← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فهذا كتاب "الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق" تأليف الشيخ العلامة: سليمان بن سحمان –رحمه الله تعالى- ألفه رداً على أحد طغاة العراق، الذين ما فتئوا في تضليل الخلق، وتلبيس الحق، وتشويه دعوة الإصلاح بكل وسيلة. وقد جاء هذا الرد حاوياً لبحوث قيمة، وعلوم متفرقة، كالتاريخ والعقيدة، والسياسة، مما أعلى مقامه، ورفع شأنه في أعين العلماء وطلبة العلم، حتى أنه طبع ثلاث طبعات: الطبعة الأولى: في المطبعة المصطفوية ببمبي الهند. مع كتاب المؤلف "الألسنة الحداد في رد شبهات علوي حداد" وكان الساعي في طبع هذا الكتاب: عبد المحسن بن محمد بن مرشد –رحمه الله تعالى- وليس عليها تاريخ الطبع. وهي طبعة حجرية.

стр. 2

الطبعة الثانية: في مطبعة الشيخ الإمام محمد رشيد رضا "المنار" عام ١٣٤٤هـ. على نفقة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود –رحمه الله تعالى- وقد أبدلت في عنوان هذه الطبعة كلمة "الماذق" بـ "المازق"، ومعنى الماذق -بالذال- غير مخلص. وبالزاء: ممزق. فهو اسم فاعل بمعنى المفعول. الطبعة الثالثة: في مطبعة الرياض، عام ١٣٧٦هـ على نفقة جلالة الملك سعود بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى- وفي هذه الطبعة كتب على الغلاف الخارجي في العنوان كلمة: "ماذق" بالذال. وفي الداخل " المازق" بالزاء!! ونظراً لنفاد جميع هذه النسخ، وقلة وجودها في أيدي طلبة العلم، قمنا بمقابلة هذه النسخ، مثبتين بعض الفروق بينها، مع جعل النسخة الهندية أصلاً. وخرجت بعض الأحاديث الواردة في الكتاب. سائلين الله سبحانه أن يبارك في هذه الطبعة، وأن ينفع بها طلاب العلم، إنه سميع الدعاء. وفي الختام أتوجه بالشكر الجزيل للإخوة الأفاضل، الذين شاركوا في مقابلة النسخ، وصححوا تجارب هذا الكتاب -وغيره من هذه السلسلة- نسأل الله سبحانه أن

стр. 3

يثيب الجميع، وأن يصلح لنا ولهم العمل والنية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم. الرياض ٢/٢/١٤١١هـ.

стр. 4

تمهيد ... الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق تأليف: الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى ١٢٦٦-١٣٤٩هـ تحقيق: عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة موجزة للمؤلف ١- نسبه، ومولده، ونشأته، وطلبه العلم: هو الإمام العالم العلامة، المحقق المدقق الفهامة، مفيد الطالبين، ومحامي حوزة الدين، السيف المسلول، والصارم المشهور، على أهل الكفر والضلال والفجور، طنت بذكره الأعصار، وضنت بمثله الأمصار، صاحب التصانيف المشهورة، والفضائل والمحاسن المأثورة، سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي العسيري النجدي الحنبلي. سأله رجل من أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن نسبه فقال: سليمان سحمان وسحمان مصلحٍ ... ومصلحُ حمدانٍ وحمدانُ مسفرُ أولئك آبائي سلالة عامرٍ ... إلى خثعم يعزى وبالخير يذكرُ ولد هذا العالم النبيل في قرية (السقا) : من قرى أبها سنة ستٍ وستين ومائتين وألف "١٢٦٦" من الهجرة النبوية. ونشأ في بيئة صالحة ترفل في ثياب العلم والتقى، وتُعرف برفع راية التوحيد والهدى، فبدأ بقراءة كتاب الله جل وعلا، ثم حفظه عن ظهر قلب لم يُشرب بحب الميل إلى اللهو والهوى، فلما امتن عليه المولى بهذه المكرمة العظمى، شرع في طلب العلم بهمة عالية، ورغبة صادقة، فقرأ على علماء بلده في أصول الدين وفروعه، وحفظ مبادئ العلوم حتى تمكن

стр. 5

من فنونه، ولازم أباه في طلب العلم ليلاً ونهاراً، ورحل في الطلب يميناً وشمالاً، وخاض جميع العلوم الشرعية بحاراً وأنهاراً، حتى أدرك بغيته توفيقاً من الله وإكراماً، وحاكى الأكابر من العلماء حفظاً وإتقاناً. ٢- مشايخه وتلامذته: لازم كثيراً من العلماء المبرزين الذين لهم قدم راسخ في علوم الدين، ومن أهم هؤلاء الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، وابنه الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ حمد بن عتيق، وكفى بالشيخ -المترجم له- فخراً أن يكون تلميذاً لهؤلاء الأجلاء العظام. وقد وقف الشيخ حياته للعلم وأهله، فانتفع به خلق لا يحصون، من أبرزهم الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان - صاحب الردود المشهورة، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وعمر بن حسن، وعبد اللطيف بن إبراهيم رحمهم الله تعالى، وعبد العزيز بن صالح المرشد حفظه الله تعالى. ٣- مؤلفاته: شموس من التحقيق في طالع السعد: ... تجلت فأجلت ظلمة الهزل والجد قواطع من آي الكتاب كأنها: ... بأعناق أهل الزيغ مرهفة الحد إن الناظر في مؤلفات هذا العالم الجليل يلاحظ أن أغلبها في الردود على أهل الإنحراف العقدي. وإن الاعتناء بهذا الباب من أبواب العلم واجب على نخبة من علماء السنة في كل عصر لما فيه من الحفاظ على العقيدة السلفية الصحيحة، وكشف الشبهات النتنة القبيحة، التي يروج سوقها أهل الطرق والمقاصد الرذيلة، وقد قال أهل الأصول "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

стр. 6

قال ابن بسام في ترجمة الشيخ من كتابه "علماء نجد" ١/٢٨٠: فجرد قلمه للرد على هؤلاء المغرضين، ولسانه برائع الشعر على المارقين، فصار يكيل لهم الصاع صاعين بقوة الكلام وسطوع الحجة، وصحة البرهان، فيدحض أقوالهم، ويرد شبههم، ويوهن حجتهم، كما يرميهم بشهب من قصائده الطنانة، وأشعاره الرنانة، وقوافيه المحكمة، وأبياته الرصينة، وبهذا فهو ذو القلمين، وصاحب الصناعتين، وقلما اجتمع النثر والشعر لواحد إلا لنوابغ الكتاب، وأصحاب الأقلام، فصار لسان هذه الدعوة، ومحامي هذه الملة اهـ. كلامه. ومن هذه الردود الصارمة والمؤلفات الساطعة: ١- تأييد مذهب السلف وكشف شبهات من حاد وانحرف. ٢- البيان المبدي لشناعة القول المجدي. ٣- منهاج أهل الحق والإتباع في مخالفة أهل الجهل والإبتداع. ٤- الجواب المنكي على الكنكي. ٥- كشف الإلتباس عن تشبيه بعض الناس. ٦- الأسنة الحداد على علوي حداد. ٧- الصواعق المرسلة الوهابية على الشبة الداحضة الشامية. ٨- الجيوش الربانية في كشف الشبه العمروية. ٩- الجواب الفاصل في الساعة بين من قال إنها سحر ومن قال إنها صناعة. ١٠- إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل. ١١- تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة. ١٢- مشروعية الجهر بالذكر بعد السلام "تحقيق الكلام".

стр. 7

٤- وفاته: وافاه الأجل المحتوم مأسوفاً على فقده في العاشر من شهر صفر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف (١٣٤٩) هـ، وصلى عليه في الجامع الكبير بالرياض، وخرج في جنازته أهل البلد، ودفن في مقبرة "العود"، وصلي عليه في جوامع نجد صلاة الغائب، رحمه الله تعالى ورضي عنه١.

стр. 8

مقدمة المؤلف ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه الثقة والعصمة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فإني قد وقفت على رسالة مطبوعة مؤلفها١ رجل من العراق، يقال له: جميل أفندي صدقي الزهاوي، جمع فيها الأكاذيب والترهات، والأضاليل المنكرات، مع ما اشتمل عليه كلامه من الفجور، وقول الزور، والتجانف للإثم والعدوان، وصريح الإفك والبهتان، ما يمج سماعه أولوا العقول السليمة، والألباب الزاكية المستقيمة، وسلك فيها

стр. 9

مسلك أهل الغي والضلال، واعتمد فيما يحكيه على ما هو من أمحل المحال، وأوخم١ الانتحال، واتبع فيها أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، حيث لم يتمسكوا من الكتاب والسنة بأوضح برهان وأقوم دليل، ولم يردوا من كوثر٢ حوضهما السلسبيل، بل عدلوا إلى آسن قلوط٣ أهل الفلسفة والتجهيل والتبديل، وحادوا فيها عن منهج أهل الحق والصدق والعدل والإنصاف، وساروا على طريقة أهل الغي والكذب والانحراف. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] . فإن الله تعالى قد بين الحق بيانا كافيا شافياً، وأرسل رسوله محمداً ﷺ إلى الخلق بالحق٤ مبشراً ونذيراً وداعياً،

стр. 10

ونصب الأدلة، وأوضح المحجة، فلم يبق للناس على الله بعد الرسل من حجة، فمن أجاب داعي الله فقد نجا، ومن تولى١ عن الحق معرضاً أفضى به عوجاً. فلما نكب هذا الرجل عن طريقة أهل الحق والتحقيق، ولجأ فيما ينتحله ويحكيه إلى ركن غير وثيق، استعنت الله على رد أباطيله، وتهجين أضاليله وأساطيله، على سبيل الاختصار والاقتصار، وتركت من كلامه ما لا طائل في الجواب عنه، والله المسؤول المرجو الإجابة، أن يمدنا بالإصابة، وأن يجزل لنا الأجر والإثابة، وأن يجعله لوجهه خالصاً، وأن ينفع به من قرأه ونظر فيه، وأن يقمع به صاحب الباطل٢ ومبتغيه.

стр. 11

فصل في منشأ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... فصل قال العراقي١: (الوهابية فرقة منسوبة إلى محمد بن عبد الوهاب، وابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب كان سنة ١١٤٣٢، وإنما اشتهر أمره بعد الخمسين، فأظهر عقيدته الزائغة في نجد، وساعده على إظهارها محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب، فجبر٣ أهلها على متابعة ابن عبد الوهاب هذا، فتابعوه، وما زال ينخدع له في هذا الأمر حي بعد حي من أحياء العرب، حتى عمت فتنته، وكبرت شهرته، واستفحل أمره، فخافه البادية، وكان يقول للناس: ما أدعوكم إلا إلى التوحيد، وترك الشرك بالله تعالى في عبادته، وكانوا يمشون خلفه حيثما مشى، حتى اتسع له الملك) . فالجواب٤ -ومن الله أستمد الصواب- أن نقول:

стр. 12

أما منشأ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وظهورها في نجد، فمن المعلوم عند الخاص والعام أنه قد نشأ في أناس قد اندرست فيهم معالم الدين، ووقع فيهم من الشرك والبدع ما عم وطم في كثير من البلاد، إلاّ بقايا متمسكين بالدين يعلمهم الله تعالى، وأما الأكثرون فعاد المعروف بينهم منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. ففتح الله بصيرة شيخ الإسلام بتوحيد الله الذي بعث الله به رسله وأنبياءه١، فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرّم الله عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فقال لهم كما قاله المرسلون لأممهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٣٢] فحجب كثيراً منهم عن قبول هذه الدعوة ما اعتادوه، ونشأوا عليه من الشرك والبدع، فنصبوا العداوة لمن دعاهم إلى٢ توحيد ربهم وطاعته، ولمن استجاب له وقَبل دعوته، وأصغى إلى حجج الله وبيناته، كحال من خلا من أعداء الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ

стр. 13

يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢] . فإذا تمهد هذا فلنذكر ههنا شيئاً يسيراً من حال نشأة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي ﵀، وظهوره ودعوته إلى الله، ليعلم الطالب، ويتحقق الراغب، حقيقة ما دعا إليه هذا الإمام، وما كان عليه من الاعتقاد والفهم التام، ويتبين للناظر فيها ما بهت به الأعداءُ من الأكاذيب والافتراء، التي يرومون١ بها تنفير الناسِ عن المحجة والسبيل، وكتمان البرهان والدليل، وقد كثر أعداؤه ومنازعوه، وفشا البهت منهم فيما قالوه ونقلوه، فربما اشتبه على طالب الإنصاف والتحقيق، والتبس عليه واضح المنهج والطريق، بما موّهوا به من تلك الأكاذيب الشنيعة، والألقاب الداحضة الوضيعة، فإن٢ من استصحب الأصول الشرعية، وجري على القوانين المرضية، عرف أن لكل نعمة حاسداً، ولكل حق جاحداً، ولا يقبل في نقل الأقوال والأحكام، إلا العدول الثقات الضابطون من الأنام، ومن استصحب هذا استراح عن٣ البحث فيما ينقل إليه ويسمع، ولم يتلفت إلى أكثر ما يختلف ويصنع، وكان من أمره على منهاج واضح ومشرَع.

стр. 14

فصل في طلب الشيخ ﵀ للعلم ومبدأ دعوته ... فصل كان مولده ﵀ سنة ١١١٥ خمسة عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية، في بلد العُيينة من أرض نجد، ونشأ بها، وقرأ القرآن بها حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر، وكان حادّ الفهم، سريع الإدراك والحفظ، يتعجب أهله من فطنته وذكائه، وبعد حفظ القرآن اشتغل وجد في الطلب، وأدرك بعض الأرب، قبل رحلته لطلب العلم، وكان سريع الكتابة ربما كتب الكراسة في مجلس. قال أخوه سليمان: كان والده يتعجب من فهمه، ويعترف بالاستفادة منه مع صغر سنه –ووالده هو مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد النجدية، وآثاره وتصانيفه وفتاويه تدل على علمه وفقهه، وكان جده إليه المرجع في الفقه والقتوى، وكان معاصراً للشيخ١ منصور البهوتي الحنبلي خادم المذهب، اجتمع به بمكة- وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام قدمه والده في الصلاة، ورآه أهلاً للائتمام، ثم

стр. 15

طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام١، وبادر إلى قضاء حجة الإسلام، وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها قريباً من شهرين. ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة في الفقه على مذهب الإمام أحمد ﵀. ثم بعد ذلك رحل٢ يطلب العلم، وذاق حلاوة التحصيل والفهم، وزاحم العلماء والكبار، ورحل إلى البصرة والحجاز مراراً، واجتمع بمن فيها من العلماء والمشايخ الأخيار، وأتى إلى الإحساء –وهي إذ ذاك آهلة بالمشايخ والعلماء، فسمع وناظر، وبحث واستفاد، وساعدته الأقدار الربانية بالتوفيق والإمداد. وروى عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي، ثم المدني وأجازه من طريقين: وأول ما سمع منه الحديث المسلسل بالأولية، وكتب السماع بالسند المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في

стр. 16

الأرض يرحمكم من في السماء" ١.

стр. 17

....................................................................................................................

стр. 18

وسمع منه مسلسل الحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه١ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله"، قالوا: كيف يستعمله؟ قال:" يوفقه لعمل صالح قبل موته" ٢، وهذا٣ الحديث من ثلاثيات أحمد ﵀.

стр. 19

وطالت إقامة الشيخ ورحلته بالبصرة، وقرأ بها كثيراً من الحديث والفقه والعربية، وكتب من الفقه والحديث واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات. وكان يدعو١ إلى التوحيد ويظهره لكثير ممن يخالطه ويجالسه، ويستدل عليه، ويظهر ما عنده من العلم، وما لديه، وكان يقول: إن الدعوة كلها لله، لا يجوز صرف شيء منها إلى سواه، وربما ذكروا بمجلسه إشارة٢ الطواغيت، أو

стр. 20

شيئاً من كرامات الصالحين الذين كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، ويلجئون إليهم في المهمات، فكان ينهى عن ذلك ويزجر، ويورد الأدلة من الكتاب والسنة ويحذر، ويخبر أن محبة الأولياء والصالحين إنما هي متابعتهم فيما كانوا عليه من الهدى والدين، وتكثير أجورهم بمتابعتهم على ما جاء به سيد المرسلين، وأما دعوى المحبة والمودة والمخالفة في السنة والطريقة فهي دعوى مردودة غير مسلمة عند أهل النظر والحقيقة. ولم يزل على ذلك ﵀، ثم رجع إلى وطنه، فوجد والده قد انتقل إلى بلدة حريملاء١، فاستقر فيها يدعو٢ إلى السنة المحمدية، ويبديها ويناصح من خرج عنها ويفشيها، حتى رفع الله شأنه، ورفع ذكره، ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه من المعقول والمنقول، وصنف كتابه المشهور في التوحيد، وأعلن بالدعوة إلى الله العزيز الحميد، وقرئ عليه هذا الكتاب المفيد، وسمعه كثير ممن لدية من طالب ومستفيد، وشاعت نسخه في البلاد، وطار ذكره في الغور٣ والأنجاد، وفاز بصحبته واستفاد من جرد القصد

стр. 21

وسلم من الأشر١ والبغي والفساد، وكثر بحمد الله محبوه وجنده، وصار معه عصابة من فحول الرجال، وأهل السمت الحسن والكمال، يسلكون معه الطريق ويجاهدون كل فاسق وزنديق.

стр. 22

فصل في حال الناس في نجد وغيرها قبل دعوة الشيخ ... فصل كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن البحر١ الأجاج شاربون، وبه٢ راضون، وإليه مدى الزمان

стр. 23

داعون، قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات، عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات، والآيات البينات، يحتجون بما رروه١ من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلفة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وغبر الفترات. وكثير منهم يعتقد النفع في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الأوقات ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، [الحشر:١٩] ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، [الأنعام:١] ، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٢-٣٣] . فأما بلاد نجد. فإنه قد بالغ الشيطان في كيدهم وجد، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب، ويدعونه رغباً ورهباً بفصيح الخطاب، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج، ويرونه من أكبر الوسائل والولائج. وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور وذلك كذب ظاهر وبهتان مزور.

стр. 24

وكذلك عندهم نخل فحال١ ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الفعال، والمرأة إذا تأخر عنها الزواج، ولم ترغب فيها الأزواج، تذهب إليه وتضمه٢ بيديها، وتدعوه برجاء وابتهال، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجاً قبول الحول. وشجرة عندهم تسمى الطريفية٣ أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجب منها البركة، ويعلقون عليها الخرق لعل الولد يسلم من السوء. وفي أسفل بلدة الدرعية مغارة في الجبل يزعمون أنها انفلقت٤ من الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير، فانفلق٥ الغار ولم يكن له

стр. 25

عليها اقتدار، وكانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان. وفي بلدتهم رجل يدّعي الولاية، يسمى "تاج" يتبركون به، ويرجون منه العون والإفراج، وكانوا يأتون إليه، ويرغبون فيما عنده من المدد بزعمهم ولديه، فتخافه الحكام والظلمة، ويزعمون أن له تصرفاً وفتكاً بمن١ عصاه وملحمة، مع أنهم يحكون عنه الحكايات الشنيعة، التي تدل على انحلاله عن أحكام الملة والشريعة. وهكذا سائر بلاد نجد، على ما وصفنا من الإعراض عن دين الله والجحد لأحكام الشريعة والرد. ومن العجب أن هذه الاعتقادات الباطلة، والمذاهب الضالة، والعوائد الجائرة، والطرائق الخاسرة، قد فشت وظهرت، وعمت وطمت، حتى بلاد الحرمين الشريفين: فمن ذلك ما يفعل عند قبر محجوب وقبة أبي طالب، فيأتون قبره بالسماعات والعلامات للاستغاقة عند نزول المصائب، وحلول النواكب، وكانوا له في غاية التعظيم، ولا ما يجب عند البيت الكريم، فلو دخل سارق، أو غاصب، أو ظالم قبر أحدهما لم يتعرض له أحد لما يرون له من وجوب التعظيم؛ والاحترام والمكارم.

стр. 26

ومن ذلك ما يفعل عند قبر ميمونة أم المؤمنين ﵂ في سرف. وكذلك عند قبر خديجة ﵂، يفعل عند قبرها ما لا يسوغ السكوت عنه من مسلم يرجو الله والدار الآخرة، فضلاً عن كونه من المكاسب الدينية الفاخرة، وفيه من اختلاط النساء بالرجال، وفعل الفواحش والمنكرات، وسوء الأفعال، ما لا يقره أهل الإيمان والكمال، وكذلك سائر القبور المعظمة المشرفة في بلد الله الحرام مكة المشرفة. وفي الطائف قبر ابن عباس ﵁ يفعل عنده من الأمور الشركية التي تشمئز منها نفوس الموحدين، وتنكرها قلوب عباد الله المخلصين، وتردها الآيات القرآنية وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين، منها: وقوف السائل عند القبر متضرعاً مستكينا وإبداء الفاقة إلى معبودهم مستعينا وصرف خالص المحبة التي هي محبة العبودية والنذر والذبح لمن تحت ذاك المشهد والبَنِيَّة وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون بالأسواق اليوم: على الله وعليك يا ابن عباس، فيستمدون منه الرزق والغوث، وكشف الضر والبأس. وذكر محمد بن حسين النعيمي الزبيدي ﵀: أن رجلاً رأى ما يفعل في الطائف من الشعب الشركية

стр. 27

والوظائف، فقال: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس، فقال له بعض من يترشح بالعلم: معرفتهم لابن عباس كافية، لأنه يعرف الله. فانظر إلى هذا الشرك الوخيم، والغلو الذميم، المجانب للصراط المستقيم، ووازن بينه وبين قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] الآية. وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ، وقد لعن رسول الله ﷺ اليهود والنصارى باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد١ يعبد الله فيها، فكيف بمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله؟! والنصوص في ذلك لا تخفى على أهل العلم. وكذلك ما يفعل بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام هو من هذا القبيل، بالبعد عن منهاج الشريعة والسبيل.

стр. 28

وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وهو القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء، وصفه لهم بعض الشياطين، وأكثروا في شأنه الإفك المبين، وجعلوا له السدنة والخدم، وبالغوا في مخالفة ما جاء به محمد عليه أفضل السلام من النهي عن تعظيم القبور، والفتنة بمن فيها من الصالحين. وكذلك مشهد العلوي بالغوا في تعظيمه، وتوقيره، وخوفه، ورجائه. وقد جرى لبعض التجار أنه انكسر بمال عظيم لأهل الهند وغيرهم، وذلك في سنة "عشر ومائتين وألف" فهرب إلى مشهد العلوي مستجيراً، ولائذاً به مستغيثاً، فتركه أرباب الأموال، ولم١ يتجاسر أحد من الرؤساء والحكام على هتك ذلك المشهد والمقام، واجتمع طائفة من المعروفين واتفقوا على تنجيمه٢ في مدة سنين، فنعوذ بالله من تلاعب الفجرة والشياطين.

стр. 29

وأما بلاد مصر وصعيدها وأعمالها فقد١ جمعت من الأمور الشركية، والعبادات الوثنية، والدعاوي الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، ولا يدنو له خطاب، لا سيما عند مشهد أحمد البدوي، وأمثالهم من المعتقدين والمعبودين، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم، وجمهورهم يرى له من تدبير الربوبية، والتصريف في الكون بالمشيئة والقدرة العامة، ما لم ينقل مثله عن أحد بعد الفراعنة والنماردة. وبعضهم يقول: يتصرف في الكون سبعة. وبعضهم يقول: أربعة، وبعضهم يقول: القطب يرجعون إليه. وكثير منهم يرى أن الأمور شورى بين عدد ينتسبون إليه، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف: ٥] ، وقد استباحوا عند تلك المشاهد من المنكرات والفواحش والمفاسد ما لا يمكن حصره، ولا يستطاع وصفه، واعتمدوا في ذلك من الحكايات والخرافات والجهالات ما لا يصدر عن من له أدنى مسكة وحظ من المعقولات، فضلاً عن النصوص والشرعيات. وكذلك ما يفعل في بلدان اليمن، جارٍ على تلك الطريق والسنن.

стр. 30

ففي صنعاء وبرع١ والمخا وغيرها من تلك البلاد ما يتنزه العاقل عن ذكره ووصفه، ولا يمكن الوقوف على غاياته٢ وكشفه، وناهيك بقوم استخفهم الشيطان، وعدلوا عن عبادة الرحمن إلى عبادة القبور والشياطين، فسبحان من لا يعجل بالعقوبة على الجرائم، ولا يهمل الحقوق والمظالم، وفي حضر موت، والشحر٣، وعدن، ويافع ما تستك عن ذكره المسامع، يقول قائلهم: شيء لله عيدروس. شيء لله يا محي النفوس. وفي أرض نجران من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن، من ذلك رئيسهم المسمى بالسيد، لقد أتوا من طاعته وتعظيمه وتقديمه وتصديره، والغلو فيه بما أفضى بهم إلى مفارقة الملة والإسلام، والانحياز إلى عبادة الأوثان والأصنام ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا

стр. 31

إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] . وكذلك حلب ودمشق وسائر بلاد الشام فيها من تلك المشاهد والنصب والأعلام؛ ما لا يجامع عليه أهل الإيمان والإسلام من أتباع سيد الأنام، وهي تقارب ما ذكرنا في الكفريات المصرية، والتلطف١ بتلك الأحوال الوثنية الشركية. وكذلك الموصل وبلاد الأكراد، ظهر فيها من أصناف الشرك والفجور والفساد. وفي العراق من ذلك بحره المحيط بسائر الخلجان، وعندهم المشهد الحسيني قد اتخذه الرافضة وثناً؛ بل رباً مدبراً، وخالقاً ميسراً، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى، وما كان عليه أهل الجاهلية. وكذلك مشهد العباس، ومشهد علي، ومشهد أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، والشيخ عبد القادر، فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد رافضتهم وسنيهم٢، وعدلوا عن أسنى المطالب والمقاصد، ولم يعرفوا ما وجب عليهم من حق الله الفرد الصمد الواحد.

стр. 32

وبالجملة فهم شر تلك الأمصار، وأعظمهم نفوراً عن الحق واستكباراً، والرافضة يصلون لتلك المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك المعاهد، وقد صرفوا من الأموال والنذور، لسكان تلك الأجداث والقبور، ما لا يحصل عُشر معشاره للملك العلي الغفور، ويزعمون أن زيارتهم لعلي وأمثاله أفضل من سبعين حجة، تعالى الله وتقدس في مجده وجلاله. ولآلهتهم من التعظيم والتوقير والخشية والإحترام ما ليس معه من تعظيم الله وتوقيره وخشيته وخوفه شيء للإله الحق والملك العلام، ولم يبق مما عليه النصارى سوى دعوى الولدية، غير أن بعضهم يرى الحلول لأشخاص بعض البرية، سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وكذلك جميع قرى الشط١ والمجرة٢ على غاية من الجهل.

стр. 33

والمعروف في القطيف والبحرين من البدع الرافضية، والأحداث المجوسية، والمقامات الوثنية، ما يضاد ويصادم أصول الملة الحنيفية. فمن اطلع على هذه الأفاعيل وهو عارف بالإيمان والإسلام وما فيهما من التفريع والتأصيل، تيقن أن القوم قد ضلوا عن سواء السبيل، وخرجوا من مقتضى القرآن والدليل، وتمسكوا بزخارف الشيطان١، وأحوال الكهان، وما شبه هذا القبيل، وازداد بصيرة في دينه، وقوي بمشاهدته إيمانه ويقينه، وجد في طاعة مولاه وشكره، واجتهد في الإنابة إليه وإدامة ذكره، وبادر إلى القيام بوظائف أمره، وخاف أشد الخوف على إيمانه من طغيان الشيطان وكفره. فليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. فلما تفاقم هذا الخطب وعظم، وتلاطم موج الكفر والشرك في هذه الأمة وجسم، واندرست الرسالة المحمدية، وانمحت منها المعالم في جميع البرية، وطمست الآثار السلفية، وأقيمت البدع الرفضية، والأمور الشركية.

стр. 34

تجرد الشيخ للدعوة إلى الله، ورد هذا الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار، والعيون والمغار، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار١. فجادل في الله وقرر حججه وبيناته، وبذل نفسه لله، وأنظر على أصناف بني آدم، الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه، التاركين له. وصنف في الرد على من عاند وجادل، وماحل٢ حتى ظهر الإسلام في الأرض، وانتشر في البلاد والعباد، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وانقمع أهل الشرك والفساد، واستبان لذوي الألباب والعلوم من دين الإسلام ما هو مقرر معلوم.

стр. 35

فهذه حقيقة حال الشيخ ونشأته، وظهور دعوته، وهذه حال أهل الأمصار في تلك الأوقات والأعصار، كما تقدم بيانه لذوي العقول والأبصار. فمن شرح الله صدره للإسلام تبين له صحة ما دعا إليه هذا الإمام، ومن عمي عن طريق رشده وهداد، واتبع فيما ينتحله ما يهواه١، وتمرد على الله واستكبر وعتا٢ وتجبر، فإنما الهداية بيد الله ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة: ٤١] ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] . وبما ذكرناه يعرف كيفية الجواب عما تقدم من فاتحة كتاب هذا العراقي إلى مبدأ نشأة الشيوخ وظهور دعوته، وإنما تركنا الجواب لعدم المصلحة الراجحة في ذلك.

стр. 36

فصل في حقيقة دعوة الشيخ وأنها سلفية ... فصل قال الملحد: (فأظهر عقيدته الزائغة في نجد) . الجواب أن يقال: قد عرف واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروؤة، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته: أنه كان على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقة والفتوى في باب معرفة الله، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقتها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها، ويمرونها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين، وتابعيهم من أهل العلم والإيمان وسلف الأمة وأئمتها.

стр. 37

وكان ﵀ يدعو الناس إلى الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حيث ينادى لها، وهذا من سنن الهدى ومعالم الدين، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ويأمر بالزكاة والصيام والحج، ويأمر بالمعروف ويأتيه، ويأمر الناس أن يأتوه، ويأمروا به، وينهى عن المنكر ويتركه، ويأمر الناس بتركه، والنهي عنه، فمن زعم أن عقيدته وطريقته زائغة، أو عن الحق رائغة، فلعدم معرفته بالعقائد السلفية والآثار النبوية. بل تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف، ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف، بل قد تتبع العلماء مصنفاته ﵀ من أهل زمانه وغيرهم فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يعاب. وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، ولم يعب عليه إلا من خرج عن طريقة أهل السنة والجماعة، لإلفهم بما كانوا عليه من الشرك والضلال من عبادة غير الله تعالى، بالإلتجاء إلى الصالحين ودعائهم، والاستغاثة بهم، لأنهم لا يعرفون إلا ما نشأوا عليه من هذا الشرك العظيم، والمرتع الوبي الوخيم، الذي وجدوا عليه الآباء والجدود الراتعين في رياض المحرمات والحدود. والأكثر منهم يتدين بالبدع والأهواء؛ ويرفض ما درج عليه السلف الصالح من الدين القديم الأولى،

стр. 38

وينتحل ما كان عليه الفلاسفة المتقدمون؛ وورثتهم من المتكلمين الذي يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قوله: (وساعده على إظهارها محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب) . فأقول: نعم قد استجاب لهذه الدعوة المحمدية والملة الإبراهيمية من أهل الإسلام عصابة، حصل بهم من العز والمنعة ما هو عنوان التوفيق والإصابة، فكانوا لطريقته المثلى متبعين، وبأقواله وأفعال مقتدين، لا يزالون معه في إخلاص الدعوة مشمرين، وفي إدحاض الباطل وأهله مجتهدين، وبإيضاح مناهج الشرك معلنين، ولها منكرين، وعنها محذرين، وفيما يرضي الله مسرعين، ولأهل الدين والحق مكرمين، ولأهل الضلال موهنين، وللضلال والفساق مهينين، ولقبح عقائدهم مبينين، قائمين في ذلك لرب العالمين، ولوجهه الكريم محتسبين، وللنجاة مرتجين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] . وقد قال الإمام أحمد بن محمد الحفظي اليمني في

стр. 39

أرجوزة له ذكر فيها ظهور هذه الدعوة المحمدية، والطريقة السلفية، قال فيها: أحمده مهللاً مسبحلاً ... محوقلاً محيعلاً محسبلا مصلياً على الرسول الشارعِ ... وآله وصحبه والتابعِ في البدء والختم وأما بعدُ ... فهذه منظومة تعدُّ حركني لنظمها الخير الذي ... قد جاءنا في آخر العصر القذي لما دعا الداعي من المشارقِ ... بأمر رب العالمين الخالقِ وبعث الله لنا مجددا ... من أرض نجدٍ عالماً مجتهدا شيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمدي فقام والشرك الصريح قد سرى ... بين الورى وقد طغى واعترى لا يعرفون الدين والتهليلا ... وطرق الإسلام والسبيلا

стр. 40

إلا أساميهم وباقي الرسمِ ... والأرض لا تخلو من أهل العلم وكل حزب فلهم وليجة ... يدعونه في الضيق للتفريجة وملة الإسلام والأحكامُ ... في غربة وأهلها أيتامُ دعا إلى الله وبالتهليلةِ ... يصرخ بين أظهر القبيلةِ مستضعفاً وما له مناصرُ ... ولا له معاونٌ موازرُ في ذلة وقلة وفي يده ... مهفةٌ تغنية عن مهندهِ كأنها ريح الصبا في الرعب ... والحق يعلو بجنود الرب قد أذكرتني درةً لعمر ... وضرب موسى بالعصا للحجر ولم يزل يدعو إلى دين النبي ... ليس إلى نفسٍ دعا أو مذهب يعلمُّ الناس معاني أشهد ... أن لا إله غير فردٍ يعبدُ
следующие страницы →