← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ» ؟ . قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْبِسُ، نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَرِهِ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ» . فَهَذَا النَّبِيُّ ﵇ قَدْ احْتَبَسَ قُوتَ أَهْلِهِ سَنَةً، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْثَرَ. فَصَحَّ أَنَّ إمْسَاكَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مُبَاحٌ، وَالشِّرَاءُ مُبَاحٌ، وَالْمَذْكُورُ بِالذَّمِّ هُوَ غَيْرُ الْمُبَاحِ بِلَا شَكٍّ، فَهَذَا الِاحْتِكَارُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَكُلُّ احْتِكَارٍ فَإِنَّهُ إمْسَاكٌ، وَالِاحْتِكَارُ مَذْمُومٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إمْسَاكٍ مَذْمُومًا، بَلْ هُوَ مُبَاحٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ بِالْمَنْعِ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ الْمَذْمُومُ حِينَئِذٍ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَقَدْ رُوِّينَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ» . وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ بْنَ زَيْدٍ، وَكَثِيرَ بْنَ مُرَّةَ مَجْهُولَانِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَكَمِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَحْرَقَ طَعَامًا اُحْتُكِرَ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ حُبَيْشٌ أَحْرَقَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيَادِرَ بِالسَّوَادِ كُنْت احْتَكَرْتهَا، لَوْ تَرَكَهَا لَرَبِحْت فِيهَا مِثْلَ عَطَاءِ الْكُوفَةِ - الْبَيَادِرُ أَنَادِرُ الطَّعَامِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَيَلْزَمُ مَنْ شَنَّعَ بِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَأْخُذَ بِهِ. [مَسْأَلَة التِّجَارَة إلَى أَرْض الْحَرْب] ١٥٦٩ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ كَانَ التُّجَّارُ الْمُسْلِمُونَ إذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ أُذِلُّوا بِهَا

стр. 3187

وَجَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ، فَالتِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ حَرَامٌ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَنَكْرَهُهَا فَقَطْ، وَالْبَيْعُ مِنْهُمْ جَائِزٌ إلَّا مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَوَابَّ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَصْلًا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] فَالدُّخُولُ إلَيْهِمْ بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَى الدَّاخِلِ أَحْكَامُهُمْ وَهَنٌ وَانْسِفَالٌ وَدُعَاءٌ إلَى السَّلْمِ - وَهَذَا كُلُّهُ مُحَرَّمٌ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَتَقْوِيَتُهُمْ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ، وَيُنَكَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَيُبَالَغُ فِي طُولِ حَبْسِهِ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً] ١٥٧٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً فَهِيَ صَفْقَةٌ مَفْسُوخَةٌ كُلُّهَا، لَا خِيَارَ لَهُ فِي إمْسَاكِهَا إلَّا بِأَنْ يُجَدِّدَا فِيهَا بَيْعًا آخَرَ بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَعِيبَ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ السَّالِمِ، وَهُوَ إنَّمَا اشْتَرَى سَالِمًا فَأُعْطِيَ مَعِيبًا، فَاَلَّذِي أُعْطِيَ غَيْرُ الَّذِي اشْتَرَى فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا لَمْ يَشْتَرِ؛ لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة أشترى سِلْعَة وَلَمْ يَشْتَرِط السلامة مِنْ الْعُيُوب فوجدها مُعَيَّبَة] ١٥٧١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ السَّلَامَةَ، وَلَا بُيِّنَ لَهُ مَعِيبٌ فَوَجَدَ عَيْبًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْسَاكٍ أَوْ رَدٍّ، فَإِنْ أَمْسَكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِعَيْنِ مَا اشْتَرَى فَلَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ رِضَاهُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ خَدِيعَةً وَغِشًّا وَغَبْنًا - وَالْغِشُّ، وَالْخَدِيعَةُ: حَرَامَانِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مَا اشْتَرَى، وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ تَرْكُ الرِّضَا بِمَا غُبِنَ فِيهِ فَقَطْ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ لَهُ حَقًّا فِي مَالِ الْبَائِعِ: قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، بَلْ مَالُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْمُعَامِلِ لَهُ لَمْ تَطِبْ لَهُ بِبَعْضِ مَا بَاعَ مِنْهُ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يَحِلُّ مَالُ أَحَدٍ إلَّا بِتَرَاضٍ، أَوْ بِنَصٍّ يُوجِبُ إحْلَالَهُ لِغَيْرِهِ - وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا أَوْ أَقَلَّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3188

[مَسْأَلَة أشترى مصراة يَظُنّهَا لبونا فتبين غَيْر ذَلِكَ] مَسْأَلَةٌ: هَذَا حُكْمُ كُلِّ مَعِيبٍ حَاشَا الْمُصَرَّاةَ فَقَطْ، فَإِنَّ حُكْمَهَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً وَهِيَ مَا كَانَ يُحْلَبُ مِنْ إنَاثِ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ يَظُنُّهَا لَبُونًا فَوَجَدَهَا قَدْ رُبِطَ ضَرْعُهَا حَتَّى اجْتَمَعَ اللَّبَنُ، فَلَمَّا حَلَبَهَا افْتَضَحَ لَهُ الْأَمْرُ: فَلَهُ الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَلَا بُدَّ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُصَرَّاةُ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ لَا يَرُدُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا صَاعًا وَاحِدًا مِنْ تَمْرٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ اشْتَرَاهَا بِكَثِيرٍ أَوْ بِقَلِيلٍ، وَلَوْ بِعُشْرِ صَاعِ تَمْرٍ. فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ الَّذِي فِي ضَرْعِهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا حَاضِرًا رَدَّهُ كَمَا هُوَ حَلِيبًا أَوْ حَامِضًا - فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَهُ رَدَّ مَعَهَا لَبَنًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَخَضَهُ أَوْ عَقَدَهُ رَدَّهُ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ قِيمَتِهِ لَبَنًا رَدَّ مَا بَيْنَ النَّقْصِ وَالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَبَنُ الْبَائِعِ -، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا حَدَثَ مِنْ اللَّبَنِ فِي كَوْنِهَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مَالِهِ فَهُوَ لَهُ. فَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ آخَرَ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ التَّمْرِ وَلَا شَيْءٍ غَيْرِ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ فِي ضَرْعِهَا إذَا اشْتَرَاهَا، فَإِنْ انْقَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ، وَلَمْ يَرُدَّهَا بَعْدُ لَزِمَتْهُ، وَبَطَلَ خِيَارُهُ إلَّا مِنْ عَيْبٍ آخَرَ غَيْرِ التَّصْرِيَةِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُصَرَّاةً؛ لِأَنَّ التَّصْرِيَةَ هِيَ الْجَمْعُ وَهَذِهِ جُمِعَ لَبَنُهَا - وَهِيَ أَيْضًا الْمُحَفَّلَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُفِّلَ لَبَنُهَا فِي ضَرْعِهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً أَوْ مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ» السَّمْرَاءُ: الْبُرُّ فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِي كُلَّ مَا قُلْنَاهُ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى سَائِرِ الْأَخْبَارِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ نا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنِي زِيَادٌ قَالَ: إنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ

стр. 3189

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، وَثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، كَمَا أَوْرَدْنَا. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، وَمُوسَى بْنُ يَسَارٍ وَأَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ وَهَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَالْأَعْرَجِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَدَاوُد بْنُ قَيْسٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، وَمَعْمَرٌ، وَأَيُّوبُ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادٍ عَنْ ثَابِتٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ - وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ الثِّقَاتِ. وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُحْصِيهِمْ إلَّا اللَّهُ ، فَصَارَ نَقْلَ كَافَّةٍ وَتَوَاتُرٍ لَا يَرُدُّهُ إلَّا مَحْرُومٌ غَيْرُ مُوَفَّقٍ - وَبِهَذَا يَأْخُذُ السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: نا أَبُو عُثْمَانَ - هُوَ النَّهْدِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ " وَهَذَا إسْنَادٌ كَاللُّؤْلُؤِ وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ فُتْيَاهُ - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمَالِكٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَصْحَابِهِ، إلَّا أَشْهَبَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابِهِمَا، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي لَيْلَى - وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: يَرُدُّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَعَدٍّ لِحُدُودِهِ، وَالزَّائِدُ فِي الشَّيْءِ كَالنَّاقِصِ مِنْهُ.

стр. 3190

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَبُو يُوسُفَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَرُدُّهَا وَقِيمَةَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ - وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ أَمْرِهِ ﵊. وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُؤَدِّي أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ صَاعًا مِنْ أَغْلَبِ عَيْشِهِمْ - وَهَذَا خِلَافٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ كَانَ اللَّبَنُ حَاضِرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ رَدَّهَا وَرَدَّ اللَّبَنَ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ وَلَا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ اللَّبَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ - وَهَذَا خِلَافٌ ظَاهِرٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ اللَّبَنَ رَدَّهَا وَقِيمَةَ مَا أَكَلَ مِنْ اللَّبَنِ. وَيَكْفِي مِنْ فَسَادِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُمَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ لَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهِ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُمْ، وَأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاعْتَرَضُوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ تَعَلَّلُوا فِي الْخَبَرِ بِعِلَلٍ، فَمَرَّةً قَالُوا: هُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مِنْ كِبَارِ الْأُصُولِ، وَإِنَّمَا الْمُخَالِفُ لِلْأُصُولِ قَوْلُكُمْ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً. وَقَوْلُكُمْ بِأَنَّ الْقَلْسَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَصْلًا إلَّا إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ. وَقَوْلُكُمْ فِي جُعْلِ الْآبِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذَا كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ. وَقَوْلُكُمْ فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ رُبُعُ ثَمَنِهَا، وَالْوُضُوءِ بِالْخَمْرِ، وَسَائِرِ تِلْكَ الطَّوَامِّ الَّتِي هِيَ بِالْمَضَاحِكِ، وَبِمَا يَأْتِي بِهِ الْمُبَرْسَمُ: أَشْبَهُ مِنْهَا بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَمَرَّةً قَالُوا: لَمَّا لَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتْرُوكٌ؟ فَقُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ؛ وَهَلَّا عَارَضْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ، إذْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ وَالْمُعْتَقِ بِصِفَةٍ، وَإِذْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْخُبْزِ فِي الْأَكْلِ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، وَإِذْ لَمْ تَقِيسُوا عَلَى الْجَنِينِ يُلْقَى فَيَكُونُ فِيهِ غُرَّةٌ. وَمَرَّةً قَالُوا: هُوَ مَنْسُوخٌ بِالتَّحْرِيمِ فِي الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ مِنْ التَّمْرِ بِطَعَامٍ مِنْ اللَّبَنِ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ مَا هُوَ لَبَنٌ بِطَعَامٍ وَلَا بِتَمْرٍ، إنَّمَا هُوَ تَمْرٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ - إنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمُصَرَّاةَ - كَمَا أَوْجَبَ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ مُسْتَحِلَّةٌ بِذَلِكَ

стр. 3191

النِّكَاحِ فَرْجَهُ الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ مُسْتَحِلٌّ بِهِ فَرْجَهَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَرَامًا وَلَا فَرْقَ. وَكَمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا نَدَبَ لَهَا. وَمَرَّةً قَالُوا: أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ إنَّمَا بَاعَهَا مِنْهُ بِمُدِّ تَمْرٍ أَلَيْسَ تَرْجِعُ عَلَيْهِ وَصَاعُ تَمْرٍ، أَوْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ لَبَنُهَا كَثِيرًا جِدًّا أَوْ قَلِيلًا جِدًّا، أَلَيْسَ صَاعُ التَّمْرِ عِوَضًا مَرَّةً عَنْ نِصْفِ صَاعِ اللَّبَنِ، وَمَرَّةً عَنْ صِيعَانٍ كَثِيرَةٍ مِنْ اللَّبَنِ؟ قُلْنَا: لَا، مَا هُوَ عِوَضًا عَنْ اللَّبَنِ، وَأَمَّا فِي ابْتِيَاعِهِ إيَّاهَا بِمُدِّ تَمْرٍ فَنَقُولُ: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَهَلَّا عَارَضْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ إذْ قُلْتُمْ: يَغْرَمُ سَيِّدُ الْآبِقِ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا - وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ لَا يُسَاوِي إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا - وَلَا يُؤَدِّي قَاتِلُ الْأَمَةِ خَطَأً إلَّا خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ غَيْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ - وَلَوْ أَنَّهَا كَانَتْ تُسَاوِي مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ؟ فَهَهُنَا فِي هَذِهِ الْحَمَاقَاتِ هُوَ الِاعْتِرَاضُ، لَا عَلَى الْمُتَيَقَّنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمَرَّةً قَالُوا: كَانَ هَذَا الْحُكْمُ إذْ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ فِي الْأَمْوَالِ كَحَرْقِ رَحْلِ الْغَالِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ كَمَا كَذَبَ الشَّيْطَانُ، وَقُلْتُمْ مَا لَمْ يَأْتِ قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَتِلْكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ مُنْقَسِمَةٌ إلَى ثَلَاثِ أَقْسَامٍ -: إمَّا خَبَرٌ بَاطِلٌ، كَحَدِيثِ أَخْذِ نِصْفِ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَحَدِيثِ حَرْقِ رَحْلِ الْغَالِّ، وَحَدِيثِ وَاطِئِ أَمَةِ امْرَأَتِهِ. وَإِمَّا خَبَرٌ ثَابِتٌ، - فَحُكْمُهُ بَاقٍ كَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْوَاطِئِ عَامِدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ إذَا رَضِيَهَا أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ. وَإِمَّا قِسْمٌ ثَبَتَ بِنَصٍّ آخَرَ نَسْخُهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَمَا نَذْكُرُهُ فِي وَقْتِنَا هَذَا إلَّا أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَصَدَقَ - وَأَمَّا كُلُّ مَنْ ادَّعَى فِي خَبَرٍ ثَابِتٍ نَسْخًا فَهُوَ كَاذِبٌ آفِكٌ آثِمٌ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَمُخْبِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، قَائِلٌ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.

стр. 3192

وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَحَالَهُ؟ فَجَوَابُهُ: كَذَبْتَ كَذَبْتَ كَذَبْتَ، وَقُلْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَاطِلَ، وَقَوَّلْتَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَحَكَمْت بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَرَدَدْت الْيَقِينَ بِالظُّنُونِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرَبٌ فِيهِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ لَبَنٍ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد نا أَبُو كَامِلٍ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ نا صَدَقَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ فَذَكَرَهُ وَفِيهِ: «فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا» . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا - وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا - وَرَوَاهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ» . رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق الْبَزَّارِ نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ الْأَشْعَثِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إنْ رَدَّهَا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ نا أَبُو عَامِرٍ - هُوَ الْعَقَدِيُّ - نا قُرَّةُ - هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ وَحَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ» .

стр. 3193

وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ سِيرِينَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «رَدَّهَا وَإِنَاءً مِنْ طَعَامٍ» . قَالُوا: فَهَذَا اضْطِرَابٌ شَدِيدٌ؟ قُلْنَا: كَلًّا، أَمَّا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَفِيهِ: فُلَيْحِ - وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ. وَأَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ الْعَدَوِيُّ - ضَعِيفٌ مَجْهُولٌ. وَيَعْقُوبُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ - مَجْهُولٌ - فَسَقَطَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَفِيهِ صَدَقَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَجُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ - فَسَقَطَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ عَوْفٍ «إنَاءً مِنْ طَعَامٍ» فَمُجْمَلٌ، فَسَّرَتْهُ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْإِنَاءَ صَاعٌ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الْحَجَّاجِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَإِنَّنَا رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ الْحَجَّاجِ بِإِسْنَادِهِ، فَشَكَّ فِيهِ الْحَجَّاجُ، أَهْوَ بُرٌّ أَمْ لَا. وَرُوِّينَاهَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَحَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ: صَاعُ تَمْرٍ، وَلَا يَشُكُّ. وَحَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ قَتَادَةَ ضَعِيفٌ. فَلَمْ يَبْقَ إلَّا حَدِيثُ أَشْعَثَ وَقُرَّةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُمَا صَحِيحَانِ لَا عِلَّةَ فِيهِمَا، أَحَدُهُمَا «صَاعَ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ» وَالْآخَرُ «صَاعَ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ» وَالطَّعَامُ قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّهُ الْبُرُّ نَفْسُهُ فَقَطْ إذَا أُطْلِقَ هَكَذَا. فَقَالَ قَوْمٌ: إنَّ ابْنَ سِيرِينَ هُوَ الَّذِي اضْطَرَبَ عَلَيْهِ فَالْوَاجِبُ تَرْكُ مَا اضْطَرَبَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَالرُّجُوعُ إلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سِوَاهُ فَلَمْ يَضْطَرِبْ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِدْ هَذَا الْحُكْمَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا

стр. 3194

مَعْقُولٌ، لَكِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ: إنَّ كِلَا اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَطْعِ بِالْوَهْمِ وَالْخَطَأِ عَلَى رِوَايَةِ ثِقَةٍ إلَّا بِيَقِينٍ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ. وَلَا تَخْلُو " السَّمْرَاءُ " مِنْ أَنْ تَكُونَ لَفْظَةً وَاقِعَةً عَلَى بَعْضِ أَصْنَافِ الْبُرِّ، أَوْ تَكُونَ اسْمًا وَاقِعًا عَلَى جَمِيعِ الْبُرِّ، فَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً عَلَى جَمِيعِ الْبُرِّ، فَحَدِيثُ هَؤُلَاءِ وَهْمٌ بِلَا شَكٍّ، وَخَطَأٌ بِلَا مَحَالَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ بُرٍّ وَلَا مِنْ بُرٍّ. وَإِنْ كَانَتْ لَفْظَةُ " السَّمْرَاءِ " وَاقِعَةً عَلَى بَعْضِ أَصْنَافِ الْبُرِّ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُجْزِيَ فِي الْمُصَرَّاةِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا إلَّا صَاعُ تَمْرٍ فَقَطْ، إلَّا الشَّاةَ وَحْدَهَا، فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ صَاعًا مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الْبُرِّ أَعْطَى، حَاشَا " السَّمْرَاءَ " لَا يُجْزِي غَيْرُ التَّمْرِ، وَغَيْرُ " الْبُرِّ " فِي الشَّاةِ إنْ كَانَ كَمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّمْرُ فَقِيمَتُهُ لَوْ وُجِدَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَوْ تَكْلِيفُ الْمَجِيءِ بِالتَّمْرِ وَلَا بُدَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ بِرَدِّ اللَّبَنِ أَوْ تَضْمِينِهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْخَبَرِ؟ قُلْنَا: وَلَا فِي الْخَبَرِ أَنْ لَا يَرُدَّهُ، إلَّا أَنَّ اللَّبَنَ مُشْتَرًى مَعَ الشَّاةِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَالْوَاجِبُ إمْسَاكُ الصَّفْقَةِ أَوْ رَدُّهَا كَمَا قَدَّمْنَا بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا، لَا يَتْرُكُ بَعْضُهَا الْبَعْضَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَالْحَلْبَةُ هِيَ الْفِعْلُ، وَقَدْ تَكُونُ أَيْضًا اللَّبَنَ الْمُحْتَلَبَ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ مَجَازًا، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ اللَّفْظَةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِنَصٍّ، وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِنَصٍّ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة فَاتَ الْمَعِيبُ بِمَوْتٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ إيلَادٍ أَوْ تَلَفٍ] ١٥٧٣ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ فَاتَ الْمَعِيبُ بِمَوْتٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ إيلَادٍ أَوْ تَلَفٍ، فَلِلْمُشْتَرِي، أَوْ الْبَائِعِ: الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْهَنْ وَأَخَذَ الْعَيْبَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَبْنِ فَمَالُهُ حَرَامٌ عَلَى آخِذِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى رَدِّ الصَّفْقَةِ، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ بِمَا لَمْ يَرْضَ بِبَدَلِهِ مِنْ مَالِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ غُبِنَ فِي بَيْعِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْغَبْنِ وَلَا بُدَّ. وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى زَرِيعَةً فَزَرَعَهَا فَلَمْ تَنْبُتْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا كَمَا هِيَ

стр. 3195

رَدِيئَةٌ وَبَيْنَ قِيمَتِهَا نَابِتَةٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَلِفَتْ عَيْنُهَا، فَإِنَّمَا لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْغَبْنِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا نَابِتَةٌ فَالصَّفْقَةُ فَاسِدَةٌ، وَيَرُدُّ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا - إنْ لَمْ تُوجَدْ - وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ -، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الرَّدِّ بِخُرُوجِ الْمَعِيبِ] ١٥٧٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ بَاعَهُ فَرُدَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الرَّدِّ بِخُرُوجِ الْمَعِيبِ عَنْ مِلْكِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَلَمْ يَجِبْ لَهُ إلَّا قِيمَةُ الْغَبْنِ فَقَطْ، وَمَا سَقَطَ حُكْمُهُ بِبُرْهَانٍ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِنَصٍّ يُوجِبُ رُجُوعَهُ -، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مَاتَ الَّذِي لَهُ رَدُّ المعيب قَبْلَ أَنْ يَلْفِظَ بِالرَّدِّ] ١٥٧٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي لَهُ الرَّدُّ قَبْلَ أَنْ يَلْفِظَ بِالرَّدِّ، وَبِأَنَّهُ لَا يَرْضَى: فَقَدْ لَزِمَتْ الصَّفْقَةُ وَرَثَتَهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يُورَثُ، إذْ لَيْسَ مَالًا؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْعَقْدِ، فَهُوَ عَلَى الرِّضَا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] [مَسْأَلَة مَاتَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ المعيب] ١٥٧٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ كَانَ لِوَاجِدِ الْعَيْبِ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ الرِّضَا أَوْ الرَّدَّ، فَلَا يُبْطِلُهُ مَوْتُ الْغَابِنِ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الْعَيْبُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ] ١٥٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَالْعَيْبُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ: هُوَ مَا حَطَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ أَوْ بَاعَ بِهِ مَالًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغَبْنُ، لَا غَبْنَ غَيْرُهُ. فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الشَّيْءَ بِثَمَنٍ هُوَ قِيمَتُهُ مَعِيبًا، أَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ هُوَ قِيمَتُهُ مَعِيبًا - وَهُوَ لَا يَدْرِي الْعَيْبَ - ثُمَّ وَجَدَ الْعَيْبَ فَلَا رَدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْبًا. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَهُ الرَّدُّ - وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لِلْبَائِعِ، وَعِنَايَةٌ وَمُحَابَاةٌ لِلْمُشْتَرِي بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى بِثَمَنٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ غلى] ١٥٧٨ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى بِثَمَنٍ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ حِينَ اشْتَرَاهُ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ غَلَا حَتَّى صَارَ لَا يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ شَيْئًا، أَوْ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِهِ، فَلَهُ الرَّدُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْعَقْدِ وَقَعَ عَلَيْهِ غَبْنٌ

стр. 3196

فَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى بِالْغَبْنِ - إذَا عَلِمَهُ - وَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ مَا لَهُ مِنْ الْخِيَارِ لِمَا ذَكَرْنَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة بَاعَ بِدَرَاهِم إلَى أَجَل فلما قبض الثَّمَن وجد عَيْبًا أَوْ اسْتَحَقَّ مَا أَخَذَ] ١٥٧٩ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِدَنَانِيرَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ إلَى أَجَلٍ، أَوْ سَلَمٍ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ - فَلَمَّا قَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ مَا سَلَّمَ فِيهِ: وَجَدَ عَيْبًا أَوْ اسْتَحَقَّ مَا أَخَذَ أَوْ بَعْضَهُ: فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الِاسْتِبْدَالُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ - عَيْنٌ مُعَيَّنَةٌ، إنَّمَا لَهُ صِفَةٌ، فَاَلَّذِي أُعْطِيَ هُوَ غَيْرُ حَقِّهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَا لَيْسَ لَهُ، وَأَنْ يَطْلُبَ مَا لَهُ -، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة وَكَّلَ وَكِيلًا لِيَبْتَاعَ لَهُ شَيْئًا سَمَّاهُ فَابْتَاعَهُ لَهُ بِغَبْنٍ] ١٥٨٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا لِيَبْتَاعَ لَهُ شَيْئًا سَمَّاهُ، فَابْتَاعَهُ لَهُ بِغَبْنٍ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، أَوْ وَجَدَهُ مَعِيبًا عَيْبًا يَحُطُّ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ: فَلَهُ مِنْ الرَّدِّ، أَوْ الْإِمْسَاكِ، أَوْ الِاسْتِبْدَالِ، أَوْ مِنْ فَسْخِ الصَّفْقَةِ كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ سَوَاءً سَوَاءً؛ لِأَنَّ يَدَ وَكِيلِهِ هِيَ يَدُهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة هَلْ الْعَيْب حدث قَبْل الْبَيْع أُمّ بَعْده] ١٥٨١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ هَلْ الْعَيْبُ حَادِثٌ أَمْ كَانَ قَبْلَ الْبَيْعِ؟ فَلَيْسَ عَلَى الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ: بِاَللَّهِ مَا بِعْته إيَّاهُ وَأَنَا أَدْرِي فِيهِ هَذَا الْعَيْبَ - وَيَبْرَأُ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةُ عَدْلٍ بِأَنَّ هَذَا الْعَيْبَ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ فَيُرَدُّ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ بَيْعٌ، وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِالدَّعَاوَى وَلَا بِالظُّنُونِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ سِلْعَةً وَاحِدَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً فَوَجَدَ عَيْبًا] ١٥٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ سِلْعَةً وَاحِدَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً فَوَجَدَ عَيْبًا لَهُ أَنْ يَرُدَّ حِصَّةَ مَنْ شَاءَ وَيَتَمَسَّكَ بِحِصَّةِ مَنْ شَاءَ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ إنْ شَاءَ، أَوْ يُمْسِكَ الْكُلَّ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمْ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ عَقْدٌ غَيْرُ عَقْدِ الْآخَرِ؛ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . [مَسْأَلَة اشْتَرَى اثْنَانِ فَصَاعِدًا سِلْعَةً مِنْ وَاحِدٍ فَوَجَدَا عَيْبًا] ١٥٨٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ فَصَاعِدًا سِلْعَةً مِنْ وَاحِدٍ فَوَجَدَا عَيْبًا

стр. 3197

فَأَيُّهُمَا شَاءَ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، وَأَيُّهُمَا شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ أَمْسَكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ صَفْقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَفْقَةِ الْآخَرِ. فَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ الثَّمَنُ الَّذِي دَفَعَهُ أَحَدُهُمَا، وَكَانَ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ وَلَا يَنْفَسِخُ بِذَلِكَ عَقْدُ الْآخَرِ فِي حِصَّتِهِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى سِلْعَة فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ كَانَ حَدَثَ عِنْدَهُ فِيهَا عَيْبٌ] ١٥٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ كَانَ حَدَثَ عِنْدَهُ فِيهَا عَيْبٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، أَوْ مِنْ فِعْلِهِ، أَوْ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ فَلَهُ الرَّدُّ، كَمَا قُلْنَا، أَوْ الْإِمْسَاكُ، وَلَا يَرُدُّ مِنْ أَجْلِ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ شَيْئًا، وَلَا مِنْ أَجْلِ مَا أَحْدَثَ هُوَ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ وَحَقِّهِ لَمْ يَتَعَدَّ، وَلَا ظَلَمَ فِيهِ أَحَدًا، وَالْغَبْنُ قَدْ تَقَدَّمَ، فَلَهُ مَا قَدْ وَجَبَ لَهُ مِنْ رَدِّ الْغَبْنِ الَّذِي ظُلِمَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غَرَامَةً قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى شَيْئًا فاستعمله ثُمَّ وجد بِهِ عَيْبًا] ١٥٨٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً، أَوْ دَابَّةً، أَوْ ثَوْبًا، أَوْ دَارًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَوَطِئَ الْجَارِيَةَ، أَوْ افْتَضَّهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، أَوْ زَوَّجَهَا فَحَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ، أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ، وَأَنْضَى الدَّابَّةَ، وَسَكَنَ الدَّارَ، وَاسْتَعْمَلَ مَا اشْتَرَى وَاسْتَغَلَّهُ، وَطَالَ اسْتِعْمَالُهُ الْمَذْكُورُ أَوْ قَلَّ، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا، فَلَهُ الرَّدُّ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ الْإِمْسَاكُ. وَلَا يَرُدُّ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ أَجْلِ اسْتِعْمَالِهِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ، وَفِي مَتَاعِهِ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَمَنْ لَمْ يَلُمْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَأَبَاحَ لَهُ فِعْلَهُ ذَلِكَ: فَهُوَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ مُحْسِنٌ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . وَإِغْرَامُ الْمَالِ سَبِيلٌ مُسَبَّلَةٌ عَلَى مَنْ كُلِّفَهَا، وَقَدْ أَسْقَطَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ ذَلِكَ - ثُمَّ هُوَ كَسَائِرِ وَاجِدِي الْغَبْنِ فِي أَنَّ لَهُ الرِّضَا، أَوْ الرَّدَّ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اطَّلَعَ فِيمَا اشْتَرَى عَلَى عَيْبٍ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ] ١٥٨٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اطَّلَعَ فِيمَا اشْتَرَى عَلَى عَيْبٍ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ سَاعَةَ يَجِدُ الْعَيْبَ، وَلَهُ أَنْ يُمْسِكَ ثُمَّ يَرُدَّهُ مَتَى شَاءَ - طَالَ ذَلِكَ الْأَمَدُ أَمْ قَرُبَ. وَلَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الرَّدِّ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ بِالْوَطْءِ، وَالِاسْتِخْدَامِ،

стр. 3198

وَالرُّكُوبِ، وَاللِّبَاسِ، وَالسُّكْنَى، وَلَا مُعَانَاتِهِ إزَالَةَ الْعَيْبِ، وَلَا عَرْضِهِ إيَّاهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ، وَلَا تَعْرِيضِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِلْبَيْعِ. وَلَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الرَّدِّ إلَّا أَحَدُ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ لَا سَادِسَ لَهَا، وَهِيَ نُطْقُهُ بِالرِّضَا بِإِمْسَاكِهِ، أَوْ خُرُوجُهُ كُلُّهُ، أَوْ بَعْضُهُ عَنْ مِلْكِهِ، أَوْ إيلَادُ الْأَمَةِ، أَوْ مَوْتُهُ، أَوْ ذَهَابُ عَيْنِ الشَّيْءِ أَوْ بَعْضِهَا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَغَيْرِهِ. وَمَنْ ادَّعَى سُقُوطَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الرَّدِّ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَقَدْ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ - وَهَذَا بَاطِلٌ -. وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: هُوَ أَنَّ الرَّدَّ قَدْ وَجَبَ لَهُ بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْ مُخَالِفِينَا، وَبِمَا أَوْرَدْنَا مِنْ بَرَاهِينِ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ فِي تَحْرِيمِ الْغِشِّ وَإِيجَابِ النَّصِيحَةِ. فَهُوَ عَلَى مَا وَجَبَ لَهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ إلَّا نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِمَا هَهُنَا -، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ رِضًا. وَأَمَّا سُقُوطُ الرَّدِّ بِالرِّضَا أَوْ بِخُرُوجِ الشَّيْءِ أَوْ بَعْضِهِ عَنْ الْمِلْكِ أَوْ بِذَهَابِ بَعْضِ عَيْنِهِ أَوْ كُلِّهِ أَوْ بِمَوْتِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ فِي ذَهَابِ عَيْنِهِ أَوْ بَعْضِهَا مُمْتَنِعٌ مِنْهُ الرَّدُّ لِمَا اشْتَرَى، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَأَمَّا الْإِيلَادُ فَقَدْ ذَكَرْنَا الْبُرْهَانَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ تَمْلِيكِ الْمَرْءِ أُمَّ وَلَدِهِ غَيْرَهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَ فِي عُمْقِهِ عَيْبًا كَبَيْضٍ] ١٥٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَ فِي عُمْقِهِ عَيْبًا، كَبَيْضٍ، أَوْ قِثَّاءٍ، أَوْ قَرْعٍ، أَوْ خَشَبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: فَلَهُ الرَّدُّ، أَوْ الْإِمْسَاكُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَوْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ، إلَّا بِكَسْرِهِ أَوْ شَقِّهِ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَحِلُّ، إلَّا بِرِضَا الْمَغْبُونِ وَمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِ الْغَبْنِ، وَطِيبِ نَفْسِهِ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَالْبَائِعُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْصِدْ الْغِشَّ فَقَدْ حَصَلَ بِيَدِهِ مَالُ أَخِيهِ بِغَيْرِ رِضًا مِنْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ الرِّضَا إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِمَا يَرْضَى بِهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. [مَسْأَلَة أطلع عَلَى عَيْب فرضيه] ١٥٨٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ أَمَةً، فَبُيِّنَ لَهُ بِعَيْبِ الْإِبَاقِ أَوْ الصَّرْعِ،

стр. 3199

فَرَضِيَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ - عَرَفَ مُدَّةَ الْإِبَاقِ، وَصِفَةَ الصَّرْعِ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ -؛ لِأَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْإِبَاقِ إبَاقٌ، وَجَمِيعَ أَنْوَاعِ الصَّرْعِ صَرْعٌ، وَقَدْ رَضِيَ بِجُمْلَةِ إطْلَاقِ ذَلِكَ. فَلَوْ قُلِّلَ لَهُ الْأَمْرُ فَوَجَدَ خِلَافَ مَا بُيِّنَ لَهُ بَطَلَتْ الصَّفْقَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا اشْتَرَى - وَلَوْ وَجَدَ زِيَادَةً عَلَى مَا بُيِّنَ لَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي رَدٍّ أَوْ إمْسَاكٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ فِيهِ كَذَا وَكَذَا] ١٥٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى عِدْلًا عَلَى أَنَّ فِيهِ عَدَدًا مُسَمًّى مِنْ الثِّيَابِ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَطْلًا مِنْ سَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوزَنُ، أَوْ كَذَا وَكَذَا تُفَّاحَةً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ، أَوْ كَذَا وَكَذَا مُدًّا مِمَّا يُكَالُ - أَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّ فِيهَا كَذَا وَكَذَا قَفِيزًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ شَيْئًا عَلَى أَنَّ فِيهِ كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا، فَوَجَدَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ: فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ غَيْرَ مَا اشْتَرَى، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ لَا بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ. وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ سَلِيمِ الْحِسِّ أَنَّ الْعِدْلَ الَّذِي فِيهِ خَمْسُونَ ثَوْبًا لَيْسَ هُوَ الْعِدْلَ الَّذِي فِيهِ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ ثَوْبًا، وَلَا هُوَ أَيْضًا الْعِدْلَ الَّذِي فِيهِ وَاحِدٌ وَخَمْسُونَ ثَوْبًا، وَهَكَذَا أَيْضًا فِي سَائِرِ الْأَعْدَادِ، وَالْأَوْزَانِ، وَالْأَكْيَالِ، وَالذَّرْعِ. فَلَوْ لَمْ يَقَعْ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ الْمَعْهُودَ وَالْمَعْرُوفَ أَنَّ فِي تِلْكَ الْأَعْدَالِ عَدَدًا مَعْرُوفًا، وَكَذَلِكَ تِلْكَ الصُّبْرَةُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْمَذْرُوعَاتِ، وَالْمَعْدُودَاتِ، أَوْ وَصَفَهُ الْبَائِعُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، إلَّا أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مَا وَجَدَ مِنْ النَّقْصِ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدٍّ أَوْ إمْسَاكٍ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ مَا وَجَدَ مِنْ الزِّيَادَةِ يَزِيدُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ الْبَائِعُ زِيَادَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهَا، فَالْبَائِعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدٍّ أَوْ رِضًا؛ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ غَبْنٌ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَالْغَبْنُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِرِضَا الْمَغْبُونِ وَمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، لَا تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ،، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالْحِيَاطَةِ وَالنَّظَرِ لَهُ مِنْ الْآخَرِ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ مُبْطِلٌ مُتَحَكِّمٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ.

стр. 3200

[مَسْأَلَة قَالَ لمعامله هَذِهِ دراهمك وجدت فِيهَا هَذَا الرَّدِيء فَقَالَ لَا أدري] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِمُعَامِلِهِ: هَذِهِ دَرَاهِمُك أَوْ دَنَانِيرُك وَجَدْت فِيهَا هَذَا الرَّدِيءَ، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: هَذِهِ سِلْعَتُك وَجَدْت فِيهَا عَيْبًا؟ فَقَالَ الْآخَرُ، مَا أُمَيِّزُهَا وَلَا أَدْرِي أَنَّهَا دَرَاهِمِي، أَوْ دَنَانِيرِي، أَوْ سِلْعَتِي أَمْ لَا فَإِنْ كَانَتْ لِلَّذِي يَذْكُرُ وُجُودَ الْعَيْبِ وَالرَّدِيءِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا تِلْكَ قُضِيَ لَهُ، وَإِلَّا فَعَلَى الَّذِي يَقُولُ: لَا أَدْرِي، الْيَمِينُ: بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَيَبْرَأُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - وَالْمُدَّعِي هَهُنَا هُوَ الَّذِي يُرِيدُ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ الْآخَرِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُنْكِرُ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ وَالثَّمَنُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ خُرُوجَ مَا بِيَدِهِ عَنْ يَدِهِ. [مَسْأَلَة رَدَّ بِعَيْبٍ وَقَدْ اغْتَلَّ الْوَلَدَ] ١٥٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَدَّ بِعَيْبٍ وَقَدْ اغْتَلَّ الْوَلَدَ، وَاللَّبَنَ، وَالثَّمَرَةَ، وَالْخَرَاجَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَلَهُ الرَّدُّ، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مَالِهِ وَفِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ، فَلَا حَقَّ لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِ فِيهِ. وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدَ - وَفِي هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الْمُغِيرَةُ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ: أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى أَمَةً لَهَا لَبَنٌ فَاكْتَرَاهَا ظِئْرًا وَأَصَابَ مِنْ غَلَّتِهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا دَاءً كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَخَاصَمَهُ إلَى شُرَيْحٍ؟ فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ؛ رُدَّهَا بِدَائِهَا وَرُدَّ مَعَهَا مَا أَصَبْت مِنْ غَلَّتِهَا؟ قَالَ: فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا إذْ كَلَّفْتنِي أَنْ أَرُدَّ مَا أَصَبْت مِنْ غَلَّتِهَا، فَأَقْبَلُهَا بِدَائِهَا، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ قَدْ مَضَى قَضَائِي ذَلِكَ إلَى خَصْمِك. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ مِثْلُ قَوْلِنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَفِيمَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَنَا ذِكْرَهُ. فَمِنْ ذَلِكَ -: فَوْتُ الْمَعِيبِ بِمَوْتٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ إيلَادٍ، أَوْ تَلَفٍ، أَوْ فَوْتُ بَعْضِهِ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَيْسَ لَهُ الْإِمْسَاكُ، وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَا عُهْدَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا مَاتَتْ جَازَ عَلَيْهِ

стр. 3201

وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِيمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا؟ قَالَ: يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا وَيُجْعَلُ مَا رُدَّ عَلَيْهِ فِي رِقَابٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَّهَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا وَجَّهَ لِلَّهِ - تَعَالَى - الْعَبْدَ لَا مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ رَدِّ بَعْضِ مَالِهِ إلَيْهِ مِمَّا غُبِنَ فِيهِ فَهُوَ غَيْرُ الْعَبْدِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُوَجِّهَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، إذْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ - يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَقَوْلِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا بَاعَهُ أَوْ بَاعَ بَعْضَهُ، أَوْ وَهَبَ بَعْضَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، عَلَى مَالٍ، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ أَوَلَدَ الْأَمَةَ ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ. قَالَ: فَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَ بِقَضَاءِ قَاضٍ رَدَّهُ هُوَ أَيْضًا عَلَى الَّذِي بَاعَهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ أَيْضًا هُوَ عَلَى الْبَائِعِ لَهُ مِنْهُ - سَوَاءٌ رُدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ قَاضٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ مَاتَ الْعَبْدُ، أَوْ دَبَّرَهُ السَّيِّدُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِالْعَرْضِ، ثُمَّ أُطْلِعَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ. فَلَوْ بَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَجَرَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَلَا رَدَّ. فَإِذَا خَرَجَ عَنْ الرَّهْنِ، أَوْ تَمَّتْ الْإِجَارَةُ، أَوْ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَهُ الرَّدُّ. وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ كَالْبَيْعِ - فَإِنْ بَاعَ نِصْفَ السِّلْعَةِ قِيلَ لِلْبَائِعِ: رُدَّ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَيْبِ، أَوْ خُذْ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي نِصْفِ ثَمَنٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَعْتَقَهُ، أَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَلَوْ بَاعَهُ أَوْ بَاعَ بَعْضَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: إنْ بَاعَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ - وَهُوَ قَوْلُنَا قَالَ عُثْمَانُ: فَلَوْ بَاعَهُ بِمَا كَانَ اشْتَرَاهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.

стр. 3202

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا نُرَاعِي الْغَبْنَ حِينَ عَقْدِ الْبَيْعِ لَا بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ، فَلَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَالَ مَالِكٌ: لَهُ الرَّدُّ، وَيَأْخُذُ جَمِيعَ الثَّمَنِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ بَعْدُ، وَتَمْلِيكُهُ غَيْرَهُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إنَّمَا عَلَيْهِ إطْلَاقُ يَدِ مَنْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ عَلَيْهِ فَقَطْ - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَا شَيْءَ لَهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْآبِقُ فَيَرُدَّهُ، أَوْ يَمُوتَ فَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِمَا، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا قَائِلًا قَبْلَهُمَا - نَعْنِي تَقْسِيمَهُمَا الْمَذْكُورَ - وَأَمَّا السِّلْعَةُ الَّتِي تَتَبَعَّضُ فَيُوجَدُ بِبَعْضِهَا عَيْبٌ فَقَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، كَقَوْلِنَا إمَّا أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ وَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَ الْجَمِيعَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْمَعِيبُ هُوَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، أَوْ الَّذِي فِيهِ الرِّبْحُ رَدَّ الْجَمِيعَ، أَوْ أَمْسَكَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ رَدُّهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَقَطْ - وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ خُفَّيْنِ، أَوْ مِصْرَاعَيْنِ، فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رَدُّهُمَا مَعًا، أَوْ إمْسَاكُهُمَا مَعًا، فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ثَوْبَيْنِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَإِمْسَاكُ الْآخَرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ وَأَحَدِ الْمِصْرَاعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، كَجَوَازِ بَيْعِ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، وَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، وَلَا فَرْقَ، فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي الرَّدِّ بَاطِلٌ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ. وَمِمَّا يُبْطِلُ رَدَّ بَعْضِ السِّلْعَةِ: أَنَّ بَاقِيَهَا الَّذِي يَحْتَبِسُ بِهِ يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْسِكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَصَارَ بَيْعًا بِقِيمَةٍ، وَالْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا مَنْ وَطِئَ، أَوْ اسْتَغَلَّ، أَوْ اسْتَعْمَلَ ثُمَّ وَجَدَ الْعَيْبَ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا: إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَنِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا عُشْرَ قِيمَتِهَا

стр. 3203

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا مُطَرِّفٌ - هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ - الْمُغِيرَةُ - هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ - قَالَ مُطَرِّفٌ: عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ اتَّفَقَ شُرَيْحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، قَالَا جَمِيعًا: إذَا وَطِئَهَا، ثُمَّ رَأَى بِهَا عَيْبًا رَدَّهَا بِالْعَيْبِ وَرَدَّ مَعَهَا عُقْرَهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا فَالْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا نِصْفُ الْعُشْرِ. وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي هِنْدٍ الْمَرْهَبِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا وَطِئَهَا فَهِيَ مِنْ مَالِهِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْعَيْبِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، فَخَاصَمَ إلَى شُرَيْحٍ؛ فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَيَسُرُّك أَنْ أَقُولَ لَك: إنَّك زَنَيْت؟ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: ثُمَّ أُخْبِرْت أَنَّهُ قَضَى بِالْكُوفَةِ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا عُقْرَهَا مِائَةً، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَجَوَّزَهَا وَيُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ الدَّاءِ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ قَوْلَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا يَرُدُّهَا، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَيْبِ - يَعْنِي فِي الَّذِي يَطَأُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا. وَالْآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا جُبَيْرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا وَطِئَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَى الْعَيْبَ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ - وَصَحَّ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ لَا يَرُدُّهَا وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: يَرُدُّ مَعَهَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ - يَعْنِي إذَا وَطِئَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ قَالَ: يَأْخُذُ الْمُسْتَحِقُّ جَارِيَتَهُ وَلَا يَرُدُّ هَذَا

стр. 3204

الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ عُقْرًا، وَالدُّورُ، وَالْأَرْضُونَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ عَلَى مِثْلِ هَذَا يَكُونُ رَدُّهُ إذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، كَاَلَّذِي اُسْتُحِقَّ فَاسْتُنْقِذَ مِنْ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا هُوَ قَوْلُنَا - وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إذَا وَطِئَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ قِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْبَائِعُ قَبُولَهَا فَلَهُ رَدُّ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ الثَّمَنَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ عُشْرِ قِيمَتِهَا - وَهَذَا هُوَ عُقْرُهَا، وَوَجْهُهُ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهَا فَيَجْمَعَهَا ثُمَّ يَأْخُذَ نِصْفَ مَا اجْتَمَعَ فَهُوَ الَّذِي يُقْضَى عَلَيْهِ بِرَدِّهِ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ. وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: إنْ لَمْ يُنْقِصْهَا الْوَطْءُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا، فَإِنْ نَقَصَهَا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا وَطْؤُهُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَلَمْ يَرُدَّ مَعَهَا شَيْئًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ: إنْ كَانَ افْتَضَّهَا فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَلَمْ يَرُدَّ مَعَهَا شَيْئًا. قَالَ عَلِيٌّ: قَوْلُ مَالِكٍ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ - عُقْرٍ وَلَا غَرَامَةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أَمَتَهُ الَّتِي لَوْ حَمَلَتْ لَحِقَهُ وَلَدُهَا، وَاَلَّتِي لَا يُلَامُ عَلَى وَطْئِهَا. وَلَوْ أَنَّ الْبَائِعَ وَطِئَهَا وَهِيَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَكَانَ زَانِيًا يُرْجَمُ إنْ كَانَ مُحْصَنًا، وَيُجْلَدُ الْحَدَّ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ، فَأَيُّ حَقٍّ لَهُ فِي بُضْعِهَا حَتَّى يُعْطِيَ لَهُ عُقْرًا أَوْ قِيمَةً، وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْإِمَاءِ مَنْ لَا يَحُطُّ الِافْتِضَاضُ مِنْ قِيمَتِهَا شَيْئًا، كَخَدَمِ الْخِدْمَةِ وَيُوجَدُ مَنْ يَحُطُّهَا الْوَطْءُ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَالرَّقِيقِ الْعَالِي يَطَؤُهَا النَّذْلُ الَّذِي يُعَيَّرُ بِهِ سَيِّدُهَا وَوَلَدُهَا وَهِيَ، أَيْضًا. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَقْوَالٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ الْمُعَظِّمِينَ

стр. 3205

لِخِلَافِ الصَّاحِبِ الْقَائِلِينَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، الْقَائِلِينَ فِيمَا وَافَقَهُمْ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ أَنْ يَقُولُوا هَهُنَا بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا قَالُوا فِي تَقْوِيمِ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَتَقْوِيمِ الدِّيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ. وَأَمَّا مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ قَضَى فِي الثَّوْبِ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ وَبِهِ الْعُوَارُ: أَنَّهُ يَرُدُّهُ إذَا كَانَ قَدْ لَبِسَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى عِمَامَةً فَقَبِلَهَا وَرَضِيَهَا وَكَوَّرَهَا عَلَى رَأْسِهِ، فَرَأَى خَيْطًا أَحْمَرَ فَرَدَّهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى قَمِيصًا فَلَبِسَهُ فَأَصَابَتْهُ صُفْرَةٌ مِنْ لِحْيَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ مِنْ أَجْلِ الصُّفْرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ هَرَوِيَّةً فَقَطَعَهَا، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: الَّذِي أُحْدِثَ بِهَا أَشَدُّ مِنْ الَّذِي كَانَ بِهَا. قَالَ غُنْدَرٌ: نا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ عَمَّنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَطَعَهُ فَوَجَدَ بِهِ عُوَارًا؟ قَالَ: يَرُدُّهُ، قَالَ شُعْبَةُ: وَسَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ مَعَهُ أَرْشَ التَّقْطِيعِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ عَنْ حَمَّادٍ: أَنَّهُ قَالَ: يُوضَعُ عَنْهُ أَرْشُ الْعُوَارِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: اشْتَرَى رَجُلٌ دَابَّةً فَسَافَرَ عَلَيْهَا فَلَمَّا رَجَعَ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إلَى شُرَيْحٍ؟ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَذِنْت لَهُ فِي ظَهْرِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُ الْحَكَمِ هَذَا هُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُنَا. وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: مَنْ قَطَعَ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ أَوْ حَدَثَ بِمَا اشْتَرَى

стр. 3206

عَيْبٌ عِنْدَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَا رَدَّ لَهُ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ حَمَّادٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ الطَّحَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ، إلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ، وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ -: أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ مَعَهُ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ حَمَّادٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ، وَيَرُدَّ مَعَهُ قَدْرَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ عِنْدَهُ مُفْسِدًا فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ قِيمَةَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ خَفِيفًا رَدَّهُ وَلَمْ يَرُدَّ مَعَهُ شَيْئًا - وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ - يَعْنِي هَذَا التَّقْسِيمَ - وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ هَهُنَا خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا عَنْ الصَّحَابَةِ قَوْلًا غَيْرَهُ. وَقَدْ أَبَاحَ عُثْمَانُ ﵁ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ اللِّبَاسِ، وَاللِّبَاسُ يُخْلِقُ الثَّوْبَ، وَلَيْسَ امْتِنَاعُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الرَّدِّ مِنْ أَجْلِ الصُّفْرَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ الرَّدَّ، وَقَدْ يَتْرُكُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مَعَ أَنَّ الصُّفْرَةَ لَيْسَتْ عَيْبًا؛ لِأَنَّهَا تَزُولُ سَرِيعًا بِالْمَسْحِ، وَبِالْغَسْلِ لِلْقَمِيصِ. وَأَمَّا مَا عَيْبُهُ فِي جَوْفِهِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ وَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي، كَالْبَيْضِ، وَالْخَشَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الرُّجُوعَ بِحُكْمِ مَا فِي ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لِمَالِكٍ سَلَفًا، وَلَا حُجَّةً فِي هَذِهِ الْقَوْلَةِ، وَمَا فِي الْعَجَبِ وَالْعَكْسِ أَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَنْ بَاعَ بَيْضًا فَوَجَدَهُ فَاسِدًا أَوْ خَشَبًا فَوَجَدَهُ مُسَوِّسَ الدَّاخِلِ: أَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي عَلَيْهِ - وَهُوَ قَدْ بَاعَهُ شَيْئًا فَاسِدًا، وَأَكَلَ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، أَوْ هَرَبَ فِيهِ، أَوْ اعْوَرَّتْ

стр. 3207

عَيْنُهُ فِيهِ: فَهُوَ مِنْ مُصِيبَةِ الْبَائِعِ - وَإِنْ جُنَّ، أَوْ تَجَذَّمَ، أَوْ بَرِصَ، إلَى قَبْلِ تَمَامِ سَنَةٍ مِنْ بَعْدِ بَيْعِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ مُصِيبَةِ الْبَائِعِ. وَمَنْ ابْتَاعَ تَمْرًا فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ فَأَصَابَتْهُ رِيحٌ، أَوْ أَكَلَتْهُ جَرَادٌ فَمِنْ مُصِيبَةِ الْبَائِعِ، فَهُوَ يُهْنِيهِ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ بِالْبَاطِلِ، وَيُغَرِّمُهُ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ بِالْحَقِّ - وَيَجْعَلُ مِنْ مُصِيبَةِ الْمُشْتَرِي مَا حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ مِنْ الْعُيُوبِ، وَيَجْعَلُ مِنْ مُصِيبَةِ الْبَائِعِ مَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعُيُوبِ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا. حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ أَيْمَنَ نا الْحُسَيْنُ بْنُ زَكَرِيَّا نا أَبُو ثَوْرٍ نا مُعَلَّى نا هُشَيْمٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الْحَارِثِ هُوَ الْعُكْلِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ اشْتَرَى لِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ بَيْضًا مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا بِدِرْهَمٍ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ بَيْنَ يَدَيْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ كَسَرَ وَاحِدَةً، فَإِذَا هِيَ فَاسِدَةٌ، ثُمَّ ثَانِيَةً ثُمَّ ثَالِثَةً حَتَّى تَتَابَعَ مِنْهُنَّ فَاسِدَاتٌ، فَطَلَبَ الْأَعْرَابِيَّ فَخَاصَمَهُ إلَى شُرَيْحٍ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَمَّا مَا كَسَرَ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ، وَأَمَّا مَا بَقِيَ فَأَنْتَ يَا أَعْرَابِيُّ بِالْخِيَارِ، إنْ شِئْت كَسَرُوا فَمَا وَجَدُوا فَاسِدًا رَدُّوهُ وَمَا وَجَدُوا طَيِّبًا فَهُوَ لَهُمْ بِالسِّعْرِ الَّذِي بِعْتهمْ بِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا حُكْمُ شُرَيْحٍ - فَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ لَا يَأْخُذُونَ بِهِ وَلَا نَحْنُ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لِلْمَالِكِيِّينَ بِهِ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَقَدْ رَأَى الرَّدَّ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُنَا - وَهُوَ صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ آرَاءَهُمْ. وَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ، وَالْوَطْءُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا وَطِئَ بَعْدَ مَا رَأَى الْمَعِيبَ أَوْ عَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ - وَهَذَا قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ السِّلَعِ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: سُكْنَى الدَّارِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَيْبِ، وَتَقْبِيلُ الْأَمَةِ لِشَهْوَةٍ، وَوَطْؤُهَا -: رِضًا بِالْعَيْبِ.

стр. 3208

قَالَ وَأَمَّا اسْتِخْدَامُ الْأَمَةِ، أَوْ رُكُوبُ الدَّابَّةِ، أَوْ لِبَاسُ الْقَمِيصِ؛ لِيَخْتَبِرَ كُلَّ ذَلِكَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ رِضًا. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: لَيْسَ الِاسْتِخْدَامُ رِضًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّنْعَانِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّابٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ - هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: ابْتَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَارِيَةً، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ لَهَا زَوْجًا فَأَرْسَلَ إلَى زَوْجِهَا فَقَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا، فَأَبَى، فَجَعَلَ لَهُ مِائَةً فَأَبَى، فَجَعَلَ لَهُ مِائَتَيْنِ فَأَبَى، فَجَعَلَ لَهُ خَمْسَمِائَةٍ فَأَبَى، فَأَرْسَلَ إلَى مَوْلَاهُ: أَنَّهُ قَدْ أَبَى أَنْ يُطَلِّقَ فَاقْبَلُوا جَارِيَتَكُمْ. فَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ أَنَّ لَهَا زَوْجًا فَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى أَرْسَلَ إلَى الزَّوْجِ وَرَاوَضَهُ عَلَى طَلَاقِهَا، وَجَعَلَ لَهُ مَالًا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ زَادَهُ، ثُمَّ زَادَهُ، فَلَمَّا يَئِسَ رَدَّ حِينَئِذٍ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنْت أَبْتَاعُ إنْ رَضِيتُ، حَتَّى سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَرْضَى ثُمَّ يَدَعَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَأَنَّمَا أَيْقَظَنِي، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْتَاعُ وَيَقُولُ: إنْ أَخَذْت. فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى الرِّضَا بِالْقَلْبِ شَيْئًا حَتَّى يُظْهِرَهُ بِالْقَوْلِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ. وَأَمَّا رَدُّ الْغَلَّةِ فِيمَا رُدَّ بِالْعَيْبِ فَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ مَا نَذْكُرُهُ -: فَأَمَّا زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهَا، فَإِنْ رَدَّهَا بِقَضَاءِ قَاضٍ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا غَيْرُهُ بِشُبْهَةٍ فَأَخَذَ لَهَا مَهْرًا، أَوْ زَوَّجَهَا فَأَخَذَ مَهْرَهَا، أَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا فَأَخَذَ لِلْجِنَايَةِ أَرْشًا - ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا، وَيَرُدُّ مَعَهَا الْمَهْرَ فِي الزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَفِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، وَيَرُدُّ مَعَهَا الْأَرْشَ الَّذِي أَخَذَ لَهَا.

стр. 3209

وَكَذَلِكَ يَرُدُّ ثَمَرَ النَّخْلِ، وَالشَّجَرِ، إذَا رَدَّ الْأُصُولَ بِالْعَيْبِ، فَإِنْ أَكَلَ الثَّمَرَةَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا قِيمَةَ مَا أَكَلَ مِنْ الثَّمَرَةِ. وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَغَلَّهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ رَدَّهُ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ الْغَلَّةَ كُلَّهَا مَعَهُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لِلْعَبْدِ هِبَةً فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْهِبَةَ مَعَهُ أَيْضًا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْمُشْتَرِي مِنْ اللَّبَنِ، وَالثَّمَرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَاشَا الْأَوْلَادَ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُمْ مَعَ الْأُمَّهَاتِ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ، وَالْإِمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا مَنْ ابْتَاعَ شَاةً فَحَلَبَهَا، أَوْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ، أَوْ أُصُولًا فَأَثْمَرَتْ عِنْدَهُ فَأَكَلَ ثَمَرَتَهَا، أَوْ لَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَا رَدَّ لَهُ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ فَقَطْ. فَلَوْ كَانَتْ دَارًا فَسَكَنَهَا، أَوْ آجَرَهَا أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا أَوْ آجَرَهَا أَوْ عَبْدًا فَاسْتَخْدَمَهُ أَوْ آجَرَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ رَدُّ الْعَبْدِ، وَالدَّابَّةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ الْغَلَّةِ، وَلَا رَدُّ شَيْءٍ عَمَّا سَكَنَ وَآجَرَ، وَاسْتَخْدَمَ وَرَكِبَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَهُ وَلَا يَرُدُّهُ، وَيَرُدُّ الْأُمَّهَاتِ، - وَالْأُصُولَ، وَالشَّيْءَ الْمَعِيبَ: شُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُفْيَانُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فَظَاهِرُ الْمُنَاقَضَةِ، وَعَدِيمٌ مِنْ الدَّلِيلِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا أَحَدًا قَالَ بِهِ قَبْلَهُمَا. وَأَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، وَزُفَرَ، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْحُجَّةُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ إنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ، فَإِذْ هُوَ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْمَبِيعُ الْمَعِيبُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، مَا هُوَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ، بَلْ هُوَ إبْطَالٌ لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَرَدِّهِ إلَى الْبَائِعِ بِالْبَرَاهِينِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَكَانَ زَانِيًا بِوَطْئِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ، ثُمَّ حَدَثَ مَا جَعَلَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْخِيَارِ فِي

стр. 3210

إبْقَائِهِ بِهِ كَذَلِكَ، أَوْ رَدِّهِ مِنْ الْآنَ، لَا بِإِبْطَالِ الْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ لِلرَّدِّ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَعَهْدُنَا بِهِمْ يُصَحِّحُونَ الْخَبَرَ الْفَاسِدَ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَيَحْتَجُّونَ بِهِ فِي الْغُصُوبِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدْ خَالَفُوهُ هَهُنَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ لِآخَرَ عِنْدَهُ حَقٌّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ] ١٥٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ لِآخَرَ عِنْدَهُ حَقٌّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ، فَالْوَزْنُ وَالْكَيْلُ وَالذَّرْعُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ شَيْءٌ بِصِفَةٍ مِنْ سَلَمٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَالتَّقْلِيبُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يُوفِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَنْ هُوَ لَهُ عَلَيْهِ وَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَمَنْ كَانَ حَقُّهُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ ذَرْعًا أَوْ عَدَدًا مَوْصُوفًا بِطِيبٍ، أَوْ بِصِفَةٍ مَا فَعَلَيْهِ إحْضَارُ مَا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ - وَلَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَقُّ، إنَّمَا الْحَقُّ لَهُ وَلَا حَقَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود: ٨٥] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا هُوَ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ عَلَى الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الْحَقُّ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى إخْسَارِ ذِي الْحَقِّ، وَعَلَى التَّطْفِيفِ، وَلَيْسَ فِي إخْبَارِهِ - تَعَالَى - بِأَنَّهُمْ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَكْتَالُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُمْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَا يَكِيلُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - إنَّمَا ذَكَرَ اسْتِيفَاءَهُمْ مَا لَهُمْ مِنْ الْكَيْلِ فَقَطْ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَكُونُ بِكَيْلِ كَائِلٍ مَا، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ - وَصَحَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ هُوَ يَكِيلُ وَيَزِنُ، وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الْإِخْسَارِ.

стр. 3211

[مَسْأَلَة مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَهِيَ لَهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَهِيَ لَهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ قَائِمٍ، أَوْ شَجَرٍ نَابِتٍ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ اشْتَرَى دَارًا فَبِنَاؤُهَا كُلُّهُ لَهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مُرَكَّبًا فِيهَا مِنْ بَابٍ أَوْ دَرَجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - وَهَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الدُّورَ وَالْأَرْضِينَ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا لَا يَخْلُو يَوْمٌ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ بَيْعُ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ هَكَذَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ مَا كَانَ مَوْضُوعًا فِيهَا غَيْرَ مَبْنِيٍّ، كَأَبْوَابٍ، وَسُلَّمٍ، وَدَرَجٍ، وَآجُرٍّ، وَرُخَامٍ، وَخَشَبٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلَا يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الَّذِي يُقْلَعُ وَلَا يَنْبُتُ، بَلْ هُوَ لِبَائِعِهِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ -. وَمَنْ ابْتَاعَ أَنْقَاضًا، أَوْ شَجَرًا، دُونَ الْأَرْضِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُقْلَعُ وَلَا بُدَّ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة التَّصَدُّق مِنْ التجار فِي خلال بيعهم وشرائهم] ١٥٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى التُّجَّارِ أَنْ يَتَصَدَّقُوا فِي خِلَالِ بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ بِمَا طَابَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ -: لِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمِصِّيصِيُّ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إنَّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمْ الْحَلِفُ، وَاللَّغْوُ: شُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» . وَأَمْرُهُ ﷺ عَلَى الْفَرْضِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وَقَوْلُهُ ﵇: «شُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» يَقْتَضِي الْمُدَاوَمَةَ وَالتَّكْرَارَ فِي مَوْضُوعِ اللُّغَةِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق.

стр. 3212

[كِتَابُ الشُّفْعَةِ] [ مَسْأَلَةٌ الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ بِيعَ مُشَاعًا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشُّفْعَةِ ١٥٩٥ مَسْأَلَةٌ: الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ بِيعَ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ، وَمِمَّا لَا يَنْقَسِمُ: مِنْ أَرْضٍ، أَوْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَكْثَرَ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ مِنْ سَيْفٍ، أَوْ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ مِنْ حَيَوَانٍ، أَوْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ بِيعَ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَهُ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى شَرِيكِهِ أَوْ شُرَكَائِهِ فِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهِ الْأَخْذَ لَهُ بِمَا أَعْطَى فِيهِ غَيْرُهُ فَالشَّرِيكُ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَأْخُذَ فَقَطْ سَقَطَ حَقُّهُ، وَلَا قِيَامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا بَاعَهُ مِمَّنْ بَاعَهُ. فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا حَتَّى بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهِ؟ فَمَنْ يُشْرِكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَبَيْنَ أَنْ يُبْطِلَهُ وَيَأْخُذَ ذَلِكَ الْجُزْءَ لِنَفْسِهِ بِمَا بِيعَ بِهِ. وَهَا هُنَا خِلَافٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: هَلْ يَكُونُ فِي بَيْعِهِ شُفْعَةٌ أَمْ لَا؟ وَالثَّالِثُ: الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الشُّفْعَةُ. وَالرَّابِعُ: إنْ عَرَضَ الْبَائِعُ عَلَى مَنْ يُشْرِكُهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ فَأَبَى شَرِيكُهُ مِنْ الْأَخْذِ هَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَاضِي الْبَصْرَةِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَ: رُفِعَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ رَجُلٌ بَاعَ نَصِيبًا لَهُ غَيْرَ مَقْسُومٍ فَلَمْ يُجِزْهُ، فَذَكَرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَرَآهُ غَيْرَ جَائِزٍ.

стр. 3213

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِالشَّرِيكَيْنِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الْمَتَاعُ أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَاسِمَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَبِعْ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى يُقَاسِمَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لُؤْلُؤَةً أَوْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى قِسْمَتِهِ. وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ بَيْعَ الْمُشَاعِ وَلَمْ يَرَ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ فَقَطْ أَوْ فِي أَرْضٍ بِمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ نَابِتٍ فَقَطْ. قَالَ مَالِكٌ: الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْأَرْضِ وَحْدَهَا، وَفِي الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ نَابِتٍ، أَوْ فِي الثِّمَارِ الَّتِي فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ الْأُصُولِ. وَرُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلٍ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلٍ وَالْأُرْفُ يَقْطَعُ كُلَّ شُفْعَةٍ. الْأُرْفُ الْحُدُودُ وَالْمَعَالِمُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَا مَحْمُودُ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» .

стр. 3214

وَوَجَدْت فِي كِتَابِ يَحْيَى بْنِ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ بِخَطِّهِ: أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ قَالَ نا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ أَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ هُوَ الْقَرَاطِيسِيُّ أَنَا ابْنُ إدْرِيسَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» . قَالَ الطَّحَاوِيَّ: وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد نا نُعَيْمٌ أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَيَأْخُذُ أَوْ يَدَعُ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ» .

стр. 3215

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ بِكُلِّ مَا قُلْنَا، جَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ «الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ» . وَرَوَاهَا كَذَا عَنْ جَابِرٍ: أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْهُ وَعَطَاءٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي هَذَا كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَعَرَفَ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَنْظُورِ بْنِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ أَبَاهُ عُثْمَانَ قَالَ: لَا مُكَايَلَةَ إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ. فَهَذَانِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵄ يَحْمِلَانِ قَطْعَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِوُقُوعِ الْحُدُودِ، وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّا أَرْضًا دُونَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، بَلْ أَجْمَلَا ذَلِكَ، وَالْحُدُودُ تَقَعُ فِي كُلِّ جِسْمٍ مَبِيعٍ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ كُلِّ أَحَدٍ حَقَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ مُلَيْكَةَ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ: الْأَرْضِ وَالدَّارِ، وَالْجَارِيَةِ، وَالْخَادِمِ» . فَقَالَ عَطَاءٌ: إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: تَسْمَعُنِي لَا أُمَّ لَكَ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا وَإِلَى هَذَا رَجَعَ عَطَاءٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ قَالَ أَنَا أَبَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَنْ الشُّفْعَةِ فِي الثَّوْبِ؟ فَقَالَ: لَهُ شُفْعَةٌ وَسَأَلْته عَنْ الْحَيَوَانِ؟ فَقَالَ: لَهُ شُفْعَةٌ وَسَأَلْته عَنْ الْعَبْدِ؟ فَقَالَ: لَهُ شُفْعَةٌ.

стр. 3216

فَهَذَانِ: عَطَاءٌ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ عَنْهُمَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَا تَخْلُو الشُّفْعَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ أَوْ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُونَ. فَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ فَهَذِهِ النُّصُوصُ الَّتِي أَوْرَدْنَا لَا يَحِلُّ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْ الشَّرِيكِ فَالْعِلَّةُ بِذَلِكَ مَوْجُودَةٌ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَقَارِ، بَلْ أَكْثَرُ، وَفِيمَا لَا يَنْقَسِمُ، كَوُجُودِهَا فِيمَا يَنْقَسِمُ، بَلْ هِيَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَشَدُّ ضَرَرًا. فَأَمَّا مَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْمُشَاعِ فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَهَذَا بَيْعٌ لَمْ يُفَصَّلْ لَنَا تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلَالٌ. وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ الْمُحَرِّمِينَ رَهْنَ الْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ، وَهِبَةَ الْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ، وَالصَّدَقَةَ بِالْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ، وَالْإِجَارَةَ لِلْجُزْءِ الْمُشَاعِ: أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحِدَةٌ، وَالْقَبْضُ وَاجِبٌ فِي الْبَيْعِ كَمَا هُوَ فِي الْهِبَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصَّدَقَةِ وَالْإِجَارَةِ وَلَكِنَّ التَّخَاذُلَ فِي أَقْوَالِهِمْ فِي الدِّينِ أَخَفُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: اتَّبَعْنَا فِي إجَازَةِ بَيْعِ الْمُشَاعِ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ؟ قُلْنَا: مَا فَعَلْتُمْ، بَلْ خَالَفْتُمُوهَا كَمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مُخَالَفَتُكُمْ إيَّاهَا فِي سُقُوطِ حَقِّ الشَّرِيكِ إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْأَخْذَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَمْ يَأْخُذْ، فَقُلْتُمْ: بَلْ حَقُّهُ بَاقٍ وَلَا يَسْقُطُ. وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ نَصٌّ بِهِبَةِ الْمُشَاعِ إذْ «وَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَشْعَرِيِّينَ ثَلَاثَ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ بَيْنَهُمْ» فَلَمْ تُجِيزُوهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّ حُجَّتَهُ أَنْ يَقُولَ: خَبَرُ الشُّفْعَةِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا بِالشِّرَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ الْمُخَالِفِينَ لِلثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُكْمِ الْمُصَرَّاةِ،

стр. 3217

وَمِنْ حُكْمِ مَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فَهُوَ أَوْلَى بِهَا، وَالْقُرْعَةُ بَيْنَ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ فِي الْعِتْقِ، وَقَالُوا: هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذَا فِي خَبَرِ الشُّفْعَةِ، وَلَكِنَّ التَّنَاقُضَ أَسْهَلُ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا حُجَّةَ فِي نَظَرٍ مَعَ حُكْمٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيمَا تَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ «فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا شَغَبُوا بِهِ إلَّا هَذَا. فَجَوَابُنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، أَمَّا «قَوْلُهُ ﵊: فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي هَذَا فَقَطْ، وَإِنَّمَا فِيهِ إيجَابُ الشُّفْعَةِ فِي الْأَرْضِ وَالرَّبْعِ وَالْحَائِطِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ هَلْ الشُّفْعَةُ فِيمَا عَدَاهَا أَمْ لَا؟ فَوَجَبَ طَلَبُ حُكْمِ مَا عَدَا هَذِهِ فِي غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَقَدْ وَجَدْنَا خَبَرَ جَابِرٍ هَذَا نَفْسِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمَا يَجْهَلُ أَنَّ عَطَاءً فَوْقَ أَبِي الزُّبَيْرِ إلَّا جَاهِلٌ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ» أَفَتَرَوْنَ هَذَا حُجَّةً فِي أَنْ لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ نَخْلٍ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ الثِّمَارِ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ خَبَرٌ آخَرُ بِزِيَادَةٍ؟ قُلْنَا: وَقَدْ جَاءَ خَبَرٌ آخَرُ لَنَا أَيْضًا بِزِيَادَةٍ «كُلُّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ» وَلَا فَرْقَ فَكَيْفَ وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَاسُوا عَلَى حُكْمِ الْأَرْضِ، وَالْحَائِطِ، وَالْبِنَاءِ: سَائِرَ الْأَمْلَاكِ بِعِلَّةِ الضَّرَرِ وَدَفْعِهِ، كَمَا قَاسُوا عَلَى الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحِ، وَالتَّمْرِ: سَائِرَ الْأَنْوَاعِ؟ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْمُوجِبُ لِلْقِيَاسِ هُنَالِكَ وَفِي سَائِرِ مَا قَاسُوا فِيهِ وَمُنِعَ مِنْهُ هَاهُنَا، لَا

стр. 3218

سِيَّمَا وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ يَجْعَلُونَ الشُّفْعَةَ فِي الصَّدَاقِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، فَهَلَّا قَاسُوا الْبَيْعَ عَلَى الْبَيْعِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الصَّدَاقِ عَلَى الْبَيْعِ؟ وَالْمَالِكِيُّونَ يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ دُونَ الْأُصُولِ، فَهَلَّا قَاسُوا غَيْرَ الثَّمَرَةِ عَلَى الْعَقَارِ كَمَا قَاسُوا الثَّمَرَةَ عَلَى الْعَقَارِ، لَا سِيَّمَا مَعَ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ بِذَلِكَ قَبْلَهُ. ثُمَّ كُلُّهُمْ مُخَالِفُونَ لِهَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ، فِي أَنَّهُمْ لَا يُسْقِطُونَ حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِي الشُّفْعَةِ إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ أَخْذَ الشِّقْصِ بِمَا يُعْطَى فِيهِ فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ خَبَرٍ حُجَّةً، لَا سِيَّمَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِيمَا هُوَ فِيهِ مَنْصُوصٌ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا. وَأَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَرْضِ، وَالْعَقَارِ، وَالْبِنَاءِ. بَلْ الْحُدُودُ وَاقِعَةٌ فِي كُلِّ مَا يَنْقَسِمُ مِنْ طَعَامٍ، وَحَيَوَانٍ، وَنَبَاتٍ، وَعُرُوضٍ، وَإِلَى كُلِّ ذَلِكَ طَرِيقُ ضَرُورَةٍ، كَمَا هُوَ إلَى الْبِنَاءِ وَإِلَى الْحَائِطِ وَلَا فَرْقَ، وَكَانَ ذِكْرُهُ ﵇ لِلْحُدُودِ وَالطُّرُقِ إعْلَامًا بِحُكْمِ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، وَبَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ عَلَى حَسْبِهِ، فَكَيْفَ وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ بَيَانٌ كَافٍ فِي أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ مَالٍ يُقْسَمُ، وَفِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، وَهَذَا عُمُومٌ لِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ مَا احْتَمَلَ مِنْهَا الْقِسْمَةَ وَمَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا. وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ بِهَذَا الْحُكْمِ " الْأَرْضَ " فَقَطْ؛ ثُمَّ يُجْمِلُ هَذَا الْإِجْمَالَ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ لَا بِالْإِبْهَامِ وَالتَّلْبِيسِ هَذَا أَمْرٌ لَا يَتَشَكَّلُ فِي عَقْلِ ذِي عَقْلٍ سِوَاهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3219

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ، وَقَدْ جَسَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى جَارِي عَادَتِهِ فِي الْكَذِبِ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْأَرْضِ، وَالْبِنَاءِ، وَالْأَشْجَارِ فَقَطْ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى سُقُوطِ الشُّفْعَةِ فِيمَا سِوَاهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ: فَقَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ خِلَافَ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ تَابِعُونَ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا عُمُومَ الرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَالرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَطَاءٍ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهَذَا مَالِكٌ يَرَى الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ دُونَ الْأَصْلِ. وَمَا نَعْلَمُ رُوِيَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ فِيمَا عَدَا الْأَرْضِ إلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَشُرَيْحٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمْ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَقَدْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَرَبِيعَةَ، وَهُوَ عَنْ هَؤُلَاءِ صَحِيحٌ. أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، كَمَا لَيْسَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ عَنْ غَيْرِ الْبُرِّ وَالْفَحْلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا جُمْلَةً. وَأَمَّا ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَمْعَانَ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ وَهُوَ عَنْ شُرَيْحٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَيَكْفِي. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عُبَيْدَةَ، وَجَرِيرُ، وَيُونُسُ، قَالَ عُبَيْدَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَا جَمِيعًا: لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي دَارٍ، أَوْ عَقَارٍ، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ: لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي تُرْبَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِثْلُ عَدَدِ هَؤُلَاءِ لَا يَعُدُّهُمْ إجْمَاعًا إلَّا كَذَّابٌ، قَلِيلُ الْحَيَاءِ وَقَدْ أَوْرَدْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3220

وَقَدْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ مَالِكٌ، فَرَأَى الشُّفْعَةَ فِي التِّينِ، وَالْعِنَبِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالْفَوَاكِهِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَلَيْسَتْ دَارًا، وَلَا عَقَارًا، وَلَا تُرْبَةً وَرَأَى ابْنُ شُبْرُمَةَ الشُّفْعَةَ فِي الْمَاءِ. وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ فِي إجْبَارِهِمْ الشَّرِيكَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَعَ شَرِيكِهِ، وَلَمْ يُوجِبْ قَطُّ ذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا أَثَرٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ، ثُمَّ لَا يُوجِبُ لَهُ الشُّفْعَةَ، وَقَدْ جَاءَ بِهَا النَّصُّ. وَعَجَبٌ آخَرُ مِنْهُمْ، وَمِنْ الْحَنَفِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: الْمُسْنَدُ كَالْمُرْسَلِ سَوَاءٌ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: بَلْ الْمُرْسَلُ أَقْوَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا: أَحْسَنَ الْمَرَاسِيلِ بِإِيجَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْجَارِيَةِ وَفِي الْخَادِمِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فِي الْعَبْدِ شُفْعَةٌ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ» وَمَا نَعْلَمُ فِي الْمُرْسَلَاتِ أَقْوَى مِنْ هَذَا فَخَالَفُوهُ، وَمَا عَابُوهُ إلَّا بِإِرْسَالٍ؟ فَأَيُّ دِينٍ، أَوْ أَيُّ إحْيَاءٍ، يَبْقَى مَعَ هَذَا؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. وَأَمَّا سُقُوطُ حَقِّ الشَّرِيكِ إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ الْأَخْذَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ حَاشَا الطَّحَاوِيَّ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، قَالُوا: لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنْ قَالُوا: بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَمْ تَجِبْ لَهُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ؟ فَتَرْكُهُ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ إذَا وَجَبَ، مَا لَهُمْ حُجَّةٌ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ: أَوَّلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّ الشُّفْعَةَ لَمْ تَجِبْ لَهُ بَعْدُ، فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَغَيْرَ الشُّفْعَةِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّيَانَةِ كُلِّهَا لَا تَجِبُ إلَّا إذَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِلَّا فَمَا لَمْ يَجِئْ هَذَا الْمَجِيءَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ الدِّينِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ حَقَّ الشَّفِيعِ بِعَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَأَسْقَطَ حَقَّهُ بِتَرْكِهِ الْأَخْذَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ حَقًّا أَصْلًا، إلَّا بِأَنْ لَا يَعْرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ يَبْقَى لَهُ الْحَقُّ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَإِلَّا فَلَا هَذَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵊ فَلْيَأْتُونَا عَنْهُ ﵊ بِأَنَّ الْأَخْذَ لَا يَجِبُ لِلشَّفِيعِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَطْ، وَهَذَا مَا لَا يَجِدُونَهُ أَبَدًا فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ مِنْ كَثَبٍ.

стр. 3221

وَلَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ كَانَ الْحَنَفِيُّونَ عَنْ هَذَا النَّظَرِ حَيْثُ أَجَازُوا الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ، نَعَمْ، وَقَبْلَ دُخُولِهِ، وَالْمَالِكِيُّونَ كَذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِشَهْرَيْنِ، وَالشَّافِعِيُّونَ كَذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ؟ وَأَيْنَ كَانَ الْمَالِكِيُّونَ عَنْ هَذَا النَّظَرِ حَيْثُ أَجَازُوا إذْنَ الْوَارِثِ لِلْمُوصِي فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَالْمَالُ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ بَعْدُ، وَلَا لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ وَلَعَلَّهُ هُوَ يَرِثُهُمْ أَوْ لَعَلَّهُ سَيَحْدُثُ لَهُ وَلَدٌ يَحْجُبُهُمْ؟ وَأَيْنَ كَانُوا عَنْ هَذَا النَّظَرِ فِي إجَازَتِهِمْ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالْعِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ، فَأُعْجِبُوا لِهَذِهِ التَّخَالِيطِ وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي الرَّجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ أَوْ أَرْضٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ وَلَك الشُّفْعَةُ فَاشْتَرِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، قَدْ أَذِنْت لَك أَنْ تَبِيعَ، فَبَاعَ، ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الشُّفْعَةِ فَيَقُولُ قَدْ قَامَ الثَّمَنُ وَأَنَا أَحَقُّ، قَالَ الْحَكَمُ: لَا شَيْءَ لَهُ إذَا أَذِنَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَبِهِ نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ: وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَفِيهِ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ؟ قُلْنَا: لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ، وَهُوَ قَدْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سَمَاعًا فَإِنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ آخِرُ الْخَبَرِ حَاكِمًا عَلَى أَوَّلِهِ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ، صَحَّ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهَذَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ: رَبْعَةٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»

стр. 3222

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنَّمَا جَعَلَهُ ﵇ بَعْدَ الْبَيْعِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَحَقَّ فَقَطْ، فَلَاحَ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ بَعْدَ الْبَيْعِ إلَى الشَّفِيعِ إذَا لَمْ يُؤْذَنْ قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنْ أَبْطَلَهُ بَطَلَ وَإِنْ أَجَازَهُ فَحِينَئِذٍ جَازَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة الشُّفْعَة فِي غَيْر الْبَيْع] ١٥٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَلَا شُفْعَةَ فِي صَدَاقٍ وَلَا فِي إجَارَةٍ، وَلَا فِي هِبَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الشُّفْعَةَ فِي الصَّدَاقِ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا شُفْعَةَ فِي صَدَاقٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَقَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّدَاقِ وَالشُّفْعَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْعُكْلِيُّ وَالشَّافِعِيُّ: يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِصَدَاقِ مِثْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَمَالِكٌ: يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ وَأَوْجَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: الشُّفْعَةَ فِي الْإِجَارَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَخَذْتُمْ بِإِيجَابِ الشُّفْعَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَضَائِهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ؟ قُلْنَا: لَمْ يَجُزْ مَا تَقُولُونَ؛ لِأَنَّ " الشُّفْعَةَ " لَيْسَتْ لَفْظَةً قَدِيمَةً إنَّمَا هِيَ لَفْظَةٌ شَرِيعِيَّةٌ لَمْ تَعْرِفْ الْعَرَبُ مَعْنَاهَا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا لَمْ تَعْرِفْ لَفْظَةَ " الصَّلَاةِ " وَلَفْظَةَ " الزَّكَاةِ " وَلَفْظَةَ " الصِّيَامِ " وَلَفْظَةَ " الْكَفَّارَةِ " وَلَفْظَةَ " النُّسُكِ " وَلَفْظَةَ " الْحَدِّ " الْوَارِدَ كُلُّ ذَلِكَ فِي

стр. 3223

الدِّينِ، حَتَّى بَيَّنَهَا لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا لَمْ تَعْرِفْهُ الْعَرَبُ قَطُّ: مِنْ صِفَةِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَمَا يُعْطَى مِنْ الْأَمْوَالِ، وَمَا يُمْتَنَعُ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ " الشُّفْعَةُ " مِنْ هَذَا الْبَابِ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا الْمُرَادُ بِهَا حَتَّى بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَعَدَّى بِهَا بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا الصَّدَاقَ، وَالْإِجَارَةَ عَلَى الْبَيْعِ؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلَّهُ بَاطِلٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ، وَالْإِجَارَةَ لَا يُشْبِهَانِ الْبَيْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنْ يُحْكَمَ لِلشَّيْءِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ، وَالْبَيْعُ تَمْلِيكٌ لِلْمَبِيعِ، وَلَيْسَتْ الْإِجَارَةُ تَمْلِيكًا لِلْمُؤَاجِرِ، إنَّمَا هِيَ إبَاحَةٌ لِلْمَنَافِعِ الْحَادِثَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا الصَّدَاقُ تَمْلِيكًا لِلرَّقَبَةِ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ، وَالْإِجَارَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَالنِّكَاحُ يَجُوزُ بِلَا ذِكْرِ صَدَاقٍ، وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ ذِكْرِ ثَمَنٍ. ثُمَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ أَبِصَدَاقِ مِثْلِهَا أَمْ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ؟ بَيَانُ أَنَّهُ رَأْيٌ فَاسِدٌ مُتَعَارِضٌ لَيْسَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. وَلَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ كَانُوا عَنْ هَذَا الْقِيَاسِ فِي أَنْ يَقِيسُوا عَلَى الْأَرْضِينَ فِي " الشُّفْعَةِ " سَائِرَ الْأَمْوَالِ؟ وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ يَوْمًا. فَإِنْ ذَكَرُوا الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ ابْتَاعَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَصَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْلَى» فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ الشُّفْعَةِ فِيمَا عَدَا الْعَقَارِ. [مَسْأَلَة لَمْ يعرض عَلَى شَرِيكه الْأَخذ قَبْل الْبَيْع حَتَّى بَاعَ] ١٥٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَى شَرِيكِهِ الْأَخْذَ قَبْلَ الْبَيْعِ حَتَّى بَاعَ فَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ لِلشَّرِيكِ، فَالشَّرِيكُ عَلَى شُفْعَتِهِ عَلِمَ بِالْبَيْعِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، حَضَرَهُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ، أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ حَتَّى يَأْخُذَ مَتَى شَاءَ، وَلَوْ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ يَلْفِظُ بِالتَّرْكِ فَيَسْقُطُ حِينَئِذٍ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِعَرْضِ غَيْرِ شَرِيكِهِ أَوْ رَسُولِهِ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْحَاضِرُونَ فِي هَذَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَتَى عَلِمَ بِالْبَيْعِ، وَعَلِمَ أَنَّ لَهُ

стр. 3224

الشُّفْعَةَ، فَإِنْ طَلَبَ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ آخِذٌ بِشُفْعَتِهِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ أَبَدًا، وَإِنْ سَكَتَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَلَا طَلَبَ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحَاضِرِ: أَنَّ لَهُ أَجَلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ طَلَبَ الشُّفْعَةَ فِيهَا قُضِيَ لَهُ، وَإِنْ مَرَّتْ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَطْلُبْ الشُّفْعَةَ بَطَلَ حَقُّهُ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى أَنَّهُ طَالِبٌ بِالشُّفْعَةِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ إشْهَادُهُ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمَطْلُوبِ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ بِحَضْرَةِ الشِّقْصِ الْمَطْلُوبِ وَقَالَ أَيْضًا: فَإِنْ سَكَتَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ شَهْرًا وَاحِدًا لَا يَطْلُبُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ كِبَارِ نُظَّارِ مُقَلِّدِي أَبِي حَنِيفَةَ: لِلشَّفِيعِ مِنْ أَمَدِ الْخِيَارِ إنْ سَكَتَ وَلَمْ يُشْهِدْ وَلَا طَلَبَ مَا لِلْمَرْأَةِ الْمُخَيَّرَةِ. وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُ الْبَتِّيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، إلَّا أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ قَالَ: لَا يُمْهَلُ إلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ مَالِكٌ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: مَرَّةً قَالَ: إنْ بَلَغَهُ الْبَيْعُ أَنَّ لَهُ الْقِيَامَ بِالشُّفْعَةِ فَسَكَتَ، وَلَمْ يَطْلُبْ وَلَا أَشْهَدَ، فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ مَا لَمْ يَطُلْ الْأَمَدُ جِدًّا دُونَ تَحْدِيدٍ فِي ذَلِكَ. وَمَرَّةً قَالَ: إنْ قَامَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَضَتْ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى مَضَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثُمَّ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ دُونَ عُذْرٍ مَانِعٍ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ طَالَ الْأَمَدُ أَوْ قَصُرَ وَهُوَ قَوْلُ مَعْمَرٍ وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ لَهُ أَجَلَ يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَمِمَّنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ

стр. 3225

عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَزْرَقِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا أَقْوَالُ مَالِكٍ كَمَا هِيَ، فَهِيَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِأَنَّهَا إمَّا تَحْدِيدٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَإِمَّا إجْمَالٌ بِلَا تَحْدِيدٍ، فَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَسْقُطُ حَقُّهُ وَلَا مَتَى لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ، وَلَيْسَ فِي الزَّمَانِ طَوِيلٌ إلَّا بِإِضَافَةٍ إلَى مَا هُوَ أَقْصَرُ مِنْهُ، فَالْيَوْمُ طَوِيلٌ لِمَنْ عُذِّبَ فِيهِ، وَبِالْإِضَافَةِ إلَى سَاعَةٍ وَمِائَةِ عَامٍ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى عُمْرِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا أَقْوَالٌ لَمْ تُعْهَدْ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا يُعَضِّدُهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ سَلَفٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَالْأَوَّلُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي تَحْدِيدِ يَوْمٍ، فَهُمَا قَوْلَانِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُمَا تَحْدِيدٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَيْسَ رَدُّ ذَلِكَ إلَى مَا جَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ بِخِيَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُرَدَّ إلَى خِيَارِ الْعِدَّةِ إنْ شَاءَ ارْتَجَعَ وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الطَّلَاقَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تَخَالِيطُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَتَحْدِيدُهُ بِشَهْرٍ، وَبِأَنْ لَا يَكُونَ الْإِشْهَادُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمَطْلُوبِ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ الشِّقْصِ الْمَبِيعِ فَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيك بِهِ، وَتَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: " لَهُ مِنْ الْأَمَدِ مَا لِلْمُخَيَّرَةِ " فَأَسْخَفُ قَوْلٍ سُمِعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ لِلْبَاطِلِ بِالْبَاطِلِ، وَلِلْهَوَسِ بِالْهَوَسِ، وَمَا سُمِعَ بِأَحْمَقَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي حُكْمِ الْمُخَيَّرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْبَتِّيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَإِنَّ تَحْدِيدَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ، ثُمَّ السُّكُوتِ إنْ شَاءَ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ لَهُ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ وَاجِبٌ بَعْدَ الْبَيْعِ إذَا لَمْ يُؤْذِنْهُ الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَأَيُّ حَاجَةٍ بِهِ إلَى الْإِشْهَادِ، أَوْ مِنْ أَيْنَ أَلْزَمُوهُ إيَّاهُ وَأَسْقَطُوا حَقَّهُ بِتَرْكِهِ هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَإِسْقَاطٌ لِحَقٍّ قَدْ وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، فَمَا يُقَوِّيهِ الْإِشْهَادُ وَلَا يُضَعِّفُهُ تَرْكُهُ فَبَطَلَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ فَنَظَرْنَا فِيهِ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُمَوِّهِينَ نَزَعَ بِقَوْلٍ مَكْذُوبٍ مَوْضُوعٍ مُضَافٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الشُّفْعَةُ كَنَشْطَةِ عِقَالٍ وَالشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» .
следующие страницы →