← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ عُمَرَ ﵁؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُمْ إذْ أَخْرَجُوا حُكْمَ أَهْلِ مَكَّةَ بِمِنًى عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الْأَسْفَارِ مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرُوا -: أَنْ يَقْصُرَ أَهْلُ مِنًى بِمِنًى وَبِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقُلْ لِأَهْلِ مِنًى: أَتِمُّوا؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْحَاضِرَ لَا يَقْصُرُ؟ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَسْفَارِ لَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مِنْ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَتِلْكَ الْمَسَافَةُ فِي جَمِيعِ بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ، إذْ لَيْسَ إلَّا سَفَرٌ أَوْ إقَامَةٌ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ وَلَا فَرْقَ وَقَدْ حَدَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الْمَشَقَّةُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَخْتَلِفُ، فَنَجِدُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشْيُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ حَتَّى لَا يَبْلُغَهَا إلَّا بِشِقِّ النَّفْسِ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، يَكَادُ أَنْ يَكُونَ الْأَغْلَبَ، وَنَجِدُ مَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الرُّكُوبُ فِي عِمَارِيَّةٍ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ مُرَفَّهًا مَخْدُومًا شَهْرًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، فَبَطَلَ هَذَا التَّحْدِيدُ قَالَ عَلِيٌّ: فَلْنَقُلْ الْآنَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ عَلَى بَيَانِ السَّفَرِ الَّذِي يَقْصُرُ فِيهِ وَيُفْطِرُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] . وَقَالَ عُمَرُ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّهُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: بَلْ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا فِي سَفَرٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْقَصْرِ فِيهِ وَالْفِطْرِ؟

стр. 1017

قُلْنَا لَهُمْ: فَلَا تَقْصُرُوا وَلَا تُفْطِرُوا إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ جِهَادٍ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُكُمْ، وَلَوْ قُلْتُمُوهُ لَكُنْتُمْ قَدْ خَصَّصْتُمْ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَلَزِمَكُمْ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ كُلِّهَا أَنْ لَا تَأْخُذَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَا بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ إلَّا حَتَّى يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهَا، وَفِي هَذَا هَدْمُ مَذَاهِبِكُمْ كُلِّهَا، بَلْ فِيهِ الْخُرُوجُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِبَاحَةِ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ فِي الدِّينِ كُلِّهِ، إلَّا حَتَّى يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا نَفْسُهُ خُرُوجٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ حَتَّى يَصِحَّ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ، فَيُوقَفُ عِنْدَ مَا صَحَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ لِيُطَاعَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وَلَمْ يَبْعَثْهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُعْصَى حَتَّى يُجْمِعَ النَّاسُ عَلَى طَاعَتِهِ، بَلْ طَاعَتُهُ وَاجِبَةٌ قَبْلَ أَنْ يُطِيعَهُ أَحَدٌ. وَقَبْلَ أَنْ يُخَالِفَهُ أَحَدٌ، لَكِنْ سَاعَةَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ، هَذَا مَا لَا يَقُولُ مُسْلِمٌ خِلَافَهُ، حَتَّى نَقَضَ مَنْ نَقَضَ وَالسَّفَرُ: هُوَ الْبُرُوزُ عَنْ مَحَلَّةِ الْإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، هَذَا الَّذِي لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ - الَّتِي بِهَا خُوطِبْنَا وَبِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ - سِوَاهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا مَا صَحَّ النَّصُّ بِإِخْرَاجِهِ؟ ثُمَّ وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ إلَى الْبَقِيعِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى، وَخَرَجَ إلَى الْفَضَاءِ لِلْغَائِطِ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَلَمْ يَقْصُرُوا وَلَا أَفْطَرُوا، وَلَا أَفْطَرَ وَلَا قَصَرَ فَخَرَجَ هَذَا عَنْ أَنْ يُسَمَّى سَفَرًا، وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نُوقِعَ اسْمَ سَفَرٍ وَحُكْمَ سَفَرٍ إلَّا عَلَى مَنْ سِمَاهُ مَنْ هُوَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ سَفَرًا، فَلَمْ نَجِدْ ذَلِكَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ. فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ خَرَجْت مِيلًا لَقَصَرْت الصَّلَاةَ، فَأَوْقَعْنَا اسْمَ السَّفَرِ وَحُكْمَ السَّفَرِ فِي الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ عَلَى الْمِيلِ فَصَاعِدًا، إذْ لَمْ نَجِدْ عَرَبِيًّا وَلَا شَرِيعِيًّا عَالِمًا أَوْقَعَ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُ اسْمَ سَفَرٍ، وَهَذَا بُرْهَانٌ صَحِيحٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالَ - كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَذِي الْحُلَيْفَةِ - حَدًّا لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، إذْ لَمْ تَجِدُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَصَرَ وَلَا أَفْطَرَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؟

стр. 1018

قُلْنَا: وَلَا وَجَدْنَا ﵇ مَنْعًا مِنْ الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ وَجَدْنَاهُ ﵇ أَوْجَبَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا، فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَالْمِيلُ: هُوَ مَا سُمِّيَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِيلًا، وَلَا يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَلْفَيْ ذِرَاعٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا عَلَى عُثْمَانَ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، فَهُوَ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى قُلْنَا: قَدْ عَرَفَهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ. ثُمَّ نَعْكِسُ عَلَيْكُمْ قَوْلَكُمْ -: فَنَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَقًّا مَا خَفِيَ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ قَوْلَكُمْ، كَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَهُوَ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى؟ وَنَقُولُ لِلْمَالِكِيِّينَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكُمْ حَقًّا مَا خَفِيَ عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى؟ إلَّا أَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ لَازِمٌ لِلطَّوَائِفِ الْمَذْكُورَةِ لَا لَنَا؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ هَذَا الْإِلْزَامَ حَقًّا، وَمَنْ حَقَّقَ شَيْئًا لَزِمَهُ. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نُحَقِّقُ هَذَا الْإِلْزَامَ الْفَاسِدَ بَلْ هُوَ عِنْدَنَا وَسْوَاسٌ وَضَلَالٌ، وَإِنَّمَا حَسْبُنَا اتِّبَاعُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَمَا مِنْ شَرِيعَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا إلَّا قَدْ عَلِمَهَا بَعْضُ السَّلَفِ وَقَالَ بِهَا، وَجَهِلَهَا بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ بِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ مَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: إنَّ مِنْ الْعَجَبِ تَرْكَ سُؤَالِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيُفْطَرُ فِيهِ فِي رَمَضَانَ؟

стр. 1019

فَقُلْنَا: هَذَا أَعْظَمُ بُرْهَانٍ، وَأَجَلُّ دَلِيلٍ، وَأَوْضَحُ حُجَّةٍ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَتَمْيِيزٍ -: عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِذَلِكَ أَصْلًا إلَّا مَا سُمِّيَ سَفَرًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَهُمْ ﵇، إذْ لَوْ كَانَ لِمِقْدَارِ السَّفَرِ حَدٌّ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا لَمَا أَغْفَلَ ﵇ بَيَانَهُ أَلْبَتَّةَ، وَلَا أَغْفَلُوا هُمْ سُؤَالَهُ ﵇ عَنْهُ، وَلَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ نَقْلِ تَحْدِيدِهِ فِي ذَلِكَ إلَيْنَا، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَاحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْهُمْ قَنَعُوا بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ حَدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا فَإِنَّمَا هُوَ وَهْمٌ أَخْطَأَ فِيهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ وَهُوَ يُرِيدُ: إمَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِمَّا أَرْبَعَةَ بُرُدٍ -: أَنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. فَنَسْأَلُهُمْ: أَهُوَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؟ أَمْ لَيْسَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ يُرِيدُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدُ، وَلَا يَدْرِي أَيَبْلُغُهُ أَمْ لَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَعْدُ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُهُ، وَلَا يَدْرِي أَيَبْلُغُهُ أَمْ لَا، أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ أَبَاحُوا لَهُ الْقَصْرَ، وَهُوَ فِي غَيْرِ سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، مِنْ أَجْلِ نِيَّتِهِ فِي إرَادَتِهِ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَلَزِمَهُمْ أَنْ يُبِيحُوا لَهُ الْقَصْرَ فِي مَنْزِلِهِ وَخَارِجِ مَنْزِلِهِ بَيْنَ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ، مِنْ أَجْلِ نِيَّتِهِ فِي إرَادَتِهِ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَا فَرْقَ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: عَطَاءٌ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَغَيْرُهُمَا، إلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ يَأْمُرُونَهُ بِالْقَصْرِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؟ هَدَمُوا كُلَّ مَا بَنَوْا، وَأَبْطَلُوا أَصْلَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ، وَأَقَرُّوا بِأَنَّ قَلِيلَ السَّفَرِ وَكَثِيرَهُ: تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْصَرِفُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمِقْدَارَ الَّذِي فِيهِ الْقَصْرُ عِنْدَهُمْ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ مَا دُونَ الْمِيلِ مِنْ آخِرِ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ لَهُ حُكْمُ الْحَضَرِ، فَلَا يُقْصَرُ فِيهِ وَلَا يُفْطَرُ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيلَ فَحِينَئِذٍ صَارَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَيُفْطَرُ فِيهِ، فَمِنْ حِينَئِذٍ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ. وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ فَكَانَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سَفَرٍ - يَقْصُرُ فِيهِ بَعْدُ

стр. 1020

مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ سَافَرَ فِي بَرٍّ، أَوْ بَحْرٍ، أَوْ نَهْرٍ، كُلُّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ سَفَرٌ وَلَا فَرْقَ؟ [مَسْأَلَةٌ سَافَرَ فَأَقَامَ فِي مَكَان وَاحِدٍ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا هَلْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ] ٥١٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ سَافَرَ الْمَرْءُ فِي جِهَادٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْفَارِ -: فَأَقَامَ فِي مَكَان وَاحِدٍ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا: قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ أَكْثَرَ: أَتَمَّ - وَلَوْ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ ثُمَّ ثَبَتْنَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ سَفَرَ الْجِهَادِ، وَسَفَرَ الْحَجِّ، وَسَفَرَ الْعُمْرَةِ، وَسَفَرَ الطَّاعَةِ، وَسَفَرَ الْمَعْصِيَةِ، وَسَفَرَ مَا لَيْسَ طَاعَةً وَلَا مَعْصِيَةً -: كُلُّ ذَلِكَ سَفَرٌ، حُكْمُهُ كُلُّهُ فِي الْقَصْرِ وَاحِدٌ. وَإِنَّ مَنْ أَقَامَ فِي شَيْءٍ عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَلَا بُدَّ، سَوَاءٌ نَوَى إقَامَتَهَا أَوْ لَمْ يَنْوِ إقَامَتَهَا، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ إقَامَةَ مُدَّةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ: أَتَمَّ وَلَا بُدَّ، هَذَا فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً وَأَمَّا فِي الصِّيَامِ فِي رَمَضَانَ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ إنْ أَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي خِلَالِ السَّفَرِ لَمْ يُسَافِرْ فِيهِمَا -: فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ وَكَذَلِكَ إنْ نَزَلَ وَنَوَى إقَامَةَ لَيْلَةٍ وَالْغَدِ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ وَيَصُومَ؟ فَإِنْ وَرَدَ عَلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ دَارٍ، فَنَزَلَ هُنَالِكَ: أَتَمَّ، فَإِذَا رَحَلَ مِيلًا فَصَاعِدًا: قَصَرَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أَجْمَعَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ثنا عَاصِمٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ سَبْعَ عَشَرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» ".

стр. 1021

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَقَامَ سَبْعَ عَشَرَةَ بِمَكَّةَ: قَصَرَ، وَمَنْ أَقَامَ فَزَادَ: أَتَمَّ؟ وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: إذَا أَجْمَعَ إقَامَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً: أَتَمَّ، فَإِنْ نَوَى أَقَلَّ: قَصَرَ؟ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا أَجْمَعْتَ إقَامَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا أَقَمْت عَشْرًا فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. وَبِهِ يَأْخُذُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَحُمَيْدُ الرُّؤَاسِيُّ صَاحِبُهُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ: إذَا أَقَمْت أَرْبَعًا فَصَلِّ أَرْبَعًا. وَبِهِ يَأْخُذُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ، إلَّا أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَنْوِيَ إقَامَةَ أَرْبَعٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا: قَصَرَ، وَإِنْ بَقِيَ حَوْلًا؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ: إذَا أَقَمْت ثَلَاثًا فَأَتِمَّ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشَرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلٌ آخَرُ: إذَا وَضَعْت رَحْلَك بِأَرْضٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ بِالسِّلْسِلَةِ سَنَتَيْنِ وَهُوَ عَامِلٌ عَلَيْهَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْصَرَفَ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ الْعَنَزِيِّ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي أُقِيمُ بِالْمَدِينَةِ حَوْلًا لَا أَشَدُّ عَلَى سَيْرٍ؟ قَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذَرْبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَرْتَجَ

стр. 1022

عَلَيْهِمْ الثَّلْجُ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: الْوَالِي لَا يَنْوِي رَحِيلًا قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بِلَا شَكٍّ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرْتَجَ عَلَيْهِ الثَّلْجُ فَقَدْ أَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَنْحَلُّ إلَى أَوَّلِ الصَّيْفِ؟ وَقَدْ أَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مُقِيمٌ سَنَةً لَا يَنْوِي سَيْرًا: بِالْقَصْرِ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى مَنْزِلِهِ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ عَلِيٌّ: احْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَكْثَرُ مَا قِيلَ، وَأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ أَتَمَّ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْقَصْرِ إلَّا بِإِجْمَاعٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، قَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ يَقْصُرُ حِينَ يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ. وَخَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا أَوْرَدْنَا وَغَيْرُهُ فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ وَاحْتَجَّ لِمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ مُقَلِّدُوهُمَا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» . قَالُوا: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُهَاجِرِينَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ الَّتِي كَانَتْ أَوْطَانَهُمْ فَأُخْرِجُوا عَنْهَا فِي اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ غُرَبَاءَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ لِوَجْهِهِ ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الْمُقَامَ بِهَا ثَلَاثًا بَعْدَ تَمَامِ النُّسُكِ. قَالُوا: فَكَانَتْ الثَّلَاثُ خَارِجَةً عَنْ الْإِقَامَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَهُمْ، وَكَانَ مَا زَادَ عَنْهَا دَاخِلًا فِي الْإِقَامَةِ الْمَكْرُوهَةِ؟ مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَصٌّ وَلَا إشَارَةٌ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي إذَا

стр. 1023

أَقَامَهَا الْمُسَافِرُ أَتَمَّ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُهَاجِرِ، فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يُقَاسَ الْمُسَافِرُ يُقِيمُ عَلَى الْمُهَاجِرِ يُقِيمُ؟ هَذَا لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، وَكَيْفَ وَكُلُّهُ بَاطِلٌ،؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُسَافِرَ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثًا وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، لَا كَرَاهِيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُ فَمَكْرُوهٌ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ نُسُكِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَأَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَ إقَامَةٍ مَكْرُوهَةٍ وَإِقَامَةٍ مُبَاحَةٍ لَوْ أَنْصَفُوا أَنْفُسَهُمْ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لِلْمُهَاجِرِ دَاخِلٌ عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِ أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا لَا مُقِيمًا، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِلْمُسَافِرِ فَإِقَامَةٌ صَحِيحَةٌ، وَهَذَا مَانِعٌ مِنْ أَنْ يُقَاسَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَوْ قِيسَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَوَجَبَ أَنْ يَقْصُرَ الْمُسَافِرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، لَا أَنْ يُتِمَّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ إقَامَةَ قَدْرِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ مَكْرُوهَةٌ، فَيَنْبَغِي عِنْدَهُمْ - إذَا قَاسُوا عَلَيْهِ الْمُسَافِرَ - أَنْ يُتِمَّ وَلَوْ نَوَى زِيَادَةَ صَلَاةٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ؟ فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعَرِيَتْ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا عَنْ حُجَّةٍ، فَوَجَبَ أَنْ نُبَيِّنَ الْبُرْهَانَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا الْإِقَامَةُ فِي الْجِهَادِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ الْقَصْرَ إلَّا مَعَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَصْرَ إلَّا مَعَ السَّفَرِ، لَا مَعَ الْإِقَامَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ حَالَ السَّفَرِ غَيْرُ حَالِ الْإِقَامَةِ، وَأَنَّ السَّفَرَ إنَّمَا هُوَ التَّنَقُّلُ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِقَامَةِ وَأَنَّ الْإِقَامَةَ هِيَ السُّكُونُ وَتَرْكُ النُّقْلَةِ وَالتَّنَقُّلِ فِي دَارِ الْإِقَامَةِ، هَذَا حُكْمُ الشَّرِيعَةِ وَالطَّبِيعَةِ مَعًا. فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْمُقِيمُ فِي مَكَان وَاحِدٍ مُقِيمٌ غَيْرُ مُسَافِرٍ بِلَا شَكٍّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَالِ الْإِقَامَةِ وَحُكْمِهَا فِي الصِّيَامِ وَالْإِتْمَامِ إلَّا بِنَصٍّ. وَقَدْ صَحَّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ فِي حَالِ سَفَرِهِ فَأَقَامَ بَاقِيَ نَهَارِهِ وَلَيْلَتِهِ، ثُمَّ رَحَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَأَنَّهُ ﵇ قَصَرَ فِي بَاقِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَفِي لَيْلَتِهِ الَّتِي بَيْنَ يَوْمَيْ نُقْلَتِهِ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ الْإِقَامَةُ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي الْإِتْمَامِ، وَالصِّيَامِ، وَلَوْلَا

стр. 1024

ذَلِكَ لَكَانَ مُقِيمُ سَاعَةٍ لَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ وَرَدَ عَلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ عَقَارٍ فَنَزَلَ هُنَالِكَ فَهُوَ مُقِيمٌ، فَلَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، إذْ لَمْ نَجِدْ نَصًّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ يَنْقُلُهَا عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَمْ يَرْحَلْ فِيهِمَا فَقَصَرَ وَأَفْطَرَ إلَّا فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَالْجِهَادِ فَقَطْ، فَوَجَبَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مَنْ أَقَامَ فِي خِلَالِ سَفَرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَمْ يَظْعَنْ فِي أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يُتِمُّ، وَيَصُومُ. وَكَذَلِكَ مَنْ مَشَى لَيْلًا وَيَنْزِلُ نَهَارًا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بَاقِيَ لَيْلَتِهِ وَيَوْمِهِ الَّذِي بَيْنَ لَيْلَتَيْ حَرَكَتِهِ. وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ. وَنَسْأَلُ مَنْ أَبَى هَذَا عَنْ مَاشٍ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُمْ نَوَى إقَامَةً وَهُوَ سَائِرٌ لَا يَنْزِلُ وَلَا يَثْبُتُ -: اُضْطُرَّ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضَهُ رَاكِبًا نَاهِضًا أَوْ يَنْزِلَ لِصَلَاةِ فَرْضِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْمَشْيِ: أَيَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: يَقْصُرُ -: فَصَحَّ أَنَّ السَّفَرَ: هُوَ الْمَشْيُ. ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ نَوَى إقَامَةً وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ مَاشٍ: أَيُتِمُّ أَمْ يَقْصُرُ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: يُتِمُّ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْإِقَامَةَ هِيَ السُّكُونُ لَا الْمَشْيُ مُتَنَقِّلًا. وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ؟ وَأَمَّا الْجِهَادُ، وَالْحَجُّ -: فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَبُوكِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» .

стр. 1025

قَالَ عَلِيٌّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ثِقَةٌ، وَبَاقِي رُوَاةِ الْخَبَرِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُمْ؟ وَهَذَا أَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ فِي إقَامَتِهِ بِتَبُوك، فَخَرَجَ هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَقْصُرُ مَا دَامَ مُقِيمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ وَلَا رَسُولُهُ ﵇ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ إلَّا فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ خِلَافُ السَّفَرِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: كَقَوْلِنَا فِي الْجِهَادِ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ قَوْلِنَا نَصًّا إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي الْمُدَّةِ. وَأَمَّا الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ: فَلِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ، قَالَ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: ثنا وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ

стр. 1026

قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَبِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ: أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْخَامِسُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ السَّادِسُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالرَّابِعُ وَهُوَ السَّابِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَأَنَّهُ خَرَجَ ﵇ إلَى مِنًى قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ،

стр. 1027

هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ، فَتَمَّتْ لَهُ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَأَرْبَعُ لَيَالٍ كَمَلًا، أَقَامَهَا ﵇ نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِهَا بِلَا شَكٍّ. ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا؟ وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ ﵇ نَوَى بِلَا شَكٍّ إقَامَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَمْ يُتِمَّ. ثُمَّ كَانَ ﵇ بِمِنًى الْيَوْمَ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ. ثُمَّ أَتَى إلَى عَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَبَقِيَ هُنَالِكَ إلَى أَوَّلِ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، ثُمَّ نَهَضَ إلَى مُزْدَلِفَةَ فَبَاتَ بِهَا اللَّيْلَةَ الْعَاشِرَةَ. ثُمَّ نَهَضَ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ إلَى مِنًى، فَكَانَ بِهَا، وَنَهَضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إمَّا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَإِمَّا فِي اللَّيْلَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، بِلَا شَكٍّ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَدَفَعَ مِنْهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَكَانَتْ إقَامَتُهُ ﵇ بِمِنًى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ نِصْفِ يَوْمٍ. ثُمَّ أَتَى إلَى مَكَّةَ فَبَاتَ اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ بِالْأَبْطَحِ، وَطَافَ بِهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ، ثُمَّ نَهَضَ فِي آخِرِ لَيْلَتِهِ تِلْكَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَكَمُلَ لَهُ ﵇ بِمَكَّةَ، وَمِنًى، وَعَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ: عَشْرُ لَيَالٍ كَمَلًا كَمَا قَالَ أَنَسٌ، فَصَحَّ قَوْلُنَا، وَكَانَ مَعَهُ ﵇ مُتَمَتِّعُونَ، وَكَانَ هُوَ ﵇ قَارِنًا. فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ الْإِقَامَةُ بِهَذَا الْأَثَرِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حَيْثُ أَقَامَ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الْإِقَامَاتِ، وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً -: فِي بَعْضِهَا «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَفِي بَعْضِهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ وَفِي بَعْضِهَا سَبْعَ عَشْرَةَ.

стр. 1028

وَفِي بَعْضِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟» قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ، وَكَانَ ﵇ فِي جِهَادٍ، وَفِي دَارِ حَرْبٍ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ -: كَصَفْوَانَ وَغَيْرِهِمْ لَهُمْ مُدَّةُ مُوَادَعَةٍ لَمْ تَنْقَضِ بَعْدُ. وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فِي هَوَازِنَ قَدْ جُمِعَتْ لَهُ الْعَسَاكِرُ بِحُنَيْنٍ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَخَالِدُ بْنُ سُفْيَانَ الْهُذَلِيُّ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجْمَعُ هُذَيْلًا لِحَرْبِهِ. وَالْكُفَّارُ مُحِيطُونَ بِهِ مُحَارِبُونَ لَهُ -: فَالْقَصْرُ وَاجِبٌ بَعْدُ فِي أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْإِقَامَةِ. وَهُوَ ﵇ يَتَرَدَّدُ مِنْ مَكَّةَ إلَى حُنَيْنٍ. ثُمَّ إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، ثُمَّ إلَى الطَّائِفِ. وَهُوَ ﵇ يُوَجِّهُ السَّرَايَا إلَى مَنْ حَوْلَ مَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَبَنِي كِنَانَةَ، وَغَيْرِهِمْ. فَهَذَا قَوْلُنَا، وَمَا دَخَلَ ﵇ مَكَّةَ قَطُّ مِنْ حِينِ خَرَجَ عَنْهَا مُهَاجِرًا إلَّا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، أَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ. ثُمَّ حِينَ فَتَحَهَا كَمَا ذَكَرْنَا مُحَارِبًا. ثُمَّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَقَامَ بِهَا كَمَا وَصَفْنَا، وَلَا مَزِيدَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ هَذِهِ الْإِقَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ دَارِ الْحَرْبِ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ -: فَلِأَنَّ الْقَاصِدَ إلَى الْجِهَادِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ فِي حَالِ جِهَادٍ، وَلَكِنَّهُ مُرِيدٌ لِلْجِهَادِ وَقَاصِدٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسَافِرٌ كَسَائِرِ الْمُسَافِرِينَ، إلَّا أَجْرَ نِيَّتِهِ فَقَطْ، وَهُوَ مَا لَمْ يُحْرِمْ فَلَيْسَ بَعْدُ فِي عَمَلِ حَجٍّ وَلَا عَمَلِ عُمْرَةٍ، لَكِنَّهُ مُرِيدٌ لَأَنْ يَحُجَّ، أَوْ لَأَنْ يَعْتَمِرَ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَنْ يُسَافِرُ وَلَا فَرْقَ؟ [قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ - إذْ أَقَامَ

стр. 1029

بِمَكَّةَ أَيَّامًا: إنِّي إنَّمَا قَصَرْت أَرْبَعًا؛ لِأَنِّي فِي حَجٍّ، وَلَا لِأَنِّي فِي مَكَّةَ.

стр. 1030

وَلَا قَالَ - إذْ أَقَامَ بِتَبُوكِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ: إنِّي إنَّمَا قَصَرْت لِأَنِّي فِي جِهَادٍ. فَمَنْ قَالَ: شَيْئًا مِنْ هَذَا فَقَدْ قَوَّلَهُ ﵇ مَا لَمْ يَقُلْ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَوْلَا مُقَامُ النَّبِيِّ ﵇ فِي تَبُوكِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ، وَبِمَكَّةَ دُونَ ذَلِكَ يَقْصُرُ -: لَكَانَ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي يَوْمٍ يَكُونُ فِيهِ الْمَرْءُ مُسَافِرًا، وَلَكَانَ مُقِيمُ يَوْمٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ. لَكِنْ لَمَّا أَقَامَ ﵇ عِشْرِينَ يَوْمًا بِتَبُوكِ يَقْصُرُ صَحَّ بِذَلِكَ أَنَّ عِشْرِينَ يَوْمًا إذَا أَقَامَهَا الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِيهَا حُكْمُ السَّفَرِ، فَإِنْ أَقَامَ أَكْثَرَ أَوْ نَوَى إقَامَةً أَكْثَرَ فَلَا بُرْهَانَ يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ أَصْلًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ خَصَّ الْإِقَامَةَ فِي الْجِهَادِ بِعِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ فِيهَا، وَبَيْنَ مَنْ خَصَّ بِذَلِكَ بِتَبُوكَ دُونَ سَائِرِ الْأَمَاكِنِ، وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ أَصْلًا، وَالْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ، فَمَنْ نَوَى إقَامَةَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَصُومُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ] . قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ أَقَامَ فِي مَكَان يَنْوِي خُرُوجًا غَدًا أَوْ الْيَوْمَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ وَلَوْ أَقَامَ كَذَلِكَ أَعْوَامًا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى خُرُوجًا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْصُرُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْصُرُ، وَإِنْ نَوَى: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا: قَصَرَ، وَلَوْ بَقِيَ كَذَلِكَ أَعْوَامًا -؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ إسْقَاطُ أَبِي حَنِيفَةَ النِّيَّةَ حِينَ افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ وَبَقَائِهِ فِي رَمَضَانَ يَنْوِي الْفِطْرَ إلَى قَبْلِ زَوَالِ

стр. 1031

الشَّمْسِ، وَيُجِيزُ كُلَّ ذَلِكَ بِلَا نِيَّةٍ -: ثُمَّ يُوجِبُ النِّيَّةَ فَرْضًا فِي الْإِقَامَةِ، حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا أَوْجَبَهَا بُرْهَانٌ نَظَرِيٌّ قَالَ عَلِيٌّ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: أَنَّ الْحُكْمَ [لِلْإِقَامَةِ لِلْمُدَدِ] الَّتِي ذَكَرْنَا - كَانَتْ هُنَالِكَ نِيَّةٌ لِإِقَامَةٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ - فَهُوَ أَنَّ النِّيَّاتِ إنَّمَا تَجِبُ فَرْضًا فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَدَّى بِلَا نِيَّةٍ وَأَمَّا عَمَلٌ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَلَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ فِيهِ، إذْ لَمْ يُوجِبْهَا هُنَالِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا نَظَرٌ، وَلَا إجْمَاعٌ. وَالْإِقَامَةُ لَيْسَتْ عَمَلًا مَأْمُورًا بِهِ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ، وَإِنَّمَا هُمَا حَالَانِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا الْعَمَلَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِمَا، فَذَلِكَ الْعَمَلُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، لَا الْحَالُ. وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا: أَنَّ السَّفَرَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأً خَرَجَ لَا يُرِيدُ سَفَرًا فَدَفَعَتْهُ ضَرُورَاتٌ لَمْ يَقْصِدْ لَهَا حَتَّى صَارَ مِنْ مَنْزِلِهِ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ، أَوْ سِيرَ بِهِ مَأْسُورًا أَوْ مُكْرَهًا مَحْمُولًا مُجْبَرًا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ. وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَنْ أُقِيمَ بِهِ كُرْهًا فَطَالَتْ بِهِ مُدَّتُهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيَصُومُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَنْ اُضْطُرَّ لِلْخَوْفِ إلَى الصَّلَاةِ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا، فَذَلِكَ الْخَوْفُ وَتِلْكَ الضَّرُورَةُ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى نِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ النَّوْمُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَهُ حُكْمٌ فِي إسْقَاطِ الْوُضُوءِ وَإِيجَابِ تَجْدِيدِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْإِجْنَابُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَهُوَ يُوجِبُ الْغُسْلَ. وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَهُوَ يُوجِبُ حُكْمَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، فَكُلُّ عَمَلٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لَكِنْ أُمِرَ فِيهِ بِأَعْمَالٍ مَوْصُوفَةٍ فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.

стр. 1032

وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ هِيَ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى نِيَّةٍ أَصْلًا، لَكِنْ مَتَى وُجِدَا وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحُكْمُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ وَلَا مَزِيدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِنَا. [مَسْأَلَةٌ ابْتَدَأَ صَلَاةً وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ نَوَى فِيهَا السَّفَرَ] ٥١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ نَوَى فِيهَا السَّفَرَ، أَوْ ابْتَدَأَهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ ثُمَّ نَوَى فِيهَا أَنْ يُقِيمَ -: أَتَمَّ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْإِقَامَةَ غَيْرُ السَّفَرِ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ مِمَّا هُوَ إقَامَةٌ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ نَصٌّ. فَهُوَ إذَا نَوَى فِي الصَّلَاةِ سَفَرًا فَلَمْ يُسَافِرْ بَعْدُ، بَلْ هُوَ مُقِيمٌ، فَلَهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ. وَإِذَا افْتَتَحَهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ فَنَوَى فِيهَا الْإِقَامَةَ فَهُوَ مُقِيمٌ بَعْدُ لَا مُسَافِرٌ، فَلَهُ أَيْضًا حُكْمُ الْإِقَامَةِ. إذْ إنَّمَا كَانَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِالنَّصِّ الْمُخْرِجِ لِتِلْكَ الْحَالِ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ، فَإِذَا بَطَلَتْ تِلْكَ الْحَالُ بِبُطْلَانِ نِيَّتِهِ صَارَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ذَكَرَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ صَلَاةً نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فِي إقَامَتِهِ] ٥١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ صَلَاةً نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فِي إقَامَتِهِ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْحَضَرِ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ صَلَّاهَا أَرْبَعًا وَلَا بُدَّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّيهَا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ: أَرْبَعًا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلِّيهَا إذَا نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ: رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا نَسِيَهَا فِي الْحَضَرِ فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ صَلَّاهَا: أَرْبَعًا. حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ - الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَإِنَّمَا الْقَصْرُ رُخْصَةٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَوْ أَرَدْنَا مُعَارَضَتَهُ لَقُلْنَا: بَلْ الْأَصْلُ الْقَصْرُ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى ". وَلَكِنَّا لَا نَرْضَى بِالشَّغَبِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ أَصْلٌ، وَصَلَاةَ الْإِقَامَةِ أَصْلٌ، لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا فَرْعًا لِلْأُخْرَى، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ.

стр. 1033

وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تُؤَدَّى كَمَا لَزِمَتْ إذَا فَاتَتْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا أَيْضًا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ خَطَأٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلَ وَيَهْدِمُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، إلَّا هُنَا فَإِنَّهُ تَنَاقُضٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ صَلَوَاتٌ كَانَ حُكْمُهَا لَوْ صَلَّاهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِئًا فَذَكَرَهَا فِي صِحَّتِهِ -: فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا قَائِمًا. وَمَنْ ذَكَرَ فِي حَالِ الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ صَلَاةً فَاتَتْهُ فِي صِحَّتِهِ كَانَ حُكْمُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا. وَمَنْ صَلَّى فِي حَالِ خَوْفٍ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا صَلَاةً نَسِيَهَا فِي حَالِ الْأَمْنِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا. وَمَنْ ذَكَرَ فِي حَالِ الْأَمْنِ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ حَيْثُ لَوْ صَلَّاهَا لَصَلَّاهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا نَازِلًا قَائِمًا. وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ يُصَلِّهَا إلَّا مُتَوَضِّئًا فَذَكَرَهَا فِي حَالِ تَيَمُّمٍ: صَلَّاهَا مُتَيَمِّمًا. وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا لَمْ يُصَلِّهَا إلَّا مُتَيَمِّمًا فَذَكَرَهَا وَالْمَاءُ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا مُتَوَضِّئًا. وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهَذَا مِقْدَارُ قِيَاسِهِمْ وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ حُجَّتَنَا فِي هَذَا إنَّمَا هُوَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّمَا جَعَلَ ﵇ وَقْتَهَا وَقْتَ أَدَائِهَا لَا الْوَقْتَ الَّذِي نَسِيَهَا فِيهِ أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكُلُّ صَلَاةٍ تُؤَدَّى فِي سَفَرٍ فَهِيَ صَلَاةُ سَفَرٍ، وَكُلُّ صَلَاةٍ تُؤَدَّى فِي حَضَرٍ فَهِيَ صَلَاةُ حَضَرٍ وَلَا بُدَّ؟

стр. 1034

فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ «كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا» . قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَهَذِهِ لَفْظَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَمْ تَأْتِ قَطُّ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا خَيْرٌ قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ نَسِيَ صَلَاةً فِي سَفَرٍ فَذَكَرَهَا فِي حَضَرٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إلَّا أَرْبَعًا -: فَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ نَسِيَهَا فِي حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا سَفَرِيَّةً -: فَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْصُرُ إلَّا مَنْ نَوَى الْقَصْرَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ تَنَاقَضَ، فَلَمْ يَرَ النِّيَّةَ لِلْإِتْمَامِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا خَطَأَهُ فِيهِ، مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ الْإِتْمَامُ، وَالْقَصْرُ دَخِيلٌ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ، أَوْ الْعَصْرَ، أَوْ الْعَتَمَةَ فَقَطْ. ثُمَّ إنْ كَانَ مُقِيمًا فَهِيَ أَرْبَعٌ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَهِيَ رَكْعَتَانِ وَلَا بُدَّ وَمِنْ الْبَاطِلِ إلْزَامُهُ النِّيَّةَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ دُونَ الْآخَرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مُسَافِرٌ صَلَّى بِصَلَاةِ إمَامٍ مُقِيمٍ] ٥١٨ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ صَلَّى مُسَافِرٌ بِصَلَاةِ إمَامٍ مُقِيمٍ قَصَرَ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ صَلَّى مُقِيمٌ بِصَلَاةِ مُسَافِرٍ أَتَمَّ وَلَا بُدَّ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، وَإِمَامَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ جَائِزَةٌ وَلَا فَرْقَ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَانِ؟ قُلْتُ: كَيْفَ تَرَى وَنَحْنُ هَهُنَا بِمِنًى؟ قَالَ: وَيْحَك سَمِعْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَآمَنْتَ بِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؟ قَالَ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ إنْ شِئْت أَوْ دَعْ -» وَهَذَا بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ الْمُسَافِرَ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ.

стр. 1035

قَالَ: كَانَ أَبِي إذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَةً - وَهُوَ مُسَافِرٌ - صَلَّى إلَيْهَا أُخْرَى، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ اجْتَزَأَ بِهِمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَطَرِ بْنِ فِيلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَأَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ اعْتَدَّ بِهِمَا؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا وَسَأَلْته عَنْ مُسَافِرٍ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: تُجْزِيَانِهِ قَالَ عَلِيٌّ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ صَلَاةَ الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَصَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ وَنِصْفَ الصَّلَاةِ» وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ مَأْمُومًا مِنْ إمَامٍ مِنْ مُنْفَرِدٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . قَالَ عَلِيٌّ: وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّ الْمُقِيمَ خَلْفَ الْمُسَافِرِ يُتِمُّ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ إمَامِهِ فِي التَّقْصِيرِ، وَإِنَّ الْمُسَافِرَ خَلْفَ الْمُقِيمِ يَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ إمَامِهِ فِي الْإِتْمَامِ. وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ فِي الْعَالَمِ لَكَانَ هَذَا

стр. 1036

أَصَحَّ قِيَاسٍ يُوجَدُ، وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَالْقِيَاسَ وَمَا وَجَدْت لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى فِي صَلَاتِهِ الْإِقَامَةَ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا، وَالْمُقِيمُ إذَا نَوَى فِي صَلَاتِهِ السَّفَرَ لَمْ يَقْصُرْهَا، قَالَ: فَإِذَا خَرَجَ بِنِيَّتِهِ إلَى الْإِتْمَامِ فَأَحْرَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْإِتْمَامِ بِحُكْمِ إمَامِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قِيَاسٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ وَلَا شَبَهَ بَيْنَ صَرْفِ النِّيَّةِ مِنْ سَفَرٍ إلَى إقَامَةٍ وَبَيْنَ الِائْتِمَامِ بِإِمَامٍ مُقِيمٍ، بَلْ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا هَوَسٌ ظَاهِرٌ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَقُولُوا لِلْمُقِيمِ خَلْفَ الْمُسَافِرِ: أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ إذَنْ؟ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: قَدْ جَاءَ " أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ "؟ فَقُلْنَا: لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُتِمُّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَأْمُومٍ وَلَا إمَامٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمُسَافِرَ جُمْلَةً يَقْصُرُ، وَالْمُقِيمَ جُمْلَةً يُتِمُّ، وَلَا يُرَاعِي أَحَدٌ مِنْهُمَا حَالَ إمَامِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ [صَلَاةُ الْخَوْفِ] [مَسْأَلَةٌ أَرَادَ الصَّلَاة فَحَضَرَهُ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ وَهُمْ ثَلَاثَة فَصَاعِدًا] ٥١٩ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَضَرَهُ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ ظَالِمٍ كَافِرٍ، أَوْ بَاغٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ سَيْلٍ، أَوْ مِنْ نَارٍ، أَوْ مِنْ حَنَشٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا -: فَأَمِيرُهُمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا، كُلُّهَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَيَّنَّاهَا غَايَةَ الْبَيَانِ وَالتَّقَصِّي فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ وَإِنَّمَا كَتَبْنَا كِتَابَنَا هَذَا لِلْعَامِّيِّ وَالْمُبْتَدِئِ وَتَذْكِرَةً لِلْعَالِمِ، فَنَذْكُرُ هَهُنَا بَعْضَ تِلْكَ الْوُجُوهِ، مِمَّا يَقْرُبُ حِفْظُهُ وَيَسْهُلُ فَهْمُهُ، وَلَا يَضْعُفُ فِعْلُهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ فَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمُوا، ثُمَّ تَأْتِي طَائِفَةٌ أُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ، وَإِنْ كَانَ فِي حَضَرٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبُ صَلَّى بِكُلِّ

стр. 1037

طَائِفَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، الْأُولَى فَرْضُ الْإِمَامِ، وَالثَّانِيَةُ تَطَوُّعٌ لَهُ وَإِنْ شَاءَ فِي السَّفَرِ أَيْضًا صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ تُسَلِّمُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ وَيُجْزِئُهُمَا، وَإِنْ شَاءَ هُوَ سَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ، وَيُصَلِّي بِالْأُخْرَى رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ وَيُجْزِئُهُمْ. وَإِنْ شَاءَتْ الطَّائِفَةُ أَنْ تَقْضِيَ الرَّكْعَةَ وَالْإِمَامُ وَاقِفٌ فَعَلَتْ، ثُمَّ تَفْعَلُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحُ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً ثُمَّ وَقَفَ وَلَا بُدَّ وَقَضَوْا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ تَأْتِي الثَّانِيَةُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا فَقَضَوْا رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ وَيُسَلِّمُونَ؟ فَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبُ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا جَلَسَ قَامُوا فَقَضَوْا رَكْعَةً وَسَلَّمُوا وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ، فَإِذَا قَعَدَ صَلُّوا رَكْعَةً ثُمَّ جَلَسُوا وَتَشَهَّدُوا، ثُمَّ صَلَّوْا الثَّالِثَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ؟ فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ، أَوْ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَتُجْزِئُهُ وَأَمَّا الصُّبْحُ فَاثْنَتَانِ وَلَا بُدَّ، وَالْمَغْرِبُ ثَلَاثٌ وَلَا بُدَّ، وَفِي الْحَضَرِ أَرْبَعٌ وَلَا بُدَّ؟ سَوَاءٌ هَهُنَا الْخَائِفُ مِنْ طَلَبٍ بِحَقٍّ، أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . فَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي بِعُمُومِهَا الصِّفَاتِ الَّتِي قُلْنَا نَصًّا ثُمَّ كُلُّ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى آمِرًا لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] .

стр. 1038

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] . وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِنْ مِلَّتِهِ، وَمِلَّتُهُ هِيَ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ فِي بَابِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَوَجَدَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ يُصَلِّي صَلَاةً أُخْرَى فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَجَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ فِي الْخَوْفِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَبِطَائِفَةٍ أُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» . وَذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَهَذَا آخِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكَرَةَ شَهِدَهُ مَعَهُ وَلَمْ يُسْلِمْ إلَّا يَوْمَ الطَّائِفِ، وَلَمْ يَغْزُ ﵇ بَعْدَ الطَّائِفِ غَيْرَ تَبُوكَ فَقَطْ. فَهَذِهِ أَفْضَلُ صِفَاتِ صَلَاةِ الْخَوْفِ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ " فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ " -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ حَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ - عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمَ قَالَ: " كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، فَقَامَ حُذَيْفَةُ وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ صَفًّا خَلْفَهُ وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، وَانْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا ". قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِي الرُّكَيْنُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ صَلَاةِ حُذَيْفَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: الْأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ زَهْدَمٍ أَحَدُ الصَّحَابَةِ حَنْظَلِيٌّ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ وَرَوَى عَنْهُ. وَصَحَّ هَذَا أَيْضًا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ

стр. 1039

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرَ جَابِرٌ أَنَّ الْقَصْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ عِنْدَ الْخَوْفِ هُوَ هَذَا؟ لَا كَوْنُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَصَحَّ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ. فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، وَقَالَ بِهَذَا جُمْهُورٌ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَيَّامَ عُثْمَانَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَغَيْرِهِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِمَنْ مَعَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَلَّاهَا بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ وَلَا أَمَرَ بِالْقَضَاءِ؟ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُومِئُ بِرَكْعَةٍ عِنْدَ الْقِتَالِ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ صَلَّى فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْمُسَايَفَةُ فَإِنَّمَا هِيَ رَكْعَةٌ يُومِئُ إيمَاءً حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ فِي صَلَاةِ الْمُطَارَدَةِ: رَكْعَةٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَكْحُولٍ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْقَوْمُ عَلَى أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْأَرْضِ صَلُّوا عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرُوا فَرَكْعَةٌ وَسَجْدَتَانِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا أَخَّرُوا حَيْثُ يَأْمَنُوا؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا فَلَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَأْخِيرِهَا وَلَا رَسُولُهُ ﷺ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَجْلَانَ الْأَفْطَسُ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ

стр. 1040

يَقُولُ: كَيْف يَكُونُ قَصْرٌ وَهُمْ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ؟ وَإِنَّمَا هُوَ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، يُومِئُ بِهَا حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ؟ وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ غُرَابٍ كُنَّا مَصَافِّي الْعَدُوِّ بِفَارِسَ، وَوُجُوهُنَا إلَى الْمَشْرِقِ، فَقَالَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ: لِيَرْكَعْ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْكُمْ رَكْعَةً تَحْتَ جُنَّتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَتَادَةَ عَنْ صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ؟ فَقَالُوا: رَكْعَةٌ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُ قَوْلِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَقَتَادَةَ. وَعَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قَالَ: فِي الْعَدُوِّ يُصَلِّي رَاكِبًا وَرَاجِلًا يُومِئُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ تُجْزِئُهُ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ الْعَمَلَانِ أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَيْنَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَرْغَبَ عَنْ سَائِرِ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا. لَكِنْ مِلْنَا إلَى هَذَيْنِ لِسُهُولَةِ الْعَمَلِ فِيهِمَا عَلَى كُلِّ جَاهِلٍ، وَعَالِمٍ، وَلِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَلِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَلِتَوَاتُرِ الْخَبَرِ بِهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِمُوَافَقَتِهِمَا الْقُرْآنَ؟

стр. 1041

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ، عَصَبِيَّةً لِتَقْلِيدِهِ الْمُهْلِكِ لَهُ -: الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُمْ قَضَوْا قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا انْسِلَاخٌ مِنْ الْحَيَاءِ جُمْلَةً، وَقَصْدٌ إلَى الْكَذِبِ جِهَارًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُمْ أَتَمُّوا أَرْبَعًا؟ وَقَالَ: لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ صَلَاةً مِنْ رَكْعَةٍ؟ وَقُلْنَا لَهُمْ: وَلَا وَجَدْتُمْ فِي الْأُصُولِ صَلَاةَ الْإِمَامِ بِطَائِفَتَيْنِ، وَلَا صَلَاةً إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَا صَلَاةً يَقْضِي فِيهَا الْمَأْمُومُ مَا فَاتَهُ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَلَا صَلَاةً يَقِفُ الْمَأْمُومُ فِيهَا لَا هُوَ يُصَلِّي مَعَ إمَامِهِ وَلَا هُوَ يَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَكُمْ جَائِزٌ فِي الْخَوْفِ، وَلَا وَجَدْتُمْ شَيْئًا مِنْ الدِّيَانَةِ حَتَّى جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأُصُولُ لَيْسَتْ شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ؟ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَضَاءِ رَكْعَةٍ قُلْنَا: هَذَا انْفَرَدَ بِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَهُوَ سَاقِطٌ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا مُنِعَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْضُوا، بَلْ كَانَ يَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزًا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ؟ قُلْنَا: هَذَا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ شَرِيكٍ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَخَدِيجٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ مَقْصُودًا بِهِ صَلَاةُ إمَامِهِمْ بِهِمْ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمِ بْنِ صُلَيْعٍ السَّلُولِيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ قَالَ لِسَعِيدٍ: مُرْ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِك فَيُصَلُّونَ مَعَكَ، وَطَائِفَةً خَلْفَكُمْ، فَتُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ؟ وَهَكَذَا نَقُولُ: فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، إلَّا مَا جَاءَ نَصٌّ فِيهِ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ مَثْنَى، كَالْوِتْرِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مَثْنَى، كَالظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْعِشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ نُهِيَ عَنْ " الْبُتَيْرَاءِ "؟

стр. 1042

قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ كِذْبَةٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ. وَمَا نَدْرِي " الْبُتَيْرَاءَ " فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْتُمْ تُجِيزُونَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ إنْ شَاءَ رَكْعَةً وَيُسَلِّمَ، وَإِنْ شَاءَ وَصَلَهَا بِأُخْرَى بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ، وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ مَا كَانَ لِلْمَرْءِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَا فَرْضٌ، وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمُحَالٌ أَنْ يَصِلَ فَرْضَهُ بِتَطَوُّعٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا سَلَامٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا يَكُونُ مَا ذَكَرُوا فِيمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ، وَأُمًّا إذَا جَاءَ النَّصُّ فَالنَّظَرُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ بِهِ مُعَارِضَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ . ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: أَلَيْسَ مُصَلِّي الْفَرْضَ مِنْ إمَامٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ - عِنْدَكُمْ وَعِنْدَنَا - مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَقْرَأَ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " سُورَةً إنْ شَاءَ طَوِيلَةً وَإِنْ شَاءَ قَصِيرَةً وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى " أُمِّ الْقُرْآنِ " فَقَطْ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ تَسْبِيحَةً تَسْبِيحَةً وَإِنْ شَاءَ طَوَّلَهُمَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَمْ. فَقُلْنَا لَهُمْ: فَقَدْ أَبَحْتُمْ هَهُنَا مَا قَدْ حَكَمْتُمْ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ مَنْ صِلَتُهُ فَرِيضَةٌ بِمَا هُوَ عِنْدَكُمْ تَطَوُّعٌ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلْ كُلُّ هَذَا خَيْرٌ فِيهِ الْبِرُّ، فَإِنَّ طَوَّلَ فَفَرْضٌ أَدَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يُطَوِّلْ فَفَرْضٌ أَدَّاهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى رَكْعَةً فِي الْخَوْفِ فَهِيَ فَرْضُهُ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَهُمَا فَرْضُهُ. كَمَا فَعَلَ ﵇ وَكَمَا أَمَرَ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] قَالَ عَلِيٌّ وَسَائِرُ الْوُجُوهِ الصِّحَاحِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرُ أَخَذَ بِبَعْضِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ ﵃. وَهَهُنَا أَقْوَالٌ لَمْ تَصِحَّ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تُرْوَ عَنْهُ أَصْلًا، وَلَكِنْ رُوِيَتْ عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْ الصَّحَابَةِ ﵃: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ.

стр. 1043

وَمِنْ التَّابِعِينَ -: مَسْرُوقٌ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ -: الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَحُمَيْدُ الرُّؤَاسِيُّ صَاحِبُهُ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، رَجَعَ مَالِكٌ إلَى الْقَوْلِ بِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ: أَنْ يَصُفَّ الْإِمَامُ أَصْحَابَهُ طَائِفَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا خَلْفَهُ، وَالثَّانِيَةُ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ، فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، فَإِذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ وَاقِفًا وَأَتَمَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ لِأَنْفُسِهَا الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَلَّمَتْ وَنَهَضَتْ فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَالْإِمَامُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاقِفٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَتَصُفَّ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتُكَبِّرُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِسَجْدَتَيْهَا، هِيَ لَهُمْ أُولَى، وَهِيَ لِلْإِمَامِ ثَانِيَةٌ، ثُمَّ يَجْلِسُ الْإِمَامُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَقَضَتْ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ - قَضَاءُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى وَالْإِمَامُ وَاقِفٌ، وَقَضَاءُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ - لَمْ يَأْتِ قَطُّ جَمْعُ هَذَيْنِ الْقَضَاءَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْلًا. وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَلِأَنَّ الطَّائِفَةَ لَمْ تُصَلِّ بَعْضَ صَلَاتِهَا مَعَهُ، وَمَا كَانَ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ دُونَ نَصٍّ مِنْ بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ : " فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَيْسَ يُوجِبُ هَذَا الْقَوْلَ قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ ". وَلَيْسَ تَقْلِيدُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁ بِأَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ قَدْ ذَكَرْنَاهُ -: كَعَمْرٍو، وَابْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي مُوسَى، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو، وَحُذَيْفَةَ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَغَيْرِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ رَوَى بَعْضَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ وَخَالَفَهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ خَالَفَ مَا حَضَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا لِأَمْرٍ عَلِمَهُ هُوَ نَاسِخٌ لِمَا رَوَاهُ؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَحُكْمٌ بِالظَّنِّ، وَتَرْكٌ لِلْيَقِينِ، وَإِضَافَةٌ إلَى الصَّاحِبِ ﵁ -

стр. 1044

مَا لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِهِ، مِنْ أَنَّهُ رَوَى لَنَا الْمَنْسُوخَ وَكَتَمَ النَّاسِخَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكُمْ هَذَا وَبَيْنَ مِنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا رَوَى، فَالدَّاخِلَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا رُوِيَ مِنْهُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ، لَا فِيمَا رَوَاهُ هُوَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ عَلِيٌّ: وَلَسْنَا نَقُولُ: بِشَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ الْحَقَّ أَخْذُ رِوَايَةِ الرَّاوِي، لَا أَخْذُ رَأْيِهِ، إذْ قَدْ يَتَأَوَّلُ فِيهِمْ، وَقَدْ يَنْسَى، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكْتُمَ النَّاسِخَ وَيَرْوِي الْمَنْسُوخَ؟ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُوهَمُوا هَهُنَا بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالزُّهْرِيَّ: مُخَالِفُونَ لِاخْتِيَارِ مَالِكٍ، وَمَا وَجَدْنَا مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ إلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَحْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: وَمِنْهَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَجَعَ عَنْهُ -: وَهُوَ أَنْ يَصُفَّهُمْ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ: طَائِفَةٌ خَلْفَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ -: فَيُصَلِّي بِاَلَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، فَإِذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَفَ، وَنَهَضَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ فَوَقَفُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ بَعْدُ. ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَتُكَبِّرُ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ لَهُ وَهِيَ لَهُمْ الْأُولَى، فَإِذَا جَلَسَ وَتَشَهَّدَ: سَلَّمَ، وَتَنْهَضُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ، فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فَتَرْجِعُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ، فَتَقْضِي فِيهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهَا، وَتُسَلِّمُ، ثُمَّ تَأْتِي فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ. وَتَرْجِعُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ، فَتَقْضِي فِيهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهَا. إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ زَادَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ زِيَادَةً لَا تُعْرَفُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ قَبْلَهُ -: وَهِيَ أَنَّهُ

стр. 1045

قَالَ: تَقْضِي الطَّائِفَةُ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا بِلَا قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِيهَا. وَتَقْضِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا وَلَا بُدَّ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَمَلٌ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مِمَّا قَدْ يُخَالِفُ كُلَّ أَثَرٍ جَاءَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، تَأْخِيرُ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا إتْمَامَ الرَّكْعَةِ الْبَاقِيَةِ لَهُمَا إلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ، فَتَبْتَدِئُ أُولَاهُمَا بِالْقَضَاءِ، ثُمَّ لَا تَقْضِي الثَّانِيَةُ إلَّا حَتَّى تُسَلِّمَ الْأُولَى. وَفِيهِ أَيْضًا مِمَّا يُخَالِفُ كُلَّ أَثَرٍ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ -: مَجِيءُ كُلِّ طَائِفَةٍ لِلْقَضَاءِ خَاصَّةً إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّتْ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ زَالَتْ عَنْهُ إلَى مُوَاجِهَةِ الْعَدُوِّ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ قُلْنَا: قُلْتُمْ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ، إنَّمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ - خَبَرٌ فِيهِ ابْتِدَاءُ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا بِالصَّلَاةِ مَعًا مَعَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الطَّائِفَةَ الَّتِي صَلَّتْ آخِرًا هِيَ بَدَأَتْ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَنْتُمْ تُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ، لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا تَخَيَّرْنَا ابْتِدَاءَ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ اتِّبَاعًا لِلْآيَةِ؟ قُلْنَا: فَقَدْ خَالَفْتُمْ الْآيَةَ فِي إيجَابِكُمْ صَلَاةَ كُلِّ طَائِفَةٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَخَالَفْتُمْ الْقُرْآنَ، وَجَمِيعَ الْآثَارِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَجَمِيعَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِلَا نَظَرٍ وَلَا قِيَاسٍ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِنَادِرَةٍ، وَهِيَ: أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ الْإِمَامُ الْعَدْلَ بَيْنَهُمْ، فَكَمَا صَلَّتْ الطَّائِفَةُ الْوَاحِدَةُ أَوَّلًا فَكَذَلِكَ تَقْضِي أَوَّلًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ الْجَوْرُ وَالْمُحَابَاةُ، بَلْ الْعَدْلُ وَالتَّسْوِيَةُ هُوَ أَنَّهُ إذَا صَلَّتْ الْوَاحِدَةُ أَوَّلًا أَنْ تَقْضِيَ الثَّانِيَةُ أَوَّلًا، فَتَأْخُذَ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَظِّهَا مِنْ التَّقَدُّمِ وَبِحَظِّهَا مِنْ التَّأَخُّرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ نَرَ قَطُّ مَأْمُومًا بَدَأَ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ؟

стр. 1046

فَقِيلَ لَهُمْ: وَلَا رَأَيْتُمْ قَطُّ مَأْمُومًا يَتْرُكُ صَلَاةَ إمَامِهِ وَيَمْضِي إلَى شُغْلِهِ وَيَقِفُ بُرْهَةً طَوِيلَةً بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ لَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْهَا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: بِهَذَا بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ، ثُمَّ تَعِيبُونَ مِنْ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ لَا سِيَّمَا تَقْسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَضَاءِ الطَّائِفَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا بِقِرَاءَةٍ وَالْأُخْرَى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَمَا عُرِفَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا يُؤَيِّدُهُ رَأْيٌ سَدِيدٌ، وَلَا قِيَاسٌ؟ وَمِنْهَا قَوْلٌ ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ، وَهُوَ: أَنْ لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . قَالَ عَلِيٌّ: إلَّا أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ النِّكَاحَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالصَّلَاةَ جَالِسًا كَذَلِكَ -: لَا يَقْدِرُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى أَبِي يُوسُفَ قَوْلَهُ هَهُنَا؟ وَمِنْهَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ: أَنَّ تَكْبِيرَتَيْنِ فَقَطْ تُجْزِئَانِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ الْحَكَمِ، وَمُجَاهِدٍ: تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْف تَقُولُونَ بِصَلَاةِ الْخَوْفُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّةً، لَمْ يُصَلِّ بِنَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» ؟ قُلْنَا: هَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَكُمْ: مِنْ أَيْنَ كَانَ لَكُمْ بِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي اخْتَرْتُمُوهُ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذْ صَلَّاهَا؟ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ بِهَذَا حَنَفِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا؟ لِأَنَّ اخْتِيَارَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَيْف وَهَذَا حَدِيثٌ سَاقِطٌ؟ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ شَرِيكٍ الْقَاضِي، وَهُوَ مُدَلِّسٌ لَا

стр. 1047

يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، فَكَيْف يَسْتَحِلُّ ذُو دِينٍ أَنْ يُعَارِضَ بِهَذِهِ السَّوْءَةِ أَحَادِيثَ الْكَوَافِّ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ: إنَّهُمْ شَهِدُوا صَلَاةَ الْخَوْفِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّاتٍ: مَرَّةً بِذِي قَرَدٍ، وَمَرَّةً بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَمَرَّةً بِنَجْدٍ، وَمَرَّةً بَيْنَ ضَجَنَانَ وَعُسْفَانَ، وَمَرَّةً بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَمَرَّةً بِنَخْلٍ، وَمَرَّةً بِعُسْفَانَ، وَمَرَّةً يَوْمَ مُحَارَبٍ وَثَعْلَبَةَ، وَمَرَّةً إمَّا بِالطَّائِفِ وَإِمَّا بِتَبُوكَ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَكَابِرُ التَّابِعِينَ وَالثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِالصَّلَاةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ خَوْفٍ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً " وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ حُكْمِهِ ﵇ بِالظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ خَافَ مِنْ طَالِبٍ لَهُ بِحَقٍّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ] ٥٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَتَيْنِ مَنْ خَافَ مِنْ طَالِبٍ لَهُ بِحَقٍّ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ أَصْلًا بِثَلَاثِ طَوَائِفَ فَصَاعِدًا؟ لِأَنَّ فِي صَلَاتِهَا بِطَائِفَتَيْنِ عَمَلًا لِكُلِّ طَائِفَةٍ فِي صَلَاتِهَا هِيَ مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ إنْ كَانَتْ بَاغِيَةً وَمَنْ عَمِلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إذْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ مُحَارَبًا، أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ قَاعِدًا خَوْفَ طَالِبٍ لَهُ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَمِلَ عَمَلًا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي كَوْنِهِ مَطْلُوبًا بِبَاطِلٍ عَامِلٌ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ عَمَلًا أُبِيحَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ تِلْكَ؟ وَلَمْ يُصَلِّ ﵇ قَطُّ بِثَلَاثِ طَوَائِفَ، وَلَوْلَا صَلَاتُهُ ﵇ بِطَائِفَتَيْنِ لَمَا جَازَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ عَمَلٌ فِي الصَّلَاةِ، إلَّا مَا أَبَاحَهُ النَّصُّ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» . وَالْوَاحِدُ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ وَصَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَمَنْ صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا هَارِبًا عَنْ كَافِرٍ أَوْ عَنْ بَاغٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ فِي مَشْيِهِ ذَلِكَ تَحَرُّفًا لِقِتَالٍ أَوْ تَحَيُّزًا إلَى فِئَةٍ فَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ حِينَئِذٍ.

стр. 1048

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] فَمَنْ وَلِيَ الْكُفَّارَ ظَهْرَهُ وَالْبُغَاةَ الْمُفْتَرَضُ قِتَالُهُمْ لَا يَنْوِي تَحَيُّزًا وَلَا تَحَرُّفًا -: فَقَدْ عَمِلَ فِي صَلَاتِهِ عَمَلًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُصَلِّ كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْفَارُّ عَنْ السِّبَاعِ، وَالنَّارِ، وَالْحَنَشِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْحَيَوَانِ الْعَادِي، وَالسَّيْلِ وَخَوْفِ عَطَشٍ، وَخَوْفِ فَوْتِ الرُّفْقَةِ، أَوْ فَوْتِ مَتَاعِهِ، أَوْ ضَلَالِ الطَّرِيقِ -: فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [صَلَاة الْجُمُعَة] [مَسْأَلَةٌ وَقْت الْجُمُعَةَ] ٥٢١ - مَسْأَلَةٌ: الْجُمُعَةُ، هِيَ ظُهْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيلَانَ قَالَ: شَهِدْت الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ شَهِدْت الْجُمُعَةَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَخُطْبَتَهُ مَعَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْجُمُعَةَ ضُحًى، وَقَالَ: إنَّمَا عَجَّلْت بِكُمْ خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت أَرَى طَنْفَسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تُطْرَحُ إلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشَّى الطَّنْفَسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَصَلَّى، ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَى؟ قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا يُوجِبُ أَنَّ صَلَاةَ عُمَرَ ﵁ الْجُمُعَةَ كَانَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّ ظِلَّ الْجِدَارِ مَا دَامَ فِي الْغَرْبِ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ صَارَ الظِّلُّ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَلَا بُدَّ. وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي سَلِيطٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ

стр. 1049

صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ قَالَ ابْنُ أَبِي سَلِيطٍ: وَكُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ عُثْمَانَ وَنَنْصَرِفُ وَمَا لِلْجِدَارِ ظِلٌّ؟ قَالَ عَلِيٌّ: بَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَمَلَلٍ: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِيلًا، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ ثُمَّ يَخْطُبَ وَيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ ثُمَّ يَمْشِيَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إلَّا مَنْ طَرَقَ طَرْقَ السَّرَايَا أَوْ رَكَضَ رَكْضَ الْبَرِيدِ الْمُؤَجَّلِ وَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ هَذَا؟ وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُلُّ عِيدٍ حِينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى: الْجُمُعَةُ، وَالْأَضْحَى، وَالْفِطْرُ، كَذَلِكَ بَلَغَنَا؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلُّ عِيدٍ فَهُوَ نِصْفُ النَّهَارِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَيْنَ الْمُمَوِّهُونَ إنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ عَمَلَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ؟ الْمُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ؟ وَهَذَا عَمَلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَطَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَا يُبَالُونَ مَا قَالُوا فِي نَصْرِ تَقْلِيدِهِمْ وَأَمَّا نَحْنُ فَالْحُجَّةُ عِنْدَنَا فِيمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثنا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشِ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

стр. 1050

جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا، قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمْسِ» . وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَرَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُهَجِّرِ إلَى الْجُمُعَةِ كَمَثَلِ مَنْ يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَمَنْ يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ مَثَلُ مَنْ يُهْدِي شَاةً، ثُمَّ مَثَلُ مَنْ يُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَمَثَلِ مَنْ يُهْدِي عُصْفُورًا، ثُمَّ كَمَثَلِ مَنْ يُهْدِي بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَجَلَسَ طُوِيَتْ الصُّحُفُ» . وَرُوِّينَا نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ عَلِيٌّ: فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ -: فَضْلُ التَّبْكِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ الْجُمُعَةِ؟ وَبُطْلَانُ قَوْلِ مِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْفَضَائِلَ كُلَّهَا إنَّمَا هِيَ لِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَهَا سَاعَاتٍ مُتَغَايِرَاتٍ ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، وَرَابِعَةً، وَخَامِسَةً، فَلَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهَا سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ دَرَجَ الْفَضْلِ يَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ، وَخُرُوجُهُ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ النِّدَاءِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ مَعَ النِّدَاءِ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ؟

стр. 1051

وَفِيهِمَا -: أَنَّ الْجُمُعَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا عَنْ سُمَيٍّ ذَكَرَ خَمْسَ سَاعَاتٍ. وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّيْثِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -: سَاعَةً سَادِسَةً وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَصَحَّ أَنَّ خُرُوجَهُ بَعْدَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ الزَّوَالِ، وَوَقْتُ الظُّهْرِ؟ فَإِنْ قِيلَ: " قَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ ظِلًّا نَسْتَظِلُّ بِهِ» ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ يَنْفِ سَلَمَةُ الظِّلَّ جُمْلَةً، إنَّمَا نَفَى ظِلًّا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قِصَرِ الْخُطْبَةِ، وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الزَّوَالِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ " وَمَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ " لَيْسَ، فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ يَعْنِي، لِلْجُمُعَةِ؟ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: شَهِدْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إذَا زَالَتْ، الشَّمْسُ؟ وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَنَا فِي

стр. 1052

أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِذْ هِيَ ظُهْرُ الْيَوْمِ فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِهَا مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْأَيَّامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْجُمُعَةُ إذَا صَلَّاهَا اثْنَانِ فَصَاعِدًا رَكْعَتَانِ يَجْهَرُ فِيهِمَا] ٥٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالْجُمُعَةُ إذَا صَلَّاهَا اثْنَانِ فَصَاعِدًا رَكْعَتَانِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. وَمِنْ صَلَّاهُمَا وَحْدَهُ صَلَّاهُمَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يُسِرُّ فِيهَا كُلَّهَا، لِأَنَّهَا الظُّهْرُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ وُجُوبِ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِنَا حَدِيثَ عُمَرَ «صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ » . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا رَكْعَتَانِ لِلْفَذِّ وَلِلْجَمَاعَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ الْجُمُعَةُ: اسْمٌ إسْلَامِيٌّ لِلْيَوْمِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إنَّمَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ " الْعُرُوبَةُ " فَسُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ " يَوْمَ الْجُمُعَةِ "؛ لِأَنَّهُ يُجْتَمَعُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ اسْمًا مَأْخُوذًا مِنْ الْجَمْعِ، فَلَا تَكُونُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ، إنَّمَا هُمَا ظُهْرٌ، وَالظُّهْرُ أَرْبَعٌ كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِيهَا، وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، نَقْلُ كَوَافٍ مِنْ عَهْدِهِ ﵇ إلَى الْيَوْمِ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا؟ وَأَمَّا الْعَدَدُ الَّذِي يُصَلِّيه الْإِمَامُ فِيهِ جُمُعَةٍ رَكْعَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا -: فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ -: فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْجُمُعَةُ تَكُونُ بِخَمْسِينَ رَجُلًا فَصَاعِدًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا جُمُعَةَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا: أَحْرَارًا، مُقِيمِينَ، عُقَلَاءَ، بَالِغِينَ - فَصَاعِدًا. وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: ثَلَاثِينَ رَجُلًا. وَعَنْ غَيْرِهِ: عِشْرِينَ رَجُلًا. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: سَبْعَةَ رِجَالٍ لَا أَقَلَّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَزُفَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: إذَا كَانَ ثَلَاثَةُ

стр. 1053

رِجَالٍ وَالْإِمَامُ رَابِعُهُمْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَكُونُ بِأَقَلَّ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إذَا كَانَ رَجُلَانِ وَالْإِمَامُ ثَالِثُهُمَا صَلَّوْا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إذَا كَانَ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّيَا الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ نَقُولُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَأَمَّا مَنْ حَدَّ خَمْسِينَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا حَدِيثًا فِيهِ «عَلَى الْخَمْسِينَ جُمُعَةٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ إمَامٌ» . وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْقَاسِمُ هَذَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا مَنْ حَدَّ بِثَلَاثِينَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا خَبَرًا مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَلْيُؤَمِّرُوا رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ» . وَأَمَّا مِنْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ: فَذَكَرُوا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ وَقَدْ أَدْرَكَتْ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلَّا أَرْبَعَةٌ؟» . وَهَذَا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَحْيَى، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ سَعِيدٍ: مَجْهُولَانِ وَأَيْضًا -: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْخَبَرَ، لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْجُمُعَةَ فِي الْقُرَى، لَكِنْ فِي الْأَمْصَارِ فَقَطْ

стр. 1054

فَكُلُّ هَذِهِ آثَارٌ لَا تَصِحُّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إسْقَاطُ الْجُمُعَةِ عَنْ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ؟ وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ سَاقِطٌ عَنْ رَوْحِ بْنِ غُطَيْفٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ «لَمَّا بَلَغُوا مِائَتَيْنِ جَمَّعَ بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ » فَإِنْ أَخَذُوا بِالْأَكْثَرِ فَهَذَا الْخَبَرُ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ أَخَذُوا بِالْأَقَلِّ فَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَدِيثًا فِيهِ أَقَلُّ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ إذَا سَمِعَ نِدَاءَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَسَأَلَهُ ابْنُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي هَزْمِ حُرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُعْرَفُ بِنَقِيعِ الْخَضِمَاتِ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ، نَعَمْ وَالْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا وَبِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَبِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُبَيْعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانِ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - ثنا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» . وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَا تَكُونُ جَمَاعَةٌ وَلَا جُمُعَةٌ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ؟

стр. 1055

وَأَمَّا حُجَّتُنَا فَهِيَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ لَهُ: «إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» فَجَعَلَ ﵇ لِلِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الِاثْنَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ثَالِثٌ فَإِنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَدْ قِيلَ: يَقِفَانِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَيَسَارِهِ؟ وَقَدْ قِيلَ: بَلْ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْأَرْبَعَةِ: أَنَّ الثَّلَاثَةَ يَقِفُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَوَجَدْنَا حُكْمَ الْأَرْبَعَةِ غَيْرَ حُكْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ نَعَمْ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ: فِي مَوَاضِعِ الْوُقُوفِ، إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبٌ لَهُمَا بِإِقْرَارِكُمْ، وَلَيْسَ فِي حُكْمِ اخْتِلَافِ مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ الْجُمُعَةِ أَصْلًا؟ وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ. وَقَالَ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَعَنْ هَذَا الْحُكْمِ أَحَدٌ إلَّا مَنْ جَاءَ نَصٌّ جَلِيٌّ أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الْفَذَّ وَحْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ ابْتَدَأَهَا إنْسَانٌ وَلَا أَحَدَ مَعَهُ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ أَوْ أَكْثَرُ، فَسَوَاءٌ أَتَوْهُ إثْرَ تَكْبِيرِهِ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَرْكَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى -: يَجْعَلُهَا جُمُعَةً وَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ، فَحَقُّهَا أَنْ تَكُونَ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ ظُهْرُ يَوْمِهِ. فَإِنْ جَاءَهُ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ -: فَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَبْتَدِئُهَا صَلَاةَ جُمُعَةٍ، لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِقَطْعِ صَلَاتِهِ الَّتِي قَدْ بَطَلَ حُكْمُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
следующие страницы →