Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، هَاهُنَا عَمَّ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ نا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ: سَيِّدُهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَا طَلَاقَ لِعَبْدٍ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُجِزْهُ سَيِّدُهُ إنْ شَاءَ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ لِلْعَبْدِ طَلَاقًا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ - فَهَذَا قَوْلٌ.
وَقَوْلٌ ثَانٍ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلْنَا عُرْوَةَ - يَعْنِي أَبَاهُ - عَنْ رَجُلٍ أَنْكَحَ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ الْعَبْدِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إذًا ابْتَاعَهُ وَقَدْ أَنْكَحَهُ.
وَقَوْلٌ ثَالِثٌ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: أَنْتَزِعُ أَمَتِي مِنْ عَبْدِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَقَدْ أَنْكَحْتهَا إيَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْضِهِ، قُلْت: أَبَى إلَّا صَدَاقُهُ كُلُّهُ؟ قَالَ: هُوَ لَهُ كُلُّهُ، فَإِنْ أَبَى فَانْتَزِعْهَا إنْ شِئْت، وَمِنْ حُرٍّ أَنْكَحْتهَا إيَّاهُ - ثُمَّ رَجَعَ عَطَاءٌ فَقَالَ: لَا تَنْزِعْهَا مِنْ الْحُرِّ، وَإِنْ أَعْطَيْته الصَّدَاقَ، وَلَا تَسْتَخْدِمْهَا وَلَا تَبِعْهَا.
وَقَوْلٌ رَابِعٌ - مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعَةٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَنِكَاحُهُ حَرَامٌ، فَإِنْ نَكَحَ بِإِذْنِ مَوَالِيهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْفَرْجَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: إنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِامْرَأَتِهِ طَلَاقٌ إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا الْعَبْدُ وَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ أَمَةَ غُلَامِهِ، أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدًا كَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ جَارِيَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَطَلَّقَهَا فَبَتَّهَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا طَلَاقَ لَك فَارْتَجِعْهَا؛ فَأَبَى؟ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: نا مَعْمَرٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْعَبْدَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا تَرْجِعْ إلَيْهَا، وَإِنْ ضَرَبَ رَأْسَك.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إذَا أَنْكَحَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا.
стр. 4237
وَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَأَمَّا بِكَمْ تَحْرُمُ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ أَوْ الْحُرَّةُ؟ وَبِكَمْ تَحْرُمُ الْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْحُرِّ؟ فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ نا الْعُقَيْلِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ بِالنِّسَاءِ - يَعْنِي الطَّلَاقَ وَالْعِدَّةَ - قَالَ هَمَّامٌ: لَا أَشُكُّ فِيهِ وَلَا أَمْتَرِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثِ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: السُّنَّةُ بِالنِّسَاءِ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ عِيسَى عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالْمَرْأَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَدَاوُد، وَقَتَادَةَ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ دَاوُد: عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: عَنْ الْحَسَنِ، قَالُوا كُلُّهُمْ: الْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَالْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ، قَالَا جَمِيعًا: الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: يُطَلِّقُ الْمَمْلُوكُ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا، وَيُطَلِّقُ الْحُرُّ الْمَمْلُوكَةَ تَطْلِيقَتَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: تَبِينُ الْأَمَةُ مِنْ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِتَطْلِيقَتَيْنِ.
стр. 4238
قَالَ أَيُّوبُ: وَثَبَتَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ سَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْحُرَّةُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَطَلَاقُهَا ثَلَاثٌ، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَطَلَاقُهَا اثْنَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: نا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَالْأَعْمَشِ، قَالَ الْحَكَمُ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَأَلَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ عَمَّنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَطَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَنْ يَأْتِيَهَا؟ فَأَبَى، وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ فِيمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا؟ فَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهَا.
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ فَهُمْ: عَلِيٌّ - وَصَحَّ عَنْهُ - وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ إمَّا مُنْقَطِعٌ، وَإِمَّا عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، وَعِيسَى الْحَنَّاطِ - وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ - وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْ قَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَعَبِيدَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ - وَمُجَاهِدٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - بِخِلَافِ ذَلِكَ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ حُرًّا وَامْرَأَتُهُ أَمَةً طَلَّقَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَاعْتَدَّتْ حَيْضَتَيْنِ - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَامْرَأَتُهُ حُرَّةً طَلَّقَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَاعْتَدَّتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ: نا رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةُ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ غُلَامًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حُرَّةٌ - تَطْلِيقَتَيْنِ، فَسَأَلَ عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: لَا تَقْرَبْهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَضَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي مُكَاتَبٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حُرَّةٌ - تَطْلِيقَتَيْنِ: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - مِثْلُ قَوْلِ عُثْمَانَ، وَزَيْدٍ.
стр. 4239
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْحُرَّةُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَتَيْنِ، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ.
وَهُوَ قَوْلُ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، فَهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ - وَلَا يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِمْ - وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَسَائِرُ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحُكْمُ لِلرِّقِّ خَاصَّةً - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
وَبِهِ يَقُولُ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى مِثْلِ قَوْلِنَا - كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّصْرِيُّ نا عِيسَى بْنُ حَبِيبٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي
стр. 4240
نا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ - مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ فَأَمَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَأَبَى؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ لَك فَاسْتَحَلَّهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ - وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: شَغَبَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: نا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ نا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ» قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: حَدَّثَنِي بِهِ مُظَاهِرٌ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» .
نا حُمَامٌ نا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ نا ابْنُ أَبِي غَسَّانَ نا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ نا عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُسْلِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» .
وَقَالُوا: لَمَّا اتَّفَقْنَا مَعَ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْعِدَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهَا نِصْفَ طَلَاقِ الْحُرَّةِ.
قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ حَدُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الزَّانِيَيْنِ: نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ - سَوَاءٌ زَنَيَا بِحُرٍّ أَوْ بِحُرَّةٍ، أَوْ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَلَمَّا كَانَ حَدُّ الْأَمَةِ الْقَاذِفَةِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلِلْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ: نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ لَهَا كَذَلِكَ - مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَثَرَانِ سَاقِطَانِ -: لِأَنَّ أَحَدَهُمَا - مِنْ طَرِيقِ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَفِي الثَّانِي - عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُسْلِيُّ، وَعَطِيَّةُ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ.
ضَعَّفَ مُظَاهِرًا: أَبُو عَاصِمٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ، وَالْبُخَارِيُّ.
وَضَعَّفَ عَطِيَّةَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَضَعَّفَ عُمَرَ بْنَ شَبِيبٍ: ابْنُ مَعِينٍ، وَالسَّاجِيُّ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِمَا.
стр. 4241
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ الطَّلَاقَ عَلَى الْقَذْفِ، وَالزِّنَا، وَالْعِدَّةِ، فَهَلَّا قَاسُوهُ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ.
مِنْ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي الْقَطْعِ وَفِي السَّرِقَةِ وَفِي الْحِرَابَةِ - كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَالْحُرِّ وَالْحُرَّةِ؟ لَا سِيَّمَا وَالْحَنَفِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ أَجَلَ الْعَبْدِ الْعِنِّينِ مِنْ زَوْجِهِ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ كَأَجَلِ الْحُرِّ، وَصِيَامَ الْعَبْدِ فِي الظِّهَارِ كَصِيَامِ الْحُرِّ، وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَذَلِكَ - فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ - فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: كَتَبَ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - أَنَّ غُلَامًا لَهَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ فَاسْتَفْتَتْ أُمَّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ ﵊: حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ» .
وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ حَدُّ الْعَبْدِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ نِصْفَ طَلَاقِ الْحُرِّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْقِيَاسُ - فَعَارَضَهُ قِيَاسُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَدَعْوَى بِلَا حُجَّةٍ؟
وَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا قِسْتُمْ طَلَاقَ الْعَبْدِ عَلَى مُسَاوَاتِهِ لِلْحُرِّ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ، وَعَلَى مَا أَبَاحَ لَهُ مَالِكٌ مِنْ زَوَاجِ أَرْبَعٍ كَالْحُرِّ، وَعَلَى مَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ أَجَلَهُ فِي الْإِيلَاءِ كَأَجَلِ الْحُرِّ، وَعَلَى صِيَامِهِ فِي الْكَفَّارَاتِ؟ لَا سِيَّمَا وَكُلُّهُمْ مُتَنَاقِضٌ إذَا احْتَجُّوا - بِزَعْمِهِمْ - لِكَوْنِ طَلَاقِ الْعَبْدِ، أَوْ الْأَمَةِ نِصْفَ طَلَاقِ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ.
وَقَدْ أَبْطَلُوا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ عِنْدَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: طَلْقَتَانِ، وَطَلَاقَ الْأَمَةِ عِنْدَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى: ثَلَاثًا - طَلَاقُ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ.
стр. 4242
وَمَا وَجَدْنَا حَدًّا يَكُونُ لِلْعَبْدِ ثُلُثَيْ حَدِّ الْحُرِّ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَقْدِرْ عَلَى طَلْقَةٍ وَنِصْفٍ؟ قُلْنَا: فَأَسْقِطُوا مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ وَحَرِّمُوهَا بِطَلْقَةٍ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ - فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّ ابْنَ سَمْعَانَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَجْهُولٌ - مَعَ أَنَّ هَذَا الْأَثَرَ السَّاقِطَ يُعَارِضُ ذَيْنك الْأَثَرَيْنِ السَّاقِطَيْنِ، فَهِيَ مُتَدَافِعَةٌ مُتَكَاذِبَةٌ، لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
وَتَاللَّهِ لَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا سَبَقُونَا إلَيْهِ، وَلَا إلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِالْبَاطِلِ لَا يَحِلُّ، كَمَا لَا تَحِلُّ مُخَالَفَةُ الْحَقِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الرِّقُّ فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنْ جَمَعُوا قِيَاسَ الطَّائِفَتَيْنِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ غَلَبَ الْحُرِّيَّةُ، وَهَلْ هِيَ إلَّا دَعْوَى كَدَعْوَى؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يُرَاجِعَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَرَى طَلَاقَ الْعَبْدِ شَيْئًا؟ قُلْنَا: قَدْ أَعَاذَ اللَّهُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ التَّدْلِيسِ، بَلْ رَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ: لَا طَلَاقَ لِلْعَبْدِ - وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو مَعْبَدٍ: أَنَّ طَلَاقَهُ جَائِزٌ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، فَإِذْ لَا نَصَّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ طَلَاقِ الْعَبْدِ، وَطَلَاقِ الْحُرِّ، وَلَا بَيْنَ طَلَاقِ الْأَمَةِ، وَطَلَاقِ الْحُرَّةِ: فَلَا يَحِلُّ تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْرُمُ إلَّا بِثَلَاثٍ - فِي حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، أَوْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ -: بِالدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
стр. 4243
[الْخُلْعُ] [ مَسْأَلَةٌ الْخُلْعُ إذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا]
ُ - مَسْأَلَةٌ: الْخُلْعُ، وَهُوَ: الِافْتِدَاءُ إذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، فَخَافَتْ أَنْ لَا تُوفِيَهُ حَقَّهُ، أَوْ خَافَتْ أَنْ يُبْغِضَهَا فَلَا يُوفِيهَا حَقَّهَا، فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْهُ وَيُطَلِّقَهَا، إنْ رَضِيَ هُوَ؟ وَإِلَّا لَمْ يُجْبَرْ هُوَ؟ وَلَا أُجْبِرَتْ هِيَ؟ إنَّمَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا.
وَلَا يَحِلُّ الِافْتِدَاءُ إلَّا بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، أَوْ بِاجْتِمَاعِهِمَا، فَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِهِمَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيَرُدُّ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا، وَهِيَ امْرَأَتُهُ كَمَا كَانَتْ، وَيَبْطُلُ طَلَاقُهُ وَيُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِهَا فَقَطْ.
وَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ بِجَمِيعِ مَا تَمْلِكُ، وَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ، إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ آخِرَ ثَلَاثٍ، أَوْ تَكُونَ غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ.
فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ جَازَ ذَلِكَ أَحَبَّتْ أَمْ كَرِهَتْ - وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ مِنْهَا إلَيْهَا.
وَيَجُوزُ الْفِدَاءُ بِخِدْمَةٍ مَحْدُودَةٍ، وَلَا يَجُوزُ بِمَالٍ مَجْهُولٍ، لَكِنْ بِمَعْرُوفٍ مَحْدُودٍ، مَرْئِيٍّ، مَعْلُومٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ.
стр. 4244
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُلْعِ؟ فَلَمْ تُجِزْهُ طَائِفَةٌ، وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَجَازُوهُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ طَلَاقٌ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ طَلَاقًا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ: إنَّهُ طَلَاقٌ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ رَجْعِيٌّ كَمَا قُلْنَا؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ بَائِنٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا أَصْدَقَهَا، لَا بِأَكْثَرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إلَّا مَعَ خَوْفِ نُشُوزِهِ وَإِعْرَاضِهِ، أَوْ أَنْ لَا تُقِيمَ مَعَهُ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إلَّا بِأَنْ يَجِدَ عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إلَّا بِأَنْ تَقُولَ: لَا أُطِيعُ لَك أَمْرًا، وَلَا أَغْتَسِلُ لَك مِنْ جَنَابَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخُلْعِ الْفَاسِدِ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُنَفَّذُ وَيَتِمُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُرَدُّ وَيُفْسَخُ -:
فَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ - فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ قَالَ سَأَلْت بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ الْخُلْعِ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا؟ قُلْت: فَقَوْلُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قَالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّاسِخَ لَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا -: بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نا حَمَّادٌ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:
стр. 4245
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» .
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نا الْمَخْزُومِيُّ - هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ - نا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمُنْتَزِعَاتُ وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» . قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَسَقَطَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ أَنْ نَحْتَجَّ بِذَلِكَ الْخَبَرِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الْأَوَّلُ - فَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْخُلْعِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ الْوَعِيدُ عَلَى السَّائِلَةِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ - وَهَكَذَا نَقُولُ وَلَيْسَ فِي الْبَأْسِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُخَافَ أَلَّا يُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي الزَّوْجَةِ.
وَأَمَّا الْآيَتَانِ فَلَيْسَتَا بِمُتَعَارِضَتَيْنِ، إنَّمَا فِي الَّتِي نَزَعَ بِهَا " بَكْرٌ " تَحْرِيمُ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ صَدَاقِهَا إثْمًا مُبِينًا وَبُهْتَانًا - وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ - وَلَيْسَ فِيهِمَا نَهْيٌ عَنْ الْخُلْعِ أَصْلًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: حُكْمُ الْخُلْعِ بِطِيبِ النَّفْسِ مِنْهَا فَلَيْسَ إثْمًا وَلَا عُدْوَانًا، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ نَاسِخٌ أَوْ مَنْسُوخٌ إلَّا بِنَصٍّ، بَلْ الْفَرْضُ الْأَخْذُ بِكِلَا الْآيَتَيْنِ لَا تَرْكُ إحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى - وَنَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِمَا - بِأَنْ نَسْتَثْنِيَ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَهَاتَانِ الْآيَتَانِ قَاضِيَتَانِ عَلَى كُلِّ مَا فِي الْخُلْعِ.
стр. 4246
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيِّ، وَرَبِيعٍ - هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ - كِلَاهُمَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَا يَكُونُ خُلْعٌ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ عَتِيقٍ - أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يَكُونُ الْخُلْعُ إلَّا حَتَّى يَعِظَهَا، فَإِنْ اتَّعَظَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا، فَإِنْ اتَّعَظَتْ وَإِلَّا ارْتَفَعَا إلَى السُّلْطَانِ، فَيَبْعَثُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ يَرْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى السُّلْطَانِ مَا يَسْمَعُ مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنْ رَأَى أَنْ يُفَرِّقَ فَرَّقَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْمَعَ جَمَعَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ عَلَى تَصْحِيحِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]
وَأَمَّا مَنْ قَالَ الْخُلْعُ لَيْسَ طَلَاقًا، فَاحْتَجَّ بِمَا - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رُبَيِّعَ ابْنَةَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ وَهِيَ تُخْبِرُ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ: أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ عَمُّهَا إلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ مُعَوِّذٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا الْيَوْمَ أَفَنَنْتَقِلُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَنَنْتَقِلُ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا لَهَا، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً - خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَعُثْمَانُ أَخْبَرُنَا وَأَعْلَمُنَا.
فَهَذَا عُثْمَانُ، وَالرُّبَيِّعُ - وَلَهَا صُحْبَةٌ - وَعَمُّهَا - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ - وَابْنُ عُمَرَ، كُلُّهُمْ لَا يَرَى فِي الْفَسْخِ عِدَّةً.
стр. 4247
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْخُلْعُ: تَفْرِيقٌ، وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، أَيَنْكِحُهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ، ذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَفِي آخِرِهَا، وَالْخُلْعُ بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ قَالَ: كَانَ أَبِي لَا يَرَى الْفِدَاءَ طَلَاقًا وَيُجِيزُهُ بَيْنَهُمَا - وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَا أَجَازَهُ الْمَرْءُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: رَأَيْت أَبِي كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ طَلَاقًا - وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا تَطْلِيقَةٌ - فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُمْهَانَ أَنَّ أُمَّ بَكْرَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدَ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَنَدِمَا فَارْتَفَعَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ - وَقَالَ: هِيَ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ سَمَّيْت شَيْئًا، فَهُوَ عَلَى مَا سَمَّيْت.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا تَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً إلَّا فِي فِدْيَةٍ أَوْ إيلَاءٍ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقٍ لَا تَصِحُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
стр. 4248
وَبِهَذَا يَقُولُ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا احْتِجَاجُ مَنْ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ، ثُمَّ الْخُلْعَ، ثُمَّ الطَّلَاقَ؟ فَنَعَمْ، هُوَ فِي الْقُرْآنِ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ طَلَاقًا، وَلَا أَنَّهُ طَلَاقٌ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَنَظَرَنَا فِي ذَلِكَ - فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ «حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّةِ، فَذَكَرَتْ اخْتِلَاعَهَا مِنْ زَوْجِهَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِثَابِتٍ: خُذْ مِنْهَا؟ فَأَخَذَ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيِّ حَدَّثَنِي شَاذَانُ بْنُ عُثْمَانَ أَخُو عَبْدَانَ نا أُبَيٌّ نا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «أَنَّ رُبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ - فَذَكَرَتْ اخْتِلَاعَ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مِنْهُ - وَأَنَّ أَخَاهُ شَكَاهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ: خُذْ الَّذِي لَهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «اخْتَلَعَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مِنْ زَوْجِهَا فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً» ، قَالُوا: فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ طَلَاقًا، لَكِنَّهُ فَسْخٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا فَسَاقِطٌ، لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ - وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ - وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَأَمَّا خَبَرُ الرُّبَيِّعِ وَحَبِيبَةَ - فَلَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمَا لَكَانَا حُجَّةً قَاطِعَةً.
لَكِنْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ نا خَالِدٌ - هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ
стр. 4249
النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» فَكَانَ هَذَا الْخَبَرُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا، وَإِذْ هُوَ طَلَاقٌ ذَكَرَ اللَّهُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، فَهُوَ زَائِدٌ - عَلَى مَا فِي حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ - وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ - لَا يَجُوزُ لَهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ، لِأَنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ: إذَا خَالَفَ الصَّاحِبُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ أَوْ ضَعْفِهِ، كَمَا فَعَلُوا فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» .
وَهَذَا الْخَبَرُ لَمْ يَأْتِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّابِتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ طَلَاقًا.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَلْتَفِتُ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، إنَّمَا هُوَ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا بِهِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ الْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ أَوْ رَجْعِيٌّ]
وَأَمَّا هَلْ الْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ أَوْ رَجْعِيٌّ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ آنِفًا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: كَانَ
стр. 4250
عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ فِي الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا بِمَالِهَا: يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَخَالَفَ ذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ طَلَّقَ بَعْدَ الْفِدَاءِ: لَا يُحْسَبُ شَيْئًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَا يَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا - اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي رَجُلٍ اخْتَلَعَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخُلْعِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ شَيْئًا، قَالَا جَمِيعًا: أَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ؟ إنَّمَا طَلَّقَ مَنْ لَا يَمْلِكُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَزَعَمَ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْفِدَاءِ جَازَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ وَيَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ وَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ فِي الْعِدَّةِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ -: فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَةِ: إنْ شَاءَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَلْيَرْدُدْ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا فِي الْعِدَّةِ، وَلْيُشْهِدْ عَلَى رَجْعَتِهَا - قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ ذَلِكَ - قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَا يُرَاجِعُهَا إلَّا بِخِطْبَةٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَقَالَ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فَلَا يَجُوزُ خِلَافُ ذَلِكَ.
وَمَا وَجَدْنَا قَطُّ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَنْ رَسُولِهِ ﷺ طَلَاقًا بَائِنًا لَا
стр. 4251
رَجْعَةَ فِيهِ، إلَّا الثَّلَاثُ مَجْمُوعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً، أَوْ الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا، وَلَا مَزِيدَ - وَأَمَّا عَدَا ذَلِكَ فَآرَاءٌ لَا حُجَّةَ فِيهَا.
وَأَمَّا رَدُّهُ مَا أَخَذَ مِنْهَا فَإِنَّمَا أَخَذَهُ لِئَلَّا تَكُونَ فِي عِصْمَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ لَهَا مُرَادُهَا فَمَالُهَا - الَّذِي لَمْ تُعْطِهِ إلَّا لِذَلِكَ - مَرْدُودٌ عَلَيْهَا، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ عَلَيْهَا أَنَّهَا طَلْقَةٌ لَهُ الرَّجْعَةُ فِيهَا، فَتَرْضَى، فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهَا شَيْئًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ الْفِدَاءُ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الْفِدَاءُ إلَّا بِمَا أَصْدَقَهَا لَا بِأَكْثَرَ -: فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا فَوْقَ مَا أَعْطَاهَا.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَفِيهِ لَيْثٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَا: نا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عَطَاءٌ: إنْ أَخَذَ زِيَادَةً عَلَى صَدَاقِهَا، فَالزِّيَادَةُ مَرْدُودَةٌ إلَيْهَا - وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا أَبُو بَكْرٍ - هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - نَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا فَلَمْ يُسَرِّحْ بِإِحْسَانٍ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَانَتْ الْقُضَاةُ لَا تُجِيزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا إلَّا مَا سَاقَ إلَيْهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ عِمْرَانَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ فِدَاءِ امْرَأَتِهِ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا سَاقَ إلَيْهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا.
стр. 4252
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَاهَا.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَاهَا حَتَّى يَدَعَ لَهَا مَا يُغْنِيهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَأْخُذُ مِنْهَا كُلَّ مَا مَعَهَا فَمَا دُونَ ذَلِكَ إذَا تَرَاضَيَا بِهِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ امْرَأَةً نَشَزَتْ عَلَى زَوْجِهَا فَرَفَعَهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لِزَوْجِهَا: اخْلَعْهَا وَلَوْ مِنْ قُرْطِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ تَمْلِكُهُ فَخَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَجَازَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِقَاصَ رَأْسِهَا فَمَا دُونَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ جَاءَتْهُ مَوْلَاةٌ لِامْرَأَتِهِ اخْتَلَعَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَهَا وَكُلِّ ثَوْبٍ لَهَا حَتَّى مِنْ نُقْبَتِهَا - وَصَحَّ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُجَاهِدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَتَصَدَّقْ الزِّيَادَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى -: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: «أَتَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُبْغِضُ زَوْجِي وَأُحِبُّ فِرَاقَهُ؟ قَالَ: فَتَرُدِّينَ إلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَصْدَقَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَزِيَادَةً مِنْ مَالِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا زِيَادَةٌ مِنْ مَالِكِ فَلَا، وَلَكِنْ الْحَدِيقَةَ، قَالَتْ: نَعَمْ فَقَضَى ﵊ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ» .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ أَنْ يَقُولُوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي مُرْسَلٍ - فَسَقَطَ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ.
ثُمَّ نَظَرَنَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي - فَوَجَدْنَا: مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا
стр. 4253
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْخُلْعِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» وَهَذَا مُرْسَلٌ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
وَلَمْ نَجِدْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُتَعَلَّقًا أَصْلًا.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَخْذُهُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا أَعْطَاهَا فِي صَدَاقِهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا فَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَوَاجِبٌ رَدُّهُ إلَيْهَا كَمَا قَالَ عَطَاءٌ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلِمَ أَمَرُوهُ بِالصَّدَقَةِ بِالزِّيَادَةِ دُونَ سَائِرِ مَالِهِ - وَهَذَا ظَاهِرُ الْخَطَأِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثَّابِتَ بِدَعْوَاهُمْ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ بِكَلَامٍ سَاقِطٍ مُتَنَاقِضٍ، مُخَالِفٍ لِمَا فِي الْقُرْآنِ، لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ إلَّا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَطْ - فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وَمِنْ الْعَجَبِ تَمْوِيهُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَعَمْ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا آتَاهَا شَيْئًا، إلَّا أَنْ تَطِيبَ نَفْسُهَا بِهِ - ثُمَّ حُكْمٌ آخَرُ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عُمُومٌ لَا يَحِلُّ تَخْصِيصُهُ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى فَلَمْ يُسَرِّحْ بِإِحْسَانٍ؟ فَقُلْنَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِهِ كُلَّ مَا أَعْطَاهَا أَوْ بَعْضَ مَا أَعْطَاهَا أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَيْرَ مُسَرِّحٍ بِإِحْسَانٍ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ ذَلِكَ حَيْثُ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَخْذَهُ، فَهُوَ مُسَرِّحٌ بِإِحْسَانٍ، وَلَوْ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ قَتْلَهَا لَكَانَ مُحْسِنًا فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَنْتُمْ تَمْنَعُونَ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ بِمَا لَا يَبْقَى لِنَفْسِهِ غِنًى بَعْدَهُ، وَمِنْ أَنْ يَصَّدَّقَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَتُبِيحُونَ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ مَالَهَا كُلَّهُ؟
стр. 4254
قُلْنَا: إنَّمَا نَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ الصَّدَقَةِ إلَّا بِمَا أَبْقَى غِنًى، وَبِأَنْ لَا يُصْدِقَهَا إزَارَهُ إذْ لَا غِنًى بِهِ عَنْهُ، وَجَاءَ النَّصُّ بِأَنْ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَوَقَفْنَا عِنْدَ كُلِّ ذَلِكَ وَلَمْ نَعْتَرِضْ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوَامِرِ رَسُولِهِ ﷺ بِالرَّأْيِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْحَالُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْفِدَاءُ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو قِلَابَةَ يَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فَجَرَتْ فَاطَّلَعَ زَوْجُهَا عَلَى ذَلِكَ فَلْيَضْرِبْهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا مَعْنًى لَهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ وَهِيَ مُحْصَنَةٌ حَلَّ لَهُ قَتْلُهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُسَدَّدٌ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: إنَّ أَبَا قِلَابَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَا يَقُولَانِ: لَا يَحِلُّ الْخُلْعُ حَتَّى يَجِدَ عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ الْبُيُوتِ مِنْ الْعِدَّةِ، لَا فِي الْخُلْعِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا حُمَيْدٌ أَنَّ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ سَأَلَ الْحَسَنَ عَمَّنْ رَأَى امْرَأَتَهُ يُقَبِّلُهَا رَجُلٌ غَيْرُهُ؟ قَالَ: قَدْ حَلَّ أَنْ يَخْلَعَهَا.
رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ - وَلَا يَصِحُّ - يَطِيبُ الْخُلْعُ لِلرَّجُلِ إذَا قَالَتْ: وَاَللَّهِ لَا أَبَرُّ لَك قَسَمًا، وَلَا أُطِيعُ لَك أَمْرًا، وَلَا أَغْتَسِلُ لَك مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا أُكْرِمُ لَك نَفْسًا - فِيهَا إسْرَائِيلُ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ جَابِرٍ - وَهُوَ كَذَّابٌ.
وَعَنْهُ أَيْضًا - مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى: يَحِلُّ خُلْعُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثًا إذَا أَفْسَدَتْ عَلَيْك ذَاتَ يَدِك، أَوْ دَعَوْتهَا لِتَسْكُنَ إلَيْهَا فَأَبَتْ، أَوْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِك.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ الْأَصْفَرُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ حَتَّى تَقُولَ الْمَرْأَةُ: وَاَللَّهِ لَا أُطِيعُ لَك أَمْرًا، وَلَا أَغْتَسِلُ لَك مِنْ جَنَابَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، قَالَ أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ
стр. 4255
الْخُلْعُ حَتَّى لَا تَغْتَسِلَ لَهُ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا تُطِيعُ لَهُ أَمْرًا، وَلَا تَبَرُّ لَهُ قَسَمًا، وَقَالَ الْآخَرُ: لَوْ فَعَلَتْ هَذَا كَفَرَتْ، وَلَكِنْ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَبَرُّ لَك قَسَمًا، وَلَا أَغْتَسِلُ لَك مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا أُطِيعُ لَك أَمْرًا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: الْخُلْعُ إذَا قَالَتْ: وَاَللَّهِ لَا أَغْتَسِلُ لَك مِنْ جَنَابَةٍ - وَكُلُّ هَذَا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ إذَا كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا.
مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الْفِدْيَةِ حَتَّى يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا، أَنْ تُظْهِرَ لَهُ الْبَغْضَاءَ، وَتُسِيءَ عِشْرَتَهُ وَتَعْصِيَ أَمْرَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْخُلْعِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ﴿أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ قَوْلَ السُّفَهَاءِ: لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَك مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ ﴿أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] تَعَالَى فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْخُلْعُ جَائِزٌ بِتَرَاضِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يُخَفْ مِنْهُمَا نُشُوزًا وَلَا إعْرَاضًا وَلَا خَافَا ﴿أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَمَّا الْخُلْعُ الْفَاسِدُ - فَقَدْ أَجَازَهُ قَوْمٌ: وَمَا أَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً، وَكَيْفَ يَجُوزُ عَمَلٌ فَاسِدٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا - وَهُوَ مُضَارٌّ بِهَا - فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ، وَجَازَ لَهُ مَا أَخَذَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا الْقَوْلِ عَجَبٌ، لَئِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَمَا يَحِلُّ لَهُ إذَا
стр. 4256
أَخَذَهُ، وَلَئِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ إذَا أَخَذَهُ: أَنَّهُ لِيَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ؟ - وَمَا عَدَا هَذَا فَوَسَاوِسُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا - وَهُوَ مُضَارٌّ لَهَا - فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ؟ وَهَذِهِ أَيْضًا مُنَاقَضَةٌ، لِأَنَّهُ إنْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَجَبَ لَهُ تَمَلُّكُ مَا أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ لَهُ تَمَلُّكُ مَا أَخَذَهُ عِوَضًا مِنْ الطَّلَاقِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ طَلَاقًا مُطْلَقًا، بَلْ طَلَاقًا بِعِوَضٍ، لَوْلَاهُ لَمْ يُطَلِّقْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إنْ أَخَذَهُ مِنْهَا وَهُوَ مُضَارٌّ لَهَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إلَّا بِرِضَاهَا؟ وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ لَهُ لَازِمًا، فَاَلَّذِي أَخَذَ لَهُ مِلْكٌ، إلَّا إنْ كَانَ يَقُولُ: إنَّ طَلَاقَ الْخُلْعِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ؟ فَقَدْ قُلْنَا: إذَا لَمْ يَصِحَّ الْعِوَضُ الَّذِي لَمْ يُعْقَدْ الطَّلَاقُ إلَّا عَلَيْهِ: لَمْ يَصِحَّ الطَّلَاقُ الَّذِي لَا وُقُوعَ لَهُ بِصِحَّةِ مِلْكِ الْمُطَلِّقِ لِمَا أَخَذَ عِوَضًا مِنْ الطَّلَاقِ.
وَقَوْلُ عَطَاءٍ أَنَّهُ إنْ افْتَدَتْ مِنْهُ وَكَانَتْ لَهُ مُطَاوِعَةً فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَمَالُهَا لَهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَةُ فَتَذْهَبَ -: رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، فَهُوَ أَيْضًا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي بُطْلَانِ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَقَوْلُ طَاوُسٍ هُوَ الْحَقُّ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إنْ أَخَذَ فِدَاءَهَا - وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ - رَجَعَ إلَيْهَا مَالُهَا وَرَجَعَتْ إلَيْهِ، وَلَمْ تَذْهَبْ بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا - وَهَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ خَالَعَ عَلَى مَجْهُولٍ]
١٩٧٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ خَالَعَ عَلَى مَجْهُولٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هُوَ مَا يَجِبُ لَهُ عِنْدَهَا، وَلَا تَدْرِيهِ هِيَ، فَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ وَكُلُّ طَلَاقٍ لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَا صِحَّةَ لَهُ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذَا كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ فَلَمْ يُطَلِّقْ أَصْلًا - وَالْعَجَبُ كُلُّهُ احْتِجَاجُهُمْ فِي خِلَافِ هَذَا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
قَالُوا: هَذَا عُمُومٌ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، عُمُومٌ لِمَا يَحِلُّ عَقْدُهُ وَمِلْكُهُ لَا لِلْحَرَامِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَفْتَدِيَ
стр. 4257
مِنْ زَوْجَتِهِ بِأَنْ يَزْنِيَ بِهَا مَتَى أَرَادَ، وَبِزِقِّ خَمْرٍ وَيَصِحُّ لَهُ مِلْكُهُ، وَبِأَنْ لَا يُصَلِّيَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ الْخُلْعُ عَلَى عَمَلٍ مَحْدُودٍ]
١٩٧٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالْخُلْعُ عَلَى عَمَلٍ مَحْدُودٍ جَائِزٍ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] هَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ مُبَاحًا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ فِيهِ بِالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ خَالَعَ امْرَأَتَهُ خُلْعًا صَحِيحًا]
١٩٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ خُلْعًا صَحِيحًا لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَإِسْكَانُهَا فِي الْعِدَّةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةً مَجْمُوعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً، وَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ عَنْهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَاقِهَا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَلِلْمُخَالِفِينَ هَاهُنَا أَقْوَالٌ طَرِيفَةٌ -: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا قَبْلَهُ - سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ النِّكَاحِ أَوْ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ.
قَالَ: فَإِنْ بَارَأَهَا عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِذَلِكَ عَنْهُ جَمِيعُ حُقُوقِهَا الَّتِي لَهَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ النِّكَاحِ خَاصَّةً كَالصَّدَاقِ وَالْمُتْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْ الْمَهْرَ فَهُوَ لَهَا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا.
قَالَ: وَلَا يَبْرَأُ مِنْ نَفَقَتِهَا وَإِسْكَانِهَا فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَبْرَأَتْهُ فِي عَقْدِ الْخُلْعِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى مُدَّةَ عِدَّتِهَا بَرِئَ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ السُّكْنَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إيرَادُ هَذَا التَّقْسِيمِ يُغْنِي مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ افْتَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَبِيعَهُ بِنِصْفِ
стр. 4258
الْمَهْرِ، فَلَوْ سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ صَدَاقِهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا بَقِيَ.
وَهَذَا كَلَامٌ يُغْنِي ذِكْرُهُ عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ صُرَاحٌ وَإِسْقَاطُ حَقٍّ لَمْ تُسْقِطْهُ.
وَالْعَجَبُ مِنْ إسْقَاطِهِمْ أَلْفَ دِينَارٍ لَهَا قِبَلَهُ مِنْ صَدَاقِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا افْتَدَتْ مِنْهُ بِدِينَارٍ، وَلَا يُسْقِطُونَ عَنْهُ بِذَلِكَ دِرْهَمًا اسْتَقْرَضَتْهُ مِنْهُ - وَهَذِهِ تَخَالِيطُ نَاهِيك بِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْ الْمَجْنُونَةِ وَلَا عَنْ الصَّغِيرَةِ أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ]
١٩٧٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِعَ عَنْ الْمَجْنُونَةِ وَلَا عَنْ الصَّغِيرَةِ أَبٌ، وَلَا غَيْرُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
فَمُخَالَعَةُ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ أَوْ السُّلْطَانِ عَنْ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ كَسْبٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ - وَاسْتِحْلَالُ الزَّوْجِ مَالَهَا بِغَيْرِ رِضًا مِنْهَا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، فَهُوَ حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْخُلْعُ عَلَى أَنْ تُبْرِيَهُ مِنْ نَفَقَةِ]
١٩٧٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْخُلْعُ عَلَى أَنْ تُبْرِيَهُ مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا أَوْ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا - وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، وَقَدْ يَزِيدُ السِّعْرُ وَقَدْ يَنْقُصُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا بَعْدُ، فَمُخَالَعَتُهَا بِمَا لَا تَمْلِكُهُ بَاطِلٌ وَظُلْمٌ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا - إجَازَةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ تُخَالِعَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ - وَهُمَا مُسْلِمَانِ
وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ النِّكَاحِ بِثَمَرَةٍ ظَاهِرَةٍ قَبْلَ أَنْ تَنْضَجَ، وَبِزَرْعٍ لَمْ يُسَنْبِلْ وَهُوَ يُجِيزُ الْخُلْعَ عَلَى مَا يُثْمِرُ نَخْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرَةٌ، وَلَا يَرَى لَهَا غَيْرَ ذَلِكَ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. .
стр. 4259
[الْمُتْعَةُ] [ مَسْأَلَةٌ الْمُتْعَةُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُطَلِّقٍ]
ُ ١٩٨٠ - مَسْأَلَةٌ: الْمُتْعَةُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُطَلِّقٍ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - أَوْ آخَرَ ثَلَاثٍ - وَطِئَهَا أَوْ لَمْ يَطَأْهَا - فَرَضَ لَهَا صَدَاقَهَا أَوْ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا شَيْئًا -: أَنْ يُمَتِّعَهَا، وَكَذَلِكَ الْمُفْتَدِيَةُ أَيْضًا وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ.
وَلَا مُتْعَةَ عَلَى مَنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ مِنْهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا يُسْقِطُ التَّمَتُّعَ عَنْ الْمُطَلِّقِ مُرَاجَعَتُهُ إيَّاهَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا مَوْتُهُ وَلَا مَوْتُهَا -.
وَالْمُتْعَةُ لَهَا أَوْ لِوَرَثَتِهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ يَضْرِبُ بِهَا مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ تَعَاسَرَ فِي الْمُتْعَةِ قَضَى عَلَى الْمُوسِرِ لَهَا سَوَاءٌ كَانَ عَظِيمَ الْيَسَارِ أَوْ زَادَ فَضْلَةٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ خَادِمٌ يَسْتَقِلُّ بِالْخِدْمَةِ.
وَعَلَى مَنْ لَا فَضْلَةَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِ أَهْلِهِ وَنَفْسِهِ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا بِالْعِرَاقِيِّ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الَّذِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الزَّكَاةِ ".
وَيَقْضِي عَلَى الْمُقِلِّ وَلَوْ بِمُدٍّ أَوْ بِدِرْهَمٍ - عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] فَعَمَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ وَلَمْ يَخُصَّ وَأَوْجَبَهُ لَهَا عَلَى كُلِّ مُتَّقٍ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِهَا -: فَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ: أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً -: رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ - ضَعِيفٌ
- وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ، وَمَالِكٍ.
стр. 4260
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُ مَنْ قَلَّدَهُ لِقَوْلِهِمْ هَذَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَهَا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ لَا عَلَى غَيْرِهِمْ؟ .
فَقُلْنَا لَهُمْ: فَهَبْكُمْ صَادِقِينَ فِي ذَلِكَ، أَتُوجِبُونَهَا أَنْتُمْ عَلَى مَنْ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ أَوْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، أَقَرُّوا بِخِلَافِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَبْطَلُوا احْتِجَاجَهُمْ الْمَذْكُورَ، وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، تَرَكُوا مَذْهَبَهُمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْمُتَّقِينَ، وَالْمُحْسِنِينَ - وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: شَهِدْت شُرَيْحًا وَأَتُوهُ مِنْ مَتَاعٍ، فَقَالَ: لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ؟ قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ قَالَ: لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ؟ قَالَ أَيُّوبُ: قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ، إنْ كَانَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ، قَالَ أَيُّوبُ: وَسَأَلَ عِكْرِمَةَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي طَلَّقْت امْرَأَتِي فَهَلْ عَلَيَّ مُتْعَةٌ؟ قَالَ: إنْ كُنْت مِنْ الْمُتَّقِينَ، فَنَعَمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مُسْلِمٍ هُوَ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ، فَهُوَ بِقَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَّقِينَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، وَإِيمَانِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُحْسِنِينَ - وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُخْلِدَهُ فِي النَّارِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ.
فَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي الْعَالَمِ فَهُوَ مُحْسِنٌ مُتَّقٍ، مِنْ الْمُحْسِنِينَ الْمُتَّقِينَ.
وَلَوْ لَمْ يَقَعْ اسْمُ " مُحْسِنٍ، وَمُتَّقٍ " إلَّا عَلَى مَنْ يُحْسِنُ وَيَتَّقِي فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ: لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مُحْسِنٌ، وَلَا مُتَّقٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ دُونَهُ مِنْ تَقْصِيرٍ، وَإِسَاءَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا مِنْ الْمُتَّقِينَ.
فَكَانَ عَلَى هَذَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] فَارِغًا وَلَغْوًا وَبَاطِلًا، وَهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وَ ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] وَالْمَعْنَى فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَلَا فَرْقَ.
فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
стр. 4261
نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] الَّتِي بَعْدَهَا ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] .
стр. 4262
قُلْنَا: لَا يُصَدَّقُ أَحَدٌ عَلَى إبْطَالِ حُكْمِ آيَةٍ مُنَزَّلَةٍ إلَّا بِخَبَرٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ شَيْءٌ يُخَالِفُ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا نَسَخَتْهَا؟ فَكِلْتَاهُمَا حَقٌّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ إلَّا لِلَّتِي طَلُقَتْ قَبْلَ أَنْ تُوطَأَ -، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقٌ - فَهَذِهِ تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ فَرْضًا.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا فُوِّضَ إلَى الرَّجُلِ فَطَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ؟ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمَتَاعُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى لِغَيْرِهَا الْمُتْعَةَ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.
إلَّا ` أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: لَا مُتْعَةَ عَلَى عَبْدٍ.
إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَهْرًا ثُمَّ فَرَضَ لَهَا مَهْرًا بِرِضَاهُ وَبِرِضَاهَا - وَقَدْ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي مَهْرَ الْمِثْلِ - ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَهْرَ يَبْطُلُ، وَلَا يَجِبُ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ.
стр. 4263
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فَاسِدٌ جِدًّا، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ: إسْقَاطُ فَرْضٍ أَمَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْتِزَامِهِ أَوْ إلْزَامِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ لَكَانَ قَوْلُهُ هَذَا حَقًّا، لَكِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] جَامِعٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَفْرُوضٌ لَهَا، أَوْ غَيْرُ مَفْرُوضٍ لَهَا، مَدْخُولٌ بِهَا، أَوْ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا - وَلَمْ يَقُلْ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الَّتِي نَزَعُوا بِهَا: أَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لِغَيْرِهَا؟ فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، إلَّا الَّتِي طَلُقَتْ قَبْلَ أَنْ تُمَسَّ وَقَدْ فَرَضَ لَهَا بِحَسَبِهَا نِصْفَ مَا فَرَضَ لَهَا.
بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ، إلَّا الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَا اللَّيْثُ، وَمَالِكٌ، قَالَا جَمِيعًا: أَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ - الَّتِي تَطْلُقُ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا وَقَدْ فَرَضَ لَهَا فَرِيضَةً فَحَسْبُهَا فَرِيضَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ.
وَرُوِّينَاهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذْ ذَكَرَ: أَنَّ لَهَا نِصْفَ مَا فُرِضَ لَهَا، لَمْ يَقُلْ: وَلَا مُتْعَةَ لَهَا.
стр. 4264
وَقَدْ أَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ بِقَوْلِهِ الصَّادِقِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَهَذِهِ مُطَلَّقَةٌ فَلَهَا الْمُتْعَةُ فَرْضًا مَعَ نِصْفِ مَا فُرِضَ لَهَا.
وَقَوْلٌ غَرِيبٌ - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْمَتَاعِ مَنْ لَا رِدَّةَ عَلَيْهِ، وَلَا تُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ، لَيْسَتْ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ - وَهَذَا قَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ، فَهُوَ سَاقِطٌ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ كَقَوْلِنَا - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُوسَى ابْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ عَنْ إيَاسِ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ الْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ؟ فَقَالَ ابْنِ شِهَابٍ: كُلُّ مُطَلَّقَةٍ فِي الْأَرْضِ لَهَا مَتَاعٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لِلْمُخْتَلِعَةِ الْمُتْعَةُ، الَّتِي جَمَعَتْ، وَاَلَّتِي لَمْ تَجْمَعْ سَوَاءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ وَتَلَا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لِكُلِّ امْرَأَةٍ افْتَلَتَتْ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ.
стр. 4265
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادٍ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لِلْمُخْتَلِعَةِ الْمُتْعَةُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: لِلْمَمْلُوكَةِ، وَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ: الْمُتْعَةُ إذَا طَلُقَتْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ عَجَائِبِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ - أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْعِدَّةَ -: عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ الزَّوْجَاتِ - وَعَلَى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَوْطُوءَةٍ مِنْهُنَّ - وَعَلَى الْمُعْتَقَةِ الْمُخْتَارَةِ فِرَاقَ زَوْجِهَا - وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَاتِ جُمْلَةً.
فَقَاسُوا بِآرَائِهِمْ كُلَّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، لَكِنْ وُطِئَتْ بِعَقْدٍ مَفْسُوخٍ فَاسِدٍ، لَا يُوجِبُ مِيرَاثًا عَلَى الزَّوْجَةِ الصَّحِيحَةِ الزَّوَاجِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ عَلَيْهِمَا.
وَأَسْقَطُوا كَثِيرًا مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ عَنْ إيجَابِ الْمُتْعَةِ لَهُنَّ، فَهَلْ سُمِعَ بِأَعْجَبَ مِنْ فَسَادِ هَذَا الْعَمَلِ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
وَأَمَّا مِقْدَارُ الْمُتْعَةِ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: أَدْنَى مَا أَرَاهُ يَجْزِي فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَعْلَى الْمُتْعَةِ؛ الْخَادِمُ، وَدُونَ ذَلِكَ: النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ - قَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ يَمْنَعُهَا عَلَى قَدْرِ الْمَيْسَرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لِلْمُتْعَةِ وَقْتًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَعْلَى مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُتْعَةِ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَدْنَى ذَلِكَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
стр. 4266
وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؟ وَهَبْكَ أَنَّهُ قَاسَ الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ؟ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ قَاسَ الْخَمْسَةَ دَرَاهِمَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ الْمُتْعَةَ إلَى الْمُتَمَتِّعِ لَوَقَفْنَا عِنْدَ أَمْرِهِ وَأَلْزَمْنَاهُ ذَلِكَ؟ كَمَا يَفْعَلُ فِي إيتَاءِ الْمُكَاتِبِ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ لَكِنَّهُ تَعَالَى أَلْزَمَهُ عَلَى قَدْرِ الْيَسَارِ وَالْإِقْتَارِ، فَلَزِمَنَا فَرْضًا أَنْ نَجْعَلَ مُتْعَةَ الْمُوسِرِ غَيْرَ مُتْعَةِ الْمُقْتِرِ وَلَا بُدَّ - وَلَمْ نَجِدْ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدًّا وَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ، فَوَجَبَ بِهَذَا الرُّجُوعُ إلَى مَا صَحَّ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي ذَلِكَ، كَمَا فَعَلْنَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَمَا كَانَ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ، فَهُوَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِلَا شَكٍّ، إذْ لَا بُدَّ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ بَيَانٍ، فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ ﵃ الْمُوسِرُ الْمُتَنَاهِي، كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ مُوسِرَيْنِ دُونَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ وُجُوبَ الرُّجُوعِ إلَى مَا رَآهُ الصَّحَابَةُ ﵃ أَنَّهُ مُتْعَةٌ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قُلْنَا فِي النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ، إذْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وَقَدْ وَافَقَنَا الْمُخَالِفُونَ عَلَى هَذَا، وَكِلَا النَّصَّيْنِ وَاجِبٌ اتِّبَاعُهُ.
وَمَا أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ أَنَا ابْنُ مُفَرِّحٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِي الْعَلَّافُ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ نَفْسِهَا قَالَتْ: طَلَّقَنِي أَبُو عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْيَمَنِ وَوَكَّلَ بِهَا عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا عَيَّاشٌ بَعْضَ النَّفَقَةِ، فَسَخِطَتْهَا؟ فَقَالَ لَهَا عَيَّاشٌ: مَا لَك عَلَيْنَا نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلِيهِ؟ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا قَالَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ، وَلَكِنْ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَاخْرُجِي عَنْهُمْ» ، وَذَكَرَتْ بَاقِي الْخَبَرَ.
стр. 4267
فَهَذَا غَايَةُ الْبَيَانِ - أَنَّ الْمُتْعَةَ مَرْدُودَةٌ إلَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْت حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهِ - هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ، مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْفَوَاضِلِ لَهَا صُحْبَةٌ - أَنَّهَا قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى جَارِيَةٍ سَوْدَاءَ حَمَّمَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ امْرَأَتَهُ أُمَّ أَبِي سَلَمَةَ حِينَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ. قَالَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: الْعَرَبُ تُسَمِّي " الْمُتْعَةَ " التَّحْمِيمَ.
فَقَدْ اتَّفَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى أَنَّ مُتْعَةَ الْمُوسِرِ الْمُتَنَاهِي - خَادِمُ سَوْدَاءُ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مُحْسِنٌ، كَمَا فَعَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ لِلْخِدْمَةِ فَلَيْسَتْ خَادِمًا، فَعَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ يُجْبَرُ الْمُوسِرُ إذَا أَبَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ - فَيُجْبَرُ عَلَى ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتِهَا إذْ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا رُوِّينَا آنِفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ إذْ رَأَيَا ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
وَأَمَّا الْمُقْتِرُ - فَأَقَلُّهُمْ مَنْ لَا يَجِدُ قُوتَ يَوْمِهِ، أَوْ لَا يَجِدُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا لَا
стр. 4268
يُكَلَّفُ حِينَئِذٍ شَيْئًا، لَكِنَّهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَجَدَ زِيَادَةً عَلَى قُوتِهِ كُلِّفَ أَنْ يُعْطِيَهَا مَا تَنْتَفِعُ بِهِ - وَلَوْ فِي أَكْلَةِ يَوْمٍ - كَمَا أَمَرَ اللَّهُ إذْ يَقُولُ: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4269
[الرَّجْعَةُ] [ مَسْأَلَةٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِأَخَرَ وَطِئَهَا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا]
ُ ١٩٨١ - مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الرَّجْعَةِ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَاعْتَدَّتْ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ زَوْجًا وَطِئَهَا فِي فَرْجِهَا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ - يَطَؤُهَا فِي فَرْجِهَا - إنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ طَلْقَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ تَبْقَى لَهُ فِيهَا طَلْقَةٌ هِيَ الثَّالِثَةُ.
стр. 4270
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّ الَّذِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ طَلَاقِ الْأَوَّلِ قَدْ هَدَمَ طَلَاقَهُ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ، فَإِنَّهُ يَهْدِمُ مَا دُونَهَا - فَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً فَاعْتَدَّتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا الثَّانِي، فَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَطَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ: أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ - وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَلِيٌّ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَحُمَيْدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، كُلَّهُمْ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهِ لَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ مِثْلُهُ - وَصَحَّ أَيْضًا: عَنْ ابْنِ عُمَرَ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَرُوِّينَا الْقَوْلَ الثَّانِي - مِنْ طُرُقٍ، مِنْهَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ
стр. 4271
عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نِكَاحٌ جَدِيدٌ، وَطَلَاقٌ جَدِيدٌ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَوَكِيعٍ، قَالَ وَكِيعٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ مَعْدِنِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نِكَاحٌ جَدِيدٌ، وَطَلَاقٌ جَدِيدٌ.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَشُرَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ، وَأَبِي يُوسُفَ -: فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ؟ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالُوا: إنَّنَا لَمْ نَخْتَلِفْ أَنَّ نِكَاحَ زَوْجٍ آخَرَ يَهْدِمُ الثَّلَاثَ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إذَا هَدَمَهَا فَإِنَّهُ قَدْ هَدَمَ الْوَاحِدَةَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَالِاثْنَيْنِ مِنْ جُمْلَتِهَا - وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَهْدِمَهَا مُتَفَرِّقَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقُلْنَا: لَمْ يَهْدِمْ قَطُّ طَلَاقًا، إنَّمَا هَدَمَ التَّحْرِيمَ الْوَاقِعَ بِتَمَامِ الثَّلَاثِ مُفَرَّقَةً أَوْ مَجْمُوعَةً فَقَطْ، وَلَا تُحَرَّمُ بِالطَّلْقَتَيْنِ وَلَا بِالْوَاحِدَةِ بِهَدْمِهِ.
وَقُلْنَا لَهُمْ: أَنْتُمْ قَدْ حَمَّلْتُمْ الْعَاقِلَةَ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ، وَلَمْ تُحَمِّلُوهَا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا إذَا حُمِّلَتْ نِصْفَ الْعُشْرِ فَقَدْ حُمِّلَتْ فِي جُمْلَتِهِ أَقَلَّ مِنْهُ؟ فَقَالُوا: إنَّمَا حَمَّلْنَاهَا مَا ثَقُلَ؟ فَقُلْنَا: وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ نَصَّفَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا هُوَ الثِّقَلُ دُونَ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ هُوَ الثِّقَلُ أَوْ الْكُلُّ.
وَأَيْضًا - فَرُبَّ جَانٍّ يَعْظُمُ عَلَيْهِ وَيَثْقُلُ رُبُعُ عُشْرِ الدِّيَةِ، لِقِلَّةِ مَالِهِ، وَآخَرَ تَخِفُّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ كُلُّهَا لِكَثْرَةِ مَالِهِ.
ثُمَّ السُّؤَالُ بَاقٍ عَلَيْكُمْ، إذْ حَمَّلْتُمُوهَا مَا ثَقُلَ، فَالْأَوْلَى أَنْ تُحَمِّلُوهَا مَا خَفَّ وَكُلُّ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، إنَّمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] يَعْنِي فِي الثَّالِثَةِ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَلَا يَجُوزُ تَعَدِّي حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا]
١٩٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَهِيَ زَوْجَةٌ لِلَّذِي طَلَّقَهَا مَا
стр. 4272
لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، يَتَوَارَثَانِ، وَيَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَإِيلَاؤُهُ، وَظِهَارُهُ، وَلِعَانُهُ إنْ قَذَفَهَا، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَكِسْوَتُهَا، وَإِسْكَانُهَا.
فَإِذْ هِيَ زَوْجَتُهُ فَحَلَالٌ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا كَانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَأَنْ يَطَأَهَا، إذْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِمَنْعِهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى " بَعْلًا " لَهَا، إذْ يَقُولُ : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
стр. 4273
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ وَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مُرَاجِعًا لَهَا حَتَّى يَلْفِظَ بِالرَّجْعَةِ وَيُشْهِدَ، وَيُعْلِمَهَا بِذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ رَاجَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ فَلَيْسَ مُرَاجِعًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَرَّقَ بَيْنَ الْمُرَاجَعَةِ، وَالطَّلَاقِ وَالْإِشْهَادِ، فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُ بَعْضِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ، وَكَانَ مَنْ طَلَّقَ وَلَمْ يُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، أَوْ رَاجَعَ وَلَمْ يُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، مُتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَقَالَ تَعَالَى فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
فَلِمَ أَجَزْتُمْ الْبَيْعَ الْمُؤَجَّلَ وَغَيْرَهُ إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] .
فَلِمَ أَجَزْتُمْ الدَّفْعَ إلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ إذَا بَلَغَ مُمَيِّزًا دُونَ إشْهَادٍ؟ قُلْنَا: لَمْ نُجِزْ دَعْوَاهُ لِلدَّفْعِ لَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ، وَقَضَيْنَا بِالْيَمِينِ عَلَى الْيَتِيمِ إنْ لَمْ يَأْتِ الْمَوْلَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى إنْ حَلَفَ حَانِثًا فَقَطْ.
стр. 4274
كَمَا جَعَلْنَا الْمَرْأَةَ الَّتِي لَمْ يَقُمْ لِلزَّوْجِ بَيِّنَةٌ بِطَلَاقِهَا، وَلَا بِرَجْعَتِهَا: عَاصِيَةً لِلَّهِ إنْ حَلَفَتْ حَانِثَةً، عَالِمَةً بِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا أَوْ رَاجَعَهَا.
وَأَمَّا إجَازَتُنَا الْبَيْعَ الْمُؤَجَّلَ وَغَيْرَهُ -، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا عَلَيْهِ - فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِذَا تَفَرَّقَا أَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَاخْتَارَ الْبَيْعَ فَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ " أَوْ كَمَا قَالَ ﵊ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَغَيْرِهِ بِنَصِّهِ، وَإِسْنَادِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَاصٍ لِلَّهِ إنْ لَمْ يُشْهِدْ فِي الْبَيْعِ الْمُؤَجَّلِ، وَغَيْرِهِ، وَفِي دَفْعِ الْمَالِ لِلْيَتِيمِ إذَا بَلَغَ مُمَيِّزًا، وَفِي طَلَاقِهِ، وَفِي رَجْعَتِهِ، إذَا لَمْ يَفْعَلْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ، أَيَكُونُ رَجْعَةً أَمْ لَا؟ نَعَمْ، وَفِيمَا دُونَ الْوَطْءِ -: فَرُوِّينَا عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْوَطْءَ رَجْعَةٌ - وَصَحَّ هَذَا أَيْضًا - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ. وَرُوِّينَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ -، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: إنْ نَوَى بِالْجِمَاعِ الرَّجْعَةَ فَهِيَ رَجْعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الرَّجْعَةَ فَلَيْسَ رَجْعَةً، قَالَا جَمِيعًا: وَأَمَّا مَا دُونَ النِّكَاحِ فَلَيْسَ رَجْعَةً، وَإِنْ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ؟
стр. 4275
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَقْسِيمٌ لَا حُجَّةَ عَلَى صِحَّتِهِ أَصْلًا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: الْجِمَاعُ رَجْعَةٌ - نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ - وَكَذَلِكَ اللَّمْسُ.
قَالَ سُفْيَانُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالنَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ رَجْعَةٌ.
قَالَ: فَلَوْ قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةٍ، أَوْ لَمَسَتْهُ لِشَهْوَةٍ - وَأَقَرَّ هُوَ بِذَلِكَ - فَهِيَ رَجْعَةٌ؟ فَلَوْ جُنَّ فَقَبَّلَهَا لِشَهْوَةٍ فَهِيَ رَجْعَةٌ، فَلَوْ جَامَعَتْهُ مُكْرَهَةً فَهِيَ رَجْعَةٌ، وَلَا يَكُونُ مَا دُونَ الْجِمَاعِ بِإِكْرَاهٍ رَجْعَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهَا شَرْعٌ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ لَهُ وَجْهٌ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ فِي السَّدَادِ حَظٌّ، وَلَا سَبَقَهُ إلَيْهَا أَحَدٌ نَعْلَمُهُ.
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ: الْوَطْءُ فَمَا دُونَهُ لَا يَكُونُ رَجْعَةً - نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ - وَلَا رَجْعَةَ إلَّا بِالْكَلَامِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَأْتِ بِأَنَّ الْجِمَاعَ رَجْعَةٌ: قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الرَّجْعَةَ بِالْكَلَامِ رَجْعَةٌ، فَلَا يَكُونُ رَجْعَةً إلَّا بِمَا صَحَّ أَنَّهُ رَجْعَةٌ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وَالْمَعْرُوفُ مَا عُرِفَ بِهِ مَا فِي نَفْسِ الْمُمْسِكِ الرَّادِّ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِالْكَلَامِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] إنَّمَا مَعْنَاهُ: مُقَارَبَةُ بُلُوغِ الْأَجَلِ.
следующие страницы →