← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

اللقاء الشهري [١] العلم النافع والعمل الصالح هما مفتاح دار السعادة وأساس النجاة للعبد في دنياه وآخرته، والعلماء مطالبون بتعليم أحكام الله للناس ونشرها، ولقد كان للوالد الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين قصب السبق في هذا المضمار، وهاهو معكم في هذه المادة يطوف بكم في بعض المسائل مبتدئاً بالكلام عن الصلاة ومقدماتها، وخاتماً بالإجابة عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.

стр. 2

كيفية ترتيب الأسئلة وتقديمها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذا لقاء طيب في ليلة مباركة، وفي بيت من بيوت الله تعالى، ونسأل الله أن يجعل هذا اللقاء بداية للقاءات متجددة متكررة، مع والدنا وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله تعالى. وإننا لنعتبر هذا اللقاء فتحاً مبيناً بإذن الله، لأن الناس استبشروا خيراً بأن يكون لقاء يجلسون فيه مع فضيلة الشيخ، يدلون إليه بأسئلتهم ومشاكلهم عبر هذا اللقاء. ولعل أدل دليل على ذلك، هذا الجمع المبارك ولله الحمد، فنسأل الله أن يجزي شيخنا عنا خير الجزاء، ولعل للشيخ تعقيباً أو كلمة تقديمية يريد أن يتحفنا بها في بداية هذا اللقاء، ريثما تجتمع لدينا أسئلتكم المباركة، وإني أطرح تساؤلاً لفضيلة الشيخ قبل أن نبدأ اللقاء والإجابة على الأسئلة، وأريده أن يجعل لنا فيه بياناً شافياً ألا وهو: إن الأسئلة التي ترد علينا كثيرة، واللقاء قد لا يكفي لعرضها، فأريد من الشيخ أن يجعل لنا حلاً لهذه الأسئلة، كيف يكون ترتيبها، وهل لنا حق الاختيار في تقديم ما نراه أولى، وهل إذا سئلنا بالله، لأن بعض الإخوة يقول: سألتك بالله إلا عرضت هذا السؤال، وقد يكون السؤال متكرراً أو غيره أولى منه، هل هذا ملزمٌ لنا أو لا؟ هذه تساؤلات أطرحها بين يدي شيخي فليتفضل جزاه الله خيراً على ما بذل. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإنني أشكر الله على تيسير هذا اللقاء المبارك، الذي تم باقتراح من مكتب الدعوة في عنيزة، وأسأل الله تعالى الذي منَّ بتيسيره وتسهيله أن يجعله نافعاً لنا ولمن يستمع إليه. إن لقاءنا هذه الليلة، ليلة الأحد الرابع والعشرين من شهر شوال، عام اثني عشر وأربعمائة وألف، هو أول لقاء كان استجابة لهذا الاقتراح. وكان المقرر أن يكون في الأحد الثالث من كل شهر، ولكنه تأخر هذا الشهر إلى الأحد الرابع، بمناسبة صيام الناس أو أكثر الناس للأيام الست بعد رمضان، وسنعود إن شاء الله في الشهر القادم إلى الموعد الأول، أي: يكون هذا اللقاء في الأحد الثالث من كل شهر. أما ما تساءل عنه أخونا الشيخ/ حمود بن عبد العزيز الصايغ، بالنسبة للأسئلة التي قد تكون كثيرة، ولا يتسع المقام لعرضها، فإني أرى أن يقدم الأهم فالأهم؛ لأن هذه هي القاعدة الشرعية فيما إذا تزاحمت الأشياء، وقد يقال: إنه ينبغي أن يقدم الأول فالأول، لكن ضبط هذا يعسر ويصعب. وأما سؤاله الثاني: وهو ماذا نصنع لو قدم السائل بين يدي سؤاله: أسألك بالله أن تعرض هذا السؤال؟ فأقول: أولاً: لا ينبغي للسائل أن يقدم مثل هذا لما فيه من الإحراج؛ لأنه قد يحرج مقدم الأسئلة إذا سأله بهذا الأسلوب، ومع ذلك فأرى أن المصلحة مقدمة، وأن هذا السؤال إذا لم يكن هناك مجال لعرضه في هذا اللقاء فإنه يبقى ليعرض في اللقاء الآخر، ويكون قد أجيب هذا السائل حيث عُرض سؤاله، ولكني أقول: أرجو من الإخوة ألا يصدروا أسئلتهم بقولهم: (أسألك بالله) بل يكتب: سؤال من شخص، فإذا يسر الله تعالى أن يُقرأ فإنه يُقرأ.

стр. 3

وقفات مع الصلاة الآن نبدأ هذا اللقاء بكلام يسير عن وقفات في الصلاة: الصلاة التي هي عمود الإسلام، وأعظم أركانه بعد الشهادتين، لا بد أن يكون لها شأن عظيم، حيث نالت هذه المرتبة، ولنقف وقفات مع هذه الصلاة. فالصلاة لها مقدمات من أهمها: الطهارة: فإنها مفتاح الصلاة، فالطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في البدن والثوب والبقعة، وهذا يدل على أنها ذات شأن؛ لأنه لا يوجد شيء في العبادات اتفق العلماء على اشتراط الطهارة له إلا الصلاة، فالطواف مختلف فيه، هل يشترط له الطهارة أو لا؟ ومس المصحف مختلف فيه، هل تشترط له الطهارة أو لا؟ ولم يجمع العلماء على شيء من العبادات تشترط له الطهارة إلا الصلاة، فهي ذات شأن، لا يدخلها الإنسان إلا وقد طهَّر ظاهره وباطنه. فيقف بين يدي الله ويكبر تكبيرة الإحرام. قال بعض العلماء: والحكمة من ذلك بعد كونها اتباعاً لرسول الله ﷺ ، أنها إشارة إلى رفع الحجاب بين المصلي وبين ربه. ثم بعد ذلك يضع يده اليمنى على اليسرى مطأطئاً رأسه، خاضعاً لله بعد أن يكبر فيقول: الله أكبر. فأنت ترى نفسك -الآن- واقفاً بين يدي الله، بين يدي ملك الملوك، الذي يعلم ما توسوس به نفسك، ويعلم أحوالك كلها، فلتتأمل من وقفت بين يديه، لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا، لوجدت نفسك صامتاً لا تتكلم، ولا ترفع الطرف إليه؛ تعظيماً له، فكيف وأنت بين يدي الله ، فاستحضر عظمة من أنت واقف بين يديه تناجيه بكلامه، فأنت تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فيجيبك الله من فوق سبع سماوات ويقول: حمدني عبدي، فإذا قلت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله: مجدني عبدي، فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦-٧] قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. تأمل هذه المحاورة والمناجاة بينك وبين الله ، ولهذا كان النبي ﷺ يقف في سورة الفاتحة عند كل آية، يتأمل ويتدبر. ثم بعد القراءة -قراءة الفاتحة، وقراءة ما تيسر من القرآن- تحني ظهرك تعظيماً لله راكعاً، ولهذا قال النبي ﵊: (أما الركوع فعظموا فيه الرب) فتكون معظماً لله بهيئتك وفعلك وقولك. بهيئتك؛ لأن هيئة الركوع تعظيم. وفعلك؛ لأن الركوع والانحناء فعل. وقولك: لأنك تقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، ثم تعود مرة ثانية إلى الوقوف بين يدي الله حامداً له بمحامده التي جاءت عن رسوله ﷺ ، ثم بعد هذا تخر ساجداً واضعاً أعلى ما في بدنك، وأشرف ما في بدنك، واضعاً إياه في محل أقدامك، ولهذا ترى الساجد يضع جبهته عند السجود ويقول: (سبحان ربي الأعلى) لا يقول: سبحان ربي الأعز، يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأن أعلى ما فيك صار محاذياً لأسفل ما فيك. ما هو أسفل ما فيك؟ الأقدام. وأعلى ما فيك الجبهة، فصار أعلى ما فيك محاذياً لأسفل ما فيك، وهذا لا شك أنه ليس كالعلو، فلهذا تقول: (سبحان ربي الأعلى) الذي هو منزه عن السفل، فتجد أن هذا الذكر مناسب تماماً للسجود، ثم تعود لتجلس بين السجدتين داعياً الله بما جاء عن رسوله ﷺ ثم تعود مرة ثانية إلى السجود. وهكذا نجد أن الإنسان في صلاته يتنفل بين روضات العبودية، من قيام إلى ركوع إلى سجود ومن قرآن إلى ذكر وتعظيم، ومن ذلك إلى دعاء الله . قال النبي ﵊: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم) . إنني أحث نفسي وإياكم على تأمل هذه الأشياء وهذه الأفعال وهذه الأقوال، حتى تكون صلاتنا صلة بيننا وبين الله ، وحتى لا تكون وكأنها عادة نقوم بها في أوقاتها المحددة. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الخاشعين في صلاتهم، المداومين عليها، المحافظين عليها. وإلى الأسئلة التي جمعها الإخوة نسأل الله أن يوفقنا فيها للصواب.

стр. 4

الأسئلة

стр. 5

حكم الأقمشة المرسوم عليها صور حيوانات أو نساء عاريات السؤال فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرجو من فضيلتكم الإجابة عن الأسئلة التالية: توجد بعض الأقمشة النسائية مرسوم عليها صورة حيوانات أو نساء عاريات، تمثل مريم العذراء، أو صورة رجال وأطفال، أو غير ذلك من الصور، وأقمشة أخرى كتب عليها لفظ الجلالة مع أن كثيراً منها لا يتضح للعين إلا بعد الملاحظة والتدقيق، فما حكم شراء هذه الأقمشة، ولبسها والصلاة فيها؟ وما حكم دخول الحمام فيما كتب عليه لفظ الجلالة؟ وهل يجوز للبائع بيعها دون أن يعلم المشتري بما فيها؟ وهل يحل له ثمنها حتى إن أعلم المشتري؟ وما واجب المجتمع -رجاله ونسائه- في القضاء على هذه الظاهرة، وجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؟ الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. جوابنا على هذا السؤال أن أقول لمقدمه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأما ما ذكره من هذه الألبسة المشتملة على ما ذكر، فإن الواجب علينا مقاطعتها وعدم شرائها، وذلك لأنها محرمة، حيث إنها تشتمل على صور، إما صور حيوانات، وإما صور نساء عاريات، وإما كتابات غير لائقة، وإما كتابات شيء محترم، كذكر الله ، وكل هذا يوجب مقاطعتها حتى لا يتمكن أعداء الإسلام من الدخول علينا بمثل هذه الأمور التي يستعملها الصغار والكبار، وأهل الشر لهم أساليب في الدعوة إلى الشر، يغزوننا بمثل هذه الأشياء ليمررونها علينا، والشيء إذا مر على الإنسان كثيراً سقطت هيبته من نفسه وصار شيئاً معتاداً، ولهذا كان من الأمثال السائرة المعروفة: (إذا كثر الإمساس قلَّ الإحساس) . أما بالنسبة لجلبها وبيعها وشرائها فإنه حرام، ولا يحل لأحد أن يجلب مثل هذه الألبسة إلى بلاد المسلمين، ولا يحل لأحد أن يتولى بيعها على المسلمين، ولا يحل لأحد أن يشتريها أيضاً، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه) فإذا كانت هذه الأشياء محرمة، كان ثمنها محرماً، ونصيحتي لإخواني المسلمين أن يكونوا متيقظين لما يريدهم به أعداؤهم، فنسأل الله السلامة وأن يعيننا حتى نرد كيد أعدائنا في نحورهم.

стр. 6

الضابط في الكلام على الجماعات الإسلامية السؤال فضيلة الشيخ! كثر الكلام بين كثير من الناس حول الجماعات وغيرها، فما هو الضابط في النقد والكلام على الجماعات الإسلامية التي على الساحة بحيث أصبح الناس فيها ما بين مُفْرِطٍ ومُفرِّط؟ الجواب الواقع أن الجماعات التي على الساحة -كما يقول السائل- أمر واقع، ولكن ما الذي ننهجه من مناهج هذه الجماعات؟ الذي ننهجه من مناهج هذه الجماعات هو ما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الائتلاف وعدم العداوة، ووجوب الاجتماع وعدم التفرق، وأن نكون دعاة إلى الله بألسنتنا وقلوبنا، فلا ينفر بعضنا من بعض، ولا يضلل بعضنا بعضاً، وعلينا أن نجتمع وأن نتناقش فيما اختلفنا فيه، حتى إذا تبين الحق مع أحد الجانبين وجب على الآخر اتباعه؛ لأن الله قال في كتابه العظيم: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] . أما كون الأمة تتفرق شيعاً وكل حزب يقول: الحق معي، ومع ذلك لا يقتصر على هذا القول بل يضلل غيره، ويبدع غيره، وينفر منه، فلا شك أن هذه وصمة عار وعيب على الأمة الإسلامية، وهي من أشد الأسلحة فتكاً بهذه الصحوة المباركة. فالذي أنصح به إخواننا، أن يجتمعوا ويتدارسوا ما بينهم من الخلاف، والرجوع إلى الحق واجب كل مسلم.

стр. 7

حكم من جامع امرأته في نهار رمضان جاهلاً بالحكم السؤال رجل جامع امرأته في نهار رمضان ولم ينزل وهو يجهل هذا الحكم وعقوبته، ويعلم أن الجماع بالإنزال حرام فما الحكم؟ الجواب القول الراجح أن من فعل مُفطِّراً من المفطرات، أو محظوراً من المحظورات في الإحرام، أو مفسداً من المفسدات في الصلاة وهو جاهل فإنه لا شيء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله: (قد فعلت) فهذا الرجل الذي أتى أهله في نهار رمضان، إذا كان جاهلاً بالحكم يظن أن الجماع المحرم هو ما كان فيه إنزال، فإنه لا شيء عليه، أما إذا كان يدري أن الجماع حرام ولكنه لم يعرف أن فيه الكفارة، فإن عليه الكفارة؛ لأن هناك فرقاً بين الجهل بالحكم وبين الجهل بالعقوبة. فالجهل بالعقوبة لا يعذر به الإنسان، والجهل بالحكم يعذر به الإنسان، ولهذا قال العلماء: لو شرب الإنسان مسكراً، يظن أنه لا يسكر أو يظن أنه ليس بحرام فإنه ليس عليه شيء. ولو علم أنه مسكر وأنه حرام، ولكن لا يدري أنه يعاقب عليه، فعليه العقوبة ولا تسقط عنه، وبناءً على هذا نقول للسائل: إذا كنت لا تدري أنه يحرم عليك الجماع ولو بدون إنزال فإنه لا شيء عليك، ولا على زوجتك أيضاً إذا كانت مثلك في الجهل.

стр. 8

حكم إدخال الأشرطة الإسلامية إلى البيت دون علم الزوج السؤال عندي والدة لم يتسنَّ لها التعلم، وعندها جهل، وترغب في سماع الأشرطة من المسجل، إلا أن والدي حرجنا ومنعنا من إدخاله البيت، وهي تسأل فضيلتكم وتقول: هل عليَّ حرج في إدخاله بدون علمه، لأستفيد منه في أمور ديني لأني كما ذكرت لا أقرأ ولا أكتب، ولو كنت أقرأ لاستغنيت عنه وجزاكم الله خيراً؟ الجواب ليس للزوج أو لعائل البيت أن يمنع من دخول الأشرطة المفيدة، بل الذي ينبغي له أن يشكر الله على هذه النعمة، أن فتح قلوب أهل البيت لسماع مثل هذه الأشرطة المفيدة، وإذا قدر أنه حرَّج عن دخول هذه الأشرطة، فلا حرج على أهل البيت أن يدخلوها خفية عنه؛ لأنه ليس لأحد أن يمنع أحداً من استماع الذكر، وإذا كان الزوج الذي منع أهله من إدخال هذه الأشرطة أو سماعها، إذا كان في شك منها فليستمع إليها أولاً، ثم ليمنع ما كان محظوراً، أما ما ليس بمحظور فليس من حقه أن يمنع أهله من استماع الذكر، ولهم أن يدخلوا ذلك خفية عنه وينتفعوا.

стр. 9

مخالفات في بيع السلم السؤال إذا باع صاحب مزرعة محصوله من القمح بيع سلم فهل يجوز إدخاله الصوامع باسمه ليحصل المشتري على الثمن منها؟ الجواب الواجب على المسلم أن يكون صادقاً مبيّناً في بيعه وشرائه وفي جميع أحواله، قال النبي ﷺ : (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذباً وكتما محقت بركة بيعهما) فلا يحل لصاحب المزرعة أن يدخل زرعه الذي باعه سلماً على غيره باسمه -أي باسم صاحب المزرعة- لأن هذا القمح لم يعد ملكاً له، بل قد انتقل ملكه إلى ملك المشتري، وحينئذٍ نقول: إذا حصل مثل هذا الشيء فعلى الطرفين أن يتوبا إلى الله، وألا يعودا لمثل ذلك.

стр. 10

حكم صلاة الجنازة بالنسبة للنساء السؤال هل يجوز للمرأة أن تجمع أهل البيت من النساء وتصلي بهن صلاة الجنازة على ميتهم في ذلك المنزل؟ الجواب لا حرج أن تصلي المرأة على الجنازة، سواء صلت عليها في المسجد مع الناس، أو صلت عليها في بيت الجنازة؛ لأن النساء لا يمنعن من الصلاة على الميت، وإنما يمنعن من زيارة القبور، فإن النبي ﷺ : (لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) هذا إن قصدت الزيارة، أما إذا لم تقصد الزيارة بأن تكون ذهبت لشغل لها، ومرت بالمقبرة فلا حرج عليها أن تقف وتسلم على أهل القبور وتدعو لهم.

стр. 11

حكم التشريك في العقيقة السؤال هل يجزئ سُبْع البقرة في عقيقة البنت قياساً على الأضحية؟ الجواب يقول العلماء: إنه لا تشريك في العقيقة التي نسميها التميمة، وذلك لأن العقيقة فدية عن نفس، فلا بد أن تكون نفساً كاملة، وبناءً على ذلك: لا يجزئ الإنسان أن يذبح بدنة عن سبع عقائق، بل إن العلماء ﵏ قالوا: إن ذبح الشاة أفضل من ذبح البعير، يعني: لو أردت أن تعق بشاة أو ببعير قلنا لك: الأفضل أن تعق بشاة؛ لأنها هي التي وردت بها السنة.

стр. 12

حكم من صامت ثم جاءتها الدورة بعد غروب الشمس السؤال أنا امرأة صمت أيام الست من شوال، وآخر يوم من الصيام أحسست بألم الدورة، ونزل في هذا اليوم كُدرة معي، ولم ينزل الدم إلا في الليل، فهل هذا الصيام صحيح، أم عليَّ إعادة هذا اليوم، أرجو من فضيلتكم إفادتي؟ الجواب أن صيام هذا اليوم صحيح؛ لأن الدم لم ينزل إلا بعد غروب الشمس، والمرأة إذا أحسَّت بالحيض ولم ينزل الدم إلا بعد غروب الشمس فإن صومها صحيح، سواء فرضاً أم نفلاً.

стр. 13

بعض أحكام الجماعة الثانية في المسجد السؤال قول النبي ﷺ : (من يتصدق على هذا؟) لمن فاتته الصلاة، المتصدق هل يكون إماماً أو مأموماً، وهل يتم الصلاة كاملة، أم يصلي ركعتين، وهل يصح ذلك في أوقات النهي، مثلاً بعد صلاة العصر لمن فاتته العصر؟ الجواب أولاً: لا بد أن نعلم أن إعادة الجماعة في مسجد أقيمت فيه الجماعة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون ذلك على وجه الاستمرار، بحيث يكون في هذا المسجد جماعتان دائماً، فهنا نقول: إن الجماعة الثانية بدعة؛ لأن المطلوب من الأمة الإسلامية أن تجتمع على إمام واحد. القسم الثاني: أن تكون الجماعة الثانية عارضة، يعني ليست باستمرار، فهذه الجماعة مشروعة، ومن قال إنها بدعة فقد أخطأ، فإذا دخل المسجد جماعة قد فاتتهم صلاة الجماعة الأولى فإنهم يصلونها جماعة، لعموم قول النبي ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) . ولأن رجلاً دخل المسجد والنبي ﷺ في أصحابه وقد انتهت الصلاة فقال: (ألا رجل يقوم إلى هذا فيتصدق عليه فيصلي معه، فقام أحد الصحابة فصلى معه) . إذاً: هذه الجماعة التي كانت بعد الجماعة الأولى بدون أن تكون باستمرار جماعة مطلوبة، وليست بمكروهة ولا محرمة ولا بدعة. وأما سؤال السائل: هل يكون المتصدق إماماً أو مأموماً؟ فميزان هذا قول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فإن كان الذي قام ليتصدق أقرأ لكتاب الله من الرجل الداخل، فليكن هو الإمام، وإن كان الثاني -أعني الداخل- أقرأ من الذي قام ليتصدق عليه فإنه يكون هو الإمام، وإن تساوى الرجلان أو تقاربا، فإن الإمام هو الداخل، فيكون المتصدق مأموماً بالداخل، ليكون متنفلاً خلف من يصلي الفريضة، ولا حرج أن يكون الداخل مأموماً والمتصدق إماماً؛ لأن القول الراجح أن صلاة المفترض خلف المتنفل جائزة، ودليلها فعل معاذ بن جبل ﵁، حينما كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم هذه الصلاة، فهي له نافلة ولهم فريضة. وأما سؤال السائل: هل يتم الصلاة معه أو يقتصر على ركعتين؟ فجوابه: أنه يتم الصلاة معه، حتى لو كانت صلاة المغرب، فإنه يصليها ثلاثاً كحال الداخل. وأما سؤال السائل: هل يصلي هذه النافلة في وقت النهي؟ فالجواب: نعم. يصليها في وقت النهي؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم: (أن كل نفل له سبب فإنه لا نهي عنه) . ففعل ذوات الأسباب في أوقات النهي جائز، لأن السنة وردت بمثل ذلك.

стр. 14

ما تدرك به صلاة الجنازة السؤال لو دخلت مع الإمام في صلاة الجنازة وقد كبر بعض التكبيرات فما الحكم؟ وماذا أصنع؟ نرجو التوضيح وفقكم الله؟ الجواب صلاة الجنازة من فروض الكفايات، والقائم بها يثاب ثواب الواجب، فإذا دخل الداخل وقد كبر الإمام بعض التكبيرات، فإنه يدخل معه ويدعو بالدعاء في التكبيرة التي كبرها الإمام، فإذا قدرنا أنه دخل والإمام في التكبيرة الثالثة، والتكبيرة الثالثة هي التي يدعى فيها للميت، فإنه يدخل معه ويدعو للميت لقول النبي ﷺ : (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) ثم إذا سلم الإمام من صلاة الجنازة، أتم المأموم ما فاته إن بقيت الجنازة حتى يتم، فإن رفعت قبل أن يتم فله أن يسلم، وله أن يكبر تكبيرات متوالية فيما بقي من التكبيرات ويسلم، هكذا قال أهل العلم ﵏ في هذه المسألة.

стр. 15

حكم العمل بشهادة نيلت بالغش وحكم لراتبه السؤال فضيلة الشيخ! أنا تخرجت من الجامعة لكن غشَّاً وقدمت أوراقي للجهات المختصة للحصول على وظيفة. فما حكم الراتب والحال ما ذكرت والعمل حيال ذلك؟ الجواب النجاح بالغش إذا كان في الشهادة الأخيرة التي بني عليها الراتب، فالذي أرى أنه لا يستحق الراتب؛ لأن المبني على الباطل باطل، وعلى هذا فيعيد الاختبار مرة ثانية، اللهم إلا إذا كانت الوظيفة من مختصات الدروس التي نجح فيها بدون غش فأرجو ألا يكون عليه بأس، ولكن عليه التوبة. مثال ذلك: لو توظف وظيفة محاسبة، وكان في مادة المحاسبة قد نجح، وغش في غيرها، فأرجو أن تكون وظيفته حلالاً؛ لأنه يجيد العمل الخاص بها ولكن عليه أن يتوب إلى الله مما صنع من الغش.

стр. 16

حكم خروج الزوجة والبنات مع السائق السؤال أنا أب ولي أبناء ونحن مشغولون بأعمالنا، لذا نسمح للسائق أن يذهب بزوجتي وبناتي إلى السوق والمحاضرات الدينية والثقافية، أرجو إعطائي وإخواني الجواب الكافي حول هذا الفعل من ناحية حله وحرمته، والله يحفظكم. الجواب إذا كان السائق أميناً وركبت معه امرأتان فأكثر إلى السوق، فإن هذا لا بأس به، وذلك لأن المحذور هو الخلوة أو السفر؛ فلا يحل أن يخلو السائق بامرأة واحدة ولو إلى السوق، ولا يحل للسائق أن يسافر ولو بنساء متعددات؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فإذا كان الذهاب والمجيء في نفس البلد ولم تحصل خلوة، بل كان مع السائق امرأتان فأكثر، وكان السائق أميناً، فإن هذا لا محذور فيه ولا حرج فيه، ولكن السائق لا بد أن يكون أميناً، أما إذا كان غير أمين فإنه يخشى من شره، ولو كانت المرأة معها امرأة أخرى. وأما مسألة استجلاب السائقين والخدم والخادمات، فالذي نرى أنه لا ينبغي إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك؛ لأن الأمور الواقعة من بعض الخدم من رجال أو نساء توجب للإنسان التوقف في استجلاب هؤلاء الخدم.

стр. 17

حكم التقدم للقرض بأرض مستعارة السؤال أريد أن أتقدم إلى البنك العقاري بأرض مستعارة من أخي ومن ثم أردها بعد ذلك هل يجوز أم في ذلك تحايل؟ الجواب لا يجوز للإنسان أن يقدم أرضاً باسمه وهي لغيره من أجل أن يتحيل على أخذ أموال من البنك العقاري؛ لأن المقدم سوف يقدم هذه الأرض على أنها له وهو كذب، وما ترتب على الكذب فإنه حرام، ولكن خير من هذا أن يطلب من أخيه أن يبيع عليه الأرض بثمن مؤجل ولو زاد ثم يقدمها إلى البنك، ويكون في هذه الحال قد أتى البيوت من أبوابها.

стр. 18

كيفية صلاة المريض جالساً السؤال كيف يصلي المريض جالساً؟ هل يجلس متربعاً أو كهيئة التشهد؟ وما هو الدليل على ذلك حفظك الله؟ الجواب المريض إذا صلى جالساً أو إذا صلى غير المريض النفل جالساً، فإنه يتربع في حال القيام وفي حال الركوع، أما في حال السجود والجلوس، فإنه يكون كهيئته في جلوس التشهد أو الجلسة بين السجدتين، ودليل ذلك أن النبي ﷺ لما صلى جالساً صلى متربعاً، وأما في حال السجود وفي حال الجلوس بين السجدتين وفي حال التشهد فإن الافتراش هو الأقرب إلى هيئة الصحيح، وما كان هو الأقرب إلى هيئة الصحيح فهو أولى.

стр. 19

حكم من فاتته صلاة المغرب وأدرك العشاء السؤال رجل دخل المسجد وهو مسافر، فوجدهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب فدخل معهم، ولما قام الإمام إلى الرابعة جلس فهل فعله صحيح أم لا. أفتونا مأجورين؟ الجواب القول الراجح أن فعله صحيح، يعني: أنك إذا أدركت الإمام وهو يصلي العشاء وأنت لم تصل المغرب أن تدخل معه، فإذا قام إلى الرابعة فاجلس وانو الانفراد عن الإمام، وأكمل التشهد وسلم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، هذا هو القول الراجح. وقال بعض العلماء: بل صل المغرب أولاً وحدك أو مع من معك، ثم بعد هذا ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء. وقال بعض العلماء: ادخل مع الإمام بنية صلاة العشاء فإذا فرغت منها فصل المغرب. فهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، وأقواها وأرجحها القول الأول، وهو أن تدخل معهم بنية المغرب، ثم إذا قام إلى الرابعة جلست وتشهدت وسلمت ودخلت مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء.

стр. 20

كيفية مسح المرأة لرأسها في الوضوء السؤال هل مسح الرأس للمرأة مثل الرجل؟ وماذا تفعل إذا كان شعرها طويلاً؟ هل تمسحه إلى نهايته وترجع، أم يكفي مسحه إلى حد رأس الرجل؟ الجواب يجب أن نعلم أن الأحكام الشرعية تتفق فيها النساء مع الرجال والرجال مع النساء، إلا ما قام الدليل على التفريق بينهما، وعلى هذا: فالمرأة يشرع لها في مسح الرأس ما يشرع للرجل، فتضع يديها على مقدم الرأس، ثم تردهما إلى قفاه ثم تردهما إلى المحل الذي بدأت منه كما يصنع الرجل ولا يلزمها أن تمسح إلى أسفل الرأس، بل تمسح إلى حد منابت الرأس، وكذلك الرجل إذا كان له شعر طويل إلى الكتفين، فإنه لا يلزمه أن يمسح إلا على قدر منابت الشعر فقط.

стр. 21

أهمية التوبة السؤال أنا أصلي ولكن أفعل بعض المنكرات، فما هي نصيحتكم لي؟ ولماذا لم تنهني صلاتي عن المنكر؟ الجواب نصيحتي لك أن تتوب إلى الله ، وأن تصدق الإقبال إلى الله، وأن تستحضر عظمة من عصيت وعقوبته لمن خالف أمره، وأن تقرأ قول الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٥٠] فاستغفر الله واسترحمه، وخف من عذابه. وأما كونك تصلي وصلاتك لا تنهاك عن المنكر فلعل صلاتك فيها قصور؛ لأن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي الصلاة الكاملة، التي تكون على وفق ما جاء عن النبي ﷺ باستحضار القلب، وأداء العمل كما جاءت به السنة. وليس كل صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، بل الصلاة المقامة التي أقامها الإنسان على الوجه الذي ينبغي، قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] يعني: التي أقمتها على الوجه الصحيح.

стр. 22

صور من البيع والشراء الصحيح السؤال هل يجوز لي أن أشتري السلعة وأبيعها على شخص قد عرفت بل وتيقنت قبل شرائي للسلعة أنه سوف يشتري السلعة مني، مع العلم أنه لم يكن هناك وعد أو اتفاق مسبق، بل لمعرفتي بالشخص تيقنت أنه سوف يشتريها مني؟ الجواب لا بأس إذا علم الإنسان أو غلب على ظنه أن فلاناً يطلب ويبحث عن سلعة معينة، فذهب الإنسان فاشتراها ثم باعها عليه بثمن مؤجل أكثر مما اشتراها به؛ لأن هذا الرجل لم يتفق مع المشتري على بيع السلعة قبل أن يشتريها، وإنما رأى رغبة الناس أو رغبة هذا الشخص في هذه السلعة فاشتراها ثم باعها عليه. ولكن يجب أن يقيّد هذا بما إذا لم يكن خداعاً؛ لأن بعض الناس يخدع إخوانه؛ يعلم أن هذه الأرض سيمر بها طريق -شارع- فيذهب إلى صاحبها ويشتريها منه من أجل أن تثمن له، ولا يخبر صاحبها أنه قد تقرر أن يمر بها الشارع وتثمنها الحكومة، وهذا غش لا يحل له، يجب أن يقول: إنني سمعت أن الحكومة سوف تفتح طريقاً على أرضك، وبالطبع سوف تثمن لك الأرض، وحينئذ إن شاء باع وإن شاء انتظر. أما أن تعلم أنه لابد أن يمر الطريق على هذه الأرض وأنه سوف يثمن لهذه الأرض ثمن كبير، فتخدع صاحب الأرض وتشتريها من غير أن تعلمه فإن هذا من الغش.

стр. 23

جوائز السحب بين المشروع والممنوع السؤال فضيلة الشيخ! كثر في الآونة الأخيرة في محطات البنزين وضع دفاتر بقيمة مائة وخمسين ريالاً أو أقل أو أكثر، وفي هذا الدفتر رقم خاص بالشخص المشتري، يعطونه هذا الدفتر بعد أن يكتبوا اسمه ورقم بطاقته، وبعد سنة من اشتراكه في هذا الدفتر يجري سحب على سيارة أو سيارتين أو بعض الجوائز الثمينة التي يندفع الناس لشراء هذه الدفاتر من أجلها، فهل هذا جائز أم حرام؟ وما هو الحل في مثل ذلك إذا كان محرماً؟ الجواب إذا كان هذا الدفتر قد جرت العادة بإعطاء مثله كما يوجد في بعض المحطات، تعطي الزبائن دفتراً من أجل أن يقيد به ما يأخذه من البنزين، وكان ثمن البنزين هو الثمن المعتاد في البلد، فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه، أما إذا كان صاحب الجائزة -أعني صاحب المحطة- يزيد في الثمن -في ثمن البنزين- فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه إذا زاد في الثمن زاد على المشتري، فالمشتري يأخذ بزيادة قد تحصل له جائزة وقد لا تحصل. فإن حصلت جائزة كان غانماً، وإن لم تحصل كان غارماً، وكل عقد يكون دائراً بين الغنم والغرم فإنه من الميسر الذي حرمه الله . لكن يقول بعض الناس: إذا كان البنزين بسعره العادي، وكانت قد جرت العادة بأن يعطى الزبون هذا الدفتر، فإن صاحب المحطة إذا وضع جائزة يحسد من عنده محطة أخرى ويقطع رزقه، فالجواب عن ذلك نقول: الرزق بيد الله وقد يسوق الله الرزق إلى صاحب محطة ليس عنده هذه الجوائز، وقد يحرم الله الرزق صاحب هذه المحطة وإن كان عنده جوائز، ثم نقول: إن المحطات الأخرى لا حرج عليها أن تضع جائزة مثل هذه الجائزة، حتى لا يذهب الناس عنها إلى المحطة الأخرى التي فيها الجائزة.

стр. 24

قاعدة في الحكم على جوائز السحب السؤال يوجد لدينا بنشر ومغسلة، طبعنا كروتاً كتب عليها عبارة: اجمع أربع كروت من غيار زيت وغسيل واحصل على غسلة لسيارتك مجاناً، هل في عملنا هذا شيء محذور، ولعلكم تضعون قاعدة في مسألة المسابقات وغيرها؟ الجواب ليس في هذا محظور، ما دامت القيمة لم تزد من أجل هذه الجائزة، والقاعدة هي: أن العقد إذا كان الإنسان فيه إما سالماً وإما غانماً فهذا لا بأس به. أما إذا كان إما غانماً وإما غارماً فإن هذا لا يجوز، هذه القاعدة؛ لأنه إذا كان إما غانماً وإما غارماً، فهو من الميسر، وأما إذا كان إما غانماً وإما سالماً فإنه لم يتضرر بشيء، إما أن يحصل له ربح وإما ألا يربح ولكنه لم يخسر.

стр. 25

حكم صيام المستحاضة السؤال أنا أم لطفل يبلغ من العمر أربعة شهور، وأستعمل حبوب منع الحمل، ولكني أحياناً يعرض لي نزول دم خفيف أحمر اللون بعد غسل الجماع، وقد حدث ذلك لي في شهر رمضان، حيث رأيت الدم بعد تناول وجبة السحور وقبل صلاة الفجر، فانتظرت قبل طلوع الشمس بربع ساعة تقريباً، فاغتسلت مرة أخرى وصليت الفجر ثم نمت، ثم عاودني ذلك في النهار فأكملت صيامي، وبدأت أتوضأ لكل صلاة، واستمر ذلك لمدة يوم ونصف حتى طهرت تماماً، فاغتسلت للمرة الثالثة وأريد أن أستفسر: هل صلاتي صحيحة؟ وهل صيامي صحيح؟ مع العلم أني أعدتُ صيام هذين اليومين بعد نهاية شهر رمضان المبارك، كما أريد أن أسأل إذا حدث لي ذلك في أي يوم، فماذا أفعل وجزاكم الله خيراً؟ الجواب قبل الإجابة على سؤالها أقول: إن استعمال هذه الحبوب ضار على المرأة، على رحمها وعلى عادتها، وعلى دمها، بل وعلى جنينها في المستقبل، قد يحصل من هذه الحبوب تشويه للأجنة، فيخرج الجنين مشوهاً، ولهذا كثر الآن هذا التشويه، ما أكثر ما نسأل عن جنين في بطن أمه ليس على رأسه عظام، ونسأل عن جنين مشوه، كل هذا من أجل هذه الحبوب التي ضرت المسلمين من جهة، ومنعت كثرة الإنجاب من جهة أخرى. أما بالنسبة للجواب: فلتسأل السائلة الأطباء: هل يعتبر هذا الدم حيضاً أم هو دم عِرق، إن كان دم عرق، فإنه لا يمنعها من الصيام وصيامها صحيح، ولا يمنعها من الصلاة، فيجب عليها أن تصلي، وأما إذا كان من الحيض، تحرك بسبب هذه الحبوب، فإن صيامها لا يصح ولا تلزمها الصلاة.

стр. 26

حكم من وقف بعرفة وهو جنب السؤال شخص حج قبل سنوات وحدث له في ليلة عرفة احتلام، فوقف بعرفة وهو جنب ولم يغتسل إلا يوم العيد فما حكم حَجِّه أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب حجه صحيح؛ لأن جميع مناسك الحج لا يشترط لها الطهارة إلا الطواف، على خلاف فيه، ولكن الحيض يمنع من الطواف مطلقاً، حتى من قالوا بأن الطهارة لا تشترط للطواف يقولون: إن الحائض لا تطوف؛ لأنه يلزم من طوافها أن تمكث في المسجد الحرام وهي حائض، وهذا لا يجوز. ولكن يلام هذا الرجل: لماذا لم يغتسل طول يوم عرفة؟! قد يقول: ليس عندي ماء، نقول: إذا لم يكن عندك ماء فتيمم حتى تجد الماء، على أن الغالب ولله الحمد في السنوات الأخيرة أن الماء متوفر، ويمكن أن يغتسل الإنسان أي وقت شاء. وكذلك لا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن أوقاتها في يوم عرفة، فكان ينبغي عليه أن يغتسل ويصلي، فإن لم يجد ماء فليتيمم وليصل.

стр. 27

حكم من ابتلي بخروج غازات السؤال إني مصاب بخروج غازات، هل يكون حكمي كحكم من يكون ابتلي بسلس البول أم لا وادع الله لي بالشفاء؟ الجواب نسأل الله أن يشفيك، أقول: هذه الغازات التي ابتليت بها، إذا كنت لا تستطيع حبسها، فإنها كسلس البول تماماً، وعلى هذا فلا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها، وإذا توضأت وخرج منك شيء فإنه لا ينتقض وضوءك حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى، فإذا جاء وقت الصلاة الأخرى فتوضأ بعد دخول وقتها. وإني أشير عليك أن تعرض نفسك على طبيب مختص لعل الله أن يجعل على يديه الشفاء.

стр. 28

حكم استخدام الإبر ضد الحمى الشوكية والآن وقد انتهى الوقت، وكنت أتوقع سؤالاً كثر إيراده، ألا وهو استعمال الإبرة عن الحمى الشوكية، فإن من الناس من قال: إن هذا حرام؛ لأنه ينافي التوكل، ولكننا نقول: إن هذا من التوكل؛ لأن التوكل صدق الاعتماد على الله مع فعل الأسباب: ولهذا كان سيد المتوكلين محمد ﷺ إذا قاتل العدو يلبس الدروع ويحتمي، بل في أحد لبس ﵊ درعين، وهذا وقاية من شر الأعداء. فاستعمال هذه الإبر ليس فيه بأس، ولا ينافي التوكل بل هو من فعل الأسباب النافعة التي يدفع الله بها الشر. نسأل الله أن يقينا وإياكم شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يعيدنا جميعاً لمثل هذا الاجتماع، وأن يجعلنا من المستمعين المنتفعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 29

اللقاء الشهري [٢] كان صلح الحديبية بمثابة فتح عظيم للإسلام والمسلمين، فقد ظهرت ثمراته اليانعة على غير ما كان يظهر من بنود الصلح. توضيح وتجلية أسباب الصلح وبنوده وآثاره هي محور هذا اللقاء الشهري.

стр. 30

وقفات من غزوة الحديبية الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإننا في لقائنا هذا لقاء شهر ذي القَعْدة عام اثني عشر وأربعمائة وألف في الجامع الكبير في عنيزة نبحث فيما هو مناسب للحال، ألا وهو تذكير الأمة بما جرى لنبيها محمد ﷺ في غزوة هي من أهم الغزوات، ألا وهي غزوة الحديبية.

стр. 31

سبب الغزوة غزوة الحديبية كان سببها أن النبي ﷺ أراد أن يعتمر في شهر ذي القَعْدة، وهو من أشهر الحج، وذلك في السنة السادسة من الهجرة، أراد ذلك لأن العرب في جاهليتها تنظر إلى الحج والعمرة نظرة مادية لكسب المال، فكانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج لا تجوز، وأن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا الأثر -يعنون أثر المسير- وبرأ الدَّبَر -يعني: الجروح التي تكون على الرواحل من الشدِّ عليها- وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. فأراد النبي ﷺ أن يبطل هذه العقيدة وخرج في ذي القَعْدة، وهو من أشهر الحج، بل وهو أوسط أشهر الحج؛ لأن أشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القَعْدة وذو الحجة. خرج معتمراً؛ ليبين أن الشرع يخالف هذه العادة أو هذه السنة التي سنها أهل الجاهلية، وأن العمرة في أشهر الحج مشروعة مقرِّبة إلى الله ، فخرج ﵊ من المدينة، متوجهاً إلى مكة في السنة السادسة من الهجرة. ولما علمت بذلك قريش أخذتها الأنفة والكبرياء وحميّة الجاهلية؛ فمنعوا الرسول ﵊ حين وصل الحديبية. والحديبية مكان بين مكة والمدينة على طريق جدة بعضها من الحرم وبعضها من الحل. نزل النبي ﷺ هناك، وجعل يراسل قريشاً ليدخل ويعتمر ويخرج من مكة لا يتعرض لأحد، ولكن قريشاً في كبريائها وغطرستها منعت النبي ﷺ وقالوا: لا يمكن أن يتحدث الناس أننا أخذنا ضغطة -يعني: أخذنا كرهاً- حيث دخل عدونا -وهو الرسول ﷺ إلى بلادنا. وجرت المراسلات بينهم، حتى أرسل إليهم النبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ ليفاوضهم، وفي النهاية اتفقوا على الشروط التي سنذكرها.

стр. 32

كتابة الصلح وشروطه جاء الكاتب ليكتب، فقال النبي ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن هذه البسملة هي بسملة الرسل قال الله تعالى عن سليمان حين كاتب بلقيس ملكة اليمن في سبأ قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] أملى النبي ﷺ على الكاتب أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال مندوب قريش: نحن لا نعرف الرحمن الرحيم، لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، اكتب باسمك اللهم، فقال النبي ﷺ : اكتب (باسمك اللهم) تنازل، وسبب تنازله أن النبي ﷺ حينما نزل الحديبية كان إذا وجه ناقته نحو مكة بركت وأبت أن تسير، وإذا وجهها إلى الخلف سارت؛ فقال الصحابة ﵃: خلأت القصواء، خلأت -يعني: حرنت- فقال النبي ﷺ : (والله ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق) . انظر كيف أن النبي ﷺ يدافع عن البهائم، لا يريد الظلم ولا أن تظلم البهيمة: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق) بل هي سهلة لينة منقادة مع قائدها، لا تبرك إلا حيث بركها، ولا تثور إلا حيث ثوّرها (ولكن حبسها حابس الفيل) الفيل الذي أرسله أبرهة إلى مكة ليهدم الكعبة به فحبسه الله تعالى، والقصة مشهورة في سورة الفيل. المهم أن الكاتب لما أراد أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم وأبى مندوب قريش قال: (اكتب باسمك اللهم) ثم قال: (اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله قريشاً قال مندوب قريش: لا تكتب رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: اكتب محمد بن عبد الله، ثم قال ﵊. والله إني لرسول الله وإن كذبتموني) ثم جرى الصلح، صلحاً عجيباً وكان من شروط الصلح التالي: الأول: أن توضع الحرب بينهم عشر سنين، الثاني: أن من شاء أن يدخل في عهد النبي ﷺ دخل، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش دخل. الثالث: أن من جاء من المسلمين إلى قريش فإنهم لا يردونه، ومن جاء من قريش إلى المسلمين فإنهم يردونه. ما تقولون في هذا الشرط؟ شرط جائر، لكن الرسول ﵊ التزم به؛ لأن فيه تعظيم حرمات الله. الرابع: أن يرجع من عمرته هذه ولا يكمل العمرة، مع أنه لو جاء رجل مشرك من أقصى نجد لأذنت له قريش أن يدخل مكة، ورسول الله ﷺ وأصحابه الذين هم أولى الناس بالمسجد الحرام يحرموا منه. الشرط الخامس: أن يرجع النبي ﵊ ولا يكمل عمرته وفي العام القادم يدخل مكة لكن معه السيوف في جرابها، ولا يمكث فيها إلا ثلاثة أيام فقط ثم يخرج. جرى الصلح على هذه الشروط وحصل في هذا أخذ ورد من الصحابة، ومن أشد من تكلم في هذا عمر بن الخطاب ﵁، فقد ناقش النبي ﷺ في هذا الصلح، فقال: (كيف نرجع يا رسول الله؟! ألست تحدثنا أننا ندخل مكة ونطوف بالبيت قال: نعم. كنت أقول هذا ولكن هل قلت لك: إنك تدخلها هذا العام. قال: لا. قال: إنك آتيه ومطوّف به) ولكن في سنة أخرى، ثم قالوا: (يا رسول الله! كيف نعطيهم أن من جاء منهم مسلماً رددناه إليهم ومن ذهب منا إليهم لا يردونه إلينا؟ قال ﵊: أما من جاء إلينا ثم رددناه إليهم فسوف يجعل الله له فرجاً ومخرجاً) وأما من ذهب منا إليهم، يعني: قد اختار لنفسه ما اختار. وبعد ذلك أمر النبي ﵊ أصحابه أن ينحروا هديهم وأن يحلوا من إحرامهم ويحلقوا رءوسهم ويرجعوا إلى المدينة، فكأنهم ﵃ لشدة الأمر وشدة وقعه في نفوسهم تأخروا بعض الشيء، يرجون أن يكون هناك نسخ لما حصل، وليس قصدهم عصيان رسول الله ﷺ ، ولكن لعل النبي ﵊ يرجع، فلما تلكئوا بعض الشيء دخل النبي ﷺ على أم سلمة -إحدى أمهات المؤمنين- وكانت امرأة عاقلة، فرأته مغضباً فقالت: ما الذي أغضبك؟ قال: أمرت الناس بكذا وكذا ولكن لم يفعلوا، قالت: أتريد أن يفعلوا؟ قال: نعم. قالت: اخرج وادعوا الحلاق واحلق رأسك، فخرج النبي ﵊ فدعا الحلاق فحلق رأسه، فجعل الناس يحلقون رءوسهم حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً. سبحان الله! اقتداء الناس بأفعال الإنسان أكبر من اقتدائهم بأقواله. فحلوا ورجعوا.

стр. 33

أبو بصير مسعر حرب الذي حصل أن الرسول ﵊ التزم بالعهد فقدم رجل إلى المدينة مسلماً من قريش، ثم قال للرسول ﵊: إنه جاء مسلماً مهاجراً لا يريد الرجوع إلى قريش. فإذا برجلين من قريش قد أتيا خلفه يطالبون برده إلى قريش، فأعطاهم الرسول ﵊ الرجل وفاءً بالعهد. فلما كانوا في أثناء الطريق قال أبو بصير لأحد الرجلين: أرني سيفك ما أحسن هذا السيف! وما أجوده! وصار يثني على السيف، أعطني إياه أنظره، فلما أعطاه إياه سله من غمده ثم ضرب به رأس صاحبه، وإذا برأسه قد بان من جسده، وأما القرشي الآخر فقد هرب إلى المدينة خوفاً أن يقتله. فلما هرب إلى المدينة ووصل إلى النبي ﷺ وإذا بـ أبي بصير وراءه فقال: يا رسول الله! إن الله قد أوفى بعهدك، أما العهد الذي بينك وبينهم فقد وفيت به وسلمتني إليهم، وأما أنا فأنجاني الله منهم، فلا تردني إليهم ﵁ قال النبي ﷺ : (ويل أمه مِسْعر حرب لو يجد من ينصره) تعجب منه! وقال: ليس بهين لو يجد من ينصره، ولما قال هذه الكلمة وقعت من أبي بصير موقعها وعرف أن الرسول ﷺ سوف يرده إليهم، فخرج من المدينة هارباً ونزل على سيف البحر، وهو طريق قريش من الشام إلى مكة. وتعرفون حاجة قريش إلى الشام، فإنه في أيام الصيف لا يتجرون إلا من الشام: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١-٢] الشتاء إلى اليمن، والصيف إلى الشام. فمكث هناك وسمع بعض رجال المسلمين الذين في مكة أن أبا بصير هناك وأنه يترصد عير قريش، وما جاء من عير أخذه، فاجتمع إليه نفر، فصار كلما جاءت عير قريش أخذوها؛ لأن مال قريش حلال، فهم كفار محاربون، ليس بينه وبين هؤلاء الذين خرج منهم عهد، فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ وقالت: اكفنا شر هؤلاء النفر وردهم إلى المدينة. فرجع أبو بصير ومن معه إلى المدينة، فكان هذا مصداق قول الرسول ﷺ : (إن من رددناه إليهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً) . هذه القصة فيها عبر عظيمة وكثيرة، تكلم على بعضها ابن القيم في زاد المعاد، وفيها منقبة لهؤلاء الصحابة ﵃.

стр. 34

بيعة الرضوان ومبايعة رسول الله عن عثمان المنقبة هي أن رسول الله ﷺ جلس تحت شجرة في الحديبية، وجعل الناس يبايعونه على ألا يفروا أبداً، وسبب هذه المبايعة أن الناس تحدثوا أن عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى قريش قُتل، والرسول لا يُقتل حتى في الكفر لا يقتلون الرسول المفاوض، فبايع على أن يقاتلهم إذا كانوا قد قتلوا عثمان، ولكن عثمان ﵁ لم يقتل، لكن حصلت لهم هذه المبايعة التي فيها عزهم، وأنزل الله في هذه المبايعة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨] وهو الصلح ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [الفتح:١٩] . أما عثمان فرجع سالماً، وكان ﵁ له قبيلة ذات جاه في قريش، فقالوا له: يا عثمان! أنت قدمتَ إلينا وهذا البيت انزل فطف به، قال: والله ما أطوف به ورسول الله ﷺ محصور عنه أبداً، وأبى أن يطوف بالبيت مع تيسره له؛ لأن رسول الله ﷺ محصور عنه، ثم رجع سالماً قائماً بالهدف الذي أرسل من أجله. قد يقول قائل: إنه فاتته هذه المبايعة؛ لأنه كان حين المبايعة في مكة. ولكننا نقول إن هذه المبايعة لم تفته ﵁، فقد وضع النبي ﷺ إحدى يديه على الأخرى وقال: (هذه يد عثمان) فبايع النبي ﷺ لـ عثمان بنفسه؛ فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيراً من يد عثمان لـ عثمان. سبحان الله!

стр. 35

أهمية قراءة السيرة النبوية أنا أريد منكم أن تقرءوا هذه القصة في زاد المعاد؛ لتعتبروا بما فيها من العبر، كما أريد أيضاً أن تقرءوا جميع سيرة النبي ﷺ ، ففيها -والله- زيادة الإيمان، وفيها زيادة المحبة لرسول الله ﷺ وأصحابه، وفيها العبر في التوحيد، وفي الفقه، وفي الخلق، وفي كل شيء. إنها سيرة النبي ﷺ خير الخلق وأسدهم رأياً وأرجحهم عقلاً ﵊، لذلك اشتروا هذا الكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد، وطالعوا فيه السيرة، كما أن هذا الكتاب فيه فوائد طبية استخلصها بعضهم ووضعها في كتاب مستقل، وحدثني طبيب أمريكي، أسلم وحسن إسلامه -حدثني هنا في بلادنا- أنه استفاد من الطب النبوي، حتى إنه يقول: من جملة ما حملني على الإسلام ما وجدت فيه من النظافة والأخلاق الفاضلة الطيبة، منها: أن الرسول ﵊ قال: (حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) يعني حسبه من الأكل والشرب لقيمات يقمن صلبه (فإن كان لا محالة -يعني: لا بد أن يأكل- فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) . ولو أنا طبقنا هذا ما أصابنا مرض من داء البطنة، ولكن نحن نأكل حتى نملأ البطن طعاماً، ويقول بعض الناس: سأملأ بطني طعاماً، وأما الماء فهو دقيق يجد منافذ، وأما النفس فهو حربة يشق عن نفسه. لكن كل هذا غلط كل قليلاً ومتى جعت فكل ثانياً حتى تعطي الجسد غذاءه شيئاً فشيئاً على وجه يتحمله. وقد ضرب بعض الناس مثلاً للمعدة برجال عمال أعطوا أعمالاً كثيرة ترهقهم، فجعلوا يعملون، فإذا هم في مدة قصيرة قد تعبوا وتمزقت قواهم. أما إذا أعطيت المعدة ما ينفعها بدون مشقة عليها، فهذا خير لها وللبدن، وبإذن الله لن تصاب بأمراض تتعلق بالبطنة، إذا مشيت على ما أرشد إليه رسول الله ﵊. المهم أن سيرة النبي ﵊ إذا قرأها الإنسان بتأمل واعتبار نفعته نفعاً عظيماً. نحن نتذكر هذه الغزوة ونعرف مدى ما يضمر المشركون للمسلمين، والحقيقة أننا في زمننا هذا -مع الأسف الشديد- في غفلة شديدة، نظن أن المشركين أو الكفار من اليهود والنصارى نظن أنهم أولياء لنا، ولكننا نقول إيماناً وعقيدة: إنهم أعداء لنا، نقول ذلك إيماناً وعقيدة، قبل أن نستشهد بالحوادث التي تقع منهم؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] أما الوقائع فأنتم ترون ما حدث من الطائفة اليهودية كاستحلالها بيت المقدس، وليسوا بأهله. من أهل بيت المقدس؟ المسلمون. لا نقول: العرب أيضاً، فالعرب إذا لم يكونوا على دين الله فليسوا أهلاً له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] هؤلاء هم أهل الأرض الذين يستحقون أن يعيشوا عليها، وقال موسى لقومه وكانوا هم المؤمنين في ذلك الوقت، قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] لأنهم يقاتلون قوماً جبارين كفاراً، فكانوا أحق بالأرض منهم. أما بعد أن فتحت أرض الشام على أيدي المؤمنين فهم أهلها وهم أحق بها، وأقول والعلم عند الله: لا يمكن أن تسترد الشام -وأخص بذلك فلسطين - إلا بما استردت به في صدر هذه الأمة، بقيادة كقيادة عمر بن الخطاب ﵁ برجال كجنود عمر بن الخطاب ﵁ لا يقاتلون إلا لتكون كلمة الله هي العليا. فإذا حصل هذا للمسلمين فإنهم سيقاتلون اليهود حتى يختبئ اليهودي خلف الشجرة فتنادي الشجرة: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله. أما ما دام الناس ينظرون إلى هذه العداوة بيننا وبين اليهود على أنها عصبية قومية فلن نفلح أبداً؛ لأن الله لن ينصر إلا من ينصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠-٤١] . فنحن إذا رأينا صدر هذه الأمة، نجد أنها انتصرت على أساس التوحيد الإخلاص لله الاتباع لرسول الله ﷺ البعد عن سفاسف الأمور عن الأخلاق الرديئة عن الفحشاء والمنكر عن تقليد الأعداء. والمشكل أن من الناس اليوم من يرى أن تقليد الكفار عز وشرف، ويرون أن الرجوع إلى ما كان عليه الرسول ﵊ وأصحابه تأخر وتقهقر، طبق ما قال الأولون: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٢] . فعلينا -أيها الإخوة- أن نرجع؛ لنقرأ ونتأمل فيما سبق في صدر هذه الأمة، حتى نأخذ بما كانوا عليه من تمسك وعبودية وحينئذ يكتب لنا النصر. وإني أقول وأكرر: يجب علينا أن نحذر من شرور أنفسنا، وأن نحذر من شرور الكفار والمنافقين وأتباعهم، ونسأل الله تعالى أن يكتب لنا ولكم النصر لدينه، وأن ينصرنا به وينصره بنا، وأن يجعلنا من أوليائه وحزبه إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 36

الأسئلة

стр. 37

الموقف الصحيح للمسلم عند اختلاف العلماء في مسألة من المسائل الفرعية السؤال للعلماء في قلوبنا مكانة عظيمة ومنزلة كبيرة، فهم الذين أمرنا الله بالرجوع إليهم وسؤالهم، وهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن ما هو الموقف الصحيح للمسلم عند اختلافهم في مسألة من المسائل الفرعية، هل للشخص أن يرجِّح هو بين أقوالهم ويأخذ ما ناسبه مع أنه ليس من أهل الترجيح والعلم والاجتهاد؟ ثم هل إذا أخذ بهذه المسألة عن العالم الفلاني ثم المسألة الأخرى عن فلان هل يعد هذا من تتبع الرخص؟ وهل يخرجه من الحرج أن يقول قائلهم: أنا آخذ هذا القول والإثم على من أفتى به، وبلسان العامة: (اجعل بينك وبين النار مطوعاً) ؟ فما هو القول الفصل في هذه المسألة؟ وهل فعل الناس جائز؟ وما هو الضابط في ذلك وفي الترجيح؟ وهل يلزم الإنسان اتباع العالم مطلقاً في كل ما أفتى به أم لا؟ أرجو بسط المسألة بسطاً شافياً وجزاكم الله خيراً؟ الجواب يسرنا ما قاله السائل في أن في قلوب الناس للعلماء مكانة، لأن الناس لا يزالون بخير ما عظموا ولاة أمورهم؛ اتباعاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وأولو الأمر منا هم: العلماء والأمراء. أما العلماء فهم أولو الأمر في شرع الله يبينونه للأمة ويوضحونه لهم وينشرونه بينهم. وأما الأمراء فهم أولو الأمر المنفذون لأمر الله الملزمون لعباد الله به، ولهذا كان مرجع أولي الأمر من الأمراء إلى أولي الأمر من العلماء. إذ أن الأمراء إذا ساروا بدون العلماء فقد يضلون ضلالاً بعيداً، وإذا لم يأخذوا بما دلت عليه شريعة الله، أو بما جاءت به شريعة الله، فإن معصية الناس لهم تكون بقدر معصيتهم لله. وهذه نقطة يجب أن نتفطن لها؛ فمعصية الناس لولاة الأمور بقدر معصية ولاة الأمور لله . فكلما أطاع ولاة الأمور ربهم أخضع الله لهم قلوب الناس، وأطاعوهم ولم يتمردوا عليهم، فمن اتقى الله فيمن ولاه الله عليه، اتقاه من ولاهم الله عليهم، والعكس بالعكس. ويذكر أن عبد الملك بن مروان لما رأى تمرد الناس عليه جمع أشراف الناس وخطبهم وقال لهم: إنكم تريدون منا أن نكون لكم كـ أبي بكر وعمر، فأنتم كونوا لنا كرجال أبي بكر وعمر، نكون لكم كـ أبي بكر وعمر. وجاء رجل من الخوارج إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: يا علي! ما بال الناس خرجوا عليك ولم يخرجوا على أبي بكر وعمر؟ فقال له: لأن رجالي أنت وأمثالك، ورجال أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، فألقمه حجراً. المهم أن ولاة الأمر إذا كانوا مرجع الناس فإن الناس في خير، أما إذا تمرد الناس على ولاة الأمر فخالفوا العلماء بغير علم، وتمردوا على الحكام فذلك عنوان الشقاء في هؤلاء وهؤلاء. فالواجب علينا احترام ولاة أمورنا من العلماء، واحترام ولاة أمورنا من الأمراء، وأن نبذل لهم النصيحة، وبذل النصيحة ليس هو الفضيحة على رءوس المنابر وفي المجالس العامة، في تتبع مساوئهم، فبعض الناس تجده يقول: قال العالم الفلاني: كذا وكذا وقد أخطأ؛ فهذا خطأ ويقول: فعلت الدولة كذا وكذا وقد أخطأت. هذا ليس من النصيحة في شيء، النصيحة أن تتصل بالمخطئ إما بواسطة أو بغير واسطة، وتبيّن له خطأه، فقد يكون مع المناقشة يتبين للجميع الصواب، إما أن يكون الصواب معك فيرجع إليك، وإما أن يكون معه فترجع إليه، وإما أن يكون كل منكم له وجهة نظر يعذره فيها الآخر. وأما من وراء جدر يقع الناس في أعراض العلماء، أو يقعون في أعراض الأمراء، فإن هذا لا شك عنوان على التفرق وتمزق الأمة. فإذا كان -كما قال السائل وفقه الله- للعلماء مكانة في قلوب الناس فهذا عنوان الخير والسعادة، ونرجو أن يكون في قلوب الناس -أيضاً- مكانة لولاة الأمر من الأمراء، وأن يناصحوهم وأن يعلموا أنهم بشر ليسوا معصومين من الخطأ، هم يخطئون كما يخطئ البشر، أنت الآن في بيتك ألست تخطئ في تربية أولادك؟ إذاً: هم قد يخطئون، مع أن دائرة عملهم أوسع من دائرة عمل البيت. فنعمل البيت محصور لكن ولاة الأمور دائرة عملهم واسعة جداً. لهذا أقول: إن من نعمة الله على الأمة أن يكون بينهم وبين ولاة الأمور من العلماء والأمراء مودة واتصال ومناصحة، وعلى كل من تبين له الحق من هؤلاء وهؤلاء أن يرجع إليه؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] . أما ما ذكره من الفقرات في السؤال فكلها ترجع إلى شيء واحد، إذا اختلف أهل العلم، سواء في فتوى استفتاهم فيها إنسان، أو في كلام سمعه منهم، فإن الواجب أن يتبع الإنسان من يرى أنه أقرب إلى الصواب، إما لسعة علمه وإما لقوة فهمه وإما لقوة إيمانه وأمانته، هذا هو الواجب. ويشهد لذلك أن المريض إذا عرض نفسه على طبيبين فوصف له أحد الطبيبين دواءً ووصف له الثاني دواءً آخر يخالف الأول، فبمن يأخذ؟ بقول من يرى أنه أقرب إلى الصواب لحذقه واطلاعه ومعرفته وتجربته. كذلك -أيضاً- ما يتعلق بالفتوى في الدين اتبع من ترى أنه أوثق في العلم سعة وفهماً وفي الديانة والأمانة. فإن تساوى عندك الأمران وترددت في أيهما أرجح، فقال بعض العلماء: أنت مخير، إن شئت خذ بقول هذا وإن شئت خذ بقول هذا في هذه المسألة وغيرها أيضاً، وقال بعض العلماء: خذ بالأشد؛ لأنه أحوط، وقال آخرون: خذ بالأيسر؛ لأنه للشريعة أوفق؛ فإن الشريعة مبناها على اليسر والسهولة. فمن صَدَقَ الله في ذلك وقارن بين العالمين ولم يترجح له أحدهما، فهذه أقوال العلماء في هذه المسألة: القول الأول: التخيير: إن شئت خذ بهذا أو بهذا؛ حتى لو أخذت بقول أحدهما اليوم فلك أن تأخذ غداً بقول الآخر. الثاني: الأشد؛ لأنه أحوط. الثالث: الأيسر؛ لأنه أوفق للشريعة، وعندي أن هذا أصح، وهو أن تأخذ بالأيسر؛ لأنه أوفق للشريعة والأصل براءة الذمة. ولكن المحذور أن تذهب إلى عالم ترضاه في علمه ودينه وتستفتيه، ثم إذا أفتاك بما لا يوافق هواك، ضربت بفتواه عرض الحائط، ثم ذهبت إلى رجل آخر لعله أيسر، فهذا هو الحرام؛ لأن هذا تلاعب بدين الله، وما أكثر الذين يفعلون ذلك! يستفتي هذا العالم فإذا لم يوافقه على هواه، قال: أذهب إلى فلان، ذهب إلى فلان فوجد قوله أشد من الأول قال: كل هؤلاء ما عندهم علم، فيأتي الثالث والرابع والخامس حتى يصل إلى ما يوافق هواه، فحينئذ يقول: ألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر هذا هو الذي لا يجوز. فإذا قال قائل: هذا رجل في قرية، ليس عنده عالم متبحر، هل يسأل من فيها على نية أنه متى وجد عالماً أحسن منه سأله أو لا؟ نقول: نعم. إذا كان في قرية ليس عنده عالم متبحر، وسأل من يظنه أعلم الناس فيها، فليسأل على نية أنه متى وجد عالماً متبحراً سأله فهذا لا بأس به.

стр. 38

حكم تأخير فريضة الحج بسبب الامتحانات السؤال فضيلة الشيخ! من المعلوم أن الامتحانات بعد الحج مباشرة، فسبب ذلك إحجام كثير من الشباب والفتيات عن أداء فريضة فرضها الله عليهم مع استطاعتهم لها وقدرتهم عليها، فهل يأثمون بذلك، وهل الحج واجب على الفور؟ وهل الامتحان سبب شرعي يبيح لهم تأخير الفريضة؟ الجواب القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن الحج واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان أن يؤخره إلا لعذر شرعي، ودليل ذلك أن النبي ﷺ لما تأخر الصحابة عن التحلل في غزوة الحديبية غضب، ودليل آخر: أن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يؤخر الحج هذه السنة ثم يموت، ويبقى معلقاً. ولكن إذا كان حجه يؤثر عليه في الامتحان فله أن يؤخره إلى السنة القادمة، ولكني أشير عليه أن يأخذ دروسه معه ويحج، هذا إن كان يسافر إلى الحج مبكراً، أما إذا كان يتأخر في الحج فإني لا أظنه يضره. ومعلوم أن بإمكان الإنسان أن تكون أيام الحج التي يستغرقها أربعة أيام فقط، يذهب يوم عرفة فيمكث التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر ويكون متعجلاً، يجوز إذا رمى في اليوم الثاني عشر بعد الزوال أن يخرج ويطوف الوداع ويمشي إلى أهله. فلا أظن أنها تضر شيئاً. فالإنسان الحريص يمكنه أن يحج ولا يؤثر ذلك عليه شيئاً. كما أن الإنسان إذا اعتمد على الله وتوكل عليه وأتى بالحج واثقاً بالله فإن الله سييسر له الأمر.

стр. 39

حكم الإتيان بالأيدي العاملة من غير المسلمين وإدخالهم إلى جزيرة العرب السؤال انتشرت الأيدي العاملة من غير المسلمين في هذه الجزيرة وإدخالهم إليها بأعداد كبيرة جداً وخاصة أننا نرى أن النصارى يقتلون المسلمين بالجماعات، فما حكم ذلك؟ وما حكم من أتى بهم أو سهل مجيئهم إلى هنا خاصة مكاتب الاستقدام وأصحاب المؤسسات؟ وهل الأموال التي يأخذونها -إذا كان عملهم محرماً- بسبب عمل أولئك هل هو حلال أم حرام؟ وما ردكم على من يقول: إن العامل المسلم ليس أميناً ولا يعمل جيداً وفقكم الله وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أما الأول وهو: استقدام غير المسلمين إلى هذه الجزيرة فإني أقول له: يتأهب لجواب النبي ﷺ يوم القيامة، حيث قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) . وليعلم أن الموت قريب وأن الدنيا لن تبقى له، ولن يبقى هو للدنيا، فليحرر الجواب الصحيح الذي ينجيه من عذاب الله، والذي ينجيه من الآثار السيئة التي تنتج عن كثرة غير المسلمين في هذه الجزيرة، ولقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ النبي ﷺ من النوم محمراً وجهه وهو يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها- فقالت زينب: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث) فإذا كثر غير المسلمين في هذه الجزيرة فويل لهم من شر قد اقترب والعياذ بالله، كما قال النبي ﵊: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) فأقول لمن يستقدم هؤلاء العمال مع أننا لسنا بحاجة إليهم أقول له: ليعد الجواب الصحيح إذا سئل يوم القيامة عن فعله وعن مصادمته لقول الرسول ﷺ : (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) . وقال: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً) . هذا جوابي على من استقدم. وأما ما يكسبه من عملهم إذا كان محرماً فإني أجيبه بقول الرسول ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) فكل عين محرمة وكل منفعة محرمة فإن عوضها محرم بهذه القاعدة التي أسسها رسول الله ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) . وأما قول القائل: إن المشركين أو الكفار أنصح من المسلمين فأنا أجيبه بقول رب العالمين: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] . فإذا كانت عضلاته شديدة وبدنه قوياً فليجب عن هذه الآية: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] . والعجيب أن بعض الناس يجلب عمالاً يمكن أن يقوم المسلمون بمثل عملهم، يعني: ليس العمل الذي يجلبهم إليه عملاً لا يجيده المسلم، بل هو عمل سهل يجيده المسلم وغير المسلم، ثم يختار الكافر على المسلم. وأدنى ما يكون في جلب الكفار إلى البلاد هو ذهاب الغيرة التي كانت في قلوب المؤمنين والهيبة من إيواء الكفار وموالاتهم ومودتهم إلا من شاء الله، حتى إن بعض الناس يظن أنهم إخوة لنا، بل يسميهم إخوة، فيقول: الأخ فلان، سبحان الله! سلب الإيمان من قلبك حتى جعلت عدو الله أخاً لك، نسأل الله السلامة. لكن كيف نحل هذه المشكلة التي وقعنا فيها كما قال السائل؟ أولاً: يجب علينا أن ندعو هؤلاء للإسلام وألا نيئس من إسلامهم، وقد بلغني شيء محزن القلب، بلغني أن بعض الكفلاء سامحهم الله وهداهم، إذا رأوا داعية يدعو عمالهم للإسلام منعوه، وقالوا: لا تفسدهم علينا. أعوذ بالله! والله لا يقول أحد إن الكافر إذا أسلم هو فساد إلا من أفسد الله قلبه وأعمى بصيرته. وإننا نعرف أن إخواننا الذي أسلموا من هؤلاء العمال صاروا أنصح بكثير مما كانوا عليه من قبل، وربما الأخ الشيخ حمود يدري عن ذلك، صاروا أنصح وأتقن عملاً وأحسن خلقاً وهذا هو اللائق بالمسلم. ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم.

стр. 40

حكم ترميم المساجد السؤال فضيلة الشيخ! هل ترميم المساجد يؤجر عليه الإنسان كبناء المساجد؟ الجواب ترميم المساجد على أقسام: القسم الأول: ترميم كمالي لا حاجة إليه، فهذا أخشى أن يكون المرمم إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة، لأنه إذا كان لا حاجة إليه، ولكن ليس فيه إلا تجميل المسجد صار فيه إضاعة مال بلا فائدة، والمال الذي تنفقه على هذا الترميم أنفقه في مساجد أخرى ينتفع الناس بها. القسم الثاني: ترميم دعت الحاجة إليه دون الضرورة، مثل أن يكون البلاط قد تقشع أو (التلييس) قد تقشع ولكن المسجد قائم فهذا يؤجر عليه الإنسان؛ لأن فيه تنظيفاً للمسجد، وقد أمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيَّب. القسم الثالث من الترميم: ترميم تدعو إليه الضرورة كتصدع الجدران في مساجد الطين وتصدع الجسور في مساجد المسلح وما أشبه ذلك، فهذا يعطى حكم بنائها؛ لأن ترميمها ضروري.
следующие страницы →