Полный текст (5 355 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
أَحَدِهِمَا ضَرُورَةً، فَلَوْ كَانَ صَادِقًا لَمَا صَحَّ عَلَيْهِ حَدٌّ أَصْلًا - فَصَحَّ يَقِينًا، إذْ قَدْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الصَّادِقِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْكَذِبِ، إذْ لَيْسَ إلَّا صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَة كَافِرٌ قَذَفَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا]
٢٢٣٤ - مَسْأَلَةٌ: كَافِرٌ قَذَفَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ ذَكَرْنَا وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ كَافِرًا فَإِذَا قَذَفَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا، قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وُجُوبَ الْحُكْمِ عَلَى الْكُفَّارِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوبَ قَتْلِ مَنْ سَبَّ مُسْلِمًا مِنْ الْكُفَّارِ لِنَقْضِهِمْ الْعَهْدَ وَفَسْخِهِمْ الذِّمَّةَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . فَافْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى إصْغَارَهُمْ، فَإِذَا خَرَجُوا عَنْ الصَّغَارِ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ فَقَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ: حَلَالٌ، وَإِذَا سَبُّوا مُسْلِمًا فَقَدْ خَرَجُوا عَنْ الصَّغَارِ، وَأَصْغَرُوا الْمُسْلِمَ، فَقَدْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَا ذِمَّةَ لَهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا إِسْحَاقُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ عَنْ يَهُودِيَّةٍ افْتَرَتْ عَلَى مُسْلِمٍ؟ قَالَ: تُضْرَبُ الْحَدَّ.
وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْت الشَّعْبِيَّ ضَرَبَ نَصْرَانِيًّا قَذَفَ مُسْلِمًا، فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْحَدُّ - فَوَاجِبٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ قَاذِفٍ، وَالْقَتْلُ وَاجِبٌ كَمَا ذَكَرْنَا لِنَقْضِ الذِّمَّةِ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِمَا، إلَّا أَنْ يُسْلِمَا فَيُتْرَكَا عَنْ الْقَتْلِ لَا عَنْ الْحَدِّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلَّا أَوْقَفْتُمْ الْمَرْأَةَ وَلَمْ تَقْتُلُوهَا، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ؟ وَلِأَنَّهَا إذَا نَقَضَتْ ذِمَّتَهَا بِسَبِّ الْمُسْلِمِ فَقَدْ عَادَتْ حَرْبِيَّةً، وَإِذَا عَادَتْ حَرْبِيَّةً فَلَا ذِمَّةَ لَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ؟
стр. 5147
قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ حُكْمَ الْحَرْبِيِّ قَبْلَ التَّذَمُّمِ غَيْرُ حُكْمِهِ بَعْدَ نَقْضِهِمْ الذِّمَّةَ، لِأَنَّ حُكْمَهُمْ قَبْلَ التَّذَمُّمِ الْمُقَاتَلَةُ، فَإِذَا قَدَرْنَا عَلَيْهِمْ، فَإِمَّا الْمَنُّ وَإِمَّا الْفِدَاءُ، وَإِمَّا الْقَتْلُ، وَإِمَّا الْإِبْقَاءُ عَلَى الذِّمَّةِ - هَذَا فِي الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّسَاءِ حَاشَ الْقَتْلَ، وَأَمَّا بَعْدَ نَقْضِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ إلَّا الْقَتْلُ، أَوْ الْإِسْلَامُ فَقَطْ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] فَافْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى قِتَالَهُمْ بَعْدَ نَكْثِ أَيْمَانِهِمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ حَتَّى يَنْتَهُوا - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ الِانْتِهَاءُ هَاهُنَا عَنْ بَعْضِ مَا هُمْ عَلَيْهِ دُونَ جَمِيعِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، إذْ لَا دَلِيلَ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّنَا إذَا انْتَهَوْا عَنْ الْكُفْرِ فَقَدْ حُرِّمَتْ دِمَاؤُهُمْ، وَلَا نَصَّ مَعَنَا وَلَا إجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ انْتَهَوْا عَنْ بَعْضِ مَا هُمْ عَلَيْهِ دُونَ بَعْضٍ عَادُوا إلَى حُكْمِ الِاسْتِبْقَاءِ -.
وَقَدْ تَقَصَّيْنَا هَذَا فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ " فِي مَوَاضِعَ مِنْ دِيوَانِنَا وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُهَا إذَا أَتَتْ بَعْدَ الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ يُبِيحُ الدَّمَ مِنْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، وَقَتْلِ نَفْسٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا قَذَفَ الْكَافِرُ كَافِرًا فَلَيْسَ إلَّا الْحَدُّ فَقَطْ، عَلَى عُمُومِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَنْ قَذَفَ مُحْصَنَةً بِنَصِّ الْقُرْآنِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى كَافِرٍ إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، وَلَا عَلَى كَافِرَةٍ إذَا زَنَى بِهَا مُسْلِمٌ، وَلَا يَرَى الْحَدَّ عَلَى كَافِرٍ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ - ثُمَّ يَرَى الْحَدَّ عَلَى الْكَافِرِ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً، فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَحْكَامِ هَذِهِ الْحُدُودِ عِنْدَهُمْ؟
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْحَدَّ فِي الْقَذْفِ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِ؟
قُلْنَا لَهُمْ: وَقُولُوا أَيْضًا: إنَّ حَدَّ الْكَافِرِ إذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ حَقٌّ لِأَبِي تِلْكَ الْمُسْلِمَةِ، وَلِزَوْجِهَا، وَأُمِّهَا وَلَا فَرْقَ - وَالْعَجَبُ أَيْضًا مِمَّنْ قَطَعَ يَدَ الْكَافِرِ إذَا سَرَقَ مِنْ كَافِرٍ، ثُمَّ لَا يَحُدُّهُ لَهُ إذَا قَذَفَهُ، وَهَذِهِ عَجَائِبُ لَا نَظِيرَ لَهَا؟ خَالَفُوا فِيهَا نُصُوصَ الْقُرْآنِ، وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ الَّذِي إلَيْهِ يَدْعُونَ، وَبِهِ يَحْتَجُّونَ، إذْ فَرَّقُوا بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَقِيسُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَمْ يَجِدْك زَوْجُك عَذْرَاءَ]
٢٢٣٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: لَمْ يَجِدْك زَوْجُك عَذْرَاءَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا:
стр. 5148
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ قَذْفًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا، فَلَا يُلَاعِنُ بِهَذَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ قَذْفٌ، وَيُحَدُّ، وَيُلَاعِنُ الزَّوْجَ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: احْتَجَّ مَنْ رَآهُ قَذْفًا بِمَا نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ قَالَ: نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ نا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نا أُبَيٌّ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَذَكَرَ طَلْحَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ فَبَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَجِدْهَا عَذْرَاءَ فَرَفَعَ شَأْنَهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا الْجَارِيَةَ، فَقَالَتْ: بَلْ كُنْت عَذْرَاءَ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَتَلَاعَنَا، وَأَعْطَاهَا الْمَهْرَ» قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ رُوِيَ إلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ لِذَلِكَ مِنْ طَلْحَةَ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
وَالثَّانِي - أَنَّ طَلْحَةَ هَذَا لَمْ يَنْسُبْهُ وَهُوَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ، فَهُوَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْكَذِبِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَجْهُولٌ - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَذَهَابُ الْعُذْرَةِ يَكُونُ بِغَيْرِ الزِّنَى، أَوْ بِغَيْرِ وَطْءٍ كَوَقْعَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَهَابُ الْعُذْرَةِ زِنًى لَمْ يَكُنْ الرَّمْيُ بِهِ رَمْيًا، وَلَا قَذْفًا، فَإِذْ لَيْسَ رَمْيًا وَلَا قَذْفًا فَلَا حَدَّ فِيهِ، وَلَا لِعَانَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الْحَدَّ وَاللِّعَانَ بِالزِّنَى، لَا بِمَا سِوَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ - وَبِهَذَا نَقُولُ.
стр. 5149
[مَسْأَلَة التَّعْرِيض هَلْ فِيهِ حَدّ أَوْ تَحْلِيف]
ٌ، أَمْ لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا تَحْلِيفَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّعْرِيضِ أَفِيه حَدٌّ أَمْ لَا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ حَدُّ الْقَذْفِ كَامِلًا كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِدُ فِي التَّعْرِيضِ بِالْفَاحِشَةِ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ صَفْوَانَ، وَأَيُّوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاَلَّذِي حَدَّهُ عُمَرُ فِي التَّعْرِيضِ - هُوَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ - هَجَا وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فَعَرَّضَ بِهِ فِي هِجَائِهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ مُصَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ فِي التَّعْرِيضِ وَقَالَ: إنَّ حِمَى اللَّهِ لَا تُرْعَى حَوَاشِيهُ. وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ مَالِكٌ: عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ عَمْرٌو: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَتْ عَمْرَةُ، وَيَحْيَى: إنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَا أَبِي بِزَانٍ، وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، فَاسْتُفْتِيَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ قَائِلٌ: مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَدْحٌ سِوَى هَذَا، نَرَى أَنْ يُجْلَدَ الْحَدَّ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ.
стр. 5150
وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ - مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - أَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ جَلَدَ الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ. وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ جَلَدَ رَجُلًا الْحَدَّ كَامِلًا فِي أَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ ذَاتِ الدَّايَةِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ طَرِيفٍ الْعُكْلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ عَرَّضَ عَرَّضْنَا لَهُ بِالسَّوْطِ.
وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: مَنْ عَرَّضَ عَرَّضْنَا لَهُ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ فِي إمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَجُلٍ: إنَّك تُسَرِّي عَلَى جَارَاتِك؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا نَخَلَاتٍ كَانَ يَسْرِقُهُنَّ، فَحَدَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِإِيجَابِ الْحَدِّ فِي التَّعَرُّضِ يَقُولُ مَالِكٌ - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ أَيْضًا - وَقَالَ آخَرُونَ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ: كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرِ بْنِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: نَازَعَ رَجُلٌ رَجُلًا؟ فَقَالَ: أَمَّا أَبِي فَلَيْسَ بِزَانٍ، وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مَا نَرَى عَلَيْهِ حَدًّا، مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ؟ فَضَرَبَهُ عُمَرُ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَا حَدَّ إلَّا فِي اثْنَيْنِ: أَنْ يَقْذِفَ مُحْصَنَةً، أَوْ يَنْفِيَ رَجُلًا مِنْ أَبِيهِ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ،
стр. 5151
وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَا جَمِيعًا: لَيْسَ يُحَدُّ إلَّا فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي لَهَا مُصَرَّفٌ، وَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ. وَبِهِ - إلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا بَلَغَ الْحَدُّ لَعَلَّ وَعَسَى، فَالْحَدُّ مُعَطَّلٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَنَّ رَجُلًا شَاتَمَ رَجُلًا، فَقَالَ: يَا بْنَ شَامَّةَ الْوَذْرِ - يَعْنِي ذُكُورَ الرِّجَالِ - فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَشْهِدْ عَلَيْهِ، أَشْهِدْ عَلَيْهِ؟ فَرَفَعَهُ إلَى عُمَرَ، فَجَعَلَ الرَّجُلَ يَقَعُ فِي عُثْمَانَ فَيَنَالُ مِنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ عُثْمَانَ، فَجَعَلَ لَا يَنْزِعُ، فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: أَعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ عُثْمَانَ، وَسَأَلَ عَنْ أُمِّ الرَّجُلِ؟ فَإِذَا هِيَ قَدْ تَزَوَّجَتْ أَزْوَاجًا فَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - بِنْدَارٌ - نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ - نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ نا ابْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ نا سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَعَقَلْت رَاحِلَتِي، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَأَطْلَقَهَا فَجِئْت فَلَهَزْت فِي صَدْرِهِ وَقُلْت: يَا نَائِكَ أُمِّهِ، فَذَهَبَ بِي إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَامْرَأَتُهُ قَاعِدَةٌ فَقَالَتْ لِي امْرَأَتُهُ: لَوْ كُنْت عَرَّضْت، وَلَكِنَّك أَقْحَمْت، قَالَ: فَجَلَدَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ، فَقُلْت: لَعَمْرُك، إنِّي يَوْمَ أُجْلَدُ قَائِمًا ثَمَانِينَ سَوْطًا إنَّنِي لَصَبُورٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: إنَّك تَقُودُ الرِّجَالَ إلَى امْرَأَتِك، قَالَ: التَّعْزِيرُ، وَلَيْسَ يُحَدُّ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: فِي التَّعْرِيضِ عُقُوبَةٌ - وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَوْ قَالَ لَهُ: ادَّعَاك عَشْرَةٌ، لَمْ يُضْرَبْ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ
стр. 5152
قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: التَّعْرِيضُ، قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ، قَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِيهِ نَكَالٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لَهُ: يُسْتَحْلَفُ مَا أَرَادَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ قَالَ لِأَخِيهِ ابْنِ أَبِيهِ: لَسْت بِأَخِي، قَالَ: لَا يُحَدُّ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ الْعَبْدِ، أَوْ أَيُّهَا الْعَبْدُ، قَالَ: إنَّمَا عَنَيْتُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ إلَّا ذَلِكَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ جُلِدَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ الْحَائِكِ، يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ، يَا ابْنَ الْإِسْكَافِ يُعَيِّرُهُ بِبَعْضِ الْأَعْمَالِ، قَالَ: يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ نَفْيَهُ، وَمَا أَرَادَ إلَّا عَمَلَ أَبِيهِ، فَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: إنَّك لَدَعِيٌّ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ - وَلَوْ قَالَ لَهُ: ادَّعَاك سِتَّةٌ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ. قَالَ قَتَادَةُ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: إنِّي أَرَاك زَانِيًا، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ - وَالتَّعْرِيضُ كُلُّهُ يُعَزَّرُ فِيهِ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ نَصَبَ الْحَدَّ نَصْبًا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: بِأَنْ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ - فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا، نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَنْ رَأَى الْحَدَّ فِيهِ يَقُولُ: هَذَا فِعْلُ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ نَصًّا، كَمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، نَعَمْ، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ ادْرَءُوا الْحَدَّ عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ شَامَّةِ الْوَذْرِ. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسَمُرَةُ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُمَا: مَنْ عَرَّضَ عَرَّضْنَا لَهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُمَا أَرَادَا الْحَدَّ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِفِعْلِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَسَمُرَةَ ﵃ جُمْلَةً.
стр. 5153
فَنَظَرْنَا هَلْ لَهُمْ حُجَّةٌ غَيْرُ هَذَا؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] الْآيَةَ. قَالُوا: وَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاعِنَا، يُرِيدُونَ مِنْ " الرُّعُونَةِ " وَهَذَا تَعْرِيضٌ، فَنَهَى عَنْ التَّعْرِيضِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّنَا لَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي أَنَّ " التَّعْرِيضَ " لَا يَجُوزُ، فَيَحْتَجُّوا بِهَذَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُمْ فِي هَلْ فِيهِ حَدٌّ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَوْ صَحَّ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَا إلَّا النَّهْيُ عَنْ التَّعْرِيضِ فَقَطْ وَلَيْسَ فِيهَا إيجَابُ حَدٍّ فِيهِ أَصْلًا، فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ بِالْآيَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَحُدَّ الَّذِينَ عَرَّضُوا بِهَذَا التَّعْرِيضِ فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهَا فِي إيجَابِ الْحَدِّ وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى عَنْ قَوْلِ " رَاعِنَا " مَنْ لَا يُظَنُّ بِهِ تَعْرِيضٌ أَصْلًا، فَهُمْ الصَّحَابَةُ ﵃. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ لَفْظَةِ " رَاعِنَا " مِنْ أَجْلِ التَّعْرِيضِ، بَلْ كَمَا شَاءَ تَعَالَى، لَا لِعِلَّةٍ أَصْلًا، وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ سَاقِطٌ لَا يَنْسَنِدُ أَصْلًا. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآيَةِ جُمْلَةً، وَصَحَّ أَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ: وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي قَوْلِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فَفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ التَّصْرِيحِ وَبَيْنَ حُكْمِ التَّعْرِيضِ تَفْرِيقًا لَا يَخْتَلُّ عَلَى ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ، وَإِذَا كَانَا شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُجْعَلَ فِي أَحَدِهِمَا مَا جُعِلَ فِي الْآخَرِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ. وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا
стр. 5154
جَمِيعًا: نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَأَنَا أُنْكِرُهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَنَّى هُوَ؟ فَقَالَ لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ» حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ ني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَلَدَتْ امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ - وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَلَك إبِلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: أَفِيهَا أَوْرَقُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فِيهَا ذَوْدٌ وُرْقٌ قَالَ: مِمَّ ذَاكَ تَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَخْبَرَنِي النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا هَارُونُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ تَحْتِي امْرَأَةً جَمِيلَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ؟ قَالَ: طَلِّقْهَا، قَالَ: إنِّي لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: فَأَمْسِكْهَا» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ مُوجِبَةٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي التَّعْرِيضِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ وَعَرَّضَ بِنَفْيِهِ وَكَانَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ - ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ - فَلَمْ يَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَلَا لِعَانًا - وَكَذَلِكَ الَّذِي قَالَ: " إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ " فَلَمْ يَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَلَا لِعَانًا - وَقَدْ أَوْجَبَ ﵇ الْحَدَّ وَاللِّعَانَ عَلَى مَنْ صَرَّحَ - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . وَقَالَ ﵇ «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ» تَعْرِيضٌ
стр. 5155
صَحِيحٌ، وَأَنْكَرُ لِلْمُنْكَرِ دُونَ تَصْرِيحٍ، لَكِنْ بِظَنٍّ لَا يُحْكَمُ بِهِ وَلَا يُقْطَعُ بِهِ - وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ السُّوءَ فِي الْإِسْلَامِ، تَعْرِيضٌ صَحِيحٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي ابْن أَمَةِ زَمْعَةَ فَقَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ فَأَنْظُرُ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَهُوَ ابْنِي، وَقَالَ عَبْدٌ: هُوَ ابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي؟ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَشَارَ إشَارَةً لَمْ يَقْطَعْ بِهَا، بَلْ خَالَفَ وَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ مَاءِ عُتْبَةَ، وَلَمْ يَرَ حَدًّا عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، إذْ نَسَبَ وَلَدَ زَمْعَةَ إلَى أَخِيهِ. فَهَذِهِ آثَارٌ رَوَاهَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ جَمَاعَةٌ عَائِشَةُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَصَارَتْ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ مُوجِبَةً لِلْعِلْمِ، مُبْطِلَةً قَوْلَ مَنْ رَأَى: أَنَّ فِي التَّعْرِيضِ حَدًّا، بَلْ صَحَّ بِهَا: أَنَّ مَنْ عَرَّضَ لِغَيْرِ سَبَبٍ لَكِنْ لِشَكْوًى عَلَى حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، أَوْ تَوَرُّعًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ وَلِيدَةَ - زَمْعَةَ - أَوْ إنْكَارًا لِلْمُنْكَرِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، لَا إثْمَ وَلَا كَرَاهِيَةَ وَلَا إنْكَارَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، وَقِيلَ بِحَضْرَتِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَأَمَّا طَرِيقُ الْإِجْمَاعِ - فَإِنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا لَا تَخْتَلِفُ، وَالْمَالِكِيُّونَ فِي جُمْلَتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ السُّوءَ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ، كَانْفِرَادِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَدُخُولِ الرَّجُلِ مَنْزِلَ الْمَرْأَةِ تَسَتُّرًا، فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَرَفْعُهُ إلَى الْإِمَامِ، وَهَذَا بِيَقِينٍ تَعْرِيضٌ، وَإِلَّا فَأَيُّ شَيْءٍ يُنْكِرُونَ مِنْ ذَلِكَ. وَالْعَجَبُ كُلَّ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِالْقَذْفِ وَلَا يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ إقَامَتُهُمْ حَدَّ الزِّنَى عَلَى الْحُبْلَى وَمَا ثَبَتَ قَطُّ عَلَيْهَا زِنًا، فَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يُسْقِطُونَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَهَذَانِ مَكَانَانِ أَقَامُوا الْحَدَّ بِالشُّبُهَاتِ فِيهِمَا، وَهُمَا: حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى مَنْ عَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّحْ - وَحَدُّ الزِّنَا عَلَى مَنْ حَمَلَتْ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
стр. 5156
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَصَحَّ أَنْ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ أَصْلًا؟ فَإِنْ قَالَ الْمُعَرَّضُ بِهِ: أُحَلِّفُهُ مَا أَرَادَ قَذْفِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَحْلِفُ هَاهُنَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهُ، وَإِنَّمَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ قَذْفَهُ فَقَطْ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ أَضْمَرَ قَذْفَهُ وَلَمْ يَقْذِفْهُ، فَإِنَّهُ لَا تَحْلِيفَ فِي ذَلِكَ، لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَضْمَرَ قَذْفًا وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، حَتَّى أَقَرَّ بِذَلِكَ امْرُؤٌ عَلَى نَفْسِهِ - وَهَذَا الْمُعَرِّضُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالْقَذْفِ وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا. وَأَمَّا مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِالْقَذْفِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَلَا تَحْلِيفَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِهِ لَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّمَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا آذَيْتُك، وَلَا شَتَمْتُك وَيَبْرَأُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَذَفَ إنْسَانًا قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا وَحُدَّ فِيهِ أَوْ لَمْ يُحَدَّ]
٢٢٣٧ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا وَحُدَّ فِيهِ أَوْ لَمْ يُحَدَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا آثَارٌ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إذَا جُلِدَ الرَّجُلُ فِي حَدٍّ ثُمَّ أُونِسَ مِنْهُ تَرْكُهُ فَعَيَّرَهُ بِهِ إنْسَانٌ نُكِّلَ بِهِ. وَبِهِ - إلَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: عَلَى مَنْ أَشَاعَ الْفَاحِشَةَ نِكْلٌ، وَإِنْ صَدَقَ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ: قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ حَدًّا فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَعَيَّرَهُ بِهِ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ نَكَلَ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ وَلَدُ زِنًا؟ فَطَأْطَأَ الْآخَرُ رَأْسَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ هَذَا؟ فَسَكَتَ، وَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِالْقَائِلِ ذَلِكَ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُجَأْ قَفَاهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الدَّارِ. وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَرَى عَلَى مَنْ قَذَفَ رَجُلًا جَلْدَ الْحَدِّ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْقَاذِفُ بِاَللَّهِ مَا أَرَدْت حِينَ قُلْت لَهُ مَا قُلْت إلَّا الْأَمْرَ الَّذِي جُلِدَ فِيهِ الْحَدَّ.
стр. 5157
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ - وَكَانَتْ جَدَّتُهُ قَدْ زَنَتْ - أَنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا جَدَّتَهُ الَّتِي أَحْدَثَتْ ثُمَّ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُجْلَدُ الْحَدَّ فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ: يَا زَانِي، قَالَ: يُسْتَجَبْ بِالدُّرَّةِ وَيُعَزَّرُ - وَمِنَّا مَنْ يَقُولُ: إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ جُلِدَ مَنْ قَذَفَ - وَمِمَّنْ قَالَ بِجَلْدِهِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي تَزْنِي أَمَتُهُ «فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ» فَصَحَّ أَنَّ التَّثْرِيبَ عَلَى الزَّانِي حَرَامٌ، وَأَنَّ إشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ حَرَامٌ، وَلَا يَحِلُّ - بِلَا خِلَافٍ - أَذَى الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤْذَى بِهِ. فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ سَبَّ مُسْلِمًا بِزِنًا كَانَ مِنْهُ، أَوْ بِسَرِقَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، أَوْ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَذَى - لَا عَلَى سَبِيلِ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ الْجَمِيلِ سِرًّا: لَزِمَهُ الْأَدَبُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» فَهَذَا الْحَدِيثُ بَيَانُ مَا قَدَّمْنَا نَصًّا؛ لِأَنَّ فِيهِ أَبَاحَ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرَاتِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، فَمَنْ بَكَّتَ آخَرَ بِمَا فَعَلَ عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَنْ ذَكَّرَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ أَتَى مُنْكَرًا - فَفَرْضٌ عَلَى النَّاسِ تَغْيِيرُهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَصَحَّ أَنَّ عِرْضَ كُلِّ أَحَدٍ حَرَامٌ إلَّا حَيْثُ أَبَاحَهُ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ، وَسَوَاءٌ عِرْضُ الْعَاصِي وَغَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قَذَفَ إنْسَانٌ إنْسَانًا قَدْ زَنَى بِزِنًا غَيْرِ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَ
стр. 5158
ذَلِكَ، وَصَرَّحَ، فَعَلَى الْقَاذِفِ الْحَدُّ - سَوَاءٌ حُدَّ الْمَقْذُوفُ فِي الزِّنَى الَّذِي صَحَّ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُحَدَّ -؛ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ عَنْ كُلِّ زِنًا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّ " الْإِحْصَانَ " هُوَ الْمَنْعُ فَمَنْ مَنَعَ بِشَيْءٍ أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ فَهُوَ مُحْصَنٌ عَنْهُ، فَإِذْ هُوَ مُحْصَنٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ]
٢٢٣٨ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أُتِيَ بِرَجُلٍ انْتَفَى عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اضْرِبْ الرَّأْسَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِإِيجَابِ الْحَدِّ فِي النَّفْيِ عَنْ الْأَبِ، أَوْ عَنْ النَّسَبِ: أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الْقَذْفِ كَامِلًا عَلَى مَنْ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ، أَوْ عَلَى مَنْ نَفَى وَلَدَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا - وَأَمَّا نَحْنُ، فَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ هَاهُنَا التَّعْزِيرُ فَقَطْ، وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ وَنَسَبَهُ إلَى عَمِّهِ أَوْ غَيْره]
٢٢٣٩ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ - وَنَسَبَهُ إلَى عَمِّهِ، أَوْ خَالِهِ، أَوْ زَوْجِ أُمِّهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ قَوْمٌ: فِي كُلِّ هَذَا الْحَدُّ - وَهُوَ خَطَأٌ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ، فَهُوَ فِعْلٌ حَسَنٌ وَقَوْلٌ حَسَنٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُشَاتَمَةً، أَوْ أَذًى، أَوْ تَعْرِيضًا، فَفِيهِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ، وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، بُرْهَانُ مَا ذَكَرْنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ ﵇ إذْ قَالُوا ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَجَعَلُوا عَمَّهُ إسْمَاعِيلَ ﵇ أَبًا لَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وَلَا يَعْقُوبُ ﵇ وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ خَلَائِقَ لَيْسَ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي وِلَادَتِهِمْ نَسَبٌ. وَأَمَّا زَوْجُ الْأُمِّ - فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيَّ قَالَ: نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا
стр. 5159
مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ نا أَبُو أُسَامَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ صَنَعَ طَعَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَرْسَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ - فَقَالَ دَعَانَا أَبُوكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُومُوا» قَالَ أَنَسٌ: فَأَتَيْت أَبَا طَلْحَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كَانَتْ أُمُّ عُمَيْرٍ بِنْتُ سَعْدٍ عِنْدَ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: إنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ أَشَرُّ مِنْ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهَا عُمَيْرٌ فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَخْشَى إنْ لَمْ أَرْفَعْهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ فِيهِ، وَأَنْ أَخْلِطَ بِخِطْبَتِهِ، وَلَنِعْمَ الْأَبُ هُوَ لِي، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَا النَّبِيُّ ﵇ الْجُلَاسَ فَعَرَّفَهُ فَتَحَالَفَا فَجَاءَ الْوَحْيُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَكَتُوا فَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ - كَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ لَا يَتَحَرَّكُونَ إذَا نَزَلَ الْوَحْيُ - فَرُفِعَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فَقَالَ الْجُلَاسُ: اسْتَتِبْ لِي رَبِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ إلَى اللَّهِ، وَأَشْهَدُ لَهُ بِصِدْقٍ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَ عُمَيْرٌ مِنْهَا بِعَلْيَاءَ حَتَّى مَاتَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " عَنْ الرَّبِيبِ أَبٌ، وَيَنْسُبُ إلَى الرَّجُلِ ابْنَ امْرَأَتِهِ " فَيَقُولُ لَهُ: أَبُوك - وَهَذَا أَنَسٌ، وَعُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالدِّيَانَةِ يَقُولَانِ بِذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَأَصْحَابِنَا - وَبِهِ نَأْخُذُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ يَا لُوطِيٌّ أَوْ يَا مُخَنَّثٌ]
٢٢٤٠ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا لُوطِيٌّ، أَوْ يَا مُخَنَّثٌ قَالَ عَلِيٌّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا أَبُو هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: يَا لُوطِيٌّ؟ قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا. وَبِهِ - إلَى أَبِي هِلَالٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا لُوطِيٌّ؟ قَالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ.
стр. 5160
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا جَمِيعًا فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا لُوطِيٌّ؟ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ: كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا لُوطِيٌّ؟ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ: إنَّك لَتَصْنَعُ بِفُلَانٍ، وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا لُوطِيٌّ؟ قَالَ: نِيَّتُهُ يُسْأَلُ عَمَّا أَرَادَ بِذَلِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ - كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا لُوطِيٌّ؟ فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: يَا لُوطِيٌّ، يَا مُحَمَّدِيٌّ - فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَضَرَبَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ سَوْطًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَأَكْمَلَ لَهُ الْحَدَّ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا أَبُو هِلَالٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا لُوطِيٌّ؟ قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ؟ قَالَ: يُجْلَدُ مَنْ فَعَلَهُ وَمَنْ رَمَى بِهِ وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا لُوطِيٌّ؟ قَالَ: يُجْلَدُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ: يُجْلَدُ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمَا أَرَادَا الْحَدَّ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَا جَلْدَ تَعْزِيرٍ. وَبِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ رَمَى بِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَهُوَ الْخَارِجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ - يَعْنِي مَنْ رَمَى آخَرَ: بِأَنَّهُ يَنْكِحُ الرِّجَالَ، أَوْ بِأَنَّهُ يَنْكِحُهُ الرِّجَالُ - إنَّمَا هِيَ مُعَلَّقَةٌ بِالْوَاجِبِ فِي
стр. 5161
قَوْمِ لُوطٍ، فَإِنْ كَانَ زَنَى فَالْوَاجِبُ فِي الرَّمْيِ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ بِالزِّنَى، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ زَنَى فَلَا يَجِبُ فِي الرَّمْيِ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ بِالزِّنَا - وَسَنَسْتَقْصِي الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لَهُ إثْرَ كَلَامِنَا فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَحَدِّ الْخَمْرِ - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ - وَهُوَ لَيْسَ عِنْدَنَا زِنًا فَلَا حَدَّ فِي الرَّمْيِ بِهِ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَهُوَ عِنْدَهُمَا زِنًا أَوْ مَقِيسٌ عَلَى الزِّنَا فَالْحَدُّ عِنْدَهُمَا فِي الْقَذْفِ بِهِ. وَأَمَّا مَالِكٌ، وَالْأَشْهَرُ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ عِنْدَهُمْ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ فِيهِ الرَّجْمَ - أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصَنْ - فَإِذْ هُوَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ زِنًا، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ الْمُحَارَبَةُ أَوْ الرِّدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ إحْصَانٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ - عَلَى قَوْلِهِمَا - أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ حَدُّ الزِّنَا - وَهُوَ مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ أَفْحَشَ تَنَاقُضٍ، فَلَمْ يَتَّبِعُوا فِيهِ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الرَّمْيَ بِذَلِكَ حُرِّمَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِثْمٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ حَرَامٍ، وَإِثْمٍ: تَجِبُ فِيهِ الْحُدُودُ، فَالْغَصْبُ حَرَامٌ وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَأَكْلُ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَالرَّمْيُ بِالْكُفْرِ حَرَامٌ وَلَا حَدَّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا مُخَنَّثٌ فَإِنَّ الْقَاضِي حُمَامَ بْنَ أَحْمَدَ قَالَ: نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا يَهُودِيُّ، فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مُخَنَّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. ثُمَّ هُوَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى - وَهُوَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَأَوْجَبْنَاهُ حَدًّا، وَلَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَلَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَا حَدَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوا - وَإِنَّمَا هُوَ التَّعْزِيرُ فَقَطْ لِلْأَذَى؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، وَتَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَة فِيمَنْ رَمَى إنْسَانًا بِبَهِيمَةٍ]
٢٢٤١ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ رَمَى إنْسَانًا بِبَهِيمَةٍ؟
стр. 5162
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَمَى إنْسَانًا بِبَهِيمَةٍ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ نا ابْنُ سَمْعَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَنْ رُمِيَ بِذَلِكَ - يَعْنِي بِبَهِيمَةٍ - جُلِدَ ثَمَانِينَ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِبَهِيمَةٍ جُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ عَنْ رَجُلٍ قُذِفَ بِبَهِيمَةٍ أَوْ وُجِدَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ يُقْذَفُ بِبَهِيمَةٍ؟ قَالَ: قَدْ قُذِفَ بِقَوْلٍ كَبِيرٍ، وَالْقَائِلُ أَهْلٌ لِلنَّكَالِ الشَّدِيدِ، وَرَأْيِ السُّلْطَانِ فِيهِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، وَأَصْحَابُنَا الظَّاهِرِيُّونَ، فَلَا يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ حَدًّا أَصْلًا - وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي ذَلِكَ، إذْ يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ قُذِفَ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَلَا يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مِنْ قُذِفَ بِبَهِيمَةٍ - وَكُلُّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا أَوْرَدْنَا. وَكُلُّ ذَلِكَ لَا نَصَّ فِي إيجَابِ الْحَدِّ فِي الرَّمْيِ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهُمْ لَا يَجِدُونَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إيجَابُ حَدٍّ عَلَى مَنْ رَمَى إنْسَانًا بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَنَحْنُ نُوجِدُهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إيجَابَ حَدٍّ حَيْثُ لَا يُوجِبُونَهُ، كَمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛
[مَسْأَلَة فِيمَنْ فَضَّلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَوْ افْتَرَى عَلَى الْقُرْآنِ]
٢٢٤٢ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ فَضَّلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَوْ افْتَرَى عَلَى الْقُرْآنِ؟ كَمَا نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو قِلَابَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - بِنْدَارٌ - نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ - نا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى:
стр. 5163
أَنَّ الْجَارُودَ بْنَ الْعَلَاءِ الْعَبْدِيَّ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ عُمَرَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ حَاجِبِ بْنِ عُطَارِدَ: عُمَرُ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ: فَبَلَغَ عُمَرَ، فَضَرَبَ بِالدِّرَّةِ الْحَاجِبِيَّ حَتَّى شَغَرَ بِرِجْلِهِ؟ وَقَالَ: قُلْتَ: عُمَرُ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، إنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ فِي كَذَا وَكَذَا - مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَكَذَا فِي كِتَابِ الْعُذْرِيِّ: مِنْ وَلَدِ حَاجِبِ بْنِ عُطَارِدَ - وَهُوَ خَطَأٌ - وَالصَّوَابُ: مِنْ وَلَدِ عُطَارِدَ بْنِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا أَخْبَرَ عُمَرُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْيَرُ النَّاسِ فِي كَذَا وَكَذَا - أَشْيَاءُ ذَكَرَهَا - لَا عَلَى الْعُمُومِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ خَيْرًا فِي شَيْءٍ مَا مِنْ آخَرَ خَيْرٌ مِنْهُ فِي أَشْيَاءَ، فَقَدْ عُذِّبَ بِلَالٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُعَذَّبْ أَبُو بَكْرٍ، وَجَالَدَ عَلَى مَا لَمْ يُجَالِدْ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْهُ عَلَى الْعُمُومِ - وَفِي أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذَا كَثِيرَةٍ. وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ - إلَى ابْنِ الْجَهْمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ نا الْهَيْثَمُ، وَالْحَكَمِ، قَالَا جَمِيعًا: نا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْت عَلْقَمَةَ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، قَالَ: سَمِعْت عَلِيًّا ﵇ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يُفَضِّلُونَنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ؟ مَنْ قَالَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَهُوَ مُفْتَرٍ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُفْتَرِي. وَبِهِ - إلَى ابْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو قِلَابَةَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حَجَلٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَضَّلَنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، إلَّا جَلَدْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: اسْتَشَارَهُمْ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: مَنْ افْتَرَى عَلَى الْقُرْآنِ أَرَى أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ جُحَادَةَ بْنِ دِثَارٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَرِبُوا الْخَمْرَ بِالشَّامِ وَأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ
стр. 5164
كَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: أَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى عُمَرَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فَشَاوَرَ فِيهِمْ النَّاسَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى أَنَّهُمْ قَدْ شَرَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَلَالٌ فَاقْتُلْهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَرَامٌ فَاجْلِدْهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَدِّ مَا يَفْتَرِي بِهِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هُمْ يُعَظِّمُونَ - يَعْنِي الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ - قَوْلَ الصَّاحِبِ وَحُكْمِهِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ، وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ خَالَفُوا الصَّحَابَةَ ﵃ فَلَا يَرَوْنَ عَلَى مَنْ فَضَّلَ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ حَدَّ الْفِرْيَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا حَدَّ الْفِرْيَةِ، وَلَا يَرَوْنَ عَلَى مَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الْقُرْآنِ، حَدَّ الْفِرْيَةِ، لَكِنْ يَرَوْنَ الْقَتْلَ إنْ بَدَّلَ الدِّينَ، أَوْ لَا شَيْءَ إنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا. هَذَا، وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ فِي إثْبَاتِ ثَمَانِينَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، نَعَمْ، وَفِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ؟ وَقَدْ خَالَفُوهُمَا فِي إيجَابِ حَدِّ الْفِرْيَةِ عَلَى مَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. فَلَئِنْ كَانَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، حُجَّةً فِي إيجَابِ حَدِّ الْخَمْرِ، وَفِي الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ فِي إيجَابِ حَدِّ الْفِرْيَةِ عَلَى مَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَذِبًا وَعَلَى الْقُرْآنِ.
وَلَئِنْ كَانَ قَوْلُهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إيجَابِ حَدِّ الْفِرْيَةِ عَلَى مَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْقُرْآنِ، فَمَا قَوْلُهُمَا حُجَّةً فِي إيجَابِ الْقِيَاسِ، وَلَا فِي إيجَابِ ثَمَانِينَ فِي الْخَمْرِ وَلَا فَرْقَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَذَا يُلِيحُ لِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ فِرْيَةٍ يَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا حَدَّ إلَّا فِي الْفِرْيَةِ بِالزِّنَا، لِصِحَّةِ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة عَفْوُ الْمَقْذُوفِ عَنْ الْقَاذِفِ]
стр. 5165
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِلْإِمَامِ: افْتَرَى عَلَيَّ فُلَانٌ، أَوْ رَمَى أُمِّيَ؟ فَيَقُولُ الْإِمَامُ: أَفَعَلْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَدْ فَعَلْتُ، فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَدْ أَعْفَيْتُهُ؟ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتَرَى عَلَيْهِ: أَنْتَ أَبْصَرُ - وَلَا يَكْشِفُهُ لَعَلَّهُ يَكْشِفُ غِطَاءً لَا يَحِلُّ كَشْفُهُ، فَإِنْ عَادَ يَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْحَدَّ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ ني مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ زُرَيْقَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ. قَالَ: افْتَرَى رَجُلٌ - يُقَالُ لَهُ مِصْبَاحٌ - عَلَى ابْنِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا زَانِي، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَيَّ فَأَمَرْت بِجَلْدِهِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَئِنْ جَلَدْتُهُ لَأُقِرَّنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا؟ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ لِي أَشْكَلَ عَلَيَّ؟ فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيَّ: أَنْ أَجِزْ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ؟ قَالَ زُرَيْقٌ: فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الرَّجُلِ يَفْتَرِي عَلَيْهِ أَبَوَاهُ، أَيَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْهُمَا؟ فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيَّ: خُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَنِي زُرَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ فِي رَجُلٍ قَذَفَ ابْنَهُ: أَنْ اجْلِدْهُ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ ابْنُهُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ زُرَيْقٍ: فَظَنَنْت أَنَّهَا لِلْأَبِ خَاصَّةً، فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ أُرَاجِعُهُ: لِلنَّاسِ عَامَّةً أَمْ لِلْأَبِ خَاصَّةً؟ فَكَتَبَ إلَيَّ: بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا عَفْوَ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ، كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا عَفْوَ فِي الْحُدُودِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ الْإِمَامَ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا مِنْ السُّنَّةِ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: إذَا بَلَغَتْ الْحُدُودُ السُّلْطَانَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٌ - يَعْنِي الْفِرْيَةَ - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ.
стр. 5166
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَعَنْ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَمْرِ إلَى الْإِمَامِ، وَبَعْدَ بُلُوغِهِ إلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَذَفَ آخَرَ فَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ فَأَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَاذِفِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ مَا رُمِيَ بِهِ، فَيَجُوزُ عَفْوُهُ حِينَئِذٍ. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يُؤَخِّرَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ لَهُ أَوْ لِأَبَوَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَيَأْخُذُهُ بِهِ مَتَى أَحَبَّ، قَالَ: فَإِنْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا هَذَا الِاخْتِلَافَ مَرْجِعَهُ إلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحَدِّ فِي الزِّنَا، وَالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ، وَالْحَدِّ فِي السَّرِقَةِ، وَالْحَدِّ فِي الْمُحَارَبَةِ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، كَالْقِصَاصِ فِي الْأَعْضَاءِ، وَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ.
فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْحُدُودِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ عَفْوٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ سَرَقَ مَالَ إنْسَانٍ، أَوْ زَنَى بِأَمَتِهِ وَافْتَرَى عَلَيْهِ، أَوْ بِامْرَأَةٍ أَكْرَهَهَا، وَسَرَقَ مَالًا مِنْ مَالِهَا، وَافْتَرَى عَلَيْهَا، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الزِّنَا بِأَمَتِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا بِذَلِكَ، وَلَا لَهُمَا أَنْ يَعْفُوَا عَمَّنْ سَرَقَ مَالَهُمَا، أَوْ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ السَّرِقَةِ بِذَلِكَ، وَحَدُّ الْمُحَارَبَةِ.
وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا: مُتَحَكِّمٌ فِي الدِّينِ بِلَا دَلِيلٍ. وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ: فَعَفْوُ النَّاسِ عَنْ حُقُوقِهِمْ جَائِزٌ: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ ظَاهِرَ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى - فَلَا يَجُوزُ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ - أَرَادَ سَتْرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ إسْقَاطَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 5167
وَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ فَالْعَفْوُ جَائِزٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي حَقِّهِ - أَرَادَ سَتْرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ - وَيُقَالُ لِمَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ الظَّاهِرَ الْخَطَأَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ عَفَا عَنْ الزَّانِي بِأَمَتِهِ - وَهُوَ يُرِيدُ تَسَتُّرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يُقِيمَ الْوَاطِئُ لَهَا بَيِّنَةً بِأَنَّهَا لَهُ غَصَبَهَا مِنْهُ الَّذِي هِيَ بِيَدِهِ الْآنَ؟ وَبَيْنَ مَنْ عَفَا عَنْ سَارِقِ مَتَاعِهِ وَهُوَ يُرِيدُ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يُقِيمَ الَّذِي سَرَقَهُ مِنْهُ بَيِّنَةَ عَدْلٍ أَنَّ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ سَرَقَهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ هَذَا الَّذِي سَرَقَهُ آخَرُ، فَهَلْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فَرْقٌ هَذَا مَا لَا يُعْرَفُ أَصْلًا، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً، لِتَنَاقُضِهِ، وَلِتَعَرِّيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: فَوَجَدْنَاهُ قَدْ تَنَاقَضَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُجِزْ الْعَفْوَ عَنْهُ أَصْلًا، فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ - ثُمَّ تَنَاقَضَ مُنَاقَضَةً ظَاهِرَةً فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ إلَّا أَنْ يُطَالِبَهُ الْمَقْذُوفُ، فَجَعَلَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ، وَأَسْقَطَهُ بِأَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ ظَاهِرٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - وَقَدْ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَمَرَ بِالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلَيْنِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَمْ يُشَاوِرْ عَائِشَةَ أُمَّنَا ﵂ أَنْ تَعْفُوَ أَمْ لَا؟ فَلَوْ كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ حَقٌّ لَمَا عَطَّلَهُ ﵇ وَهُوَ أَرْحَمُ النَّاسِ، وَأَكْثَرُهُمْ حَضًّا عَلَى الْعَفْوِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ - فَصَحَّ أَنَّ الْحَدَّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا مَدْخَلَ لِلْمَقْذُوفِ فِيهِ أَصْلًا وَلَا عَفْوَ لَهُ عَنْهُ.
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَسْمِيَةِ الْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقَذْفِ حَدًّا، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّ لِإِنْسَانٍ حُكْمًا فِي إسْقَاطِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - فَصَحَّ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْعَفْوِ فِيهِ. وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ، فَلَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ لَكَانَ الْعَفْوُ الْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ لَا
стр. 5168
يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ إلَّا مِنْ الْمَقْذُوفِ فِيمَا قُذِفَ بِهِ، لَا فِيمَا قُذِفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَفْوُ أَحَدٍ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ - وَهُمْ يُجِيزُونَ عَفْوَ الْمَرْءِ عَنْ قَاذِفِ أَبِيهِ الْمَيِّتِ، وَأُمِّهِ الْمَيِّتَةِ - وَهَذَا فَاسِدٌ، وَتَنَاقُضٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَالْقَوْمُ أَهْلُ قِيَاسٍ. قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عَفْوَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ مِنْ قَطْعِ يَدِ سَارِقِهِ، وَلَا لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَاطِعِ عَلَيْهِ لِلْمُحَارِبِ لَهُ، وَلَا لِلْمَزْنِيِّ بِامْرَأَتِهِ، وَأَمَتِهِ، عَنْ الزَّانِي بِهِمَا فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَذْفِ وَحَدِّ السَّرِقَةِ، وَلَا لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَاطِعِ.
وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ، وَنَافِعًا، وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ، إذْ رَآهُمْ قَذَفَةً - وَلَمْ يُشَاوِرْ فِي ذَلِكَ الْمُغِيرَةَ - وَلَا رَأَى لَهُ حَقًّا فِي عَفْوٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةٌ فَقَالَتْ زَنَيْتُ مَعَك]
٢٢٤٤ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةٌ؟ فَقَالَتْ: زَنَيْتُ مَعَك، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: يَا زَانِيَةٌ، فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِك، قَالَ: تُجْلَدُ تِسْعِينَ. وَبِهِ - إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي حُرَّةَ عَنْ الْحَسَنِ فِي امْرَأَةٍ حُرَّةٍ قَالَتْ لِآخَرَ: زَنَيْت بِك، قَالَ: تُجْلَدُ حَدَّيْنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِلرَّجُلِ: زَنَيْت بِك، فَهَذَا اعْتِرَافٌ مُجَرَّدٌ بِالزِّنَا وَلَيْسَ قَذْفًا؛ لِأَنَّهُ مَنْ قَالَ هَذَا اللَّفْظَ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، أَنَّهُ زَنَى وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ الْمَقُولِ لَهُ بِزِنًا أَصْلًا، وَقَدْ يَزْنِي الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَهِيَ سَكْرَى، أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مَغْلُوبَةٌ، أَوْ وَهِيَ جَاهِلَةٌ وَهُوَ عَالِمٌ، وَتَزْنِي الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ كَذَلِكَ. وَكَمَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَإِذَا بِهَا حُرَّةٌ، فَهِيَ زَانِيَةٌ، وَلَيْسَ هُوَ زَانِيًا - فَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ إنْ قَالَهُ مُعْتَرِفًا فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا فَقَطْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَهُ لَهَا شَاتِمًا فَلَيْسَ قَاذِفًا وَلَا مُعْتَرِفًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ - لَا لِلزِّنَى وَلَا لِلْقَذْفِ - وَلَكِنْ يُعَزَّرُ لِلْأَذَى فَقَطْ.
стр. 5169
فَلَوْ قَالَ لَهَا: زَنَيْنَا مَعًا، أَوْ قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَهَذَا إنْ كَانَ قَالَهُ شَاتِمًا فَهُوَ قَذْفٌ صَحِيحٌ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ فَقَطْ، وَإِنْ قَالَهُ مُعْتَرِفًا فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا فَقَطْ.
وَكَذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ إنْ قَالَتْ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، قَالَا جَمِيعًا فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ: إنِّي أَرَاك زَانِيًا، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي - وَهُمَا عَفِيفَانِ - فَإِنَّهُمَا يُجْلَدَانِ الْحَدَّ مَعًا - زَادَ رَبِيعَةُ: لَا يَكُونُ رَجُلٌ أَزْنَى مِنْ رَجُلٍ حَتَّى يَكُونَ زَانِيًا - وَقَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبَانِ الْحَدَّ جَمِيعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُ رَبِيعَةَ " لَا يَكُونُ رَجُلٌ أَزْنَى مِنْ رَجُلٍ حَتَّى يَكُونَ زَانِيًا " فَخَطَأٌ، وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ هَذَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] وَلَا خَيْرَ أَصْلًا فِيمَا يُشْرِكُونَ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَلَيْسَ فِي الْقَرَارِ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَصْلًا، وَلَا فِيهَا مِنْ حُسْنِ الْمَقِيلِ لَا كَثِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» وَلَيْسَ فِي شَرْطٍ لِغَيْرِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ الثِّقَةِ، وَلَا فِي غَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدِّينِ شَيْءٌ مِنْ الْحَقِّ. وَأَمَّا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ - فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَدْلُ اللَّهِ تَعَالَى، فَنَظَرْنَا فِي هَذَا: فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي، لَيْسَ فِيهِ اعْتِرَافٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، وَإِنَّمَا هُوَ قَذْفٌ صَحِيحٌ، فَوَاجِبٌ جَلْدُهُ حَدَّ الْقَذْفِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا بِهَا]
٢٢٤٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَهَا قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ
стр. 5170
عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ قَالَا جَمِيعًا: فِي امْرَأَةٍ قَذَفَتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا أَنَّهُ غَلَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَالرَّجُلُ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ: فَإِنَّهَا تُضْرَبُ حَدَّ الْفِرْيَةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا قَتَادَةُ أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً فَصَاحَتْ؟ فَجَاءَ مُؤَذِّنٌ فَشَهِدَ لَهَا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ سَمِعَ صِيَاحَهَا، فَلَمْ يَجْلِدْهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عُمَيْرَةُ بْنُ أَبِي نَاجِيَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَنِي عَلَى نَفْسِي؟ فَقَالَ: هَلْ سَمِعَكِ أَحَدٌ أَوْ رَآك؟ قَالَتْ: لَا، فَجَلَدَهَا بِالرَّجُلِ - وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ، أَوْ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ تَقُولُ: إنَّ فُلَانًا أَكْرَهَنِي عَلَى نَفْسِي؟ قَالَ: إنْ كَانَ لَيْسَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ؛ جُلِدَتْ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَاهُنَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ السِّجْنَ الطَّوِيلَ، وَالْأَدَبَ، وَغُرْمَ مَهْرِ مِثْلِهَا - وَهَذِهِ أَقْوَالٌ تَدُورُ عَلَى وُجُوهٍ: إمَّا جَلْدُهَا حَدَّ الْقَذْفِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ. وَإِمَّا إسْقَاطُ الْحَدِّ عَنْهَا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ صِيَاحَهَا فَقَطْ - وَهُوَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَإِلَّا فَتُجْلَدُ. وَإِمَّا أَنْ يَدْرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ بِأَنْ يُرَى مَعَهَا خَالِيًا، وَيُؤَثِّرَ فِيهِ أَثَرًا، أَوْ يَسْمَعَ صِيَاحَهَا - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ - وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَزَادَ: أَنْ يُعَاقِبَ الرَّجُلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - إنْ كَانَ ذَلِكَ - أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ إنْ ظَهَرَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَإِلَّا فَالْحَدُّ عَلَى الْمَرْأَةِ حَدُّ الْقَذْفِ. وَإِمَّا أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ جُلِدَ حَدَّ الْقَذْفِ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَيُسْجَنُ هُوَ وَيُطَالُ سِجْنُهُ، وَيَغْرَمُ مَهْرَ مِثْلِهَا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
стр. 5171
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ - فَظَاهِرُ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ فِي الِادِّعَاءِ بَيْنَ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِالْخَيْرِ، وَالْمُشَارِ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ، وَلَمْ يُوجِبْ الْفَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ رَجُلًا يَدَّعِي دَيْنًا عَلَى آخَرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرٌ: فَإِنَّهُ يَحْلِفُ - وَلَوْ أَنَّهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَدْ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلِيٌّ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ ﵃ وَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَلَا أَبْعَدَ مِنْ التُّهْمَةِ، وَالدَّعْوَى بِجَحْدِ الْمَالِ، وَالظُّلْمِ، وَالْغَصْبِ كَالدَّعْوَى بِالْغَلَبَةِ فِي الزِّنَا، وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَمَعْصِيَةٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أُعْطِيَ قَوْمٌ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ» وَقَالَ ﵇ لِصَاحِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اخْتَصَمَا «بَيِّنَتُك أَوْ يَمِينُهُ» وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ، وَمَالِكٌ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا بَرًّا فَاضِلًا عَدْلًا - وَلَوْ أَنَّهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ ﵃: ادَّعَى مَالًا عَلَى يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ أَنَّ الْيَهُودِيَّ، أَوْ النَّصْرَانِيَّ: يَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ لَأُحْلِفَ لَهُ، فَكَيْفَ يَقْضِي لَهَا بِدَعْوَاهَا، فَيُغَرِّمَهُ مَهْرَهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَلَا فَاسِقَ أَفْسَقُ مِنْ كَافِرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَافِرُونَ هُمْ الْفَاسِقُونَ فَهَذَانِ وَجْهَانِ مِنْ الْخَطَأِ؟ وَثَالِثٌ - وَهُوَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ وَالْعُقُوبَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ - وَهَذَا ظُلْمٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. وَرَابِعٌ - هُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ يُصَدِّقُهَا أَوْ يُكَذِّبُهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ - فَإِنْ كَانَ يُصَدِّقُهَا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا حَدَّ الزِّنَا وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضَ وَضَيَّعَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ يُكَذِّبُهَا فَبِأَيِّ مَعْنًى يَسْجُنُهُ وَيُغَرِّمُهُ مَهْرَ مِثْلِهَا، فَيُؤَكِّلَهَا الْمَالَ بِالْبَاطِلِ، وَيَأْخُذَ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَخَامِسٌ - وَهُوَ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَتْ - وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالْعَافِيَةِ: جَلَدَهَا حَدَّ الْقَذْفِ، وَإِنْ مَكَثَتْ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ: رَجَمَهَا إنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً - وَهَذَا ظُلْمٌ مَا سُمِعَ
стр. 5172
بِأَشْنَعَ مِنْهُ، وَحَرَجٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ فِيهِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ فَرَّقَ هَذَا التَّفْرِيقَ قَبْلَ مَالِكٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ؟ فَفَعَلْنَا - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ رَمَى أَحَدًا بِالزِّنَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الَّتِي تَشْتَكِي بِإِنْسَانٍ: أَنَّهُ غَلَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا؟ فَوَجَدْنَاهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ قَاذِفَةً، أَوْ تَكُونَ غَيْرَ قَاذِفَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ قَاذِفَةً فَالْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهَا بِلَا شَكٍّ، إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَاذِفَ الْفَاسِقِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَقَاذِفِ الْفَاضِلِ، وَلَا فَرْقَ. وَالْقَذْفُ هُوَ مَا قُصِدَ بِهِ الْعَيْبُ وَالذَّمُّ وَهَذِهِ لَيْسَتْ قَاذِفَةً إنَّمَا هِيَ مُشْتَكِيَةٌ مُدَّعِيَةٌ، وَإِذْ لَيْسَتْ قَاذِفَةً فَلَا حَدَّ لِلْقَذْفِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ تُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهَا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا، لَا سِجْنَ، وَلَا أَدَبَ، وَلَا غَرَامَةَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُحَرَّمٌ، وَبَشَرَتَهُ مُحَرَّمَةٌ، وَمُبَاحٌ لَهُ الْمَشْيُ فِي الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَاقْضُوا عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قُلْنَا: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّ دَعْوَاهَا انْتَظَمَ حَقًّا لَهَا وَحَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ لَهَا فِيهِ دُخُولٌ وَلَا خُرُوجٌ؟ فَحَقُّهَا: التَّعَدِّي عَلَيْهَا وَظُلْمُهَا، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: هُوَ الزِّنَا، فَوَاجِبٌ أَنْ يَحْلِفَ لَهَا فِي حَقِّهَا، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا تَعَدَّيْت عَلَيْك فِي شَيْءٍ، وَلَا ظَلَمْتُك وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا زَنَى؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِفُ فِي حَقٍّ لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ. وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّك غَصَبْتنِي وَزَيْدًا دِينَارًا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ لَهُ فِي حَقِّهِ مِنْ الدِّينَارِ لَا فِي حَقِّ زَيْدٍ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّمِّ وَالشَّكْوَى، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ - ابْتِدَاءً أَوْ فِي
стр. 5173
كَلَامٍ بَيْنَهُمَا - يَا ظَالِمٌ، يَا غَاصِبٌ، أَنَّهُ مُسِيءٌ - فَمِنْ قَائِلٍ: عَلَيْهِ الْأَدَبُ، وَمِنْ قَائِلٍ: لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ شَكَا بِآخَرَ فَقَالَ: ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مَالِي بِغَيْرِ حَقٍّ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مُسِيئًا بِذَلِكَ فَصَحَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّكْوَى وَبَيْنَ الِاعْتِدَاءِ بِالسَّبِّ وَالْقَذْفِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِيمَنْ قَذَفَ وَهُوَ سَكْرَانُ]
٢٢٤٦ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَذَفَ وَهُوَ سَكْرَانُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ حُكْمَ السَّكْرَانِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِشَيْءٍ أَصْلًا إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ فَقَطْ، إلَّا أَنَّنَا نَذْكُرُ عُمْدَةَ حُجَّتِنَا فِي ذَلِكَ بِاخْتِصَارٍ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَشَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ شَاهِدٍ: أَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَإِذْ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ امْرَأً لَوْ نَطَقَ بِلَفْظٍ لَا يَدْرِي مَعْنَاهُ - وَكَانَ مَعْنَاهُ كُفْرًا، أَوْ قَذْفًا، أَوْ طَلَاقًا - فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ السَّكْرَانُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ، قَذْفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ قَذْفٍ. فَإِنْ قَالُوا: كَانَ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَالْأُمَّةُ كُلُّهَا مُجْمِعَةٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهَا عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِسَكْرَانَ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْرِيَ مَا يَقُولُ. وَكَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ فِي أَنَّ حَالَ السَّكْرَانِ فِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ بَاقٍ كَمَا كَانَ لَمْ يُحِلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ صِفَتِهِ. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهَذَا لَا فَائِدَةَ لَكُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا - أَنَّ هَذَا تَعَلُّلٌ لَا يُوجِبُ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا التَّعْلِيلِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ
стр. 5174
الثَّانِي - إنَّا نَسْأَلُكُمْ عَمَّنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، فَفُتِحَ فَمُهُ كَرْهًا بِأَكَالِيبَ وَصُبَّ فِيهِ الْخَمْرُ حَتَّى سَكِرَ، فَإِنَّ هَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَلَا فِي أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عِنْدَكُمْ بِخِلَافِ حُكْمِ مَنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا تُلْزِمُوا هَذَا الْمُكْرَهَ شَيْئًا مِمَّا قَالَ فِي ذَلِكَ السُّكْرِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضْتُمْ. وَالثَّالِثُ - إنَّا نَسْأَلُكُمْ عَمَّنْ شَرِبَ الْبَلَاذِرَ فَجُنَّ، أَوْ تَزَيَّدَ فَقُطِعَ عَصَبُ سَاقَيْهِ فَأُقْعِدَ، أَيَكُونُ لِذَلِكَ الْمَجْنُونِ حُكْمُ الْمَجَانِينَ فِي سُقُوطِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ عَنْهُ، أَوْ تَكُونُ الْأَحْكَامُ لَازِمَةً لَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ لِلَّذِي أَبْطَلَ سَاقَيْهِ عَمْدًا أَوْ أَشَرًا وَمَعْصِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمُ الْمُقْعَدِ فِي الصَّلَاةِ وَسُقُوطِ الْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ أَمْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ إدْخَالِهِ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ - بِلَا خِلَافٍ - إنَّ لَهُمَا حُكْمَ سَائِرِ الْمَجَانِينَ، وَسَائِرِ الْقَاعِدِينَ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِأَنَّ السَّكْرَانَ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ حَمْزَةَ ﵁ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: هَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِآبَائِي - وَهُوَ سَكْرَانُ - فَلَمْ يُعَنِّفْهُ عَلَى ذَلِكَ» وَلَوْ قَالَهَا صَحِيحًا لَكَفَرَ بِذَلِكَ، وَحَاشَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. فَصَحَّ أَنَّ السَّكْرَانَ إذَا ذَهَبَ تَمْيِيزُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - لَا فِي الْقَذْفِ وَلَا فِي غَيْرِهِ -؛ لِأَنَّهُ مَجْنُونٌ لَا عَقْلَ لَهُ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃ إذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَإِذَا افْتَرَى جُلِدَ ثَمَانِينَ؟ قُلْنَا: حَاشَى لِلَّهِ أَنْ يَقُولَ صَاحِبٌ هَذَا الْكَلَامَ الْفَاسِدَ؟ هُمْ وَاَللَّهِ، أَجَلُّ، وَأَعْقَلُ، وَأَعْلَمُ، مِنْ أَنْ يَقُولُوا هَذَا السُّخْفَ الْبَاطِلَ، وَيَكْفِي مِنْهُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ هَذَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَفَرَ، أَوْ قَذَفَ، فَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا هُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ، وَأَحْضَرُ مُبْطِلٍ لِحُكْمِهِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا. وَسَنَتَكَلَّمُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إبْطَالِ هَذَا الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ إسْنَادِهِ، وَمِنْ تَخَاذُلِهِ وَفَسَادِهِ فِي كَلَامِنَا فِي " حَدِّ الْخَمْرِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قَالُوا: وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ سَكْرَانُ، وَلَعَلَّهُ تَسَاكَرَ؟
стр. 5175
قِيلَ لَهُمْ: قُولُوا هَذَا بِعَيْنِهِ فِي الْمَجْنُونِ: وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ مَجْنُونٌ، وَلَعَلَّهُ مُتَحَامِقٌ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا، بَلْ تُسْقِطُونَ عَنْهُ الْأَحْكَامَ وَالْحُدُودَ، فَالْحَالُ الَّتِي تُدْرَى فِي الْمَجْنُونِ أَنَّهُ مَجْنُونٌ، بِمِثْلِهَا يُدْرَى فِي السَّكْرَانِ أَنَّهُ سَكْرَانُ وَلَا فَرْقَ - وَهِيَ: إنَّهُ إذَا بَلَغَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ التَّخْلِيطِ فِي كَلَامِهِ وَأَفْعَالِهِ حَيْثُ يُوقَنُ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الْمُمَيِّزَ الصَّاحِي حَيَاءً مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ - فَهَذَا بِلَا شَكٍّ أَحْمَقُ، وَسَكْرَانُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَمَنْ خَلَطَ فِي كَلَامِهِ فَلَيْسَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة فِي الْأَبُ يَقْذِفُ ابْنَهُ أَوْ أُمَّ عَبِيدِهِ أَوْ أُمَّ ابْنِهِ]
٢٢٤٧ - مَسْأَلَةٌ: الْأَبُ يَقْذِفُ ابْنَهُ، أَوْ أُمَّ عَبِيدِهِ، أَوْ أُمَّ ابْنِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يُحَدُّ مَنْ قَذَفَ ابْنَهُ - وَأَوْجَبَ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ: مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ فِي ذَلِكَ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو يَعْقُوبِ الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إذَا افْتَرَى الْأَبُ عَلَى الِابْنِ فَلَا يُحَدُّ.
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الْأَبِ لِابْنِهِ حَدٌّ. وَبِهِ - يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي الْأَبِ يَقْذِفُ ابْنَهُ: إنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ الدَّرْءَ عَنْهُ - وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَزْنِي - وَهِيَ مُحْصَنَةٌ - وَتَقْتُلُ وَلَدَهَا: إنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ - فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْأَبُ لِابْنِهِ: فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا - فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٢٤] قَالُوا: وَلَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ، وَلَا مِنْ الْبِرِّ: ضَرْبُهُمَا بِالسِّيَاطِ، وَلَا هَذَا مِنْ خَفْضِ الْجَنَاحِ لَهُمَا مِنْ الرَّحْمَةِ.
стр. 5176
وَقَاسُوا أَيْضًا إسْقَاطَ الْحُدُودِ فِي الْقَذْفِ عَنْ الْوَالِدِ فِي قَذْفِهِ لِوَلَدِهِ عَلَى إسْقَاطِهِمْ الْقَوَدَ عَنْهُ إنْ قَتَلَهُ - وَإِسْقَاطِهِمْ الْقِصَاصَ عَنْهُ لِوَلَدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَلَى إسْقَاطِهِمْ الْحَدَّ عَنْهُ فِي سَرِقَتِهِ مِنْ مَالِهِ.
وَعَلَى إسْقَاطِهِمْ الْحَدَّ فِي زِنَاهُ بِأُمِّ وَلَدِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا - وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إلَى الْأَبَوَيْنِ بِأَنْ لَا يُقَالَ لَهُمَا: أُفٍّ، وَلَا يُنْهَرَا، وَيُخْفَضَ لَهُمَا جَنَاحُ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ: فَحَقٌّ لَا يَحِيدُ عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ يَقْتَضِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْهُ فِي الْقَذْفِ لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي أَنَّ إمَامًا لَهُ وَالِدٌ قَدِمَ إلَيْهِ فِي قَذْفٍ، أَوْ فِي سَرِقَةٍ أَوْ فِي زِنًا، أَوْ فِي قَوَدٍ، فَإِنْ فَرَضَا عَلَى الْوَلَدِ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى وَالِدِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْسَانِ، وَالْبِرِّ، وَأَنْ لَا يَنْهَرَهُ، وَلَا يَقُلْ لَهُ: أُفٍّ، وَأَنْ يَخْفِضَ لَهُ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ، وَأَنْ يَشْكُرَ لَهُ وَلِلَّهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وَقَدْ أَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ أَمَرَنَا بِرَحْمَتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] الْآيَةَ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ ذَا الْقُرْبَى يُحَدُّ فِي قَذْفِ ذِي الْقُرْبَى وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُضَادَّ الْإِحْسَانَ الْمَأْمُورَ بِهِ، بَلْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْوَالِدَيْنِ فَمِنْ دُونِهِمَا إحْسَانٌ إلَيْهِمَا وَبِرٌّ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَوْلَاهُ لَمْ يَجِبْ بِرُّهُمَا. فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ إسْقَاطَ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى إسْقَاطِهِمْ عَنْ الْوَالِدِ حَدَّ الزِّنَا فِي زِنَاهُ بِأَمَةِ وَلَدِهِ، وَعَلَى إسْقَاطِهِمْ عَنْهُ حَدَّ السَّرِقَةِ فِي سَرِقَةِ مَالِ وَلَدِهِ، وَعَلَى إسْقَاطِهِمْ الْقَوَدَ عَنْهُ فِي قَتْلِهِ إيَّاهُ، وَجَرْحِهِ إيَّاهُ فِي أَعْضَائِهِ - فَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ، وَنَصْرٌ لِلْبَاطِلِ بِالْبَاطِلِ، وَاحْتِجَاجٌ مِنْهُ لِقَوْلٍ لَهُمْ فَاسِدٍ، بِقَوْلٍ لَهُمْ آخَرَ فَاسِدٍ، لَا يُتَابَعُونَ عَلَيْهِ، وَلَا أَوْجَبَهُ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، بَلْ الْحُدُودُ وَالْقَوَدُ وَاجِبَانِ عَلَى الْأَبِ لِلْوَلَدِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 5177
فَلَمَّا سَقَطَ قَوْلُهُمْ لِتَعَرِّيهِ عَنْ الْبُرْهَانِ رَجَعْنَا إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ، فَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى: إلَّا الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . فَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ تَخْصِيصَ الْأَبِ بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ لِوَلَدِهِ لَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَلَمَا أَهْمَلَهُ، حَتَّى يَتَفَطَّنَ لَهُ مَنْ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذْ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ، فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُحَدَّ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ وَالْوَلَدُ لِوَالِدِهِ بِلَا شَكٍّ، وَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِيَامَ بِالْقِسْطِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَالْأَقْرَبِينَ كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْحُدُودُ وَغَيْرُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا عَفْوَ عَنْ الْحُدُودِ، وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ الْإِمَامَ فَإِنَّ إقَامَتَهَا مِنْ السُّنَّةِ. فَهَذَا قَوْلُ صَاحِبٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا خَالَفَ تَقْلِيدَهُمْ - وَقَدْ خَالَفُوهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَمَّ جَمِيعَ الْحُدُودِ، وَلَمْ يَخُصَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا: فِيمَنْ قَذَفَ أُمَّ ابْنِهِ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ: لَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يَأْخُذَ أَبَاهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمَا: فِيمَنْ قَذَفَ أُمَّ عَبْدٍ لَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ. وَالْكَلَامُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَالْكَلَامِ فِي الَّتِي قَبْلَهُمَا
стр. 5178
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ: حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا لِلْمَقْذُوفِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَأَخْذُهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ - قَامَ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ -؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الْقَاذِفِ ثَمَانِينَ، لَمْ يَشْتَرِطْ بِهِ قَائِمًا مِنْ النَّاسِ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَانَ تَخْصِيصُ مَنْ خَصَّ بَعْضَ الْقَائِمِينَ بِهِ دُونَ بَعْضٍ قَوْلًا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَهُوَ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَهُمْ، مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ بِهِ، وَلَا لَهُ حُجَّةٌ أَصْلًا - لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ.
وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَعْنًى - وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ سَاقِطٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَالْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيِّينَ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الْجَدِّ إذَا قَذَفَ وَلَدَ الْوَلَدِ، كَالْحُكْمِ فِي قَاذِفِ الْأَبَوَيْنِ الْأَدْنَيْنِ. وَالْعَجَبُ بِأَنَّ الْحَنَفِيِّينَ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ حُكْمِ الْوَلَدِ وَبَيْنَ حُكْمِ وَلَدِ الْوَلَدِ فِي الْمُرْتَدِّ، فَجَعَلُوا وَلَدَ الْمُرْتَدِّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ، وَجَعَلُوا وَلَدَ وَلَدِهِ لَا يُجْبَرُ وَلَا يُقْتَلُ. وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، بَيْنَ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ - وَبَيْنَ الْجَدِّ - فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ التَّنَاقُضُ هَاهُنَا؟ فَسَوَّوْا بَيْنَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَبَيْنَ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ؟ وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا نَظِيرَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة نَازَعَ آخَرَ فَقَالَ لَهُ الْكَاذِبُ بَيْنِي وَبَيْنَك ابْنُ زَانِيَةٍ]
٢٢٤٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ نَازَعَ آخَرَ، فَقَالَ لَهُ: الْكَاذِبُ بَيْنِي وَبَيْنَك ابْنُ زَانِيَةٍ أَوْ قَالَ: وَلَدُ زِنًا، أَوْ زَنِيمٌ، أَوْ زَانٍ - فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ مُبْتَدِئًا قَبْلَ أَنْ يُنَازِعَهُ الْآخَرُ فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بَعْدُ أَحَدًا، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُنَازَعَةِ فَهُوَ قَاذِفٌ لَهُ بِلَا شَكٍّ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْمُنَازِعَ لَهُ كَاذِبٌ عِنْدَهُ بِلَا شَكٍّ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ حَضَرَ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ فَهُوَ ابْنُ زَانِيَةٍ وَقَدْ كَانَ حَضَرَ مِنْ هُنَالِكَ أَحَدٌ: فَهُوَ قَاذِفٌ لَهُ بِلَا شَكٍّ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ - فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَأْنَفِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَفَظَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، أَوْ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَصِيرَ قَاذِفًا - وَهُوَ سَاكِتٌ - بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا إذَا نَطَقَ - وَهَذَا بَاطِلٌ، لَا خَفَاءَ بِهِ - بِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 5179
[مَسْأَلَة قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً وَامْرَأَتَهُ ثُمَّ زَنَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ وَامْرَأَتُهُ بَعْدَ الْقَذْفِ]
مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً وَامْرَأَتَهُ، ثُمَّ زَنَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ وَامْرَأَتُهُ بَعْدَ الْقَذْفِ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ كَامِلًا لِلْأَجْنَبِيَّةِ وَلَا بُدَّ - وَيُلَاعِنُ وَلَا بُدَّ - إنْ أَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ حَمْلَ زَوْجَتِهِ، أَوْ إنْ ثَبَتَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَإِنْ أَبَى - وَقَدْ جُلِدَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ - فَالْحَمْلُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى زَوْجَتِهِ - لَا لِعَانَ، وَلَا حَدَّ، وَلَا حَبْسَ - وَلَا عَلَيْهِ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يُجْلَدْ، لَاعَنَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَنْفِيَ الْحَمْلَ عَنْهُ، فَإِنْ أَبَى جُلِدَ الْحَدَّ فَإِنْ الْتَعَنَ وَالْتَعَنَتْ الْمَرْأَةُ: جُلِدَ حَدَّ الزِّنَا. وَجُمْلَةُ هَذَا - أَنَّ مَنْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ ثُمَّ زَنَى الْمَقْذُوفُ: لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ الزِّنَا مَا قَدْ وَجَبَ مِنْ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ؛ لِأَنَّهُ زِنًا غَيْرُ الَّذِي رَمَاهُ بِهِ، فَهُوَ إذَا رَمَى رَامٍ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً: فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا بُدَّ - وَلَا يَسْقُطُ حَدٌّ قَدْ وَجَبَ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ هَاهُنَا أَصْلًا عَلَى سُقُوطِهِ، بَعْدَ وُجُوبِهِ بِنَصٍّ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الزَّوْجَةِ وَلَا فَرْقَ: أَنَّهُ يُجْلَدُ لَهَا لِلْقَذْفِ - وَإِنْ زَنَتْ - إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ، وَتُحَدُّ هِيَ لِلزِّنَى وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَالَ لِآخَرَ يَا زَانٍ فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ صَدَقْت أَوْ نَعَمْ]
٢٢٥٠ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا زَانٍ؟ فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ: صَدَقْت، أَوْ قَالَ: نَعَمْ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ - إلَّا زُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ - قَالُوا: لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ: صَدَقْت - قَالُوا: فَلَوْ قَالَ لَهُ: صَدَقْت، هُوَ كَمَا قُلْت؟ حُدَّا جَمِيعًا - قَالَ زُفَرُ فِي كِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ: يُحَدَّانِ جَمِيعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ فِي قَوْلٍ لَهُ: صَدَقْت، يُمْكِنُ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي غَيْرِ رَمْيِهِ بِالزِّنَا؟ قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: صَدَقْت، هُوَ كَمَا قُلْت؟ مُمْكِنٌ أَنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ قَوْلًا آخَرَ قَالَهُ هَذَا الْقَاذِفُ مِنْ غَيْرِ الْقَذْفِ، وَلَا فَرْقَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إنَّهُ إنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْقَائِلَ: صَدَقْت، أَوْ نَعَمْ، أَوْ هُوَ كَمَا قُلْت، أَوْ إي وَاَللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ الْقَذْفَ وَفَهِمَهُ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِلَا شَكٍّ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَكَذَلِكَ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَبِعْت دَارَك مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ: صَدَقْت، أَوْ قَالَ: إي وَاَللَّهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا: فَإِنَّهُ إقْرَارٌ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ - أَوْ قَالَ ذَلِكَ مُجَاوِبًا لِمَنْ قَالَ لَهُ: طَلَّقْت امْرَأَتَك، أَوْ أَنْكَحْت فُلَانَةَ، أَوْ وَهَبْت امْرَأً كَذَا وَكَذَا.
стр. 5180
فَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ - وَإِنْ وَقَعَ شَكٌّ - أَسَمِعَ الْقَذْفَ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ - وَفَهِمَهُ، أَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ: فَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَهُمَ وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ كَلَامًا آخَرَ. وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵌ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُسْتَبَاحَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَالَ لِآخَرَ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ أَوْ قَالَ فَسَقْت بِهَا]
٢٢٥١ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَالَ لِآخَرَ: فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ، أَوْ قَالَ: فَسَقْت بِهَا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ، وَأَصْحَابَهُمَا قَالُوا: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: إنْ كَانَ لِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَجْهٌ غَيْرُ الزِّنَا فَكَمَا قَالُوا، وَإِنْ كَانَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُمَا غَيْرُ الزِّنَا فَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ؟ فَلَمَّا نَظَرْنَا فِيهِمَا وَجَدْنَاهُمَا يَقَعَانِ عَلَى إتْيَانِهَا فِي الدُّبُرِ - فَسَقَطَ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: جَامَعْتهَا حَرَامًا، وَلَا فَرْقَ قَالَ عَلِيٌّ: فَلَوْ أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُعْتَرِفًا بِالزِّنَا كَمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَالَ لِآخَرَ زَنَيْتِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ زَنَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ]
٢٢٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: زَنَيْتِ - بِكَسْرِ التَّاءِ - أَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: زَنَيْتَ - بِفَتْحِ التَّاءِ - فَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَصِيحٍ: حُدَّ وَلَا بُدَّ. وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا يُحْسِنُ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ سُئِلَ: مَنْ خَاطَبْت؟ فَإِنْ قَالَ: خَاطَبْت غَيْرَهَا، أَوْ قَالَ: خَاطَبْت غَيْرَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْمُؤَنَّثِ لَا يَكُونُ إلَّا بِكَسْرِ التَّاءِ، فَإِذَا خَاطَبَهَا بِفَتْحِ التَّاءِ فَلَمْ يُخَاطِبْهَا، وَخِطَابُ الرَّجُلِ بِفَتْحِ التَّاءِ، فَإِذَا خَاطَبَهُ بِكَسْرِهَا فَلَمْ يُخَاطِبْهُ - وَإِنْ أَقَرَّ: أَنَّهُ خَاطَبَهَا بِذَلِكَ، حُدَّ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَاذِفٌ لَهَا - بِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَذَفَ إنْسَانًا قَدْ زَنَى الْمَقْذُوفُ وَعُرِفَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ]
٢٢٥٣ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا قَدْ زَنَى الْمَقْذُوفُ وَعُرِفَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ - فَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ طَلَبُهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ - إلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: لَهُ طَلَبُهُ
стр. 5181
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ بَيِّنُ الْحَوَالَةِ لَا خَفَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ عُرِفَ صِدْقُهُ فِي الْقَذْفِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَرَفَ الْمَقْذُوفُ أَنَّ قَاذِفَهُ صَادِقٌ فَقَدْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَمُطَالَبَتُهُ إيَّاهُ ظُلْمٌ بِيَقِينٍ، وَإِبَاحَةُ طَلَبِهِ لَهُ إبَاحَةٌ لِلظُّلْمِ الْمُتَيَقَّنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ شُهُودٍ سَمِعُوا الْقَاذِفَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ بِلَا خِلَافٍ فِي أَنَّهُمْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالْقَذْفِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ تُؤَدِّي إلَى الظُّلْمِ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَقَتَلَ أَبُوهُ إنْسَانًا ظُلْمًا، وَأَخَذَ مَالَهُ ظُلْمًا، فَأَتَى وَلَدُ الْمَقْتُولِ الْمَأْخُوذِ مَالُهُ فَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِيهِ، وَأَخَذَ مَالَهُ الَّذِي كَانَ لِأَبِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوَلَدِ هَذَا الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ: بِأَنْ يَطْلُبَ الْمُسْتَقِيدَ - لَا بِدَمٍ، وَلَا بِمَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ بِبَاطِلٍ، وَاسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ بِحَقٍّ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ - وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] الْآيَةَ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِيَامَ بِغَيْرِ الْقِسْطِ. وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]
стр. 5182
وَلَيْسَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَدْرِيَ أَنَّ قَاذِفَهُ لَمْ يَكْذِبْ ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِمَا يُطَالِبُ بِهِ أَهْلَ الْكَذِبِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ قَدْ آذَاهُ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي الْأَذَى حَدٌّ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ.
[مَسْأَلَة قَذَفَ زَوْجَتَهُ فَأَخَذَ فِي اللِّعَانِ ثُمَّ أَعَادَ قذفها قَبْل أَنْ تتم التعانها]
٢٢٥٤ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ فَأَخَذَ فِي اللِّعَانِ، فَلَمَّا شَرَعَ فِيهِ وَمَضَى بَعْضُهُ - أَقَلُّهُ، أَوْ أَكْثَرُهُ، أَوْ جُلُّهُ - أَعَادَ قَذْفَهَا قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ هِيَ الْتِعَانَهَا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ابْتِدَاءِ اللِّعَان؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الْآيَةَ. فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى الِالْتِعَانَ إلَّا بَعْدَ رَمْيِ الزَّوْجَةِ، فَلَا بُدَّ بَعْدَ رَمْيِ الزَّوْجَةِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، كَمَا أَمَرَ بِهِ، وَهِيَ مَا لَمْ تُتِمَّ الْتِعَانَهَا بَعْدَ تَمَامِ الْتِعَانِهِ زَوْجَتَهُ كَمَا كَانَتْ، فَهُوَ فِي تَجْدِيدِ قَذْفِهَا رَامٍ زَوْجَتَهُ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَهَادَةِ أَرْبَعِ شَهَادَاتٍ وَالْخَامِسَةِ، فَإِنْ أَبَى وَنَكَلَ: حُدَّ الْمَقْذُوفُ وَلَا بُدَّ - فَإِنْ رَمَاهَا بِزِنًا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ حُدَّ وَلَا لِعَانَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]
وَلَيْسَ مِنْ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُكَلَّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَيْمَانٍ كَاذِبَةٍ، يُوقِنُ مَنْ حَضَرَ أَوْ الْحَاكِمُ: أَنَّهُ فِيهَا قَاذِفٌ، فَهَذَا عَوْنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ امْرَأَتُهُ كَمَا كَانَتْ وَلَا فُرْقَةَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتِمَّ الْتِعَانُهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَلَوْ رَمَاهَا وَأَيْقَنَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِاللِّعَانِ أَيْضًا، لَكِنْ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ - كَمَا كَانَتْ - يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا فُرْقَةَ إلَّا بَعْدَ الْتِعَانِهِمَا. فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّهُ لَا لِعَانَ فِيمَنْ رَمَى امْرَأَتَهُ بِزِنًا مُمْكِنٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَادِقًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَاذِبًا - فَأَمَّا إذَا تُيُقِّنَ كَذِبُهُ فَلَا يَحِلُّ تَعْطِيلُ وَاجِبِ حَدِّ اللَّهِ عَنْهُ، وَلَا يَحِلُّ عَوْنُهُ عَلَى الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ الْآثِمَةِ، وَلَا يَحِلُّ أَمْرُهُ بِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة قَذَفَ جَمَاعَةً أَوْ وُجِدَ يَطَأُ النِّسَاءَ الْأَجْنَبِيَّاتِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ]
٢٢٥٥ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً، أَوْ وُجِدَ يَطَأُ النِّسَاءَ الْأَجْنَبِيَّاتِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَوْ وُجِدَ يَسْرِقُ مَرَّاتٍ، أَوْ رُئِيَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَرَّاتٍ، فَشَهِدَ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ فِي قَذْفِهِ مَنْ قَذَفَ إلَّا وَاحِدًا، أَوْ صَدَّقَهُ جَمِيعُهُمْ، إلَّا وَاحِدًا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي قَذْفِ أَلْفٍ أَوْ فِي قَذْفِ وَاحِدٍ: حَدٌّ وَاحِدٌ، وَلَا مَزِيدَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أُولَئِكَ اللَّوَاتِي وُجِدَ يَطَأُهُنَّ إمَاؤُهُ إلَّا وَاحِدَةً، فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي الزِّنَا بِأَلْفٍ، أَوْ فِي الزِّنَا بِوَاحِدَةٍ: حَدٌّ وَاحِدٌ، وَلَا مَزِيدَ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى كُلِّ مَا سَرَقَ: أَنَّهُ مَالُهُ أَخَذَهُ حَاشَ بَعْضَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي أَلْفِ سَرِقَةٍ، وَفِي سَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ: حَدٌّ وَاحِدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ عَقْلِهِ، أَوْ كَانَ فِي ضَرُورَةٍ لِعِلَاجٍ أَوْ غَيْرِهِ، إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً: فَعَلَيْهِ جَلْدُ الْأَرْبَعِينَ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي شُرْبِ أَلْفِ مَرَّةٍ، وَفِي جَرْعَةٍ: حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا قَدَّمْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 5183
[كِتَابُ الْمُحَارِبِينَ]
َ ٢٢٥٦ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاخْتَلَفَ النَّاسُ، مَنْ هُوَ الْمُحَارِبُ الَّذِي يَلْزَمُهُ هَذَا الْحُكْمُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُحَارِبُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُمْ الْمُشْرِكُونَ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ - كَمَا نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - نا يَحْيَى، وَخَالِدٌ - هُمَا الْقَطَّانُ - وَأَبُو الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ. وَبِهِ - إلَى إسْمَاعِيلَ نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ نا هُشَيْمٌ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثَاقٌ فَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَقَطَعُوا السَّبِيلَ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فَخَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﵇ فِيهِمْ إنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَصْلُبَ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ.
وَبِهِ - إلَى إسْمَاعِيلَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نا أَشْعَثُ نا سُفْيَانُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَبِهِ - إلَى إسْمَاعِيلَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمُ الْهَرَوِيُّ، قَالَ مُحَمَّدُ: نا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: نا سُفْيَانُ، ثُمَّ اتَّفَقَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، وَسُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، قَالَا جَمِيعًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] هَذِهِ الْآيَةَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْ
стр. 5184
الْمُشْرِكِينَ شَيْئًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ لَهُمْ حَرْبٌ - فَأَخَذَ مَالًا، وَأَصَابَ دَمًا، ثُمَّ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ أُهْدِرَ عَنْهُ مَا مَضَى نا حُمَامٌ الْقَاضِي نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ نا أَبُو يَعْقُوبِ الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ: الْمُحَارَبَةُ شِرْكٌ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَقُولُ أَنَا: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُحَارِبُ النَّبِيَّ ﷺ إلَّا أَشْرَكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الْمُرْتَدُّ كَمَا نا أَبُو سَعِيدٍ الْجَعْفَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الإدفوي نا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ النَّحْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا خَرَجَ الْمُسْلِمُ فَشَهَرَ سِلَاحَهُ، ثُمَّ تَلَصَّصَ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ - وَلَوْ تُرِكَ لَبَطَلَتْ الْعُقُوبَاتُ، إلَّا أَنْ يَلْحَقَ بِبِلَادِ الشِّرْكِ ثُمَّ يَأْتِيَ تَائِبًا: فَتُقْبَلُ مِنْهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: اللِّصُّ لَيْسَ مُسْلِمًا - كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْت نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ - عَنْ لِصٍّ مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ أَتَى مُسْلِمًا وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ، وَيُهْرِيقَ دَمَهُ؟ قَالَ: لَوْ كُنْت أَنَا امْتَنَعْت - هَذَا الَّذِي يَسْتَغِيلُنِي لِيُهْرِيقَ دَمِي، وَيَأْخُذَ مَالِي، لَيْسَ بِمُسْلِمٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كُلُّ لِصٍّ فَهُوَ مُحَارِبٌ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ - أَوْ غَيْرِهِ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: مَنْ خَرَّبَ فَهُوَ مُحَارِبٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُحَارِبُ اللِّصُّ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: اللِّصُّ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَاقْتُلْهُ، فَمَا أَصَابَك فِيهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ دَمِهِ فَعَلَيَّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَكُونُ الْمُحَارِبُ إلَّا مَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ: كَمَا نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ قَالَ: جَاءَ
стр. 5185
مِسْعَرُ بْنُ فَدْكِيٍّ - وَهُوَ مُتَنَكِّرٌ - حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَمَا تَرَكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِيهَا تَشْدِيدٌ إلَّا سَأَلَهُ عَنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ، لَهُ تَوْبَةٌ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِسْعَرَ بْنَ فَدْكِيٍّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِسْعَرَ بْنَ فَدْكِيٍّ، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: فَأَنَا مِسْعَرُ بْنُ فَدْكِيٍّ فَأَمِّنِّي؟ قَالَ: أَنْتَ آمِنٌ، قَالَ: وَكَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَيَسْتَحِلُّ الْفُرُوجَ.
وَبِهِ - إلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ نا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ التَّمِيمِيَّ - كَانَ عَدُوًّا لِعَلِيٍّ وَكَانَ يَهْجُوهُ - فَأَتَى الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ﵃ لِيَأْخُذُوا لَهُ أَمَانًا، فَأَبَى عَلِيٌّ أَنْ يُؤَمِّنَهُ، قَالَ سَعِيدٌ: فَانْطَلَقْت إلَى عَلِيٍّ فَقُلْت: مَا ﴿جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ قُلْت: إلَّا مَاذَا؟ قَالَ ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] قُلْت: فَإِنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ قَدْ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، قَالَ: هُوَ آمِنٌ، قَالَ: فَانْطَلَقْت بِحَارِثَةَ إلَى عَلِيٍّ فَآمَنَهُ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ نا أَبُو يَعْقُوبِ الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، قَالَا جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي اللِّصِّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَهُوَ مُحَارِبٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَيْثُمَا قَطَعَ الطَّرِيقَ فِي مِصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ مُحَارِبٌ: كَمَا كَتَبَ إلَيَّ أَبُو الْمُرَجَّى بْنُ ذَرْوَانَ الْمِصْرِيُّ نا أَبُو الْحَسَنِ الرَّحَبِيُّ نا مُسْلِمٌ الْكَاتِبُ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغَلِّسِ قَالَ: ذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَسَنَ عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا بِالسَّيْفِ بِالْبَصْرَةِ؟ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ فَهُوَ مُحَارِبٌ. حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ قَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْته يَقُولُ: مَنْ رَفَعَ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعَهُ: مُحَارِبٌ، فَدَمُهُ هَدَرٌ - قَالَ: وَكَانَ طَاوُسٌ يَرَى هَذَا أَيْضًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ الْكِنَانِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ خَلِيلٍ نا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ نا
следующие страницы →