← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُجِيزَ وَالزَّوْجُ كُفُؤٌ أَجَازَهُ الْقَاضِي، وَلَا يَكُونُ جَائِزًا إلَّا حَتَّى يُجِيزَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ لَمْ يُجِزْهُ الْوَلِيُّ اسْتَأْنَفَ الْقَاضِي فِيهِ عَقْدًا جَدِيدًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي يُوسُفَ: فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ، لِأَنَّهُمَا نَقَضَا قَوْلِهِمَا " لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ " إذْ أَجَازَا لِلْوَلِيِّ إجَازَةَ مَا أَخْبَرَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ أَجَازَ لِلْمَرْأَةِ إنْكَاحَ نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ثُمَّ أَجَازَ لِلْوَلِيِّ فَسْخَ الْعَقْدِ الْجَائِزِ، فَهِيَ أَقْوَالٌ لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا بِمَعْقُولٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ - وَهَذَا لَا يُقْبَلُ إلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إلَّا عَنْ الْوَحْيِ مِنْ الْخَالِقِ، الَّذِي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ ﵊ فَهُوَ دِينٌ جَدِيدٌ، يُعَذِّبُ اللَّهُ بِهِ فِي الْحَشْرِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: فَظَاهِرُ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّنِيَّةِ وَغَيْرِ الدَّنِيَّةِ، وَمَا عَلِمْنَا الدَّنَاءَةَ إلَّا مَعَاصِيَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا السَّوْدَاءُ، وَالْمَوْلَاةُ: فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ ﵂ سَوْدَاءَ وَمَوْلَاةً، وَوَاللَّهِ مَا بَعْدَ أَزْوَاجِهِ ﵊ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ امْرَأَةٌ أَعْلَى قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ مِنْهَا. وَأَمَّا الْفَقِيرَةُ: فَمَا الْفَقْرُ دَنَاءَةٌ، فَقَدْ كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْفَقِيرُ الَّذِي أَهْلَكَهُ الْفَقْرُ - وَهُمْ أَهْلُ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ حَقًّا - وَقَدْ كَانَ قَارُونُ، وَفِرْعَوْنُ، وَهَامَانُ: مِنْ الْغِنَى بِحَيْثُ عُرِفَ - وَهُمْ أَهْلُ الدَّنَاءَةِ وَالرَّذَالَةِ حَقًّا -. وَأَمَّا النَّبَطِيَّةُ: فَرُبَّ نَبَطِيَّةٍ لَا يَطْمَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَسَارِهَا، وَعُلُوِّ حَالِهَا فِي الدُّنْيَا، وَرُبَّ بِنْتِ خَلِيفَةٍ هَلَكَتْ فَاقَةً وَجَهْدًا وَضَيَاعًا.

стр. 3782

ثُمَّ قَوْلُهُ " يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ وَوَلَدَتْ مِنْهُ الْأَوْلَادَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا " فَهَذَا عَيْنُ الْخَطَأِ، إنَّمَا هُوَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُ الْحَقِّ إثْرَ عَقْدِهِ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْبَاطِلُ مَرْدُودٌ أَبَدًا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. وَمَا نَعْلَمُ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا قَالَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا غَيْرُهُ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا بِأَثَرٍ سَاقِطٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا مَعْقُولٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ: فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ كُلَّ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ مُرَاعَاةَ اشْتِجَارِ جَمِيعِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ النَّاسِ مُحَالٌ، وَحَاشَ أَنَّهُ ﵊ أَنْ يَأْمُرَ بِمُرَاعَاةِ مُحَالٍ لَا يُمْكِنُ فَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ عَنَى قَوْمًا خَاصَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَجِرُوا فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ ﵊ «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» بَيَانٌ جَلِيٌّ بِمَا قُلْنَا إذْ لَوْ أَرَادَ ﵊ كُلَّ مُسْلِمٍ لَكَانَ قَوْلُهُ: «مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» مُحَالًا بَاطِلًا، وَحَاشَ لَهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ، فَصَحَّ: أَنَّهُمْ الْعَصَبَةُ الَّذِينَ يُوجَدُونَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ وَلَا يُوجَدُونَ لِبَعْضِهِنَّ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَإِنَّمَا عُوِّلَ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ «الْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ لَكَانَ كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ ﵊ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» عُمُومٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ.

стр. 3783

وَبَيَانُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِيهَا أَمْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَا تَنْكِحُ إلَّا مَنْ شَاءَتْ، فَإِذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ لَمْ يَجُزْ لَهَا إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، فَإِنْ أَبَى أَنْكَحَهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الْوَلِيِّ الْآبِيِّ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ لِلْوَلِيِّ مَعْنًى فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] . وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] بَيَانٌ فِي أَنَّ نِكَاحَهُنَّ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَهَذَا خَارِجٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» . وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى مَعْهُودِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ - بِلَا شَكٍّ - أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ مَنْ شَاءَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، فَالشَّرْعُ الزَّائِدُ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، لِأَنَّهُ شَرِيعَةٌ وَارِدَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، كَالصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَالزَّكَاةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ، وَلَا فَرْقَ. وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ فِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ زَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ مِنْ النَّبِيِّ ﵌. وَهَذَا خَبَرٌ إنَّمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ سَوَاءً سَوَاءً، مَعَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ، هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَعْتَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقْدِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ.

стр. 3784

وَيَكْفِي فِي رَدِّ هَذَا كُلِّهِ مَا حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَارِمٌ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] قَالَ: فَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﵌ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهْلُوكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ. فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ مُبَيِّنٌ أَنَّ جَمِيعَ نِسَائِهِ ﵇ إنَّمَا زَوَّجَهُنَّ أَوْلِيَاؤُهُنَّ حَاشَ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَّجَهَا مِنْهُ ﵊. وَصَحَّ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَهَا أَيْ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَكَانَ الْعَقْدُ بِحَضْرَتِهِ، قَدْ كَانَ هُنَالِكَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعَمْرٌو، وَخَالِدٌ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَكَيْفَ يُزَوِّجُهَا النَّجَاشِيُّ - بِمَعْنَى يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا - وَهَؤُلَاءِ حُضُورٌ رَاضُونَ مَسْرُورُونَ آذِنُونَ فِي ذَلِكَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ؟ . وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ ﵊ الْمَرْأَةَ بِتَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ أَصْلًا فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْيَقِينِ بِالشُّكُوكِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذَكَرُوهُ، كَخَبَرِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى الْعَبَّاسِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ ﵊. وَنِكَاحِ أَبِي طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ ﵂ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ، أَنْكَحَهَا إيَّاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ صَغِيرٌ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ. فَهَذَا كُلُّهُ مَنْسُوخٌ بِإِبْطَالِهِ ﵊ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ نِسَاءً أُنْكِحْنَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِنَّ، فَرَدَّ ﵊ نِكَاحَهُنَّ وَجَعَلَ إلَيْهِنَّ إجَازَةَ ذَلِكَ إنْ شِئْنَ - فَكُلُّهَا أَخْبَارٌ لَا تَصِحُّ إمَّا مُرْسَلَةٌ، وَإِمَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ غُرَابٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِنَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبْعَدِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ، فَلِأَنَّ النَّاسَ

стр. 3785

كُلَّهُمْ يَلْتَقُونَ فِي أَبٍ بَعْدَ أَبٍ إلَى آدَمَ ﵇ بِلَا شَكٍّ، فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ لَجَازَ إنْكَاحُ كُلِّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يَلْقَاهَا بِلَا شَكٍّ فِي بَعْضِ آبَائِهَا، فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا كُلِّفُوا الْبُرْهَانَ عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا حَقَّ مَعَ الْأَقْرَبِ لِلْأَبْعَدِ، ثُمَّ إنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بَابٌ هَكَذَا أَبَدًا مَا دَامَ يُعْلَمُ لَهَا وَلِيٌّ عَاصِبٌ، كَالْمِيرَاثِ وَلَا فَرْقَ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَائِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ انْتِظَارِهِ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا؟ قُلْنَا: الضَّرُورَةُ لَا تُبِيحُ الْفُرُوجَ - وَقَدْ وَافَقَنَا الْمَالِكِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ الْغَائِبِ مَالٌ يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى الْمَرْأَةِ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ - وَإِنْ أَضَرَّتْ غَيْبَتُهُ بِهَا فِي فَقْدِ الْجِمَاعِ وَضَيَاعِ كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهَا - وَوَافَقَنَا الْحَنَفِيُّونَ فِي أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ وَلَا ضَرَرَ أَضَرَّ مِنْ عَدَمِ النَّفَقَةِ. ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ الَّتِي يَنْتَظِرُونَ الْوَلِيَّ فِيهَا مِنْ الْغَيْبَةِ الَّتِي لَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ إلَّا بِفَضِيحَةٍ، وَبِقَوْلٍ لَا يُعْقَلُ وَجْهُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَة إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ] ١٨٢٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْبِكْرَ - مَا لَمْ تَبْلُغْ - بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مِنْ زَوْجٍ مَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا حَتَّى تَبْلُغَ، وَلَا إذْنَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ. وَإِذَا بَلَغَتْ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ لَمْ يَجُزْ لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا. فَأَمَّا الثَّيِّبُ فَتَنْكِحُ مَنْ شَاءَتْ، وَإِنْ كَرِهَ الْأَبُ. وَأَمَّا الْبِكْرُ فَلَا يَجُوزُ لَهَا نِكَاحٌ إلَّا بِاجْتِمَاعِ إذْنِهَا وَإِذْنِ أَبِيهَا. وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِحَهَا لَا مِنْ ضَرُورَةٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ، وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِحَ مَجْنُونَةً حَتَّى تُفِيقَ وَتَأْذَنَ، إلَّا الْأَبَ فِي الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ وَهِيَ مَجْنُونَةٌ فَقَطْ. وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ -: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ إلَّا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ، وَرَأَى أَمْرَ

стр. 3786

عَائِشَةَ ﵂ خُصُوصًا لِلنَّبِيِّ ﵌، كَالْمَوْهُوبَةِ، وَنِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ الثَّيِّبَ، وَالْبِكْرَ - وَإِنْ كَرِهَتَا - جَائِزٌ عَلَيْهِمَا. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَعُبَيْدَةُ، قَالَ مَنْصُورٌ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ عُبَيْدَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَا جَمِيعًا: إنَّ نِكَاحَ الْأَبِ ابْنَتَهُ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا جَائِزٌ. وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ قَوْلًا آخَرَ -: كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْبِكْرُ لَا يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا وَالثَّيِّبُ إنْ كَانَتْ فِي عِيَالٍ اسْتَأْمَرَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْبِكْرُ فَلَا يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا - بَلَغَتْ أَوْ لَمْ تَبْلُغْ، عَنَسَتْ أَوْ لَمْ تَعْنِسْ - وَيَنْفُذُ إنْكَاحُهُ لَهَا وَإِنْ كَرِهَتْ، وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ مَعَهُ سَنَةً وَشَهِدَتْ الْمَشَاهِدَ لَمْ تَجُزْ لِلْأَبِ أَنْ يُنْكِحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهَا - وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا لَمْ يَطَأْهَا. قَالَ: وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَلَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ وَلَا غَيْرِهِ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِهَا. قَالَ: وَالْجَدُّ بِخِلَافِ الْأَبِ فِيمَا ذَكَرْنَا، لَا يُزَوِّجْ الْبِكْرَ وَلَا غَيْرَهَا إلَّا بِإِذْنِهَا كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا فَأَجَازَ إنْكَاحَ الْأَخِ لَهَا إذَا كَانَ نَظَرًا لَهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَمَنْ مَنَعَهُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ يُنْكِحُ الْأَبُ الصَّغِيرَةَ مَا لَمْ تَبْلُغْ - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - فَإِذَا بَلَغَتْ نَكَحَتْ مَنْ شَاءَتْ وَلَا إذْنَ لِلْأَبِ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إنْكَاحُهُ لَهَا إلَّا بِإِذْنِهَا - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالْجَدُّ كَالْأَبِ فِي كُلِّ ذَلِكَ.

стр. 3787

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُ الْأَبُ وَالْجَدُّ لِلْأَبِ إنْ كَانَ الْأَبُ قَدْ مَاتَ: الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ وَلَا إذْنَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ، وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ الْكَبِيرَةُ. وَلَا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ أَحَدٌ حَتَّى تَبْلُغَ، سَوَاءٌ بِإِكْرَاهٍ ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا أَوْ بِرِضًا، بِحَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ. وَأَمَّا الثَّيِّبُ الْكَبِيرَةُ فَلَا يُزَوِّجُهَا الْأَبُ وَلَا الْجَدُّ وَلَا غَيْرُهُمَا إلَّا بِإِذْنِهَا، وَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ إذَا كَانَتْ بَالِغًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحُجَّةُ فِي إجَازَةِ إنْكَاحِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْبِكْرَ إنْكَاحُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ غَنِيٌّ عَنْ إيرَادِ الْإِسْنَادِ فِيهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ خُصُوصٌ لَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ ﵊ فَلَنَا أَنْ نَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِأَنَّهُ لَهُ خُصُوصٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ هَذَا فِعْلٌ مِنْهُ ﵊ وَلَيْسَ قَوْلًا، فَمِنْ أَيْنَ خَصَّصْتُمْ الْبِكْرَ دُونَ الثَّيِّبِ، وَالصَّغِيرَةَ دُونَ الْكَبِيرَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أُصُولِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، إنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الصَّغِيرَةِ الْبِكْرِ لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» . فَخَرَجَتْ الثَّيِّبُ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً بِعُمُومِ هَذَا الْخَبَرِ، وَخَرَجَتْ الْبِكْرُ الْبَالِغُ بِهِ أَيْضًا، لِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِلْأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ فِيهِمْ «الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ» فَخَرَجَ الْبِكْرُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ أَيْضًا، فَلَمْ تَبْقَ إلَّا الصَّغِيرَةُ الْبِكْرُ ذَاتُ الْأَبِ فَقَطْ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تُجِيزُوا إنْكَاحَ الْجَدِّ لَهَا كَالْأَبِ؟

стр. 3788

قُلْنَا: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ فَقَطْ، وَهُوَ الْأَبُ الْأَدْنَى، وَبِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ يَبْطُلُ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّتِي بَقِيَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ - وَلَمْ يَطَأْهَا - أَنَّ أَبَاهَا يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، فَإِنْ أَتَمَّتْ مَعَ زَوْجِهَا سَنَةً وَشَهِدَتْ الْمَشَاهِدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا بِإِذْنِهَا. فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ لَا يَعْضُدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ قَبْلَهُ جُمْلَةً، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ. وَأَمَّا إلْحَاقُ الشَّافِعِيِّ الصَّغِيرَةَ الْمَوْطُوءَةَ بِحَرَامٍ بِالثَّيِّبِ، فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّنَا نَسْأَلُهُمْ إنْ بَلَغَتْ فَزَنَتْ: أَبِكْرٌ هِيَ فِي الْحَدِّ أَمْ ثَيِّبٌ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهَا بِكْرٌ، فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَصَحَّ أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْبِكْرِ. وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ لِلثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ - وَإِنْ كَرِهَ أَبُوهَا - وَمَنْ جَعَلَ لِلْأَبِ أَنْ يُنْكِحَهَا - وَإِنْ كَرِهَتْ - فَكِلَاهُمَا خَطَأٌ بَيِّنٌ، لِلْأَثَرِ الثَّابِتِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» . فَفَرَّقَ ﵊ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فَجَعَلَ لِلثَّيِّبِ أَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا أَمْرَ لِلْأَبِ فِي إنْكَاحِهَا، وَأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَجَعَلَ الْبِكْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا، فَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ: إذْنُهَا، وَاسْتِئْذَانُ أَبِيهَا، وَلَا يَصِحُّ لَهَا نِكَاحٌ وَلَا عَلَيْهَا إلَّا بِهِمَا جَمِيعًا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] مُوجِبٌ أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى الْبَالِغَةِ الْبِكْرِ إنْكَاحُ أَبِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَقَدْ جَاءَتْ بِهَذَا آثَارٌ صِحَاحٌ -: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمَرْوَزِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ نا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى نا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهَا، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﵌ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» .

стр. 3789

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ هَذَا هُوَ الْأَشْعَرِيُّ - ثِقَةٌ مَأْمُونٌ - لَيْسَ هُوَ الْأَنْدَلُسِيَّ الْحَضْرَمِيَّ، ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ قَدِيمٌ. وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد الْمِصِّيصِيُّ نا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي - وَهِيَ كَارِهَةٌ - فَرَدَّ النَّبِيُّ ﵌ نِكَاحَهَا» . نا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا عِمْرَانُ نا دُحَيْمٌ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِكْرًا فَكَرِهَتْ فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﵌ فَرَدَّ نِكَاحَهَا» . نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ نَا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ

стр. 3790

حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْآثَارُ هَاهُنَا كَثِيرَةٌ، وَفِيهِ ذَكَرْنَا كِفَايَةً، وَقَدْ جَاءَ فِي رَدِّ نِكَاحِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ بِغَيْرِ إذْنِهَا حَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بَنَاتِهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُنَّ» . فَقُلْنَا: هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، بَلْ قَدْ جَاءَتْ آثَارٌ مُرْسَلَةٌ بِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَأْمِرُهُنَّ. وَقَدْ تَقَصَّيْنَا فِي " كِتَابِ الْإِيصَالِ " مَا اعْتَرَضَ بِهِ مَنْ لَا يُبَالِي مِمَّا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ فِي الْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَا، بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ النَّاسِ لَهَا بِلَفْظٍ مُخَالِفٍ لِلَّفْظِ الَّذِي رُوِّينَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ عِلَّةً فِي الْحَدِيثِ، بَلْ إنْ كَانَ رَوَى جَمِيعَهَا الثِّقَاتُ وَجَبَ أَنْ تُسْتَعْمَلَ كُلُّهَا، وَيُحْكَمَ بِمَا اقْتَضَاهُ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ بِجَمِيعِهَا وَطَاعَةَ كُلِّ مَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ فَرْضٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمُخَالَفَةَ شَيْءٍ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ ، وَإِنْ كَانَ رَوَى بَعْضَهَا ضَعِيفٌ فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ ضَلَالٌ. وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ قَوْلِنَا عَنْ السَّلَفِ -: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُنْكِحَ إحْدَى بَنَاتِهِ قَعَدَ إلَى خِدْرِهَا فَأَخْبَرَهَا أَنَّ فُلَانًا يَخْطُبُهَا. نا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نَا ابْنُ مُفَرِّجٍ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَأْمِرُ بَنَاتِهِ فِي نِكَاحِهِنَّ.

стр. 3791

وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ -. قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: الرِّجَالُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ لَا يُكْرَهُونَ وَأَشَدُّ شَأْنًا. وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يَسْتَأْمِرُ الْأَبُ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَجَازَ عَلَى الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ إنْكَاحَ أَبِيهَا لَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا مُتَعَلِّقًا أَصْلًا، إلَّا أَنْ قَالُوا: قَدْ ثَبَتَ جَوَازُ إنْكَاحِهِ لَهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْكِبَرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّ النَّصَّ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ - فَذَكَرَ: الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ» . وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ فَاسِدٌ، وَإِذْ صَحَّحُوا قِيَاسَ الْبَالِغَةِ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغَةِ فَلْيَلْزَمْهُمْ أَنْ يَقِيسُوا الْجَدَّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ، وَسَائِرَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْأَبِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا فِي قِيَاسِهِمْ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ النُّصُوصُ الَّتِي أَوْرَدْنَا فِي رَدِّ إنْكَاحِ الْبِكْرِ بِغَيْرِ إذْنِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِذَا بَلَغَتْ الْمَجْنُونَةُ - وَهِيَ ذَاهِبَةُ الْعَقْلِ - فَلَا إذْنَ لَهَا وَلَا أَمْرَ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُنْكِحُهَا الْأَبُ وَلَا غَيْرُهُ حَتَّى يُمْكِنَ اسْتِئْذَانُهَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [مَسْأَلَة أنكاح الْأَب أبنه الصَّغِير] ١٨٢٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ إنْكَاحُ الصَّغِيرِ الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ - لَا حُجَّةَ لَهُمْ إلَّا قِيَاسُهُ عَلَى الصَّغِيرَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ قَدْ عَارَضَ هَذَا الْقِيَاسَ قِيَاسٌ آخَرُ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَرَ إذَا بَلَغَ لَا مَدْخَلَ لِأَبِيهِ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي إنْكَاحِهِ أَصْلًا، وَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأُنْثَى الَّتِي لَهُ فِيهَا مَدْخَلٌ: إمَّا بِإِذْنٍ، وَإِمَّا بِإِنْكَاحٍ، وَإِمَّا بِمُرَاعَاةِ الْكُفْءِ - فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ قَبْلَ الْبُلُوغِ.

стр. 3792

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ عَقْدِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا أَنْ يُوجِبَ إنْفَاذَ ذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ، وَلَا نَصَّ، وَلَا سُنَّةَ فِي جَوَازِ إنْكَاحِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ - وَقَدْ قَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا أَنْكَحَ الصَّغِيرَيْنِ أَبَوَاهُمَا فَهُمَا بِالْخِيَارِ إذَا كَبَرَا، وَلَا يَتَوَارَثَانِ إنْ مَاتَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إذَا أَنْكَحَ الصَّبِيَّيْنِ أَبَوَاهُمَا فَمَاتَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَا فَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، قَالَ مَعْمَرٌ: سَوَاءٌ أَنْكَحَهُمَا أَبَوَاهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة إذَا أَسْلَمَتْ الْبِكْرُ وَلَمْ يُسْلِمْ أَبُوهَا أَوْ كَانَ مَجْنُونًا] : ١٨٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَسْلَمَتْ الْبِكْرُ وَلَمْ يُسْلِمْ أَبُوهَا، أَوْ كَانَ مَجْنُونًا فَهِيَ فِي حُكْمِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وَصَحَّ فِي الْمَجْنُونِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» فَذَكَرَ مِنْهُمْ «الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» . وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِاسْتِئْمَارِهَا وَلَا بِإِنْكَاحِهَا، وَإِنَّمَا خَاطَبَ أُولِي الْأَلْبَابِ، فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ بِإِذْنِ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهَا أَوْ السُّلْطَانِ. وَكَذَلِكَ الَّتِي أَسْلَمَ أَبُوهَا وَلَمْ تُسْلِمْ هِيَ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ عَقَلَ: رَجَعَتْ إلَى حُكْمِ ذَاتِ الْأَبِ لِدُخُولِهِ فِي الْأَمْرِ بِإِنْكَاحِهَا وَاسْتِئْذَانِهَا. وَالْأَمَةُ الصَّغِيرَةُ - بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا - لَيْسَ لَهَا أَبٌ فَلَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا إنْكَاحُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْأَبِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِأَبِيهَا وَإِنْ كَانَ حُرًّا إنْكَاحُهَا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، لِأَنَّهُ بِذَلِكَ كَاسِبٌ عَلَى سَيِّدِهَا، إذْ هِيَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَالْبُرْهَانُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إنْكَاحُ أَمَتِهِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ

стр. 3793

وَجَلَّ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَالصَّغِيرُ لَا يُوصَفُ بِصَلَاحٍ فِي دِينِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الصَّالِحِينَ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ فَهُوَ مِنْ الصَّالِحِينَ بِقَوْلِ: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [مَسْأَلَة إذْن الْوَصِيّ فِي النِّكَاح] ١٨٢٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا إذْنَ لِلْوَصِيِّ فِي إنْكَاحٍ أَصْلًا، لَا لِرَجُلٍ، وَلَا لِامْرَأَةٍ: صَغِيرَيْنِ كَانَا، أَوْ كَبِيرَيْنِ، لِأَنَّ الصَّغِيرَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الذَّكَرَ مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكِحَهُ أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ وَأَنَّ الْأُنْثَى مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكِحَهَا إلَّا الْأَبُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا الْكَبِيرَانِ فَلَا يَخْلُوَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ عَاقِلَيْنِ. فَإِنْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُنْكِحُهَا أَحَدٌ، لَا أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ. وَأَمَّا الْعَاقِلَانِ الْبَالِغَانِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمَا وَصِيٌّ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي " كِتَابِ الْحَجْرِ " فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. وَمِمَّنْ قَالَ: لَا مَدْخَلَ لِلْوَصِيِّ فِي الْإِنْكَاحِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ - فَإِنْ مَوَّهَ مُمَوِّهٌ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَنَعَ يَتِيمًا لَهُ النِّكَاحَ فَزَنَى فَالْإِثْمُ بَيْنَهُمَا» ؟ قُلْنَا: هَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ -. وَأَيْضًا فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَيْضًا: فَلَيْسَ فِيهِ لِلْوَصِيِّ ذِكْرٌ - وَقَدْ يَكُونُ أَرَادَ سَيِّدَ الْعَشِيرَةِ يَمْنَعُ يَتِيمًا مِنْ قَوْمِهِ النِّكَاحَ ظُلْمًا. [مَسْأَلَة أَوْصَى إذَا مَاتَ أَنْ تُزَوَّجَ ابْنَتُهُ الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ أَوْ الْبَالِغُ] ١٨٣٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَوْصَى إذَا مَاتَ أَنْ تُزَوَّجَ ابْنَتُهُ الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ أَوْ الْبَالِغُ فَهِيَ وَصِيَّةٌ فَاسِدَةٌ لَا يَجُوزُ إنْفَاذُهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الصَّغِيرَةَ إذَا مَاتَ أَبُوهَا صَارَتْ يَتِيمَةً وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِأَنْ لَا تُنْكَحَ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَلَيْسَ لِأَبِيهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا فِي حَيَاتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا فَكَيْفَ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» وَلَيْسَ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثِ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.

стр. 3794

[مَسْأَلَة النِّكَاح بلفظ الْهِبَة وَغَيْرهَا] مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إلَّا بِاسْمِ الزَّوَاجِ أَوْ النِّكَاحِ، أَوْ التَّمْلِيكِ، أَوْ الْإِمْكَانِ. وَلَا يَجُوزُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَبِلَفْظٍ غَيْرِهَا لِمَا ذَكَرْنَا، أَوْ بِلَفْظِ الْأَعْجَمِيَّةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرْنَا لِمَنْ يَتَكَلَّمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ وَيُحْسِنُهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . وَقَالَ : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا أَبُو غَسَّانَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيُّ - حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ » فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالرَّجُلَ الَّذِي خَطَبَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَقَدْ أَنْكَحْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ فِيهِ «فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ فَقَالَ فِيهِ «قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا» . وَرَوَاهُ: زَائِدَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ، فَقَالُوا فِيهِ «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ» وَهُوَ مَوْطِنٌ وَاحِدٌ، وَرَجُلٌ وَاحِدٌ، وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ.

стр. 3795

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدَةُ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الصَّفَّارُ - نا عَبْدُ الصَّمَدِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى نَا ثُمَامَةُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ إذَا تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ» فَصَحَّ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ كُلُّهَا قَالَهَا ﵊ مُعَلِّمًا لَنَا مَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ " الْهِبَةِ " -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَصَحَّ أَنَّ النِّكَاحَ بِلَفْظِ " الْهِبَةِ " بَاطِلٌ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْعَجَبُ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْهِبَةَ الْمُحَرَّمَةَ إنَّمَا هِيَ إذَا كَانَتْ بِلَا صَدَاقٍ، فَكَانَ هَذَا زَائِدًا فِي الضَّلَالِ وَالتَّحَكُّمِ بِالْكَذِبِ، وَالدَّعَاوَى فِي الدِّينِ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ أَتَوْا إلَى الْمَوْهُوبَةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّهَا لِرَسُولِهِ ﵊ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فَجَعَلُوهُ عُمُومًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ أَتَوْا إلَى مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إبَاحَةِ النِّكَاحِ بِخَاتَمٍ حَدِيدٍ، وَبِتَعْلِيمِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَجَعَلُوهُ خُصُوصًا لَهُ - فَلَوْ عَكَسُوا أَقْوَالَهُمْ لَأَصَابُوا - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. [مَسْأَلَة لَا يَتِمُّ النِّكَاحُ إلَّا بِإِشْهَادِ عَدْلَيْنِ فَصَاعِدًا أَوْ بِإِعْلَانٍ عَامٍّ] ١٨٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَتِمُّ النِّكَاحُ إلَّا بِإِشْهَادِ عَدْلَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ بِإِعْلَانٍ عَامٍّ، فَإِنْ اسْتَكْتَمَ الشَّاهِدَانِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شَيْئًا. نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْعُذْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيّ الْمُطَّوِّعِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنَ إِسْحَاقَ الْإِمَامَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ الْحَاكِمُ: ثُمَّ سَأَلْت أَبَا عَلِيٍّ فَحَدَّثَنِي قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الرَّقِّيُّ نا أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجَ الرَّقِّيُّ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ، وَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» .

стр. 3796

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، غَيْرُ هَذَا السَّنَدِ - يَعْنِي ذِكْرَ شَاهِدَيْ عَدْلٍ - وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِصِحَّتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَجَزْتُمْ النِّكَاحَ بِالْإِعْلَانِ الْفَاشِي، وَبِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولٍ، وَبِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ عُدُولٍ؟ قُلْنَا: أَمَّا الْإِعْلَانُ: فَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَقَ فِي خَبَرٍ فَهُوَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ عَدْلٌ صَادِقٌ بِلَا شَكٍّ، فَإِذَا أُعْلِنَ النِّكَاحُ، فَالْمُعْلِنَانِ لَهُ بِهِ بِلَا شَكٍّ صَادِقَانِ عَدْلَانِ فِيهِ فَصَاعِدًا، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ فِيهِمَا شَاهِدَا عَدْلٍ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إذَا أُخْبِرَ عَنْهُمَا غَلَبَ التَّذْكِيرُ. وَأَمَّا الْأَرْبَعُ النِّسْوَةِ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ بِنِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ". وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقَالَ قَوْمٌ: إذَا اُسْتُكْتِمَ الشَّاهِدَانِ فَهُوَ نِكَاحُ سِرٍّ، وَهُوَ بَاطِلٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ قَطُّ نَهْيٌ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلَانِ. وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَيْسَ سِرًّا مَا عَلِمَهُ خَمْسَةٌ: النَّاكِحُ، وَالْمُنْكِحُ، وَالْمُنْكَحَةُ، وَالشَّاهِدَانِ - قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَا كُلُّ سِرٍّ جَاوَزَ اثْنَيْنِ شَائِعٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: السِّرُّ يَكْتُمُهُ الِاثْنَانِ بَيْنَهُمَا ... وَكُلُّ سِرٍّ عَدَا الِاثْنَيْنِ مُنْتَشِرُ

стр. 3797

وَمَنْ أَبَاحَ النِّكَاحَ الَّذِي يُسْتَكْتَمُ فِيهِ الشَّاهِدَانِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ؛ وَأَصْحَابُهُمْ. [مَسْأَلَة النِّكَاح بِغَيْرِ ذِكْر صَدَاق] ١٨٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ بِغَيْرِ ذِكْرِ صَدَاقٍ، لَكِنْ بِأَنْ يَسْكُتَ جُمْلَةً فَإِنْ اشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ لَا صَدَاقَ عَلَيْهِ فَهُوَ نِكَاحٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] . فَصَحَّحَ اللَّهُ النِّكَاحَ الَّذِي لَمْ يُفْرَضْ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ شَيْءٌ، إذْ صَحَّحَ فِيهِ الطَّلَاقَ، وَالطَّلَاقُ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ لَا صَدَاقَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَهَذَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. بَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إبْطَالُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فَإِذْ هُوَ بَاطِلٌ فَالنِّكَاحُ الْمَذْكُورُ لَمْ تَنْعَقِدْ صِحَّتُهُ إلَّا عَلَى تَصْحِيحِ مَا لَا يَصِحُّ، فَهُوَ نِكَاحٌ لَا صِحَّةَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة إذَا طَلَبَتْ الْمُنْكَحَةُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا صَدَاقٌ] ١٨٣٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا طَلَبَتْ الْمُنْكَحَةُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا صَدَاقٌ قُضِيَ لَهَا بِهِ، فَإِنْ تَرَاضَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا بِشَيْءٍ يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ، فَهُوَ صَدَاقٌ، لَا صَدَاقَ لَهَا غَيْرُهُ، فَإِنْ اُخْتُلِفَ قُضِيَ لَهَا بِصَدَاقِ مِثْلِهَا - أَحَبَّ هُوَ أَوْ هِيَ، أَوْ كَرِهَتْ هِيَ أَوْ هُوَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ مَا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ مِمَّا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ، وَإِنَّمَا خَالَفَ قَوْمٌ فِي بَعْضِ الْأَعْدَادِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُهُمْ سَاقِطٌ نُبَيِّنُهُ بَعْدُ، بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ. وَأَمَّا الْقَضَاءُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهَا الصَّدَاقَ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقْضَى لَهَا بِهِ إذَا طَلَبَتْهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ مَا طَلَبَتْهُ هِيَ، إذْ قَدْ تَطْلُبُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُلْزَمَ هِيَ مَا أَعْطَاهَا، إذْ قَدْ يُعْطِيهَا فَلْسًا، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِلْزَامِهَا

стр. 3798

ذَلِكَ، وَلَا بِإِلْزَامِهِ مَا طَلَبَتْ، فَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صَدَاقُ مِثْلِهَا، فَهُوَ الَّذِي يُقْضَى لَهَا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة التَّزْوِيج بِأَقَلّ مِنْ مَهْر الْمِثْل] ١٨٣٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا حُكْمُ أَبِيهَا فِي ذَلِكَ وَتَبْلُغُ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَلَا بُدَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ حَقٌّ لَهَا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فَإِذْ هُوَ حَقٌّ لَهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ مَالِهَا، فَلَا حُكْمَ لِأَبِيهَا فِي مَالِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى بِتَمَامِ مَهْرِ مِثْلِهَا عَلَى أَبِيهَا إلَّا أَنْ يَضْمَنَهُ مُخْتَارًا لِذَلِكَ فِي مَالِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَالصَّدَاقُ - بِنَصِّ الْقُرْآنِ - عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْأَبِ، فَالْقَضَاءُ بِهِ عَلَى الْأَبِ فِي مَالِهِ قَضَاءُ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ لَا يَحِلُّ. وَقَوْلُنَا فِي ذَلِكَ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - وَأَجَازَ ذَلِكَ عَلَيْهَا: أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ، وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ. [مَسْأَلَة نِكَاح الْعَبْد أَوْ الْأَمَة بِغَيْرِ إذْن السَّيِّد] ١٨٣٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ وَلَا لِلْأَمَةِ أَنْ يَنْكِحَا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِمَا، فَأَيُّهُمَا نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا، وَهُوَ زَانٍ، وَهِيَ زَانِيَةٌ، وَلَا يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِي ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ نا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» .

стр. 3799

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا عَبْدٍ نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» . وَاسْمُ " الْعَبْدِ " وَاقِعٌ عَلَى الْجِنْسِ، فَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ الرَّقِيقِ دَاخِلُونَ تَحْتَ هَذَا الِاسْمِ. وَأَيْضًا: فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَالْأَمَةُ مَالٌ لِسَيِّدِهَا فَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ إلَّا بِإِنْكَاحِهَا إيَّاهُ بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵊ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَنِكَاحُهُ حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى إنْكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ زِنًى، وَيَرَى عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَعَلَى الَّتِي نَكَحَ إذَا أَصَابَهَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ، وَيُعَاقَبُ الَّذِينَ أَنْكَحُوهَا.

стр. 3800

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخَذَ عَبْدًا لَهُ نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَبْطَلَ صَدَاقَهُ، وَضَرَبَهُ حَدًّا. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ جُلِدَ الْحَدَّ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَرُدَّ الْمَهْرُ إلَى مَوْلَاهُ وَعُزِّرَ الشُّهُودُ الَّذِينَ زَوَّجُوهُ وَهَذَا مُسْنَدٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نَا مُغِيرَةُ، وَعُبَيْدَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ الْمُغِيرَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ: إذَا فَرَّقَ الْمَوْلَى بَيْنَهُمَا فَمَا وَجَدَ عِنْدَهَا مِنْ عَيْنِ مَالِ غُلَامِهِ فَهُوَ لَهُ، وَمَا اسْتَهْلَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَقَالَ عُبَيْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ؛ وَمَا اسْتَهْلَكَتْ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهَا، قَالَ هُشَيْمٌ: وَهُوَ الْقَوْلُ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ: أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُنْتَزَعُ الصَّدَاقُ مِنْهَا، وَمَا اسْتَهْلَكَتْهُ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ فِي الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهَا مَا لَمْ تَسْتَهْلِكْهُ وَمَا اسْتَهْلَكَتْ فَلَا شَيْءَ. وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَلَا إجَازَةَ فِيهِ لِلسَّيِّدِ لَوْ أَجَازَهُ - الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَيْسَ زِنًى، بَلْ إنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ جَازَ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ. وَمَوَّهُوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ الْخَبَرَ الَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ أَنَّهُ عَاهِرٌ لَيْسَ فِيهِ: إذَا وَطِئَهَا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إذَا لَمْ يَطَأْهَا فَلَيْسَ عَاهِرًا؟ قُلْنَا: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْخَبَرُ بِلَفْظِ " إذَا نَكَحَ " كَمَا أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا وَنَكَحَ فِي اللُّغَةِ الَّتِي خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَخَاطَبَنَا بِهَا ﵊ " يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ وَيَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ " فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ - فَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا جَعَلَهُ زَانِيًا إذَا تَزَوَّجَ وَنَكَحَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا تَفْرِيقَ السَّيِّدِ - إنْ فَرَّقَ - طَلَاقًا، وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْ

стр. 3801

وُجُوهٍ -: أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَقْدُ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا. فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَا خِيَارَ لِلسَّيِّدِ فِي إبْطَالِ عَقْدٍ صَحِيحٍ. وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ تَصْحِيحُ الْبَاطِلِ. وَمَا عَدَا هَذَا فَتَخْلِيطٌ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِ نَصٌّ فَيُوقَفَ عِنْدَهُ. وَيَكْفِي مِنْ هَذَا - أَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يُوجِبْ صِحَّتَهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ يُعْقَلُ، وَلَا تَصِحُّ فِي هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ الَّتِي رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ لَا تَصِحُّ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ قَدْ خَالَفُوهَا أَيْضًا وَتَعَلَّقُوا بِرِوَايَةٍ وَاهِيَةٍ نُنَبِّهُ عَلَيْهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - لِئَلَّا يُمَوِّهُ بِهَا مُمَوِّهٌ، وَهِيَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ، وَإِذَا نَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ قَالَ: نا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَجَّاجُ - هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ - وَالْمُغِيرَةُ - هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ - وَيُونُسُ - هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - وَالْحُصَيْنُ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَجَّاجُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ الْحَجَّاجُ أَيْضًا: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ: عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ الْحُصَيْنُ، وَإِسْمَاعِيلُ: عَنْ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ عُمَرَ، وَشُرَيْحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: إذَا تَزَوَّجَ بِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَالطَّلَاقُ بِيَدِهِ، وَإِذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْأَمْرُ إلَى السَّيِّدِ إنْ شَاءَ جَمَعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ -: الْعُمَرِيُّ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَابْنُ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ ضَعِيفٌ - وَالْحَجَّاجُ هَالِكٌ. وَمِنْ السُّقُوطِ وَالْبَاطِلِ أَنْ تُعَارَضَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ رِوَايَةُ مِثْلِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ. وَالرِّوَايَةُ عَنْ شُرَيْحٍ سَاقِطَةٌ، لِأَنَّهَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ.

стр. 3802

وَأَمَّا إبْرَاهِيمُ، وَالشَّعْبِيُّ، فَالرِّوَايَةُ عَنْهُمَا صَحِيحَةٌ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا خَالَفَاهُمَا فِي قَوْلِهِمَا فِي الْمَهْرِ، فَمَا نَعْلَمُهُمْ تَعَلَّقُوا إلَّا بِالْحَسَنِ وَحْدَهُ. [مَسْأَلَة نِكَاح الْمَرْأَة أمتها أَوْ عبدها] ١٨٣٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ وَلِيًّا فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ أَرَادَتْ إنْكَاحَ أَمَتِهَا أَوْ عَبْدِهَا أَمَرَتْ أَقْرَبَ الرِّجَالِ إلَيْهَا مِنْ عَصَبَتِهَا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَاصِبٌ فَالسُّلْطَانُ يَأْذَنُ لَهَا فِي النِّكَاحِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِإِنْكَاحِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ هُمْ الْمَأْمُورُونَ بِإِنْكَاحِ الْأَيَامَى، لِأَنَّ الْخِطَابَ وَاحِدٌ، وَنَصَّ الْآيَةِ يُوجِبُ أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الرِّجَالُ فِي إنْكَاحِ الْأَيَامَى وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ. فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ وَلِيًّا فِي إنْكَاحِ أَحَدٍ أَصْلًا، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] . [مَسْأَلَة إجْبَار الْعَبْد أَوْ الْأَمَة عَلَى النِّكَاح] ١٨٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلسَّيِّدِ إجْبَارُ أَمَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ عَلَى النِّكَاحِ، لَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَا مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ، وَلَا أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ - فَإِنْ فَعَلَ فَلَيْسَ نِكَاحًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يُزَوِّجْ السَّيِّدُ عَبْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ.

стр. 3803

وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ يُزَوِّجُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَإِنْ كَرِهَا جَمِيعًا - وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرِهُ الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَعَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ، وَلَا يُنْكِحْ أَمَتَهُ إلَّا بِمَهْرٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهَا فَيَسْتَحِلُّ بِهِ فَرْجَهَا، وَلَا يُزَوِّجْ أَمَتَهُ الْفَارِهَةَ مِنْ عَبْدِهِ الْأَسْوَدِ لَا مَنْظَرَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالصَّلَاحِ يُرِيدُ بِهِ عِفَّةَ الْغُلَامِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلَهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الضَّرَرِ بِالْجَارِيَةِ لَمْ يَجُزْ. قَالَ: وَيُكْرِهُ الرَّجُلُ أَمَتَهُ الْمُعْتَقَةَ إلَى سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ، لِأَنَّهُ أَجَازَ إكْرَاهَ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ، وَمَنَعَ مِنْ إنْكَاحِهَا الْأَسْوَدَ إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهَا، وَأَجَازَهُ إنْ كَانَ وَكِيلَهُ وَأَرَادَ عِفَّتَهُ بِذَلِكَ -: فَأَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهَا دَعَاوَى بِلَا بُرْهَانٍ. ثُمَّ الْمُنَاقَضَةُ فِي مَنْعِهِ إنْكَاحَهَا إيَّاهُ إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهَا، وَلَا ضَرَرَ أَعْظَمُ مِنْ الْكَرَاهَةِ، وَإِلَّا فَلِمَ خَصَّ الْأَسْوَدَ لَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَهُ، إذْ لَوْ رَاعَى الضَّرَرَ فَقَطْ لَاسْتَوَى إنْكَاحُهَا مِنْ قُرَشِيٍّ أَبْيَضَ وَمِنْ أَسْوَدَ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ إجَاعَةٍ غَيْرِ الْكَرَاهَةِ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ إكْرَاهِ الْأَمَةِ فَأَجَازَهُ، وَبَيْنَ إكْرَاهِ الْعَبْدِ فَلَمْ يُجِزْهُ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ إلَى الْعَبْدِ كَانَ النِّكَاحُ إلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ لِلسَّيِّدِ احْتِبَاسُ بُضْعِ الْأَمَةِ لِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَ بُضْعَهَا غَيْرَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْهُ لَكَانَ هَذَا أَسْخَفَ قِيَاسٍ فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُوَافِقُوا عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ، بَلْ جَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمَا يَقُولَانِ: الطَّلَاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ لَا بِيَدِ الْعَبْدِ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ تَمْلِيكَ بُضْعِ الْأَمَةِ لِغَيْرِهِ كَمَا لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا لِنَفْسِهِ فَسُخْفٌ مُضَاعَفٌ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلرَّجُلِ احْتِبَاسَ بُضْعِ زَوْجَتِهِ لِنَفْسِهِ أَفَتَرَاهُمْ يَقِيسُونَ عَلَى ذَلِكَ تَمْلِيكَ بُضْعِهَا لِغَيْرِهِ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ.

стр. 3804

وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ إكْرَاهَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ سَوَاءً عَلَى النِّكَاحِ، احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِنْكَاحِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ رِضًا. وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ نا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ: لِسَيِّدِهِمَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا. وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يُكْرِهُونَ الْمَمْلُوكَ عَلَى النِّكَاحِ وَيُدْخِلُونَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ الْبَيْتَ، وَيُغْلِقُونَ عَلَيْهِمَا الْبَابَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْله تَعَالَى: فِي إنْكَاحِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ فَإِنَّهُ عَطَفَ عَلَى أَمْرِهِ بِالنِّكَاحِ الْأَيَامَى مِنَّا وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِنَّ رِضَاهُنَّ، فَلْيَلْزَمْهُمْ أَنْ يُجِيزُوا بِذَلِكَ إنْكَاحَ الْحُرَّةِ الثَّيِّبِ وَإِنْ كَرِهَتْ إنْ طَرَدُوا أَصْلَهُمْ الْفَاسِدَ. فَإِنْ شَغَبُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وَلَمْ يَشْتَرِطْ رِضَاهُنَّ؟ قُلْنَا: وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَلَمْ يَشْتَرِطْ رِضَاهُنَّ، وَكُلُّ هَذَا قَدْ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ لَا تُنْكَحَ بِكْرٌ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا ثَيِّبٌ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَمْ يَخُصَّ حُرَّةً مِنْ مَمْلُوكَةٍ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فَهَذَا هُوَ الْبَيَانُ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ، لَا كَالْآرَاءِ الْمُتَخَاذِلَةِ وَالدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ. وَأَمَّا خَبَرُ جَابِرٍ: فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵁ لِسَيِّدِهِمَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقَ فَقَوْلٌ صَحِيحٌ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَهَبَهَا لَهُ وَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ كَمَا يَنْتَزِعُ سَائِرَ مَالِهِ وَكَسْبِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ: فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [مَسْأَلَة إذْن الْمَرْأَة فِي النِّكَاح] ١٨٣٩ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ ثَيِّبٍ فَإِذْنُهَا فِي نِكَاحِهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِكَلَامِهَا بِمَا يُعْرَفُ بِهِ رِضَاهَا، وَكُلُّ بِكْرٍ فَلَا يَكُونُ إذْنُهَا فِي نِكَاحِهَا إلَّا بِسُكُوتِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَلَزِمَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ تَكَلَّمَتْ بِالرِّضَا أَوْ بِالْمَنْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَذَا نِكَاحٌ عَلَيْهَا.

стр. 3805

بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْبِكْرِ «إذْنُهَا صُمَاتُهَا» ، وَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ نَا أَبُو سَلَمَةَ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - نا أَبُو هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ الْخَوَالِفِ إلَى أَنَّ الْبِكْرَ إنْ تَكَلَّمَتْ بِالرِّضَا فَإِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِذَلِكَ خِلَافًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الصَّحَابَةِ ﵃، فَسُبْحَانَ الَّذِي أَوْهَمَهُمْ أَنَّهُمْ أَصَحُّ أَذْهَانًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى فَهْمٍ وَبَيَانٍ غَابَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعُوذُ بِاَللَّهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا. فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ أَبْطَلَ النِّكَاحَ كَمَا تَسْمَعُونَ عَنْ الْبِكْرِ مَا لَمْ تُسْتَأْذَنْ فَتَسْكُتَ، وَأَجَازَهُ إذَا اُسْتُأْذِنَتْ فَسَكَتَتْ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» . وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَإِنَّهُمْ كَمَا أَوْرَدْنَا فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ آنِفًا لَمْ يَعْرِفُوا مَا إذْنُ الْبِكْرِ حَتَّى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، وَإِلَّا فَكَانَ سُؤَالُهُمْ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فُضُولًا، وَحَاشَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَتَنَبَّهَ هَؤُلَاءِ لِمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَبَّهَ عَنْهُ ﵇، وَهَذَا كَمَا تَرَوْنَ. وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ كَلَامَ الْبِكْرِ يَكُونُ رِضًا، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ إذْنَهَا هُوَ السُّكُوتُ. وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ الْعَانِسَ الْبِكْرَ لَا يَكُونُ إذْنُهَا إلَّا بِالْكَلَامِ - وَهَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ فَرْضًا عَلَى الْعَانِسِ مَا أَسْقَطَهُ عَنْ غَيْرِهَا فَلَوَدِدْنَا أَنْ يُعَرِّفُونَا الْحَدَّ الَّذِي إذَا بَلَغَتْهُ الْمَرْأَةُ انْتَقَلَ فَرْضُهَا إلَى مَا ذُكِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3806

[مَسْأَلَة الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ مَقْضِيٌّ بِهَا لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا] مَسْأَلَةٌ: وَالصَّدَاقُ، وَالنَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ مَقْضِيٌّ بِهَا لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْمَمْلُوكِ كَمَا يُقْضَى بِهَا عَلَى الْحُرِّ وَلَا فَرْقَ سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَالصَّدَاقُ لِلْأَمَةِ إلَّا أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ كَسَائِرِ مَالِهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] . وقَوْله تَعَالَى فِي الْأَيَامَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] . فَخَاطَبَ تَعَالَى الْأَزْوَاجَ عُمُومًا، لَمْ يَخُصَّ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ، وَأَوْجَبَ بِنَصِّ كَلَامِهِ - الَّذِي لَا يُعَارِضُهُ إلَّا مَخْذُولٌ - إيتَاءَ الصَّدَاقِ لِلْأَمَةِ لَا لِغَيْرِهَا. وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ اللَّهُ النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ، وَالْإِسْكَانَ عَلَى الْأَزْوَاجِ لِلزَّوْجَاتِ، فَإِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ أَوْ الْحُرُّ عَنْ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضِهِ، وَعَنْ النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ أَوْ بَعْضِهَا، فَالصَّدَاقُ دَيْنٌ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَالنَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ سَاقِطَةٌ عَنْهُ، وَيُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ خَرَاجِ الْعَبْدِ وَمِنْ سَائِرِ كَسْبِهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الشَّيْبَانِيُّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يَبْدَأُ الْعَبْدُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى أَهْلِهِ قَبْلَ الَّذِي عَلَيْهِ لِمَوَالِيهِ - يَعْنِي نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ فَالْمَهْرُ عَلَيْهِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ بَيْعُهُ فِي الصَّدَاقِ وَفِي النَّفَقَةِ، فَإِنْ فَدَاهُ السَّيِّدُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ لِلْمَرْأَةِ وَجَبَتْ رَقَبَتُهُ لِلْمَرْأَةِ مِلْكًا وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ. قَالُوا: فَلَوْ أَنْكَحَ عَبْدَهُ أَمَتَهُ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى صَدَاقٍ أَصْلًا لَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمَهْرُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ إنْ وُهِبَ لَهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ وُهِبَ لَهُ، فَهُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ إذَا أُعْتِقَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْمَهْرُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إذَا أُعْتِقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: السَّيِّدُ ضَامِنٌ لِنَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مَالٌ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ فَضْلُ مَالٍ أُخِذَتْ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ مَالٍ عَنْ خَرَاجِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.

стр. 3807

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: تَخْصِيصُ الشَّافِعِيِّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا وَجْهَ لَهُ، وَقَدْ يَكْسِبُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ، لَكِنْ بِعَمَلٍ أَوْ مِنْ صَنِيعَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّيْثِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ عَنْ خَرَاجِهِ فَضْلٌ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَخَطَأٌ، لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى مِنْ الْعَبِيدِ مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَنْ خَرَاجِهِ مِمَّنْ لَا فَضْلَ لَهُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْخَرَاجَ لِلسَّيِّدِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ فَقَدْ صَارَ النِّكَاحُ لَغْوًا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّ الْفَسْخَ يَتْلُوهُ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ مَالِكٍ أَنْ تُؤْخَذَ النَّفَقَةُ وَالصَّدَاقُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ، فَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، لِأَنَّ الْخَرَاجَ كَسَائِرِ كَسْبِ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ فِيهِ حَقٌّ أَصْلًا، إلَّا حَتَّى يَصِحَّ مِلْكُ الْعَبْدِ لَهُ بِإِجَازَتِهِ أَوْ بِبَيْعِهِ فِيهِ، فَإِذَا صَحَّ مِلْكُ الْعَبْدِ لَهُ كَانَ لِلسَّيِّدِ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَمْلِكْ قَطُّ مِنْ خَرَاجِ الْعَبْدِ فَلْسًا قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لِلْعَبْدِ بِعِلْمِهِ أَوْ بِبَيْعِهِ فِيهِ، فَإِذَا صَارَ لِلْعَبْدِ فَلَيْسَ السَّيِّدُ أَوْلَى بِهِ مِنْ سَائِرِ مَنْ لَهُ عِنْدَ الْعَبْدِ حَقٌّ، كَالزَّوْجَةِ وَالْغُرَمَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ أَجَازَ نِكَاحًا بِلَا صَدَاقٍ - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ كَمَا أَوْرَدْنَا ثُمَّ جَعَلَ نِكَاحَهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِرِضَا سَيِّدِهِ وَوَطْأَهُ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى وَطْأَهُ لَهَا وَيَأْجُرُهُ عَلَيْهِ جِنَايَةً وَدَيْنًا يُبَاعُ فِيهِ أَوْ تُسَلَّمُ رَقَبَتُهُ - وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَبَاحَ لَهَا مَالَ السَّيِّدِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا؟ وَهَذَا كَلَامٌ يُغْنِي سَمَاعُهُ عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ قَالَهُ قَبْلَهُمْ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ عَبْدَهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَمْوِيهٌ مِنْ الَّذِي أَوْرَدَ هَذَا الْخَبَرَ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا عَنَى بِغَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ، وَهَذَا جَائِزٌ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى إذَا طَلَبَتْهُ أَوْ طَلَبَهُ وَرَثَتُهَا قُضِيَ لَهَا أَوْ لَهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ. [مَسْأَلَة كون الْمُسْلِم وليا للكافرة والكافر وليا للمسلمة] ١٨٤١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَكُونُ الْكَافِرُ وَلِيًّا لِلْمُسْلِمَةِ، وَلَا الْمُسْلِمُ وَلِيًّا لِلْكَافِرَةِ، الْأَبُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَالْكَافِرُ وَلِيٌّ لِلْكَافِرَةِ الَّتِي هِيَ وَلِيَّتُهُ يُنْكِحُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]

стр. 3808

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] . وَهُوَ قَوْلُ مَنْ حَفِظْنَا قَوْلَهُ، إلَّا ابْنَ وَهْبٍ صَاحِبَ مَالِكٍ قَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ يَكُونُ وَلِيًّا لِابْنَتِهِ الْكَافِرَةِ فِي إنْكَاحِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ أَوْ مِنْ الْكَافِرِ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة هَلْ لولي الْمَرْأَة أَنْ ينكحها مِنْ نَفْسه] ١٨٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ أَنْ يُنْكِحَهَا مِنْ نَفْسِهِ إذَا رَضِيَتْ بِهِ زَوْجًا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَقْرَبَ إلَيْهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ إلَى أَنْ لَا يُنْكِحَهَا هُوَ مِنْ نَفْسِهِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْتَاجُ إلَى نَاكِحٍ وَمُنْكِحٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاكِحُ هُوَ الْمُنْكِحُ -. وَقَالَ أَصْحَابُ الْقِيَاسِ مِنْهُمْ: كَمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَا يُنْكِحُ مِنْ نَفْسِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ خَطَبَ بِنْتَ عَمِّهِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَرْسَلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ فَقَالَ: زَوِّجْنِيهَا؟ فَقَالَ: مَا كُنْت لِأَفْعَلَ، أَنْتَ أَمِيرُ الْبَلَدِ، وَابْنُ عَمِّهَا؟ فَأَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ إلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُغِيرَةُ - هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُغِيثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ. وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مُغِيثٍ الْمَذْكُورُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَقِيلِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مُغِيثٍ الْمَذْكُورُ. وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ - لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ إلَّا فِي ثَقِيفٍ، لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ جُشَمَ بْنِ ثَقِيفٍ. ونا بِهَذَا أَيْضًا: مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً - الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ.

стр. 3809

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ النِّكَاحَ يَحْتَاجُ إلَى نَاكِحٍ وَمُنْكِحٍ - فَنَعَمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاكِحُ هُوَ الْمُنْكِحَ - فَفِي هَذَا نَازَعْنَاهُمْ، بَلْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ النَّاكِحُ هُوَ الْمُنْكِحَ، فَدَعْوَى كَدَعْوَى. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ، فَهِيَ جُمْلَةٌ لَا تَصِحُّ كَمَا ذَكَرُوا، بَلْ جَائِزٌ إنْ وُكِّلَ بِبَيْعِ شَيْءٍ أَنْ يَبْتَاعَهُ لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يُحَابِهَا بِشَيْءٍ. وَأَمَّا خَبَرُ الْمُغِيرَةِ فَلَا حُجَّةَ فِيمَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَبَقِيَ عَلَيْنَا أَنْ نَأْتِيَ بِالْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا، فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ مَوْلَاتَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» فَمَنْ أَنْكَحَ وَلِيَّتَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِهَا فَقَدْ نُكِحَتْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا فَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ﵊ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ غَيْرَ النَّاكِحِ وَلَا بُدَّ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ ﵊ فَهُوَ جَائِزٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَهَذَا مِمَّا لَمْ يُفَصِّلْ عَلَيْنَا تَحْرِيمَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَمَنْ أَنْكَحَ أَيِّمَةً مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَاهَا فَقَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُنْكِحُ لِأَيِّمَةٍ هُوَ النَّاكِحَ لَهَا - فَصَحَّ أَنَّهُ الْوَاجِبُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3810

[مَسْأَلَة نِكَاح الزَّانِيَة] مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلزَّانِيَةِ أَنْ تَنْكِحَ أَحَدًا، لَا زَانِيًا وَلَا عَفِيفًا حَتَّى تَتُوبَ، فَإِذَا تَابَتْ حَلَّ لَهَا الزَّوَاجُ مِنْ عَفِيفٍ حِينَئِذٍ. وَلَا يَحِلُّ لِلزَّانِي الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً لَا زَانِيَةً وَلَا عَفِيفَةً حَتَّى يَتُوبَ، فَإِذَا تَابَ حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْعَفِيفَةِ الْمُسْلِمَةِ حِينَئِذٍ. وَلِلزَّانِي الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْكِحَ كِتَابِيَّةً عَفِيفَةً وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، فَإِنْ نَكَحَ عَفِيفٌ عَفِيفَةً ثُمَّ زَنَى أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ بِذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْوَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصُّدَائِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ لِي ابْنَةَ عَمٍّ أَهْوَاهَا، وَقَدْ كُنْت نِلْت مِنْهَا؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنْ كَانَ شَيْئًا بَاطِنًا - يَعْنِي الْجِمَاعَ - فَلَا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا ظَاهِرًا - يَعْنِي الْقُبْلَةَ - فَلَا بَأْسَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِمَحْدُودٍ تَزَوَّجَ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ؟ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا شُعْبَةُ نا قَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بَعْدَ أَنْ زَنَى بِهَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ. وَبِهِ إلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: نا مَعْمَرٌ، ثُمَّ اتَّفَقَ سُفْيَانُ، وَمَعْمَرٌ، قَالَا جَمِيعًا: نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ أَنَّهُ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ يَنْكِحُهَا؟ فَقَالَ سَالِمٌ: سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] الْآيَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَوْلَانِ مِنْهُ مُتَّفِقَانِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ مَا اصْطَحَبَا - يَعْنِي: الرَّجُلَ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً زَنَى بِهَا.

стр. 3811

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَسْبَاطٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي الرَّجُلِ يَفْجُرُ بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ يُرِيدُ نِكَاحَهَا قَالَ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ أَبَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إذَا تَابَا وَأَصْلَحَا فَلَا بَأْسَ - يَعْنِي الرَّجُلَ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ يُرِيدُ نِكَاحَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ السَّائِبِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ أَيَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: إنْ تَابَا وَأَصْلَحَا. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا جَمِيعًا: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَا يَنْكِحُ الْمَجْلُودُ إلَّا مَجْلُودَةً. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا أَبُو هِلَالٍ نا قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَدَعَ أَحَدًا أَصَابَ فَاحِشَةً فِي الْإِسْلَامِ يَتَزَوَّجُ مُحْصَنَةً، فَقَالَ لَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ يُقْبَلُ مِنْهُ إذَا تَابَ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] قَالَ: هُوَ حُكْمٌ بَيْنَهُمَا. وَصَحَّ مِثْلُ هَذَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَصِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ وَعَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ قُسَيْطٍ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمْ - وَقَدْ جَاءَ إبَاحَةُ نِكَاحِهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحُجَّةُ لِقَوْلِنَا هُوَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] . فَقَالَ قَوْمٌ: رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: يَزْعُمُونَ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي

стр. 3812

بَعْدَهَا ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ: هَذَا مَنْسُوخٌ إلَّا بِيَقِينٍ يَقْطَعُ بِهِ، لَا بِظَنٍّ لَا يَصِحُّ وَإِنَّمَا الْفَرْضُ اسْتِعْمَالُ النُّصُوصِ كُلِّهَا. فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء: ٣] إلَّا مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِنَّ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَنِكَاحُ الزَّانِيَةِ وَنِكَاحُ الزَّانِي لِمُؤْمِنَةٍ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْنَا، فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِلَا شَكٍّ كَاسْتِثْنَاءِ سَائِرِ مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا مِنْ النِّسَاءِ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى يَنْكِحُ هَهُنَا: يَطَأُ، لَيْسَ مَعْنَاهُ: يَتَزَوَّجُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذِهِ دَعْوَى أُخْرَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَتَخْصِيصٌ لِلْآيَةِ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَحُرِّمَ عَلَى الزَّوْجِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ إذَا زَنَتْ وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا بِالزِّنَا فَقَطْ؟ قُلْنَا: وَهَذِهِ زِيَادَةٌ فِي التَّخْصِيصِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَدَعْوَى كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَهَذَا لَا يَحِلُّ فِي دِينِ اللَّهِ مَعَ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ كَاذِبٌ بِيَقِينِ، لِأَنَّنَا قَدْ نَجِدُ الزَّانِيَ يَسْتَكْرِهُ الْعَفِيفَةَ الْمُسْلِمَةَ فَيَكُونُ زَانِيًا بِغَيْرِ زَانِيَةٍ وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ أَنْ نَقُولَ مَا يَدْفَعُهُ الْعِيَانُ. وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فَكَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْمَسْجِدِ إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَلَاثَ عَلَيْهِ لَوْثًا مِنْ كَلَامٍ - وَهُوَ دَهِشٌ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: قُمْ فَانْظُرْ فِي شَأْنِهِ، فَإِنَّ لَهُ شَأْنًا. فَقَامَ إلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ ضَيْفًا ضَافَنِي فَزَنَى بِابْنَتِهِ؟ فَضَرَبَ عُمَرُ فِي صَدْرَهُ، وَقَالَ لَهُ: قَبَّحَك اللَّهُ، أَلَا سَتَرْت عَلَى ابْنَتِك، فَأَمَرَ بِهِمَا أَبُو بَكْرٍ فَضُرِبَا الْحَدَّ، ثُمَّ زَوَّجَ أَحَدَهُمَا الْآخَرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمَا أَنْ يُغَرَّبَا حَوْلًا.

стр. 3813

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ غَرَّبَهُمَا حَوْلًا، وَالْحَنَفِيُّونَ لَا يَرَوْنَ تَغْرِيبًا فِي الزِّنَا جُمْلَةً. وَالْمَالِكِيُّونَ لَا يَرَوْنَ تَغْرِيبَ الْمَرْأَةِ فِي الزِّنَا. فَهَذَا فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ بِخِلَافِهِمْ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا حَبِيبٌ - هُوَ الْمُعَلِّمُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ الْحَسَنِ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَجْلُودَ الزَّانِيَ لَا يَنْكِحُ إلَّا مِثْلَهُ، يَتَأَوَّلُ بِذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: وَمَا تَعْجَبُ؟ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ» . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُنَادِي بِهِ نِدَاءً -: نا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا بَكْرٌ - هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ - نا مُسَدَّدٌ نا الْمُعْتَمِرُ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ - قَالَ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَضْرَمِيُّ بْنُ لَاحِقٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَأْذَنَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فِي امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ مَهْزُولٍ أَوْ ذَكَرَ لَهُ أَمْرَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، فَأُنْزِلَتْ ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] » . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا أَبَانُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ - عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثٍ: «وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يُسَمَّى فِي الدَّيَّانَةِ، وَلَا فِي اللُّغَةِ أُجْرَةُ الزِّنَا مَهْرًا، إنَّمَا الْمَهْرُ فِي الزَّوَاجِ، فَإِذَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَهْرَهَا فَقَدْ حَرَّمَ زَوَاجَهَا، إذْ لَا بُدَّ فِي الزَّوَاجِ مِنْ مَهْرٍ ضَرُورَةً، هَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ، فَإِذَا تَابَتْ فَلَيْسَ مَهْرُهَا مَهْرَ بَغِيٍّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَنْ ادَّعَى غَيْرَ

стр. 3814

هَذَا، فَقَدْ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الَّتِي تَزَوَّجَهَا عَفِيفٌ وَهِيَ عَفِيفَةٌ ثُمَّ زَنَى أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، فَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُمَا؟ لِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ تَحْتِي امْرَأَةً جَمِيلَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ؟ قَالَ طَلِّقْهَا، قَالَ: إنِّي لَا أَصْبِرُ عَنْهَا؟ قَالَ: فَأَمْسِكْهَا» . وَقَدْ أَقَرَّ مَاعِزٌ بِالزِّنَا - وَهُوَ مُحْصَنٌ - فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ فَقِيلَ لَهُ: بَلْ ثَيِّبٌ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يَفْسَخْ نِكَاحَهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ: - رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْبِكْرِ إذَا زَنَى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِأَهْلِهِ: جَلْدُ الْحَدِّ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، فَإِنْ زَنَتْ هِيَ جُلِدَتْ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا صَدَاقَ لَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: الْبِكْرُ إذَا زَنَتْ جُلِدَتْ وَفُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ - وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدَةُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّهَا - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ،

стр. 3815

وَطَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهَاهُنَا خَبَرٌ لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَكْثَمَ «أَنَّ امْرَأَةً زَنَتْ؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَدَهَا عَبْدًا لِزَوْجِهَا» وَلَا نَعْلَمُ لِسَعِيدٍ سَمَاعًا مِنْ بَصْرَةَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَضْرَةَ. [مَسْأَلَة خِطْبَة الْمَرْأَة الْمُعْتَدَّة] ١٨٤٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ فُسِخَ أَبَدًا - دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، طَالَتْ مَدَّتُهُ مَعَهَا أَوْ لَمْ تَطُلْ - وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا صَدَاقَ وَلَا مَهْرَ لَهَا. فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا مِنْ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ، وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَا جَمِيعًا، وَلَا يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا. وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَاهِلًا، فَلَا حَدَّ عَلَى الْجَاهِلِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْجَاهِلَ فَالْوَلَدُ بِهِ لَاحِقٌ، فَإِذَا فُسِخَ النِّكَاحُ وَتَمَّتْ عِدَّتُهَا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إنْ أَرَادَتْ ذَلِكَ كَسَائِرِ النَّاسِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقَ ثَلَاثٍ. وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ الْأَمَةُ وَيَدْخُلُ بِهَا فَتَعْتِقُ فَتُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ وَيُفْسَخُ نِكَاحُهُ فَتَعْتَدُّ بِحَمْلٍ أَوْ بِالْأَطْهَارِ أَوْ بِالشُّهُورِ، فَلَهُ - وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ - أَنْ يَخْطُبَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ فَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ فَلَهُ نِكَاحُهَا وَوَطْؤُهَا. بُرْهَانُ مَا قُلْنَا: قَوْلُ اللَّهِ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا تَوَارُثَ، وَلَا نَفَقَةَ، وَلَا كِسْوَةَ، وَلَا صَدَاقَ بِكُلِّ حَالٍ جَهْلًا أَوْ عِلْمًا، فَلِأَنَّهُ لَيْسَ نِكَاحَهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ النِّكَاحَ وَلَمْ يُحِلَّ هَذَا الْعَقْدَ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، فَإِذْ لَيْسَ نِكَاحًا فَلَا تَوَارُثَ، وَلَا كِسْوَةَ، وَلَا نَفَقَةَ، إلَّا فِي نِكَاحٍ.

стр. 3816

وَأَمَّا إلْحَاقُ الْوَلَدِ بِالرَّجُلِ الْجَاهِلِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْعَالِمِ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] . وَهَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجًا وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ فَهُوَ عَاهِرٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . فَلَمْ يَجْعَلْ ﵊ إلَّا فِرَاشًا أَوْ عِهْرًا، وَهَذِهِ لَيْسَتْ فِرَاشًا فَهُوَ عِهْرٌ، وَالْعِهْرُ الزِّنَا، وَعَلَى الزَّانِي الْحَدُّ: وَلَا حَدَّ عَلَى الْجَاهِلِ الْمُخْطِئِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وَهَذَا لَمْ يَبْلُغْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمُعْتَقَةُ تُخَيَّرُ: فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا «لَوْ رَاجَعْتِيهِ» وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ النَّاكِحَ فِي الْعِدَّةِ الْوَاطِئَ فِيهَا جَاهِلًا كَانَ أَوْ عَالِمًا فَحُدَّ وَكَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ وَلَمْ تُحَدَّ هِيَ لِجَهْلِهَا أَوْ لَمْ تُرْجَمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا مُعْتَدَّةً مِنْ وَفَاةٍ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَمَامِ عِدَّتِهَا الَّتِي تَزَوَّجَهَا فِيهَا، فَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لَنَا كُلَّ مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ النِّسَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا الْمَنْكُوحَةَ فِي الْعِدَّةِ الْمَدْخُولَ بِهَا فِيهَا فِي جُمْلَةِ مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فِيهَا بَعْدَ تَمَامِ عِدَّتِهَا، فَإِذْ لَمْ يَذْكُرْهَا تَعَالَى، لَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ نَصًّا بِقَوْلِهِ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا.

стр. 3817

وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: وَلَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَمَا لِمَنْ قَالَ هَذَا حُجَّةٌ أَصْلًا إلَّا شَغْبَتَانِ -: إحْدَاهُمَا - أَنَّهُمْ قَالُوا: تَعَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ وَقْتِهِ فَوَاجِبٌ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ فِي الْأَبَدِ كَالْقَاتِلِ الْعَامِدِ يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ أَسْخَفِ قَوْلٍ يُسْمَعُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ: مِنْ أَيْنَ وَضَحَ لَهُمْ تَحْرِيمُ الْمِيرَاثِ عَلَى الْقَاتِلِ؟ وَلَا نَصَّ يَصِحُّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ - قَدْ أَوْجَبَ الْمِيرَاثَ لِقَاتِلِ الْعَمْدِ: الزُّهْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمَا. ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ مَنْ تَعَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ وَقْتِهِ وَجَبَ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ أَبَدًا؟ وَأَيُّ نَصٍّ جَاءَ بِهَذَا؟ أَوْ أَيُّ عَقْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّ الْقَاتِلَ يُمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لِتَعَجُّلِهِ إيَّاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ؟ وَكُلُّ هَذَا كَذِبٌ وَظَنٌّ فَاسِدٌ وَتَخَرُّصٌ بِالْبَاطِلِ، وَيَلْزَمُهُمْ إنْ طَرَدُوا هَذَا الدَّلِيلَ السَّخِيفَ أَنْ يَقُولُوا فِيمَنْ غَصَبَ مَالَ مُوَرِّثِهِ: أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ فِي الْأَبَدِ، لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ. وَأَنْ يَقُولُوا فِي امْرَأَةٍ سَافَرَتْ فِي عِدَّتِهَا: أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ أَبَدًا. وَمَنْ تَطَيَّبَ فِي إحْرَامِهِ: أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ الطِّيبُ أَبَدًا. وَأَنْ يَقُولُوا فِيمَنْ اشْتَهَى شَيْئًا وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَأَكَلَهُ؛ أَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ - وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ - أَوْ وَهِيَ حَائِضٌ: أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامُ فِي الْأَبَدِ، وَتُحَرَّمَ تِلْكَ الْأَمَةُ أَوْ امْرَأَتُهُ فِي الْأَبَدِ، لِأَنَّهُ تَعَجَّلَ كُلَّ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَالثَّانِيَةُ - رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ ﵁ مُنْقَطِعَةٌ -: مِنْهَا: مَا حَدَّثَنَاهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْت لِلشَّعْبِيِّ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً فَجَاءَ آخَرُ فَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا؟ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا

стр. 3818

الْأُولَى، وَتَأْتَنِفُ مِنْ هَذِهِ عِدَّةً جَدِيدَةً، وَيُجْعَلُ صَدَاقُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَتَزَوَّجُهَا أَبَدًا وَيَصِيرُ الْأَوَّلُ خَاطِبًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَتُكْمِلُ عِدَّتَهَا الْأُولَى، وَتَسْتَقْبِلُ مِنْ هَذَا عِدَّةً جَدِيدَةً وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَيَصِيرُ كِلَاهُمَا خَاطِبَيْنِ - قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ هَذَيْنِ، فَإِنْ أَخْبَرْتُكَ بِرَأْيٍ فَبُلْ عَلَيْهِ. وَجَاءَ هَذَا عَنْ عُمَرَ مِنْ طُرُقٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يَتَّصِلُ، وَرُوِيَ خِلَافُهَا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا عَجَبَ أَعْجَبُ مِنْ تَعَلُّقِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِرِوَايَاتٍ مُنْقَطِعَةٍ عَنْ عُمَرَ قَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ فِيهَا، فَمَنْ جَعَلَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِلَا بُرْهَانٍ؟ وَثَانِيَةٌ - أَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ يَقِينًا مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ إذْ جَعَلَ مَهْرَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ امْرَأَةً نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا عُمَرُ، وَجَعَلَ مَهْرَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: نِكَاحُهَا حَرَامٌ، وَمَهْرُهَا حَرَامٌ. نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ نا أُبَيٌّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ نا يَزِيدُ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، أَوْ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ - شَكَّ دَاوُد فِي أَحَدِهِمَا - وَقَالَ: رُفِعَ إلَى عُمَرَ امْرَأَةٌ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَقَالَ: لَوْ أَنَّكُمَا عَلِمْتُمَا لَرَجَمْتُكُمَا، فَضَرَبَهُمَا أَسْوَاطًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ الْمَهْرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَالَ: لَا أُجِيزُ مَهْرًا لَا أُجِيزُ نِكَاحَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عُبَيْدُ بْنُ نَضْلَةَ إمَامٌ ثِقَةٌ. وَمَسْرُوقٌ كَذَلِكَ، فَلَا نُبَالِي عَنْ أَيِّهِمَا رَوَاهُ - وَقَدْ ثَبَتَ دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَلَى أَنَّهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِلَا شَكٍّ. قَالَ عَلِيٌّ: فَخَالَفُوهُ فِي جَعْلِ مَهْرِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ، فَهَانَ عَلَيْهِمْ خِلَافُهُ فِي الْحَقِّ، وَاتَّبَعُوهُ فِيمَا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَوْرَدْنَا. وَثَالِثَةٌ - وَهِيَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ رُجُوعُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ

стр. 3819

الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: مَهْرُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ - يَعْنِي الَّتِي نُكِحَتْ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ بِهَا الَّذِي نَكَحَهَا. - وَقَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي أَشْعَثُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ لَهَا مَهْرَهَا، وَجَعَلَهُمَا يَجْتَمِعَانِ. فَأَيُّ شَيْءٍ أَعْجَبُ مِنْ تَمَادِيهِمَا عَلَى خِلَافِ عُمَرَ فِي الثَّابِتِ عَنْهُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ مَهْرَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَعَلَى قَوْلِهِ قَدْ رَجَعَ عُمَرُ عَنْهَا - وَكَفَى بِهِمَا خَطَأً. وَرَابِعَةٌ - أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نَا ابْنُ مُفَرِّجٍ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْجَابِيَةِ نَكَحَتْ عَبْدَهَا فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا وَقَالَ لَهَا: لَا يَحِلُّ لَك مُسْلِمٌ بَعْدَهُ. فَهَذَا أَصَحُّ سَنَدٍ عَنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وَلَجُّوا فِي الْخَطَأِ تَقْلِيدًا لِخَطَأِ مَالِكٍ بَعْدَ رُجُوعِ عُمَرَ عَنْهُ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُهُمْ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَوَجَدَهَا حَامِلًا مِنْ زَوْجٍ كَانَ لَهَا فَمَاتَ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا، فَإِنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَلَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَقَالُوا: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا فَدَخَلَ بِهَا فَوَطِئَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ مِنْ زِنًى أَوْ مِنْ غَصْبٍ كَانَ بِهَا قَبْلَ نِكَاحِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، مَا نَدْرِي لِمَاذَا؟ وَقَالُوا: مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً أُعْتِقَتْ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ حَيْضَةً بَعْدَ عِتْقِهَا فَدَخَلَ بِهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ فِي الْأَبَدِ - فَلَجُّوا هَذَا اللَّجَاجَ الْفَاسِدَ. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ قَالُوا: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ قَائِمٌ حَيٌّ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ يَظُنَّانِ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أَوْ يُوقِنَانِ بِحَيَاتِهِ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَطِئَهَا: أَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ فِي الْأَبَدِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ مَاتَ. وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَعْجِلُ قَبْلَ الْوَقْتِ بِلَا شَكٍّ. وَقَالُوا: مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ فِي الْأَبَدِ، فَرَأَوْا الزِّنَا أَخَفَّ مِنْ زَوَاجِ

стр. 3820

الْجَاهِلِ فِي الْعِدَّةِ - وَرَأَوْا مَا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا إثْمَ لِلْجَهَالَةِ أَغْلَظَ مِنْ الْحَرَامِ الْمُتَيَقَّنِ - فَهَلْ فِي الْعَجَبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. [مَسْأَلَة مِنْ أنفسخ نِكَاحهَا بَعْد صِحَّته بِمَا يُوجِبُ فسخه] ١٨٤٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ بِمَا يُوجِبُ فَسْخَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى كُلُّهُ، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فَالصَّدَاقُ وَاجِبٌ لَهَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ - وَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ - فَإِذَا انْفَسَخَ فَحَقُّهَا فِي الصَّدَاقِ بَاقٍ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَا فَرْقَ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا فِي الْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ فَإِنَّمَا قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِعْلُ الْمُطَلِّقِ، وَالْفَسْخَ لَيْسَ فِعْلَهُ، فَلَا تَشَابُهَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ، بَلْ الْفَسْخُ بِالْمَوْتِ أَشْبَهُ، لِأَنَّهُمَا يَقَعَانِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْقَطَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ فِي بَعْضِ وُجُوهِ الْفَسْخِ إذَا جَاءَ الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِهَا - فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة إذَا طَلَّقَتْ الْمَرْأَة قَبْل الدُّخُول] ١٨٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ الَّذِي سُمِّيَ لَهَا - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَطَأْهَا - طَالَ مُقَامُهُ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَطُلْ - هَذَا فِي كُلِّ مَهْرٍ كَانَ بِصِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَدَدٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، أَوْ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ، أَوْ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ إنْ وُجِدَ صَحِيحًا، وَسَوَاءٌ كَانَ تَزَوَّجَهَا بِصَدَاقٍ مُسَمًّى فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَرَاضَيَا، فَقُضِيَ لَهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا اخْتِلَافٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ فِي دُخُولِهِ بِهَا وَلَمْ يَطَأْهَا، وَفِي ضَيَاعِ الْمَهْرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الصَّدَاقِ مَفْرُوضًا فِي الْعَقْدِ وَبَيْنَ تَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ الْحُكْمِ لَهَا بِهِ عَلَيْهِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الصَّدَاقِ مَفْرُوضًا فِي الْعَقْدِ، وَبَيْنَ تَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ الْحُكْمِ لَهَا بِهِ عَلَيْهِ
следующие страницы →