Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَسْعُودٍ كَانَ لَهُ - إذْ مَاتَ أَبُوهُ ﵁ سِتُّ سِنِينَ فَقَطْ، لَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ كَلِمَةً، وَالرَّاوِي عَنْهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ - ظَالِمٌ مِنْ ظَلَمَةِ الْحَجَّاجِ - لَا حُجَّةَ فِي رِوَايَتِهِ - وَأَيْضًا فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَبُو عُمَيْسٍ شَيْئًا لِتَأَخُّرِ سَنِّهِ عَنْ لِقَائِهِ - وَأَيْضًا فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ - وَهُوَ مَجْهُولُ ابْنُ مَجْهُولٍ - وَأَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -: فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِ جُمْلَةً.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ يُحْتَجُّ لَهُ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ نا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ سِلْعَةً يَقُولُ أَحَدُهُمَا: أَخَذْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، وَقَالَ الْآخَرُ: بِعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، بِأَنْ يُسْتَحْلَفَ الْبَائِعُ، ثُمَّ يَخْتَارَ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا لَا شَيْءَ - لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سُئِلَ أَتَذْكُرُ مِنْ أَبِيك شَيْئًا؟ قَالَ: لَا - وَلَمْ يَكُنْ لِعَبْدِ اللَّهِ ﵁ مِنْ الْوَلَدِ إلَّا أَبُو عُبَيْدَةَ - وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَرَكَهُ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ، وَعُتْبَةُ - وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ - وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَذْكُورُ مَجْهُولٌ -: فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْوَالِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا، لَا سِيَّمَا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السِّلْعَةِ الْقَائِمَةِ وَالْمُسْتَهْلِكَةِ، وَمَنْ حَلَّفَ الْمُشْتَرِيَ -: فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ أَصْلًا، إلَّا أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا إطْلَاقًا سَامَحُوا فِيهِ قِلَّةَ الْوَرَعِ - يَعْنِي الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ - فَلَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ فِي كُتُبِهِمْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ» . وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَبَدًا لَا فِي مُرْسَلٍ وَلَا فِي مُسْنَدٍ، لَا فِي قَوِيٍّ وَلَا فِي ضَعِيفٍ، إلَّا أَنْ يُوضَعَ لِلْوَقْتِ.
стр. 2872
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ، فَخَالَفُوا الْمُرْسَلَ الْمَذْكُورَ، وَخَالَفُوا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لَمَّا كَانَ كِلَاهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْيَمِينُ جَمِيعًا، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا أَوْ عَقْدًا لَا يُقِرُّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَلَى الْبَائِعِ عَقْدًا لَا يُقِرُّ بِهِ الْبَائِعُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هَذَا فِي كُلِّ مَكَان كَمَا ذَكَرُوا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ لَا يَعْرِفُ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ: هَذَا لِي بِعْته مِنْك بِمِثْقَالَيْنِ، وَقَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ: بَلْ ابْتَعْته مِنْك بِمِثْقَالٍ وَقَدْ أَنْصَفْتُك، فَإِنَّ الَّذِي الشَّيْءُ بِيَدِهِ لَيْسَ مُدَّعِيًا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَنَّ كُلَّ مَا بِيَدِ الْمَرْءِ فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ ادَّعَى فِيهِ مُدَّعٍ: حَلَفَ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ وَبَرِئَ وَلَمْ يُقِرَّ لَهُ قَطُّ بِمِلْكِهِ إقْرَارًا مُطْلَقًا، فَلَيْسَ الْبَائِعُ هَهُنَا مُدَّعًى عَلَيْهِ أَصْلًا.
وَقَدْ عَظُمَ تَنَاقُضُهُمْ هَهُنَا، لَا سِيَّمَا تَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ السِّلْعَةِ الْقَائِمَةِ وَالْمُسْتَهْلِكَةِ فَهُوَ شَيْءٌ لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ.
وَيُعَارِضُونَ بِمَا احْتَجَّ لَهُ أَصْحَابُنَا، وَأَبُو ثَوْرٍ، فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ، وَعَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا لَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا أَشْبَهُ بِأُصُولِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ: مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي الْإِقْرَارِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ هَذَا أَيْضًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوَافِقْ الْمُشْتَرِيَ قَطُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ لَهُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ وَبِالْبَيْعِ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمُشْتَرِي بِإِقْرَارٍ هُوَ مَكْذُوبٌ لَهُ.
فَصَحَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قُلْنَاهُ: مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ بِيَدِ إنْسَانٍ فَهُوَ لَهُ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِمِلْكِهِ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ - وَهُوَ قَوْلُ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ.
وَالْعَجَبُ مِنْ إيهَامِ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ جُمْلَةً كَمَا أَوْرَدْنَا، لَا سِيَّمَا الشَّافِعِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمُرْسَلِ، ثُمَّ أَخَذُوا هَهُنَا بِمُرْسَلٍ، وَلَيْتَهُمْ صَدَقُوا فِي أَخْذِهِمْ بِهِ، بَلْ
стр. 2873
خَالَفُوهُ، وَتَنَاقَضُوا كُلُّهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي، فَتَاوِيهمْ فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَنَاقُضًا كَثِيرًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ فِي هَذَا تَحْلِيفُ الْمَالِكِيِّينَ لِلْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي: بِأَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ: بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْتُكهَا بِكَذَا وَكَذَا، وَبِأَنْ يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي: بِاَللَّهِ لَقَدْ اشْتَرَيْتهَا مِنْك بِكَذَا وَكَذَا، فَيَجْمَعُونَ فِي هَذَا أُعْجُوبَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا - تَحْلِيفُهُمَا عَلَى مَا يَدَّعِيَانِهِ لَا عَلَى نَفْيِ مَا يَدَّعِي بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُمْ يُحَلِّفُونَهُمَا كَذَلِكَ ثُمَّ لَا يُعْطُونَهُمَا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ، فَأَيُّ مَعْنًى لِتَحْلِيفِهِمَا بِذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى نَفْيِ مَا يَدَّعِي بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُمْ يُحَلِّفُونَهُمَا كَذَلِكَ ثُمَّ لَا يُعْطُونَهُمَا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ، فَأَيُّ مَعْنًى لِتَحْلِيفِهِمَا بِذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى نَفْيِ مَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ وَيَبْرَأُ.
وَأَمَّا هُمْ وَمَنْ يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ: فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى مَا ادَّعَى وَيَقْضُونَ لَهُ بِهِ، وَنَقَضُوا هَهُنَا أُصُولَهُمْ أَقْبَحَ نَقْضٍ وَأَفْسَدَهُ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا.
وَقَالُوا أَيْضًا: إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا صِحَّةَ الْعَمَلِ، وَالْآخَرُ فَسَادَهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ وَلَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ هَذَا؟ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ]
١٤٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ بَيْعٍ وَقَعَ بِشَرْطِ خِيَارٍ لِلْبَائِعِ، أَوْ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا: خِيَارَ سَاعَةٍ، أَوْ يَوْمٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ: فَهُوَ بَاطِلٌ - تَخَيَّرَا إنْفَاذَهُ أَوْ لَمْ يَتَخَيَّرَا - فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ بَائِعِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ - لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، أَوْ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ -: ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْغَصْبِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَحْدَثَ فِيهِ حَدَثًا ضَمِنَهُ ضَمَانَ التَّعَدِّي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَهُمَا مَعًا، وَلِإِنْسَانٍ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ رَدَّ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ الْبَيْعَ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَإِنْ أَمْضَاهُ فَهُوَ مَاضٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُجِيزُ مُدَّةَ الْخِيَارِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - لَكِنْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ - فَإِنْ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَطَلَ الْبَيْعُ، فَإِنْ تَبَايَعَا بِخِيَارٍ وَلَمْ يَذْكُرَا مُدَّةً فَهُوَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، فَقَالَا: الْخِيَارُ جَائِزٌ إلَى مَا تَعَاقَدَاهُ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَمْ قَصُرَتْ - وَاتَّفَقُوا فِي كُلِّ مَا عَدَا ذَلِكَ - وَالنَّقْدُ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ بِتَطَوُّعِ
стр. 2874
الْمُشْتَرِي لَا بِشَرْطٍ أَصْلًا - فَإِنْ تَشَارَطَا النَّقْدَ فَسَدَ الْبَيْعُ، فَإِنْ مَاتَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، فَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ -: فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ لَا ثَمَنُهُ، وَلِلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ مِنْهُمَا إنْفَاذُ الرِّضَا بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْآخَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ إلَّا بِمَحْضَرِ الْآخَرِ - وَزَكَاةُ الْفِطْرِ إنْ تَمَّ الْبَيْعُ بِالرِّضَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ وَسَاوِسُ، وَأَحْكَامٌ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ، وَأَقْسَامٌ وَأَحْكَامٌ لَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ - وَقَالَ مَالِكٌ: بَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزٌ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، إلَّا أَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ عِنْدَهُ تَخْتَلِفُ: أَمَّا فِي الثَّوْبِ فَلَا يَجُوزُ الْخِيَارُ عِنْدَهُ إلَّا يَوْمَيْنِ فَأَقَلَّ، فَمَا زَادَ فَلَا خِيَرَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَلَا يَجُوزُ الْخِيَارُ عِنْدَهُ فِيهَا إلَّا جُمُعَةً فَأَقَلَّ، فَمَا زَادَ فَلَا خِيَرَ فِيهِ -: يَنْظُرُ إلَى خَبَرِهَا، وَهَيْئَتِهَا، وَعَمَلِهَا.
وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَيَوْمٌ فَأَقَلُّ، أَوْ سَيْرُ الْبَرِيدِ فَأَقَلُّ.
وَأَمَّا الدَّارُ فَالشَّهْرُ فَأَقَلُّ - وَإِنَّمَا الْخِيَارُ عِنْدَهُ لِيَسْتَشِيرَ وَيَخْتَبِرَ الْبَيْعَ وَأَمَّا مَا بَعُدَ مِنْ أَجْلِ الْخِيَارِ فَلَا خِيَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ - لَا بِشَرْطٍ وَلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ - فَإِنْ تَشَارَطَاهُ فَسَدَ الْبَيْعُ، فَإِنْ مَاتَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ.
فَإِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَهُوَ مِنْ مُصِيبَةِ الْبَائِعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَلِلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ الرَّدُّ وَالرِّضَا بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْآخَرِ وَبِمَحْضَرِهِ - وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْبَائِعِ فِي كُلِّ ذَلِكَ.
قَالَ: فَإِنْ انْقَضَى أَمَدُ الْخِيَارِ وَلَمْ يَرُدَّ وَلَا رَضِيَ -: فَلَهُ الرَّدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي الْفَسَادِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَلَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَتَحْدِيدَاتٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَارِيَةِ، وَالثَّوْبِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ: قَدْ يُخْتَبَرُ، وَيُسْتَشَارُ فِيهِ فِي أَقَلَّ مِنْ الْمُدَدِ الَّتِي ذَكَرُوا، وَفِي أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهَا - وَقَدْ يَخْفَى مِنْ عُيُوبِ كُلِّ ذَلِكَ
стр. 2875
أَشْيَاءُ فِي أَضْعَافِ تِلْكَ الْمُدَدِ، فَكُلُّ ذَلِكَ شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَا أَوْجَبَتْهُ سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ.
وَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَوْلُهُمْ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِأَجْنَبِيٍّ فَمَاتَ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ: أَيَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، تَنَاقَضُوا، وَجَعَلُوا الْخِيَارَ مَرَّةً يُوَرَّثُ، وَمَرَّةً لَا يُوَرَّثُ وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ؟ قُلْنَا: فَلَعَلَّهُمْ صِغَارٌ، أَوْ سُفَهَاءُ، أَوْ غُيَّبٌ، أَوْ لَا وَارِثَ لَهُ فَيَكُونَ الْخِيَارُ لِلْإِمَامِ، أَوْ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ، إنَّ هَذِهِ لَعَجَائِبُ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا وَلَهُمَا مَعًا، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي التَّبَايُعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِأَجْنَبِيٍّ؟ فَمَرَّةً أَجَازَهُ، وَمَرَّةً أَبْطَلَ الْبَيْعَ بِهِ، إلَّا عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ.
وَالنَّقْدُ جَائِزٌ عِنْدَهُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، فَإِنْ مَاتَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، فَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا مَعًا: فَعَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي ذَكَرَا - وَلِلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ عِنْدَهُ أَنْ يَرُدَّ وَأَنْ يَرْضَى بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْآخَرِ وَبِمَحْضَرِهِ.
وَاحْتَجَّ هُوَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: فِي أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ بِخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ - وَبِخَبَرِ الَّذِي كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَجَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْخِيَارَ ثَلَاثًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ إذَا بَاعَ: لَا خِلَابَةَ.
وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيُّونَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ شُرُوسٍ، أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبَانُ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى بَعِيرًا وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْعَ وَقَالَ: إنَّمَا الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» قَالَ الْحُذَافِيُّ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا رَجُلٌ سَمِعَ أَبَانًا يَقُولُ: عَنْ الْحَسَنِ «اشْتَرَى رَجُلٌ وَجَعَلَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْبَيْعُ مَرْدُودٌ وَإِنَّمَا الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا احْتِجَاجُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ: بِحَدِيثِ مُنْقِذٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيمَا اشْتَرَى؟ فَعَجَبٌ عَجِيبٌ جِدًّا أَنْ يَكُونَا أَوَّلَ مُخَالِفٍ لِهَذَا
стр. 2876
الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُمَا بِفَسَادِ بَيْعِهِ جُمْلَةً - إنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ وَيُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ - أَوْ جَوَازِ بَيْعِهِ جُمْلَةً، وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا مِنْ عَيْبٍ - إنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ - فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ ذُو وَرَعٍ أَنْ يَعْصِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يُقَوِّلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؟ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيْعٌ وَقَعَ بِخِيَارٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا - وَفِي هَذَا نُوزِعُوا، فَوَا أَسَفَاهُ عَلَيْهِمْ؟ وَأَمَّا احْتِجَاجُ أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ: فَطَامَّةٌ مِنْ طَوَامِّ الدَّهْرِ؟ وَهُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ، وَزَارٍ عَلَيْهِ وَطَاعِنٍ فِيهِ، مُخَالِفٍ كُلَّ مَا فِيهِ، فَمَرَّةً يَجْعَلُهُ ذُو التَّوَرُّعِ مِنْهُمْ: مَنْسُوخًا بِتَحْرِيمِ الرِّبَا، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ مَا لِلرِّبَا هَهُنَا مَدْخَلٌ؟ وَمَرَّةً يَجْعَلُونَهُ كَذِبًا، وَيُعَرِّضُونَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجْزِيهِمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ - وَهُمْ أَهْلُ الْكَذِبِ، لَا الْفَاضِلُ الْبَرُّ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَعَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَكُبَّ الطَّاعِنُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ لِوَجْهِهِ وَمَنْخَرَيْهِ.
ثُمَّ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُرِيدُونَ نَصْرَ تَصْحِيحِ بَيْعٍ وَقَعَ بِشَرْطِ خِيَارٍ لِلْبَائِعِ، أَوْ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ لَهُمَا مَعًا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِي خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ أَثَرٌ، وَلَا نَصٌّ، وَلَا إشَارَةٌ، وَلَا مَعْنًى، فَأَيُّ عَجَبٍ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَأَمَّا حَدِيثَا: الْحُذَافِيِّ الْمُسْنَدُ، وَالْمُرْسَلُ -: فَهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ - وَهُوَ هَالِكٌ مُطَّرَحٌ - وَالْمُسْنَدُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيِّ - وَهُوَ هَالِكٌ أَيْضًا مَتْرُوكٌ - وَأَمَّا الْمُرْسَلُ فَعَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ، فَهُمَا فَضِيحَةٌ وَشَهْوَةٌ، لَا يَأْخُذُ بِهِمَا فِي دِينِهِ إلَّا مَحْرُومُ التَّوْفِيقِ.
وَلَعَمْرِي لَقَدْ خَالَفَ الْمَالِكِيُّونَ هَهُنَا أُصُولَهُمْ فَإِنَّهُ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَخْذِ بِمِثْلِهَا فِي الدَّنَاءَةِ وَالرَّذَالَةِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ الْخِيَارِ ثَلَاثًا وَاخْتَلَفْنَا فِيمَا زَادَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا كَذِبٌ مَا وُفِّقُوا قَطُّ عَلَى ذَلِكَ: هَذَا مَالِكٌ لَا يُجِيزُ الْخِيَارَ فِي الثَّوْبِ إلَّا يَوْمَيْنِ فَأَقَلَّ، وَلَا فِي الدَّابَّةِ إلَّا الْيَوْمَ فَأَقَلَّ -: فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَيُعَارَضُونَ بِالْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ: «النَّهْيُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، فَمَنْ تَلَقَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إذَا أَتَى السُّوقَ» ، هُوَ خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ الْخِيَارُ إلَى دُخُولِ السُّوقِ -
стр. 2877
وَلَعَلَّهُ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا بَعْدَ عَامٍ فَأَكْثَرَ - وَسَنَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَظَهَرَ فَسَادُ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ جُمْلَةً وَأَنَّهَا آرَاءٌ أَحْدَثُوهَا مُتَخَاذِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ جَائِزٌ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ، وَيَجُوزُ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: يَجُوزُ الْخِيَارُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَلَوْ شَرَطَاهُ أَبَدًا فَهُوَ كَذَلِكَ: لَا أَدْرِي مَا الثَّلَاثُ إلَّا الْمُشْتَرِي إنْ بَاعَ مَا اشْتَرَى بِخِيَارٍ فَقَدْ رَضِيَهُ وَلَزِمَهُ - وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً بِكْرًا فَوَطِئَهَا فَقَدْ رَضِيَهَا وَلَزِمَتْهُ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يُعْجِبُنِي شَرْطُ الْخِيَارِ الطَّوِيلِ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي مَا رَضِيَ الْبَائِعُ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إذَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا - وَقَالَ سُفْيَانُ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ بِذَلِكَ، فَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ.
وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ آثَارًا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: اشْتَرَى عُمَرُ فَرَسًا وَاشْتَرَطَ حَبْسَهُ إنْ رَضِيَهُ وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا بَعْدُ، فَحَمَلَ عُمَرُ عَلَيْهِ رَجُلًا فَعَطِبَ الْفَرَسُ، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا شُرَيْحًا؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِعُمَرَ: سَلِّمْ مَا ابْتَعْت أَوْ رُدَّ مَا أَخَذْت؟ فَقَالَ عُمَرُ: قَضَيْتَ بِمُرِّ الْحَقِّ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ دَارًا لِلسَّجْنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَهَا عُمَرُ. وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنْت أَبْتَاعُ إنْ رَضِيت حَتَّى ابْتَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ نَجِيبَةً إنْ رَضِيَهَا فَقَالَ: إنَّ الرَّجُلَ لِيَرْضَى ثُمَّ يَدَّعِي -: فَكَأَنَّمَا أَيْقَظَنِي، فَكَانَ يَبْتَاعُ وَيَقُولُ: هَا إنْ أَخَذْت.
стр. 2878
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الْبَرْصَاءِ قَالَ: بَايَعْت ابْنَ عُمَرَ بَيْعًا فَقَالَ لِي: إنْ جَاءَتْنَا نَفَقَتُنَا إلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ فَالْبَيْعُ بَيْعُنَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِنَا نَفَقَتُنَا إلَى ذَلِكَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، وَلَك سِلْعَتُك؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَعْلَمُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ كُلُّهُ خِلَافٌ لِأَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهَذِهِ عِنْدَهُمْ بُيُوعٌ فَاسِدَةٌ مَفْسُوخَةٌ، فَأَيْنَ تَهْوِيلُهُمْ بِالصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ؟ نَعَمْ، وَإِنْ عُرِفَ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَأَيْنَ رَدُّهُمْ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ فِي أَنْ لَا بَيْعَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ الْبَيْعِ بِرِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ عَنْ عُمَرَ الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ؟ وَلَيْسَ فِي هَذَا لَوْ صَحَّ خِلَافٌ لِلسُّنَّةِ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِ عُمَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ، وَإِجَازَةُ رَدِّ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّفَرُّقِ.
ثُمَّ هَانَ عَلَيْهِمْ هَهُنَا خِلَافُ عَمَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَنَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - وَكُلُّهُمْ صَحَابَةٌ -: الْعَمَلَ الْمَشْهُورَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ، وَلَا عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ مِمَّنْ يُجِيزُ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَصْلًا بِأَصَحِّ طَرِيقٍ وَأَثْبَتِهِ فِي أَشْهَرِ قِصَّةٍ، وَهِيَ ابْتِيَاعُ دَارٍ لِلسَّجْنِ بِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِهَا لِلسَّجْنِ دَارٌ أَصْلًا.
ثُمَّ فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مُطِيعٍ - وَهُمَا صَاحِبَانِ - يَبْتَاعَانِ كَمَا تَرَى بِخِيَارٍ إنْ أَخَذَا إلَى غَيْرِ مُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ - وَعُمَرُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَصَفْوَانُ، وَنَافِعٌ يَتَبَايَعُونَ عَلَى الرِّضَا إلَى غَيْرِ مُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ، لَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِمَّنْ يُجِيزُ الْبَيْعَ بِشَرْطِ خِيَارٍ، فَاعْجَبُوا لِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ وَأَمَّا التَّابِعُونَ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا؟ قَالَ: الْخِيَارُ لِكِلَيْهِمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا عَنْ رِضًا.
وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ إذَا بِعْت شَيْئًا عَلَى الرِّضَا فَلَا تَخْلِطْ الْوَرِقَ بِغَيْرِهَا حَتَّى تَنْظُرَ أَيَأْخُذُ أَمْ يَرُدُّ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا أَخَذَ الرَّجُلُ
стр. 2879
مِنْ الرَّجُلِ الْبَيْعَ عَلَى أَنَّهُ فِيهِ بِالْخِيَارِ فَهَلَكَ مِنْهُ؟ فَإِنْ كَانَ سَمَّى الثَّمَنَ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَهُوَ أَمِينٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ شُرَيْحٍ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مَا نَعْلَمُ فِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ذِكْرُ مُدَّةٍ أَصْلًا.
وَفِي قَوْلِ الْحَسَنِ: جَوَازُ ذَلِكَ بِغَيْرِ ذِكْرِ ثَمَنٍ.
وَفِي قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ: جَوَازُ النَّقْدِ فِيهِ، وَلَمْ يَخُصَّ بِشَرْطٍ وَلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ وَأَمَّا قَوْلُ طَاوُسٍ فَمُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ بِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ يَكُونُ فِيهِ شَرْطُ خِيَارٍ فَإِنَّ الْخِيَارَ يَجِبُ فِيهِ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُشْتَرِي حَتَّى يَتَّفِقَا، فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ بَيْعًا أَصْلًا، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِهِ كَمَا كَانَ - وَهَذَا قَوْلُنَا، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ أَقْوَالَ مَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفَةٌ لِكُلِّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ، وَأَنَّهُمَا لَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهَا، وَتَفْرِيقُ سُفْيَانَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ مِنْ كَوْنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا، فَلَمْ يُجِيزَاهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ؟ فَأَجَازَهُ سُفْيَانُ، لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ - وَلَيْسَ إلَّا جَوَازُ كُلِّ ذَلِكَ أَوْ بُطْلَانُ كُلِّ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِّينَا بُطْلَانَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَرِهَتْ أَنْ تُبَاعَ الْأَمَةُ بِشَرْطٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَرَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً يَتَسَرَّاهَا مِنْ امْرَأَتِهِ؟ فَقَالَتْ: لَا أَبِيعُكهَا حَتَّى أَشْتَرِطَ عَلَيْك إنْ اتَّبَعَتْهَا نَفْسِي فَأَنَا أَوْلَى بِالثَّمَنِ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَتَّى أَسْأَلَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْت عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا؟ فَقَالَ: أَذْهَبُ بِهِ فَإِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ، فَبَاعَهُ الْآخِذُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ؟ فَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَحِلُّ لَهُ الرِّبْحُ.
стр. 2880
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْحٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ بَيْعٍ فِيهِ شَرْطٌ فَلَيْسَ بَيْعًا - وَقَالَ طَاوُسٍ بِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ كُلِّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَوْضَحُ فِي إبْطَالِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ مِنْ دَعْوَاهُمْ أَنَّ عُمَرَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فِي أَنْ لَا بَيْعَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا بِمَا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ، وَمِنْ دَعْوَاهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: مَا أَدْرَكْت الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَمِنْ الْبَائِعِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُمَا مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ كَانَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ إجْمَاعٌ فَقَدْ خَالَفُوهُ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْإِجْمَاعِ كَمَا أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ.
فَإِنْ احْتَجُّوا فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْخِيَارِ بِمَا رُوِيَ «: الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ مُطَّرَحٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِمَا رَوَى.
وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ كَذَّابٍ عَنْ مَجْهُولٍ عَنْ مَجْهُولٍ مُرْسَلٍ مَعَ ذَلِكَ وَعَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلٌ، وَلَوْ صَحَّ مَعَ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ هِيَ كُلَّ مَا اشْتَرَطُوهُ، لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَلَزِمَ شَرْطُ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَهُمْ قَدْ أَبْطَلُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ شَرْطٍ أَبَاحَهَا غَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا شُرُوطُ الْمُسْلِمِينَ: الشُّرُوطُ الَّتِي جَاءَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ بِإِبَاحَتِهَا نَصًّا فَقَطْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» .
قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ احْتَجَّ مَنْ يُجِيزُ بَيْعَ الْخِيَارِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخِيَارَ مَا هُوَ؟ وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ: اخْتَرْ.
وَبَيَّنَهُ أَيْضًا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِهِ.
وَأَوْضَحَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» .
فَصَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ إنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فَقَطْ.
стр. 2881
وَذَكَرُوا أَيْضًا خَبَرَ " الْمُصَرَّاةِ " وَسَنَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِإِسْنَادِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ الْخِيَارَ لِوَاجِدِهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ كَرِهَهَا رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» .
وَخَبَرَ «مُنْقِذٍ إذْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ إذَا بَاعَ أَوْ ابْتَاعَ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثًا» ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْحِجْرِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا.
وَخَبَرَ تَلَقِّي السِّلَعِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ إذَا دَخَلَ السُّوقَ، وَبِالْخِيَارِ فِي رَدِّ الْبَيْعِ يُوجَدُ فِيهِ الْعَيْبُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْخِيَارِ إثْمٌ وَعَارٌ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ إنَّمَا فِيهِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي - أَحَبَّ الْبَائِعُ أَمْ كَرِهَ - لَا بِرِضًا مِنْهُ أَصْلًا وَلَا بِأَنْ يَشْتَرِطَ فِي حَالِ عَقْدِ الْبَيْعِ فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ ذُو فَهْمٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْخِيَارِ فِي إبَاحَةِ بَيْعٍ يَتَّفِقُ فِيهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الرِّضَا بِشَرْطِ خِيَارٍ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِكِلَيْهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا؟ وَأَمَّا خَبَرُ مُنْقِذٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ خِيَارٌ يَجِبُ لِمَنْ قَالَ عِنْدَ التَّبَايُعِ: لَا خِلَابَةَ، بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا سَوَاءٌ رَضِيَ بِذَلِكَ مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الَّذِي جَعَلَ لَهُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، فَأَيُّ شَبَهٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَبَيْنَ خِيَارٍ يَتَّفِقَانِ بِرِضَاهُمَا عَلَى اشْتِرَاطِهِ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَكُلُّهُمْ لَا يَقُولُ بِهَذَا الْخَبَرِ أَصْلًا؟ وَأَمَّا خَبَرُ تَلَقِّي السِّلَعِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا إنَّمَا هُوَ خِيَارٌ جُعِلَ لِلْبَائِعِ - أَحَبَّ الْمُشْتَرِي أَمْ كَرِهَ - لَمْ يَشْتَرِطَاهُ فِي الْعَقْدِ -.
وَهُوَ أَيْضًا خِيَارٌ إلَى غَيْرِ مُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ وَكُلُّهُمْ لَا يُجِيزُ هَذَا أَصْلًا.
فَأَيُّ عَجَبٍ يَفُوقُ قَوْلَ قَوْمٍ يُبْطِلُونَ الْأَصْلَ وَلَا يُجِيزُونَ الْقَوْلَ بِهِ، وَيُصَحِّحُونَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ فِي مَا لَا يُشْبِهُهُ وَيُخَالِفُونَ السُّنَنَ فِيمَا جَاءَتْ فِيهِ، ثُمَّ يَحْتَجُّونَ بِهَا فِيمَا لَيْسَ فِيهَا مِنْهُ أَثَرٌ وَلَا دَلِيلٌ وَلَا مَعْنًى؟ فَخَالَفُوا الْحَقَائِقَ جُمْلَةً وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ التَّوْفِيقِ.
стр. 2882
فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا جَازَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي أَحَدِهَا الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، وَفِي الْآخَرِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي الثَّالِثِ الْخِيَارُ لِلْمَرْءِ بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا، وَكَانَ فِي الشُّفْعَةِ الْخِيَارُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِغَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَفِتَ رِضَا الْآخَرِ أَوْ رِضَا الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي كَانَ إذَا اشْتَرَطَاهُ بِتَرَاضِيهِمَا لِأَحَدِهِمَا أَوْ - لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا أَحْرَى أَنْ يَجُوزَ؟ قُلْنَا: هَذَا حُكْمُ الشَّيْطَانِ لَا حُكْمَ اللَّهِ ، وَهَذَا هُوَ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَتِلْكَ دَعْوَى مِنْكُمْ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا، بَلْ الْبُرْهَانُ قَائِمٌ عَلَى بُطْلَانِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
وَمَا تَدْرُونَ أَنْتُمْ وَلَا غَيْرُكُمْ مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ بِدَعْوَاكُمْ هَذِهِ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ لَا يَصِحُّ تَشْبِيهُ الْمُشَبَّهِ إلَّا حَتَّى يَصِحَّ الْمُشَبَّهُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ يُصَحِّحُ حُكْمَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إلَّا الْمُصَرَّاةَ، وَالشُّفْعَةَ فَقَطْ، فَكَيْفَ تَسْتَحِلُّونَ أَنْ تَحْكُمُوا بِحُكْمٍ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ حُكْمًا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ؟ وَهَلْ سُمِعَ بِأَحْمَقَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ؟ وَاَلَّذِينَ يُصَحِّحُونَ مِنْكُمْ حُكْمَ الْمُصَرَّاةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ رَدِّ صَاعِ تَمْرٍ مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي يَخْتَارُ الرَّادُّ رَدَّهُ، فَمِنْ أَيْنَ جَازَ عِنْدَكُمْ الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ وَحُرِّمَ الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ؟ أَلَيْسَ هَذَا مِمَّا تَحْتَارُ فِيهِ أَوْهَامُ الْعُقَلَاءِ؟ وَكَذَلِكَ الشُّفْعَةُ إنَّمَا هِيَ لِشَرِيكٍ عِنْدَكُمْ، أَوْ لِلْجَارِ فِيمَا بِيعَ مِنْ مُشَاعٍ فِي الْعَقَارِ خَاصَّةً، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ بِكُمْ يَا هَؤُلَاءِ أَنْ تُحَرِّمُوا الْقِيَاسَ عَلَى ذَلِكَ مَا بِيعَ أَيْضًا مِنْ الْمُشَاعِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ لِلشَّرِيكِ أَيْضًا.
وَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ فِي الدَّهْرِ كَانَ هَذَا أَوْضَحَ قِيَاسٍ وَأَصَحَّهُ لِتُسَاوِيهِمَا فِي الْعِلَّةِ وَالشَّبَهِ عِنْدَ كُلِّ نَاظِرٍ ثُمَّ تَقِيسُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يُشْبِهُهُ أَصْلًا مِنْ اشْتِرَاطِ اخْتِيَارٍ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ، وَهُوَ ضِدُّ ذَلِكَ الْحُكْمِ جُمْلَةً، فَذَلِكَ لِلشَّرِيكِ وَهَذَا لِغَيْرِ الشَّرِيكِ، وَذَلِكَ فِي الْمُشَاعِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُشَاعِ، وَذَلِكَ مُشْتَرَطٌ، وَهَذَا غَيْرُ مُشْتَرَطٍ، وَذَلِكَ إلَى غَيْرِ مُدَّةٍ وَهَذَا إلَى مُدَّةٍ، فَمَا هَذَا التَّخْلِيطُ، وَالْخَبْطُ؟
стр. 2883
وَأَمَّا الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْمَبِيعِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي خِيَارِ الشُّفْعَةِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، مِنْ أَنَّهُ لَا شَبَهَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِمَا قُلْنَا آنِفًا، فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ جُمْلَةً بِالْأَخْبَارِ، وَبِالْقِيَاسِ -.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَيُّ قَوْلٍ أَفْسَدَ مِنْ قَوْلِ مَنْ يُبْطِلُ الْخِيَارَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِأَبْدَانِهِمَا، وَقَبْلَ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَيَخْتَارَ إمْضَاءً أَوْ رَدًّا. وَالْخِيَارُ الْوَاجِبُ لِمَنْ قَالَ عِنْدَ الْبَيْعِ: لَا خِلَابَةَ.
وَالْخِيَارُ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ مِمَّنْ تَلَقَّاهَا إذَا دَخَلَ السُّوقَ.
وَالْخِيَارُ الْوَاجِبُ لِمَنْ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً.
وَالْخِيَارُ الْوَاجِبُ لِمَنْ بَاعَ شِرْكًا مِنْ مَالٍ هُوَ فِيهِ شَرِيكٌ ثُمَّ أَوْجَبَ خِيَارًا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ .
وَمِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى بُطْلَانِ كُلِّ بَيْعٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارٌ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» .
وَكَانَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ الْمَذْكُورِ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ كَانَ فِيهَا لَكَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ فِي كِتَابِهِ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ فَوَجَبَ بُطْلَانُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ يَقِينًا، وَإِذْ هُوَ بَاطِلٌ فَكُلُّ عَقْدٍ لَمْ يُصَحَّحْ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَمْ يَصِحَّ فَلَا صِحَّةَ لَهُ بِلَا شَكٍّ، فَوَجَبَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ الَّذِي عُقِدَ عَلَى شَرْطِ خِيَارٍ كَمَا ذَكَرْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَفْتَخِرُونَ بِاتِّبَاعِ الْمُرْسَلِ وَأَنَّهُ كَالْمُسْنَدِ -: وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَتَفَرَّقُ بَيِّعَانِ إلَّا عَنْ تَرَاضٍ»
стр. 2884
وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْمُرَاسِلِ، فَأَيْنَ هُمْ عَنْهُ؟ وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ بَقَاءٍ عَنْ الْخِيَارِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ؟ وَنَسْأَلُهُمْ عَنْ بَيْعِ الْخِيَارِ هَلْ زَالَ مِلْكُ بَائِعِهِ عَنْهُ وَمَلَكَهُ الْمُشْتَرِي لَهُ أَمْ لَا، إذَا اُشْتُرِطَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، فَهُوَ قَوْلُنَا وَصَحَّ أَنَّهُ لَا بَيْعَ هُنَالِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ نَقْلُ مِلْكِ الْبَائِعِ وَإِيقَاعُ مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قُلْنَا: فَالْخِيَارُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا يَصِحُّ فِي شَيْءٍ قَدْ صَحَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ - وَأَقْوَالُهُمْ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا قَدْ بَاعَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَشْتَرِ الْمُشْتَرِي بَعْدُ؟ قُلْنَا: هَذَا تَخْلِيطٌ وَبَاطِلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْعٌ إلَّا وَهُنَالِكَ بَائِعٌ وَمُبْتَاعٌ وَانْتِقَالُ مِلْكٍ.
وَهَكَذَا إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَقَطْ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعٌ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَنْعَقِدْ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَائِعِ.
فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ: فَهَذَا بَيْعٌ لَمْ يَنْعَقِدْ لَا عَلَى الْبَائِعِ وَلَا عَلَى الْمُبْتَاعِ فَهُوَ بَاطِلٌ - وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ بِالْخِيَارِ لَا يَجُوزُ، فَهَلَّا قَاسُوا عَلَى ذَلِكَ الْبَيْعَ وَسَائِرِ مَا أَجَازُوا فِيهِ الْخِيَارَ، كَمَا فَعَلُوا فِي مُعَارَضَةِ السُّنَّةِ بِهَذَا الْقِيَاسِ نَفْسِهِ فِي إبْطَالِهِمْ الْخِيَارَ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَلَا نُصُوصَ الْتَزَمُوا وَلَا الْقِيَاسَ طَرَدُوا، وَالدَّلَائِلُ عَلَى إبْطَالِ بَيْعِ الْخِيَارِ تَكْثُرُ، وَمُنَاقَضَاتُهُمْ فِيهِ جَمَّةٌ، وَإِنَّمَا أَقْوَالُهُمْ فِيهِ دَعَاوَى - بِلَا بُرْهَانٍ - مُخْتَلِفَةٌ مُتَدَافِعَةٌ كَمَا ذَكَرْنَاهَا قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْع صَحَّ وَتَمَّ فَهَلَكَ الْمَبِيعُ إثْرَ تَمَامِ الْبَيْعِ]
١٤٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ بَيْعٍ صَحَّ وَتَمَّ فَهَلَكَ الْمَبِيعُ إثْرَ تَمَامِ الْبَيْعِ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عُرِضَ فِيهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ نَقْصٍ سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَانَ الْمَبِيعُ غَائِبًا أَوْ
стр. 2885
حَاضِرًا، أَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَجُنَّ أَوْ بَرِصَ أَوْ جُذِمَ إثْرَ تَمَامِ الْبَيْعِ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ ثَمَرًا قَدْ حَلَّ بَيْعُهُ، فَأُجِيحَ كُلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ أَقَلُّهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ مَا بَاعَ، فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ الْبَائِعِ - وَقَالَ مَالِكٌ بِقَوْلِنَا، إلَّا فِي الرَّقِيقِ وَالثِّمَارِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ قَالَ: مَا أَصَابَ الرَّقِيقَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ بَيْعِ الرَّأْسِ مِنْ إبَاقٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَمِنْ مُصِيبَةِ الْبَائِعِ، فَإِذَا انْقَضَتْ بَرِئَ الْبَائِعُ، إلَّا مِنْ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ: فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدْوَاءَ الثَّلَاثَةَ إنْ أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهَا الرَّأْسَ الْمَبِيعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عَامٍ مِنْ حِينِ ابْتِيَاعِهِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِذَلِكَ.
قَالَ: وَلَا يَقْضِي بِذَلِكَ إلَّا فِي الْبِلَادِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهَا بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ فِيهَا - وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي لَمْ تَجْرِ عَادَةُ أَهْلِهَا بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ فِيهَا: فَلَا حُكْمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
قَالَ: وَمَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ بَطَلَ عَنْهُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ، وَأَسْقَطَهَا جُمْلَةً فِيمَا بَاعَهُ السُّلْطَانُ لِغَرِيمٍ، أَوْ مِنْ مَالِ يَتِيمٍ - وَأَجَازَ النَّقْدَ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ، وَلَمْ يُجِزْهُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ.
وَأَمَّا الثِّمَارُ فَمَنْ بَاعَ ثَمَرَةً كَانَتْ بَعْدَ أَنْ يَحِلَّ بَيْعُهَا وَالْمَقَاثِي، فَإِذَا أُجِيحَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ أُجِيحَ مَا دُونَ الثُّلُثِ - بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَهُوَ مِنْ مُصِيبَةِ الْمُشْتَرِي وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ بَقْلًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ - قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ - فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمَوْزِ، فَمَرَّةً قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ فِي مُرَاعَاةِ الثُّلُثِ، وَمَرَّةً قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ فِي الرُّجُوعِ بِقَلِيلِ الْجَائِحَةِ وَكَثِيرِهَا.
وَمَرَّةً قَالَ: لَا يَرْجِعُ بِجَائِحَةٍ أَصَابَتْهُ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ أَقَلَّهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا إيجَابُ التَّسْلِيمِ فَمَا نَعْلَمُ فِيهِ لِلْحَنَفِيِّينَ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَإِنَّمَا عَلَى الْبَائِعِ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ قَبْضِ مَا بَاعَ مِنْهُ فَقَطْ، فَإِنْ فَعَلَ صَارَ عَاصِيًا وَضَمِنَ ضَمَانَ الْغَصْبِ فَقَطْ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُلْزِمَ أَحَدٌ حُكْمًا لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ.
стр. 2886
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّقِيقِ: فَإِنَّ مُقَلِّدِيهِ يَحْتَجُّونَ لَهُ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا أَبَانُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ» .
وَقَالُوا: إنَّمَا قَضَى بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ لِأَجْلِ حُمَّى الرِّبْعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم أَنَّهُ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حِينِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ الْوَلِيدَةَ وَعُهْدَةَ السَّنَةِ، وَيَأْمُرَانِ بِذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي عَبْدٍ اُشْتُرِيَ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فَجَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَحَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: الْقُضَاةُ مُنْذُ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ: سَنَةً.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَسَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: الْعِدَّةُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ نَحْوَ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ: سَنَةٌ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ سَمْعَانَ، قَالَ: سَمِعْت رِجَالًا مِنْ عُلَمَائِنَا مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولُونَ: لَمْ تَزُلْ الْوُلَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَقْضُونَ فِي الرَّقِيقِ بِعُهْدَةِ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ إنْ ظَهَرَ بِالْمَمْلُوكِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ قَبْلَ
стр. 2887
أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فَهُوَ رَدٌّ إلَى الْبَائِعِ، وَيَقْضُونَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ فَإِنْ حَدَثَ فِي الرَّأْسِ فِي تِلْكَ الثَّلَاثِ حَدَثٌ - مِنْ مَوْتٍ أَوْ سَقَمٍ - فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ مِنْ الرُّبْعِ، وَلَا يَسْتَبِينُ الرُّبْعُ إلَّا فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ.
هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا غَيْرَ مَا أَوْرَدْنَا، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ -: أَمَّا الْحَدِيثَانِ فَسَاقِطَانِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ شَيْئًا قَطُّ، وَلَا سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقَبَةِ فَصَارَا مُنْقَطِعَيْنِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ.
وَقَدْ رُوِّينَاهُمَا بِغَيْرِ اللَّفْظِ، لَكِنْ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَثَلَاثَةٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ - هُوَ ابْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ - نا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعُ لَيَالٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا عُهْدَةَ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا نَقَضُوا فِيهِ أُصُولَهُمْ فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ: الْمُنْقَطِعُ، وَالْمُتَّصِلُ: سَوَاءٌ، وَقَدْ تَرَكُوا هَهُنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ، وَمَا عَابُوهَا إلَّا بِالِانْقِطَاعِ فَقَطْ.
وَالْمَالِكِيُّونَ تَرَكُوا هَهُنَا الْأَخْذَ بِالزِّيَادَةِ، فَهَلَّا جَعَلُوا الْعُهْدَةَ أَرْبَعَ لَيَالٍ بِالْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَا؟ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَثْبُتُونَ عَلَى أَصْلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا مَا نُزِّلَ إلَيْنَا وَمَا أَلْزَمَنَا إيَّاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ " عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ " كَلَامٌ لَا يُفْهَمُ، وَلَا تَدْرِي " الْعُهْدَةَ " مَا هِيَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَمَا فَهِمَ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِ قَائِلٍ " عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ " أَنَّ مَعْنَاهُ مَا أَصَابَ الرَّقِيقَ الْمَبِيعَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَمِنْ
стр. 2888
مُصِيبَةِ الْبَائِعِ، وَلَا يَعْقِلُ أَحَدٌ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ، وَلَوْ قَالَهُ لَبَيَّنَ عَلَيْنَا مَا أَرَادَ بِهِ.
وَلَا يَفْرَحُ الْحَنَفِيُّونَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسُوغُ وَيَصِحُّ عَلَى أُصُولِنَا لَا عَلَى أُصُولِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيِّينَ إذْ رَزَقَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عُقُولًا كَهَّنُوا بِهَا مَا مَعْنَى الْكَذِبِ الْمُضَافِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ " الْبُتَيْرَاءِ " حَتَّى فَهِمُوا أَنَّ الْبُتَيْرَاءَ: هِيَ أَنْ يُوتِرَ الْمَرْءُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا بِثَلَاثٍ، عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَفْهَمُهُ إنْسِيٌّ وَلَا جِنِّيٌّ مِنْ لَفْظَةِ " الْبُتَيْرَاءِ " وَلَمْ يُبَالُوا بِالتَّزَيُّدِ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَمَا الْمَانِعُ لَهُمْ مِنْ أَنْ يُكَهِّنُوا أَيْضًا هَهُنَا مَعْنَى الْعُهْدَةِ؟ فَمَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَأْخُذُ بِبَيَانِ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا مِنْ بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ، فَهُوَ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ الْوَاقِفِ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِمَا سِوَاهُ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَقَدْ جَاءَ الْحُكْمُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي الْبَيْعِ، فَقَاسُوا عَلَيْهِ الشُّفْعَةَ فِي الصَّدَاقِ بِآرَائِهِمْ.
وَجَاءَ النَّصُّ بِتَحْدِيدِ الْمَنْعِ مِنْ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةِ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ فَقَاسُوا عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَلَمْ يَقِيسُوا عَلَيْهِ الْغَصْبَ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ النِّكَاحِ عِنْدَ كُلِّ ذِي مَسْكَةِ عَقْلٍ.
وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِالرِّبَا فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ فَقَاسُوا عَلَيْهَا: الْكَمُّونَ، وَاللَّوْزَ، فَهَلَّا قَاسُوا هَهُنَا عَلَى خَبَرِ " الْعُهْدَةِ " فِي الرَّقِيقِ سَائِرَ الْحَيَوَانِ؟ وَلَكِنْ لَا النُّصُوصَ يَلْتَزِمُونَ وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ؟ وَمِنْ طَرَائِفِهِمْ هَهُنَا: أَنَّهُمْ قَاسُوا مَنْ أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَبْدًا أَوْ ثَمَرَةً بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلَاحُهَا فَمَاتَ الْعَبْدُ أَوْ أَبَقَ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؟ فَلِلْمَرْأَةِ الْقِيَامُ بِالْجَائِحَةِ، وَلَا قِيَامَ لَهَا فِي الْعَبْدِ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ - فَكَانَ " هَذَا طَرِيفًا جِدًّا.
وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ تَعَلَّقُوا فِيهِ بِخَبَرٍ وَعَمَلٍ وَلَا فَرْقَ؟ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ " عُهْدَةَ الثَّلَاثِ " إنَّمَا جُعِلَتْ مِنْ أَجْلِ حُمَّى الرِّبْعِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِلَّةُ مُخْرَجَةً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ مُضَافَةً إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا بُدَّ مِنْ
стр. 2889
أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَضَافُوهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ كَذِبًا بَحْتًا مُوجِبًا لِلنَّارِ، وَإِنْ كَانُوا أَخْرَجُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَلِمَ تَعَدَّيْتُمْ بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ إلَى الْإِبَاقِ، وَالْمَوْتِ، وَسَائِرِ الْعُيُوبِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِأَنَّهَا حَادِثَةٌ بِلَا شَكٍّ، كَذَهَابِ الْعَيْنِ مِنْ رَمْيَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا؟ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ قِيَاسٍ لِافْتِرَاقِ الْعِلَّةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنْ كُنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَنَرَاكُمْ قَدْ اطَّرَحْتُمْ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ وَاقْتَصَرْتُمْ عَلَى عِلَّةٍ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؟ ؟ وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي شَغَبُوا بِهَا فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَيْضًا - فَإِنَّ هِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ مِمَّنْ لَا نَعْلَمُهُ تَجِبُ الْحُجَّةُ بِرِوَايَتِهِ فَكَيْفَ بِخُطْبَتِهِ؟ وَأَمَّا خُطْبَةُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بِذَلِكَ - فَعَهْدُنَا بِهِمْ قَدْ خَالَفُوا أَبَانًا فِي قَوْلِهِ: إنَّ أَلْبَتَّةَ فِي الطَّلَاقِ وَاحِدَةٌ، وَفِي إبْطَالِهِ طَلَاقُ السَّكْرَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَمَرَّةً يَكُونُ حُكْمُ أَبَانَ حُجَّةً، وَمَرَّةً لَا يَكُونُ حُجَّةً - وَهَذَا تَخْلِيطٌ شَدِيدٌ وَعَمَلٌ لَا يَحِلُّ.
وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَالرِّوَايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ سَاقِطَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَ رِوَايَتَهُ فَمَالِكٌ - وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا - وَهُمْ قَدْ اطَّرَحُوا حُكْمَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الثَّابِتَ عَنْهُ، وَالسُّنَّةُ مَعَهُ فِي أَمْرِهِ النَّاسَ عَلَانِيَةً بِالسُّجُودِ فِي " إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ كَثِيرٌ جِدًّا، فَالْآنَ صَارَ حُجَّةً وَهُنَالِكَ لَيْسَ حُجَّةً، مَا أَقْبَحَ هَذَا الْعَمَلَ فِي الدِّيَانَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَمْعَانَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: فَصَحِيحٌ عَنْهُمَا، وَلَا حُجَّةَ فِي الدِّينِ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُ سَعِيدٍ مُخَالِفٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ رَأَى عُهْدَةَ السَّنَةِ مِنْ كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ، وَلَمْ يَخُصَّ الْجُنُونَ، وَالْجُذَامَ، وَالْبَرَصَ فَقَطْ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي حِسٍّ أَنَّ الْأَكَلَةَ، وَالْحِرْبَةَ، وَالْأَدَرَةَ: مِنْ الْأَدْوَاءِ الْعُضَالِ، فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ مِنْ الْأَدْوَاءِ الْمَذْكُورَةِ أَثَرًا أَصْلًا، وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسًا.
стр. 2890
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْأَدْوَاءُ لَا تَظْهَرُ بِبَيَانٍ إلَّا بَعْدَ عَامٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَحُكْمُهُ الْإِطْرَاحُ، وَلَا يَحِلُّ الْأَخْذُ بِهِ، وَمَا عُلِمَ هَذَا قَطُّ، لَا فِي طِبٍّ، وَلَا فِي لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وَلَا فِي شَرِيعَةٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَذَكَرُوا أَيْضًا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ رَأَى عَيْبًا فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ رَدَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ رَأَى عَيْبًا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَرُدَّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى فِيمَنْ ابْتَاعَ غُلَامًا فَوَجَدَهُ مَجْنُونًا؟ قَالَ: إنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحْلِفُ الْبَائِعَ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا بِهِ جُنُونٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّنَةِ فَيَمِينُهُ بِاَللَّهِ عَلَى عِلْمِهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ؛ وَابْنَ الزُّبَيْرِ سُئِلَا عَنْ الْعُهْدَةِ فَقَالَا: لَا نَجِدُ أَمْثَلَ مِنْ حَدِيثِ «حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ إذْ كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَجَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْخِيَارَ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ» .
وَخَبَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَجَّلَ الْجَارِيَةَ بِهَا الْجُذَامُ، وَالدَّاءُ: سَنَةً.
قَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةً لَهُمْ فِيهِ -: أَمَّا خَبَرُ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَا بَيَانَ فِيهِ بِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِقَوْلِهِمْ أَصْلًا، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِمْ " لِأَنَّهُمَا بَيَّنَّاهُ عَلَى حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ ".
وَالْمَالِكِيُّونَ مُخَالِفُونَ لِذَلِكَ الْخَبَرِ، فَقَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ: حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا وِفَاقَ فِيهِ لِقَوْلِهِمْ أَصْلًا لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْأَخْذِ فَقَطْ، دُونَ ذِكْرِ وُجُودِ عَيْبٍ، وَلَا فِيهِ تَخْصِيصٌ لِلرَّقِيقِ دُونَ سَائِرِ ذَلِكَ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ.
وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَذَا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي: مَا أُمِرَ مُنْقِذٌ أَنْ يَقُولَهُ.
وَأَمَّا خَبَرُ عَلِيٍّ: فَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِمْ، وَلَا ذِكْرُ رَدٍّ أَصْلًا،
стр. 2891
وَإِنَّمَا يُمَوِّهُونَ بِالْخَبَرِ يَكُونُ فِيهِ لَفْظٌ كَبَعْضِ أَلْفَاظِ قَوْلِهِمْ، فَيَظُنُّ مَنْ لَا يُمْعِنُ النَّظَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ فِي الْأَكْثَرِ، أَوْ لَا مُوَافِقٌ وَلَا مُخَالِفٌ كَذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَالسَّنَةِ؟ فَقَالَ: مَا عَلِمْت فِيهِ أَمْرًا سَالِفًا.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَسَأَلْت عَطَاءً عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى عُهْدَةٌ فِي الْأَرْضِ، قُلْت: فَمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَكُونَ جَارِيَةٌ مِلْكُهَا لِزَيْدٍ وَفَرْجُهَا لَهُ حَلَالٌ وَيَكُونَ ضَمَانُهَا عَلَى خَالِدٍ، حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: مَا أَدْرَكْت الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ - وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ - وَهَذَا يُبْطِلُ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ، وَالسَّنَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ الْحُكْمِ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَالسَّنَةِ: أَسُنَّةٌ هُوَ وَحَقٌّ أَمْ لَيْسَ سُنَّةً وَلَا حَقًّا، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ سُنَّةٌ وَحَقٌّ؟ قُلْنَا: فَمِنْ أَيْنَ اسْتَحْلَلْتُمْ أَنْ لَا تَحْكُمُوا بِهَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي اصْطَلَحَ أَهْلُهَا عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بِهَا فِيهَا؟ وَمَتَى رَأَيْتُمْ سُنَّةً يُفْسَحُ لِلنَّاسِ فِي تَرْكِهَا وَمُخَالَفَتِهَا؟ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا.
وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَتْ سُنَّةً وَلَا حَقًّا؟ قُلْنَا: بِأَيِّ وَجْهٍ اسْتَحْلَلْتُمْ أَنْ تَأْخُذُوا بِهَا أَمْوَالَ النَّاسِ الْمُحَرَّمَةِ فَتُعْطُوهَا غَيْرَهُمْ بِالْكُرْهِ مِنْهُمْ؟ وَلَعَلَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فَقِيرٌ هَالِكٌ، وَالْمَحْكُومَ لَهُ غَنِيٌّ أَشِرٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَفَسَخْتُمْ الْبُيُوعَ الصَّحِيحَةَ بِمَا لَيْسَ سُنَّةً وَلَا حَقًّا، إذْ أَبَحْتُمْ تَرْكَ الْحُكْمِ بِالسُّنَّةِ وَالْحَقِّ، وَلَا مُخَلِّصَ لَكُمْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا كَمَا تَرَى.
стр. 2892
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْجَوَائِحِ: فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ مِنْ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الثِّمَارِ، وَالْمَقَاثِي، وَبَيْنَ الْبُقُولِ، وَالْمَوْزِ وَلَا يُعَضِّدُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ أَصْلًا، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِمَّنْ سَلَفَ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ.
وَلَهُمْ فِي تَخْصِيصِ الثُّلُثِ آثَارٌ سَاقِطَةٌ نَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنُبَيِّنُ وَهْيَهَا - وَقَوْلُنَا فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُفْيَانَ - وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ السَّلَفِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا يُلْزِمُونَ الْمُشْتَرِيَ الْجَائِحَةَ - قَالَ اللَّيْثُ: وَبَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَضَى بِالْجَائِحَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ إلَى حَطِّ الْجَائِحَةِ فِي الثِّمَارِ عَنْ الْمُشْتَرِي - قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ - وَهَذَا قَوْلٌ لَهُ مُتَعَلَّقٌ بِأَثَرٍ صَحِيحٍ، نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنُبَيِّنُ وَجْهَهُ وَحُكْمَهُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ نا أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ أَثَرَانِ صَحِيحَانِ.
وَقَالُوا أَيْضًا: عَلَى بَائِعِ الثَّمَرَةِ إسْلَامُهَا إلَى الْمُشْتَرِي طَيِّبَةً كُلَّهَا فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ، سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي بِمِقْدَارِ مَا لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ كَمَا يَلْزَمُ.
стр. 2893
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ مُقَدَّمًا مَوْلَى أُمِّ الْحَكَمِ بِنْتِ عَبْدِ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الْجَوَائِحُ كُلُّ ظَاهِرٍ مُفْسَدٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ جَرَادٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ لَمْ يَأْتِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِمَا وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ خِلَافُ مَا فِيهِمَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِمَا لِقَوْلِ مَالِكٍ، بَلْ هُمَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَخْصِيصُ ثُلُثٍ مِنْ غَيْرِهِ.
فَنَظَرْنَا هَلْ جَاءَ فِي هَذَا الْحُكْمِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ؟ فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرٍ - هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَالِهِ لِغُرَمَائِهِ، وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ لِأَجْلِ الْجَائِحَةِ شَيْئًا؟ فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ مَعَ خَبَرَيْ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
فَوَجَدْنَا خَبَرَيْنِ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ، قَدْ وَرَدَا بِبَيَانٍ تَتَأَلَّفُ بِهِ هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا - بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى تُزْهِيَ قَالُوا: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: تَحْمَرُّ، أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ
стр. 2894
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ السِّنِينَ» . فَصَحَّ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ أَنَّ الْجَوَائِحَ الَّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضْعِهَا هِيَ الَّتِي تُصِيبُ مَا بِيعَ مِنْ الثَّمَرِ سِنِينَ، وَقَبْلَ أَنْ يُزْهِيَ، وَأَنَّ الْجَائِحَةَ الَّتِي لَمْ يُسْقِطْهَا وَأَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ مُصِيبَتَهَا، وَأَخْرَجَهُ عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِهَا -: هِيَ الَّتِي تُصِيبُ الثَّمَرَ الْمَبِيعَ بَعْدَ ظُهُورِ الطَّيِّبِ فِيهِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيك تَمْرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا» فَلَمْ يَخُصَّ ﵇ شَجَرًا فِي وَرِقِهِ مِنْ ثَمَرٍ مَوْضُوعِ الْأَرْضِ وَهُمْ يَخُصُّونَ ذَلِكَ بِآرَائِهِمْ، فَقَدْ صَحَّ خِلَافُهُمْ لِهَذَا الْخَبَرِ وَتَخْصِيصُهُمْ لَهُ، وَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ عَلَى عُمُومِهِ وَالْأَخْذُ فِيهِ.
وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ثَمَرٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَا فِي أَيِّ جَائِحَةٍ هُوَ - فَصَحَّ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ أَيْضًا، وَبَطَلَ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهِ عَلَى عُمُومِهِ، وَصَارَ قَوْلُهُمْ، وَقَوْلُنَا فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ سَوَاءً فِي تَخْصِيصِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوهُمَا بِلَا دَلِيلٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْخَسَارَةُ لِانْحِطَاطِ السِّعْرِ جَائِحَةٌ بِلَا شَكٍّ، وَهُمْ لَا يَضَعُونَ عَنْهُ شَيْئًا لِذَلِكَ - وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَهَا طَيِّبَةً إلَى الْمُشْتَرِي؟ فَبَاطِلٌ مَا عَلَيْهِ ذَلِكَ، إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ مَا بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا فَقَطْ، إذْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ - وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ الْقِيَاسَ، وَالْأُصُولَ، إذَا جَعَلُوا مَالًا رِبْحُهُ وَمِلْكُهُ لِزَيْدٍ، وَخَسَارَتُهُ عَلَى عَمْرٍو: الَّذِي لَا يَمْلِكُهُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا الْآثَارُ الْوَاهِيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مُقَلِّدُو مَالِكٍ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيِّ نا مُطَرِّفٌ عَنْ أَبِي طُوَالَةَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أُصِيبَ ثُلُثُ الثَّمَرِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الْوَضِيعَةُ» .
стр. 2895
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَحَدَّثَنِي أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ عَنْ السَّبِيعِيِّ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ إذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الثَّمَرِ فَصَاعِدًا» .
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ خَالِدِ بْنِ إيَاسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الْجَوَائِحِ: الرِّيحُ، وَالْبَرَدُ، وَالْحَرِيقُ، وَالْجَرَادُ، وَالسَّيْلُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ: عَبْدُ الْمَلِكِ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ.
وَالْأَوَّلُ مُرْسَلٌ مَعَ ذَلِكَ.
وَالسَّبِيعِيُّ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَنْ هُوَ؟ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ ضَعِيفٌ وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ - فَسَقَطَ كُلُّ ذَلِكَ، وَخَالِدُ بْنُ إيَاسٍ سَاقِطٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ أَمْرٌ بِإِسْقَاطِ الْجَوَائِحِ أَصْلًا، لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِدَلِيلٍ، إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِرِوَايَاتِ الْكَذَّابِينَ وَمُرْسَلَاتِهِمْ: كَمُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَلَبِيِّ، وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ؛ وَغَيْرِهِمَا: فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي أَنْ لَا يَأْخُذُوا بِهَذِهِ الْمَرَاسِيلِ - وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيُّونَ عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ إذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الثَّمَرِ فَصَاعِدًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا حَدَّثَنِي الْحُذَافِيُّ عَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: بَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَيْنًا لَهُ فَأَصَابَهُ الْجَرَادُ فَأَذْهَبَهُ أَوْ أَكْثَرَهُ، فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ فَقَضَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِرَدِّ الثَّمَنِ إلَى سَعْدٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ -: يَرَوْنَ الْجَائِحَةَ مَوْضُوعَةً عَنْ الْمُشْتَرِي إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ، ثُمَّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ مُطْرَحٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى أَنْ لَا يُحْتَجَّ بِرِوَايَتِهِ، وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ، وَالْوَاقِدِيُّ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ.
стр. 2896
ثُمَّ لَوْ صَحَّ حَدِيثُ عُثْمَانَ لَكَانَ فِيهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لَمْ يَرَ رَدَّ الْجَائِحَةِ وَإِنْ أَتَتْ عَلَى الثَّمَرِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرَ - وَإِذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَالثَّابِتُ فِي هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ عَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي عَصْرِهِ - مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ مُحَمَّدٌ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا صَلَاحُهُ؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَتُهُ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَأَمَّلُوا هَذَا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ، بُدُوِّ صَلَاحِهِ - وَفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الثَّمَرِ: هُوَ ذَهَابُ عَاهَتِهِ.
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الْعَاهَةَ وَهِيَ الْجَائِحَةُ لَا تَكُونُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ إلَّا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَأَنَّهُ لَا عَاهَةَ، وَلَا جَائِحَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَهَذَا هُوَ نَصُّ قَوْلِنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَمِنْ تَنَاقُضِ الْمَالِكِيِّينَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ بَاعَ ثَمَرًا قَدْ طَابَ أَكْلُهُ وَحَضَرَ جِدَادُهُ فَأُجِيحَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ -: لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ لِذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ -.
وَهَذَا خِلَافُ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ جُمْلَةً.
فَإِنْ احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .
قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْجَوَائِحِ يُوضَعُ دُونَ الْقَلِيلِ حَتَّى تَحُدُّوا ذَلِكَ بِالثُّلُثِ؟ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ فِي غَنِيٍّ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ ابْتَاعَ ثَمَرًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَأُجِيحَ فِي ثُلُثِ الثَّمَرَةِ ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ بِدِينَارٍ -: أَنَّهُ تُوضَعُ عَنْهُ الْجَائِحَةُ.
وَتَقُولُونَ فِي مِسْكِينٍ ابْتَاعَ ثَمَرَةً بِدِينَارٍ فَذَهَبَ رُبْعُهَا ثُمَّ رَخُصَ الثَّمَرُ فَبَاعَ الْبَاقِيَ بِدِرْهَمٍ -: أَنَّهُ لَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ، وَالْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ إنَّمَا هُمَا بِإِضَافَةٍ كَمَا تَرَى لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
стр. 2897
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ تَنَاقَضُوا أَسْمَجَ تَنَاقُضٍ وَأَغَثَّهُ وَأَبْعَدَهُ عَنْ الصَّوَابِ لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ أَنْ تَحْكُمَ فِي الصَّدَقَةِ بِالثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا فَأَقَلَّ بِغَيْرِ رِضَا زَوْجِهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَجَعَلُوا الثُّلُثَ هَهُنَا قَلِيلًا كَمَا هُوَ دُونَ الثُّلُثِ وَجَعَلُوهُ فِي الْجَائِحَةِ كَثِيرًا بِخِلَافِ مَا دُونَهُ.
ثُمَّ قَالُوا: إنَّ اشْتَرَطَ الْمُحْبَسِ مِمَّا حَبَسَ الثُّلُثَ فَمَا زَادَ بَطَلَ الْحَبْسُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ جَازَ وَصَحَّ الْحَبْسُ - فَجَعَلُوا الثُّلُثَ هَهُنَا كَثِيرًا بِخِلَافِ مَا دُونَهُ.
ثُمَّ قَالُوا: مَنْ بَاعَ سَيْفًا مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ مُصْحَفًا كَذَلِكَ يَكُونُ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ الْفِضَّةِ ثُلُثَ قِيمَةِ الْجَمِيعِ فَأَقَلَّ فَهَذَا قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْفِضَّةِ وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ الْفِضَّةِ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَا بِفِضَّةٍ أَصْلًا - فَجَعَلُوا الثُّلُثَ هَهُنَا قَلِيلًا فِي حُكْمِ مَا دُونَهُ.
وَأَبَاحُوا أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْمَرْءُ مِنْ ثَمَرِ شَجَرِهِ وَمِنْ زَرْعِ أَرْضِهِ إذَا بَاعَهَا مَكِيلَةً تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ - وَمَنَعُوا مِنْ اسْتِثْنَاءِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ - فَجَعَلُوا الثُّلُثَ هَهُنَا قَلِيلًا فِي حُكْمِ مَا دُونَهُ.
ثُمَّ مَنَعُوا مَنْ بَاعَ شَاةً وَاسْتَثْنَى مِنْ لَحْمِهَا لِنَفْسِهِ أَرْطَالًا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهَا مِقْدَارَ ثُلُثِهَا فَصَاعِدًا، وَأَبَاحُوا لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهَا أَرْطَالًا أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ - فَجَعَلُوا الثُّلُثَ هَهُنَا كَثِيرًا بِخِلَافِ مَا دُونَهُ.
ثُمَّ أَبَاحُوا لِمَنْ اشْتَرَى دَارًا فِيهَا شَجَرٌ فِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَنْ يُدْخِلَ الثَّمَرَ فِي كِرَاءِ الدَّارِ إنْ كَانَ الثُّلُثُ بِالْقِيمَةِ مِنْهُ وَمِنْ كِرَاءِ الدَّارِ - وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ -: فَجَعَلُوا الثُّلُثَ هَهُنَا قَلِيلًا فِي حُكْمِ مَا دُونَهُ.
ثُمَّ جَعَلُوا الْعُشْرَ قَلِيلًا وَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَثِيرًا فَقَالُوا فِيمَنْ أَمَرَ آخَرَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَادِمًا بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَاشْتَرَاهَا لَهُ بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ دِينَارًا: أَنَّهَا تَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ هَذَا قَلِيلٌ، قَالُوا: فَإِنْ اشْتَرَاهَا لَهُ بِأَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ - وَهَذَا يُشْبِهُ اللَّعِبَ، فَيَا لَلنَّاسِ؟ أَبِهَذِهِ الْآرَاءِ تُشَرَّعُ الشَّرَائِعُ وَتُحَرَّمُ وَتُحَلَّلُ، وَتُبَاعُ الْأَمْوَالُ الْمُحَرَّمَةُ وَتُعَارَضُ السُّنَنُ؟ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَا جَائِحَةَ فِيمَا أُصِيبَ دُونَ ثُلُثِ رَأْسِ الْمَالِ.
стр. 2898
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ قَالَ: قُلْت مَا الْجَائِحَةُ؟ قَالَ: النِّصْفُ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا الزُّهْرِيُّ لَا يَرَى الْجَائِحَةَ إلَّا النِّصْفَ.
وَهَذَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقِيهُ الْمَدِينَةِ لَا يَرَى الْجَائِحَةَ إلَّا فِي الثُّمْنِ، لَا فِي عَيْنِ الثَّمَرَةِ - وَكُلُّ ذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ]
١٤٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ - عُرِفَ مَكَانُهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ - جَائِزٌ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْجَمَلِ الشَّارِدِ - عُرِفَ مَكَانُهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ.
وَكَذَلِكَ الشَّارِدُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ الطَّيْرِ الْمُتَفَلِّتِ وَغَيْرِهِ، إذَا صَحَّ الْمِلْكُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ.
وَأَمَّا كُلُّ مَا لَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ بَعْدُ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ، فَمَنْ بَاعَهُ فَإِنَّمَا بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فَقَدْ صَحَّ مِلْكُ مَالِكِهِ لَهُ، وَكُلُّ مَا مَلَكَهُ الْمَرْءُ فَحُكْمُهُ فِيهِ نَافِذٌ بِالنَّصِّ -: إنْ شَاءَ وَهَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ فَهُوَ مَوْرُوثٌ عَنْهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ مِلْكٌ وَمَوْرُوثٌ عَنْهُ، فَمَا الَّذِي حَرَّمَ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ؟ وَقَدْ أَبْطَلْنَا قَبْلُ قَوْلَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّيْدِ يَتَوَحَّشُ، وَبَيْنَ الْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيْلِ يَتَوَحَّشُ - وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّيْدِ مِنْ السَّمَكِ، وَمِنْ الطَّيْرِ، وَمِنْ النَّحْلِ، وَمِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كُلُّ مَا مُلِكَ مِنْ ذَلِكَ -: فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِ مَالِكِهِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ.
فَمَنْ ادَّعَى سُقُوطَ الْمِلْكِ عَنْهُ بِتَوَحُّشِهِ، أَوْ بِرُجُوعِهِ إلَى النَّهْرِ أَوْ الْبَحْرِ -: فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ، وَأَحَلَّ حَرَامًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ تَوَرُّعٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ يُعْقَلُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ أَبَدًا صَاحِبُهُ، وَلَا غَيْرُ صَاحِبِهِ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ عِنْدَكُمْ سُقُوطُ مِلْكِ الْمُسْلِمِ عَنْ مَالِهِ بِجَهْلِهِ بِعَيْنِهِ؟ وَبِأَنَّهُ لَا يُمَيِّزُهُ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعَبْدِ يَأْبَقُ فَلَا تُمَيِّزُهُ صُورَتُهُ أَبَدًا، وَالْبَعِيرُ كَذَلِكَ، وَالْفَرَسُ كَذَلِكَ؟ أَفَتَرَوْنَ الْمِلْكَ يَسْقُطُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يُمَيِّزُهُ أَحَدٌ أَبَدًا، لَا صَاحِبُهُ وَلَا غَيْرُهُ؟
стр. 2899
وَلَئِنْ كَانَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُمَيِّزُونَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْرِفُهُ وَيُمَيِّزُهُ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] بَلْ هُوَ عَارِفٌ بِهِ، وَبِتَقَلُّبِهِ وَمَثْوَاهُ، كَاتِبٌ لِصَاحِبِهِ أَجْرَ مَا نِيلَ مِنْهُ، وَمَا يَتَنَاسَلُ مِنْهُ فِي الْأَبَدِ.
مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ تَخْتَلِطُ فَلَا تُحَازُ وَلَا تُمَيَّزُ؟ أَتَرَوْنَ الْمِلْكَ يَسْقُطُ عَنْهَا بِذَلِكَ؟ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، بَلْ الْحَقُّ الْيَقِينُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ إلَى يَوْمِ الْبَعْثِ.
وَنَحْنُ وَإِنْ حَكَمْنَا فِيمَا يُئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَوْ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ -: فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّ صَاحِبِهِ، وَلَوْ جَاءَ يَوْمًا وَثَبَتَ أَنَّهُ حَقُّهُ لَصَرَفْنَاهُ إلَيْهِ، وَهُوَ لُقَطَةٌ مِنْ اللُّقَطَاتِ يَمْلِكُهُ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِنَصِّ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ إنْ جَاءَ.
وَمَنَعَ قَوْمٌ مِنْ بَيْعِ كُلِّ ذَلِكَ؟ وَقَالُوا: إنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ بَيْعِهِ لِمَغِيبِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ أَبْطَلْنَا - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى -: هَذَا الْقَوْلَ وَأَتَيْنَا بِالْبُرْهَانِ عَلَى وُجُوبِ بَيْعِ الْغَائِبَاتِ، وَمَنَعَ قَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ -: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَلْزَمُ وَلَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ وَلَا دَلِيلٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا اللَّازِمُ أَنْ لَا يَحُولَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ مَا اشْتَرَى مِنْهُ فَقَطْ فَيَكُونَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاصِيًا ظَالِمًا، وَمَنَعَ آخَرُونَ مِنْ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ غَرَرٌ؛ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هَذَا غَرَرًا لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ قَدْ صَحَّ مِلْكُ بَائِعِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْلُومُ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَعَلَى ذَلِكَ يُبَاعُ وَيَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي مِلْكًا صَحِيحًا، فَإِنْ وَجَدَهُ فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَقَدْ اسْتَعَاضَ الْأَجْرَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَرَبِحَتْ صَفْقَتُهُ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا غَرَرًا لَكَانَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ حَاضِرِهِ وَغَائِبِهِ غَرَرًا لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مُشْتَرِيه أَيَعِيشُ سَاعَةً بَعْدَ ابْتِيَاعِهِ أَمْ يَمُوتُ، وَلَا يَدْرِي أَيَسْلَمُ أَمْ يَسْقَمُ سَقَمًا قَلِيلًا يُحِيلُهُ أَوْ سَقَمًا كَثِيرًا يُفْسِدُهُ أَوْ أَكْثَرَهُ؟ وَلَيْسَ مَا يُتَوَقَّعُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ غَرَرًا لِأَنَّ الْأَقْدَارَ تَجْرِي بِمَا لَا يُعْلَمُ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلِأَنَّهُ غَيْبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] .
стр. 2900
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] .
وَإِنَّمَا الْغَرَرُ مَا عُقِدَ عَلَى جَهْلٍ بِمِقْدَارِهِ وَصِفَاتِهِ حِينَ الْعَقْدِ.
فَإِنْ قَالُوا: فَلَعَلَّهُ مَيِّتٌ حِينَ الْعَقْدِ، أَوْ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهُ؟ قُلْنَا: هُوَ عَلَى الْحَيَاةِ الَّتِي قَدْ صَحَّتْ لَهُ حَتَّى يُوقَنَ مَوْتُهُ، وَعَلَى مَا تُيُقِّنَ مِنْ صِفَاتِهِ حَتَّى يَصِحَّ تَغْيِيرُهُ، فَإِنْ صَحَّ مَوْتُهُ رُدَّتْ الصَّفْقَةُ، وَإِنْ صَحَّ تَغَيُّرُهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا.
وَلَئِنْ قُلْتُمْ: إنَّ هَذَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ فَامْنَعُوا مِنْ بَيْعِ كُلِّ غَائِبٍ مِنْ الْحَيَوَانِ - وَلَوْ أَنَّهُ خَلْفَ الْجِدَارِ - إذْ لَعَلَّهُ قَدْ مَاتَ لِلْوَقْتِ حِينَ عَقَدَ الصَّفْقَةَ أَوْ تَغَيَّرَ بِكَسْرٍ، أَوْ وَجَعٍ، أَوْ عَوَرٍ.
نَعَمْ، وَامْنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْبَيْضِ، وَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَكُلِّ ذِي قِشْرٍ، إذْ لَعَلَّهُ فَاسِدٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا الْغَرَرُ مَا أَجَزْتُمُوهُ مِنْ بَيْعِ الْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ قَطُّ: مِنْ الْجَزَرِ، وَالْبَقْلِ، وَالْفُجْلِ، وَلَعَلَّهَا مُسْتَاسَةٌ أَوْ مَعْفُونَةٌ، وَمَا أَجَازَهُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ مِنْ بُطُونِ الْمَقَاثِي الَّتِي لَعَلَّهَا لَا تُخْلَقُ أَبَدًا - وَمِنْ لَبَنِ الْغَنَمِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَلَعَلَّهَا تَمُوتُ، أَوْ تُحَارَدُ، فَلَا يَدُرُّ لَهَا شَخْبٌ.
وَمِنْ بَيْعِ لَحْمِ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ لَمْ تُسْلَخْ بَعْدُ، فَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مَا صِفَتُهُ - فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ هُوَ بَيْعُ الْغَرَرِ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ أَجَزْتُمُوهُ، لَا مَا صَحَّ مِلْكُهُ، وَعُرِفَتْ صِفَاتُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ؟ فَقُلْنَا: تِلْكَ آثَارٌ مَكْذُوبَةٌ لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا، وَلَوْ صَحَّتْ لَكُنَّا أَبْدَرَ إلَى الْأَخْذِ بِهَا مِنْكُمْ.
وَهِيَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «نَهَى
стр. 2901
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ أَنْ تُبَاعَ الْمَغَانِمُ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ، وَعَنْ بَيْعِ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ مَا فِي ضُرُوعِهَا إلَّا بِكَيْلٍ، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: جَهْضَمٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ الْعَبْدِيُّ: مَجْهُولُونَ، وَشَهْرٌ مَتْرُوكٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّحُوهُ فَهُوَ دَمَارٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا فِيهِ، وَكُلُّهُمْ - يَعْنِي الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا - يُجِيزُونَ بَيْعَ الْأَجِنَّةِ فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ مَعَ الْأُمَّهَاتِ.
وَالْمَالِكِيُّونَ يُجِيزُونَ بَيْعَ اللَّبَنِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَاَلَّذِي فِي الضُّرُوعِ بِغَيْرِ كَيْلٍ لَكِنْ شَهْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَيُجِيزُونَ شِرَاءَ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ وَالْأَوْلَى؟ وَالْحَنَفِيُّونَ يُجِيزُونَ أَخْذَ الْقِيمَةِ عَنْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ - وَهَذَا هُوَ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ، وَهَذَا بَيْعُ الْغَرَرِ حَقًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا بَاعَ وَلَا أَيَّهَا بَاعَ، وَلَا قِيمَةَ مَاذَا أَخَذَ -: فَهُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ حَقًّا، وَالْغَرَرُ حَقًّا، وَالْحَرَامُ حَقًّا.
وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - فِيهِ النَّهْي عَنْ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَادَ - وَهَكَذَا نَقُولُ، كَمَا حَمَلُوا خَبَرَهُمْ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْآبِقِ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ إبَاقِهِ: لَا، وَهُوَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُهُمْ بِخَبَرِهِمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ، وَحَرَّمُوا بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ بَيْعِ الْجَمَلِ الشَّارِدِ؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا الْجَمَلَ الشَّارِدَ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ نَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ: هَلَّا قِسْتُمْ الْجَمَلَ الشَّارِدَ فِي إيجَابِ الْجُعْلِ فِيهِ عَلَى الْجُعْلِ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ؟
стр. 2902
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَأْتِ الْأَثَرُ فِي الْآبِقِ؟ قُلْنَا: وَلَا جَاءَ هَذَا الْأَثَرُ السَّاقِطُ - أَيْضًا - إلَّا فِي الْآبِقِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، وَعِكْرِمَةَ: أَنَّهُمَا لَمْ يُجِيزَا بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: وَلَا الْجَمَلِ الشَّارِدِ - وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِنَا -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ اشْتَرَى بَعِيرًا وَهُوَ شَارِدٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالثِّقَةِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ مِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَهُمْ وَيَجْعَلُونَهُ إجْمَاعًا، وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ: إذَا رَوَى الصَّاحِبُ خَبَرًا وَخَالَفَهُ فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَرْكِ الْخَبَرِ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: إبَاحَةُ بَيْعِ الْجَمَلِ الشَّارِدِ - فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ غَرَرًا مَا خَالَفَ مَا
رَوَى، هَذَا لَازِمٌ لَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَإِلَّا فَالتَّنَاقُضُ حَاصِلٌ، وَهَذَا أَخَفُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ لِي عَبْدًا آبِقًا، وَإِنَّ رَجُلًا يُسَاوِمنِي بِهِ، أَفَأَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّك إذَا رَأَيْته فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ إنْ شِئْت أَجَزْتَ الْبَيْعَ وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تُجِزْهُ - قَالَ الشَّعْبِيُّ: إذَا أَعْلَمَهُ مِنْهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ جَازَ بَيْعُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَإِنَّ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا أَبَقَ غُلَامُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: بِعْنِي غُلَامَك؟ فَبَاعَهُ مِنْهُ، ثُمَّ اخْتَصَمَا إلَى شُرَيْحٍ: فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ كَانَ أَعْلَمَهُ مِثْلَ مَا عَلِمَ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، قَالَ: أَبَقَ غُلَامٌ لِرَجُلٍ فَعَلِمَ مَكَانَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَخَاصَمَهُ إلَى شُرَيْحٍ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: فَسَمِعْت شُرَيْحًا يَقُولُ لَهُ: أَكُنْت أَعْلَمْتَهُ مَكَانَهُ ثُمَّ اشْتَرَيْتَهُ؟ فَرَدَّ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَهُ.
стр. 2903
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ كِتْمَانَهُ مَكَانَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، أَيُّهُمَا عَلِمَهُ فَكَتَمَهُ غِشٌّ وَخَدِيعَةٌ، وَالْغِشُّ، وَالْخَدِيعَةُ يُرَدُّ مِنْهُمَا الْبَيْعُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِشِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ إذَا كَانَ عِلْمُهُمَا فِيهِ وَاحِدًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو سَعْدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ الْغَائِبَةَ إذَا كَانَ قَدْ رَآهَا، وَيَقُولُ إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَهِيَ لِي، وَلَمْ يَخُصَّ غَيْرَ شَارِدَةٍ مِنْ شَارِدَةٍ وَالشَّارِدَةُ غَائِبَةٌ.
وَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ: عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد، وَأَصْحَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمِسْكِ فِي نَافِجَتِهِ مَعَ النَّافِجَةِ]
١٤٢٤ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ الْمِسْكِ فِي نَافِجَتِهِ مَعَ النَّافِجَةِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ، وَمَا فِي دَاخِلِ الْبَيْضِ مَعَ الْبَيْضِ، وَالْجَزَرِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالصَّنَوْبَرِ، وَالْبَلُّوطِ، وَالْقَسْطَلِ، وَكُلِّ ذِي قِشْرٍ مَعَ قِشْرِهِ - كَانَ عَلَيْهِ قَشِرَانِ أَوْ وَاحِدٌ - وَالْعَسَلِ مَعَ الشَّمْعِ فِي شَمْعِهِ، وَالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ فِي جِلْدِهَا مَعَ جِلْدِهَا: جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا هُوَ مِمَّا يَكُونُ مَا فِي دَاخِلِهِ بَعْضًا لَهُ.
وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونُ بِمَا فِيهِ مِنْ الزَّيْتِ، وَالسِّمْسِمُ بِمَا فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَالْإِنَاثُ بِمَا فِي ضُرُوعِهَا مِنْ اللَّبَنِ، وَالْبُرُّ، وَالْعَلَسُ فِي أَكْمَامِهِ مَعَ الْأَكْمَامِ، وَفِي سُنْبُلِهِ مَعَ السُّنْبُلِ: كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَسَنٌ.
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مَغِيبٍ فِي غَيْرِهِ مِمَّا غَيَّبَهُ النَّاسُ إذَا كَانَ مِمَّا لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ - لَا مَعَ وِعَائِهِ وَلَا دُونَهُ - فَإِنْ كَانَ مِمَّا قَدْ رُئِيَ: جَازَ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ، كَالْعَسَلِ، وَالسَّمْنِ فِي ظَرْفِهِ، وَاللَّبَنِ كَذَلِكَ، وَالْبُرِّ فِي وِعَائِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ الْجَزَرِ، وَالْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، وَالسَّلْجَمِ، وَالْفُجْلِ، قَبْلَ أَنْ يُقْلَعَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا لَهُ قَشِرَانِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُزَالَ الْقِشْرُ الْأَعْلَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ جِسْمٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَهُ طُولٌ، وَعَرْضٌ، وَعُمْقٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَكَذَلِكَ بَيْعُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ جَائِزٌ.
стр. 2904
وَقَدْ أَجْمَعُوا وَصَحَّتْ السُّنَنُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ التَّمْرِ، وَالْعِنَبِ، وَالزَّبِيبِ، وَفِيهَا النَّوَى، وَأَنَّ النَّوَى دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْبَيْضِ كَمَا هُوَ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مِنْهُ مَا فِي دَاخِلِهِ، وَدَخَلَ الْقِشْرُ فِي الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ.
وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونُ بِمَا فِيهِ مِنْ الزَّيْتِ، وَالسِّمْسِمُ بِمَا فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَالشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ كَمَا هِيَ - فَلَيْتَ شِعْرِي: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، الْمِسْكُ فِي نَافِجَتِهِ مَعَ النَّافِجَةِ، وَالْعَسَلُ فِي شَمْعِهِ مَعَ الشَّمْعِ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ لَا فِي قُرْآنٍ، وَلَا فِي سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَعْقُولٍ، وَلَا رَأْيٍ يَصِحُّ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَيْعٌ قَدْ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] لَوْ كَانَ حَرَامًا لَفَصَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا، فَإِذْ لَمْ يُفَصِّلْهُ فَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْلِيلِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: هُوَ غَرَرٌ؟ قُلْنَا: أَوْ لَيْسَ عَلَى قَوْلِكُمْ هَذَا سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا غَرَرًا أَيْضًا؟ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ، وَأَمَّا الْحَقُّ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ غَرَرًا؛ لِأَنَّهُ جِسْمٌ وَاحِدٌ خَلَقَهُ اللَّهُ كَمَا هُوَ وَكُلُّ مَا فِي دَاخِلِهِ بَعْضٌ لِجُمْلَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَظَاهِرُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي مُغَيَّبِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَةِ مَا فِي الْقِشْرِ - بَيْنَ كَوْنِهِ فِي قِشْرٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ فِي قَشِرَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ - وَهُوَ قَدْ أَجَازَ بَيْعَ الْبَيْضِ فِي غُلَافَيْنِ بِالْعَيَانِ، إحْدَاهُمَا: الْقِشْرُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْقَيْضُ، وَالثَّانِي: الْغِرْقِئُ، وَلَا غَرَضَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا فِيمَا فِيهِمَا، لَا فِيهِمَا - مَعَ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَا قَدَرْنَا عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ الْغَرَرِ فَعَلَيْنَا أَنْ نُزِيلَهُ؟ قُلْنَا: وَإِنَّكُمْ لَقَادِرُونَ عَلَى إزَالَةِ الْقِشْرِ الثَّانِي فَأَزِيلُوهُ وَلَا بُدَّ، لِأَنَّهُ غَرَرٌ -.
فَإِنْ قَالُوا: لَا ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى اللَّوْزِ، وَالْجَوْزِ، وَالْقَسْطَلِ، وَالْبَلُّوطِ؟ قُلْنَا: لَا، مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْبَلُّوطِ، وَلَا عَلَى الْقَسْطَلِ، وَلَا عَلَى اللَّوْزِ - فِي الْأَكْثَرِ -.
وَأَيْضًا: فَلَا ضَرَرَ عَلَى التَّمْرِ فِي إزَالَةِ نَوَاهُ.
стр. 2905
وَأَيْضًا: فَمَا عَلِمْنَا حَرَامًا يُحِلُّهُ خَوْفُ ضَرَرٍ عَلَى فَاكِهَةٍ لَوْ خِيفَ عَلَيْهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَءًا لَهُ رُطَبٌ لَا يَيْبَسُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيه مِنْهُ إلَّا بِتَمْرٍ يَابِسٍ لَمَا حَلَّ لَهُ بَيْعُهُ خَوْفَ الضَّرَرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَءًا خَافَ عَدُوًّا ظَالِمًا عَلَى ثَمَرَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَدَا صَلَاحُهَا لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا خَوْفَ الضَّرَرِ عَلَيْهَا؟
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْحَامِلِ بِحَمْلِهَا]
١٤٢٥ - مَسْأَلَةٌ
: وَمِنْ هَذَا بَيْعُ الْحَامِلِ بِحَمْلِهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، لِأَنَّ الْحَمْلَ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَمَنِيِّ الْمَرْأَةِ وَدَمِهَا، فَهُوَ بَعْضُ أَعْضَائِهَا وَحَشْوَتِهَا، مَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَبَيْعُهَا بِحَمْلِهَا كَمَا هِيَ جَائِزٌ، وَهِيَ وَحَمْلُهَا لِلْمُشْتَرِي.
فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّهَا أُنْثَى، وَقَدْ يَكُونُ الْجَنِينُ ذَكَرًا وَهِيَ فَرْدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ فِي بَطْنِهَا اثْنَانِ، وَقَدْ تَكُونُ هِيَ كَافِرَةً وَمَا فِي بَطْنِهَا مُؤْمِنًا، وَقَدْ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا وَيَعِيشُ الْآخَرُ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا وَالْآخَرُ صَحِيحًا، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَسْوَدَ وَالْآخَرُ أَبْيَضَ - وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا قَتْلٌ لَمْ تُقْتَلْ هِيَ حَتَّى تَلِدَ.
فَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُهَا، فَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ فِي بَيْعِهَا - وَهَكَذَا فِي إنَاثِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ - حَاشَ اخْتِلَافَ الدِّينِ فَقَطْ، أَوْ الْقَتْلَ فَقَطْ.
فَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ حَتَّى الْآنَ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا وَوَلَدُهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُزَايِلْهَا بَعْدُ، فَحُكْمُهُ فِي الْبَيْعِ كَمَا كَانَ حَتَّى يُزَايِلَهَا - وَلَيْسَ كَوْنُهُ غَيْرَهَا، وَكَوْنُ اسْمِهِ غَيْرَ اسْمِهَا، وَصِفَاتُهُ غَيْرَ صِفَاتِهَا -: بِمُخْرِجٍ لَهُ عَمَّا كَانَ لَهُ مِنْ الْحُكْمِ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا النَّوَى هُوَ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ التَّمْرِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: نَوَى التَّمْرِ، وَصِفَاتُهُ غَيْرُ صِفَاتِ التَّمْرِ، وَاسْمُهُ غَيْرُ اسْمِ التَّمْرِ - وَكَذَلِكَ قِشْرُ الْبَيْضِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ بَيْضُ ذَاتِ الْبَيْضِ قَبْلَ أَنْ تَبِيضَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَيْعُهُ كَمَا هُوَ لِأَنَّ اللَّهَ
стр. 2906
تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا هُوَ وَمَا زَالَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبِعِلْمِهِ يَبِيعُونَ التَّمْرَ، وَيَتَوَاهَبُونَهُ.
وَيَبِيعُونَ الْبَيْضَ وَيَتَهَادَوْنَهُ مِنْ بَيْضِ الدَّجَاجِ، وَالضِّبَابِ، وَالنَّعَامِ.
وَيَتَبَايَعُونَ الْعَسَلَ وَيَتَهَادَوْنَهُ، كَمَا يَشْتَرُونَهُ فِي شَمْعِهِ.
وَيَتَبَايَعُونَ إنَاثَ الضَّأْنِ، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيْلِ، وَالْمَعْزِ، وَالْإِبِلِ، وَالْإِمَاءِ وَالظِّبَاءِ - حَوَامِلَ وَغَيْرَ حَوَامِلَ - وَيَغْنَمُونَ كُلَّ ذَلِكَ وَيَقْتَسِمُونَهُنَّ، وَيَتَوَارَثُونَهُنَّ وَيَقْتَسِمُونَهُنَّ كَمَا هُنَّ، فَمَا جَاءَ قَطُّ نَصٌّ بِأَنَّ لِلْأَوْلَادِ حُكْمًا آخَرَ قَبْلَ الْوَضْعِ، فَبَيْعُ الْحَامِلِ بِحَمْلِهَا جَائِزٌ كَمَا هُوَ مَا لَمْ تَضَعْهُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا وَبِهِ نَقُولُ؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ، وَعَمَلٌ وَاحِدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَا تَوَلَّى الْمَرْءُ وَضْعَهُ فِي الشَّيْءِ كَالْبَذْرِ يُزْرَعُ]
١٤٢٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا تَوَلَّى الْمَرْءُ وَضْعَهُ فِي الشَّيْءِ كَالْبَذْرِ يُزْرَعُ، وَالنَّوَى يُغْرَسُ، فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ أَوْدَعَهُ الْمَرْءُ فِي شَيْءٍ آخَرَ مُبَايِنٍ لَهُ، بَلْ هَذَا وَوَضْعُهُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي الْكِيسِ، وَالْبُرَّ فِي الْوِعَاءِ، وَالسَّمْنَ فِي الْإِنَاءِ سَوَاءٌ، وَلَا يَدْخُلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ.
وَمَنْ بَاعَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا مَعَهُ، وَمُضَافًا إلَيْهِ.
فَمَنْ بَاعَ أَرْضًا فِيهِ بَذْرٌ مَزْرُوعٌ وَنَوًى مَغْرُوسٌ - ظَهَرَا أَوْ لَمْ يَظْهَرَا - فَكُلُّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا يَظْهَرُ نَبَاتُهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مِنْ الزَّرْعِ خَاصَّةً، وَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ فِي الْبَيْعِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ، وَلَا مِنْ احْتِيَاطٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، بَلْ الْقُرْآنُ يُبْطِلُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 2907
وَوَجَدْنَا الْبَذْرَ، وَالنَّوَى: مَالًا لِلْبَائِعِ بِلَا شَكٍّ، فَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ إلَّا بِالرِّضَا الَّذِي مَلَّكَهُ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمِسْكِ دُونَ النَّافِجَةِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْهَا]
١٤٢٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْمُغَيَّبَاتِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا دُونَ مَا عَلَيْهَا أَصْلًا -: لَا يَحِلُّ بَيْعُ النَّوَى - أَيُّ نَوًى كَانَ - قَبْلَ إخْرَاجِهِ وَإِظْهَارِهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ.
وَلَا بَيْعُ الْمِسْكِ دُونَ النَّافِجَةِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ النَّافِجَةِ.
وَلَا بَيْعُ الْبَيْضِ دُونَ الْقِشْرِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ عَنْهُ.
وَلَا بَيْعُ حَبِّ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالصَّنَوْبَرِ، وَالْبَلُّوطِ، وَالْقَسْطَلِ، وَالْجِلَّوْزِ، وَكُلِّ ذِي قِشْرَةٍ دُونَ قِشْرِهِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ قِشْرِهِ.
وَلَا بَيْعُ الْعَسَلِ دُونَ شَمْعِهِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ شَمْعِهِ.
وَلَا لَحْمِ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ دُونَ جِلْدِهَا قَبْلَ سَلْخِهَا.
وَلَا بَيْعُ زَيْتٍ دُونَ الزَّيْتُونِ قَبْلَ عَصْرِهِ.
وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَدْهَانِ دُونَ مَا هُوَ فِيهِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْهَا.
وَلَا بَيْعُ حَبِّ الْبُرِّ دُونَ أَكْمَامِهِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْهَا.
وَلَا بَيْعُ سَمْنٍ مِنْ لَبَنٍ قَبْلَ إخْرَاجِهِ، وَلَا بَيْعُ لَبَنٍ قَبْلَ حَلْبِهِ أَصْلًا.
وَلَا بَيْعُ الْجَزَرِ، وَالْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، وَالْفُجْلِ قَبْلُ قَلْعِهِ - لَا مَعَ الْأَرْضِ وَلَا دُونَهَا - لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بَيْعُ غَرَرٍ، لَا يُدْرَى مِقْدَارُهُ وَلَا صِفَتُهُ وَلَا رَآهُ أَحَدٌ فَيَصِفُهُ.
وَهُوَ أَيْضًا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ وُجُودُ الرِّضَا عَلَى مَجْهُولٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرَاضِي عَلَى مَا عُلِمَ وَعُرِفَ، فَإِذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَلَا مِقْدَارِهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّرَاضِي بِهِ، وَإِذْ لَا سَبِيلَ إلَى التَّرَاضِي بِهِ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَأَمَّا الْجَزَرُ، وَالْبَصَلُ، وَالْكُرَّاثُ، وَالْفُجْلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَرَهُ قَطُّ أَحَدٌ، وَلَا تُدْرَى صِفَتُهُ: فَهُوَ بَيْعُ غَرَرٍ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ - إذَا بِيعَ وَحْدَهُ - وَأَمَّا بَيْعُهُ بِالْأَرْضِ مَعًا
стр. 2908
فَلَيْسَ مِمَّا ابْتَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُكَوِّنُ بَعْضَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الزَّارِعِ لَهَا، أَوْدَعَهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا لَوْ أَوْدَعَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ سَائِرِ مَالِهِ وَلَا فَرْقَ، فَمَا لَمْ يَسْتَحِلَّ الْبَذْرُ عَنْ هَيْئَتِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ مَعَ الْأَرْضِ وَدُونَهَا لِأَنَّهُ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَعْرُوفُ الْقَدْرِ، وَقَدْ رَآهُ بَائِعُهُ أَوْ مَنْ وَصَفَهُ لَهُ، فَبَيْعُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّرَاضِيَ بِهِ مُمْكِنٌ وَأَمَّا إذَا اسْتَحَالَ عَنْ حَالِهِ فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ هُوَ وَمَا صِفَتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ مُضَافٌ إلَيْهَا، فَهُوَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ جُمْلَةً، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ مَجْهُولِ الصِّفَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ حَتَّى يُقْلَعَ وَيُرَى - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِمَّنْ أَبْطَلَ بَيْعَ هَذِهِ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ.
وَقَدْ تَنَاقَضَ الْحَاضِرُونَ مِنْ مُخَالِفِينَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَا -: فَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَ لَحْمِ الشَّاةِ مَذْبُوحَةً قَبْلَ السَّلْخِ وَأَوْجَبَ السَّلْخَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَأَجَازَ بَيْعَ الْبُرِّ دُونَ التِّبْنِ وَالْأَكْمَامِ قَبْلَ أَنْ يُدْرَسَ وَيُصَفَّى، وَجَعَلَ الدَّرْسَ وَالتَّصْفِيَةَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَأَجَازَ بَيْعَ الْجَزَرِ، وَالْبَصَلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مُغَيَّبًا فِي الْأَرْضِ.
وَأَوْجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَقْلَعَ مِنْهُ أُنْمُوذَجًا قَدْرَ مَا يُرِيهِ الْمُشْتَرِيَ فَإِنْ رَضِيَهُ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَلْعُ سَائِرِهِ - فَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ قَلْعَ أُنْمُوذَجٍ مِنْهُ فَلَمْ يَرْضَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ - فَلَوْ قَلَعَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ أُنْمُوذَجٍ فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أُجِيزَ الْبَائِعَ وَلَا الْمُشْتَرِيَ عَلَى قَلْعٍ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ تَشَاحَّا أَبْطَلْتُ الْبَيْعَ.
فَإِنْ قَلَعَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ فِي الْمَكَايِيلِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي إمْضَاءٍ أَوْ فَسْخٍ، فَإِنْ قَلَعَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ كُلُّهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ فِي هَذَا لَعَجَبًا، لَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ الْبَائِعَ عَلَى الدَّرْسِ، وَالتَّصْفِيَةِ، وَالسَّلْخِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِ الْجَزَرِ، وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، وَالْفُجْلِ؟ وَهَلْ سُمِعَ بِأَسْخَفَ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ؟ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا هَذَا " الْأُنْمُوذَجُ " الَّذِي لَا هُوَ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ مِنْ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَخَاطَبَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2909
وَلَا لَفْظَةٌ شَرْعِيَّةٌ، ثُمَّ صَارَ يُشَرِّعُ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ الشَّرَائِعَ فَيُحَرِّمُ وَيُحَلِّلُ، فَعَلَى " الْأُنْمُوذَجِ " الْعَفَاءُ، وَصَفْعُ الْقَفَاءِ، وَعَلَى كُلِّ شَرِيعَةٍ تُشَرَّعُ بِالْأُنْمُوذَجِ.
ثُمَّ تَحْدِيدُ أَبِي يُوسُفَ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ لَا الْمَكَايِيلَ؛ وَقَدْ يَتَّخِذُ الْبَاعَةُ مَكَايِيلَ صِغَارًا جِدًّا، وَمَا عَهِدْنَا بِالْجَزَرِ، وَلَا الْفُجْلِ: يَقَعَانِ فِي الْكَيْلِ، فَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ لَهُ تَحْدِيدُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِهَذَا الْحَدِّ الْفَاسِدِ - وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى السَّلَامَةِ؟ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ جَوَازُ بَيْعِ هَذِهِ الْمُغَيَّبَاتِ دُونَ الْأَرْضِ؟ وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْجَنِينِ دُونَ أُمِّهِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَكِلَاهُمَا غَرَرٌ وَبَيْعُ مَجْهُولٍ.
ثُمَّ أَطْرَفُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: مَنْعُهُمْ مِنْ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ، وَذِرَاعٍ مَحْدُودَةٍ مِنْ هَذَا الطَّرْفِ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، أَوْ ذِرَاعٍ مَحْدُودٍ إلَى طَرْفِهِ مِنْ خَشَبَةٍ حَاضِرَةٍ، وَحِلْيَةِ هَذَا السَّيْفِ دُونَ جَفْنِهِ وَنَصْلِهِ؟ وَرَأَوْا هَذَا غَرَرًا وَعَمَلًا مُشْتَرَطًا يُفْسِدُ الْبَيْعَ - وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ. وَلَمْ يَرَوْا الدَّرْسَ، وَالتَّصْفِيَةَ، وَالسَّلْخَ غَرَرًا، وَلَا عَمَلًا مُشْتَرَطًا يُفْسِدُ الْبَيْعَ؟ فَهَلْ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمُتَخَاذِلَةِ حَظٌّ مِنْ الْعِلْمِ؟ ثُمَّ أَجَازُوا بَيْعَ الْقَصِيلِ عَلَى الْقَطْعِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى الْقَطْعِ.
وَأَجَازُوا بَيْعَ جِذْلِ نَخْلَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ؛ وَلَمْ يَرَوْا قَطْعَهُ غَرَرًا، وَلَا عَمَلًا مُشْتَرَطًا يُفْسِدُ الْبَيْعَ؟ وَهَلْ يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ فِي أَنَّ إدْخَالَ الْجِلْمِ إلَى حَاشِيَةٍ مَحْدُودَةٍ مِنْ ثَوْبٍ وَقَطْعَهُ، وَقَلْعَ حِلْيَةٍ عَلَى غِمْدِ سَيْفٍ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى غُلَامٍ مُرَاهِقٍ: أَسْهَلُ وَأَخَفُّ مِنْ دَرْسِ أَلْفِ كُرٍّ وَتَصْفِيَتِهَا وَمِنْ سَلْخِ نَاقَةٍ؟ وَلَكِنَّ هَذَا مِقْدَارُ نَظَرِهِمْ وَفِقْهِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصُّوفُ يُنَمَّى وَلَا يُدْرَى أَيْنَ يَقَعُ الْقَطْعُ مِنْهُ وَمِنْ الثَّوْبِ؟ فَقُلْنَا: وَالْجِذْلُ يُنَمَّى وَلَا يُدْرَى أَيْنَ يَقَعُ الْقَطْعُ مِنْهُ وَلَا فَرْقَ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃؟
стр. 2910
قُلْنَا: وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا أَدْرَكْت الصَّفْقَةَ مَجْمُوعًا حَيًّا فَمِنْ الْبَائِعِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَخَالَفْتُمُوهُ، فَمَا الَّذِي جَعَلَ أَحَدَهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ؟ وَقَالُوا: لَوْ أَنَّ أَرْضًا تَكْسِيرُهَا مَعْلُومٌ مِائَةُ ذِرَاعٍ فِي مِثْلِهَا، أَوْ دَارًا كَذَلِكَ: فَبَاعَ صَاحِبُهَا مِنْهَا عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا مُشَاعًا فِي جَمِيعِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.
فَلَوْ بَاعَ مِنْهَا عَشَرَةَ أَسْهُمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مُشَاعًا فِي جَمِيعِهَا جَازَ ذَلِكَ -.
وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيك بِهِ، وَتَحْرِيمُ شَيْءٍ وَإِبَاحَتُهُ بِعَيْنِهِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ إنَّمَا هُوَ بَيْعُ الْعُشْرِ مُشَاعًا.
وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَ نَصْلِ السَّيْفِ وَحَمَائِلِهِ وَنِصْفِ حِلْيَتِهِ مُشَاعًا، وَقَالُوا: هَذَا ضَرَرٌ - فَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ ضَرَرٍ فِي هَذَا؟ وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَأَجَازُوا بَيْعَ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ، وَوُفِّقُوا فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ أُخِذَ فِي جَزَازِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَجَازُوا بَيْعَ لَبَنِ الْغَنَمِ الْكَثِيرَةِ شَهْرَيْنِ فَأَقَلَّ -.
وَهَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، أَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ لَمْ يُخْلَقْ، وَبَيْعُ غَرَرٍ.
وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ وَاحِدَةٍ كُلِّهِ، وَقَالُوا: هَذَا غَرَرٌ وَقَدْ تَمُوتُ؟ فَقُلْنَا: وَقَدْ تَمُوتُ الْكَثِيرَةُ أَوْ يَمُوتُ بَعْضُهَا.
وَنَسْأَلُهُمْ عَنْ بَيْعِ لَبَنِ شَاتَيْنِ كَذَلِكَ؟ فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ سَأَلْنَاهُمْ عَنْ لَبَنِ ثَلَاثِ شِيَاهٍ؟ وَلَا نَزَالُ نَزِيدُهُمْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً حَتَّى يَحِدُّوا مَا يُحَرِّمُونَ مِمَّا يُحَلِّلُونَ، ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَنْ الْفَرْقِ؟ وَذَلِكَ مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
وَأَجَازُوا بَيْعَ بُطُونِ الْمَقَاثِي، وَالْيَاسَمِينِ، وَجِزَّاتِ الْقَصِيلِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَرَوْهُ غَرَرًا، وَرَأَوْا بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ وَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ: غَرَرًا، فَيَا لَهَذِهِ الْعَجَائِبِ.
وَأَجَازُوا بَيْعَ لَحْمِ الشَّاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ دُونَ جِلْدِهَا.
وَأَجَازُوا اسْتِثْنَاءَ أَرْطَالٍ يَسِيرَةٍ مِنْ لَحْمِهَا لِلْبَائِعِ الثُّلُثَ فَأَقَلُّ.
وَمَنَعُوا مِنْ اسْتِثْنَاءِ أَكْثَرَ - فَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيِّ أَعْضَائِهَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَرْطَالُ وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الصِّفَاتِ وَالْقِيَمِ؟
следующие страницы →