Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
فَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ أَحَدًا بِأَنْ يَزِيدَ فِي الْحَلِفِ عَلَى " بِاَللَّهِ " شَيْئًا، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مُوجِبًا لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ.
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ نا أَبِي عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا أَبُو عُبَيْدٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ - هُوَ الْمُقْرِي - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ» .
وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ عَلَى إبْطَالِ زِيَادَتِهِمْ وَإِيجَابِهِمْ مِنْ ذَلِكَ خِلَافَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ -.
وَصَحَّ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» .
فَصَحَّ: أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّهَا يَحْلِفُ الْحَالِفُ بِأَيِّهَا شَاءَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مِمَّا صَحَّ عَنْهُمَا، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَعَلِيٍّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمَا وَجَدْنَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: فَعَنْ شُرَيْحٍ وَحْدَهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: مِنْ حَيْثُ يَحْلِفُ النَّاسُ، فَقَوْلٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَقَلَّدُوا فِيهَا مَرْوَانَ.
وَخَالَفُوا: زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا.
وَخَالَفُوا: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي جَلْبِهِ رَجُلًا مِنْ الْعِرَاقِ لِيَحْلِفَ بِمَكَّةَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ بِالْعِرَاقِ، وَالْحِجَازِ، وَمُعَاوِيَةَ فِي جَلْبِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ - وَمَا نَعْلَمُ لِقَوْلِهِمْ سَلَفًا مِنْ الصَّحَابَةِ تَعَلَّقُوا بِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ شَغَبُوا بِأَخْبَارٍ نَذْكُرُهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ
стр. 3677
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ نا أَبُو أُمَامَةَ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَحِلُّ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عَدْلًا وَلَا صَرْفًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ فَاجِرٌ لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ قَالَ: فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ نا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ هِلَالٍ - نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ - هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ - عَنْ عَلْقَمَةَ - هُوَ ابْنُ وَائِلٍ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ " أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ لِلْمُدَّعِي فِي أَرْضٍ: بَيِّنَتُكَ قَالَ: لَيْسَ لِي، قَالَ: يَمِينُهُ، قَالَ: إذًا يَذْهَبُ بِمَالِي قَالَ: لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ، فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَنْ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ -: فَأَمَّا خَبَرُ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ: فَإِنَّ رَاوِيَ لَفْظَةِ " انْطَلَقَ ": سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ - ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ انْطَلَقَ إلَى الْمِنْبَرِ، وَقَدْ يُرِيدُ انْطَلَقَ فِي كَلَامِهِ لِيَحْلِفَ، وَلَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَمَرَهُ بِالِانْطِلَاقِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا حُجَّةَ فِي فِعْلِ أَحَدٍ دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌.
стр. 3678
وَأَمَّا الْخَبَرَانِ الْأَوَّلَانِ: فَلَيْسَ فِيهِمَا إلَّا تَعْظِيمُ الْيَمِينِ عِنْدَ مِنْبَرِهِ ﵊ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِمَا: أَنَّهُ أَمَرَ ﵊ بِأَنْ لَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ إلَّا عِنْدَهُ، وَنَحْنُ لَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي هَذَا.
وَلَوْ كَانَ هَذَانِ الْخَبَرَانِ يُوجِبَانِ أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمَطْلُوبُ إلَّا عِنْدَ مِنْبَرِهِ ﵊ لَكَانَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، قَدْ خَالَفَهَا فِي مَوْضِعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا لَا يُحَلِّفَانِ عِنْدَهُ إلَّا فِي مِقْدَارٍ مَا مِنْ الْمَالِ لَا فِي أَقَلَّ مِنْهُ، فَلَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ وَجَدَا هَذَا؟ وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ تَخْصِيصُ الْحَلِفِ عِنْدَهُ فِي عَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ، بَلْ فِيهِ نَصُّ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ذَلِكَ -: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نِسْطَاسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ إلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
فَظَهَرَ خِلَافُهُمْ لِهَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ.
وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ: أَنَّهُمَا يُحَلِّفَانِ مَنْ بَعُدَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْجَوَامِعِ، فَقَدْ خَالَفَا هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا، وَلَئِنْ جَازَ أَنْ لَا يُحَلَّفَ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ عَلَيْهِ إنَّهُ لَجَائِزٌ فِيمَا قَرُبَ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ، وَلَيْسَ لِلْبُعْدِ وَالْقُرْبِ حَدٌّ فِي الشَّرِيعَةِ، إلَّا أَنْ يَحُدَّ حَادٌّ بِرَأْيِهِ فَيَزِيدُ فِي الْبَلَاءِ وَالشَّرْعِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ نَجِدُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ لِضَعْفِهِ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَمَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشْيُ خَمْسِينَ مِيلًا، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً.
وَأَيْضًا: فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ بِأَصَحِّ طَرِيقٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ النَّارَ، قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ قَالَهَا ثَلَاثًا» .
стр. 3679
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَكَرَ فِيهِمْ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ كَانَ تَعْظِيمُ الْحَلِفِ عِنْدَ مِنْبَرِهِ ﵊ مُوجِبًا لَأَنْ لَا يُحَلَّفَ الْمَطْلُوبُونَ إلَّا عِنْدَهُ؛ فَإِنَّ تَعْظِيمَهُ ﵊ الْحَلِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مُوجِبٌ أَيْضًا: أَنْ لَا يُحَلَّفَ الْمَطْلُوبُونَ إلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ.
ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ قِيَاسُهُمْ سَائِرَ الْجَوَامِعِ عَلَى مَسْجِدِهِ ﵌ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا فَضْلَ لِجَامِعٍ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَسْجِدٌ آخَرُ جَامِعًا وَتُرِكَ التَّجْمِيعُ فِي الْجَامِعِ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ أَصْلًا وَلَا كَرَاهَةٌ، فَمِنْ أَيْنَ خَرَجَتْ هَذِهِ الْقِيَاسَاتُ الْفَاسِدَةُ.
فَإِنْ قَالُوا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِيَزْدَجِرَ الْمُبْطِلُ؟ قُلْنَا: فَافْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِنَّ الْوَعِيدَ جَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءً، حَتَّى فِي قَضِيبٍ مِنْ أَرَاكٍ، إلَّا إنْ كَانَ الْقَلِيلُ عِنْدَكُمْ خَفِيفًا - فَهَذَا مَذْهَبُ النَّظَّامِ، وَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَهُمْ الْقَوْمُ لَا يُتَكَثَّرُ بِهِمْ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُحِقَّ قَدْ يَخْشَى السُّمْعَةَ وَالشُّهْرَةَ فِي حَمْلِهِ إلَى الْجَامِعِ فَيَتْرُكُ حَقَّهُ، فَقَدْ حَصَلْتُمْ بِنَظَرِكُمْ عَلَى إبْطَالِ الْحُقُوقِ، وَأُفٍّ لِهَذَا نَظَرًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الْيَمِينُ فِي مَكَان دُونَ مَكَان، وَفِي حَالٍ دُونَ حَالٍ: لَبَيَّنَهَا ﵊ فَإِذْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَلَا يُخَصُّ بِالْيَمِينِ مَكَانٌ دُونَ مَكَان، وَلَا حَالٌ دُونَ حَالٍ.
وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يَرَى فِيهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: التَّحْلِيفَ فِي الْجَوَامِعِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَنْكَرَ التَّحْلِيفَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ إلَّا فِي دَمٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ الْمَالِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهَا رِوَايَةٌ سَاقِطَةٌ لَا يُدْرَى لَهَا أَصْلٌ وَلَا مُنْبَعَثٌ وَلَا مَخْرَجٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؛
стр. 3680
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَاتَ زَمَنَ عُثْمَانَ ﵄ فَوَالِي مَكَّةَ يَوْمئِذٍ كَانَ بِلَا شَكٍّ مِنْ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ، فَلَيْسَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
ثُمَّ لَمْ يَحُدَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي كَثِيرِ الْمَالِ مَا حَدَّهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ مَالِكًا إلَى تَحْدِيدِ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَلَا مَنْ سَبَقَ الشَّافِعِيِّ إلَى تَحْدِيدِهِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهَا.
قُلْنَا: وَمَنْ حَدَّ ذَلِكَ، إنَّمَا حَدَّ قَوْمٌ بِرُبُعِ دِينَارٍ، وَأَمَّا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَلَا - وَيُعَارِضُ هَذَا تَحْدِيدُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ عِشْرِينَ دِينَارًا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ الَّتِي صَحَّ فِيهَا النَّصُّ.
أَوْ يُعَارِضُهُمْ آخَرُونَ بِمِقْدَارِ الدِّيَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَيُقَالُ لَهُمْ: أَتَرَوْنَ مَا دُونَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ أَيُتَسَاهَلُ فِي ظُلْمِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ؟ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، وَقَدْ وَجَدْنَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ تُؤْخَذُ غَصْبًا فَلَا يَجِبُ فِيهَا قَطْعٌ، وَالْغَصْبُ وَالسَّرِقَةُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُمَا ظُلْمٌ، وَأَخْذُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَلَعَلَّ الْغَاصِبَ أَعْظَمُ إثْمًا، لِاهْتِضَامِهِ الْمُسْلِمَ عَلَانِيَةً، بَلْ لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ غَاصِبَ دِينَارٍ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ سَارِقِ رُبُعِ دِينَارٍ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ الدِّرْهَمُ عِنْدَهُ عَظِيمٌ لِفَقْرِهِ، وَفِيهِمْ مَنْ أَلْفُ دِينَارٍ عِنْدَهُ قَلِيلٌ لِيَسَارِهِ، فَظَهَرَ فَسَادُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 3681
[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ١٧٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا عَدْلٌ رَضِيٌّ.
وَالْعَدْلُ: هُوَ مَنْ لَمْ تُعْرَفْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَلَا مُجَاهَرَةٌ بِصَغِيرَةٍ.
وَالْكَبِيرَةُ: هِيَ مَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَبِيرَةً، أَوْ مَا جَاءَ فِيهِ الْوَعِيدُ.
وَالصَّغِيرَةُ: مَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ وَعِيدٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
وَلَيْسَ إلَّا فَاسِقٌ أَوْ غَيْرُ فَاسِقٍ، فَالْفَاسِقُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْفِسْقُ، وَالْكَبَائِرُ كُلُّهَا فُسُوقٌ - فَسَقَطَ قَبُولُ خَبَرِ الْفَاسِقِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَدْلُ: وَهُوَ مَنْ لَيْسَ بِفَاسِقٍ.
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ: فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] .
فَصَحَّ: أَنَّ مَا دُونَ الْكَبَائِرِ مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَمَا كَفَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَسْقَطَهُ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَذُمَّ بِهِ صَاحِبَهُ وَلَا أَنْ يَصِفَهُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ تَابَ مِنْ الْكُفْرِ فَمَا دُونَهُ فَإِنَّهُ إذَا سَقَطَ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ مَا تَابَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَذُمَّهُ بِمَا سَقَطَ عَنْهُ، وَلَا أَنْ يَصِفَهُ بِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -:
стр. 3682
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كُلُّ مُسْلِمٍ فَهُوَ عَدْلٌ حَتَّى يَثْبُتَ عَلَيْهِ الْفِسْقُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ، أَوْ قَرَابَةٍ.
وَحَدَّثَنَاهُ أَيْضًا: أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ قَالَ: نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَارِسِيُّ قَالَ: نا أَبُو ذَرٍّ: نا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي السِّجِسْتَانِيُّ نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى فَذَكَرَهُ كَمَا هُوَ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْفَارِسِيُّ: نا الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَرْخِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَّافُ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ نا سُفْيَانُ عَنْ إدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَذَكَرَهُ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ " وَقِسْ الْأُمُورَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ " وَفِي بَعْضِهَا " وَاعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ " وَعَلَيْهَا عَوَّلَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، فِي الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ لَمْ يُبَالُوا بِخِلَافِهَا فِي أَنَّ " الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إلَّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ، أَوْ قَرَابَةٍ ".
فَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: مُجَاهِرُونَ بِخِلَافِ هَذَا، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ عَلَى الرَّدِّ حَتَّى تَصِحَّ الْعَدَالَةُ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَطْعَنَ الْخَصْمُ فِي الشَّاهِدِ فَإِذَا طَعَنَ فِيهِ الْخَصْمُ تَوَقَّفَ فِي شَهَادَتِهِ حَتَّى تَثْبُتَ لَهُ الْعَدَالَةُ.
فَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ قَوْلِ عُمَرَ، فَمَرَّةً قَوْلُهُ حُجَّةٌ، وَمَرَّةً قَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهَذَا كَمَا تَرَى، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْعَدْلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - هُوَ أَبُو الْيَمَانِ - نا شُعَيْبُ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ
стр. 3683
عَنْ الزُّهْرِيِّ نا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، وَاَللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ.
قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فَهُوَ عَدْلٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَرٌّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ قِيلَ لَهُ: إنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ قَدْ فَشَتْ؟ فَقَالَ: لَا يُوسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ: مَعْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ: أَنَّ الْعُدُولَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَّا مَنْ صَحَّتْ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ.
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ حُمَامٌ عَنْ الْبَاجِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَلَّا لَا يُوسَرُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ بِشُهُودِ الزُّورِ، فَإِنَّا لَا نَقْبَلُ إلَّا الْعُدُولَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يُصِبْ حُرًّا أَوْ تُعْلَمْ عَلَيْهِ خَرَبَةٌ فِي دِينِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ عَوْفٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ صَلَّى إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْخَصْمُ بِمَا يُجَرِّحُهُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ لَا يَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ شَهَادَةُ ظَنِينٍ وَلَا مُتَّهَمٍ.
قُلْنَا: قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ الطَّلَاقَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَلَمْ يَجُزْ فِي الطَّلَاقِ بِالنَّصِّ إلَّا مَنْ عُرِفَ لَا مَنْ يُتَّهَمُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ حَتَّى تَصِحَّ الْجُرْحَةُ: بِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ جُرْحَةٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مُسْلِمًا، فَالْإِسْلَامُ خَيْرٌ، بَلْ هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فَقَدْ صَحَّ مِنْهُ الْخَيْرُ، فَهُوَ عَدْلٌ حَتَّى يُوقَنَ مِنْهُ بِضِدِّ ذَلِكَ.
стр. 3684
فَقُلْنَا: إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُ فَقَدْ صَارَ فِي نِصَابِ مَنْ يُكْتَبُ لَهُ الْخَيْرُ، وَيُكْتَبُ عَلَيْهِ الشَّرُّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ سَلِمَ مِنْ ذَنْبٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] .
فَصَحَّ: أَنَّهُ لَا أَحَدَ إلَّا وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَاكْتَسَبَ إثْمًا، فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا وَلَا بُدَّ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي خَبَرِهِ وَشَهَادَتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ أَيْنَ أَحَلَّتْهُ ذُنُوبُهُ فِي جُمْلَةِ الْفَاسِقِينَ: فَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِنَصِّ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] أَمْ فِي جُمْلَةِ الْمَغْفُورِ لَهُمْ مَا أَذْنَبُوا، وَمَا ظَلَمُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ، وَمَا كَسَبُوا مِنْ إثْمٍ بِالتَّوْبَةِ، أَوْ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالصَّغَائِرِ: بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ سَلِمَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْحُدُودُ وَمَا يُشْبِهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنْ الْعَظَائِمِ، وَكَانَ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ، وَأَخْلَاقُ الْبِرِّ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعَاصِي: قَبِلْنَا شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَبْدٌ مِنْ ذَنْبٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَعَاصِي أَكْثَرَ مِنْ أَخْلَاقِ الْبِرِّ رَدَدْنَا شَهَادَتَهُ.
وَلَا نُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَيُقَامِرُ عَلَيْهَا.
وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ وَيُطَيِّرُهَا.
وَلَا مَنْ يُكْثِرُ الْحَلِفَ بِالْكَذِبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَكَثْرَةِ الشَّرِّ - وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ زِنًى مَرَّةً فَهُوَ فَاسِقٌ حَتَّى يَتُوبَ.
ثُمَّ رَدَّ الشَّهَادَةَ بِاللَّعِبِ بِالْحَمَامِ - وَمَا نَدْرِي ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَا لَمْ يَسْرِقْ حَمَامَ النَّاسِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ وَالْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ: قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ أَمْرِهِ الْمَعْصِيَةَ، وَخِلَافَ الْمُرُوءَةِ: رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِذِكْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا ذِكْرُهُ الْمُرُوءَةَ هَاهُنَا فَفُضُولٌ مِنْ الْقَوْلِ وَفَسَادٌ فِي الْقَضِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاعَةِ فَالطَّاعَةُ تُغْنِي
стр. 3685
عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مِنْ الطَّاعَةِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي أُمُورِ الدِّيَانَةِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ: مَنْ كَانَ أَكْثَرُ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى كَبِيرَةٍ فَهُوَ عَدْلٌ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا بَيَّنَّا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مَا يَقْبَل فِي شَهَادَة الزِّنَا]
١٧٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي الزِّنَى أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ عُدُولٍ مُسْلِمِينَ، أَوْ مَكَانَ كُلِّ رَجُلٍ امْرَأَتَانِ مُسْلِمَتَانِ عَدْلَتَانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ رَجُلَيْنِ وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ، أَوْ رَجُلًا وَاحِدًا وَسِتَّ نِسْوَةٍ، أَوْ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَقَطْ.
وَلَا يُقْبَلُ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ كُلِّهَا مِنْ الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ، وَمَا فِيهِ الْقِصَاصُ وَالنِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالْأَمْوَالُ، إلَّا رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ عَدْلَانِ؛ أَوْ رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ كَذَلِكَ، أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ كَذَلِكَ - وَيُقْبَلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - حَاشَا الْحُدُودَ - رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَتَانِ كَذَلِكَ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ.
وَيُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ وَحْدَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَدْلَةٌ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ.
فَأَمَّا وُجُوبُ قَبُولِ أَرْبَعَةٍ فِي الزِّنَى فَبِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
وَأَمَّا قَبُولُ رَجُلَيْنِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ كُلِّهَا، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] إلَى قَوْلِهِ -: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]
стр. 3686
وَادَّعَى قَوْمٌ: أَنَّ قَبُولَ عَدْلَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ قِيَاسًا عَلَى نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَفِي قَبُولِهِنَّ مَعَ رَجُلٍ فِيمَا عَدَا الدُّيُونَ الْمُؤَجَّلَةَ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِقَبُولِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ فِي كَمْ يُقْبَلُ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ؟ فَقَالَ زُفَرُ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ قَبُولُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ دُونَ رَجُلٍ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، لَا فِي وِلَادَةٍ وَلَا فِي رَضَاعٍ، وَلَا فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ - وَأَجَازَهُنَّ مَعَ رَجُلٍ فِي الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْعِتْقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ بُرْدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الدَّيْنِ.
وَرُوِّينَا ضِدَّ هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مِنْ الشَّهَادَاتِ شَهَادَةٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا شَهَادَاتُ النِّسَاءِ.
стр. 3687
وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ - وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْقَعْقَاعِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ إلَّا عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِنْ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَحَمْلِهِنَّ وَحَيْضِهِنَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَحْتًا حَتَّى يَكُونَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ هَذَا - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُهُ صَحَّ عَنْهُمَا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: لَا تُقْبَلُ النِّسَاءُ إلَّا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ، وَقَالَ الْحَكَمُ: عَنْ عَلِيٍّ، ثُمَّ اتَّفَقَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ: عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ؛ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الدِّمَاءِ، وَلَا الْحُدُودِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ.
وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الْحُدُودِ - وَأَجَازَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ فِي الْعِتْقِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالدَّيْنِ.
وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا مَعَ رَجُلٍ وَلَا دُونَهُ، وَأَنَّهَا جَائِزَةٌ فِي جِرَاحِ الْخَطَأِ، وَفِي الْوَصَايَا، وَفِي الدُّيُونِ مَعَ رَجُلٍ، وَفِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ: فِي قَتْلٍ، وَلَا فِي حَدٍّ، وَلَا فِي طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ.
وَعَنْ قَتَادَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ: فِي طَلَاقٍ، وَلَا فِي نِكَاحٍ.
стр. 3688
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ: فِي حَدٍّ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ وَلَا عِتْقٍ - وَأَجَازَهَا: فِي الْوَصَايَا فِي الدُّيُونِ، وَفِي الْقَتْلِ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ.
وَعَنْ رَبِيعَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا حَدٍّ، وَلَا عِتْقٍ - وَتَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، وَفِي كُلِّ حَقٍّ يَتَرَاضَوْنَ فِيهِ، وَيَتَعَاطَوْنَ الْمَعْرُوفَ عَلَيْهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الدِّيَةِ.
وَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ فِي عَتَاقَةٍ مَعَ رَجُلٍ.
وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: قَبُولُ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ، وَجِرَاحِ الْخَطَأِ، وَلَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي جِرَاحِ عَمْدٍ، وَلَا فِي حَدٍّ.
وَصَحَّ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: قَبُولُ النِّسَاءِ مَعَ رَجُلٍ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ.
وَصَحَّ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: قَبُولُ امْرَأَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَا تُقْبَلُ النِّسَاءُ فِي الْحُدُودِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ شُرَيْحًا أَجَازَ شَهَادَةَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ عَلَى رَجُلٍ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَمَّنْ يَرْضَى - كَأَنَّهُ يُرِيدُ طَاوُسًا - قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَعَ الرِّجَالِ، إلَّا الزِّنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرْنَ إلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ هَارُونَ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ عَنْ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ: إنَّ سَكْرَانَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَجَازَ شَهَادَةَ النِّسْوَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حِرَاشِ بْنِ مَالِكٍ الْجَهْضَمِيِّ نا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ عُمَانَ تَمَلَّأَ مِنْ الشَّرَابِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ
стр. 3689
ثَلَاثًا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ نِسْوَةٌ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَجَازَ شَهَادَةَ النِّسْوَةِ، وَأَبَتَّ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا أَبُو طَلْقٍ عَنْ امْرَأَةٍ: أَنَّ امْرَأَةً وَطِئَتْ صَبِيًّا فَقَتَلَتْهُ، فَشَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَأَجَازَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ شَهَادَتَهُنَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي طَلْقٍ عَنْ أُخْتِهِ هِنْدَ بِنْتِ طَلْقٍ قَالَتْ: كُنْت فِي نِسْوَةٍ وَصَبِيٌّ مُسَجًّى، فَقَامَتْ امْرَأَةٌ فَمَرَّتْ فَوَطِئَتْهُ، فَقَالَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ: قَتَلْتِهِ وَاَللَّهِ، فَشَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ عَشْرُ نِسْوَةٍ - أَنَا عَاشِرَتُهُنَّ - فَقَضَى عَلِيٌّ عَلَيْهَا بِالدِّيَةِ وَأَعَانَهَا بِأَلْفَيْنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: أَجَازَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ: فِي الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَزِيدُ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاء فِي النِّكَاحِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا أَبُو مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: لَوْ شَهِدَ عِنْدِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَى لَرَجَمْتهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ - وَتَجُوزُ عَلَى الزِّنَى امْرَأَتَانِ وَثَلَاثَةُ رِجَالٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى مَتَاعَ الْبَيْتِ، فَجَاءَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَشْهَدْنَ فَقُلْنَ: دَفَعْنَا إلَيْهِ الصَّدَاقَ وَقُلْنَا: جَهِّزْهَا؟ فَقَضَى شُرَيْحٌ عَلَيْهِ بِالْمَتَاعِ وَقَالَ لَهُ: إنَّ عُقْرَهَا مِنْ مَالِكَ - هَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ: فَإِنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ قَالَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: تُقْبَلُ الْمَرْأَتَانِ مَعَ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ، وَفِي الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَكُلِّ شَيْءٍ - حَاشَ الْحُدُودَ - وَيُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ.
стр. 3690
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَسُفْيَانَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُقْبَلْنَ مَعَ رَجُلٍ فِي الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَكُلِّ شَيْءٍ - حَاشَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصَ - وَيُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاء مَعَ رَجُلٍ فِي الْحُدُودِ، وَتُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا فِي الْوِلَادَةِ: أَنَّهَا وَلَدَتْ هَذَا الْوَلَدَ، وَيُلْحَقُ نَسَبُهُ - وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا بِذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلَانِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: يُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَلَا يُقْبَلْنَ مَعَ رَجُلٍ: لَا فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدٍّ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ - وَتَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَرَجُلٍ فِي الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَرَجُلٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا، حَاشَ الْقِصَاصَ وَالْحُدُودَ - وَيُقْبَلْنَ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ مَعَ رَجُلٍ - وَلَا يُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ: لَا فِي الرَّضَاعِ، وَلَا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْوِلَادَةِ، وَلَا فِي الِاسْتِهْلَالِ لَكِنْ مَعَ رَجُلٍ - وَيُقْبَلْنَ فِي الْوِلَادَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَعُيُوبِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَيُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْوِلَادَةِ، وَفِي الِاسْتِهْلَالِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ النِّسَاءُ مَعَ رَجُلٍ وَلَا دُونَهُ: فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدٍّ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا رَجْعَةٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَلَا نَسَبٍ، وَلَا وَلَاءٍ، وَلَا إحْصَانٍ.
وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ رَجُلٍ فِي الدُّيُونِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي لَا عِتْقَ فِيهَا - وَيُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ: فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَالْوِلَادَةِ، وَالرَّضَاعِ وَالِاسْتِهْلَالِ - وَحَيْثُ يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينُ الطَّالِبِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ، وَيُقْضَى بِامْرَأَتَيْنِ مَعَ أَيْمَانِ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا، وَفِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 3691
مَالٌ، وَفِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ - وَلَا يُقْبَلْنَ فِي أَصْلِ الْوَصِيَّةِ لَا مَعَ رَجُلٍ وَلَا دُونَهُ - وَيُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا تُقْبَلُ النِّسَاءُ مَعَ رَجُلٍ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يُقْبَلْنَ مَعَ رَجُلٍ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي عَدَدِ مَا يُقْبَلُ مِنْهُنَّ حَيْثُ يُقْبَلْنَ مُنْفَرِدَاتٍ.
فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَكَانَ كُلِّ شَاهِدٍ رَجُلٌ امْرَأَتَانِ فَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ إلَّا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا، وَعَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ جُمْلَةً، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: تُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: لَا يُقْبَلُ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ إلَّا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ لَا أَقَلُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُقْبَلُ امْرَأَتَانِ فِي كُلِّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ إلَّا فِي الِاسْتِهْلَالِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ فِيهِ الْقَابِلَةُ وَحْدَهَا.
وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ امْرَأَتَانِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُقْبَلُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ.
رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ فِي الِاسْتِهْلَالِ، وَأَنَّ عُمَرَ وَرَّثَ بِذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَشُرَيْحٍ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ
- قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ يَهُودِيَّةً كُلُّ ذَلِكَ قَالُوهُ فِي الِاسْتِهْلَالِ، إلَّا الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادًا فَقَالَا: فِي كُلِّ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُقْبَلُ فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ - وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ،
стр. 3692
وَعَلِيٌّ - أَمِيرَيْ الْمُؤْمِنِينَ - وَابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ - وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَأَبِي الزِّنَادِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَشُرَيْحٍ، وَطَاوُسٍ، وَالشَّعْبِيِّ: الْحُكْمُ فِي الرَّضَاعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَنَّ عُثْمَانَ فَرَّقَ بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ الرِّجَالِ وَنِسَائِهِمْ - وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ - وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ عَنْ الْقَضَاءِ جُمْلَةً - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا تُسْتَحْلَفُ مَعَ ذَلِكَ.
وَصَحَّ عَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ قَضَى فِي دَارٍ بِشَهَادَةِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ وَلَمْ يُشْهِدْ بِذَلِكَ غَيْرَهَا.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: أُفْتِي فِي ذَلِكَ بِالْفُرْقَةِ - وَلَا أَقْضِي بِهَا.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: لَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ لَمْ تَشَأْ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ إلَّا فَعَلَتْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: أَقْضِي بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، قَبْلَ النِّكَاحِ، وَأَمْنَعُ مِنْ النِّكَاحِ، وَلَا أُفَرِّقُ بِشَهَادَتِهِمَا بَعْدَ النِّكَاحِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يَرَ قَبُولَ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَلَا قَبُولَ امْرَأَةٍ مَعَ رَجُلٍ إلَّا فِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ فَقَطْ، أَنْ قَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزِّنَى بِقَبُولِ أَرْبَعَةٍ، وَفِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ بِرَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ بِاثْنَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَحْلِفَانِ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَفِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ بِذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي التَّدَاعِي فِي أَرْضٍ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵊ عَدَدَ الشُّهُودِ وَصِفَتَهُمْ إلَّا
стр. 3693
فِي هَذِهِ النُّصُوصِ فَقَطْ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا، وَأَنْ لَا تَتَعَدَّى، وَأَنْ لَا يُقْبَلَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ إلَّا مَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبُولِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ يُخَالِفُنَا اتَّبَعَ فِي أَقْوَالِهِ فِي الشَّهَادَاتِ النُّصُوصَ الثَّابِتَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا مِنْ السُّنَنِ، وَلَا مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَلَا مِنْ الْقِيَاسِ، وَلَا مِنْ الِاحْتِيَاطِ، وَلَا مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكُلُّ أَقْوَالٍ كَانَتْ هَكَذَا فَهِيَ مُتَخَاذِلَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا، فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَفُرُوجِهِمْ، وَأَبْشَارِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّنَا هَبْكَ أَمْسَكْنَا الْآنَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى احْتِجَاجِهِمْ بِالنُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنْ لِنُرِيَهُمْ - بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ - مُخَالَفَتَهُمْ لَهَا جِهَارًا -: أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَأَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ مَعَ رَجُلٍ، وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْآيَاتِ، بَلْ فِيهَا: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا مِمَّنْ يَرَى خَبَرَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ خِلَافًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَا يَرَى قَوْلَهُ بِإِجَازَةِ امْرَأَتَيْنِ مَعَ رَجُلٍ خِلَافًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ امْرَأَةً عَدْلَةً وَرَجُلًا عَدْلًا يَقَعُ عَلَيْهِمَا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا؟ قُلْنَا: وَشَهَادَةُ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الزِّنَى يَقَعُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ وَلَا فَرْقَ.
ثُمَّ قَبِلُوا شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ تُقْبَلُ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ وَلَمْ يَقْبَلُوهَا فِي الرَّضَاعِ حَيْثُ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِقَبُولِهَا - وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ
стр. 3694
قُلْنَا: فَقِيسُوا الْحُدُودَ فِي ذَلِكَ وَالْقِصَاصَ عَلَى الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ وَلَا فَرْقَ فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا عَلَى أَنْ لَا يُقْبَلْنَ فِي الْحُدُودِ أَكْذَبَهُمْ عَطَاءٌ.
فَإِنْ قَالُوا: خَالَفَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ: قُلْنَا: وَأَنْتُمْ خَالَفْتُمْ فِي أَنْ لَا يُقْبَلْنَ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الرَّضَاعِ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَقَاسَ بَعْضَ الْأَمْوَالِ عَلَى الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهَا الْعِتْقَ - وَقَبِلَ امْرَأَتَيْنِ لَا رَجُلَ مَعَهُمَا مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْقَسَامَةِ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِي هَذَا رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ.
وَخَالَفَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الِاسْتِهْلَالِ.
وَفِي قَبُولِ امْرَأَتَيْنِ تُقْبَلُ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَقَاسَ الْأَمْوَالَ عَلَى الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَلَّا قِسْت سَائِرَ الْأَحْكَامِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَالَ: أَقِيسُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ حُكْمٍ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَحُكْمٌ، وَبَيْنَ قَوْلِك أَقِيسُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَمَالٌ، وَهَلْ هَاهُنَا إلَّا التَّحَكُّمُ؟ فَهَذَا خِلَافُهُمْ لِلنُّصُوصِ، وَلِلْقِيَاسِ، وَلِقَوْلِ السَّلَفِ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَاعَى الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.
وَقَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ نا أَبِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا أَبُو عُبَيْدٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ أَرْبَعَةٌ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى.
وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ قَاسُوا الْقَتْلَ، وَالْقِصَاصَ، وَالْحُدُودَ عَلَى مَا يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ فَقَطْ دُونَ أَنْ يَقِيسُوهَا عَلَى الزِّنَى الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَحَدٌّ، وَدَمٌ وَدَمٌ - أَوْ عَلَى مَا يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَحُكْمٌ، وَشَهَادَةٌ وَشَهَادَةٌ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِيَقِينٍ.
فَإِذًا قَدْ سَقَطَتْ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ وَالصَّدْعِ بِالْحَقِّ: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا عِنْدَ التَّبَايُعِ بِالْإِشْهَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَأَمَرَنَا إذَا تَدَايَنَّا بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَنْ نَكْتُبَهُ، وَأَنْ نُشْهِدَ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِنَا، أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ مَرْضِيَّتَيْنِ.
стр. 3695
وَأَمَرَنَا عِنْدَ الطَّلَاقِ وَالْمُرَاجَعَةِ بِإِشْهَادِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا.
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ ذِكْرُ مَا نَحْكُمُ بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي ذَلِكَ وَالْخِصَامِ مِنْ عَدَدِ الشُّهُودِ، إذْ قَدْ يَمُوتُ الشَّاهِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ يَنْسَيَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ يَتَغَيَّرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا.
فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا أَوْ أَضَلُّ سَبِيلًا مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ جِهَارًا فَقَالَ: إذَا تَبَايَعْتُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْهِدُوا؟ وَإِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلَا تَكْتُبُوهُ إنْ شِئْتُمْ.
وَلَا تُشْهِدُوا عَلَيْهِ أَحَدًا إنْ أَرَدْتُمْ؟ ثُمَّ أَرَادَ التَّمْوِيهَ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَخَالَفَ الْآيَةَ فِيمَا فِيهَا وَادَّعَى عَلَيْهَا مَا لَيْسَ فِيهَا - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ.
فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالنُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ أَوَّلُ مَنْ يَضُمُّ إلَى هَذَا النَّصِّ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَيُجِيزُونَ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ فَقَطْ، فَقَدْ زَادُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ بِقِيَاسِهِمْ الْفَاسِدِ.
وَأَمَّا نَحْنُ: فَطَرِيقُنَا فِي ذَلِكَ غَيْرُ طَرِيقِهِمْ، لَكِنْ نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ -: قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَالْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ «أَنَّ الْأَشْعَثَ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُحَدِّثُهُمْ بِنُزُولِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] فَقَالَ الْأَشْعَثُ: فِي نَزَلَتْ، وَفِي رَجُلٍ خَاصَمْتُهُ فِي بِئْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَلْيَحْلِفْ» .
فَوَجَدْنَاهُ ﵊ قَدْ كَلَّفَ الْمُدَّعِيَ مَرَّةً شَاهِدَيْنِ؛ وَمَرَّةً بَيِّنَةً مُطْلَقَةً، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ كُلَّ مَا قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنَّهُ بَيِّنَةٌ.
стр. 3696
وَوَجَدْنَا الشَّاهِدَيْنِ الْعَدْلَيْنِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ بَيِّنَةٍ، فَوَجَبَ قَبُولُهُمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَاشَ حَيْثُ أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعَةً فَقَطْ.
وَوَجَدْنَاهُ ﵊ قَالَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ الْهَادِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ «فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ - هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثٍ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ» فَقَطَعَ ﵊ بِأَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَوَجَبَ ضَرُورَةً: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَيْثُ يُقْبَلُ رَجُلٌ لَوْ شَهِدَ إلَّا امْرَأَتَانِ، وَهَكَذَا مَا زَادَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قَبِلْتُمْ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ رَجُلًا وَاحِدًا، فَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَمُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَوْ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدْ قَبِلَهَا مُعَاوِيَةُ؟ قُلْنَا: مَنَعَنَا مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَلَوْ جَازَ قَبُولُ وَاحِدٍ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَكَانَتْ الْيَمِينُ فُضُولًا، وَحَاشَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَصَحَّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُولُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا فِي الْهِلَالِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الصِّيَامِ " فَقَطْ وَفِي الرَّضَاعِ.
لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْبَلْخِيّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، قَالَا جَمِيعًا: نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ، قَالَ: «تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا؟ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا - وَهِيَ كَاذِبَةٌ - فَأَعْرَضَ
стр. 3697
عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْتُ: إنَّهَا كَاذِبَةٌ، فَقَالَ: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا؟ دَعْهَا عَنْكَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمٌ، وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: نا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ إلَى أَهْلِ ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ تَنَاكَحُوا فَقَالَتْ: هُمْ بَنِيَّ وَبَنَاتِي، فَفَرَّقَ عُثْمَانُ ﵁ بَيْنَهُمْ.
وَرُوِّينَا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ الْيَوْمَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ فِي الْمُرْضِعَاتِ إذَا لَمْ يُتَّهَمْنَ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الْحُدُودِ: فَبَلِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ هَالِكٌ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ " لَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ لَمْ تَشَأْ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ إلَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ " فَهُوَ عَنْ الْحَارِثِ الْغَنَوِيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - أَنَّ عُمَرَ.
وَأَيْضًا - فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ بَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ قَوْلُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَنْ لَا يَشَاءَ رَجُلَانِ قَتْلَ رَجُلٍ وَإِعْطَاءَ مَالِهِ لِآخَرَ، وَتَفْرِيقَ امْرَأَتِهِ عَنْهُ إلَّا قَدَرَا عَلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَبِضَرُورَةِ الْعَقْلِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَبَيْنَ رَجُلٍ، وَبَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَبَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، وَبَيْنَ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، وَبَيْنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فِي جَوَازِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَالتَّوَاطُؤِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْغَفْلَةُ - وَلَوْ حِينًا - إلَى هَذَا، لَكِنَّ النَّفْسَ أَطْيَبُ عَلَى شَهَادَةِ ثَمَانِي نِسْوَةٍ مِنْهَا عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ.
стр. 3698
وَهَذَا كُلُّهُ لَا مَعْنَى لَهُ، إنَّمَا هُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَلَا مَزِيدَ.
وَأَمَّا مَنْ احْتَجَّ بِتَخْصِيصِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الرِّجَالُ فَبَاطِلٌ، وَمَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ إلَّا كَاَلَّذِي يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الشَّهَادَةِ أَوْ الضَّرُورَةِ، كَنَظَرِهِمْ إلَى عَوْرَةِ الزَّانِيَيْنِ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ: فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ أَخْبَرَنِي ضَمْرَةُ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ لِلْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَقَضَى بِهَا عَلِيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَضَى عَلَيْهِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَأَحْلَفَهُ مَعَ شَاهِدِهِ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَعَنْ شُرَيْحٍ.
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ: مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَحْيَى بْنُ مَعْمَرٍ، وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَغَيْرُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُمَا لَا يَقْضِيَانِ بِذَلِكَ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ.
وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ؛ وَيَقْضِي بِهِ مَالِكٌ أَيْضًا فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَا يَقْضِي بِهِ فِي الْعِتْقِ، وَالشَّافِعِيُّ يَقْضِي بِهِ فِي الْعِتْقِ.
وَرُوِّينَا إنْكَارَ الْحَكَمِ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةُ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ عَطَاءٌ: أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَشَارَ إلَى إنْكَارِهِ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الرُّجُوعُ إلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى خِلَافِهِ، وَمَنَعَ مِنْهُ: ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ ذَكَرْنَا بُطْلَانَ التَّعَلُّقِ فِي رَدِّ هَذَا الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ بِالتَّعَلُّقِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
стр. 3699
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَكَذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَسَائِرُ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ أَهْذَارٌ، وَالْعَجَبُ اعْتِرَاضُهُمْ فِي هَذَا بِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، وَهُمْ قَدْ أَخَذُوا بِقِيمَةٍ أَحْدَثَهَا مُعَاوِيَةُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا أَثَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: نا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» -: نا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُنْقِرِيُّ نا مُسَدَّدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالُوا كُلُّهُمْ: نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَبُو الْمُصْعَبِ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ ابْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: وَزَادَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَالَ: أَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ - وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدِي - أَنِّي حَدَّثْتُهُ إيَّاهُ وَلَا أَحْفَظُهُ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَدْ كَانَتْ أَصَابَتْ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَذْهَبَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثِهِ، فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ لَا يَحِلُّ التَّرْكُ لَهَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِذَلِكَ فِي الدِّمَاءِ وَالْقِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْأَمْوَالِ، حَاشَا الْحُدُودَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُمُومُ الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ مَنْعٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْحُدُودُ: فَلَا طَالِبَ لَهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا حَقَّ لِلْمَقْذُوفِ فِي إثْبَاتِهَا، وَلَا فِي
стр. 3700
إسْقَاطِهَا، وَلَا فِي طَلَبِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، وَالْمَزْنِيُّ بِامْرَأَتِهِ أَوْ حَرِيمَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ -: فَلَيْسَ لِذَلِكَ كُلِّهِ طَالِبٌ بِلَا يَمِينٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ فِي بَعْضِ الْآثَارِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ - وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَبَدًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْعَجَبُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُونَ دَهْرَهُمْ كُلَّهُ: الْمُرْسَلُ، وَالْمُسْنَدُ: سَوَاءٌ، فِي كُلِّ بَلِيَّةٍ يَقُولُونَ بِهَا، ثُمَّ يَرُدُّونَ خَبَرَ جَابِرٍ هَذَا: بِأَنَّ غَيْرَ الثَّقَفِيِّ أَرْسَلَهُ، وَأَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَغَيْرِهِ، فَاعْجَبُوا لِعَدَمِ الْحَيَاءِ وَرِقَّةِ الدِّينِ.
وَعَجَبٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقْضُونَ بِالنُّكُولِ فِي الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ، فَيُعْطُونَ الْمُدَّعِيَ بِلَا شَاهِدٍ وَلَا يَمِينٍ، لَكِنْ بِدَعْوَاهُ الْمُجَرَّدَةِ - وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا - بِرَأْيِهِمْ الْفَاسِدِ، وَيَرُدُّونَ الْحُكْمَ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَيَقْضُونَ بِالْعَظَائِمِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ دُونَ يَمِينِ الطَّالِبِ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ، وَاخْتِيَارِهِمْ الْمُهْلِكِ، وَيُنْكِرُونَ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَبِشَهَادَةِ رَجُلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَيُنْكِرُونَ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَهُمْ يَقْضُونَ بِشَهَادَةِ يَهُودِيَّيْنِ، أَوْ نَصْرَانِيَّيْنِ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَيُضَعِّفُونَ سَيْفَ بْنَ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ثِقَةٌ -.
وَهُمْ آخَذُ النَّاسِ بِرِوَايَةِ كُلِّ كَذَّابٍ، كَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَغِيبِ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَدْ غَابَ عَنْهُمَا حُكْمُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَزَكَاةِ الْبَقَرِ، أَوْ عَلِمَاهُ وَرَأَيَاهُ مَنْسُوخًا، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا هُنَالِكَ إلَى قَوْلِهِمَا، وَقَلَّدُوهُمَا هَاهُنَا، وَهَذَا كَمَا تَرَوْنَ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَاقِبَةَ وَرَأَى مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنْ لَا يُقْضَى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، إلَّا فِي الْأَمْوَالِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَفِي الْقَسَامَةِ - وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْخَبَرِ بِلَا دَلِيلٍ.
[مَسْأَلَة شَهَادَة الْكَافِر]
١٧٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ كَافِرٌ أَصْلًا، لَا عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَلَى مُسْلِمٍ حَاشَ الْوَصِيَّةَ فِي السَّفَرِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ مُسْلِمَانِ، أَوْ كَافِرَانِ - مِنْ أَيِّ دِينٍ كَانَا - أَوْ كَافِرٌ وَكَافِرَتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ كَوَافِرَ.
وَيُحَلَّفُ الْكُفَّارُ هَاهُنَا مَعَ شَهَادَتِهِمْ وَلَا بُدَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ - أَيِّ صَلَاةٍ كَانَتْ وَلَوْ أَنَّهَا
стр. 3701
الْعَصْرُ - لَكَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا ﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] ثُمَّ يُحْكَمُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ، فَإِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ مُسْلِمُونَ: بِأَنَّ الْكُفَّارَ كَذَبُوا: حَلَفَ الْمُسْلِمَانِ الشَّاهِدَانِ، أَوْ الْمُسْلِمُ وَالْمَرْأَتَانِ، أَوْ الْأَرْبَعُ نِسْوَةٍ ﴿بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ثُمَّ يُفْسَخُ مَا شَهِدَ بِهِ الْكُفَّارُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَالْكَافِرُ فَاسِقٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ -.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] الْآيَةَ فَوَجَبَ أَخْذُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى كُلِّهِ، وَأَنْ يَسْتَثْنِيَ الْأَخَصَّ مِنْ الْأَعَمِّ، لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى طَاعَةِ الْجَمِيعِ، وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا الطَّرِيقَ فَقَدْ خَالَفَ بَعْضَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى: وَهَذَا لَا يَحِلُّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ زَاذَانَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] الْآيَةَ، قَالَ: بَرِئَ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي، وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بُدَاءٍ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إلَى الشَّامِ، فَأَتَيَا إلَى الشَّامِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ مَوْلَى بَنِي سَهْمٍ، وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ هُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ، فَمَرِضَ؛ فَأَوْصَى إلَيْهَا، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بُدَاءٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا دَفَعْنَاهُ إلَى أَهْلِهِ، فَسَأَلُوا عَنْ الْجَامِ؟ فَقُلْنَا: مَا دَفَعَ إلَيْنَا غَيْرَ هَذَا، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتهمْ الْخَبَرَ، وَأَدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْبَرْتُهُمْ: أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ؟ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَحْلَفَهُ بِمَا يُعْظَمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] الْآيَةَ، فَحَلَفَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَنُزِعَتْ الْخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بُدَاءٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ، وَعَدِيُّ بْنُ بُدَاءٍ: يَخْتَلِفَانِ إلَى مَكَّةَ
стр. 3702
لِلتِّجَارَةِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، فَتُوُفِّيَ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَأَوْصَى إلَيْهِمَا، فَدَفَعَا تَرِكَتَهُ إلَى أَهْلِهِ وَحَبَسَا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ، مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَفَقَدَهُ أَوْلِيَاؤُهُ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا كَتَمْنَا، وَلَا اطَّلَعْنَا، ثُمَّ عُرِفَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ، وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَجَامُ السَّهْمِيِّ، ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] فَأَخَذَا الْجَامَ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» .
وَبِقَوْلِنَا يَقُولُ جَهْوَرُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا حَلَالًا فَحَلِّلُوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا حَرَامًا فَحَرِّمُوهُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَائِدَةِ - فَبَطَلَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَصَحَّ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا لِمَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ : ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَهَذَا لِمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْهِدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ اُرْتِيبَ بِشَهَادَتِهِمَا اُسْتُحْلِفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِاَللَّهِ لَا نَشْتَرِي بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا فَإِذَا اطَّلَعَ الْأَوَّلِيَّانِ عَلَى الْكَافِرَيْنِ كَذِبًا حَلَفَا: بِاَللَّهِ إنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ بَاطِلٌ، وَإِنَّا لَمْ نَغْدِرْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَزِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَا جَمِيعًا: نا هُشَيْمٌ نا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ " بِدَقُوقَا " فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَتَيَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَأَخْبَرَاهُ وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ " بِاَللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا بَدَّلَا وَلَا كَتَمَا، وَلَا غَيَّبَا، وَأَنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ " فَأَمْضَى أَبُو مُوسَى شَهَادَتَهُمَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ
стр. 3703
أَبِي مَيْسَرَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ - قَالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ - شَيْءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا فِي وَصِيَّةٍ، وَلَا تَجُوزُ فِي وَصِيَّةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، إلَّا فِي السَّفَرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي السَّفَرِ إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: إذَا مَاتَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا فَأَشْهَدَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ شَاهِدَيْنِ، فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، فَإِنْ جَاءَ مُسْلِمَانِ فَشَهِدَا بِخِلَافِ ذَلِكَ أُخِذَ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمَيْنِ وَتُرِكَتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ نا أَبُو بِشْرٍ - هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: إذَا كَانَ بِأَرْضِ الشِّرْكِ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمَا يُحَلَّفَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَإِنْ اُطُّلِعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا عَلَى أَنَّهُمَا خَانَا حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ أَنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَاسْتَحَقُّوا.
стр. 3704
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ نا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ عَنْ الْأَشْعَثِ عَنْ الشَّعْبِيِّ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ أَيْضًا نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ نا هُشَيْمٌ نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْد عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الطَّحَاوِيَّ نا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ نا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ الْحَجَّاجُ: نا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، وَقَالَ عُثْمَانُ: نا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
فَهَؤُلَاءِ: أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - وَرُوِيَ أَيْضًا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵃ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَمِنْ التَّابِعِينَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَغَيْرُهُمْ، كَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ.
стр. 3705
وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوُ هَذَا، وَأَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَأَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ - وَرُوِيَ أَيْضًا: عَنْ عِكْرِمَةَ.
وَرُوِّينَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا دَعْوَى النَّسْخِ فَبَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالَ فِي آيَةٍ إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ لَا تَحِلُّ طَاعَتُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا إلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ، أَوْ ضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ مِثْلُ هَذَا لَمَا عَجَزَ أَحَدٌ عَنْ أَنْ يَدَّعِيَ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ فَقَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَالْبُطْلَانِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ خِطَابٌ لِقَبِيلَةٍ دُونَ قَبِيلَةٍ إنَّمَا أَوَّلُهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ١٠٦] وَلَا يَشُكُّ مُنْصِفٌ فِي أَنَّ غَيْرَ الَّذِينَ آمَنُوا هُمْ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَلَكِنَّهَا مِنْ الْحَسَنِ زَلَّةُ عَالِمٍ لَمْ يَتَدَبَّرْهَا.
وَقَالَ الْمُخَالِفُونَ: نَحْنُ نُهِينَا عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْكَافِرُ أَفْسَقُ الْفُسَّاقِ؟ فَقُلْنَا: الَّذِي نَهَانَا عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ هُوَ الَّذِي أَمَرَنَا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ فَنَقِفُ عِنْدَ أَمْرَيْهِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ الْآخَرِ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا: أَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا هُمْ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ.
فَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ: فَأَجَازُوا شَهَادَةَ الْكُفَّارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، بَلْ خَالَفُوا الْقُرْآنَ فِي نَهْيِهِ عَنْ قَبُولِ نَبَأِ الْفَاسِقِ ثُمَّ خَالَفُوهُ فِي قَبُولِ الْكُفَّارِ فِي السَّفَرِ؟ فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْفَضَائِحِ، وَالْمُضَادَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَأَجَازُوا شَهَادَةَ طَبِيبَيْنِ كَافِرَيْنِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، بَلْ خَالَفُوا الْقُرْآنَ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَصِيَّةُ يَكُونُ فِيهَا إقْرَارٌ بِدَيْنٍ فَلَمَّا نُسِخَ ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ دَلَّ عَلَى نَسْخِ سَائِرِ ذَلِكَ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى - قَطُّ - الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ
стр. 3706
الثُّلُثِ، وَالْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا دَخَلَ - قَطُّ - الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَا نُسِخَ مِنْ الْآيَةِ شَيْءٌ - ثُمَّ لَهُمْ بَعْدَ هَذَا أَهْذَارٌ يُشْبِهُ تَخْلِيطَ الْمُبَرْسَمِينَ لَا مَعْنَى لَهَا، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ.
وَذَكَرُوا خَبَرًا: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ الْيَمَامِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ إلَّا مِلَّةُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ سَاقِطٌ، وَهَذَا خَبَرُ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَمَالِكٌ، فَإِنَّهُ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ الْأَطِبَّاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ - وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ هَذَا التَّخْصِيصُ لِلْأَطِبَّاءِ دُونَ سَائِرِ مَنْ يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَالْعِتْقِ؟ وَمَا نَعْلَمُ هَذَا التَّفْرِيقَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَطَائِفَةٌ: مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً - وَهُوَ قَوْلُنَا.
وَطَائِفَةٌ أَجَازَتْهَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُرَاعُوا اخْتِلَافَ مِلَلِهِمْ.
وَطَائِفَةٌ أَجَازَتْ شَهَادَةَ كُلِّ مِلَّةٍ عَلَى مِثْلِهَا وَلَمْ تُجِزْهَا عَلَى غَيْرِ مِثْلِهَا.
فَأَمَّا قَوْلُنَا فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: فَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ نَصْرَانِيٍّ عَلَى مَجُوسِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ.
وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ - هُمْ كُلُّهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ.
وَصَحَّ أَيْضًا هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَشُرَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ عَوْنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ
стр. 3707
قَالَ: سَأَلْت نَافِعًا هُوَ مَوْلَى بْنِ عُمَرَ - عَنْ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: تَجُوزُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: تَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَوَكِيعٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وَالثَّالِثُ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَالْيَهُودِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَلَا شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَلَا النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا اخْتَلَفَتْ الْمِلَلُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَلَا النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْمَجُوسِيِّ، وَلَا مِلَّةٍ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهَا إلَّا الْمُسْلِمِينَ.
стр. 3708
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصٌ عَنْ أَشْعَثَ نا حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ مِلَّةٍ إلَّا عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهَا: الْيَهُودِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ - قَالَ وَكِيعٌ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَرُوِيَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ - وَرُوِيَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: عَنْ نَافِعٍ.
وَرُوِيَ الثَّانِي: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرَبِيعَةَ الرَّأْيِ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، ثُمَّ هُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ - قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَلَمْ يُرْوَ - لَا صَحِيحًا وَلَا سَقِيمًا - عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ خِلَافٌ لِكُلِّ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَخَالَفَ شُيُوخَهُ الْمَدَنِيِّينَ: أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَنَافِعًا، وَالزُّهْرِيَّ؛ وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ - وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ رَأْيَ صَاحِبِهِمْ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ قَبُولَ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الطَّحَاوِيَّ: نا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيّ نا
стр. 3709
مُجَالِدٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ فِي حَدِيثِ «الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا لِلْيَهُودِ: ائْتُونِي بِالشُّهُودِ؟ فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَرَجَمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ » .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مُجَالِدٌ هَالِكٌ؛ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شِئْت أَنْ يَجْعَلَهَا لِي مُجَالِدٌ كُلَّهَا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ لَفَعَلَ.
وَعَنْ شُعْبَةَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأُدَمِّرُ عَلَى مُجَالِدٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إنَّ مُجَالِدًا يَزِيدُ فِي الْإِسْنَادِ.
وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ: مُجَالِدٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ - وَقَالُوا ظَاهِرُهَا جَوَازُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَبَقِيَتْ عَلَى الْكُفَّارِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَجْلِيحٌ مِنْهُمْ بِالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى جِهَارًا مِرَارًا. إحْدَاهَا - دَعْوَى النَّسْخِ بِلَا بُرْهَانٍ. وَالثَّانِيَةُ - قَوْلُهُمْ: إنَّ ظَاهِرَهَا جَوَازُ شَهَادَتِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ إلَّا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ حِينَ الْوَصِيَّةِ فَقَطْ، ثُمَّ تَحْلِيفُهُمَا، ثُمَّ تَحْلِيفُ الْمُسْلِمَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمَا، فَمَا رَأَيْت أَقَلَّ حَيَاءً مِمَّنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْكَذِبِ عَلَى الْقُرْآنِ.
وَالثَّالِثَةُ - قَوْلُهُمْ: نُسِخَتْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَقِيَتْ عَلَى الْكُفَّارِ - وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ وَاحِدٌ عَلَيْنَا وَعَلَى الْكُفَّارِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ وَلَا لَهُمْ، إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لَنَا وَعَلَيْنَا، إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة شَهَادَة الْعَبْد والأمة]
١٧٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَشَهَادَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ مَقْبُولَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِسَيِّدِهِمَا وَلِغَيْرِهِ كَشَهَادَةِ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ وَلَا فَرْقَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَصَحَّ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى فِي الصَّغِيرِ يَشْهَدُ بَعْدَ كِبَرِهِ، وَالنَّصْرَانِيِّ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَالْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ: أَنَّهَا جَائِزَةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ -.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَعَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ ذَلِكَ.
стр. 3710
وَرُوِّينَا ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ حَسَّانَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَا جَمِيعًا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ: مِنْ الْأَحْرَارِ - قَالَ وَكِيعٌ: وَلَا يُجِيزُ سُفْيَانُ شَهَادَةَ عَبْدٍ - وَهُوَ قَوْلُ وَكِيعٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَوَكِيعٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ عِيسَى: عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَأَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ: عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ: فِي الْعَبْدِ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ فَتُرَدُّ ثُمَّ يُعْتَقُ فَيَشْهَدُ بِهَا: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، إلَّا الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ فَإِنَّهُمَا قَالَا: إنَّهَا تَجُوزُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَهْلُ مَكَّةَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: لَا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْعَبْدِ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَرِثُ
стр. 3711
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: إذَا شَهِدَ الْعَبْدُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَشَهِدَ بِهَا لَمْ تُقْبَلْ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ شُبْرُمَةَ.
وَأَجَازَتْ طَائِفَةٌ شَهَادَةَ الْعَبْدِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَرَدَّتْهَا فِي بَعْضٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ الْهَرَوِيُّ، قَالَ عَلِيٌّ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: عَنْ هِشَامٍ أَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ: إنَّهُمْ ثَلَاثَتَهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْعَبْدِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَتَجُوزُ لِغَيْرِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي الْعَبْدِ يُعْتَقُ بَعْضُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ.
وَأَجَازَتْ طَائِفَةٌ شَهَادَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَالْحُرِّ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَكِنَّا نُجِيزُهَا، فَكَانَ شُرَيْحٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُجِيزُهَا إلَّا لِسَيِّدِهِ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ شَهَادَةِ الْعَبْدِ؟ فَقَالَ: جَائِزَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ قَالَ: شَهِدْت شُرَيْحًا شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدٌ عَلَى دَارٍ فَأَجَازَ شَهَادَتَهُ فَقِيلَ: إنَّهُ عَبْدٌ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: كُلُّنَا عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِشَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ بَأْسًا إذَا كَانَ عَدْلًا
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ نا
стр. 3712
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: شَهَادَةُ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ جَائِزَةٌ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ.
كَتَبَ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغَلِّسِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: سُئِلَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ شَهَادَةِ الْعَبْدِ؟ قَالَ: أَنَا أَرُدُّ شَهَادَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَلَى الْإِنْكَارِ لِرَدِّهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ شُبْرُمَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ فَهُوَ عَلَى الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوهُمَا فِي الصَّبِيِّ يَشْهَدُ فَيُرَدُّ، ثُمَّ يَبْلُغُ فَيَشْهَدُ.
فَقَالُوا: يُقْبَلُ.
وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ حُجَّةً، وَبَعْضُهُ غَيْرَ حَجَّةٍ، وَهَذَا تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ مِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ - وَهُوَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ إلَّا ابْنَ عُمَرَ، وَقَدْ صَحَّ خِلَافُهُ عَنْ أَنَسٍ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآثَارِ، وَبَقِيَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] مِنْ الْأَحْرَارِ، فَبَاطِلٌ وَزَلَّةُ عَالِمٍ، وَتَخْصِيصٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ: أَنَّ الْعَبِيدَ رِجَالٌ مِنْ رِجَالِنَا، وَأَنَّ الْإِمَاءَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَائِنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ - بِلَا خِلَافٍ - الْحَرَائِرُ وَالْإِمَاءُ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الَّذِينَ آمَنُوا: وَالْعَبِيدُ، بِلَا خِلَافٍ مِنْهُمْ، فَهُمْ فِي جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْمُدَايَنَةِ، وَالْإِشْهَادِ وَالشَّهَادَةِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَحْرِيفُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَوَاضِعِهِ مُهْلِكٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
стр. 3713
وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى: إنَّ كُلَّ عَبْدٍ فَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، إنَّمَا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَثَلَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَمَنْ نَسَبَ غَيْرَ هَذَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ جِهَارًا، وَأَتَى بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا، وَبِالْمُشَاهَدَةِ نَعْرِفُ كَثِيرًا مِنْ الْعَبِيدِ أَقْدَرَ عَلَى الْأَشْيَاءِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْرَارِ.
وَنَقُولُ لَهُمْ: هَلْ يَلْزَمُ الْعَبِيدَ الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالطَّهَارَةُ، وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَآكِلِ، وَالْمَشَارِبِ، وَالْفُرُوجِ، كُلُّ مَا يُحَرَّمُ عَلَى الْأَحْرَارِ، فَمَنْ قَوْلُهُمْ: نَعَمْ، فَقَدْ أَكَذَبُوا أَنْفُسَهُمْ، وَشَهِدُوا بِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ وَتَمْوِيهُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَالُوا: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
قَالُوا: وَالْعَبْدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ خِدْمَةَ سَيِّدِهِ.
فَقُلْنَا: كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا، بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَمَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى النُّهُوضِ إلَى مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدِّينِ.
وَلَوْ سَقَطَ عَنْ الْعَبْدِ الْقِيَامُ بِالشَّهَادَةِ لِشُغْلِهِ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ لَسَقَطَ أَيْضًا عَنْ الْحُرَّةِ ذَاتِ الزَّوْجِ لِشُغْلِهَا بِمُلَازَمَةِ زَوْجِهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَبْدُ سِلْعَةٌ وَكَيْفَ تَشْهَدُ سِلْعَةٌ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ تَشْهَدُ السِّلْعَةُ، كَمَا يَلْزَمُ السِّلْعَةَ الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَعَلَّقًا، لَا بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا نَظَرٍ وَلَا مَعْقُولٍ، وَلَا قِيَاسٍ، إلَّا بِتَخَالِيطَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَأَهْذَارٍ بَارِدَةٍ - وَقَدْ تَقَصَّيْنَا هَذَا فِي " كِتَابِ الْإِيصَالِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ نَصٍّ فِي قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّهَادَاتِ فَكُلُّهَا شَاهِدَةٌ بِصِحَّةِ قَوْلِنَا، إذْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵊ تَخْصِيصَ عَبْدٍ مِنْ حُرٍّ فِي ذَلِكَ لَكَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
قَالَ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] .
стр. 3714
فَلَمْ يَخْتَلِفْ مُسْلِمَانِ قَطُّ فِي أَنَّ هَذَا خَيْرٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَدُخُولِ الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ، وَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَرْضَى عَمَّنْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ، فَإِذْ قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْعَامِلِ بِالصَّالِحَاتِ، فَفُرِضَ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَى عَنْهُ، وَإِذْ فُرِضَ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَى عَنْهُ، فَفُرِضَ عَلَيْنَا قَبُولُ شَهَادَتِهِ.
وَأَمَّا مَنْ رَدَّهَا لِسَيِّدِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ يُجْبِرُهُ سَيِّدُهُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَهُ.
قُلْنَا: لَوْ كَانَ هَذَا مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ لَكَانَ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِلْإِمَامِ إذَا شَهِدَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَقْدَرُ عَلَى رَعِيَّتِهِ مِنْ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ تُعْدِيهِ جَمِيعُ الْحُكَّامِ عَلَى سَيِّدِهِ إذَا تَظَلَّمَ مِنْهُ وَيَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَذَاهُ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالرَّجُلِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ مُخَالِفِينَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَة شَهَادَة الْأَقَارِب]
١٧٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ عَدْلٍ فَهُوَ مَقْبُولٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَعَلَيْهِ، كَالْأَبِ وَالْأُمِّ لِابْنَيْهِمَا، وَلِأَبِيهِمَا وَالِابْنِ وَالِابْنَةِ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْدَادِ، وَالْجَدَّاتِ، وَالْجَدِّ، وَالْجَدَّةِ لِبَنِي بَنِيهِمَا، وَالزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كَالْأَبَاعِدِ وَلَا فَرْقَ.
وَكَذَلِكَ الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ لِصَدِيقِهِ، وَالْأَجِيرُ لِمُسْتَأْجِرِهِ، وَالْمَكْفُولُ لِكَافِلِهِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ لِأَجِيرِهِ، وَالْكَافِلُ لِمَكْفُولِهِ، وَالْوَصِيُّ لِيَتِيمِهِ.
وَفِيمَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ لَا تَصِحُّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْأَبُ لِابْنِهِ، وَلَا الِابْنُ لِأَبِيهِ، وَلَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ.
وَصَحَّ هَذَا كُلُّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا فِي الْأَبِ، وَالِابْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ: قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْوَلَدَ يُقْبَلُ لِأَبِيهِ، وَلَا يُقْبَلُ الْأَبُ لِابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَهُ مَتَى شَاءَ، وَأَنَّ الزَّوْجَ يُقْبَلُ لِامْرَأَتِهِ وَلَا تُقْبَلُ هِيَ لَهُ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
стр. 3715
وَلَمْ يُجِزْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْأَبَ لِلِابْنِ، وَلَا الِابْنَ لِلْأَبِ.
وَأَجَازُوا الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ لِأَوْلَادِ بَنِيهِمَا، وَأَوْلَادَ بَنِيهِمَا لَهُمَا.
وَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَازَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ.
وَأَمَّا مَنْ رُوِيَ عَنْهُ إجَازَةُ كُلِّ ذَلِكَ -: فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَالْأَخِ لِأَخِيهِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ هَذَا.
وَرُوِيَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ شَهِدَ - لِفَاطِمَةَ ﵂ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَمَعَهُ أُمُّ أَيْمَنَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ شَهِدَ مَعَك رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أُخْرَى لَقَضَيْت لَهَا بِذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحُ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَا الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ - ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَظَهَرَتْ مِنْهُمْ أُمُورٌ حَمَلَتْ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ، فَتُرِكَتْ شَهَادَةُ مَنْ يُتَّهَمُ إذَا كَانَتْ مِنْ قَرَابَةٍ وَصَارَ ذَلِكَ مِنْ الْوَلَدِ، وَالْوَالِدِ، وَالْأَخِ، وَالزَّوْجِ، وَالْمَرْأَةِ، لَمْ يُتَّهَمْ إلَّا هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا الْحَسَنُ بْنُ عَازِبٍ عَنْ جَدِّهِ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ شُرَيْحٍ، فَأَتَاهُ عَلِيُّ بْنُ كَاهِلٍ، وَامْرَأَةٌ وَخَصْمٌ لَهَا، فَشَهِدَ لَهَا عَلِيُّ بْنُ كَاهِلٍ - وَهُوَ زَوْجُهَا - وَشَهِدَ لَهَا أَبُوهَا، فَأَجَازَ شُرَيْحٌ شَهَادَتَهُمَا، فَقَالَ الْخَصْمُ: هَذَا أَبُوهَا، وَهَذَا زَوْجُهَا. فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: هَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا تُجَرِّحُ بِهِ شَهَادَتَهُمَا؟ كُلُّ مُسْلِمٍ شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ قَالَ: سَمِعْت شُرَيْحًا: أَجَازَ لِامْرَأَةٍ شَهَادَةَ أَبِيهَا وَزَوْجِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّهُ أَبُوهَا وَزَوْجُهَا. فَقَالَ شُرَيْحٌ: فَمَنْ يَشْهَدُ لِلْمَرْأَةِ إلَّا أَبُوهَا وَزَوْجُهَا.
следующие страницы →