← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ قَتْلُ جَعْفَرٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ ﵃ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَيَوْمُ حُنَيْنٍ حُكْمُهُ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ لَوْ كَانَ خِلَافَهُ. وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَهُوَ أَحَدُ قَاتِلِيهِ، وَالثَّانِي: مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَتَلَهُ أَيْضًا فَنَفَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَأَيْنَ يَوْمُ بَدْرٍ مِنْ يَوْمِ حُنَيْنٍ وَبَيْنَهُمَا أَعْوَامٌ؟ وَمَا نَزَلَ حُكْمُ الْغَنَائِمِ إلَّا بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَكَيْفَ يَكُونُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ؟ وَمَوَّهُوا بِخَبَرٍ سَاقِطٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلْقِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَحَدٌ أَحَقُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَغْنَمِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى السَّهْمُ يَأْخُذُهُ أَحَدُكُمْ مِنْ جَنْبِهِ فَلَيْسَ أَحَقَّ مِنْ أَخِيهِ بِهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ لَا يُدْرَى أَصَدَقَ فِي ادِّعَائِهِ الصُّحْبَةَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الْخُمُسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ يَسْتَحِقُّهُ دُونَ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْغَنِيمَةَ بِلَا خِلَافٍ، فَالسَّلَبُ مَضْمُومٌ إلَى ذَلِكَ بِالنَّصِّ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا احْتَجَجْتُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: إنَّ الْقَاتِلَ أَحَقُّ بِالسَّلَبِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ؟ فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ عِنْدَكُمْ مَخْصُوصًا بِقَوْلِ مَنْ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَخُصُّوهُ بِقَوْلِ مَنْ لَا إيمَانَ لَكُمْ إنْ لَمْ تُسَلِّمُوا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ، تَبًّا لِهَذِهِ الْعُقُولِ الْمَكِيدَةِ. وَمَوَّهُوا بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ «أَنَّ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ قَتَلَ قَتِيلًا فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يُخَمِّسَ سَلَبَهُ، فَقَالَ لَهُ حَبِيبٌ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: مَهْلًا يَا حَبِيبُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنَّمَا لِلْمَرْءِ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ» .

стр. 2102

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرُ سُوءٍ مَكْذُوبٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ وَاقِدٍ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، وَقَدْ تَرَكَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُوسَى هَذَا أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْرَابًا حُفَاةً فَجِئْنَا نَحْنُ أَبْنَاءَ فَارِسٍ فَلَخَّصْنَا هَذَا الدِّينَ - فَانْظُرُوا بِمَنْ يَحْتَجُّونَ عَلَى السُّنَنِ الثَّابِتَةِ. ثُمَّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُنَادَةَ - وَمَكْحُولٌ لَمْ يُدْرِكْ جُنَادَةَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الَّذِي وَجَدَ الرِّكَازَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِجَمِيعِهِ دُونَ طِيبِ نَفْسِ إمَامِهِ. ثُمَّ نَقُولُ لِلْمُحْتَجِّ بِهَذَا الْخَبَرِ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْإِمَامِ لِبَعْضِ الْجَيْشِ بِسَهْمِهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيَبْطُلُ بِذَلِكَ حَقَّهُمْ؟ إنَّ هَذَا لَعَجِيبٌ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا؛ فَصَارُوا أَوَّلَ مُخَالِفٍ لِمَا حَقَّقُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ، وَهَذَا فِعْلُ مِنْ لَا وَرَعَ لَهُ. وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ غَالِبِ بْنِ حَجْرَةَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ الْمِلْقَامِ بْنِ التَّلِبِ عَنْ أَبِيهَا [عَنْ أَبِيهِ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى بِمَوْلًى فَلَهُ سَلَبُهُ» قَالُوا: فَقُولُوا بِهَذَا أَيْضًا ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقُلْنَا إنَّمَا يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِحَدِيثِ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيِّ لَا صَدَاقَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَمَنْ يَقُولُ بِحَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فِي إبَاحَةِ الْوُضُوءِ بِالْخَمْرِ، وَتِلْكَ النَّطَائِحُ وَالْمُتَرَدِّيَاتُ. فَهَذَا الْخَبَرُ مُضَافٌ إلَى تِلْكَ. وَأَمَّا مَنْ لَا يَأْخُذُ إلَّا بِمَا رَوَى الثِّقَةُ عَنْ الثِّقَةِ فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا رَوَاهُ غَالِبُ بْنُ حَجْرَةَ الْمَجْهُولُ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ الْمِلْقَامِ الَّتِي لَا يُدْرَى مَنْ هِيَ؟ عَنْ أَبِيهَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ، وَالْقَوْمُ فِي عَمًى نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِمَّا ابْتَلَاهُمْ بِهِ، وَتَاللَّهِ لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ وَلَمْ نَجِدْ فِي أَنْفُسِنَا حَرَجًا مِنْهُ. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْأَنْفَالِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنْفِلُ الرَّجُلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَلَبَ الْكَافِرِ إذَا قَتَلَهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] أَيْ لِيَرُدَّنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ.

стр. 2103

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ لِأَنَّهَا صَحِيفَةٌ وَمُرْسَلٌ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ فِي أَمْرِ بَدْرٍ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ الْقَضَاءَ بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ كَانَ فِي حُنَيْنٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَعْوَامٍ سِتَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا. ثُمَّ مَوَّهُوا بِقِيَاسَاتٍ سَخِيفَةٍ كُلُّهَا لَازِمٌ لَهُمْ وَغَيْرُ لَازِمٍ لَنَا. مِنْهَا: أَنْ قَالُوا: لَمَّا كَانَ الْغَانِمُ لَيْسَ أَحَقَّ بِمَا غَنِمَ كَانَ الْقَاتِلُ فِي السَّلَبِ كَذَلِكَ؛ وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ حَقًّا لِلْقَاتِلِ لَكَانَتْ الْأَسْلَابُ - إذَا لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُو أَهْلِهَا - مُوقَفَةً كَاللُّقَطَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْقِيَاسُ مَنْ صَحَّحَهُ، وَهُمْ يُصَحِّحُونَهُ فَهُوَ لَهُمْ لَازِمٌ فَلْيُبْطِلُوا بِهَاتَيْنِ الْأُحْمُوقَتَيْنِ قَوْلَهُمْ: [إنَّ السَّلَبَ] لِلْقَاتِلِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ [قَبْلَ الْقِتَالِ] : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ - فَهَذَا يَلْزَمُهُمْ إذْ عَدَلُوا هَذَا الْإِلْزَامَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَالٍ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ فَهُوَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ سَلَبٍ لَا تَقُومُ لَقَاتَلَهُ بَيِّنَةٌ فَهُوَ فِي جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَصِّ قَوْلِهِ لَا نَتَعَدَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ إذَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ طَاعَتُهُ ﵇ وَاجِبَةً فَالسَّلَبُ حَقٌّ لِلْقَاتِلِ مَتَى قَامَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ وَلَا خِيرَةَ لِأَحَدٍ - لَا إمَامٍ وَلَا غَيْرِهِ - فِي خِلَافِ ذَلِكَ، لِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ طَاعَتُهُ ﵇ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَهَذَا كُفْرٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ السَّلَبُ مِنْ حَقِّ الْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ ﵊: إنَّهُ لَهُ إذَا قَامَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ لَهُمْ؟ وَأَيْنَ وَجَدُوا مَا يُوجِبُ قَوْلَهُمْ الْفَاسِدَ؟ : فِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. كَانَ السَّلَبُ حِينَئِذٍ لِلْقَاتِلِ، وَلَا نُعْمَى عَيْنٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَحْرِيمًا أَوْ إيجَابًا. فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً وَتَعَرِّيه مِنْ الدَّلِيلِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يُحْفَظْ قَطُّ قَبْلَهُمْ لَا عَنْ صَاحِبٍ، وَلَا عَنْ تَابِعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تنفيل الْإِمَام مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ] ٩٥٦ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ نَفَّلَ الْإِمَامُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ - بَعْدَ الْخُمُسِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ - مَنْ رَأَى أَنْ يُنَفِّلَهُ مِمَّنْ أَغْنَى عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمِمَّنْ مَعَهُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي يَنْتَفِعُ بِهِنَّ أَهْلُ الْجَيْشِ، وَمَنْ قَاتَلَ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ: فَحَسَنٌ.

стр. 2104

وَإِنْ رَأَى أَنْ يُنَفِّلَ مَنْ أَتَى بِمَغْنَمٍ فِي الدُّخُولِ رُبْعَ مَا سَاقَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَأَقَلَّ، أَوْ ثُلُثَ مَا سَاقَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَأَقَلَّ، لَا أَكْثَرَ أَصْلًا: فَحَسَنٌ، لِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمُسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلُّهُ» وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ نَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: [سَمِعْت: أَبَا وَهْبٍ يَقُولُ] : سَمِعْت مَكْحُولًا قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ جَارِيَةَ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ يَقُولُ «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبْعَ فِي الْبَدَاءَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ مَمْطُورٍ الْحَبَشِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْفُلُ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبْعَ وَفِي الْقُفُولِ الثُّلُثَ» وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ قَالَ لِي مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ بَعْدِ الْخُمُسِ» وَقَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشُّعَبِيِّ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي قَوْمِهِ يُرِيدُ الشَّامَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ لَك أَنْ تَأْتِيَ الْكُوفَةَ وَأُنْفِلُكَ الثُّلُثَ مِنْ بَعْدِ الْخُمْسِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَشَيْءٍ؟

стр. 2105

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُنَفِّلُونَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ حَتَّى إذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخُمُسُ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِهِ الَّذِينَ سَمَّى، فَالنَّفَلُ مِنْهُ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَهُوَ خُمْسُ الْخُمْسِ، وَسَائِرُ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا مَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى إخْرَاجَهُ، أَوْ أَوْجَبَ إخْرَاجَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَيْسَ إلَّا السَّلَبُ جُمْلَةً لِلْقَاتِلِ، وَتَنْفِيلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرُّبْعِ فَأَقَلَّ، أَوْ الثُّلُثِ فِي الْقُفُولِ فَأَقَلَّ. وَكَذَلِكَ كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمْسِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تُقْسَمُ الْغَنَائِمُ كَمَا هِيَ بِالْقِيمَةِ وَلَا تُبَاعُ] ٩٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَتُقْسَمُ الْغَنَائِمُ كَمَا هِيَ بِالْقِيمَةِ وَلَا تُبَاعُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِبَيْعِهَا، وَتُعَجَّلُ الْقِسْمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَتُقْسَمُ الْأَرْضُ وَتُخَمَّسُ، كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ، وَلَا فَرْقَ، فَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى تَرْكِهَا أَوْقَفَهَا الْإِمَامُ حِينَئِذٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا، وَمَنْ أَسْلَمَ نَصِيبَهُ كَانَ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى حَقِّهِ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُبَاعُ الْغَنِيمَةُ وَتُقْسَمُ أَثْمَانُهَا وَتُوقَفُ الْأَرْضُ وَلَا تُقْسَمُ وَلَا تَكُونُ مِلْكًا لِأَحَدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَسَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ أَوْقَفَهَا، فَإِنْ أَوْقَفَهَا فَهِيَ مِلْكٌ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ، وَلَا تُقْسَمُ الْغَنَائِمُ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُبَيِّنُ مَا قُلْنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَثْمَانِ مَا غَنِمْتُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ نَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّهُمْ أَصَابُوا غَنَائِمَ فَقَسَمَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ» .

стр. 2106

فَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا قَسَّمَ أَعْيَانَ الْغَنِيمَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَقَّهُمْ إنَّمَا هُوَ فِيمَا غَنِمُوا، فَبَيْعُ حُقُوقِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ رِضًا مِنْ جَمِيعِهِمْ أَوَّلِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ لَا يَحِلُّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَإِنْ رَضِيَ الْجَيْشُ كُلُّهُمْ بِالْبَيْعِ إلَّا وَاحِدًا فَلَهُ ذَلِكَ وَيُعْطَى حَقَّهُ مِنْ عَيْنِ الْغَنِيمَةِ، وَيُبَاعُ إنْ أَرَادَ الْبَيْعَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَبِهَذَا جَاءَتْ الْآثَارُ فِي حُنَيْنٍ، وَبَدْرٍ، وَغَيْرِهِمَا، كَقَوْلِ عَلِيٍّ: إنَّهُ وَقَعَ لِي شَارِفٌ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَكَوُقُوعِ جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَعَتْ فِي سَهْمِي يَوْمَ جَلُولَاءَ جَارِيَةٌ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - وَغَيْرِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْخُمْسِ حَتَّى يُقْسَمَ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا وَأَمَّا تَعْجِيلُ الْقِسْمَةِ فَإِنَّ مَطْلَ ذِي الْحَقِّ لِحَقِّهِ ظُلْمٌ، وَتَعْجِيلَ إعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَرْضٌ، وَالْحَنَفِيُّونَ يَقُولُونَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ فَلَا سَهْمَ لَهُ. قَالَ: فَلَوْ خَرَجُوا عَنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَحِقَ بِهِمْ مَدَدٌ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحَقُّهُمْ مَعَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ - وَهَذَا ظُلْمٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَقَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ؛ بَلْ كُلُّ مَنْ شَهِدَ شَيْئًا مِنْ الْقِتَالِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ الْغَنِيمَةِ، أَوْ شَهِدَ شَيْئًا مِنْ جَمْعِ الْغَنِيمَةِ فَحَقُّهُ فِيهَا يُورَثُ عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا - فَهَلْ سُمِعَ بِظُلْمٍ أَقْبَحَ مِنْ مَنْعِ مَنْ قَاتَلَ وَغَنِمَ وَإِعْطَاءِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا غَنِمَ؟ وَأَمَّا الْأَرْضُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا. فَرُوِّينَا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَبِلَالًا، وَغَيْرَهُمْ دَعَوْا إلَى قِسْمَةِ الْأَرْضِ، وَأَنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا، وَمُعَاذًا، وَأَبَا عُبَيْدَةَ، رَأَوْا إبْقَاءَهَا رَأْيًا مِنْهُمْ، وَإِذْ تَنَازَعُوا فَالْمَرْدُودُ إلَيْهِ هُوَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّدَّ إلَيْهِ إذْ يَقُولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] فَوَجَدْنَا مَنْ قَلَّدَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ

стр. 2107

أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا افْتَتَحْت قَرْيَةَ إلَّا قَسَّمْتهَا كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: إقْرَارُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَّمَ خَيْبَرَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ ﵁ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لِآخِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ [فَهُوَ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَنْظَرَ لِأَوَّلِ الْمُسْلِمِينَ وَلِآخِرِهِمْ مِنْ عُمَرَ، فَمَا رَأَى هَذَا الرَّأْيَ؛ بَلْ أَبْقَى لِآخِرِ الْمُسْلِمِينَ مَا أَبْقَى لِأَوَّلِهِمْ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِمَّا الْغَنِيمَةُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ، وَأَبْقَى لَهُمْ مَوَارِيثَ مَوْتَاهُمْ، وَالتِّجَارَةَ، وَالْمَاشِيَةَ، وَالْحَرْثَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرَ الزُّبَيْرُ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَحَتَّى لَوْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَا ظَنُّوهُ بِهِ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، وَلَكَانَ رَأْيًا مِنْهُ غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَهُوَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ وَعُمَرُ قَوْلُهُ كَقَوْلِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ كَمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ عُمَرَ يُكَذِّبُ كُلَّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ أَحَادِيثَ مَكْذُوبَةٍ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُقَسِّمْ خَيْبَرَ كُلَّهَا، فَهُمْ دَأَبًا يَسْعَوْنَ فِي تَكْذِيبِ قَوْلِ عُمَرَ نَصْرًا لِرَأْيِهِمْ الْفَاسِدِ وَظَنِّهِمْ الْكَاذِبِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ عِشْت إلَى قَابِلٍ لَا تُفْتَحُ قَرْيَةٌ إلَّا قَسَّمْتهَا كَمَا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ -، فَهَذَا رُجُوعٌ مِنْ عُمَرَ إلَى الْقِسْمَةِ. وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ صَحِيحٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدَّهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا وَعُدْتُمْ كَمَا بَدَأْتُمْ» . قَالُوا: فَهَذَا هُوَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ يُوجِبُ إيقَافَهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَحْرِيفٌ مِنْهُمْ لِلْخَبَرِ بِالْبَاطِلِ وَادِّعَاءٌ مَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ بِلَا نَصٍّ وَلَا دَلِيلٍ، وَلَا يَخْلُو هَذَا الْخَبَرُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ فَقَطْ، أَوْ قَدْ يَجْمَعُهُمَا جَمِيعًا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَخْبَرَ ﷺ عَنْ الْجِزْيَةِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ إذَا فُتِحَتْ -

стр. 2108

وَهُوَ قَوْلُنَا - لِأَنَّ الْجِزْيَةَ بِلَا شَكٍّ وَاجِبَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا نَصَّ يُوجِبُ الْخَرَاجَ الَّذِي يَدَّعُونَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إنْذَارٌ مِنْهُ ﵇ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَمْنَعُونَ حُقُوقَهُمْ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَيَعُودُونَ كَمَا بَدَءُوا، وَهَذَا أَيْضًا حَقٌّ قَدْ ظَهَرَ - وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ - فَعَادَ هَذَا الْخَبَرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ فَلْنَذْكُرْ الْآنَ الْبَرَاهِينَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] فَسَوَّى تَعَالَى بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ وَلَمْ يُفَرِّقْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ مَا صَارَ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ مَالٍ، أَوْ أَرْضٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمُسْنَدِيُّ نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو نَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الْفَزَارِيّ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ حَدَّثَنِي ثَوْرٌ عَنْ سَالِمِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ " أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا، وَلَا فِضَّةً إنَّمَا غَنِمْنَا الْإِبِلَ، وَالْبَقَرَ، وَالْمَتَاعَ، وَالْحَوَائِطَ ". فَصَحَّ أَنَّ الْحَوَائِطَ، وَهِيَ: الضِّيَاعُ، وَالْبَسَاتِينُ: مَغْنُومَةٌ كَسَائِرِ الْمَتَاعِ فَهِيَ مُخَمَّسَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالْمُخَمَّسُ مَقْسُومٌ بِلَا خِلَافٍ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ لَا مَحِيصَ عَنْهُ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَخَيْبَرَ.

стр. 2109

ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ: أَنَّ مَالِكًا قَلَّدَ هَاهُنَا عُمَرَ، ثُمَّ فِيمَا ذَكَرْتُمْ وَقْفٌ، فَلَمْ يُخْبِرْ كَيْفَ يَعْمَلُ فِي خَرَاجِهَا، وَأَقَرَّ أَنَّهُ لَا يَدْرِي فِعْلَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَهَلْ فِي الْأَرْضِ أَعْجَبُ مِنْ جَهَالَةٍ تُجْعَلُ حُجَّةً؟ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَأَخَذَ فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ غَيْرِ قَوِيَّةٍ جَاءَتْ عَنْ عُمَرَ، وَتَرَكَ سَائِرَ مَا رُوِيَ عَنْهُ، وَتَحَكَّمُوا فِي الْخَطَأِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيصَالِ - وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ [وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ] فَكَيْفَ وَالرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ الصَّحِيحَةُ هِيَ قَوْلُنَا؟ كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَا أَبُو عُبَيْدٍ نَا هُشَيْمٌ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَتْ بَجِيلَةُ رُبْعَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَجَعَلَ لَهُمْ عُمَرُ رُبْعَ السَّوَادِ فَأَخَذُوا سَنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَوَفَدَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا جَرِيرُ لَوْلَا أَنِّي قَاسِمٌ مَسْئُولٌ لَكُنْتُمْ عَلَى مَا جُعِلَ لَكُمْ، وَأَرَى النَّاسَ قَدْ كَثُرُوا فَأَرَى أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَفَعَلَ جَرِيرٌ ذَلِكَ، فَقَالَتْ أُمُّ كُرْزٍ الْبَجَلِيَّةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ أَبِي هَلَكَ وَسَهْمُهُ ثَابِتٌ فِي السَّوَادِ وَإِنِّي لَمْ أُسْلِمْ. فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: يَا أُمَّ كُرْزٍ إنَّ قَوْمَك قَدْ صَنَعُوا مَا قَدْ عَلِمْت، فَقَالَتْ: إنْ كَانُوا صَنَعُوا مَا صَنَعُوا فَإِنِّي لَسْت أُسْلِمُ حَتَّى تَحْمِلَنِي عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ وَتَمْلَأُ كَفَّيَّ ذَهَبًا. فَفَعَلَ عُمَرُ ذَلِكَ، فَكَانَتْ الذَّهَبُ نَحْوَ ثَمَانِينَ دِينَارًا، فَهَذَا أَصَحُّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُنَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُوقِفْ حَتَّى اسْتَطَابَ نُفُوسَ الْغَانِمِينَ وَوَرَثَةَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ؛ وَهَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِعُمَرَ غَيْرُهُ، وَرُبَّ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ تَخْمِيسِهِ السَّلَبَ وَإِمْضَائِهِ سَائِرَهُ لِلْقَاتِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ عَجَائِبِهِمْ إسْقَاطُهُمْ الْجِزْيَةَ عَنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا أَسْلَمَ وَلَهُ أَرْضٌ وَضَعْنَا عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَأَخَذْنَا مِنْهُ خَرَاجَهَا. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ أُلَّيْسٍ أَسْلَمَا فَكَتَبَ

стр. 2110

عُمَرُ إلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنْ يَرْفَعَ الْجِزْيَةَ عَنْ رُءُوسِهِمَا وَأَنْ يَأْخُذَ الطَّسْقَ مِنْ أَرْضَيْهِمَا. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ دُهْقَانَةَ مِنْ نَهْرِ الْمَلِكِ أَسْلَمَتْ فَقَالَ عُمَرُ: ادْفَعُوا إلَيْهَا أَرْضَهَا تُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ. نَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الرَّفَيْلَ دُهْقَانَ النَّهْرَيْنِ أَسْلَمَ فَفَرَضَ لَهُ عُمَرُ فِي أَلْفَيْنِ، وَوَضَعَ عَنْ رَأْسِهِ الْجِزْيَةَ، وَأَلْزَمَهُ خَرَاجَ أَرْضِهِ. فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ ابْنِ عَوْنٍ مُرْسَلٌ؟ قُلْنَا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَإِذْ رُوِيَ الْمُرْسَلُ عَنْ مُعَاذٍ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ كَانَ حُجَّةً وَالْآنَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَلَا يُعْرَفُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ] ٩٥٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا الْإِسْلَامُ، أَوْ السَّيْفُ - الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ - حَاشَا أَهْلَ الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَهُمْ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسُ فَقَطْ، فَإِنَّهُمْ إنْ أَعْطُوا الْجِزْيَةَ أُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ الصَّغَارِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ كِتَابِيًّا مِنْ الْعَرَبِ خَاصَّةً فَالْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. وَأَمَّا الْأَعَاجِمُ فَالْكِتَابِيُّ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَيُقَرُّ جَمِيعَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا بَاطِلٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى عَرَبِيًّا مِنْ عَجَمِيٍّ فِي كِلَا الْحُكْمَيْنِ.

стр. 2111

وَصَحَّ أَنَّهُ ﵇ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجْرٍ؛ فَصَحَّ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا خَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ رَبِّهِ تَعَالَى. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «إنَّمَا أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ثُمَّ تُؤَدِّي إلَيْهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ، وَأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَجَمِ لَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ. فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَأَنَّهُ ﵇ إنَّمَا عَنَى بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ بَعْضَ الْعَجَمِ لَا كُلَّهُمْ، وَبَيَّنَ تَعَالَى مَنْ هُمْ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَطْ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ مُبَيِّنًا لِقَوْلِهِ ﵇: «تُؤَدِّي إلَيْكُمْ الْجِزْيَةَ» وَلَوْ قَلَبُوا لَأَصَابُوا وَهَذَا تَحَكُّمٌ بِالْبَاطِلِ. وَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ؟ فَقُلْنَا: أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعَرَبَ الْوَثَنِيِّينَ يُكْرَهُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْمُرْتَدَّ يُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكْرَهَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَصَحَّ أَنَّ [هَذِهِ] الْآيَةَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِنَّمَا هِيَ فِيمَنْ نَهَانَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نُكْرِهَهُ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ خَاصَّةً - وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٩٥٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالصَّغَارُ هُوَ أَنْ يَجْرِيَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ لَا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِنْ كُفْرِهِمْ، وَلَا مِمَّا يُحَرَّمُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ قَالَ : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وَبَنُو تَغْلِبَ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﷺ لَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَيَجْمَعُ الصَّغَارَ شُرُوطُ عُمَرَ ﵁ عَلَيْهِمْ. نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّحَّاسِ

стр. 2112

نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الصَّفَّارُ نَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبِيعُ بْنُ تَغْلِبَ نَا يَحْيَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الْعَيْزَارِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: كَتَبْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ: أَنْ لَا يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَلَا مَا حَوْلَهَا دَيْرًا، وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا قَلِيَّةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ مِنْهَا، وَلَا يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ، وَلَا يُؤْوُوا جَاسُوسًا، وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمْ الْقُرْآنَ، وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا، وَلَا يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ إنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُومُوا لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ: فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةٍ، وَلَا نَعْلَيْنِ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُوا بِكَلَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ، لَا يَرْكَبُوا سُرُجًا، وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلَا يَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ، وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُزُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُمَا كَانُوا، وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَلَا يُظْهِرُوا صَلِيبًا وَلَا شَيْئًا مِنْ كُتُبِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ، وَلَا يَضْرِبُوا نَاقُوسًا إلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا، وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُخْرِجُوا سَعَانِينَ وَلَا يَرْفَعُوا مَعَ مَوْتَاهُمْ أَصْوَاتَهُمْ، وَلَا يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ، وَلَا يَشْتَرُوا مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا شَرَطُوهُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ. وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا: أَنْ لَا يُجَاوِرُونَا بِخِنْزِيرٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ الصَّغَارِ أَنْ لَا يُؤْذُوا مُسْلِمًا، وَلَا يَسْتَخْدِمُوهُ، وَلَا يَتَوَلَّى أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ السُّلْطَانِ يَجْرِي لَهُمْ فِيهِ أَمْرٌ عَلَى مُسْلِمٍ [مَسْأَلَةٌ الْجِزْيَةُ لَازِمَةٌ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى] . ٩٦٠ - مَسْأَلَةٌ وَالْجِزْيَةُ لَازِمَةٌ لِلْحُرِّ مِنْهُمْ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالْفَقِيرِ الْبَاتِّ، وَالْغَنِيِّ الرَّاهِبِ سَوَاءٌ مِنْ الْبَالِغِينَ خَاصَّةً، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الدِّينَ لَازِمٌ لِلنِّسَاءِ كَلُزُومِهِ لِلرِّجَالِ وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمْ فِي

стр. 2113

الْجِزْيَةِ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ فَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى رُهْبَانِ الدِّيَارَاتِ، عَلَى كُلِّ رَاهِبٍ دِينَارَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ عُتَقَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ كَافِرٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ وَمَا نَعْلَمُ لِقَوْلِ مَالِكٍ حُجَّةً أَصْلًا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي إلَّا النِّسَاءَ؟ قُلْنَا: أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفْتُمْ هَذَا الْحُكْمَ فَأَسْقَطْتُمُوهَا عَنْ الْمُعْتَقِينَ، وَالرُّهْبَانِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا آثَارٌ مُرْسَلَةٌ وَهِيَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ عَوَّلُوا فِي أَخْذِ التَّبِيعِ مِنْ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْمُسِنَّةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ خَبَرٌ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ غَيْرَ حُجَّةٍ فِي غَيْرِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ «فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: مَنْ كَرِهَ الْإِسْلَامَ مِنْ يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يُحَوَّلُ عَنْ دِينِهِ وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ: دِينَارٌ وَافٍ مِنْ قِيمَةِ الْمَعَافِرِ أَوْ عَرَضِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مُعَاذٍ وَهُوَ بِالْيَمَنِ: فِي الْحَالِمِ، أَوْ الْحَالِمَةِ دِينَارٌ، أَوْ عِدْلُهُ مِنْ الْمَعَافِرِ»

стр. 2114

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ أَقْوَى مِنْ الْمُسْنَدِ وَيَأْخُذُونَ بِهِ إذَا وَافَقَهُمْ، فَالْفَرْضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا هَاهُنَا بِهَا فَلَا مُرْسَلَ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاسِيلِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّمَا مُعَوَّلُنَا عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ فَقَطْ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ؟ قُلْنَا: فَلَا تَأْخُذُوهَا مِنْ الْمَرْضَى، وَلَا مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ لَزِمُوا بُيُوتَهُمْ وَأَسْوَاقَهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلُوا مُسْلِمًا. فَإِنْ قَالُوا: أَوَّلُ الْآيَةِ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ إنْ قَاتَلُونَا حَتَّى يُعْطِيَ جَمِيعُهُمْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ كَمَا فِي نَصِّ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ يُقِيمُونَ أَضْعَافَ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ مَقَامَ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ يَضَعُونَهَا عَلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ يَأْبَوْنَ مِنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ النِّسَاءِ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ نَهَى عُمَرُ عَنْ أَخْذِهَا مِنْ النِّسَاءِ؟ قُلْنَا: قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ الْأَمْرُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُ، وَفِي أَلْفِ قَضِيَّةٍ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا، فَلَا نَدْرِي مَتَى هُوَ عُمَرُ حُجَّةٌ، وَلَا مَتَى هُوَ لَيْسَ حُجَّةً؟ فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا كُذِّبُوا، وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَجِدُوا نَهْيًا عَنْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عُمَرَ - وَمَسْرُوقٌ أَدْرَكَ مُعَاذًا وَشَاهَدَ حُكْمَهُ بِالْيَمَنِ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَاطَبَهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ النِّسَاءِ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُخَالِفَ مُعَاذٌ مَا كَتَبَ إلَيْهِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: يُقَاتَلُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَهَذَا عُمُومٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ - وَهُوَ قَوْلُنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ كِتَابِيٍّ.

стр. 2115

وَأَمَّا غَيْرُهُمْ: فَالْإِسْلَامُ، أَوْ الْقَتْلُ - الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ - وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ. فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ [كُلِّ] ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَبْقَى مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ لَا يُسْلِمُ، وَلَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي النِّسَاءِ مُكَلَّفَاتٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمُفَارَقَةِ الْكُفْرِ مَا يَلْزَمُ الرِّجَالَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، فَلَا يَحِلُّ إبْقَاؤُهُنَّ عَلَى الْكُفْرِ بِغَيْرِ قَتْلٍ وَلَا جِزْيَةٍ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا [قَدْ] ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَيُؤْمِنُوا بِمَا أُرْسِلْتُ بِهِ - فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» . وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللَّوَازِمَ كُلَّهَا هِيَ عَلَى النِّسَاءِ كَمَا هِيَ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَنَّ أَمْوَالَهُنَّ فِي الْكُفْرِ مَغْنُومَةٌ كَأَمْوَالِ الرِّجَالِ؛ فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُنَّ لَا يَعْصِمْنَ دِمَاءَهُنَّ وَأَمْوَالَهُنَّ إلَّا بِمَا يَعْصِمُ الرِّجَالُ بِهِ أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، أَوْ الْجِزْيَةِ إنْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ] ٩٦١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ لَا فِي عَسْكَرٍ وَلَا فِي غَيْرِ عَسْكَرٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» . وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ عَسْكَرٌ مَأْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَقَدْ يُهْزَمُ الْعَسْكَرُ الْمَأْمُونُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَرَضَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخَصُّ بِلَا نَصٍّ. [مَسْأَلَةٌ التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ] ٩٦٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إذَا كَانَتْ أَحْكَامُهُمْ تَجْرِي عَلَى التُّجَّارِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ إلَيْهِمْ سِلَاحٌ، وَلَا خَيْلٌ، وَلَا شَيْءٌ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

стр. 2116

وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَغَيْرِهِمْ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ لِغَيْرِ جِهَادٍ، أَوْ رِسَالَةٍ مِنْ الْأَمِيرِ فَإِقَامَةُ سَاعَةٍ إقَامَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَفَرَضَ عَلَيْنَا إرْهَابَهُمْ، وَمَنْ أَعَانَهُمْ بِمَا يَحْمِلُ إلَيْهِمْ فَلَمْ يُرْهِبْهُمْ؛ بَلْ أَعَانَهُمْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِمَّا غَنِمَ الْجَيْشُ] ٩٦٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا غَنِمَ جَيْشٌ، أَوْ سَرِيَّةٌ شَيْئًا خَيْطًا فَمَا فَوْقَهُ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ فَحَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا اُضْطُرُّوا إلَى أَكْلِهِ وَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا غَيْرَهُ. وَأَمَّا مَا يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ فَجَائِزٌ إفْسَادُهُ وَأَكْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُضْطَرُّوا إلَيْهِ. وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا مَلَكُوهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَمْلِكُوهُ مِنْ صَيْدٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ عَوْدِ شَعْرٍ، أَوْ ثِمَارٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ كُلُّهُ مُبَاحٌ كَمَا هُوَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَلَا فَرْقَ، قَالَ : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى فَبَيْنَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ؛ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلًّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْغَنَائِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا؛

стр. 2117

فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ شِرَاكَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ ﵇: شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» وَالطَّعَامُ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمْ. فَإِنْ ذَكَر ذَاكِرٌ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ «غَنِمَ جَيْشٌ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْخُمُسُ» فَهَذَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنْ كَثُرَ ذَلِكَ وَأَمْكَنَ حَمْلُهُ خُمِّسَ وَلَا بُدَّ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ الْآيَةَ زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: ٤١] . وَحَدِيثُ الْغُلُولِ زَائِدٌ عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْخُمْسِ لَا يَجُوزُ إلَّا هَذَا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالزَّائِدِ فَرْضٌ لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ، وَحَدِيثَ الْغُلُولِ غَيْرُ مَنْسُوخَيْنِ مُذْ نَزَلَا. فَإِنْ ذَكَرُوا أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ " كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعِنَبَ وَالْعَسَلَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ " فَهَذَا بَيِّنٌ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ؛ إذْ لَمْ يَرْفَعُوهُ فَأَكْلُهُ خَيْرٌ مِنْ إفْسَادِهِ، أَوْ تَرْكِهِ، وَهَكَذَا نَقُولُ. فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ ابْنِ مُغَفَّلٍ فِي جِرَابِ الشَّحْمِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ فَيَقُولُونَ: لَا يَحِلُّ أَخْذُ الْجِرَابِ وَإِنَّمَا يَحِلُّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الشَّحْمُ فَقَطْ. وَهَذَا خَبَرٌ قَدْ رُوِّينَاهُ بِزِيَادَةِ بَيَانٍ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَا: نَا شُعْبَةُ عَنْ حَمِيدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ «كُنَّا مُحَاصِرِي خَيْبَرَ فَدُلِّيَ إلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ شَحْمٌ فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ وَنَوَيْنَا أَنْ لَا نُعْطِيَ أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفِي يَبْتَسِمُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ آخُذَهُ» . ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ لَكَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا

стр. 2118

رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَعَجَّلُوا فَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ» فَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ أَكْلَ شَيْءٍ إذْ قَدْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ قَدْ حَضَرَتْ فَيَصِلُ كُلُّ ذِي حَقٍّ إلَى حَقِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٩٦٤ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَغَنِمَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْخُمْسُ فِيمَا أُصِيبَ، وَالْبَاقِي لِمَنْ غَنِمَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٩] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا خُمُسَ إلَّا فِيمَا أَصَابَتْهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تِسْعَةٌ فَأَكْثَرُ - وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِمُخَالَفَتِهَا الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ، وَالْمَعْقُولَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] فَلَمْ يَخُصَّ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَلَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَوْ أَنَّ إمَامًا نَهَى عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَوَجَبَتْ مَعْصِيَتُهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ لَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] وَهَذَا خِطَابٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَكُلُّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِالْجِهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] . [مَسْأَلَةٌ الْخُرُوج لِلسَّفَرِ يَوْمَ الْخَمِيسِ] ٩٦٥ - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ الْخُرُوجَ لِلسَّفَرِ يَوْمَ الْخَمِيسِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا

стр. 2119

مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ» . ٩٦٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ نَهَارًا فَلَا يَدْخُلُ إلَّا لَيْلًا، وَمَنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلَا يَدْخُلُ إلَّا نَهَارًا إلَّا لِعُذْرٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ يَسَارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلًا فَلَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» . وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ يَسَارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ ﵇: أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا كَيْ تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» [مَسْأَلَةٌ لَا تُقَلَّد الْإِبِلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْجَرَسُ فِي الرِّفَاقِ] ٩٦٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقَلَّدَ الْإِبِلُ فِي أَعْنَاقِهَا شَيْئًا، وَلَا أَنْ يُسْتَعْمَلُ الْجَرَسُ فِي الرِّفَاقِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ «أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَرْسَلَ ﵇ رَسُولًا: لَا تُبْقِيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةً إلَّا قَطَعْتَ» وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ، أَوْ جَرَسٌ» . وَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ الْجَرَسِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْي عَنْ تَقْلِيدِ أَعْنَاقِ الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا أَثَرٌ

стр. 2120

[مَسْأَلَةٌ تَحْلِيَةُ السُّيُوفِ وَالرُّمْحِ وَالسُّرُجِ وَاللِّجَامِ بِالْفِضَّةِ وَالْجَوْهَرِ] مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ تَحْلِيَةُ السُّيُوفِ، وَالدَّوَاةِ، وَالرُّمْحِ، وَالْمَهَامِيزِ، وَالسُّرُجِ، وَاللِّجَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِالْفِضَّةِ وَالْجَوْهَرِ وَلَا شَيْءَ مِنْ الذَّهَبِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ : ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] فَأَبَاحَ لَنَا لِبَاسَ اللُّؤْلُؤِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، فَكُلُّ شَيْءٍ فَهُوَ حَلَالٌ إلَّا مَا فُصِّلَ لَنَا تَحْرِيمُهُ وَلَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُ الْفِضَّةِ أَصْلًا إلَّا فِي الْآنِيَةِ فَقَطْ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ نَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِضَّةً» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقَاسَ قَوْمٌ عَلَى السَّيْفِ وَالْخَاتَمِ الْمُصْحَفَ وَالْمِنْطَقَةَ وَمَنَعُوا مِنْ سَائِرِ ذَلِكَ؛ فَلَا الْقِيَاسَ طَرَدُوا وَلَا النُّصُوصَ اتَّبَعُوا. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ تَحْرِيمِهِمْ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ فِي السُّرُجِ وَاللِّجَامِ وَلَا نَهْيَ فِي ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِمْ لِبَاسَ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ جُمْلَةً [مَسْأَلَةٌ الرِّبَاطُ فِي الثُّغُورِ] ٩٦٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالرِّبَاطُ فِي الثُّغُورِ حَسَنٌ، وَلَا يَحِلُّ الرِّبَاطُ إلَى مَا لَيْسَ ثَغْرًا - كَانَ فِيمَا مَضَى ثَغْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ - وَهُوَ بِدْعَةٌ عَظِيمَةٌ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامُ الدَّارِمِيُّ نَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نَا لَيْثٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ سَمِعْتُ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنَّ مَنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ مِنْ الْفَتَّانِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ سِوَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كَانَ ثَغْرًا وَدَارَ

стр. 2121

حَرْبٍ، وَمَغْزَى جِهَادٍ؛ فَتَخْصِيصُ مَكَان مِنْ الْأَرْضِ كُلِّهَا بِالْقَصْدِ لِأَنَّ الْعَدُوَّ ضَرَبَ فِيهِ دُونَ سَائِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا ضَلَالٌ، وَحُمْقٌ، وَإِثْمٌ، وَفِتْنَةٌ، وَبِدْعَةٌ. فَإِنْ كَانَ لِمَسْجِدٍ فِيهِ فَهَذَا أَشَدُّ فِي الضَّلَالِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ السَّفَرِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ حَاشَا مَسْجِدَ مَكَّةَ، وَمَسْجِدَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَإِنْ كَانَ سَاحِلَ بَحْرٍ فَسَاحِلُ الْبَحْرِ كُلِّهِ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ إلَى غَرْبِهَا سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَاحِلِ بَحْرٍ وَسَاحِلِ نَهْرٍ فِي الدِّينِ، وَلَا فَضْلَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ أَثَرُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَالْقَصْدُ إلَيْهِ حَسَنٌ، قَدْ تَبَرَّكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَوْضِعِ مُصَلَّاهُ وَاسْتَدْعُوهُ لِيُصَلِّيَ فِي بُيُوتِهِمْ فِي مَوْضِعٍ يَتَّخِذُونَهُ مُصَلًّى فَأَجَابَ إلَى ذَلِكَ ﵇ [مَسْأَلَةٌ تَعْلِيمُ الرَّمْي عَلَى الْقَوْسِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ] . ٩٧٠ - مَسْأَلَةٌ: وَتَعْلِيمُ الرَّمْي عَلَى الْقَوْسِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ فَضْلٌ حَسَنٌ سَوَاءٌ الْعَرَبِيَّةُ وَالْعَجَمِيَّةُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ نَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمْ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِسَهْمِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ " إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى» [مَسْأَلَةٌ الْمُسَابَقَةُ بِالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَعَلَى الْأَقْدَامِ] . ٩٧١ - مَسْأَلَةٌ: وَالْمُسَابَقَةُ بِالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَعَلَى الْأَقْدَامِ: حَسَنٌ، وَالْمُنَاضَلَةُ بِالرِّمَاحِ، وَالنَّبَلِ، وَالسُّيُوفِ: حَسَنٌ.

стр. 2122

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأَنْطَاكِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ قَالَتْ سَابَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلِي فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ هُوَ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي حَافِرٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخُفُّ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْإِبِلِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَالْحَافِرُ فِي اللُّغَةِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ. وَالنَّصْلُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى السَّيْفِ، وَالرُّمْحِ، وَالنَّبْلِ. وَالسَّبَقُ هُوَ مَا يُعْطَاهُ السَّابِقُ. ٩٧٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالسَّبَقُ هُوَ أَنْ يُخْرِجَ الْأَمِيرُ، أَوْ غَيْرُهُ مَالًا يَجْعَلُهُ لِمَنْ سَبَقَ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَهَذَا حَسَنٌ. وَيُخْرِجُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا مَالًا فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: إنْ سَبَقْتنِي فَهُوَ لَك، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ لَك عَلَيَّ، وَلَا شَيْءَ لِي عَلَيْك، فَهَذَا حَسَنٌ. فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يَجُوزَانِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ مَالٍ فِي سَبَقٍ غَيْرِ هَذَا أَصْلًا لِلْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالًا يَكُونُ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ أَصْلًا إلَّا فِي الْخَيْلِ فَقَطْ. ثُمَّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْخَيْلِ أَيْضًا إلَّا بِأَنْ يُدْخِلَا مَعَهَا فَارِسًا عَلَى فَرَسٍ يُمْكِنُ

стр. 2123

أَنْ يَسْبِقَهُمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَسْبِقَهُمَا، وَلَا يُخْرِجُ هَذَا الْفَارِسُ مَالًا أَصْلًا فَأَيُّ الْمُخْرِجَيْنِ لِلْمَالِ سَبَقَ أَمْسَكَ مَالَهُ نَفْسَهُ وَأَخَذَ مَا أَخْرَجَ صَاحِبُهُ حَلَالًا، وَإِنْ سَبَقَهُمَا الْفَارِسُ الَّذِي أَدْخَلَا وَهُوَ يُسَمَّى الْمُحَلِّلُ أَخَذَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا فَإِنْ سُبِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَمَا عَدَا هَذَا فَحَرَامٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى السَّابِقِ إطْعَامُ مَنْ حَضَرَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ نَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ - يَعْنِي - وَهُوَ لَا يُؤْمِنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا عَدَا هَذَا فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2124

[كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ] [ مَسْأَلَةٌ الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ] ٩٧٣ - مَسْأَلَةٌ: الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَلَيْسَتْ فَرْضًا، وَمَنْ تَرَكَهَا غَيْرَ رَاغِبٍ عَنْهَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَمَنْ ضَحَّى عَنْ امْرَأَتِهِ، أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَتِهِ فَحَسَنٌ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ إذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ، لَا بِحَلْقٍ، وَلَا بِقَصٍّ وَلَا بِنُورَةٍ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ نَا أَبِي نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو نَا عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْت أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَأَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» .

стр. 2125

وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيّ ثِقَةٌ أَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ» . فَقَوْلُهُ ﵇: " فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ بُرْهَانٌ بِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مَرْدُودَةٌ إلَى إرَادَةِ الْمُسْلِمِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ فَرْضًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُضْحِيَّةُ فَرْضٌ، وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ زَوْجَتِهِ - فَجَمَعَ وُجُوهًا مِنْ الْخَطَأِ، أَوَّلُهَا: إيجَابُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ إيجَابُهَا عَلَى امْرَأَتِهِ؛ وَإِذْ هِيَ فَرْضٌ فَهِيَ

стр. 2126

كَالزَّكَاةِ، وَمَا يَلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ امْرَأَتِهِ، وَلَا أَنْ يُهْدِيَ عَنْهَا هَدْيَ مُتْعَةٍ، وَلَا جَزَاءَ صَيْدٍ، وَلَا فِدْيَةَ حَلْقِ الرَّأْسِ مِنْ الْأَذَى. ثُمَّ خِلَافُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ لَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفْرِهِ شَيْئًا كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَا تَكُونُ فَرْضًا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ فَرْضًا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ: أَنْ لَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفْرِهِ إذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُضَحِّيَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْأُضْحِيَّةِ، فَلَمْ نَتَعَدَّ مَا حَدَّ، وَكُلُّ سُنَّةٍ لَيْسَتْ فَرْضًا، فَإِنَّ لَهَا حُدُودًا مَفْرُوضَةً لَا تَكُونُ إلَّا بِهَا كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِصَلَاةٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَلَّا يُصَلِّيَهَا إلَّا بِوُضُوءٍ، وَإِلَى الْقِبْلَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا، وَأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا وَيَرْكَعَ، وَيَسْجُدَ، وَيَجْلِسَ وَلَا بُدَّ، وَكَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُومَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَجْتَنِبُهُ الصَّائِمُ وَإِلَّا فَلَيْسَ صَوْمًا. وَهَكَذَا كُلُّ تَطَوُّعٍ فِي الدِّيَانَةِ، وَالْأُضْحِيَّةُ كَذَلِكَ إنْ أَدَّاهَا كَمَا أُمِرَ وَإِلَّا فَهِيَ شَاةُ لَحْمٍ وَلَيْسَتْ أُضْحِيَّةً. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ ﵇ دَلِيلًا عِنْدَكُمْ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ فَرْضًا، بَلْ هِيَ عِنْدَكُمْ فَرْضٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نَصٌّ آخَرُ بِإِيجَابِ الْوَصِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى:

стр. 2127

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] الْآيَةَ فَأَخَذْنَا بِهَذَا وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِيجَابِ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَوْ جَاءَ لَأَخَذْنَا بِهِ. وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ مِنْهَا - خَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِي رَمْلَةَ عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِعَرَفَةَ: إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَى وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّاسُ الرَّجَبِيَّةَ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مِخْنَفٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِعَرَفَةَ «عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أَنْ يَذْبَحُوا فِي كُلِّ رَجَبٍ شَاةً وَفِي كُلِّ أَضْحَى شَاةً» . وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ نَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ نَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ زُرَارَةَ بْنِ كَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 2128

حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ شَاءَ فَرَّعَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ وَمَنْ شَاءَ عَتَرَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ، وَفِي الْغَنَمِ أُضْحِيَّتُهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ الطَّبَرِيِّ أَيْضًا -: حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى حَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أُمِّ بِلَالٍ الْأَسْلَمِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ضَحُّوا بِالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ بِالْأَضْحَى وَلَمْ تُكْتَبْ» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ ابْنِ أَنْعُمٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ الضَّبِّيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أَنْ نُضَحِّيَ وَيَأْمُرُ أَنْ نُطْعِمَ مِنْهَا الْجَارَ وَالسَّائِلَ» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا الرَّبِيعُ عَنْ الْحَسَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْأَضْحَى» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلْيُضَحِّ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي نَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزٍ الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبْ مُصَلَّانَا» وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.

стр. 2129

أَمَّا حَدِيثُ مِخْنَفٍ فَعَنْ أَبِي رَمْلَةَ الْغَامِدِيِّ، وَحَبِيبِ بْنِ مِخْنَفٍ - وَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى. وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَارِثِ فَهُوَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِيهِ - وَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى. وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ بِلَالٍ فَفِيهِ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى - هِيَ مَجْهُولَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَيَّاشٍ فَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ - وَهُوَ كَذَّابٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ فَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَابْنُ أَنْعُمٍ - وَكِلَاهُمَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ فَمُرْسَلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - فَكِلَا طَرِيقَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ فَلَيْسَ مَعْرُوفًا بِالثِّقَةِ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فَقَالُوا: هُوَ الْأُضْحِيَّةُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمَا: «أَنَّهُ وَضَعَ الْيَدَ عِنْدَ النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ» ، وَلَعَلَّهُ نَحْرُ الْبُدْنِ فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ. كَمَا رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ - وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُمْ قَالَ: إنَّهَا الْأَضَاحِيُّ. وَذَكَرُوا أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] وَهَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ النُّسُكَ لَنَا فَهُوَ فَضْلٌ لَا فَرْضٌ. وَذَكَرُوا الْخَبَرَ الصَّحِيحَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ ذَبْحًا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ» .

стр. 2130

قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا أَمْرُهُ ﵇ بِإِعَادَةِ الذَّبْحِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مِنْهُ ﵇، وَلَا نَكِرَةَ فِي وُجُودِ أَمْرٍ فِي الدِّينِ لَيْسَ فَرْضًا وَيَكُونُ الْعِوَضُ مِنْهُ فَرْضًا - فَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا فِيمَنْ تَطَوَّعَ بِيَوْمٍ لَيْسَ فَرْضًا فَأَفْطَرَ عَمْدًا أَنَّ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ فَرْضٌ. وَيَقُولُونَ فِيمَنْ حَجَّ تَطَوُّعًا فَأَفْسَدَهُ: أَنَّ قَضَاءَهُ فَرْضٌ، وَإِنَّمَا يُرَاعِي أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ فَمَا وُجِدَ فِيهِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ فَلَيْسَ فَرْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ» فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرَ فَرْضٍ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ ضَحَّى بِبَعِيرٍ فَنَحَرَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضًا أَنْ يَذْبَحَ - فَصَحَّ أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ إيجَابَ الْأُضْحِيَّةِ: مُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: لَمْ يَكُونُوا يُرَخِّصُونَ فِي تَرْكِ الْأُضْحِيَّةِ إلَّا لِحَاجٍّ، أَوْ مُسَافِرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يَصِحُّ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي سُرَيْحَةَ حُذَيْفَةَ بْنَ أُسَيْدَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَا يُضَحِّيَانِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِمَا. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ هُوَ شَقِيقُ بْنِ سَلَمَةَ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَدَعَ الْأُضْحِيَّةَ وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ مَخَافَةَ أَنْ يَحْسِبَ النَّاسُ أَنَّهَا حَتْمٌ وَاجِبٌ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الْجُعْفِيُّ - عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ لِي بِلَالٌ: مَا كُنْت أُبَالِي لَوْ ضَحَّيْت بِدِيكٍ، وَلَأَنْ آخُذَ ثَمَنَ الْأُضْحِيَّةِ فَأَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ مُقْتِرٍ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ.

стр. 2131

وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حُوَيْصٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: ضَلَّتْ أُضْحِيَّتِي قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَهَا فَسَأَلْت ابْنِ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: لَا يَضُرُّك - هَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ -: وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَعْطَى مَوْلًى لَهُ دِرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اشْتَرِ بِهِمَا لَحْمًا وَمَنْ لَقِيَك فَقُلْ: هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَاجِبَةٌ. وَصَحَّ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَأَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ طَاوُسٍ، وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ. [مَسْأَلَةٌ لَا تَجْزِي الْعَرْجَاءُ فِي الْأُضْحِيَّةِ] ٩٧٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، بَلَغَتْ الْمَنْسَكَ أَوْ لَمْ تَبْلُغْ، مَشَتْ أَوْ لَمْ تَمْشِ. وَلَا الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا - وَالْجَرَبُ مَرَضٌ - فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا لَا يَبِينُ أَجْزَأَ. وَلَا تَجْزِي الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي وَلَا تَجْزِي الَّتِي فِي أُذُنِهَا شَيْءٌ مِنْ النَّقْصِ أَوْ الْقَطْعِ، أَوْ الثَّقْبِ النَّافِذِ، وَلَا الَّتِي فِي عَيْنِهَا شَيْءٌ مِنْ الْعَيْبِ، أَوْ فِي عَيْنَيْهَا كَذَلِكَ، وَلَا الْبَتْرَاءُ فِي ذَنَبِهَا. ثُمَّ كُلُّ عَيْبٍ سِوَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهَا تَجْزِي بِهِ الْأُضْحِيَّةُ كَالْخَصْيِ، وَكَسْرِ الْقَرْنِ دَمِيَ، أَوْ لَمْ يَدْمَ - وَالْهَتْمَاءُ وَالْمَقْطُوعَةُ الْأَلْيَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا تَحَاشَّ شَيْئًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ كُلِّهِمْ: نَا شُعْبَةُ سَمِعْت سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ فَيْرُوزَ أَنَّ

стр. 2132

الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِي فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي» . قَالَ الْبَرَاءُ: فَمَا كَرِهْت مِنْهُ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ. قَالَ عَلِيٌّ: الَّتِي لَا تُنْقِي هِيَ الَّتِي لَا شَيْءَ مِنْ الشَّحْمِ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ شَيْءٌ - وَإِنْ قَلَّ - أَجْزَأَتْ عَنْهُ - وَإِنْ كَانَتْ عَجْفَاءَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا بِمُدَابَرَةٍ، وَلَا بَتْرَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - نَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ - وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ، وَالْأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ» . قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ: مَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ: تَقْطَعُ طَرَفَ الْأُذُنِ، قُلْت: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ تَقْطَعُ مُؤَخِّرَ الْأُذُنِ، قُلْت فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ: تَشُقُّ الْأُذُنَ، قُلْت: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: تَخْرِقُ أُذُنَهَا السِّمَةُ. نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيّ نَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ نَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ نَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْأَضَاحِيِّ قَالَ قَيْسٌ: قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْته مِنْ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَشْوَعَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: نَا عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ فَارِسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيل الْبُخَارِيِّ مُؤَلِّفِ الصَّحِيحِ قَالَ شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ الصَّايِدِيُّ: سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ

стр. 2133

أَبُو نُعَيْمٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَشْوَعَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَلِيمَةُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ - وَسَعِيدُ بْنُ أَشْوَعَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ. فَصَحَّ هَذَا الْخَبَرُ، وَبِهِ يَقُولُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِهَذَا وَقَالَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: لَا مُقَابَلَةَ، وَلَا مُدَابَرَةَ، وَلَا شَرْقَاءَ، سَلِيمَةُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَلِيمُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ كَرِهَ نَاقِصَ الْخَلْقِ وَالسِّنِّ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُضَحَّى بِالْأَبْتَرِ. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُضَحَّى بِالْأَبْتَرِ. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُضَحَّى بِالْأَبْتَرِ. وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يُضَحَّى بِالْأَبْتَرِ، وَاحْتَجُّوا بِأَثَرَيْنِ رَدِيئَيْنِ - أَحَدُهُمَا: مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَرَظَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «اشْتَرَيْتُ كَبْشًا لِأُضَحِّيَ بِهِ فَعَدَا الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ فَقَطَعَهُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ» ، وَالْآخَرُ: مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُضَحَّى بِالْبَتْرَاءِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا» . جَابِرٌ كَذَّابٌ، وَحَجَّاجٌ سَاقِطٌ، وَعَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ رِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْحَكَمِ: إجَازَةُ الْبَتْرَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةِ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّ الْقَطْعَ فِي الْأُذُنِ بِالنِّصْفِ فَأَكْثَرَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَانِ -: أَحَدُهُمَا: إنْ ذَهَبَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْأُذُنِ، أَوْ الذَّنَبِ، أَوْ الْأَلْيَةِ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ:

стр. 2134

أَجْزَأَتْ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنْ ذَهَبَ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا لَمْ تُجْزِ. وَالْآخَرُ - أَنَّهُ حَدَّ ذَلِكَ بِالنِّصْفِ مَكَانَ الثُّلُثِ. قَالَ: فَإِنْ خُلِقَتْ بِلَا أُذُنٍ أَجْزَأَتْ - وَرُوِيَ عَنْهُ لَا تُجْزِي. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْقَرْنُ ذَاهِبًا لَا يَدْمَى أَجْزَأَتْ، فَإِنْ كَانَ يَدْمَى لَمْ تُجْزِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ فِي الْعَرْجَاءِ: إذَا بَلَغَتْ الْمَنْسَكَ: أَجْزَأَتْ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ أَقْوَالٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُعْرَفُ التَّحْدِيدُ الْمَذْكُورُ بِالثُّلُثِ، أَوْ النِّصْفِ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقِ لَا تَصِحُّ فِي الْعَرْجَاءِ إذَا بَلَغَتْ الْمَنْسَكَ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ الْمَنْعُ مِنْ الْعَرْجَاءِ جُمْلَةً. وَيُقَالُ لِمَنْ صَحَّحَ هَذَا: إنَّ الْمَنْسَكَ قَدْ يَكُونُ عَلَى ذِرَاعٍ وَأَقَلَّ وَيَكُونُ عَلَى فَرْسَخٍ فَأَيَّ ذَلِكَ تُرَاعُونَ؟ وَرُوِيَ فِي الْأَعْضَبِ أَثَرٌ: أَنَّهُ لَا يُجْزِي - وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيِّ بْنِ كُلَيْبٍ، وَلَيْسَ مَشْهُورًا عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ عَنْ عَلِيٍّ. وَجَاءَ خَبَرٌ فِي أَنَّهُ لَا تُجْزِي الْمُسْتَأْصَلَةُ قَرْنُهَا - وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُمَيْدٍ الرُّعَيْنِيُّ عَنْ أَبِي مُضَرَ - وَهُمَا مَجْهُولَانِ. وَحَدِيثٌ آخَرُ فِي أَنَّهُ لَا تُجْزِي الْجَدْعَاءُ - وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ. [مَسْأَلَةٌ الْجَذَع مِنْ الضَّأْنِ فِي الْأُضْحِيَّةِ] ٩٧٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُجْزِي فِي الْأَضَاحِيِّ جَذَعَةٌ وَلَا جَذَعٌ أَصْلًا لَا مِنْ الضَّأْنِ وَلَا مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ - وَيُجْزِي مَا فَوْقَ الْجَذَعِ، وَمَا دُونَ الْجَذَعِ، وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ، وَالْمَاعِزِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْبَقَرِ: هُوَ مَا أَتَمَّ عَامًا كَامِلًا وَدَخَلَ فِي الثَّانِي مِنْ أَعْوَامِهِ، فَلَا يَزَالُ جَذَعًا حَتَّى يُتِمَّ عَامَيْنِ وَيَدْخُلَ فِي الثَّالِثِ فَيَكُونُ ثَنِيًّا حِينَئِذٍ. هَكَذَا قَالَ فِي الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ الْكِسَائِيُّ، وَالْأَصْمَعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَهَؤُلَاءِ عُدُولُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ. وَقَالَهُ الْعَدَبَّسُ الْكِلَابِيُّ، وَأَبُو فَقْعَسٍ الْأَسَدِيُّ، وَهُمَا ثِقَتَانِ فِي اللُّغَةِ.

стр. 2135

وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْبَقَرِ وَالظِّبَاءِ أَبُو فَقْعَسٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ. وَالْجَذَعُ مِنْ الْإِبِلِ مَا أَكْمَلَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي الْخَامِسَةِ، فَهُوَ جَذَعٌ إلَى أَنْ يَدْخُلَ السَّادِسَةَ فَيَكُونُ ثَنِيًّا - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا اشْتَرَيْت أُضْحِيَّةً فَاسْتَسْمِنْ فَإِنْ أَكَلْت أَكَلْت طَيِّبًا، وَإِنْ أَطْعَمْت أَطْعَمْت طَيِّبًا، وَاشْتَرِ ثَنِيًّا فَصَاعِدًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ نَا هُبَيْرَةُ بْنُ يَرِيمَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: ضَحُّوا بِثَنِيٍّ فَصَاعِدًا، وَسَلِيمِ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ضَحُّوا بِثَنِيٍّ فَصَاعِدًا، وَلَا تُضَحُّوا بِأَعْوَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تُجْزِي إلَّا الثَّنِيَّةُ فَصَاعِدًا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا حُصَيْنٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: رَأَيْت هِلَالَ بْنَ يَسَافٍ يُضَحِّي بِجَذَعٍ مِنْ الضَّأْنِ فَقُلْت: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ يُضَحِّي بِجَذَعٍ مِنْ الضَّأْنِ. فَهَذَا حُصَيْنٌ قَدْ أَنْكَرَ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ فِي الْأُضْحِيَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: يُجْزِي مَا دُونَ الْجَذَعِ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ وَاحِدٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ عَنْ

стр. 2136

الْحَسَنِ قَالَ: يُجْزِي الْحُوَارُ عَنْ وَاحِدٍ يَعْنِي الْأُضْحِيَّةَ وَالْحُوَارُ هُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ سَاعَةَ تَلِدُهُ. وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا هَذَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ «أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ قَالَ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ وَلَا تُجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْيَامِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ: «أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ قَالَ: اذْبَحْهَا وَلَنْ تُجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» .

стр. 2137

وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْبَرَاءَ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ أَيْضًا. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَقَطَعَ ﵇ أَنْ لَا تُجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَ أَبِي بُرْدَةَ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَخْصِيصُ نَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بِذَلِكَ؛ وَلَوْ أَنَّ مَا دُونَ الْجَذَعَةِ لَا يُجْزِي لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَأْمُورُ بِالْبَيَانِ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُتَعَسِّفِينَ فَقَالَ: إنَّ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ هَذَا قَدْ رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ فَقَالَ فِيهِ «إنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعَةً فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ؟ . قُلْنَا: نَعَمْ، وَالْعَنَاقُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الضَّانِيَةِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْمَاعِزَةِ وَلَا فَرْقَ. وَقَالَ الْعَدَبَّسُ الْكِلَابِيُّ، وَأَبُو فَقْعَسٍ الْأَسَدِيُّ، وَكِلَاهُمَا مِمَّا نَقَلَ الْأَئِمَّةُ عَنْهُمَا اللُّغَةَ: الْجَفْرُ، وَالْعَنَاقُ، وَالْجَدْيُ، مِنْ أَوْلَادِ الْمَاعِزِ إذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ. فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ مُطَرِّفَ بْنَ طَرِيفٍ رَوَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ فَذَكَرَ فِيهِ «أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ، قَالَ: اذْبَحْهَا وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ» . قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا كُلَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ عَنْ قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ، فَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ الْبَرَاءِ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تُجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» هِيَ

стр. 2138

الزَّائِدَةُ مَا لَمْ يَرْوِهِ مَنْ لَمْ يَرْوِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ خَبَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَحُكْمٌ وَارِدٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا تَرْكُهُ.

стр. 2139

وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بِرِوَايَةِ مُطَرِّفٍ هَذَا مَنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْجَذَعِ إلَّا مِنْ الْمَاعِزِ فَقَطْ، وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ الْجِذَاعِ كُلِّهَا مِمَّا عَدَا الضَّأْنِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2140

كَمَا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ قَدْ رَوَاهُ زَكَرِيَّا عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ: «أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنَّ عِنْدِي شَاةً خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ؟ قَالَ: ضَحِّ بِهَا فَإِنَّهَا خَيْرُ نَسِيكَةٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا «لَا تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» . وَكَذَلِكَ رِوَايَتُنَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ قَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي جَذَعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ أَفَأَذْبَحُهَا؟ فَرَخَّصَ لَهُ» . قَالَ أَنَسٌ: فَلَا أَدْرِي أَبْلَغَتْ رُخْصَةٌ مِنْ سِوَاهُ أَمْ لَا؟ فَلَمْ يَجْعَلْ الْمُخَالِفُونَ سُكُوتَ زَكَرِيَّا عَمَّا زَادَهُ غَيْرُهُ مِنْ بَيَانِ أَنَّهُ خُصُوصٌ، وَلَا سُكُوتَ أَنَسٍ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا - وَمَغِيبُ ذَلِكَ عَنْهُ حُجَّةٌ فِي رَدِّ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا غَيْرُهُمَا فَمَا الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَاجِبًا أَخْذُهَا، وَزِيَادَةُ مَنْ زَادَ لَفْظَةَ " الْجَذَعَةِ " لَا يَجِبُ أَخْذُهَا؟ إنَّ هَذَا لَتَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ جَاءَ خَبَرٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشْغَبَ بِهِ، وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ قَالُوا: بَلَى ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ ثُمَّ انْكَفَأَ إلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا وَإِلَى جَذِيعَةٍ مِنْ الْغَنَمِ فَقَسَّمَهَا بَيْنَنَا» . قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ إيَّاهَا لِيُضَحُّوا بِهَا، وَلَا أَنَّهُمْ ضَحَّوْا بِهَا وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَالْكَذِبُ لَا يَحِلُّ. وَأَيْضًا فَاسْمُ الْغَنَمِ يَقَعُ عَلَى الْمَاعِزِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الضَّأْنِ، فَإِنْ كَانَ حُجَّةً لَهُمْ فِي إبَاحَةِ التَّضْحِيَةِ بِالْجِذَاعِ مِنْ الضَّأْنِ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي إبَاحَةِ التَّضْحِيَةِ بِالْجِذَاعِ مِنْ الْمَعْزِ، وَإِنْ
следующие страницы →