Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ، إلَّا الْوَالِدَيْنِ خَاصَّةً، وَالْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ فَقَطْ، فَإِنَّهُمْ يُعْتَقُونَ عَلَيْهِ كُلُّهُمْ - إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَحْمِلُ قِيمَتَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَحْمِلُ قِيمَتَهُمْ اسْتُسْعُوا.
وَهُمْ كُلُّ مَنْ: وَلَدَهُ مِنْ جِهَةِ أُمٍّ أَوْ جَدَّةٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ أَبٍ.
وَكُلُّ مَنْ: وَلَدَهُ هُوَ مِنْ جِهَةِ وَلَدٍ أَوْ ابْنَةٍ، وَالْأَعْمَامُ، وَالْعَمَّاتُ - وَإِنْ عَلَوْا كَيْفَ كَانُوا لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، وَالْأَخَوَاتُ وَالْإِخْوَةُ كَذَلِكَ.
وَمَنْ نَالَتْهُ وِلَادَةُ أَخٍ أَوْ أُخْتٍ بِأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ.
وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَهُ أَبٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ أُجْبِرَ عَلَى ابْتِيَاعِهِمْ بِأَغْلَى قِيمَتِهِمْ وَعِتْقِهِمْ إذَا أَرَادَ سَيِّدُهُمْ بَيْعَهُمْ، فَإِنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ السَّيِّدُ عَلَى الْبَيْعِ
وَإِنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ غَيْرَ مَحْرَمَةٍ أَوْ مَلَكَ ذَا مَحْرَمٍ بِغَيْرِ رَحِمٍ - لَكِنْ بِصِهْرٍ أَوْ وَطْءِ أَبٍ أَوْ ابْنٍ - لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُهُمْ وَلَهُ بَيْعُهُمْ إنْ شَاءَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَعْتِقُ إلَّا مَنْ وَلَدَهُ، مِنْ جِهَةِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، أَوْ مَنْ وَلَدَهُ هُوَ كَذَلِكَ، أَوْ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَقَطْ.
وَلَا يَعْتِقُ الْعَمُّ وَلَا الْعَمَّةُ، وَلَا الْخَالُ وَلَا الْخَالَةُ، وَلَا مَنْ وَلَدَ الْأَخُ أَوْ الْأُخْتُ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَصَحَّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ، وَلَا رُوِيَ عَنْهُمْ: أَنَّ مَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ لَا يَعْتِقُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَعْتِقُ إلَّا مَنْ وَلَدَهُ مِنْ جِهَةِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، وَمَنْ وَلَدُهُ هُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَعْتِقُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، لَا أَخٌ وَغَيْرُهُ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَعْتِقُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: يَعْتِقُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمَةٍ حَتَّى ابْنُ الْعَمِّ وَابْنُ الْخَالِ فَإِنَّهُمَا يَعْتِقَانِ عَلَيْهِ وَيَسْتَسْعِيهِمَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، فَإِنْ ذَكَرُوا: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْوَالِدُ وَالْوَلَدَ عَتَقَ.
стр. 3397
قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ هَذَا أَيْضًا فِي كُلِّ ذِي رَحِمٍ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ " إذَا مَلَكَ الْوَالِدُ الْوَلَدَ عَتَقَ " أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُعْتِقُ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً إلَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى عِتْقِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ فَمَا يُحْفَظُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ عَنْ عِشْرِينَ مِنْ صَاحِبٍ وَتَابِعٍ - وَهُمْ أُلُوفٌ - فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]
قُلْنَا: أَتِمُّوا الْآيَةَ ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ
وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوَالِدَيْنِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] .
قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُ خَفْضُ الْجُنَاحِ وَالذُّلِّ لَهُمَا مَعَ اسْتِرْقَاقِهِمَا.
قَالُوا: وَأَمَّا الْوَلَدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] .
قَالُوا: فَوَجَبَ أَنَّ الرِّقَّ، وَالْوِلَادَةَ لَا يَجْتَمِعَانِ.
قَالُوا: وَأَمَّا الْأَخُ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى ﵊: ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] .
قَالُوا: فَكَمَا لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ كَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ أَخَاهُ.
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد نا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ - هُوَ الْقَارِئُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْلًى يُقَالُ لَهُ صَالِحٌ اشْتَرَى أَخًا لَهُ مَمْلُوكًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ عَتَقَ حِينَ مَلَكْتَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَثَرٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَفْصَ بْنَ سُلَيْمَانَ سَاقِطٌ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى سِيءُ الْحِفْظِ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إرْقَاقُ مَنْ عَدَا الْأَخِ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] فَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَخْلِيطٌ سَمِجٌ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْأَخَ يُمْلَكُ لَكَانَ أَدْخَلَ فِي الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ
стр. 3398
إثْبَاتُ الْمِلْكِ عَلَى الْأَخِ وَالنَّفْسِ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَقَعَ لِأَحَدٍ مِلْكُ رِقٍّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ مُحَالًا مِلْكُ أَخِيهِ وَأَبِيهِ، وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْأَخِ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَصْرِفُ نَفْسَهُ فِي الطَّاعَةِ أَوْ الْمَعْصِيَةِ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَمْلِكُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ مُوسَى ﵊ إنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَصْرِفُ أَخَاهُ كَذَلِكَ وَلَا يُطِيعُهُ، فَفَسَدَ هَذَا الْقِيَاسُ الْبَارِدُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ بِأَسْخَفَ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُسْتَدَلَّ مِنْ هَذَا عَلَى عِتْقِ الِابْنِ وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَا أَوْلَادٌ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَوَجَبَ عِتْقُ الزَّوْجَةِ وَالشَّرِيكِ - إذَا مُلِكَا - لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى انْتَفَى عَنْ الْوَلَدِ سَوَاءً سَوَاءً، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُهُ وَلَا فَرْقَ فَسَقَطَ احْتِجَاجُهُمْ جُمْلَةً، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَعْتِقُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَافْتَرَضَ شُكْرَ الْأَبَوَيْنِ وَجَزَاؤُهُمَا هُوَ مِنْ شُكْرِهِمَا، فَجَزَاؤُهُمَا فَرْضٌ، فَإِذْ هُوَ فَرْضٌ، وَجَزَاؤُهُمَا لَا يَكُون إلَّا بِالْعِتْقِ فَعِتْقُهُمَا فَرْضٌ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا.
ثُمَّ نَظَرْنَا: فِيمَا احْتَجَّ بِهِ الْأَوْزَاعِيِّ فَوَجَدْنَا مِنْ حُجَّتِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] .
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ فُرِضَ إلَى الْعَبِيدِ، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ عِتْقَهُمْ فَرْضًا، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ فِي ابْنِ الْعَمِّ، وَابْنِ الْخَال لَوَجَبَ فِي كُلِّ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِي أَبٍ بَعْدَ أَبٍ إلَى آدَمَ ﵇، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهَذَا ابْنَ الْعَمِّ، وَابْنَ الْخَالِ: دُونَ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ وَابْنِ ابْنِ الْخَالِ، وَهَكَذَا صَعَدًا، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِنَا فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا
стр. 3399
عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ أَبُو عُمَيْرٍ الرَّمْلِيُّ - وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ الْفَاخُورِيُّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ» فَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ كُلُّ رُوَاتِهِ ثِقَاتٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ - وَقَدْ تَعَلَّلَ فِيهِ الطَّوَائِفُ الْمَذْكُورَةُ بِأَنَّ ضَمْرَةَ انْفَرَدَ بِهِ وَأَخْطَأَ فِيهِ.
فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا إذَا انْفَرَدَ بِهِ؟ وَمَتَى لَحِقْتُمْ بِالْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنْ لَا تَقْبَلُوا مَا رَوَاهُ الْوَاحِدُ عَنْ الْوَاحِدِ، وَكَمْ خَبَرٌ انْفَرَدَ بِهِ رَاوِيهِ فَقَبِلْتُمُوهُ، وَلَيْتَكُمْ لَا تَقْبَلُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، كَابْنِ لَهِيعَةَ، وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَغَيْرِهِ.
فَأَمَّا دَعْوَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وَهَذَا مَوْضِعٌ قَبِلَهُ الْحَنَفِيُّونَ وَقَالُوا بِهِ، وَلَمْ يَرَوْا انْفِرَادَ ضَمْرَةَ بِهِ عِلَّةً، ثُمَّ أَتَوْا إلَى مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لَهُ، إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ السَّيِّدُ» فَقَالُوا انْفَرَدَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَخْطَأَ فِيهِ، فَيَا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا رَأَى الْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحًا وَعَمِلُوا بِهِ، وَلَمْ يَرَوْا انْفِرَادَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ بِهِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ خَطَأٌ فِيهِ حُجَّةٌ فِي رَدِّهِ وَتَرْكِهِ، وَرَأَى الْحَنَفِيُّونَ انْفِرَادَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ بِهَذَا الْخَبَرِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِهِ وَرَدِّهِ، وَلَمْ يَرَوْا انْفِرَادَ ضَمْرَةَ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِهِ وَرَدِّهِ، فَهَلْ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى التَّلَاعُبِ بِالدَّيْنِ وَقِلَّةِ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى.
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ وَقَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ» فَصَحَّحَ الْحَنَفِيُّونَ هَذَا الْخَبَرَ وَرَأَوْهُ حُجَّةً وَقَالُوا: لَا يَضُرُّهُ مَا قِيلَ: أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، وَالْمُنْقَطِعُ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، ثُمَّ أَتَوْا إلَى مُرْسَلٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ» فَقَالُوا: لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةً.
وَقَلَبَ الْمَالِكِيُّونَ هَذَا الْعَمَلَ فَرَأَوْا رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ حُجَّةً لَا يَضُرُّهُ مَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ، وَالْمُنْقَطِعُ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَرَوْا
стр. 3400
خَبَرَ عِتْقِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا، وَالْمُنْقَطِعُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِمَنْ عَقَلَ وَنَصَحَ نَفْسَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَتْ الْأَقْوَالُ إلَّا قَوْلُنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَبِهِ يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْخُشَنِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا أَبُو عَاصِمٍ - هُوَ الضَّحَّاكُ ابْنُ مَخْلَدٍ - نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ.
وَبِهِ إلَى بِنْدَارَ نا غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ شُعْبَةُ عَنْ غَيْلَانَ وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ - هُوَ ابْنُ الْأَحْنَفِ - أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَهُ: إنَّ عَمِّي زَوَّجَنِي جَارِيَةً لَهُ، وَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَرِقَّ وَلَدِي؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ فَهُوَ حُرٌّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَا جَمِيعًا: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ عَتَقَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا مُلِكَ الْأَخُ، وَالْأُخْتُ، وَالْعَمَّةُ، وَالْخَالَةُ عَتَقُوا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَا جَمِيعًا: كُلُّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ عَتَقَ.
وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ وَصَاحِبَيْنِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَهُمْ يُشَنِّعُونَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ.
стр. 3401
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ الْحَسَنِ: مَنْ مَلَكَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ عَتَقَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَقَتَ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ جَارِيَةً لَهُ أَرْضَعَتْ وَلَدَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا نَعْلَمُ لِهَذَا حُجَّةً إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ: أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقِيسُوا الْأُمَّ مِنْ الرَّضَاعِ، وَالْأَبَ مِنْ الرَّضَاعِ، وَالْوَلَدِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَالْأَخِ مِنْ الرَّضَاعِ: عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» فَهَذَا أَصَحُّ مِنْ كُلِّ قِيَاسٍ قَالُوا بِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ اسْتَدْرَكْنَا فَرَأَيْنَا مِنْ حُجَّتِهِمْ أَنْ قَالُوا: إنَّ السُّنَّةَ تُوجِبُ أَنْ يُعْتَقَ ذَوُو الْمَحَارِمِ مِنْ الرَّضَاعِ أَيْضًا وَلَا بُدَّ: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ نا هَمَّامٌ نا قَتَادَةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» .
وَوَجَدْنَا " يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ، وَمِنْ النَّسَبِ " تَمَادِي مِلْكِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ وَذِي نَسَبٍ مَحْرَمٍ، فَوَجَبَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَحْرُمَ تَمَادِي الْمِلْكِ فِيمَنْ يَمُتُّ بِالرَّضَاعَةِ كَذَلِكَ وَلَا بُدَّ.
فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ فَوَجَدْنَاهُ شَغَبِيًّا -: أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّ مِلْكَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ لَيْسَ حَرَامًا، بَلْ هُوَ صَحِيحٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ» فَأَوْقَعَ الْمِلْكَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَلْزَمَ الْعِتْقَ، وَلَوْلَا صِحَّةَ مِلْكِهِ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ.
стр. 3402
ثُمَّ وَجَدْنَا قَوْلَهُمْ: إنَّ تَمَادِيَ مِلْكِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ يَحْرُمُ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَاهُنَا إلَّا تَحْرِيمَ تَمَادِي الْمِلْكِ لَكَانَ الْعِتْقُ لَا يَجِبُ وَلَا بُدَّ، بَلْ كَانَ لَهُ أَنْ يَهَبَهُ فَيَسْقُطُ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَوْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَيَبْطُلُ بِهَذَا مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ تَمَادِيَ الْمِلْكِ يَحْرُمُ، وَكَانَ الْحَقُّ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الْعِتْقَ يَجِبُ عَقِيبَ الْمِلْكِ بِلَا فَصْلٍ وَلَا مُهْلَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ ﵊: إنَّهُ يَجِبُ فِي الرَّضَاعِ مَا يَجِبُ فِي النَّسَبِ، وَمَا يَجِبُ فِي الرَّحِمِ، وَلَوْ قَالَ هَذَا لَوَجَبَ الْعِتْقُ كَمَا قَالُوا وَإِنَّمَا قَالَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ وَمِنْ الرَّحِمِ» فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ النِّكَاحُ وَالتَّلَذُّذُ فَقَطْ، فَهُوَ حَرَامٌ فِيهِمَا مَعًا، وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ بَعْضَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ فَلَمْ يَمْلِكْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ، إذْ لَمْ يُوجِبْ النَّصُّ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الْوَالِدَيْنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا جَمِيعًا: نا جَرِيرُ - هُوَ ابْنُ حَازِمٍ - عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ " وَالِدَهُ " وَاتَّفَقَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْحِمْيَرِيُّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَيْهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ» .
وَاسْمُ " الْوَالِدِ " يَقَعُ عَلَى الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، مَا لَمْ يَخُصَّهُمَا نَصٌّ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمَا يَشْتَرِي بِهِ الرَّقَبَةَ الْوَاجِبَةَ لِلْعِتْقِ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ» فَوَلَدُ الْعَبْدِ مِنْ أَمَتِهِ حُرٌّ عَلَى أَبِيهِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: الْيَتِيمُ أُمُّهُ مُحْتَاجَةٌ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً أَتُعْتَقُ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُكْرَهُ عَلَى إعْتَاقِهَا إنْ لَمْ يَتَمَتَّعُوا بِهَا وَيَحْتَاجُوهُ.
[مَسْأَلَة عِتْقُ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ثَمَنِ مَمْلُوكِهِ أَوْ غَلَّتِهِ أَوْ خِدْمَتِهِ]
١٦٧٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ثَمَنِ مَمْلُوكِهِ أَوْ غَلَّتِهِ أَوْ خِدْمَتِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ، إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ كَمَا
стр. 3403
ذَكَرْنَا، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، مَجْنُونًا أَوْ عَاقِلًا، غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، وَهُوَ حُرٌّ سَاعَةَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ بِحُكْمِ السُّلْطَانِ وَبِغَيْرِ حُكْمِ السُّلْطَانِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ» .
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا حَدِيثُ الْمُدَبَّرِ نَفْسَهُ، رَوَاهُ: عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، كُلُّهُمْ عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ دَبَّرَهُ
قُلْنَا: لَوْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَا خَبَرَيْنِ فِي عَبْدَيْنِ لَكَانَ مَا قُلْتُمْ حَقًّا، وَأَمَّا إذْ فِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَا خَبَرَيْنِ فِي عَبْدَيْنِ يَبْتَاعُهُمَا مَعًا نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ، فَلَا يَحِلُّ الْقَطْعُ بِأَنَّهُمَا خَبَرٌ وَاحِدٌ، فَيَكُونُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَاذِبًا، قَافِيًا مَا لَا عَلِمَ لَهُ بِهِ.
وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، فَمَا يُبَالِي أَعْتَقَهُ أَوْ لَمْ يَعْتِقْهُ، وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَهُ، بَلْ هُوَ حُرٌّ وَلَا بُدَّ.
وَمَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَلَا غِنًى بِهِ عَنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِذْ هُوَ بَاطِلٌ فَلَمْ يَعْتِقْهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ؛ مَنْ أَعْتَقَ وَالِدَيْنِ مُحِيطٌ بِمَالِهِ رُدَّ عِتْقُهُ - وَلَا نَصَّ لَهُ فِي ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة عِتْق مِنْ لَا يَبْلُغ والسكران وَالْمَجْنُون والمكره وَغَيْر ذَلِكَ]
١٦٧١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ مَنْ لَا يَبْلُغُ وَلَا عِتْقُ مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْ سَكْرَانَ أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَا عِتْقَ مُكْرَهٍ، وَلَا مَنْ لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ، لَكِنْ أَخْطَأَ لِسَانُهُ، إلَّا أَنَّ هَذَا وَحْدَهُ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الدَّعْوَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ، وَأَمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَصَحَّ أَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى لَوْ كَفَرَ بِكَلَامٍ لَا يَدْرِي مَا هُوَ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]
وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ وَالْمُكْرَهُ لَا نِيَّةَ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْطَأَ لِسَانُهُ، وَلَيْسَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ أَخْلَصَ لِلَّهِ الدِّينَ بِمَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الْعِتْقِ، فَهُوَ بَاطِلٌ.
стр. 3404
وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» .
وَصَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: عِتْقُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ - وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ بِالْمَعْصِيَةِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ إذَا أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ بِالْمَعْصِيَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ؟ وَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ حَارَبَ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ فَأَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ فِي رَأْسِهِ خَبَلَتْ عَقْلَهُ، أَتُجِيزُونَ عَتَاقَهُ؟ وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ هَذَا، وَهُوَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَعَمَّنْ تَزَنَّك عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطَعَ لَحْمَ سَاقَيْهِ وَكَوَى ذِرَاعَيْهِ عَبَثًا أَتُجِيزُونَ لَهُ الصَّلَاةُ جَالِسًا أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ بِالْمَعْصِيَةِ
وَعَمَّنْ سَافَرَ فِي قَطَعَ الطَّرِيقَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَخَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ أَيَتَيَمَّمُ أَمْ لَا؟ وَكُلُّ هَذَا يَنْقُضُونَ فِيهِ هَذَا الْأَصْلَ الْفَاسِدَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عِتْقُ الْمُكْرَهِ جَائِزٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ - وَمَا نَعْلَمُ لِلْحَنَفِيِّينَ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا آثَارًا فَاسِدَةً فِي الطَّلَاقِ خَاصَّةً وَلَيْسَ الْعَتَاقُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ «بِثَلَاثِ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ» فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَتَاقَ - وَهُوَ خَبَرٌ مَكْذُوبٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّنَا لَسْنَا مَعَهُمْ فِيمَنْ هَزَلَ فَأَعْتَقَ، إنَّمَا نَحْنُ مَعَهُمْ فِيمَنْ أُكْرِهَ فَأَعْتَقَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ - عَلَى نَحْسِهِ وَوَضْعِهِ - ذِكْرُ إكْرَاهٍ - ثُمَّ لَا يُجِيزُونَ بَيْعَ الْمُكْرَهِ، وَلَا إقْرَارَهُ، وَلَا هِبَتَهُ -: وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَتَمَامُهَا فِي الَّتِي بَعْدَهَا.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 3405
[مَسْأَلَة الْعِتْق إلَى أَجَل]
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى - قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ - مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ غَدًا، أَوْ إلَى سَنَةٍ، أَوْ إلَى بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ إذَا جَاءَ أَبِي، أَوْ إذَا أَفَاقَ فُلَانٌ، أَوْ إذَا نَزَلَ الْمَطَرُ، أَوْ نَحْوُ هَذَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَهُ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ الْأَجَلُ، فَإِنْ بَاعَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِلْكِهِ فَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ الْعَقْدُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ بِمَجِيءِ ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي عَقْدِهِ ذَلِكَ أَصْلًا، إلَّا بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعِتْقَ إمَّا وَصِيَّةٌ، وَإِمَّا نَذْرٌ، وَكِلَاهُمَا عَقْدٌ صَحِيحٌ قَدْ جَاءَ النَّصُّ بِالْوَفَاءِ بِهِمَا، فَلَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِمَعْصِيَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةَ: لَمْ يَجُزْ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ مُحَرَّمٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ»
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، لَمْ يَكُنْ حُرًّا حَتَّى يَقُولَ: لِلَّهِ، وَهَذَا حَقٌّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ عِبَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبِرٌّ وَقُرْبَةٌ إلَيْهِ تَعَالَى، فَكُلُّ عِبَادَةٍ وَقُرْبَةٍ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَعَالَى مُخْلِصًا لَهُ بِهَا فَهِيَ بَاطِلٌ مَرْدُودَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وَقَدْ رُوِيَتْ آثَارٌ فَاسِدَةٌ -: مِنْهَا «مَنْ أَعْتَقَ لَاعِبًا فَقَدْ جَازَ» وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقٍ فِيهَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى - وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَرْبَعٌ مُقْفَلَاتٌ لَا يَجُوزُ فِيهِنَّ الْهَزْلُ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعَتَاقَةُ، وَالنَّذْرُ - وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ، وَلَمْ يَسْمَعْ سَعِيدٌ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا إلَّا نَعْيَهُ النُّعْمَانُ بْنُ مُقْرِنٍ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ خِلَافُ قَوْلِهِمْ، بَلْ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ لَا يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّذْرِ، فَإِذْ لَا يَجُوزُ فِيهَا فَهِيَ غَيْرُ وَاقِعَةٍ بِهِ، هَذَا مُقْتَضَى لَفْظِ الْخَبَرِ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ كَمَا يُرِيدُونَ فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقٍ فِيهَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَمْرٍو - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ
стр. 3406
وَهُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ - عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ عُمَرَ: ثَلَاثٌ اللَّاعِبُ فِيهِنَّ وَالْجَادُّ سَوَاءٌ الطَّلَاقُ، وَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ.
ثُمَّ هُمْ مُخَالِفُونَ لِهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ صَدَقَةَ الْمُكْرَهِ عَلَيْهَا - فَبَعْضُ كَلَامٍ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ حُجَّةً، وَبَعْضُهُ لَيْسَ حُجَّةً، هَذَا اللَّعِبُ بِالدِّينِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -: ثَلَاثٌ اللَّاعِبُ فِيهِنَّ كَالْجَادِّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ - هَذَا مُرْسَلٌ، وَلَمْ يُدْرِكْ الْحَسَنُ أَبَا الدَّرْدَاءِ
وَمِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَلِيٍّ: ثَلَاثٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ -: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، - جَابِرٌ كَذَّابٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ ظَاهِرُهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِنَا لَا لِقَوْلِهِمْ، وَهُوَ إبْطَالُ اللَّعِبِ فِيهِنَّ فَإِذًا بَطَلَ مَا وَقَعَ مِنْهَا بِاللَّعِبِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بَلَغَنِي أَنَّ مَرْوَانَ أَخَذَ مِنْ عَلِيٍّ: أَرْبَعٌ لَا رُجُوعَ فِيهِنَّ إلَّا بِالْوَفَاءِ -: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، وَالنَّذْرُ وَنَعَمْ، كُلُّ هَذِهِ إذَا وَقَعَتْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دِينِ الْإِسْلَامِ فَالْوَفَاءُ بِهَا فَرْضٌ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ كَمَا أَمَرَ إبْلِيسُ، فَلَا وَلَا كَرَامَةَ لِلْآمِرِ وَالْمُطِيعِ - ثُمَّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرٌ لِلْإِكْرَاهِ عَلَى الْعِتْقِ وَجَوَازُهُ، فَوَضَحَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ بِلَا شَكٍّ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَهُ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَأْتِ الْأَجَلُ، فَلِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْحُرِّيَّةَ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْآجَالِ الْمَذْكُورَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ ذَلِكَ الْأَجَلُ وَالْعَبْدُ مَيِّتٌ، أَوْ السَّيِّدُ مَيِّتٌ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ إنْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَ إلَى مِلْكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ بِمَجِيءِ ذَلِكَ الْأَجَلِ؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَكُلُّ شَيْءٍ بَطَلَ بِحَقٍّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِعَوْدَتِهِ وَلَا نَصَّ فِي عَوْدَةِ هَذَا الْعَقْدِ بَعْدَ بُطْلَانِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا رُجُوعَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ، إلَّا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ فَقَطْ؛ فَلِأَنَّهَا كُلَّهَا عُقُودٌ صِحَاحٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهَا، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إبْطَالُهُ،
стр. 3407
إذْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِكَيْفِيَّةِ إبْطَالِهِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ عَقْدٍ صَحِيحٍ أَصْلًا، إلَّا حَيْثُ جَاءَ نَصٌّ بِذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَة عِتْق الْعَبْد الْكِتَابِيّ]
١٦٧٣ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمُسْلِمِ عِتْقُ عَبْدِهِ الْكِتَابِيِّ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَأَرْضِ الْحَرْبِ - مَلِكَهُ هُنَالِكَ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ - لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه ﷺ «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» .
وَلِحَضِّهِ ﵊ عَلَى الْعِتْقِ جُمْلَةً، إلَّا أَنَّ عِتْقَ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ أَجْرًا، وَكَذَلِكَ عِتْقُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْكَافِرِ جَائِزٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا «قَوْلَ حَكِيمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» فَجَعَلَ عِتْقَ الْعَبْدِ الْكَافِرِ خَيْرًا.
فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ سَيِّدُهُ الْمُسْلِمُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ وَالْمُعْتَقُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ عُمُومًا، قَالَ ﵊: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ كَافِرًا لَمْ يَتَوَارَثَا، لِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
[مَسْأَلَة إسلام الْعَبْد]
١٦٧٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ أَوْ الْحَرْبِيِّ عَبْدٌ كَافِرٌ فَأَسْلَمَا مَعًا فَهُوَ عَبْدُهُ، كَمَا كَانَ، فَلَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ قَبْلَ سَيِّدِهِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ فَهُوَ حُرٌّ سَاعَةَ يُسْلِمُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَالرِّقُّ أَعْظَمُ السَّبِيلِ.
وَقَدْ وَافَقَنَا الْمُخَالِفُونَ لَنَا عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ، وَمَا نَدْرِي لِلْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ حُكْمًا، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِنَظَرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ عَبِيدِ الْكُفَّارِ.
стр. 3408
قُلْنَا: هَذِهِ حُجَّتُنَا، وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ بِالْخُرُوجِ أَعْتَقَهُ - وَمَا قَالَ ﵊ قَطُّ ذَلِكَ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: إنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ بِيعَ عَلَيْهِ؟ فَقُلْنَا: لِمَاذَا تَبِيعُونَهُ؟ أَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِلْكُهُ لَهُ؟ أَمْ لِنَصٍّ وَرَدَ فِي بَيْعِهِ - وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ لَهُ جَائِزًا؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ مِلْكَهُ لَهُ لَا يَجُوزُ.
قُلْنَا: فَإِذْ لَا يَحِلُّ مِلْكُهُ لَهُ فَقَدْ بَطَلَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِلَا شَكٍّ، وَإِلَّا فَكَلَامُكُمْ مُخْتَلِطٌ مُتَنَاقِضٌ، وَإِذْ قَدْ بَطَلَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بَعْدُ مِلْكٍ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ حُرٌّ، إذْ هَذِهِ صِفَةُ الْحُرِّ.
وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ لَهُ جَائِزًا فَبَيْعُكُمْ إيَّاهُ ظُلْمٌ وَبَاطِلٌ وَجَوْرٌ.
وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا قَضَيْتُمْ بِهِ مِنْ إبْقَائِهِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ حَتَّى يُبَاعَ؟ وَلَعَلَّهُ لَا يَسْتَبِيعُ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ - وَبَيْنَ مَنْعِكُمْ مِنْ مِلْكِهِ مُتَمَادِيًا؟ وَهَذَا مَا لَا سَبِيل لَهُ إلَى وُجُودِ فَرْقٍ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ - وَأَمَّا سُقُوطُ الْوَلَاءِ عَنْهُ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ، وَلَا وَلَاءَ إلَّا لِلْمُعْتِقِ، أَوْ لِمَنْ أَوْجَبَهُ النَّصُّ.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة عِتْق وَلَد الزِّنَا]
١٦٧٥ - مَسْأَلَةٌ: وَعِتْقُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ مَمْلُوكَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ أَخْبَارٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ -: مِنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ نا إسْرَائِيلُ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الضَّبِّيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى؟ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ، فَعْلَانِ أُجَاهِدُ بِهِمَا - أَوْ قَالَ أُجَهِّزُ بِهِمَا - أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ الزِّنَى» إسْرَائِيلُ ضَعِيفٌ، وَأَبُو يَزِيدَ الضَّبِّيُّ لَا أَعْرِفُهُ.
стр. 3409
وَعَنْ الصَّحَابَةِ مُرْسَلَةٌ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ وَافَقَنَا الْمُخَالِفُونَ هَاهُنَا.
[مَسْأَلَة قَالَ السَّيِّد أَحَد عبدي هَذيْنِ حُرّ]
١٦٧٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ هَذَيْنِ حُرٌّ.
فَلَيْسَ مِنْهُمَا حُرٌّ وَكِلَاهُمَا عَبْدٌ كَمَا كَانَ، وَلَا يُكَلَّفُ عِتْقَ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ حُرًّا، إذْ لَمْ يَعْتِقْهُ سَيِّدُهُ، وَلَا أَعْتَقَ هَذَا الْآخَرَ أَيْضًا بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ أَيْضًا حُرًّا، إذْ لَمْ يَعْتِقْهُ سَيِّدُهُ، فَكِلَاهُمَا لَمْ يَعْتِقْهُ سَيِّدُهُ، فَكِلَاهُمَا عَبْدٌ - وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ مِلْكِهِ عَنْ يَدِهِ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ
[مَسْأَلَة مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ]
١٦٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَطَمَ خَدَّ عَبْدِهِ أَوْ خَدَّ أَمَتِهِ بِبَاطِنِ كَفِّهِ فَهُمَا حُرَّانِ سَاعَتَئِذٍ إذَا كَانَ اللَّاطِمُ بَالِغًا مُمَيِّزًا. وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبَهُمَا أَوْ حَدَّهُمَا حَدًّا لَمْ يَأْتِيَاهُ فَهُمَا حُرَّانِ بِذَلِكَ. وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَمْلُوكٌ لَا بِمُثْلَةٍ وَلَا بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ كَانَ اللَّاطِمُ مُحْتَاجًا إلَى خِدْمَةِ الْمَمْلُوكِ الْمَلْطُومِ أَوْ الْأَمَةِ كَذَلِكَ، وَلَا غِنَى لَهُ عَنْهُ أَوْ عَنْهَا - اسْتَخْدَمَهُ أَوْ اسْتَخْدَمَهَا - فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ أَوْ عَنْهَا - فَهِيَ أَوْ هُوَ حُرَّانِ حِينَئِذٍ. لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ غُنْدَرٌ: نا شُعْبَةُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - ثُمَّ اتَّفَقَ سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ فِرَاسِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ - هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ - يُحَدِّثُ عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ قَالَ: «دَعَا ابْنُ عُمَرَ غُلَامًا لَهُ فَرَأَى بِظَهْرِهِ أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» .
стр. 3410
اللَّطْمُ لَا يَقَعُ فِي اللُّغَةِ إلَّا بِبَاطِنِ الْكَفِّ عَلَى الْخَدِّ فَقَطْ، وَهُوَ فِي الْقَفَا الصَّفْعُ. وَحَدِيثُ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ زَائِدٌ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أَبِي نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ «عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْد بْنِ مُقْرِنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقْرِنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا إلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَعْتِقُوهَا، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا، قَالَ: فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا فَإِذَا اسْتَغْنَوْا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا» فَهَذَا أَمْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ فَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» . قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذَا أَمْرٌ بِعِتْقِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَتَى ذَنْبًا بِضَرْبِهِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ النَّارَ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُ كَانَتْ حَسَنَةً أَذْهَبَتْ تِلْكَ السَّيِّئَةِ، كَمَا لَوْ فَعَلَ حَسَنَةً أُخْرَى تُوَازِيهَا أَوْ تُرْبِي عَلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وَأَمَّا أَمْرُهُ ﵊ بِعِتْقِهِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . فَمَنْ لَزِمَهُ أَمْرٌ فَلَمْ يُنَفِّذْهُ وَجَبَ إنْفَاذُهُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] .
وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَقُ بِالْمُثْلَةِ، وَقَالَهُ اللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا رَأَى وَلَاءَهُ لِسَيِّدِهِ الْمُمَثِّلِ بِهِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا وَلَاء لَهُ، لَكِنْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ - وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا
стр. 3411
عَنْ رَبِيعَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ - وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَمَةً أُقْعِدَتْ عَلَى مَقْلَى فَأَحْرَقَتْ عَجُزَهَا - وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ - لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ: أَنَّ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ: أَنَّ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ عُمَرَ، فَالْأَوَّلُ: مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. وَالثَّانِي: مُنْقَطِعٌ، وَعَنْ ضَعِيفٍ، وَعَنْ مَجْهُولٍ. وَالثَّالِثُ: مُنْقَطِعٌ، أَيْنَ مَالِكٌ مِنْ عُمَرَ؟ وَالرَّابِعُ: مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعَيْنِ، لِأَنَّ مَخْرَمَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَسُلَيْمَانُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. وَقَدْ صَحَّ خِلَافُ هَذَا عَنْ غَيْرِ عُمَرَ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلَ حَيَّانُ الْعَبْدِيُّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَمَّنْ شَجَّ عَبْدَهُ أَوْ كَسَرَهُ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ: لِيَكْسُهُ ثَوْبًا أَوْ لِيُعْطِهِ شَيْئًا، فَقَالَ حَيَّانُ: هَكَذَا أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ - وَهُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ فَقَأَ عَيْنَ عَبْدِهِ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْتِقَهُ، فَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الْعِتْقَ بِالْمُثْلَةِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّ زِنْبَاعًا خَصَى عَبْدًا لَهُ وَجَدَعَ أُذُنَيْهِ وَأَنْفَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ مُثِّلَ بِهِ أَوْ حُرِّقَ بِالنَّارِ فَهُوَ حُرٌّ، وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ﵊» . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: كَانَ زِنْبَاعٌ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا - وَهَذَا مَمْلُوءٌ مِمَّا
стр. 3412
لَا خَيْرَ فِيهِ: يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، ثُمَّ هُوَ صَحِيفَةٌ - وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ. وَمِنْ طَرِيقٍ جَيِّدَةٍ إلَى مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا جَبَّ عَبْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» وَهَذِهِ صَحِيفَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَيْلَمَانِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ، وَلَا لِصَغِيرٍ، وَالشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ - مَنْ مَثَّلَ بِمَمْلُوكِهِ فَهُوَ حُرٌّ، وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ - وَالنَّاسُ عَلَى شُرُوطِهِمْ مَا وَافَقُوا الْحَقَّ» وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيّ ضَعِيفٌ مُطْرَحٌ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ. وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُ الْمَالِكِيِّينَ لِصَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذِهِ فِي عِتْقِ الْمُمَثَّلِ بِهِ، وَهُوَ قَدْ خَالَفَ هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ إذْ جَعَلَ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَهُ بَلْ أُعْتِقَ عَلَيْهِ عَلَى رَغْمِهِ، وَنَصُّ الْخَبَرِ «أَنَّهُ مَوْلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ» . وَجَعَلُوا الشُّفْعَةَ لِلْغَائِبِ، فَصَارَ حُجَّةً فِيمَا اشْتَهُوا وَلَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِيمَا لَمْ يَشْتَهُوا، وَاحْتَجُّوا مِنْ خَبَرِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيّ بِعِتْقِ مَنْ مَثَّلَ بِمَمْلُوكِهِ وَخَالَفُوهُ فِي الشُّفْعَةِ وَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيُّونَ، وَلَا الشَّافِعِيُّونَ خَبَرَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَاهُنَا حُجَّةً إذْ خَالَفَهُ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، فَإِذَا وَافَقَهُمْ صَارَ حِينَئِذٍ صَحِيحًا وَحُجَّةً. كَرِوَايَتِهِ فِي أُمِّ الصَّغِيرِ أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي. وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَرَدُّ شَهَادَةِ ذِي الْغَمْرِ لِأَخِيهِ، وَشَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَإِجَازَتُهَا لِغَيْرِهِمْ. وَقَدْ رَدَّ الْمَالِكِيُّونَ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ كَثِيرًا إذَا خَالَفَتْ رَأْيَ مَالِكٍ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا اللَّعِبِ بِالدِّينِ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُ الْحَنَفِيِّينَ إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا عَلَى النَّدْبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ؛ لِأَنَّ فِي الْخَبَرِ «أَنْتَ حُرٌّ، مَنْ مُثِّلَ بِهِ فَهُوَ حُرٌّ»
стр. 3413
وَهَلَّا قُلْتُمْ مِثْلَ هَذَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ عَلَيْهِ فَهُوَ حُرٌّ» وَاللَّفْظُ وَاحِدٌ.
وَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ؟ قُلْنَا: هَبْكُمْ قَدْ صَحَّ لَكُمْ ذَلِكَ - وَهُوَ الْكَذِبُ بِلَا شَكٍّ - فَأَعْتِقُوهُ ثُمَّ أَعْطُوهُ قِيمَتَهُ، بَلْ هَذَا خِلَافٌ آخَرُ جَدِيدٌ مِنْكُمْ لِمَا صَحَّحْتُمْ وَأَنْتُمْ تُنْكِرُونَ عَلَى الشَّافِعِيِّ مَا ذَكَرَ: أَنَّهُ بَلَغَهُ مِنْ عَدَدِ تَكْبِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ، وَبَعْثَتِهِ لِقَتْلِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا حِكَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ ذَكَرَهُمَا أَصْحَابُ الْمَغَازِي، وَلَمْ تَعِيبُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي لَمْ يُشَارِكُّمْ فِيهَا أَحَدٌ، ثُمَّ عَمَلهَا أَيْضًا بَارِدَةً عَلَيْهِ لَا لَهُ.
وَقَالُوا: لَعَلَّ عُمَرَ أَعْتَقَهُ لِغَيْرِ الْمُثْلَةِ. فَمُجَاهَرَةٌ قَبِيحَةٌ، لِأَنَّ نَصَّ الْخَبَرِ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهَا شَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهُ أَحْرَقَهَا فَأَعْتَقَهَا وَجَلَدَهُ، وَقَالَ لَهُ: وَيْحَك أَمَا وَجَدْتَ عُقُوبَةً إلَّا أَنْ تُعَذِّبَهَا بِعَذَابِ اللَّهِ ". وَذَكَرُوا أَيْضًا: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَشْعَلَ رَجُلٌ وَجْهَ عَبْدِهِ نَارًا فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ أُتِيَ عُمَرُ بِسَبْيٍ فَأَعْطَاهُ عَبْدًا، قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعْتِقُونَ وَيُعَاقِبُونَ - يَعْنِي يُعْطِيه لِمَا أَعْتَقَهُ عَقَبَةَ مَكَانِهِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا مَكْسُورٌ فِي مَوْضِعَيْنِ. رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ عَنْ الْحَسَنِ، ثُمَّ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ، وَلَمْ يُولَدْ إلَّا قَبْلَ مَوْتِ عُمَرَ بِسَنَتَيْنِ، ثُمَّ هَبْك أَنَّهُ صَحَّ فَافْعَلُوا كَذَلِكَ، وَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَكُونُ مَا احْتَجُّوا فِيهِ بِعُمَرَ مِمَّا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ حَدًّا، وَأَنَّهُ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ الْخَيْلِ، وَوَرَّثَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ: حُجَّةً، وَلَا يَكُونُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ مِنْ عِتْقِ الْمُمَثَّلِ بِهِ حُجَّةً هَذَا التَّحَكُّمُ بِالْبَاطِلِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَجْعَلُ الْمَالِكِيُّونَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا حُجَّةً، وَلَا يَجْعَلُونَ حُكْمَهُ فِي حَدِيثِ الضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَائِرِ مَا خَالَفُوهُ فِيهِ حُجَّةً.
وَذَكَرْنَا أَيْضًا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ لَقِيطٍ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَنْدَرٍ
стр. 3414
حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِزِنْبَاعِ بْنِ سَلَامَةَ وَأَنَّهُ خَصَاهُ وَجَدَعَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ لِزِنْبَاعٍ وَأَعْتَقَهُ» - فَابْنُ لَهِيعَةَ لَا شَيْءَ، وَالْآنَ صَارَ عِنْدَ الْحَنَفِيِّينَ ضَعِيفًا، وَكَانَ ثِقَةً فِي رِوَايَةِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، أَلَا تَبًّا لِمَنْ لَا يَسْتَحْيِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عِيسَى الْقُرَشِيِّ الْأَسَدِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتْ جَارِيَةٌ إلَى عُمَرَ وَقَدْ أَحْرَقَ سَيِّدُهَا فَرْجَهَا فَقَالَتْ: إنَّ سَيِّدِي اتَّهَمَنِي فَأَقْعَدَنِي عَلَى النَّارِ حَتَّى أَحْرَقَ فَرْجِي فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: هَلْ رَأَى ذَلِكَ عَلَيْك؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَاعْتَرَفْت لَهُ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ عُمَرُ: عَلَيَّ بِهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكٍ وَلَا وَلَدٌ مِنْ وَالِدٍ» لَأَقَدْتُهَا مِنْك، ثُمَّ بَرَزَهُ فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتِ مَوْلَاةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حُرِّقَ بِالنَّارِ، أَوْ مُثِّلَ بِهِ فَهُوَ حُرٌّ، وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ -» عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ضَعِيفٌ، وَعَمْرُو بْنُ عِيسَى مَجْهُولٌ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ احْتَجُّوا بِهَذَا الْخَبَرِ فِي عِتْقِ الْمُمَثَّلِ بِهِ، وَفِي أَنْ لَا يُقَادَ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكٍ، وَرَأَوْهُ حَقًّا فِي ذَلِكَ، وَخَالَفُوهُ فِي الْقَوَدِ مِنْ الْحَرْقِ بِالنَّارِ، وَقَدْ رَآهُ عُمَرُ حَقًّا إلَّا فِي السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَالْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَفِي أَنَّ الْوَلَاءَ لِغَيْرِ الْمُمَثَّلِ. وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ رَأَوْهُ حُجَّةً فِي أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُقَادُ لَهُ مِنْ وَالِدِهِ، وَالْعَبْدَ لَا يُقَادُ لَهُ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يُجِيزُوا خِلَافَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرَوْهُ حُجَّةً فِي جَلْدِهِ فِي التَّعْزِير مِائَةً، وَلَا فِي عِتْقِ الْمُمَثَّلِ بِهِ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ، أَيُّ دِينٍ يَبْقَى مَعَ هَذَا الْعَمَلِ.
ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ: أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ رَأَوْا مَا رُوِيَ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ إذْ عَقَرَ الْحِمَارَ وَهُوَ مُحِلٌّ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَفِيكُمْ مَنْ أَشَارَ إلَيْهِ، أَوْ أَعَانَهُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا» حُجَّةً فِي مَنْعِ أَكْلِ مَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَلَمْ يَرَوْا قَوْلَ عُمَرَ هَاهُنَا " هَلْ رَأَى ذَلِكَ عَلَيْكِ؟ أَوْ اعْتَرَفْتِ لَهُ؟ " حُجَّةً فِي أَنْ لَا يُعْتَقَ الْمُمَثَّلُ بِهِ إذَا عُرِفَ زِنَاهُ بِإِقْرَارٍ
стр. 3415
أَوْ مُعَايَنَةٍ، وَلَوْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ لَكَانَ قَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجُّوا كَمَا تَرَى بِهَذِهِ الْعُفُونَاتِ الْفَاسِدَةِ وَتَرَكُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ نا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ» فَالْآنَ صَارَ الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ صَحِيفَةً، وَلَمْ يَصِرْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ كَوْنَهُ صَحِيفَةً إذَا اشْتَهَوْا مَا فِيهَا.
وَقَدْ رَأَى الْمَالِكِيُّونَ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ حُجَّةً فِي الْعُهْدَةِ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا شَيْءٌ كَانَ مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِتْقُهُ، إذْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وَإِذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وَإِذْ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ]
١٦٧٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِ إيَّاهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لِلسَّيِّدِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا غُنْدَرٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ لِامْرَأَةٍ سَأَلَتْهَا وَقَدْ أَعْتَقَتْ عَبْدَهَا: إذَا أَعْتَقْتِيهِ وَلَمْ تَشْتَرِطِي مَالَهُ فَمَالُهُ لَهُ. وَمِثْلُهُ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ: فِي عَبْدٍ كَاتَبَهُ مَوْلَاهُ وَلَهُ مَالٌ وَوَلَدٌ مِنْ سُرِّيَّةٍ لَهُ، أَنَّ مَالَهُ وَسُرِّيَّتَهُ لَهُ، وَوَلَدَهُ أَحْرَارٌ، وَالْعَبْدُ إذَا أُعْتِقَ كَذَلِكَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ زِيَادٌ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَيْسٌ: عَنْ عَطَاءٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ فَمَالُهُ لَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ يَتْبَعُهُ مَالُهُ.
стр. 3416
وَرُوِيَ أَيْضًا: عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي وَمَكْحُولٍ مِثْلُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ يَحْيَى: عَلَى هَذَا أَدْرَكْت النَّاسَ، وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، سَوَاءٌ عَلِمَ سَيِّدُهُ مَالَهُ أَوْ جَهِلَهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لَهُ، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَلِسَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ حَمْلُ أُمِّ وَلَدِهِ - وَلَوْ أَنَّهُ بَعْدَ عِتْقِهِ أَرَادَ عِتْقَ أُمِّ وَلَدِهِ لَمْ يَقْدِرْ لِأَنَّ حَمْلَهَا رَقِيقٌ. وَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أُعْتِقَ يَتْبَعُهُ مَالُهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ إذَا فَلَّسَا أَوْ جُرِحَا أُخِذَ مَالُهُمَا وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِمَا، وَلَمْ يُؤْخَذْ أَوْلَادُهُمَا، وَأَنَّ الْعَبْدَ إذَا بِيعَ وَاشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ مَالَهُ كَانَ لَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ فِي الشَّرْطِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا رَأَيْنَا حُجَّةً أَفْقَرَ إلَى حُجَّةٍ مِنْ هَذِهِ، وَإِنَّ الْعَجَبَ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لَهَا رَاوٍ مِنْ النَّاسِ، لَا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ. وَالْخِلَافُ فِيهَا أَشْهَرُ مِنْ ذَلِكَ. كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، بَلْ إنَّمَا رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالنَّخَعِيِّ. وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ، وَمَالِكٌ مَعَهُمْ فِي جُمْلَتِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ: عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِ أُمِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ أَمَتِهِ الصَّحِيحَةِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ حُرٌّ، وَالْفَاسِدَةِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ حُرٌّ، وَعَلَى أَبِيهِ قِيمَتُهُ أَوْ فِدَاؤُهُ. وَلَا تَخْلُو أُمُّ وَلَدِ الْعَبْدِ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ، فَوَلَدُهَا لَهُ إمَّا حُرٌّ، وَإِمَّا مَمْلُوكٌ فَتُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، أَوْ لَا تُعْتَقُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ وَطْءُ أَمَةِ غَيْرِهِ إلَّا بِالزَّوَاجِ، وَإِلَّا فَهُوَ زِنًا، وَالْوَلَدُ غَيْرُ لَاحِقٍ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا أَمَةُ غَيْرِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ، وَلَيْسَ فِي الْبَاطِلِ، وَالْكَلَامُ الْمُتَنَاقِضُ الَّذِي يُفْسِدُ بَعْضُهُ بَعْضًا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَمَةً لِلْعَبْدِ لَا يَحِلُّ لِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهَا، وَيَكُونُ وَلَدُهَا لِسَيِّدِ أَبِيهِ مَمْلُوكًا، هَذَا عَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ - وَلَا أَصْلَ لَهُ. فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ لِظُهُورِ فَسَادِهِ. وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَنْعُهُ عِتْقَ أُمِّ وَلَدِهِ وَهُوَ حُرٌّ وَهِيَ أَمَتُهُ مِنْ أَجْلِ جَنِينِهَا، وَهُمْ يُجِيزُونَ عِتْقَ الْجَنِينِ دُونَ أُمِّهِ وَهُمَا لِوَاحِدٍ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ عِتْقِ أُمِّهِ دُونَهُ وَهُمَا لِاثْنَيْنِ.
стр. 3417
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: كُلُّ مَا أَعْطَى الْمَرْءُ أُمَّ وَلَدِهِ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ لَهَا إذَا مَاتَ لَا يُعَدُّ مِنْ الثُّلُثِ، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَلَهُ مَالٌ فَمَا كَانَ بِيَدِ الْعَبْدِ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ فَهُوَ لِلْعَبْدِ، وَمَا كَانَ بِيَدِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ السَّيِّدُ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ - وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَالُ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - وَسُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: الْمُكَاتَبُ، وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَالْمُعْتَقُ، وَالْمَوْهُوبُ، وَالْمُتَصَدَّقُ بِهِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ يَمُوتُ سَيِّدُهَا: فَمَالُهُمْ كُلُّهُمْ لِلْمُعْتَقِ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَالُ الْمُعْتَقِ وَالْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: مَالُ الْمُعْتَقِ - وَأُمِّ الْوَلَدِ: لِلسَّيِّدِ وَلِوَرَثَتِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: مَالُ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِهِ - وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِابْنِ مَسْعُودٍ فَأَعْتَقَهُ، وَقَالَ: أَمَا إنَّ مَالَك لِي، ثُمَّ قَالَ: هُوَ لَك. وَصَحَّ نَحْوُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: مَالُ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِهِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ حَدَّثَنِي «عِمْرَانُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لِي ابْنُ مَسْعُودٍ: أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَكَ وَأَدَعَ مَالَكَ فَأَخْبِرْنِي بِمَالِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيُّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْفَضْلِ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عِمْرَانَ الْمَسْعُودِيُّ مَوْلَاهُمْ سَمِعَ عَمَّهُ يُونُسَ بْنَ عِمْرَانَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا فَلَيْسَ لِلْمَمْلُوكِ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ» .
стр. 3418
هَذَانِ لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ أَبِي الْمُسَاوِرِ ضَعِيفٌ جِدًّا - وَالْآخَرَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ لَا يَحْفَظُ أَبُوهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْئًا فَكَيْفَ هُوَ. وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا بِيعَ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَعِتْقُهُ كَذَلِكَ، وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الْبَيْعَ نَقْلُ مِلْكٍ فَلَا يُشْبِهُ الْعِتْقَ الَّذِي هُوَ إسْقَاطُ الْمِلْكِ جُمْلَةً، وَالْقِيَاسُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا يُشْبِهُهُ لَا عَلَى مَا لَا يُشْبِهُهُ. وَقَالُوا: مَالُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ. فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مَا هُوَ لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ، إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْحُجَّةَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: فِي الْإِمَاءِ ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] فَدَخَلَ فِي هَذَا الْخِطَابِ: الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] . فَصَحَّ أَنَّ صَدَاقَ الْأَمَةِ لَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَدْفَعُهُ إلَيْهَا. وَصَحَّ أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِإِيتَاءِ الصَّدَاقِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا كُلِّفَ ذَلِكَ، وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِصَدَاقٍ، إنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ فَبَعْدَ الْعَقْدِ، وَوَعَدَهُمْ اللَّهُ بِالْغِنَى فَهُمْ كَسَائِرِ النَّاسِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِذْ مَالُهُ لَهُ فَهُوَ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ. ثُمَّ وَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نا ابْنُ وَهْبٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ» . فَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قِيلَ: إنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخْطَأَ فِيهِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا أَخْطَأَ مَنْ ادَّعَى الْخَطَأَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا دَلِيلٍ.
стр. 3419
وَالْعَجَبُ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا قَوْلَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ " أَخْطَأَ ضَمْرَةُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سُفْيَانَ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ ". وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ الْخَطَأَ عَلَى الثِّقَةِ بِلَا بُرْهَانٍ ثُمَّ تَعَلَّقُوا بِقَوْلِ أُولَئِكَ أَنْفُسِهِمْ هَاهُنَا أَخْطَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَتَعَلَّقَ الْمَالِكِيُّونَ بِقَوْلِهِمْ: أَخْطَأَ ضَمْرَةُ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى قَوْلِهِمْ: أَخْطَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَهَلْ فِي التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ؟ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّونَ: فَرَدُّوا الْخَبَرَيْنِ مَعًا، وَأَخَذُوا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ بِالْخَطَأِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة عِتْق عَبْد الْوَلَد الصَّغِير واليتيم مِنْ قَبْل الْأَب أَوْ الْوَصِيّ]
١٦٧٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ عِتْقُ عَبْدِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَلَا لِلْوَصِيِّ عِتْقُ عَبْدِ يَتِيمِهِ أَصْلًا - وَهُوَ مَرْدُودٌ إنْ فَعَلَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» ، وَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ لِلْأَبِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ دُونَ الْكَبِيرِ قَدْرَ ذَرَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتِقُ عَبْدَ صَغِيرٍ وَلَا يُعْتِقُ عَبْدَ كَبِيرٍ - وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة عِتْقُ الْعَبْدِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِعَبْدِهِمَا]
١٦٨٠ - مَسْأَلَةٌ: وَعِتْقُ الْعَبْدِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، لِعَبْدِهِمَا جَائِزٌ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا، يَدُورُ مَعَهُمَا حَيْثُ دَارَا، وَمِيرَاثُ الْعِتْقِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْعَبْدِ مِنْ أَحْرَارِ عَصَبَتِهِ، أَوْ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا أُعْتِقَ فَإِنْ مَاتَ فَالْمِيرَاثُ لَهُ، أَوْ لِمَنْ أَعْتَقَهُ، أَوْ لِعَصَبَتِهِمَا؛ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا صِحَّةَ الْمِلْكِ لِلْعَبْدِ وَإِذْ هُوَ مَالِكٌ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَنَصَّ ﵊ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي " كِتَابِ الْمَوَارِيثِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي " الْمُكَاتَبِ " بَعْدَ هَذَا - بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ، فَهُوَ
стр. 3420
لِلْحُرِّ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ بِسَبَبِهِ، فَإِذَا عَتَقَ صَحَّ الْمِيرَاثُ لَهُ، أَوْ لِمَنْ يَجِبُ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة وَطِئَ أَمَةً لَهُ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ]
١٦٨١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ فَجَنِينُهَا حُرٌّ - أَمْنَى فِيهَا أَوْ لَمْ يُمْنِ - لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ نا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حِمْيَرٍ: سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ مُجِحٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّ صَاحِبَ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ يُلِمُّ بِهَا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، وَكَيْفَ يَسْتَرِقُّهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» . وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ، فَإِذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ فَهُوَ حُرٌّ بِلَا شَكٍّ، وَهُوَ غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ، وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ جُبَيْرٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ فَإِنْ هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ وَغَلَبَ الشَّقَاءُ عَلَيْهِ فَلْيُعْتِقْهُ، وَلْيُوصِ لَهُ مِنْ مَالِهِ. وَبِهِ إلَى ابْنِ وَهْبٍ عَنْ غَوْثِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيِّ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ الْأَمَةِ الْحَامِلِ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا؟ قَالَ: رَأَتْ الْوُلَاةُ أَنْ يَعْتِقَ ذَلِكَ الْحَمْلُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: وَإِنِّي أَرَى ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا، وَبَعْضِ الشَّافِعِيِّينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ قَاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالشَّامِ، وَغَوْثُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَاضِي مِصْرَ - وَهَذَا مِمَّا تَرَكَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ - وَالْحَنَفِيُّونَ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيِّينَ: صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
[مَسْأَلَة عِتْق مِنْ أحاط الدِّين بماله]
١٦٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غِنًى عَنْ مَمْلُوكِهِ جَازَ عِتْقُهُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ عِتْقُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ
стр. 3421
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالشَّافِعِيُّ بِقَوْلِنَا، إلَّا أَنَّهُمَا أَجَازَا عِتْقَهُ بِكُلِّ حَالٍ، بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا. أَنَّ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَاسْتَقْرَضَ مَالًا - فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُ، وَأَنْ يَبْتَاعَ جَارِيَةً يَطَؤُهَا، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَا اسْتَقْرَضَ، وَأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ بِمَا يَبْقَى لَهُ بَعْدَهُ غِنًى، وَالْعِتْقُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ، وَقَدْ يَرْزُقُ اللَّهُ عِبَادَهُ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ مِمَّنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَرْزُقْهُ إيَّاهُ فِي حَيَاتِهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَسْتَقْرِضُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع المدبر والمدبرة وَالْهِبَة لَهُمَا]
١٦٨٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالْمُدَبَّرُ عَبْدٌ مُوصَى بِعِتْقِهِ، وَالْمُدَبَّرَةُ كَذَلِكَ، وَبَيْعُهُمَا حَلَالٌ، وَالْهِبَةُ لَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ قَدْ بَيَّنَّا عِلَّتَهُ هُنَالِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَأَسْقَطَتْ شَيْئًا يُدْرَى أَنَّهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدَتْهُ]
١٦٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَمْلُوكَةٍ حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَأَسْقَطَتْ شَيْئًا يُدْرَى أَنَّهُ وَلَدٌ، أَوْ وَلَدَتْهُ: فَقَدْ حَرُمَ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَرَهْنُهَا وَالصَّدَقَةُ بِهَا وَقَرْضُهَا، وَلِسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَكُلُّ مَالِهَا فَلَهَا إذَا عَتَقَتْ، وَلِسَيِّدِهَا انْتِزَاعُهُ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بِزِنًا، أَوْ إكْرَاهٍ، أَوْ نِكَاحٍ بِجَهْلٍ: فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إذَا أُعْتِقَتْ عَتَقُوا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا. فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ، فَقَالَ: شَاوَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَرَأَيْت أَنَا وَعُمَرُ أَنْ أُعْتِقَهُنَّ - فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ، وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ، فَلَمَّا وُلِّيت رَأَيْت أَنْ أَرِقَّهُنَّ، قَالَ عَبِيدَةُ: فَرَأْيُ عُمَرُ، وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ أَحَبَّ إلَى عَبِيدَةُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَبَّ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنَّ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لَبَوْنًا بَائِنًا، فَأَيْنَ الْمُحْتَجُّونَ بِقَوْلِ الصَّاحِبِ الْمُشْتَهِرِ الْمُنْتَشِرِ وَأَنَّهُ إجْمَاعٌ، أَفَيَكُونُ اشْتِهَارًا أَعْظَمَ، وَانْتِشَارًا أَكْثَرَ مِنْ حُكْمِ عُمَرَ بَاقِي خِلَافَتِهِ، وَعُثْمَانَ جَمِيعَ خِلَافَتِهِ، فِي أَمْرٍ فَاشٍ عَامٍّ، ظَاهِرٍ مُطْبَقٍ، وَعَلِيٌّ مُوَافِقٌ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ
стр. 3422
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: بَاعَ عُمَرُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ثُمَّ رَدَّهُنَّ حَتَّى رَدَّهُنَّ حَبَالَى مِنْ تَسَتُّرٍ - فَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَفْشُوَ حُكْمٌ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْفَشْوِ بِمِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ الْمُعْلَنِ وَالْأَسَانِيدِ الْمُثِيرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذَلِكَ إجْمَاعًا، بَلْ خَالَفَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَعَلَى أُصُولِ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ قَدْ خَالَفَ عَلِيٌّ الْإِجْمَاعَ. وَحَاشَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَمُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ عَالِمًا بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ كَافِرٌ، ثُمَّ لَا يَسْتَحِبُّونَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا لَمْ يَصِحَّ قَطُّ عَنْ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ فَرَضَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ حَدًّا وَالْخِلَافُ فِيهِ مِنْ عُمَرَ وَمِمَّنْ بَعْدَ عُمَرَ أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَيٌّ فِينَا - لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا» . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي إمَارَتِهِ وَعُمَرُ فِي نِصْفِ إمَارَتِهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَتَبَ فِي عَهْدِهِ: إنِّي تَرَكْت تِسْعَ عَشْرَةَ سُرِّيَّةً فَأَيَّتُهُنَّ مَا كَانَتْ ذَاتَ وَلَدٍ قُوِّمَتْ فِي حِصَّةِ وَلَدِهَا بِمِيرَاثِهِ مِنِّي وَأَيَّتُهُنَّ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ وَلَدٍ فَهِيَ حُرَّةٌ؟ فَسَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَذَلِكَ فِي عَهْدِ عَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَمِنْ طَرِيقِ الْخُشَنِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: انْطَلَقْت إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَسْأَلُهُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ؟ قَالَ: مَالُك، إنْ شِئْت بِعْت وَإِنْ شِئْت وَهَبْت. ثُمَّ انْطَلَقْت إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِذَا مَعَهُ رَجُلَانِ فَسَأَلَاهُ؟ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا مَنْ أَقْرَأَك؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا أَبُو عَمْرَةَ، وَأَبُو حَكِيمٍ الْمُزَنِيّ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَقْرَأَنِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَبَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: أَقْرَأكُمَا؟ أَقْرَأَك عُمَرُ؟ فَإِنَّهُ كَانَ حِصْنًا حَصِينًا يَدْخُلُ النَّاسُ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ؟ فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ انْثَلَمَ الْحِصْنُ، فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ الْإِسْلَامِ قَالَ زَيْدٌ: وَسَأَلْته عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ؟ فَقَالَ: تُعْتَقُ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا.
стр. 3423
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَبَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ كَمَا تَرَى، فَأَيْنَ مُدَّعُو الْإِجْمَاعِ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا؟ نَعَمْ، وَفِيمَا لَا خَيْرَ فِيهِ مِمَّا لَا يَصِحُّ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ نا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَقَامَ أُمَّ حُيَيِّ أُمَّ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ صُهَيْبٍ يُقَالُ لِابْنِهَا: خَالِدٌ، فَأَقَامَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي مَالِ وَلَدِهَا وَجَعَلَهَا فِي نَصِيبِهِ. قَالَ عَطَاءٌ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْتَقُ أُمُّ الْوَلَدِ حَتَّى يَلْفِظَ سَيِّدُهَا بِعِتْقِهَا - وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَعَنْ عُمَرَ قَوْلٌ آخَرُ. رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ هَرِمِ بْنِ نَسِيبٍ، وَمَالِكِ بْنِ عَامِرٍ الْهَمْدَانِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ؟ قَالَ: إذَا عَفَتْ وَأَسْلَمَتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ كَفَرَتْ وَفَجَرَتْ أُرِقَّتْ. وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا: عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدٍ ارْتَدَّتْ - وَتَوَقَّفَ فِيهَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُغَلِّسِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَرُوِيَ إبْطَالُ بَيْعِهَا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالَار، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ غَايَةً فِي صِحَّةِ السَّنَدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ - وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَرَى مُسْنَدًا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «كُنَّا نُخْرِجُ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا وَرَسُولُ
стр. 3424
اللَّهِ ﷺ حَيٌّ نَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ نَتْرُكُ فَلَا نُفَاضِلُ - وَيَرَى هَذَا حُجَّةً. أَنْ يَرَى قَوْلَ جَابِرٍ هَذَا حُجَّةً، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَلَاعِبٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَهُ ﵊ فَنَظَرْنَا: هَلْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ فِي ذَلِكَ مَنْعٌ فَنَقِفُ عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَلَا؟ فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - هُوَ الرَّقِّيِّ - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إبْرَاهِيمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» فَهَذَا خَبَرٌ جَيِّدُ السَّنَدِ كُلُّ رُوَاتِهِ ثِقَةٌ.
وَسَمِعْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ كَمَا رُوِّينَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ فِي صَدْرِ " كِتَابِ الْعِتْقِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَنِيِّ أَبِيهِ وَمَنِيِّ أُمِّهِ، فَصَحَّ أَنَّهُ بَعْضُهَا وَبَعْضُ أَبِيهِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَيْمَنَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ - نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ - هُوَ أَبُو أُسَامَةَ بْنُ عُمَيْرٍ - قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ «هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ» . وَلَمَّا كَانَ الْوَلَدُ بَعْضَ أَبِيهِ وَبَعْضَ أُمِّهِ، وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ» فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ عَلَى أَبِيهِ، وَأَنْ لَا يَمْلِكَهُ أَحَدٌ، فَلِمَا وَجَبَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنَّ بَعْضَهَا حُرٌّ، وَإِذْ بَعْضُهَا حُرٌّ فَكُلُّهَا حُرٌّ. وَلَمَّا لَمْ يُبِنْ ﵊ أُمَّ إبْرَاهِيمَ ﵂ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَزَلْ يَسْتَبِيحُهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ صَحَّ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى إبَاحَةِ الْوَطْءِ وَالتَّصَرُّفِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
стр. 3425
وَصَحَّ أَنَّ الْعِتْقَ الْمَذْكُورَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَمْنَعُ إلَّا مِنْ إخْرَاجِهَا عَنْ الْمِلْكِ فَقَطْ، وَهَذَا بُرْهَانٌ ضَرُورِيٌّ قَاطِعٌ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ - إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَوِّغُ لِلْحَنَفِيَّيْنِ الِاحْتِجَاجَ بِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ: أَنَّ مَنْ رَوَى خَبَرًا ثُمَّ خَالَفَهُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ الْخَبَرِ - وَابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ رَاوِي خَبَرِ أُمِّ إبْرَاهِيمَ ﵍ وَهُوَ يَرَى بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. فَقَدْ تَرَكَ مَا رَوَى، وَمَا يَثْبُتُ عَلَى أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِنَّ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ بَعْد عُمَرَ: أَبَاحُوا بَيْعَهُنَّ، وَكُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ هَاهُنَا فَكَذِبٌ ابْتَدَعُوهُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهَا يَحْرُمُ إخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، مِمَّا يُدْرَى أَنَّهُ وَلَدٌ، فَإِنَّ النَّصَّ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَرَدَ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَكُونُ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عِظَامًا مَكْسُوَّةً لَحْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. وَالنُّطْفَةُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْمَاءِ، فَالنُّطْفَةُ لَيْسَتْ وَلَدًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ وَخُرُوجِهَا إثْرَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ خُرُوجِهَا كَذَلِكَ إلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا - مَا دَامَتْ نُطْفَةً - فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ نُطْفَةً إلَى أَنْ تَكُونَ عَلَقَةً، فَهِيَ حِينَئِذٍ وَلَدٌ مُخَلَّقٌ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] فَغَيْرُ " الْمُخَلَّقَةِ " هِيَ الَّتِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ أَنْ تَكُونَ نُطْفَةً، وَلَا خُلِقَ مِنْهَا وَلَدٌ بَعْدُ، " وَالْمُخَلَّقَةُ " هِيَ الْمُنْتَقِلَةُ عَنْ اسْمِ " النُّطْفَةِ " وَحَدِّهَا وَصِفَتِهَا إلَى أَنْ خَلَقَهَا " عَلَقَةً " كَمَا فِي الْقُرْآنِ، فَهِيَ حِينَئِذٍ وَلَدٌ مُخَلَّقٌ، فَهِيَ بِسُقُوطِهِ أَوْ بِبَقَائِهِ: أَوْ وَلَدٌ - وَهَذَا نَصٌّ بَيِّنٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا انْتِزَاعُهُ مَالَهَا - صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا - فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وَأُمُّ الْوَلَدِ لَيْسَتْ زَوْجَةً بِلَا خِلَافٍ، فَهِيَ ضَرُورَةً مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا، فَلَنَا أَخْذُ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ مُعْتَقَةٌ حُرَّةٌ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا؟ قُلْنَا: كَمَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵊ عَلَى ذَلِكَ، لَا كَمَا اشْتَهَتْ الْعُقُولُ الْفَاسِدَةُ، وَالشَّارِعَةُ بِآرَائِهَا الزَّائِفَةِ، وَلَا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمَنَا رَبُّنَا ، وَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّ الْمُكَاتَبَ لَا عَبْدٌ فَيَبْتَاعُ وَيُسْتَخْدَمُ، وَلَا تُوطَأُ الْمُكَاتَبَةُ، وَعَبْدٌ فِي
стр. 3426
جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَلَا حُرَّةَ فَتَطْلُقُ، وَحُرَّةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهَا وَوَطْئِهَا، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَا قُلْتُمُوهُ بِآرَائِكُمْ فَجَوَّزْتُمُوهُ، فَلَمَّا وَجَدْتُمُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﵊ أَنْكَرْتُمُوهُ، أَلَا هَذَا هُوَ الْهَوَسُ الْمُهْلِكُ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ؟
وَأَمَّا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا فَهُوَ كَمَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ بَعْضُهَا، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهَا، وَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا لَا يَحْرُمُ بَيْعُهَا إلَّا بِأَنْ تَكُونَ فِي حِينِ أَوَّلِ حَمْلِهَا فِي مِلْكِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُ وَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ وَهِيَ زَوْجَةٌ لَهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ مَلَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْوَلَدُ حَيًّا، فَإِنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَمَّا لَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا إلَّا مَنْ نُفِخَ الرُّوحُ فِيهِ، فَصَارَ غَيْرَهَا، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضَهَا حُرًّا قَطُّ، فَلَا حُرِّيَّةَ لَهَا، وَلَهُ بَيْعُهَا، فَلَوْ بَاعَهَا وَاَلَّذِي فِي رَحِمِهَا نُطْفَةٌ بَعْدُ فَإِنَّهُ إنْ خَرَجَتْ عَنْ رَحِمِهَا - وَهِيَ نُطْفَةٌ بَعْدُ - فَهُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا نُطْفَةٌ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، فَإِنْ صَارَتْ مُضْغَةً فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهَا وَبَعْضُهَا مُضْغَةٌ مُخَلَّقَةٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، فَهِيَ مِنْ أَوَّلِ وُقُوعِهَا إلَى خُرُوجِهَا وَلَدٌ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة عِتْق الْجَنِينُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ]
١٦٨٥ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ أَنَّ حُرًّا تَزَوَّجَ أَمَةً لِغَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ حَامِلٌ ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَعَتَقَ الْجَنِينُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ لَمْ يَرِث أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِتْقَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَكَانَ حِينَ مَوْتِ أَبِيهِ مَمْلُوكًا لَا يَرِثُ، فَلَوْ مَاتَ لَهُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ مَنْ يَرِثُهُ بِرَحِمٍ أَوْ وَلَاءٍ وَرِثَهُ إنْ خَرَجَ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ حُرًّا.
فَلَوْ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا فَأَسْلَمَتْ بَعْدَهُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أَوْ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ: فَهُوَ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ، وَلَا يَرِثُ أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَرِثُ بِهِ وَيُورَثُ لَهُ أَوْ لَا يَرِثُ بِهِ وَلَا يُورَثُ بِهِ لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَخَرَجَ إلَى الدُّنْيَا مُسْلِمًا عَلَى غَيْرِ دِينِ أَبِيهِ، وَعَلَى غَيْرِ حُكْمِ الدِّينِ الَّذِي لَوْ تَمَادَى عَلَيْهِ لَوَرِثَ أَبَاهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا قَدْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَتَمَلَّكَهَا نَصْرَانِيٌّ آخَرُ فَاسْتَرَقَّهَا فَوَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَرِثْ أَبَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إلَى الدُّنْيَا إلَّا مَمْلُوكًا لَا يَرِثُ - وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجَنِينُ الْمِيرَاثَ بِبَقَائِهِ حُرًّا عَلَى دِينِ مَوْرُوثِهِ مِنْ حِينِ يَمُوتُ الْمَوْرُوثُ إلَى أَنْ يُولَدَ حَيًّا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَأً تَرَكَ أُمَّ وَلَدِهِ حَامِلًا فَاسْتُحِقَّتْ بَعْدَهُ ثُمَّ أُعْتِقَ الْجَنِينُ بِعِتْقِهَا،
стр. 3427
فَإِنَّ نَسَبَهُ لَاحِقٌ، وَلَا يَرِثُ أَبَاهُ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ حُرًّا وَهُوَ مَمْلُوكٌ وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْحَالِ الَّتِي يُورَثُ بِهَا وَيَرِثُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَلَوْ مَاتَ لَهُ مَوْرُوثٌ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ وَرِثَهُ إنْ وُلِدَ حَيًّا لِمَا ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 3428
[كِتَابُ الْكِتَابَةِ] [ مَسْأَلَةٌ مَنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ فَدَعَا أَوْ دَعَتْ إلَى الْكِتَابَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا
كِتَابُ الْكِتَابَةِ ١٦٨٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ فَدَعَا أَوْ دَعَتْ إلَى الْكِتَابَةِ فُرِضَ عَلَى السَّيِّدِ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ وَيُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يُدْرَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ يُطِيقُهُ مِمَّا لَا حَيْفَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ، لَكِنْ مِمَّا يُكَاتَبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُمَا - وَلَا يَجُوزُ كِتَابَةُ عَبْدٍ كَافِرٍ أَصْلًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَيْرِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمَالُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الدِّينُ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَوْضُوعَ كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي بِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ الْمَالَ لَقَالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا، أَوْ عِنْدَهُمْ خَيْرًا، أَوْ مَعَهُمْ خَيْرًا، لِأَنَّ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ يُضَافُ الْمَالُ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَا يُقَالُ أَصْلًا فِي فُلَانٍ مَالٌ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] عَلِمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَرِدْ " الْمَالَ "، فَصَحَّ أَنَّهُ " الدِّينُ " وَلَا خَيْرَ فِي دِينِ الْكَافِرِ - وَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ فِيهِ الْخَيْرَ بِقَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا دِينَ إلَّا الْإِسْلَامُ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الْخَيْرِ، وَكُلُّ خَيْرٍ بَعْدَ هَذَا فَتَابِعٌ لِهَذَا - وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَأُكَاتِبُ وَلَيْسَ لِي مَالٌ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: نَعَمْ، فَصَحَّ أَنَّ الْخَيْرَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ " الْمَالَ ".
стр. 3429
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قَالَ: إنْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قَالَ: دِينٌ وَأَمَانَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: الْإِسْلَامُ وَالْوَفَاءُ - وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ الْمَالُ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي رَزِينٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كِلَا الْأَمْرَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَخِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ نَاقَضَ فِي مَسَائِلِهِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: فَكَانَ شَرْطُ اللَّهِ هَاهُنَا مُلْغًى، لَا مَعْنَى لَهُ، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ شَرْطَهُ عِنْدَهُمْ ضَائِعًا، وَشُرُوطَهُمْ الْفَاسِدَةَ عِنْدَهُمْ لَازِمَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُبِيحُونَ كِتَابَةَ الْكَافِرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ خَارِجٌ عَنْ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ أَصْلًا، وَخَارِجٌ عَنْ قَوْلِ كُلِّ مَنْ سَلَفَ، وَهَذَا مِمَّا فَارَقُوا فِيهِ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ قَوْلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَمِنْ طَرَائِفِ الدُّنْيَا: احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِأَنْ قَالَ: قِسْنَا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى مَنْ فِيهِ خَيْرٌ. قَالَ عَلِيٌّ: فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْخَفَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا بِالْقِيَاسِ فِيمَا يُشْبِهُ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ لَا فِيمَا لَا يُشْبِهُهُ. وَهَلَّا قَاسُوا مَنْ يَسْتَطِيعُ " الطَّوْلَ " فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُهُ؟
стр. 3430
وَهَلَّا قَاسُوا بِهِ غَيْرَ السَّائِمَةِ فِي الزَّكَاةِ عَلَى السَّائِمَةِ؟ وَهَلَّا قَاسُوا غَيْرَ السَّارِقِ عَلَى السَّارِقِ، وَغَيْرَ الْقَاتِلِ عَلَى الْقَاتِلِ؟ وَهَذِهِ حَمَاقَةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ إلَّا مَنْ فِيهِ خَيْرٌ، وَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَأَجَزْنَا كِتَابَتَهُ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْكِتَابَةِ جُمْلَةً؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَأَبِيحُوا بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ أَكْلَ كُلِّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] وَهَذَا بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» . وَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تُجِيزُوا كِتَابَةَ الْمَجْنُونِ، وَالصَّغِيرِ: بِعُمُومِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُكَاتَبًا إلَّا مَنْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مُكَاتَبَتَهُ أَوْ أَمَرَ بِهَا. وَأَيْضًا: فَلَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَثَرٌ قَطُّ فِي الْمُكَاتَبِ إلَّا وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ مُسْلِمٌ - وَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُكَاتَبَةِ وَبِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ فَرْضٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى: افْعَلْ أَمْرًا كَذَا، فَيَقُولُ هُوَ: لَا أَفْعَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ تَعَالَى: إنْ شِئْت فَافْعَلْ وَإِلَّا فَلَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا غُنْدَرٌ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَهُ الْمُكَاتَبَةَ؟ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاَللَّهِ لَتُكَاتِبْنَهُ، وَتَنَاوَلَهُ بِالدِّرَّةِ، فَكَاتَبَهُ. وَبِهِ إلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إذَا عَلِمْت لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا وَاجِبًا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي أَيْضًا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْكِتَابَةَ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى، فَانْطَلَقَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِأَنَسٍ: كَاتِبْهُ؟ فَأَبَى، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: كَاتِبْهُ، وَيَتْلُو ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ. وَبِهِ إلَى ابْنِ الْمَدِينِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ نا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدٍ كَانَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ: أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِالزُّبَيْرِ فَدَخَلَ مَعَهُ عَلَى
стр. 3431
عُثْمَانَ، فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فُلَانٌ كَاتَبَهُ؟ فَقَطَّبَ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ. وَلَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا فَعَلْت ذَلِكَ
وَذَكَرَ الْخَبَرَ وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: مُكَاتَبَتُهُ وَاجِبَةٌ إذَا طَلَبَهَا، وَأَخْشَى أَنْ يَأْثَمَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَا يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ - وَبِإِيجَابِ ذَلِكَ، وَجَبْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا. فَهَذَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ يَرَيَانِهَا وَاجِبَةً، وَيُجْبِرُ عُمَرُ عَلَيْهَا وَيَضْرِبُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ، وَالزُّبَيْرِ يَسْمَعُ حَمَلَ عُثْمَانُ الْآيَةَ عَلَى الْوُجُوبِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا ذُكِّرَ بِالْآيَةِ سَارَعَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمُكَاتَبَةِ وَتَرَكَ امْتِنَاعَهُ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَخَالَفَ ذَلِكَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، فَقَالُوا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَمَوَّهُوا فِي ذَلِكَ بِتَشْغِيبَاتٍ، مِنْهَا: أَنَّهُمْ ذَكَرُوا آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى النَّدْبِ مِثْلَ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا نُصُوصٌ أُخَرُ جَاءَتْ لَكَانَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ فَرْضًا، لَكِنْ لَمَّا حَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَلَمْ يَصْطَدْ صَارَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ نَدْبًا - وَلَمَّا حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْقُعُودِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَرَغَّبَ فِي ذَلِكَ كَانَ الِانْتِشَارُ نَدْبًا. فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ نَصٌّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْكِتَابَةِ نَدْبٌ صِرْنَا إلَيْهِمْ؟ وَإِلَّا فَقَدْ كَذَبَ مُحَرِّفُ الْقُرْآنِ عَنْ مَوْضِعِ كَلِمَاتِهِ، وَلَيْسَ إذَا وُجِدَ أَمْرٌ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا أَوْ مَخْصُوصًا. وَقَالُوا: لَمَّا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ إذَا طَلَبَ مِنْهُ الْكِتَابَةَ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا نَدْبٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَمْوِيهٌ بَارِدٌ، نَعَمْ، وَلَهُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَاتَبَهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ، وَلَهُ بَيْعُ مَا قَابَلَ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى يَتِمَّ عِتْقُهُ بِالْأَدَاءِ. وَهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ إنْ قَدِمَ أَبُوهُ: أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ مَا لَمْ يَقْدَمْ أَبُوهُ - وَفِي ذَلِكَ بُطْلَانُ نَذْرِهِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ لَوْ لَمْ أَبِعْهُ. وَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى عَقْدٍ فِيمَا يَمْلِكُ؟
стр. 3432
فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَلَا وَجَدْتُمْ قَطُّ فِي الْأُصُولِ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِ أَمَتِهِ، وَتَخْرُجُ حُرَّةً مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ مَاتَ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ.
وَلَا وَجَدْتُمْ قَطُّ صَوْمَ شَهْرٍ مُفْرَدٍ إلَّا رَمَضَانَ، فَأَبْطَلُوا صَوْمَهُ بِذَلِكَ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَالَ: لَا آخُذُ بِشَرِيعَةٍ - حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرًا، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: لَا آخُذُ بِهَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرَيْنِ.
وَقَدْ وَجَدْنَا: الْمُفْلِسَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ. وَوَجَدْنَا: الشَّفِيعَ يُجْبِرُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَصْيِيرِ مِلْكِهِ إلَيْهِ. وَقَالُوا: لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى السَّيِّدِ إذَا طَلَبَهُ الْعَبْدُ لَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ إذَا طَلَبَهُ السَّيِّدُ - وَهَذَا أَسْخَفُ مَا أَتَوْا بِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِذَلِكَ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا إذَا طَلَبَهَا السَّيِّدُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ قِيَاسًا صَحِيحًا فَلْيَقُولُوا: إنَّهُ لَمَّا كَانَ الزَّوْجُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ طَلَاقَهُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَهُ. وَلَمَّا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وَإِنْ كَرِهَ الْمُشْتَرِي - كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا إلْزَامُهُ إيَّاهُ - وَإِنْ كَرِهَ الشَّفِيعُ. وَهَذِهِ وَسَاوِسُ سَخِرَ الشَّيْطَانُ بِهِمْ فِيهَا، وَشَوَاذُّ سَبَّبَ لَهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الْمَضَاحِكِ فِي الدِّينِ، فَاتَّبَعُوهُ عَلَيْهَا، وَلَا نَدْرِي بِأَيِّ نَصٍّ أَمْ بِأَيِّ عَقْلٍ وَجَبَ هَذَا الَّذِي يَهْذِرُونَ بِهِ؟ وَقَالُوا: كَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ غَرَرٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَسَبِيلُهُ إذْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ - أَنْ يَكُونَ نَدْبًا؛ لِأَنَّهُ إطْلَاقٌ مِنْ حَظْرٍ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ بَلْ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ حَتَّى يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَإِذَا أَمَرَ بِهِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، يَعْصِي مَنْ أَبَى قَبُولَهُ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَخْتَلِفُ الْعُقُولُ فِيهِ، وَمَا جَاءَ قَطُّ نَصٌّ وَلَا مَعْقُولٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لَا يَكُونُ إلَّا نَدْبًا، بَلْ قَدْ كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرْضًا، وَإِلَى الْكَعْبَةِ مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً، ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ، فَكَانَ فَرْضًا.
وَقَالُوا: لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ فَرْضًا لَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ السَّيِّدُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَرَادَهَا الْعَبْدُ بِدِرْهَمٍ. وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ قَطُّ بِإِجَابَةِ الْعَبْدِ إلَى مَا
стр. 3433
أَرَادَ أَنْ يُكَاتَبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِإِجَابَتِهِ إلَى الْكِتَابَةِ ثُمَّ تَرَكَ الْمُكَاتَبَةَ مُجْمَلَةً بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] فِعْلٌ مِنْ فَاعِلَيْنِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَ الْعَبْدَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ. وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَ السَّيِّدَ إضَاعَةَ مَالِهِ. وَصَحَّ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ: أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمَا مَا أَطَاقَهُ الْعَبْدُ بِلَا حَرَجٍ، وَمَا لَا غَبْنَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ، وَلَا إضَاعَةَ لِمَالِهِ وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ تَكْلِيفَ عَبْدِهِ الْخَرَاجَ وَإِجْبَارَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُجِيزًا أَنْ يُكَلِّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُ، وَلَا إجَابَةُ الْعَبْدِ إلَى أَدَاءِ مَا لَا يَرْضَى السَّيِّدُ بِهِ مِمَّا هُوَ قَادِرٌ بِلَا مَشَقَّةٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يَذْكُرْ صَدَاقًا، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَتُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَلَا تُعْطَى بِرَأْيِهَا، وَلَا يُعْطِي هُوَ بِرَأْيِهِ. وَقَدْ رَأَى الْحَنَفِيُّونَ الِاسْتِسْعَاءَ وَالْقَضَاءَ بِهِ وَاجِبًا، فَهَلَّا عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَقَالُوا: إنْ قَالَ الْعَبْدُ: لَا أُؤَدِّي إلَّا دِرْهَمًا فِي سِتِّينَ سَنَةٍ، وَقَالَ الْمُسْتَسْعَى لَهُ: لَا تُؤَدِّي إلَّا مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ يَوْمِهِ.
وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيُّونَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ فَرْضًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، ثُمَّ لَمْ يُبَيِّنُوا مَا هُوَ وَلَا مِقْدَارَهُ. وَكَمْ قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا الشَّافِعِيُّونَ بِإِيجَابِ فَرْضٍ حَيْثُ لَا يَحُدُّونَ مِقْدَارَهُ، كَقَوْلِهِمْ: الصَّلَاةُ تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ، وَلَا تَبْطُلُ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ، فَهَذَا فَرْضٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ. وَأَوْجَبُوا الْمُتْعَةَ فَرْضًا ثُمَّ لَمْ يَحُدُّوا فِيهَا حَدًّا، وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مَا تَجُوز عَلَيْهِ الْكِتَابَة]
١٦٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ عَلَى مَالٍ جَائِزٍ تَمَلُّكُهُ، وَعَلَى عَمَلٍ فِيهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَإِلَى غَيْرِ أَجَلٍ مُسَمًّى، لَكِنْ حَالًّا أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَعَلَى نَجْمٍ وَنَجْمَيْنِ وَأَكْثَرَ.
стр. 3434
وَكُنَّا قَبْلُ نَقُولُ: لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا حَتَّى وَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ قَالَ: نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ النَّيْسَابُورِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نا ابْنُ إدْرِيسَ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ - هُوَ ابْنُ النُّعْمَانَ الظَّفَرِيُّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، وَفِيهِ: فَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي، ثُمَّ ذَكَرَ خَبَرًا وَفِيهِ: فَأَسْلَمْتُ وَشَغَلَنِي الرِّقُّ حَتَّى فَاتَتْنِي بَدْرٌ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَاتِبْ؟ فَسَأَلْتُ صَاحِبِي ذَلِكَ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى كَاتَبَنِي عَلَى أَنْ أُحْيِيَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ نَخْلَةٍ، وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ: فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَضَعَهَا فَلَا تَضَعْهَا حَتَّى تَأْتِيَنِي فَتُؤْذِنَنِي فَأَكُونَ أَنَا الَّذِي أَضَعُهَا بِيَدِي؟ قَالَ: فَقُمْت بِتَفْقِيرِي وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى فَقَرْتُ لَهَا سَرَبَهَا ثَلَاثَمِائَةِ سَرْبَةٍ، وَجَاءَ كُلُّ رَجُلٍ بِمَا أَعَانَنِي بِهِ مِنْ النَّخْلِ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَضَعُهُ بِيَدِهِ وَيُسَوِّي عَلَيْهَا تُرَابَهَا وَيُبَرِّكُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَوَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَةٌ، وَبَقِيَتْ الذَّهَبُ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذْ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهَا مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ فَقَالَ ﵊: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمِسْكِينُ الْمُكَاتَبُ؟ اُدْعُوهُ لِي؟ فَدُعِيتُ فَجِئْتُ، فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذِهِ فَأَدِّهَا بِمَا عَلَيْكَ مِنْ الْمَالِ؟ فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ مَا عَلَيْكَ مِنْ الْمَالِ، قَالَ: فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ وَزَنْتُ لَهُ مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً حَتَّى أَوْفَيْتُهُ الَّذِي عَلَيَّ، قَالَ: فَأُعْتِقَ سَلْمَانُ، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ، وَبَقِيَّةَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الْكِتَابَةُ إلَّا عَلَى نَجْمَيْنِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِهَا كَذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حَظَّ لِلنَّظَرِ مَعَ صِحَّةِ الْخَبَرِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ الْعَبْدَ إذَا أَسْلَمَ وَسَيِّدُهُ كَافِرٌ فَهُوَ حُرٌّ - وَهَذَا سَلْمَانُ أَسْلَمَ وَسَيِّدُهُ كَافِرٌ وَلَمْ يُعْتَقْ بِذَلِكَ؟ قُلْنَا: لَمْ نَقُلْ بِهَذَا إلَّا لِعِتْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مُسْلِمًا مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الطَّائِفِ. وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١]
стр. 3435
وَالطَّائِفُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ بِدَهْرٍ، وَقِصَّةُ سَلْمَانَ، مُوَافِقَةٌ لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ فَصَحَّ بِنُزُولِ الْآيَةِ نَسْخُ جَوَازِ تَمَلُّكِ الْكَافِرِ لِلْمُؤْمِنِ، وَبَقِيَ سَائِرُ الْخَبَرِ عَلَى مَا فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة كِتَابَة مَمْلُوك لَمْ يَبْلُغ]
١٦٨٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ كِتَابَةُ مَمْلُوكٍ لَمْ يَبْلُغْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كِتَابَتُهُ جَائِزَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَ غَيْرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَلَا يَجُوزُ عَمَلُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ، إلَّا حَيْثُ أَجَازَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ. وَلَا تَجُوزُ كِتَابَةُ الْوَصِيِّ غُلَامَ يَتِيمِهِ، وَلَا مُكَاتَبَةُ الْأَبِ غُلَامَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُخَاطَبِ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ، إذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِ كَسْبِهِ بِغَيْرِ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ.
[مَسْأَلَة مُكَاتَبَة عَبْد لَمْ يؤد شَيْئًا]
١٦٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا، فَإِذَا أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ فَقَدْ شَرَعَ فِيهِ الْعِتْقَ، وَالْحُرِّيَّةَ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَبَقِيَ سَائِرُهُ مَمْلُوكًا، وَكَانَ لِمَا عَتَقَ مِنْهُ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْحُدُودِ، وَالْمَوَارِيثِ، وَالدِّيَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَانَ لِمَا بَقِيَ مِنْهُ حُكْمُ الْعَبِيدِ فِي الدِّيَاتِ، وَالْمَوَارِيثِ، وَالْحُدُودِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَكَذَا أَبَدًا حَتَّى يَتِمَّ عِتْقُهُ بِتَمَامِ أَدَائِهِ. لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّمَشْقِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، أَنَّهُ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ نا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ - هُوَ ابْنُ أَبِي عُثْمَانَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
следующие страницы →