Полный текст (617 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الاغتسال
أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ولا فرق في هذا بين الذكر والأنثى ولا بين المرأة الحائض والطاهر، ولهذا لما ولدت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر ﵁ محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة أرسلت إلى النبي ﷺ كيف تصنع، قال: (اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي) فالاغتسال سنة لا يجب للإنسان أن يدعها إلا إذا لم يجد الماء أو خاف ضرراً باستعماله، وإذا لم يجد الماء أو خاف ضرراً باستعماله، فهل يتيمم لأنه غير قادر على الماء أو لا يتيمم؟ في هذا أيضاً خلاف بين العلماء، وذكرنا فيما سبق أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنه لا يتيمم؛ لأن هذا ليس عن جنابة والتيمم إنما ورد فيما إذا كان الغسل عن حدث أو الوضوء عن حدث.
стр. 37
التطيب
كذلك ينبغي بعد الاغتسال أن يتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، قالت عائشة ﵂: (كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) وقالت: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهذا يدل على أنه ينبغي أن يكثر من الطيب؛ لأن البريق واللمعان في المفارق يدل على أن الطيب كان كثيراً وهو كذلك.
стр. 38
التجرد من الثياب ولبس الإزار
وينبغي أيضاً: أن يتجرد من الثياب ليلبس إزاراً ورداءً، كما قال النبي ﵊: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) فيلبس الإزار والرداء، ويتجرد من المخيط، والأفضل أن يكون الإزار والرداء أبيضين نظيفين أو جديدين.
هذا بالنسبة للرجل، أما بالنسبة للمرأة فلتلبس ما شاءت من الثياب، غير أنها لا تتبرج بالزينة، بل تلبس ثيابها العادية ولا حرج عليها.
стр. 39
مسائل متفرقة في باب الإحرام
هل يشرع أن يطيب ثوب الإحرام؟
الجواب
لا.
لأن الرسول ﷺ قال: (لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس) فلا يجوز للإنسان أن يطيب الإزار والرداء، ولا أن تطيب المرأة ثيابها التي تحرم بها، لأن رسول الله ﷺ يقول: (لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس) وبعد هذا يَشْرَعُ في النسك، أي: ينوي الدخول فيه كما ينوي الإنسان الدخول في الصلاة، فينوي أنه دخل وتلبس بالنسك، ويلبي ويذكر نسكه فيقول: لبيك اللهم عمرة إذا كان معتمراً، ويقول: لبيك اللهم حجاً إذا كان حاجاً، وإن كان قارناً قال: لبيك عمرة وحجاً، وهل يقول: لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج؟ الجواب: لا.
لا حاجة أن يقول هذا لأن مجرد نية الإنسان الحج في هذا العام هو التمتع في الواقع، فالتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه، ولا حاجة أن يقول: متمتعاً بها إلى الحج.
بل يقول: لبيك عمرة.
وإذا كان من نيته أن يحج فهذا هو التمتع.
وهل يشترط عند الإحرام أن محله حيث حبس فيما لو حبسه حابس؟ فيه خلاف بين العلماء، والقول الراجح: أنه لا يشترط؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط، إلا إذا كان يخشى من عائق يمنعه من إتمام النسك، فإذا كان يخشى من ذلك كما لو كان يخشى أن يفوته الوقوف بـ عرفة أو يخشى أن يمرض أو ما أشبه ذلك فإنه لا بأس أن يشترط؛ لأن النبي ﷺ قال لـ ضباعة بنت الزبير وقد أتت إليه تخبره أنها تريد الحج وأنها شاكية، قال: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني فإن لك على ربك ما استثنيت).
أما من كان لا يخاف من عائق فالأفضل ألا يشترط وأن يعتمد على الله وأن يحسن الظن بالله، فإن هذا هو الأتبع لرسول الله ﷺ ، فإن قال قائل: الحوادث يخشى منها؛ كحوادث السيارات، والإنسان إذا أصيب بالحادث ربما لا يتمكن من إتمام النسك أفلا نقول أنه يشرع الاشتراط على كل حال؟ فالجواب: لا.
أولاً: لأن الحوادث لو نسبتها إلى السيارات لوجدت أنها قليلة جداً، آلاف السيارات وتجد الحوادث لا تتجاوز المائة، فالحوادث قليلة، ثم إن الحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊ ومع ذلك لم يشرع لأمته أن يشترطوا على كل حال، ألم تسمعوا قصة الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بـ عرفة حتى مات، فهذه حادثة، فالحوادث موجودة حتى في عهد الرسول ﵊ وإلى يومنا هذا، لكن الأصل السلامة فالأفضل إذاً ألا تشترط إلا إذا خفت من عائق يمنعك من إكمال النسك.
وهل تهل بالنسك إذا ركبت أو إذا علوت على البيداء إن كنت محرماً من ذي الحليفة أو من مكان الصلاة التي عقدت الإحرام بعدها؟ في هذا خلاف بين أهل العلم أيضاً بناء على اختلاف الروايات في هذا، والراجح: أن الروايات المختلفة يمكن الجمع بينها بما روي عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ أَهلَّ دبر الصلاة فسمعه قوم، فقالوا: أهل دبر الصلاة، ولما ركب أهل فسمعه قوم، فقالوا: أهل حين ركب، ولما علا على البيداء أهل فسمعه قوم، فقالوا: أهل حين علت به ناقته على البيداء، وهذا الجمع جمع حسن، وعلى هذا فيكون الإهلال من حين أن تنتهي الصلاة؛ لأن المشروع أن يهل الإنسان عقب صلاة، فإذا وصلت إلى الميقات مثلاً في الضحى وتغسلت وحان وقت صلاة الظهر فصل الظهر ثم أحرم إذا فرغت من الصلاة، وإن لم تبق حتى صلاة الظهر فصل ركعتين سنة الضحى مثلاً وأحرم بعد هاتين الركعتين، وإن لم يكن وقت ضحى فصل ركعتين تنوي بهما سنة الوضوء، وأحرم بعدهما، وإن لم تفعل وأحرمت بدون دبر الصلاة فإحرامك صحيح.
ثم تسير إلى مكة متجهاً إليها، وتلبي إلى أن تشرع في الطواف إن كنت في العمرة، أو إلى أن ترمي جمرة العقبة يوم العيد إن كنت في حج، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان صفة الحج والعمرة في مكان آخر، ولكننا الآن نتكلم على الذي يترتب على الإحرام.
стр. 40
محظورات الإحرام
ما الذي يترتب على الإحرام؟ يترتب على الإحرام اجتناب محظورات الإحرام، واجتناب جميع المحرمات، لقول الله تعالى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فمن حين أن يحرم الإنسان بحج أو عمرة تترتب عليه أي: على إحرامه أحكام الإحرام من تجنب المحظورات، ولنبدأ بالمحظورات حتى نعرفها ونتجنبها، فالمحظورات:
стр. 41
الطيب
أولاً: الطيب، فلا يجوز للإنسان بعد نية الإحرام أن يتطيب، والدليل على ذلك: حديث ابن عباس ﵄ في الرجل الذي وقصته ناقته، قال النبي ﷺ : (لا تحنطوه) أي: لا تجعلوا فيه طيباً، لأن الحنوط أخلاط من الطيب يطيب بها الميت، وهذا دليل على أنه لا يجوز للإنسان بعد نية الإحرام أن يتطيب، ولكنه قبل نية الإحرام يتطيب، وإذا بقي الطيب بعد نية الإحرام فلا حرج عليه، كما قالت عائشة ﵂: (كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) فإذا قال قائل: ما تقولون فيما إذا تطيب الإنسان قبل الإحرام وبقي الطيب ومسه الإنسان، أي: مس الطيب لغرض صحيح؛ كمسح رأسه في الوضوء وتخليل شعره في الغسل، وفي هذه الحال لابد أن يمس الطيب فهل يلزمه فدية ذلك؟ الجواب لا.
لا يلزمه في ذلك فدية؛ لأن الرسول ﷺ كان يتطيب قبل إحرامه وينظر إلى وبيص المسك في مفارقه، وهو يتوضأ بلا شك ويغتسل ويفرك رأسه، ولابد أن يعلق بيده شيء من الطيب، لكنه لم يستأنف الطيب بعد الإحرام، فهذا لا يضر، أولاً: لأن ذلك ظاهر السنة، والثاني: لأن التحرز منه شاق؛ لا يمكن للإنسان أن يتحرز من الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام.
الطيب الذي يجب على المحرم أن يتجنبه، هل هو خاص بطيب الثوب أو بطيب البدن، أو بطيب المأكول أو المشروب أو المفروش أم ماذا؟ نقول: هو عام، فلا يجوز للإنسان أن يستعمل الطيب بعد نية الإحرام لا في ثيابه ولا في بدنه، ولا في أكله ولا في شربه، ولا في أدوات التغسيل، وعلى هذا: فلا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران؛ لأن الزعفران من الطيب، وإذا شربها فقد مس الطيب، وكذلك أيضاً: لا يجوز أن يرش على فراشه شيئاً من الطيب ثم يضطجع عليه لأن هذا استعمال للطيب، هذا واحد من محظورات الإحرام.
стр. 42
الجماع ووسائله وذرائعه
الثاني: الجماع ووسائله وذرائعه، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ -والرفث هو: الجماع- وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فلا يجوز للمحرم أن يجامع زوجته بعد نية الإحرام، ولا تجوز مقدمات الجماع كالتقبيل واللمس بشهوة وما أشبه ذلك، بل ولا يجوز عقد النكاح الذي قد يكون ذريعة إلى الجماع وانشغال القلب بالزوجة الجديدة، بل ولا يجوز أن يخطب الإنسان امرأة؛ لأن هذا ذريعة إلى العقد ثم الدخول؛ ولأن هذا يوجب انشغال القلب عن النسك، فهذه أربعة أشياء: الجماع، ومقدمات الجماع، وعقد النكاح، والخطبة، كل هذا حرام وهو من محظورات الإحرام وأعظمها الجماع، قال أهل العلم: والجماع إذا كان قبل التحلل الأول ترتبت عليه أحكام: أولا: الإثم، ثانياً: فساد النسك، ثالثاً: وجوب المضي فيه، رابعاً: وجوب قضائه من العام القادم، خامساً: الفدية: وهي بدنة يذبحها ويفرقها على المساكين، إذاً: الجماع أعظم محظورات الإحرام، وليس في محظورات الإحرام شيء يفسد النسك إلا الجماع قبل التحلل الأول، فإن وقع أعني الجماع بعد التحلل الأول تعلق فيه: أولاً: الإثم، ثانياً: فساد الإحرام، ثالثاً: فدية يخير فيها بين ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، والفدية على ما قال العلماء كفدية الأذى، أي يخير فيها بين أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة يتصدق بها على الفقراء، المثال: رجل رمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق وجامع زوجته قبل أن يطوف طواف الإفاضة، هذا الجماع حصل بعد التحلل الأول، فيكون آثماً بذلك، ويفسد الإحرام دون النسك، إذاً: ماذا يصنع إذا فسد الإحرام؟ قال العلماء: يجدد إحرامه من الحل، أي: يذهب إلى التنعيم أو إلى عرفة ويحرم بإزار ورداء، ثم يطوف طواف الإفاضة وعليه الإزار والرداء ويسعى كذلك.
المباشرة والتقبيل من المحظورات لأنها وسائل للجماع، فإن الإنسان إذا قبل أو باشر كان من اليسير عليه أن يجامع؛ لأنها تثور شهوته فيجامع وقد لا يملك نفسه، ولهذا منع المحرم من المباشرة والتقبيل، فإن فعل باشر أو قبل ولم ينزل فعليه فدية مخير فيها بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، وإن أنزل فإن كان قبل التحلل الأول فقد قال بعض العلماء: إن عليه بدنة، وقال آخرون: إنه ليس عليه بدنة بل عليه فدية أذى، فيخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة.
وهذا القول هو الصحيح لأنه لا سواء بين الجماع وبين الإنزال بالمباشرة، بل بينهما فرق عظيم، فيكف نلزمه بفدية الجماع بدون دليل؟ الثالث: مما تعلق في الجماع: عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره، ولا يجوز أن يعقد عليه، فلو زوج الرجل ابنته وهو محرم فإن ذلك حرام عليه والنكاح فاسد غير صحيح، ولو تزوج هو بنفسه فإنه حرام عليه والنكاح فاسد، ولو عقد على ابنته المحرمة وهو محل فهو آثم والنكاح فاسد غير صحيح.
بقي الأمر الرابع وهو: الخطبة، فلا يحل للإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم، لحديث عثمان بن عفان ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) ولا يخطب عليه أيضاً، فلا يجوز للإنسان المحرم أن يخطب امرأة، ولا يجوز أن تخطب المرأة المحرمة، فإن فعل وخطب امرأة وهو محرم فليس له حق في هذه الخطبة، فيجوز لإنسان آخر أن يخطب هذه المرأة؛ لأن خطبة هذا الرجل المحرم فاسدة غير مشروعة فلا حق له، مع أن الخطبة على خطبة أخيه في الأصل حرام، لكن لما كانت خطبة المحرم خطبة فاسدة صار لا حق له في ذلك، وجاز لغيره أن يخطب هذه المرأة؛ لأن خطبة المحرم لها خطبة منهي عنها لا أثر لها ولا يترتب عليها أحكام الخطبة.
стр. 43
تغطية الرأس
الثالث: تغطية الرجل رأسه، فلا يحل للرجل أن يغطي رأسه بملاصق وهو محرم؛ لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي وقصته ناقته فمات: (لا تخمروا رأسه) فلا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه بملاصق حال الإحرام؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
فإذا قال قائل: هذا في الميت؟ فإننا نقول: لا فرق بين الميت والحي، لقوله ﷺ : (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فدل هذا على أن من كان حاله التلبية يثبت له هذا الحكم.
وقولنا: أن يغطي رأسه بملاصق، هل يشترط أن يكون معتاداً أم لا؟ يعني: لو ضع منديلاً على رأسه هل يحرم أو لا يحرم؟ يحرم؛ لأن الرسول ﵊ قال: (لا تخمروا رأسه) فالفرق بين المعتاد كالطاقية والغترة والعمامة، وغير المعتاد كالمنديل مثلاً، فإن كان غير ملاصق فهو جائز، مثل الشمسية والخيمة ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ إنما نهى عن تغطية الرأس لا عن تظليل الرأس، والشيء البائن عن الرأس المبتعد عنه لا يقال: إنه غطى الرأس بل ظلل الرأس، ولهذا قالت أم الحصين: (رأيت النبي ﷺ ضحى يوم العيد راكباً على ناقته ومعه بلال وأسامة وأحدهما يظلله بثوب من الحر حتى رمى جمرة العقبة) فدل هذا على أن التضليل ليس تغطية، وإذا قال قائل: لو وضع الإنسان يده على رأسه، هل يحرم؟
الجواب
لا.
لأن هذا لا يعد ستراً في العادة ولا تغطية، فلو وضع إنسان يده على رأسه من شدة الحر مثلاً وهو محرم فلا بأس، ولو حمل عفشه على رأسه وهو محرم، فهل يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن هذا لا يسمى ستراً في العادة ولا جرت العادة أن الإنسان إذا أراد أن يخمر رأسه ذهب يحمل المتاع، ولكن بعض أهل العلم قال: إن أراد بالحمل أي بحمل المتاع على رأسه الستر فإن ذلك حرام؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ولكن الظاهر أن ذلك لا يضر مطلقاً؛ لأن هذا يسمى حملاً ولا يسمى ستراً.
أما المرأة فإنها تغطي رأسها وتغطي كذلك وجهها إذا مر الرجال قريباً منها، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 44
قتل الصيد
الرابع: قتل الصيد، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] أي: محرمون، فلا يجوز للمحرم أن يقتل الصيد سواء في داخل الحرم أو في خارج الحرم، وعلى هذا: فلو أنه رأى صيداً وهو واقف بـ عرفة وأراد أن يصطاده، قلنا: إن هذا حرام، ولو رآه وهو في الحرم وأراد أن يصطاده، قلنا: هذا حرام من وجهين: من جهة أنك محرم، ومن جهة أنك في الحرم.
ما هو الصيد؟ قال العلماء: الصيد هو حيوان البر الحلال المتوحش أصلاً.
فقولنا: (حيوان البر) خرج به حيوان البحر فلا يحرم على المحرم أن يصطاد السمك، فلو فرض أن هذا الرجل أحرم في جدة وذهب إلى البحر واصطاد سمكاً فإن هذا جائز لأنه ليس حيوان بر بل هو حيوان بحر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة:٩٦]، واشترطنا أن يكون حلالاً: (حيوان البر الحلال) احترازاً من الحرام، فلا يحرم على المحرم أن يقتل حيواناً حراماً، كالذئاب والسباع وشبهها؛ لأنها ليست صيداً شرعاً، اشترطنا أن يكون (متوحشاً أصلاً) المتوحش: هو الذي ليس بأليف، هو الذي ينفر من الناس ولا يألفهم ولا يركنوا إليه، بل يفر ويهرب مثل الضباء والأرانب والحمام والوز وغير ذلك من الأشياء التي تعتبر متوحشة.
وقولنا: (أصلاً) دخل فيه ما لو استأنس الصيد وصار أليفاً فإنه لا يجوز صيده أو لا يجوز ذبحه، فلو استأنس الأرنب فهل يجوز للمحرم أن يذبحه؟
الجواب
لا.
لأن أصله صيد، ولهذا قلنا: (المتوحش أصلاً) فأصل هذا صيد فلا يجوز للمحرم أن يذبحه، ولو توحش صيد أليف أو حيوان أليف، مثل أن يهرب الكبش ويكون كالصيد يفر إذا رأى الناس، فهل يعتبر صيداً يحرم صيده للمحرم؟ الجواب: لا.
لماذا؟ لأنه غير متوحش في أصله، والتوحش طارئ عليه، فإذا ند البعير أو هرب الكبش وأدركه إنسان وهو محرم فإنه يحل له أن يرميه ويكون حلالاً؛ لأنه ليس بصيد لأن الصيد هو المتوحش أصلاً.
стр. 45
لبس الثياب على الوجه المعتاد
الخامس: لبس الثياب على الوجه المعتاد، مثل: القميص والسراويل والبرانس والعمائم والخفاف، واخترت أن أقول: لبس الثياب دون لبس المخيط؛ لأن لبس المخيط لم تأت به السنة، وقد قيل أن أول من قاله إبراهيم النخعي، أحد فقهاء التابعين، والتعبير به موجب للإشكال طرداً وعكساً، كيف ذلك؟ لأن بعض الناس يفهم من كلمة المخيط أي ما فيه خياطة، وعلى هذا فإذا كان هناك قميص قد نسج على صفة القميص بدون خياطة يكون على هذا الفهم جائزاً لأنه ليس فيه خياطة، ولو رقع الإزار أو الرداء لظن بعض الناس أو لتوهمهم أن ذلك حرام لا يجوز لأنه مخيط، فهذا التعبير موهم لخلاف المقصود طرداً وعكساً.
ولهذا نقول: أفضل ما نذكر هذا المحظور بما ذكره النبي ﵊، فإن النبي ﷺ سئل: (ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس ولا العمائم ولا الخفاف) فقط، ولم يتعرض للخياطة وغير الخياطة، وما أكثر الذين يسألون عن النعال المخروزة: هل يجوز للمحرم أن يلبسها؟ لماذا؟ لأنهم يظنون أن المحرم لبس ما فيه خياطة، لبس المخيط، ولكن إذا عبرنا بما عبر به أفصح الخلق محمد ﷺ سلمنا من هذا الوهم، فلا يلبس القميص، والقميص هو: الثوب الشامل للبدن كله المكمم، كثيابنا هذه لا يجوز للمحرم أن يلبسها، ولا يلبس السراويل، والسراويل: هو اللباس الذي يكون على أسفل البدن وله أكمام، يعني: له حجول، ولا يلبس البرانس، والبرانس: ثياب واسعة يتصل بها غطاء للرأس، ولا يلبس العمائم، والعمائم هي: ما يدور على الرأس من الخرق وهي لباس الرأس، ولا الخفاف، وهي: ما يلبس في الرجل، هذه الأشياء الخمسة هي المحرمة على المحرم.
طيب فإذا قال قائل: ما تقولون في (الفنيلة) هل تحرم؟
الجواب
نعم.
تحرم؛ لأنها لباس على بعض البدن فهي كالسراويل، وهي أيضاً كالعمامة التي نهى الشارع عنها، فلا يجوز للرجل المحرم أن يلبس (الفنيلة) وإن لم يكن فيها خياط؛ لأنها مصنوعة على بعض البدن فأشبهت السراويل، ولو قال قائل: هل يجوز لباس المشلح للمحرم؟ الجواب: لا.
لأنها تشبه البرانس -الثياب الفضفاضة- فلا يجوز أن يلبسها الإنسان.
ولا يلبس الخفاف أيضاً، قال النبي ﵊: (إلا من لا يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل) فإذا كان الإنسان لا يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل، وإذا لم يجد نعلين فإنه يلبس الخفين، وهنا مسألة تقع ولننظر كيف نحلها: رجل سافر بالطائرة يريد أن يحرم إذا حاذى الميقات، ولكن كانت ثياب الإحرام في الشنطة في خزينة العفش في الطائرة لا يمكنه أن يصل إليها، فماذا يصنع؟ نقول: يخلع ثوبه ويخلع غترته وطاقيته ويبقى في سرواله؛ لأنه لم يجد إزاراً، والثوب يجعله رداءً، أي: يلفه لفاً لا يلبسه لبساً؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا يلبس القميص) ولم يقل: (لا يرتدِ بالقميص) فتزول هذه المشكلة في هذا العمل، نقول: اخلع الثوب والقميص والغترة والطاقية وأبق السروال واجعل الثوب رداءً ارتدِ به، أي: لفه على صدرك وعلى كتفيك، وحينئذ لا يبقى علينا إشكال في هذا الأمر.
стр. 46
الأسئلة
стр. 47
حكم استخدام الخيام وسائر خدمات الحج دون مقابل
السؤال
هناك مخيمات خاصة في الحج ببعض الجهات وفيها جميع الخدمات حتى الأكل والشرب يكون بدون مقابل، وقد يحدث أني أعرف شخصاً من منسوبي هذه الجهات، فيستطيع أن يدخلني ضمن مخيمات الحج، فهل يحق لي هذا ويجوز فعله أو عدمه أو لا؟ وهل حجي صحيح؟ أفيدونا أثابكم الله.
الجواب
الحمد لله رب العالمين المخيمات بل فيما يظهر الخيام التي تحجر ويتحجرها أصحابها في منى لا حرج على الإنسان أن يطلب خيمة منه؛ لأن له الحق في أن ينزل في منى، وأما الأكل والشرب والكهرباء وما أشبهه فإن أذن المسئول عن هذه المخيمات فلا بأس بذلك، وإن لم يأذن فإنه لا يجوز أن يأكل أو أن ينتفع بالكهرباء والمكيفات التي جعلت لهذه الأماكن، والغالب أن المسئول عن هذه الخيام يسمح للإنسان أن ينتفع وأن يأكل ويشرب ضمن الناس، وتكون هذه بمنزلة الضيافة، وحينئذ يكون الأكل والشرب والانتفاع بالكهرباء وكذلك بالنزول في الخيمة يكون أمراً جائزاً إذا ما صدر الإذن به عن المسئول عنه.
стр. 48
حكم الإنابة في الحج للمستطيع
السؤال
هل يجوز إعطاء المال لشخص يحج عني وأنا مستطيع؟
الجواب
أما إذا كان الحج فريضة فإنه لا يجوز أن تعطي من يحج عنك وأنت مستطيع؛ لأن الفرض مطالب به الإنسان أن يقوم به بنفسه، وأما إذا كان نفلاً فقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: إنه لا استنابة في النفل؛ لأن الاستنابة إنما وردت في الفرض والفرض أمر ملزم به الإنسان، فإذا تعذر قيامه به فلينب عنه من يقوم به، أما النفل فليس هناك ضرورة إلى أن تنيب عنك من يحج عنك أو يعتمر، وعلى هذا: فلا يجوز أن تنيب عنك من يحج عنك أو يعتمر نفلاً وأنت قادر على ذلك، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن الشرع له حكمة وهدف في أن يقوم الإنسان بنفسه في عبادة الله ، وكما أنه لا يجوز أن تقول لإنسان: صل عني تطوعاً بدراهم، أو صم عني تطوعاً بدراهم، فكذلك لا يجوز أن تقول: حج عني تطوعاً بدراهم وأنت قادر على أن تحج، أما إذا كنت عاجزاً عن الحج ولا يمكنك أن تحج لا حاضراً ولا مستقبلاً، فهو أيضاً محل نظر: هل يجوز أن تقيم من يحج ويعتمر عنك أو لا يجوز، وذلك أنه قد يقول قائل: إنه لا يجوز؛ لأن الاستنابة وردت في حج الفرض دون حج النفل، وليس هناك ضرورة في أن تقيم من يحج عنك حج نفل، وقد يقول قائل: إذا كانت الاستنابة قد جازت في حج الفرض وهو أوكد للعاجز فجوازها في حق النفل الذي هو أخف من باب أولى، والذي أرى أنه للاحتياط لا يوكل من يحج عنه النفل ولو كان غير قادر، وإذا أحب أن يكون له أجر الحج، فليعن عليه، أي: فليدفع دراهم لإنسان يحج بها لنفسه فإن: (من جهز غازياً فقد غزا) وكذلك من جهز حاجاً فقد حج؛ لأن الحج نوع من الجهاد في سبيل الله .
стр. 49
حكم إفراد النساء في مركب مستقل أثناء السفر
السؤال
إذا سافر الزوج معه زوجته في الحج أو غيره، هل يجب عليه أن يركب معها في نفس السيارة التي فيها الزوجة إذا كان هناك أكثر من سيارة لهذه السفرة؟
الجواب
لا شك أن ركوب الإنسان مع محرمه من زوجة أو قريبة في نفس السيارة أحسن وأحوط، ولكن إذا كانت القافلة سيارات تمشي جميعاً تنزل منزلاً واحداً وتسير مسيراً واحداً فلا بأس أن يجعل النساء في سيارة وأن يجعل الرجال في سيارة أخرى، ولكن لا بد أن يحرص قائد السيارة على ألا يغيب عن السيارة التي فيها الرجال المحارم حتى يكون المحرم مراقباً للسيارة التي فيها محرمه.
стр. 50
حكم لبس المرأة للثوب الأخضر أو الأصفر أو غيرهما في الحج
السؤال
لبس الثوب الأخضر أو الأصفر أو غيرهما من الألوان للمرأة في الحج ما حكمه؟
الجواب
لا بأس به، أي: لا بأس على المرأة أن تلبس ما شاءت من الثياب بأي لون كان إلا ما يعد تبرجاً وتجملاً فإنها لا تفعل؛ لأنها سوف تلاقي رجالاً ويشاهدها الرجال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب:٣٣] فمثلاً: الثوب الأبيض يعتبر في عرفنا نحن من ثياب الجمال بالنسبة للمرأة، فلا تلبس المرأة في حال الإحرام ثوباً أبيض؛ لأن ذلك يلفت النظر إليها ويرغب النظر إليها؛ ولأن المعروف عندنا أن الثوب الأبيض بالنسبة للمرأة ثوب تجمل والمرأة مأمورة بأن لا تتبرج في لباسها.
стр. 51
حكم السفر مع من يفعل مُحرماً وبيان أن شرب الدخان من الفسوق
السؤال
هل يجب على الشخص إذا أراد الحج أن يختار من يثق بعلمه ودينه وهل عليه إثم لو حج مع أشخاص يدخنون ويغتابون وغير ذلك؟ وهل شرب الدخان من الفسوق الذي ورد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]؟
الجواب
لا شك أن من الفقه والعقل أن يختار الإنسان رفقة ذات علم ودين؛ لأن الرسول ﷺ قال: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يبيعك أو يحذيك أو تجد منه رائحة طيبة) ولا سيما في سفر الطاعة كسفر الحج، فإن الإنسان محتاج إلى أن يكون معه طالب علم يرجع إليه عند الإشكال، ويوجهه طالب العلم عند المشاعر، ولكن لا حرج أن يحج مع أناس دون ذلك بشرط ألا يفعلوا محرماً في سفرهم، فإن فعلوا محرماً حرم السفر معهم إلا لمن أراد أن يمنعهم من المحرم، فلو اصطحبت رفقة تفتح الأغاني المحرمة، أو يشربون الدخان فإن ذلك حرام عليك، إلا إذا كان يسعك أن تمنعهم من هذا فلا بأس لأنك تكسب منعهم من المحرم وصحبتهم.
وأما السؤال الثاني: فهل شرب الدخان في حال الإحرام من الفسوق الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فجوابه أن نقول: نعم.
شرب الدخان من الفسوق، فالإنسان المحرم إذا كان يشرب الدخان لم يمتثل حكم الله لأنه فسق في شربه للدخان، فإن الإصرار على شرب الدخان يجعل شرب الدخان من الفسوق، وكذلك لو ابتلي الإنسان بقوم يغتابون الناس ويسخرون بهم فإنه لا يجوز أن يصحبهم إلا إذا كان -كما قلت أولاً- يمكنه أن يمنعهم من ذلك.
стр. 52
حكم من اعتمر في رمضان ثم خرج إلى التنعيم ليكون متمتعاً
السؤال
من اعتمر في رمضان ثم جلس في مكة ولكنه يريد أن يحج متمتعاً، فهل يشرع له أن يخرج إلى التنعيم ليعتمر في أشهر الحج ويجعل حجه تمتعاً؟
الجواب
هذا لا يمكن لأن التمتع لابد أن يحرم الإنسان بالعمرة من الميقات، ومن أحرم من أدنى الحل لم يكن متمتعاً بل ولا يشرع له أن يخرج ليحرم من التنعيم، فهذا الرجل الذي أتى إلى مكة في رمضان وأحرم بالعمرة وانتظر إلى الحج نقول: إنه مفرد؛ لأنه أتى بالعمرة في غير أشهر الحج، وأتى بالحج مفرداً، وفي هذه الحال يرى بعض العلماء أن هذا أفضل من التمتع؛ لأنه أتى بعمرة منفردة عن الحج، ولكن في النفس من هذا شيء، والصواب أن التمتع لا يعدله شيء؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه به، إلا من ساق الهدي فإن القران في حقه أفضل.
стр. 53
حكم من أراد أن يبر بوالديه بعد موتهما بحج أو يضحي عنهما
السؤال
فضيلة الشيخ! هل الأفضل لمن أراد أن يبر بوالديه بعد موتهما أن يحج عنهما بنفسه أو ماله أو أحد أبنائه أو يضحي عنهما؟ وكل ذلك تطوعاً وليس بوصية، أو يصرف ذلك في بناء المساجد والجهاد في سبيل الله؟
الجواب
أحسن ما يُبر به الوالدان ما أرشد إليه النبي ﷺ وهو الدعاء والاستغفار لهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك فيها إلا بهما، هذه هي التي نص عليها الرسول ﷺ حين سأله السائل فقال: يا رسول الله! هل علي من بر أبوي شيء بعد موتهما؟ فأجابه بذلك، وأما الحج عنهما والأضحية عنهما والصدقة عنهما فهي جائزة لا شك، ولا نقول: إنها حرام، لكنها مفضولة؛ لأن الدعاء لهما أفضل من هذا، وهذه الأعمال التي تريد أن تجعلها لوالديك اجعلها لنفسك، حج أنت لنفسك، تصدق لنفسك، ضح لنفسك وأهلك ابذل في المساجد والجهاد في سبيل الله لنفسك؛ لأنك أنت سوف تكون محتاجاً إلى العمل الصالح كما احتاج إليه الوالدان، والوالدان قد أرشدك النبي ﷺ إلى ما هو أنفع وأفضل، هل تظنون أن الرسول ﵊ غاب عنه أن الأفضل أن تحج أو تتصدق؟ أبداً.
لا نعتقد أن الرسول غاب عنه ذلك، بل نعلم أن الرسول اختار هذه الأشياء الأربعة: الدعاء، والاستغفار، وإكرام الصديق، وصلة الرحم لأنها هي البر الحقيقة، ولهذا صح عنه أنه قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) لم يقل: أو ولد صالح يتصدق عنه أو يضحي عنه، أو يحج عنه أو يصوم عنه مع أن الحديث عن الأعمال، فعدل النبي ﵊ عن جعل الأعمال للميت إلا الدعاء، ونحن نشهد الله ونعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ لن يعدل إلى شيء مفضول ويدع الشيء الفاضل أبداً؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه أعلم الخلق وأنصح الخلق، فلو كانت الصدقة أو الأضحية، أو الصلاة أو الحج أو الصيام مشروعة لأرشد إليها رسول الله ﷺ .
وأنا أقول: إنه ينبغي لطلبة العلم في مثل هذه الأمور التي يكون فيها العامة سائرين على الطريق المفضول أن يبين وأن يوضح وأن يقول هذه النصوص.
ائتوني بنص واحد يأمر النبي ﷺ أن يتطوع الإنسان لوالديه بصوم أو صدقة، أبداً لا يوجد، لكن قال: (من مات وعليه صيام -عليه صيام! - صام عن وليه) فأمر النبي ﵊ أن نصوم الفرض عن الميت، لكن التطوع أبداً وقلب في السنة كلها من أولها إلى آخرها، هل تجد أن الرسول ﵊ أمر أن يتصدق الإنسان عن والديه، أو أن يصوم تطوعاً عن والديه، أو يحج تطوعاً عن والديه، أو يبذل دراهم في المصالح العامة لوالديه؟ أبداً.
لا يوجد، وغاية ما هنالك أن الرسول ﷺ أقر هذا الشيء، وإقرار الشيء لا يعني أنه مشروع، فقد أقر سعد بن عبادة حين استأذن منه أن يجعل مخرافه أي: بستانه الذي أوقفه صدقة لأمه، قال: نعم، وكذلك أقر النبي ﵊ الرجل الذي قال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها، قال: نعم، لكن أمر أمته أن يتطوعوا لله وأن يجعلوها للأموات هذا لا يوجد، ومن عثر على شيء من ذلك فليتحفنا به، إلا بشيء واجب فالواجب لا بد منه.
стр. 54
حكم تثبيت الإحرام بدبابيس أو نحوها
السؤال
فضيلة الشيخ! ما حكم ما يفعله الناس من مسك الإحرام بالدبابيس أو المشابك حتى يصل البعض أن يجعلها كالثياب؟
الجواب
الأولى ألا يشبك الإنسان رداءه، بل يلفه على كتفيه، أما إذا كان يعمل كالطباخ والقهوجي وما أشبه ذلك وأراد أن يزره بمشبك فلا بأس بذلك، أما ما أشار إليه في السؤال من أن بعض الناس يزره بمشابك من الرقبة إلى السرة، حتى يكون كأنه قميص فأنا أشك في جواز هذا؛ لأنه حينئذ يشبه القميص، والنبي ﷺ قال في المحرم: (لا يلبس القميص).
стр. 55
حكم الحج عن العاصي إذا كان غير قادر على الحج
السؤال
لدي قريب يبلغ من العمر سبع عشرة سنة، وهو مشلول لا يستطيع المشي، فهل أحج عنه رغم أن عليه بعض الملاحظات مثل: تأخير الصلاة أحياناً عن وقتها، أم أؤخر الحج إلى الأعوام القادمة بعد أن يكبر ويعقل؟
الجواب
لا بأس أن تحج عن هذا المشلول الذي أيس من قدرته على الحج في المستقبل، ولكن الأولى أن تستأذن منه لتكون نائباً عنه قائماً مقامه في أداء النسك، وإن لم تفعل فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ لم يستفسر المرأة التي قالت: إن أباها أدركته فريضة الله على عباده في الحج لا يستطيع الركوب على الراحلة، لم يقل: هل استأذنت منه فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره في أداء النسك وإن لم يستأذن منه، لكن الأفضل أن يستأذن.
أما كون هذا الرجل المشلول مقصراً في بعض الطاعات، فإنه ربما إذا رأى أن هذا الرجل حج عنه يكون ذلك سبباً في هدايته على يده.
стр. 56
حكم التمتع بعد العمرة في اليوم الثامن من ذي الحجة
السؤال
هل لي أن أؤدي العمرة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وبعد أن أحل من العمرة أحرم مباشرة بالحج ولو لم يكن هناك وقت طويل بين التحلل من العمرة والإحرام في الحج؟
الجواب
الذي يظهر لي أن الإنسان إذا قدم مكة بعد أن خرج الناس إلى الحج فلا يعتمر؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] فدل هذا على أن هناك مسافة بين العمرة والحج يحصل بها التمتع، أما أن تقدم مكة في ضحى اليوم الثامن حين يخرج الناس إلى الحج أو بعد ذلك ثم تأتي بعمرة ففي نفسي من هذا شيء، وإن كان ظاهر كلام أهل العلم الجواز لكني في نفسي من هذا شيء؛ لأن الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وإذا لم يكن هناك مسافة يحصل بها التمتع لم يكن مشروعاً للإنسان أن يتمتع، وعلى هذا فنقول: إذا قدمت في هذا الوقت بعد أن خرج الناس إلى منى فاجعل نسكك قراناً لتحصل على العمرة والحج جميعاً.
стр. 57
حكم التنفل في السفر
السؤال
إذا كان الإنسان يقيم في مكة وهو في حكم المسافر، هل الأولى أن يصلي رواتب الظهر والمغرب والعشاء أم الأفضل تركها؟
الجواب
الأفضل للإنسان المسافر حقيقة أو حكماً ألا يتطوع براتبة الظهر والمغرب والعشاء؛ لأن النبي ﷺ لم يتطوع بذلك في حجه، أما غير هذه الثلاث من التطوع فإنه يفعله ولا حرج عليه، كسنة الضحى وصلاة الليل، والوتر وسنة الفجر، وغير ذلك من النوافل، لكن راتبة الظهر والمغرب والعشاء لا تفعل في حال السفر سواء كان حقيقة كما لو كان في البر، أو حكماً كما لو كان مقيماً ينتظر الحج ثم إذا حج رجع إلى بلده.
стр. 58
جلسات الحج [٣]
استذكر الشيخ في هذه الجلسة محظورات الإحرام، ثم شرع بعد ذكرها ببيان ما يجب على من فعل محظوراً من محظورات الإحرام وأقسام الناس فيها، وما يترتب على فعلها، ثم ذكر مسائل متفرقة، مثل: حكم لبس الرجل للقفازين، وحكم تغيير ثياب الإحرام، وحكم تغطية المرأة وجهها وهي محرمة، وحكم اغتسال المحرم دون جنابة أو انغماسه في الماء.
стр. 59
محظورات الإحرام
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد سبق الكلام على شيء من محظورات الإحرام فلنستذكر ما تكلمنا عليه، منها: الأول: الطيب، أي: أن يتطيب الإنسان بالبخور أو بالتدهن، أو استعمال الطيب على أي وجه كان من الاستعمال وبأي نوع كان من الطيب، والدليل: الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بـ عرفة فمات، فقال النبي ﷺ : (لا تحنطوه) والحنوط: أطياب تجعل على الميت.
الثاني: تغطية الرأس بأي غطاء كان، والدليل: حديث الرجل الذي وقصته ناقته فمات فقال الرسول ﷺ : (لا تخمروا رأسه) أي: لا تغطوه.
الثالث: قتل الصيد وهو: الحيوان البري المتوحش أصلاً.
صيد البحر هل هو من محظورات الإحرام أو لا؟ ليس من محظورات الإحرام، كيف يخرج من الصيد؟ نحن قلنا: إن الصيد: هو الحيوان البري، وهذا حيوان بحري، الدليل: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة:٩٦]، ومن الصيد الأرانب، أما الدجاج فلا يدخل لأنه ليس متوحشاً.
ما حكم نعجة هربت ولم يقدر عليها صاحبها حتى صارت كالضباء: هل يجوز ذبحها أو لا وهو محرم؟ الكبش إذا ند فهو مستوحش استيحاشاً غير أصلي؛ لأن الأصل في الكبش أن يكون مستأنساً فلهذا لا يدخل في الصيد.
كذلك من محظورات الإحرام: الجماع ومقدماته ووسائله وذرائعه.
أيضاً من المحظورات التي أخذنا: لبس الثياب المنصوص على تحريمه، والمنصوص على منع لبسه خمسة أشياء، عبر بعض العلماء عن هذه الخمسة بتعبير قد يكون فيه نظر وهو تعبيرهم عنه بلبس المخيط، وهو يصح طرداً وعكساً، يعني: لو أخذنا بظاهر هذا اللفظ لقلنا كل لباس فيه خياط فهو حرام، وكل لباس لا خياطة فيه بل نسج نسجاً فهو حلال والعلماء لا يريدون هذا المعنى وهو غير مراد أيضاً، نقول: إذا كنا لا نريد به هذا المعنى فلنقل كما قال ﷺ : (لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس ولا العمائم ولا الخفاف) ويدخل فيها ما كان مثلها بالقياس؛ لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين.
من محظورات الإحرام: حلق الرأس، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] انتبه! (لا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ففهم من هذه الآية الكريمة أن حلق الرأس محرم إلى أن يحل الإنسان، لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] وبلوغ الهدي محله يكون يوم العيد، وقد بينت السنة أن الحل يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق، فمن رمى وحلق يوم العيد فقد حل التحلل الأول، ولكن حلق بعض الرأس، هل هو حرام؟
الجواب
نعم.
هو حرام لأن الشرع إذا نهى عن الشيء فالمطلوب ترك جميعه، ولا يرتكب ولا شيء منه إلا ما أباحته الضرورة، كما أنه إذا أمر بشيء فهو أمر بجميعه ويأتي الإنسان منه ما يستطيع، وإذا نهى الشرع عن شيء فهو نهي عن جميعه وكل أجزائه إلا ما أباحته الضرورة منه، وما أمر به الشرع فهو أمر بجميعه وجميع أجزائه إلا ما لا يقدر عليه منه.
إذاً: حلق بعض الرأس كحلق جميع الرأس، فلا يجوز للإنسان أن يحلق وهو محرم رأسه ولا شيئاً منه إلا ما أباحته الضرورة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو محرم، ومن المعلوم أنه لا يحجم الرأس إلا بإزالة الشعر لموضع المحاجم، لا بد أن يحلق شيئاً لموضع المحاجم، وهذا من باب الضرورة، وكذلك أيضاً ثبت من حديث كعب بن عجرة ﵁ أنه حمل إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهه من رأسه، فأذن له أن يحلق رأسه وأن يفدي بما ذكر الله في الفدية من صيام أو صدقة أو نسك، ففعل ﵁، هذا دعت إليه الضرورة لأنه أذى، وكل إنسان يتأذى من القمل عندما يتناثر على وجهه من رأسه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: فليحلق وعليه الفدية من الصيام أو الصدقة أو النسك.
هل حلق شعر غير الرأس كحلق الرأس؟ فلو حلق الإنسان عانته وهو محرم أو نتف إبطه وهو محرم، فهل هذا حرام؟ الجواب: جمهور العلماء على أنه حرام، وأن الإنسان لا يجوز أن يأخذ من بقية شعر البدن، قالوا: لأن العلة من النهي عن حلق الرأس هو الترفه؛ فالإنسان يترفه بحلق رأسه ليزيل عنه الأذى، والترفه بحلق العانة ونتف الإبط كالترفه بحلق الرأس، وإلا فليس هناك دليل يدل على تحريم حلق شعر غير الرأس.
هل تقليم الأظفار كإزالة شعر الرأس؟ الجواب: نعم.
جمهور العلماء على ذلك، قالوا: إن تقليم الأظفار كحلق شعر الرأس، وعللوا هذا بأن الجامع بينهما هو الترفه.
هل إزالة الشعر بغير الحلق كإزالته بالحلق؟ يعني: لو قص الشعر قصاً دون حلق، هل يكون كالحلق؟ الجواب: نعم.
لأن العلة واحدة وهو زوال الشعر.
حينئذ يتلخص لنا أن نقول: من محظورات الإحرام: إزالة الشعر وتقليم الأظافر، وإن كان النص لم يرد إلا بحلق الرأس فقط.
بقي علينا من المحظورات: انتقاب المرأة، دليله: قول النبي ﷺ : ﴿لا تنتقب المرأة﴾ وكذلك لبسها القفازين -وهو: شراب اليدين- لقوله: ﴿ولا تلبس القفازين﴾ وعلى هذا فنقول: من محظورات الإحرام: انتقاب المرأة ولبسها القفازين.
هذه هي محظورات الإحرام، فإذا جاءنا آت، وقال: هذا من محظورات الإحرام.
قلنا له: هات الدليل وإلا فالأصل الحل، ولهذا لما سئل الرسول ﵊ عن الحلال فيما يلبسه المحرم أجاب بالحرام الخارج عن الأصل؛ ليفهم السامع أن الأصل الحل، لأنك إذا عرفت الممنوع عرفت ما يقابله وهو الحلال، فإن الرسول ﷺ عندما سئل: ماذا يلبس المحرم؟ أجاب بما لا يلبس؛ لأن الأصل حل اللباس كله للمحرم.
إذا أتانا آت، وقال: ما تقولون في لبس الساعة للمحرم في يده، هل هو من محظورات الإحرام أم لا؟ الجواب: لا.
ليس من المحظورات؛ لأن الأصل هو الحل.
ونقول لمن قال: إنه من المحظورات: هات الدليل، إن جاء بالدليل وإلا فإن الرسول قال: لا يلبس كذا ولا يلبس كذا ولا يلبس كذا، ومعناه: أن ما سوى ذلك فهو حلال يلبس، ولا يجوز لأحد أن يضيق على عباد الله فيمنعهم مما لم يحرمه الله؛ لأن الله يقول: ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)) [النحل:١١٦].
ومن الحاكم بين عباده؟ الله هو الحاكم بين عباده والحاكم على عباده، فليس لنا أن نقول: هذا ممنوع إلا بدليل؛ لأن الله سوف يسألنا، ويقول: لماذا منعتم عبادي من كذا وأنتم لا تعلمون؟ ونقول أيضاً: لبس الخاتم جائز عندكم، أنتم تقولون: لبس الخاتم جائز.
أي: فرق بين لبس الخاتم الذي يوضع على الإصبع محيطاً به، وبين وضع الساعة التي توضع على الذراع محيطة به؟ هل هناك فرق؟ كل منهما محيط.
ولو جاءنا آت، وقال: ما تقولون في لبس نظارة العين هل هي حلال أو حرام؟ الجواب: حلال.
ما هو الدليل؟ الجواب: نقول: الدليل عدم الدليل؛ لأنه ليس عندك دليل على المنع، فإذا لم يكن عندك دليل على المنع فالأصل الحل.
ولو جاءنا رجل آخر وقال: إنه لا يسمع سماعاً قوياً وإنه يلبس سماعة في أذنه، هل يجوز أم لا؟ لو علقها على رقبته نعم يجوز، فإذا قال قائل: هذا ممنوع.
قلنا: عليك بالدليل، وإلا فالأصل الحل.
جاءنا آت، وقال: أنا أسناني ساقطة وقد اتخذت أسناناً مركبة صناعية، فهل يجوز أن ألبسها وأنا محرم؟ نقول: يجوز.
إذا قال قائل: ما الدليل؟ أقول: الدليل عليك أنت، أنت إن قلت: إنها ممنوعة فعليك الدليل وإلا فالأصل الحل.
المهم أنا قد لا أستطيع الإحاطة بكل ما يفعل لكن أعطيكم أصلاً، ما هو الأصل فيما يلبسه المحرم: أهو الحلال أو الحرام؟ الأصل الحلال، ما الدليل؟ أن النبي ﷺ لما سئل: ماذا يلبس المحرم؟ أجاب عما لا يلبس، فكأنه قال للسائل: البس كل شيء ما عدا هذه الأشياء، فإذا ادعى مدع أن هذا ممنوع فإن كان من هذه الأشياء أو بمعنى هذه الأشياء قبلنا قوله: إنه ممنوع أو رفضنا قوله: إنه ممنوع، وليعلم أن العطاء أحب إلى الله من المنع، وأن الحل أحب إلى الله من التحريم، وأن التيسير أحب إلى الله من التعسير، هذه ثلاث قواعد أحب أن تفهموها، لأنها تفيدكم فائدة عظيمة في كثير من مسائل الدين.
стр. 60
ما يجب على من فعل محظوراً من محظورات الإحرام
انتهينا الآن من المحظورات ونحتاج إلى أن ننظر ماذا على من فعل المحظور؟ نقول: هذه المحظورات تنقسم إلى أقسام أربعة: منها: ما له فدية معينة لا يشركه فيها غيره، الجماع له فدية معينة، ما هي؟ البدنة إن كان قبل التحلل الأول في الحج، البدنة بشرطين: أن يكون قبل التحلل الأول في الحج، إذاً: الجماع في العمرة لا يوجب البدنة أبداً، الجماع في العمرة لا يوجب البدنة أصلاً، الجماع في الحج بعد التحلل الأول لا يوجب البدنة؛ لأننا اشترطنا لوجوب البدنة شرطين: أن يكون الجماع قبل التحلل الأول وأن يكون في الحج، هل يجزئ عن البدنة الغنم أو البقر؟ نعم.
يجزئ عن البدنة بقرة أو سبع من الغنم.
القسم الثاني: ما فديته معينة ولا يشركه فيها غيره، لكن تعيينها خلاف تعين البدنة وهو الصيد، الصيد إن كان له مثل فالإنسان مخير بين أن يذبح مثله ويتصدق به على الفقراء، أو يقوم بدراهم يشترى بها طعاماً، أو إن كان عنده طعام أخذ من بيته بقيمة ما قومه ويطعمه الفقراء لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، كم شيئاً يخير به إذا كان الصيد من ماله؟ ثلاثة: الأول: ذبح النسك.
الثاني: تقويمه وإطعام المساكين طعاماً بقيمته.
الثالث: الصيام.
الدليل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة:٩٥] هذه ثلاثة أشياء؟ إذا لم يكن له مثل فالإطعام أو الصيام، بمعنى: أن يقوّم هذا الصيد بما يساويه ويدفع بدل قيمته طعاماً للفقراء، لكل مسكين نصف صاع، أو يصام عن إطعام كل مسكين يوماً، هذان قسمان.
القسم الثالث: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح والخطبة، هذا ليس فيه فدية، ليس فيه إلا الإثم فقط.
القسم الرابع: ما فديته على التخيير بين أمور ثلاثة: إما إطعام ستة مساكين، أو لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة يوزعها على الفقراء، أو صيام ثلاثة أيام، كم المخيرات فيها؟ ثلاثة، هي: ذبح شاة، صيام ثلاثة أيام، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والدليل: قوله تعالى في حلق الرأس: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] وقد بين النبي ﷺ مقدار هذه المكفرات، فقال في الإطعام: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وقال في الصيام: صيام ثلاثة أيام، هذه الفدية في جميع محظورات الإحرام سوى ما ذكرنا وهي ثلاثة أشياء: ما لا فدية فيه، وما فديته معينة ببدنة، وما فديته معينة بين ثلاثة أشياء أو شيئين، ما عدا هذه فإن فديته التخيير بين هذه الأمور الثلاثة.
وحلق الرأس فديته التخيير بين هذه الثلاثة، وفدية استعمال الطيب: التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، أما الجماع في العمرة ففديته أيضاً التخيير بين هذه الأشياء الثلاثة، لأنا ذكرنا لكم أن البدنة واجبة في الجماع في الحج قبل التحلل الأول فالآن هذا جماع في عمرة، فما الذي فيه؟ التخيير بين الأمور الثلاثة، فإذا جاءنا رجل يسأل عن جماعه في العمرة ما فديته؟ قلنا: أنت مخير بين الصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، والجماع في الحج بعد التحلل الأول ما فديته؟ التخيير بين هذه الأمور الثلاثة.
وأما فدية لبس المخيط على رأي الجمهور، وأنا قلت: لبس المخيط تبعاً لما يعبر به وإلا فلبس ما ينهى عنه من اللباس، التخيير بين هذه الأشياء الثلاثة، اتضحت أقسام المحظورات بالنسبة للفدية.
وهل يجوز إخراج غير المثل في الصيد؟ هذه المسألة فيها خلاف والراجح المنع؛ لأن الله عين، قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فلا بد من المماثلة والله حكيم ، لولا أن هناك حكمة في أنه يجب المثل ما أوجب الله المثل.
السائل: هل وضح الرسول ﷺ مثل هذا؟ الشيخ: الصحابة بينوا هذا قالوا: في النعامة بدنة والحمامة شاة، وقضى النبي ﷺ في الضبع بشاة.
стр. 61
أقسام الناس في فعل المحظورات وما يترتب على فعلها
هل الفدية لازمة لكل من فعل محظوراً؟ أو هل يترتب ما يلزم بفعل المحظور على كل فاعل؟ نقول: هذا ينقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:
стр. 62
من يفعل المحظورات ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً
القسم الأول: من فعل هذه المحظورات ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فهذا ليس عليه إثم وليس عليه فدية، فلو جاءنا رجل، وقال إنه غطى رأسه ناسياً أو نام فغطى رأسه، فماذا عليه؟ ليس عليه شيء.
لو جاءنا رجل، وقال إنه غطى رأسه لكن لا يدري أنه حرام، فماذا عليه؟ ليس عليه شيء.
مكره أكره على أن يفعل محظوراً من المحظورات فليس عليه شيء؟ ما هو الدليل؟ الدليل من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ من كتاب الله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] (فقال الله: قد فعلت) ومن سنة رسول الله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) بل جاء النص في خصوص الصيد، قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فقيد ذلك بالتعمد مع أن الصيد الفدية فيه فدية عن نفس محترمة وهو الصيد، ليس بسبب الترفه أو ما أشبه ذلك.
إذاً: نقول: من فعل هذه المحظورات ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فليس عليه شيء، أي محظور كان من المحظورات من أعلاها وهو الجماع إلى أقلها وهو عقد النكاح مثلاً الذي ليس فيه فدية، نقول: من فعل شيئاً من هذه المحظورات ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فليس عليه شيء، لا إثم ولا فدية ولا فساد نسك للأدلة التي ذكرناها.
стр. 63
من يفعل المحظورات متعمداً لعذر يبيح الفعل
القسم الثاني: من يفعلها متعمداً لعذر يبيح الفعل، فهذا ليس عليه إثم ولكن عليه الفدية، الدليل: قوله تعالى في حلق الرأس: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] فأباح حلق الرأس للعذر لكن مع وجوب الفدية.
أتانا رجل، فقال إنه مضطر إلى لبس القميص وهو محرم مضطر، وأتانا رجل آخر وقال إنه مضطر للبس السراويل وهو محرم، فما الحكم؟ نقول: البس هذا وعليك على رأي جمهور العلماء الفدية.
اضطر رجل إلى قتل الصيد ضرورة؛ يموت إن لم يصده ويقتله، نقول له: صده وعليك الفدية، لكن عليك إثم أو لا؟ ليس عليك إثم، إذاً: القسم الثاني: من فعل شيئاً من هذه المحظورات لعذر يبيحه فهذا متعمد فعليه الفدية ولا إثم عليه.
стр. 64
من يفعل المحظورات متعمداً لغير عذر يبيح الفعل
القسم الثالث: من فعله غير معذور بجهل ولا نسيان ولا إكراه، ولا عذر يبيح له الفعل، فهذا عليه الإثم وعليه الفدية، وذكرنا في الجماع في لقاء سبق أنه يترتب عليه خمسة أشياء إذا كان في الحج قبل التحلل الأول: الإثم، فساد النسك، وجوب المضي فيه، قضاؤه في العام المقبل، والفدية بدنة، وإذا كان بعد التحلل الأول ترتب عليه ثلاثة أشياء: الإثم، الفدية، فساد الإحرام، ما هي الفدية في الوطء بعد التحلل الأول؟ التخيير بين ثلاثة أشياء، وفساد الإحرام ماذا يفعل إذا فسد إحرامه؟ قال العلماء: يخرج خارج الحرم من أي جهة كانت من مكة، المهم أن يخرج خارج حدود الحرم ويخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ويطوف طواف الإفاضة وهو محرم.
هذا هو خلاصة القول فيما يتعلق بمحظورات الإحرام.
стр. 65
مسائل تتعلق بمحظورات الإحرام
стр. 66
حكم لبس الرجل للقفازين
وهنا
السؤال
المرأة لا تنتقب في الإحرام ولا تلبس القفازين؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، لكن هل الرجل يجوز أن يلبس القفازين؟ نقول: لا يجوز للرجل أن يلبس القفازين؛ لأن النبي ﷺ نهاه أن يلبس الخفين، ففي الخفين ستر الرجلين وفي القفازين ستر اليدين.
فإذا قال قائل: إذاً: ما وجه تخصيص النهي للمرأة؟ نقول: لأن المرأة جرت العادة بأنها تلبس القفازين، أما الرجل فلم تجر العادة بأنه يلبس القفازين، ولهذا كان النساء في عهد النبي ﷺ يعتدن لبس القفازين لأجل ستر اليد، وقد بدأ النساء ولله الحمد منذ عهد قريب يلبسن القفازين لستر اليد كعادة نساء الصحابة.
стр. 67
حكم تغيير المحرم ثياب الإحرام ومس الثوب الجديد بالطيب
فإذا قال قائل: هل يجوز للمحرم أن يغير ثوب الإحرام؟ ف
الجواب
نعم.
يجوز أن يغيره لكن إلى ثوب يجوز لبسه فيجوز أن يغير الرداء إلى رداء آخر، أو الإزار إلى إزار آخر، أو المرأة تغير ثيابها، ولا حرج في ذلك ما دام قد غيره إلى لباس جائز؛ لأن الأصل الحل والجواز حتى يقوم دليل على المنع، رجل اتسخ رداؤه فأراد أن يخلعه ليغسله، هل هذا جائز؟ نعم.
هل يجوز أن يجعل فيه طيباً قبل أن يلبسه ثانياً؟ لا يجوز.
لأنه لا يجوز للمحرم أن يستعمل الطيب ابتداءً، فإذا خلع رداءه ليغسله فلا يجوز أن يعيده مطيباً لأن الرسول ﷺ قال: (لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس).
стр. 68
حكم تغطية المرأة وجهها وهي محرمة
هل يجوز للمرأة أن تغطي وجهها بدون نقاب؟ يقول بعض العلماء: نعم.
يجوز؛ لأن النبي ﷺ إنما نهى عن الانتقاب، والانتقاب لباس الوجه، ولم ينه عن تغطية الوجه، بل نهى عن النقاب، فيجوز للمرأة أن تغطي وجهها وهي محرمة، ولهذا لو أن الإنسان لف على رجليه خرقة، هل يحرم عليه ذلك أو لا؟ لا يحرم عليه، لأنها ليست خفاً، والنبي ﷺ لم ينه عن ستر الرجل بل نهى عن لبس الخف، وفرق بين الأمرين، فإذا كان النبي ﷺ نهى أن تنتقب المرأة، أي: أن تلبس النقاب، فإنه لا يلزم من ذلك أن تنهى عن ستر الوجه، لكن أكثر أهل العلم يرون أنها منهية عن ستر الوجه، إلا إذا كان حولها رجال غير محارم فيجب عليها أن تستر الوجه، لأنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ورجل أجنبي ينظر إليها أو يمكن أن ينظر إليها، بل عليها أن تستره لأنها مأمورة بذلك، وقد روي عن عائشة ﵂: [أن النساء كن يسترن وجوههن إذا مر الركبان قريباً منهن].
стр. 69
حكم اغتسال المحرم دون جنابة أو انغماسه في الماء
هل يجوز للمحرم أن يغتسل بدون جنابة؟ نعم.
يجوز، ما الدليل؟ الدليل: عدم الدليل؛ لأنه لا يوجد دليل على المنع بل ثبت الجواز عن النبي ﷺ أنه كان يغتسل وهو محرم وهذا يؤيد الأصل.
هل يجوز للمحرم أن ينغمس في الماء لأنه إذا انغمس تغطى رأسه؟ نقول: يجوز أن ينغمس في الماء؛ لأن هذا لا يسمى ستراً للرأس، ولم يعتد الناس بأن يستروا رءوسهم بالانغماس في الماء، فإذا كان الإنسان مثلاً عنده بركة عميقة ونزل يسبح بها وغمس نفسه فيها فلا حرج عليه ولو كان محرماً، لأن الأصل الحل وليس هذا من تغطية الرأس، وأظن أن الرأس يُرى في وسط الماء، لكن هذا ليس هو السبب؛ لأن الإنسان لو غطى رأسه بزجاجة يجوز أو لا؟ لا يجوز، ولو كان الرأس يرى من وراء الزجاجة، إنما العلة في ذلك أن الانغماس في الماء لا يعد ستراً للرأس والنبي ﵊ يقول: (لا تخمروا رأسه).
نكتفي بهذا القدر ونسأل الله تعالى أن يجعل فيه خيراً وكفاية لنتلقى الأسئلة الواردة حول هذا الموضوع.
стр. 70
الأسئلة
стр. 71
حكم الصغير إذا فسخ الإحرام
السؤال
إذا أحرم الصبي بالحج أو العمرة ولم يكمل حجه أو عمرته وهو لم يَشترط أو لم يُشترط له، فهل على وليه شيء؟ ومثله فتاة لم تبلغ تلبست بالإحرام للعمرة وعندما وصلت مطار جدة كانت متعبة لمرض ألم بها ففسخت الإحرام ولم تعتمر من عامها ذلك؟
الجواب
الصحيح في هذه المسألة أنه لا بأس إذا أحرم الصبي أو الصبية التي لم تبلغ أن تلغي الإحرام بالحج أو العمرة فإذا أحرم الصبي بالعمرة أو بالحج رأى وليه أنه يتعب ويشق عليه ففسخ النية فلا حرج في ذلك؛ لأن الصبي غير مكلف، لقول النبي ﵊: (رفع القلم عن ثلاثة) وكما أنه لو شَرَعَ الصبي في الصلاة؛ صلاة الظهر ثم خرج منها لم يأثم، فكذلك إذا شرع في الحج ثم خرج منه أو في العمرة ثم خرج منها لم يأثم، وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] إنما يتوجه الخطاب للمكلف، أما غير المكلف فلا يتوجه إليه الخطاب على سبيل الإلزام وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀، وإليه ميل صاحب الفروع تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وفيه توسعة على الناس في الواقع، لأنه أحياناً مع الزحام والمشقة والحر يتعب الصبي، يبدأ يصيح ويصرخ يتضجر وربما يهتك إحرامه ويمزقه، فكونه يلزم هذا بإتمام النسك مع أنه غير مكلف لم يجب عليه الحج ولا يتوجه إليه الخطاب إلزاماً بدون دليل قطعي أو ظني غالب يكون في نفوسنا شيء، وما دامت المسألة ليست فيها دليل من القرآن والسنة وليست فيها إجماع يجب اتباعه فإن القول الراجح أنه لا يلزم غير البالغ إكمال النسك.
стр. 72
حكم الصبي إذا فعل محظوراً
السؤال
إذا فعل الصبي محظوراً يوجب الدم فهل على وليه شيء؟
الجواب
الصحيح أنه لا شيء فيه لأن عمد الصبي خطأ، والخطأ كما ذكرنا فيما سبق لا تلزم فيه الفدية، وكما أن هذا الصبي لا يأثم، فإنه لا فدية عليه، فإذا قدر أن هذا الصبي حلق رأسه مثلاً أو تطيب أو فعل أي محظور فإنه ليس عليه شيء، لكن يلزم وليه أن يعلمه ويبين له أن هذا ليس بجائز.
стр. 73
حكم خروج الدم في كونه مفسداً للإحرام
السؤال
بعض الناس من العامة يظنون أن خروج الدم بسبب الجرح ونحوه يفسد الإحرام، فهل في هذا أصل في الشرع؟
الجواب
ليس لهذا أصل في الشرع، خروج الدم من المحرم قصداً أو بغير قصد لا يؤثر على إحرامه شيئاً، وليس فيه إثم وليس فيه فدية، ولكن هذا أصله من قول لبعض العلماء ﵏: إن من جرح نفسه أو تعمد أو تسبب في جرح نفسه فخرج الدم فعليه الفدية.
ولكن هذا قول ضعيف، فإن الرسول ﷺ احتجم والحجامة يخرج منها دم ولم يًفْدِ، مع أن حجامة الرسول ﵊ استلزمت أن يحلق شيئاً من شعر رأسه ومع ذلك لم يُفْدِ، فهذا لا أصل له في الشرع وإن كان بعض العلماء قد قال به لكنه قول ضعيف.
وأنتقل من جواب هذا السؤال إلى ما يفعله بعض المتنطعين المتشددين إذا حكه رأسه ماذا يصنع؟ لا يحك رأسه بل يقرعه بطرف إصبعه، قد تكون الحكة شديدة ويبقى عدة دقائق وهو يقرع رأسه! لماذا؟ خوفاً من أن تسقط شعرة، وهذا غريب! حتى إن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: [لو لم أقدر على حكه بيدي لحككته برجلي] مما يدل على أن حك الرأس لا بأس به للمحرم، حتى لو فرض أنه سقط منه شعرة أو شعرتان أو ثلاث أو أربع أو خمس فلا شيء عليه، أولاً: لأنه بغير قصد، والثاني: أنه ليس هناك دليل على أن الشعرة والشعرتين والثلاث والأربع والخمس فيها فدية، الفدية في حلق الرأس، وحلق بعض الرأس ليس هناك دليل على أن فيه فدية وإن كان محرماً بدليل أن الرسول ﷺ حلق بعض رأسه للحجامة ولم يًفْدِ.
стр. 74
حكم اللقطة وقطع الشجر للمحرم
السؤال
هل قطع الشجر من محظورات الإحرام أو من محظورات الحرم، وكذلك إذا وجد الإنسان شيئاً ساقطاً على الأرض سواء كان ثميناً أو غير ثمين، هل يأخذه أو يتركه؟
الجواب
قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام وإنما علاقته بالحرم الذي هو خلاف الحل، وعلى هذا فمن كان داخل أميال الحرم حرم عليه قطع الشجر قبل التحلل وبعد التحلل، وإذا كان خارج أميال الحرم حل له قطع الشجر قبل أن يحل وبعد أن يحل، وعلى هذا: فالحاج بـ عرفة يحل له قطع الشجر، ومن كان في مزدلفة أو منى لا يحل له قطع الشجر، أما اللقطة فإن كانت في الحرم أي: داخل الأميال فإن النبي ﷺ قال: (لا تحل ساقطتها - أي مكة - إلا لمنشد) أي: إلا لشخص يريد أن ينشدها، أي: يطلب صاحبها مدى الدهر، أما إذا كانت خارج الحرم فإن التقاطها كالتقاط أي لقطة في أي مكان، إن أمن الإنسان على نفسه وضمن أن يعرفها لمدة سنة، التقطها وعرفها لمدة سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فهي له، وإن لم يضمن نفسه عليها فليتركها، ولكن إن كان هناك هيئة أو لجنة أو طائفة من قبل ولي الأمر لتلقي الضائع فليأخذها وليؤدها إلى هذه اللجنة أو الهيئة التي عينها ولي الأمر، لأن أخذها وتسليمها لهؤلاء خير من أن تبقى في الأرض فتضيع أو يأخذها إنسان لا يهتم بها ويتملكها.
стр. 75
مقدمات الجماع هل لها فدية ؟
السؤال
هل مقدمات الجماع لها فدية مثل الجماع؟
الجواب
ربما يفهم جواب السؤال مما سبق أن شرحناه، مقدمات الجماع فيها الفدية لأن مقدمات الجماع هي التقبيل والمباشرة وما أشبه ذلك وفديتها من القسم الرابع الذي فيه التخيير بين ثلاثة أشياء.
следующие страницы →