: "إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمر الله ثم تشهد وأقم فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فأحمد الله وكبره وهلله ثم اركع فاطمئن راكعا ثم اعتدل قائما ثم اسجد فاعتدل ساجدا ثم اجلس فاطمئن جالسا ثم قم فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك". قال: فكان هذا أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من هذا شيئا انتقص من صلاته ولم تنقص كلها. رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وفي رواية أبي داود: "وتقرأ بما شئت من القرآن ثم تقول الله أكبر, وعنده فإن كان معك قرآن فاقرأ به". وفي رواية لأحمد: "إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن لركوعك فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصليها فإذا سجدت فمكن لسوجودك فإذا رفعت فاعتمد على فخذك اليسرى ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة". فإذا ضممت قوله في هذا الحديث: "توضأ كما أمر الله" , إلى قوله في الصفا والمروة: "ابدؤوا بما بدأ الله به": أفاد وجوب الوضوء على الترتيب الذي ذكره الله سبحانه. وقوله في الحديث: "اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت" , تقييد لمطلق قوله: "اقرأ بما تيسر معك من القرآن" , وهذا معنى قوله في الحديث: "وتقرأ بما شئت من القرآن" , وقال: "فإن كان معك قرآن وإلا فأحمد الله وكبره وهلله" , فألفاظ الحديث يبين بعضها بعضا وهي تبين مراده ﷺ فلا يجوز أن يتعلق بلفظ منها ويترك بقيتها.
وقوله: "ثم تقول الله أكبر": فيه تعيين هذا اللفظ دون غيره وهو التكبير المعهود في قوله: "تحريمها التكبير" وقوله: "فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها" , صريح في وجوب الرفع والاعتدال منه والطمأنينة فيه
стр. 100
وعن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزيء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" , رواه الإمام أحمد المسند وأهل السنن, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح, وهذا نص صريح في أن الرفع من الركوع وبين السجود الاعتدال فيه والطمأنينة فيه ركن لا تصح الصلاة إلا به.
وعن علي بن شيبان قال خرجنا حتى قدمنا رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينيه رجلا لا يقيم صلاته – يعني صلبه في الركوع والسجود- فلما قضى النبي ﷺ قال: "يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود". رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
وقوله: "لا صلاة" – يعني تجزيه بدليل قوله: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" , ولفظ أحمد في هذا الحديث: "لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده".
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" , رواه الإمام أحمد المسند.
وفي سنن البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبة في الركوع والسجود" , وقد نهى النبي ﷺ عن نقر المصلي صلاته وأخبر أنها صلاة المنافقين.
وفي المسند والسنن من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع وعن توطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير, فتضمن الحديث النهي في الصلاة عن التشبه بالحيوانات: بالغراب في النقرة وبالسبع بافتراشه ذراعية في السجود وبالبعير في لزومه مكانا معينا من المسجد يتوطنه كما يتوطن البعير.
وفي حديث آخر نهى عن عن التفات كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب, ورفع الأيدي كأذناب الخيل. فهذه ست حيوانات نهى عن التشبه بها.
وأما ما وصفه من صلاة النقار بأنها صلاة المنافقين, ففي صحيح مسلم عن علاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر قال: فلما دخلنا عليه قال: أصليتما العصر؟ فقلنا إنما انصرفنا الساعة من الظهر
стр. 101
قال: تقدموا فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرفنا, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" , وقد تقدم قول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -يريد الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق. وقد قال تعالى: ِ ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ . فهذه ست صفات في الصلاة من علامات النفاق: الكسل عند القيام إليها, ومراءاة الناس في فعلها, وتأخيرها, ونقرها, وقلة ذكر الله فيها, والتخلف عن جماعتها.
وعن أبي عبد الله الأشعري قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل منهم فقام يصلي وينقر في سجوده ورسول الله ﷺ ينظر إليه فقال: "ترون هذا لو مات ما مات على ملة محمد ينقر صلاقته كما ينقر الغراب الدم إنما مثل الذي يصلي وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين فما يغنيان عنه فأسبغوا الوضوء وويل للأعقاب من النار فأتموا الركوع والسجود".
وقال أبو صالح: فقلت: لأبي عبد الله الأشعري من حدثك بهذا الحديث؟ قال: أمراء الأجناد: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد ابن أبي سفيان كل هؤلاء سمعه من رسول الله ﷺ رواه أبو بكر ابن خزيمة في صحيحه فأخبر أن نقار الصلاة لو مات مات على غير الإسلام.
وفي صحيح البخاري عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود قال: ما صليت لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا ﷺ , ولو أخبر أن صلاة النقار صحت لما أخرجه عن فطرة الإسلام بالنقر. وقد جعل رسول الله ﷺ لص الصلاة وسارقها شرا من لص الأموال وسارقها.
ففي المسند من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" , قالوا: يا رسول الله كيف يسرق صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها" , أو قال: "لا يقيم صلبه في الركوع والسجود". فصرح
стр. 102
بأنه أسوأ حالا من سارق الأموال, ولا ريب أن لص الدين شر من لص الدنيا.
وفي المسند من حديث سالم بن أبي الجعد عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قاله الله في المطففين". قال مالك: وكان يقال في كل شيء وفاء وتطفيف فإذا توعد الله سبحانه بالويل للمطففين في الأموال فما الظن بالمطففين في الصلاة؟؟. وقد ذكر أبو جعفر العقيلي عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأ العبد فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له الصلاة حفظك الله كما حفظتني ثم يصعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور وفتحت لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى الله ﵎ فتشفع لصاحبها, وإذا ضيع وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني ثم يصعد بها إلى السماء فتغلقت دونها أبواب السماء ثم تلف كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبها".
وقال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى الشامي جاء الحديث: "إذا توضأ فأحسن الصلاة ثم ذكره تعليقا".
стр. 103
فصل
وأما المسألة العاشرة وهي: مقدار صلاة رسول الله ﷺ
فهي: من أجل المسائل وأهمها وحاجة الناس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب, وقد ضيعها الناس من عهد أنس بن مالك ﵁, ففي صحيح البخاري من حديث الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: له ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة, وهذه الصلاة قد ضيعت.
وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا مهدي عن غيلان عن أنس قال: ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله ﷺ قيل: فالصلاة؟ قال: أليس قد ضيعتم ما ضيعتم فيها؟ أخرجه البخاري عن موسى. وأنس ﵁ تأخر حتى شاهد من إضاعة أركان الصلاة وأوقاتها وتسبيحها في الركوع والسجود وإتمام تكبيرات الانتقال فيها ما أنكره وأخبر أن هدي رسول الله ﷺ كان بخلافه كما ستقف عليه مفصلا إن شاء الله.
стр. 104
ففي الصحيحن من حديث قال: كان رسول الله ﷺ يوجز الصلاة ويكملها، وفي الصحيحين أيضا قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ زاد البخاري: وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه, فوصف صلاته ﷺ بالإيجاز والتمام. والإيجاز هو الذي كان يفعله, لا الإيجاز الذي كان يظنه من لم يقف على مقدار صلاته؛ فإن الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه, فلما كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المئة كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى ست مئة إلى ألف, ولما قرأ في المغرب بالأعراف كان هذا الإيجاز بالنسبة إلى البقرة.
ويدل على هذا أن أنسا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن كيسان حدثني أبي عن وهب بن مانوس سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز. فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات. وأنس أيضا هو القائل في الحديث المتفق عليه: إني لا ألو أن أصلى بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا.
قال ثابت: كان أنسا يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي. وأنس هو القائل هذا. وهو القائل: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي ﷺ وحديثه لا يكذب بعضه بعضا. ومما يبين ما ذكرناه ما رواه أبو داود في سننه من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام, وكان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يكبر ثم يسجد وكان يباعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم. هذا سياق حديثه. فجمع أنس ﵁ في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار بإيجازه ﷺ الصلاة وإتمامها وبين
стр. 105
فيه أن من إتمامها الذي أخبر به إطاعة الاعتدالين حتى يظن الظان أنه قد أوهم أو نسي من شدة الطول فجمع بين الأمرين في الحديث.
وهو القائل: ما رأيت أوجز من صلاة رسول الله ﷺ ولا أتم, فيشبه أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام والإتمام إلى الركوع والسجود والاعتدالين بينهما؛ لأن القيام لا يكاد يفعل إلا تاما فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين, وسر ذلك أنه بإيحاز القيام وإطالة الركوع والسجود والإعتدالين تصير الصلاة تامة لاعتدالها وتقاربها فيصدق قوله: ما رأيت أوجز ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ .
وهذا هو الذي كان يعتمده صلوات الله عليه وسلامه في صلاته فإنه كان يعدلها حيث يعتدل قيامها وركوعها وسجودها واعتدالها.
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: رمقت الصلاة مع محمد ﷺ فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته بين التسليم والانصراف قريبا من السواء.
وفي لفظ لهما: كانت صلاة رسول الله ﷺ قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء, ولا يناقض هذا ما رواه البخاري في هذا الحديث, كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء, فإن البراء هو القائل هذا وهذا, فإنه في السياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة وجلوس التشهد, وليس مراده أنهما بقدر ركوعه وسجوده وإلا ناقض السياق الأول: الثاني, وإنما المراد أن طولهما كان مناسبا لطول الركوع والسجود والاعتدالين بحيث لا يظهر التفاوت الشديد في طول هذا وقصر هذا كما يفعله كثير ممن لا علم عنده بالسنة, يطيل القيام جدا ويخفف الركوع والسجود.
وكثيرا ما يفعلون هذا في التراويح وهذا هو الذي أنكره أنس بقوله: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ , فإن كثيرا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدا فيثقل على المأمومين ويخفف
стр. 106
الركوع والسجود والاعتدالين فلا يكمل الصلاة, فالأمران اللذان وصف بهما يروي رسول الله ﷺ هما اللذان كان الأمراء يخالفونهما وصار ذلك أعني تقصير الاعتدالين شعارا حتى استحبه بعض الفقهاء وكره إطالتهما, ولهذا قال ثابت: وكان يروي يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي. فهذا الذي فعله أنس هو الذي كان رسول الله ﷺ يفعله, وإن كرهه من كرهه فسنة رسول الله أولى وأحق بالاتباع. وقول البراء في السياق الآخر: ما خلا القيام والقعود: بيان أن ركن القراءة والتشهد أطول من غيرهما, وقد ظن طائفة أن مراده بذلك قيام الاعتدال من الركوع وقعود الفصل بين السجدتين وجعلوا الاستثناء عائدا إلى تقصيرهما وبنوا على ذلك أن السنة تقصيرهما وأبطل من غلا منهم الصلاة بتطويلهما, وهذا غلط فإن لفظ الحديث وسياقه يبطل هؤلاء فإن لفظ البراء: كان ركوعه وسجوده وما بين السجدتين وإذا رفع رأسه وما خلا القيام والقعود قريبا من السواء. فكيف يقول: وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا رفع رأسه من الركوع: هذا باطل قطعا.
وأما فعل النبي ﷺ فقد تقدم حديث أنس أنه صلى بهم صلاة النبي ﷺ فكان يقوم بعد الركوع حتى يقول القائل: قد نسي, وكان يقول بعد رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت ولامعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". رواه مسلم من حديث أبي سعيد.
ورواه من حديث ابن أبي أوفى وزادفيه بعد قوله: من شيء بعد: "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" , وكذلك كان هديه في صلاة الليل يركع قريبا من قيامه ويرفع رأسه بقدر ركوعه ويسجد بقدر ذلك, ويمكث بين السجدتين بقدر ذلك, وكذلك فعل في صلاة الكسوف أطال ركن الاعتدال قريبا من القراءة فهذا هديه الذي
стр. 107
كأنك تشاهده وهو يفعله, وهكذا فعل الخلفاء الراشدون من بعده.
وقال زيد بن أسلم: كان عمر يخفف القيام والقعود ويتم الركوع والسجود, فأحاديث أنس ﵁ كلها تدل على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الائمة بل كلهم إلاالنادر فأنس أنكر تطويل القيام على ما كان رسول الله ﷺ يفعله. وقال: كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة يقرب بعضها من بعض وهذا موافق لرواية البراء بن عازب أنها كانت قريبا من السواء فأحاديث الصحابة في هذا الباب يصدق بعضها بعضا.
فصل
وأما قدر قيامه للقراءة فقال أبو برزة الأسلمي: كان النبي ﷺ يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المئة متفق على صحته.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن السائب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذت النبي ﷺ سعلة فركع١.
وفي صحيح مسلم عن قطبة بن مالك: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ . وربما قال: "ق".
وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ٢. وكانت صلاته بعد تخفيفا, فقوله: وكانت صلاته بعد تخفيفا أي بعد صلاة الصبح أخف من قراءتها, ولم يرد أنه كان بعد ذلك يخفف قراءة الفجر عن ﴿ق﴾ , يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ , وفي العصر بنحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك.
стр. 108
وفي صحيح مسلم عن زهير عن سماك بن حرب قال: ِسألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال: وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها فأخبر أن هذا كان تخفيفه, وهذا مما يبين أن قوله: وكانت صلاته بعد تخفيفا أي بعد الفجر, فإنه جمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وبين قراءته فيها بـ "سورة ق" ونحوها.
وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في الفجر بـ "سورة الطور" قريبأ من سورة "ق".
وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ سورة ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ فقالت: يابني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة فإنها لآخر ما سمعت من النبي ﷺ يقرأ بها في المغرب١, فقد أخبرت أم الفضل أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب وأم الفضل لم تكن من المهاجرين بل هي من المستضعفين, كما قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين عذر الله. وفهذا السماع كان متأخرا بعد فتح مكة قطعا.
وفي صحيح البخاري أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطولي الطوليين, وسأل ابن مليكة أحد رواته ما طولي الطوليين فقال: من قبل نفسه المائدة والأعراف. ويدل على صحة تفسيره حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في الركعتين. رواه النسائي.
وروى النسائي أيضا من حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ : قرأ في المغرب بالدخان, وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بـ سورة "الطور" في المغرب. فأما العشاء فقال البراء بن عازب: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه.
متفق عليه. .
٩- صلاة.
стр. 109
وفي الصحيحن أيضا عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فقلت له فقال سجدت بها خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه.
وفي المسند والترمذي من حديث بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور. قال الترمذي: حديث حسن. وقال لمعاذ في صلاة العشاء الآخرة: اقرأ بـ سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وسورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وسورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ متفق عليه.
وأما الظهر والعصر ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى.
وعن أبي قتادة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا, وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية, ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. متفق عليه. ولفظه لمسلم.
وفي رواية البخاري: وكان يطلول الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية, وفي رواية لأبي داود قال: فظننا أنه يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله ابن أبي أوفى أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم.
قال سعد ابن أبي وقاص لعمر أما أنا فأمد في الأوليين وأخفف في الأخريين وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ , فقال له عمر: ذلك ظني بك. رواه البخاري ومسلم.
وقال أبو سعيد الخدري: كنا نحزر قيام رسول الله في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر سورة "الم تنزيل السجدة" وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك, وحرزنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على النصف من ذلك.
وفي رواية بدل قومه تنزيل السجدة: قدر ثلاثين آية, وفي الأخريين قدر
стр. 110
خمس عشرة آية, وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة وفي الأخريين قدر نصف ذلك. هذه الالفاظ كلها في صحيح مسلم.
وقد احتج به من استحب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأخريين وهو ظاهر الدلالة لو لم يجيء حديث أبي قتادة المتفق على صحته أنه كان يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفي الأخريين بفاتحة الكتاب فذكر السورتين في الركعتين الأوليين واقتصاره على الفاتحة في الأخريين يدل على اختصاص كل ركعتين بما ذكر من قراءتهما وحديث سعد يحتمل لما قال أبو قتادة ولما قال أبو سعيد, وحديث أبي سعيد ليس صريحا في قراءة السوره في الأخريين فإنما هو حزر وتخمين. وقال أبو جابر بن سمرة: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ وفي العصر نحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك رواه مسلم.
وعنه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الصبح بأطول من ذلك رواه مسلم أيضا.
وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ , ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما من السور. رواه أحمد وأهل السنن. وفي سنن النسائي عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات.
وفي السنن من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ سورة تنزيل السجدة وفيه دليل على أنه لا يكره قراءة السجدة في صلاة السر وأن الإمام إذا قرأها سجد ولا يخير المأمومون بين اتباعه وتركه بل يجب عليهم متابعته.
وقال أنس: صليت مع النبي ﷺ صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ . رواه النسائي, والصحابة ﵃ أنكروا على من كان يبالغ في تطويل القيام وعلى من كان يخفف الأركان ولا سيما ركني الاعتدال, وعلى من كان لا يتم التكبير وعلى من كان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وعلى من كان يتخلف عن جماعتها.
وأخبروا عن صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها حتى مات, ولم يذكر