Полный текст (2 259 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
اللقاء الشهري [٦٧]
في بداية العام الدراسي يلتحق بحلق التعليم آلاف الطلاب من الكبار والصغار على مختلف فئات العمر والمراحل الدراسية، فكان لابد من الحديث عن استقبال العام الدراسي الجديد وكيف نستقبله.
وفي هذا اللقاء بيّن الشيخ ملحوظات دقيقة وتوجيهات سديدة للطلاب، ثم بعد ذلك أجاب عن الأسئلة التي وردت إليه في هذا اللقاء.
стр. 1927
وقفات في استقبال العام الدراسي الجديد
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، أرسله بدين كامل منظم للخلق في عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وأحوالهم، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، حتى في آخر حياته ﵊ وهو يوصي أمته: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) فلم يدع وقتاً ولا لحظة إلا وهو يرشد أمته للخير، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في الجامع الكبير في مدينة عنيزة، يتم في هذه الليلة ليلة خمس وعشرين من شهر جمادى الأولى عام (١٤٢٠هـ) .
فنسأل الله الذي يسر مثل هذه اللقاءات أن يجعلها لقاءات مباركة نافعة، اللهم اجعلها لقاءات مباركة نافعة لنا ولإخواننا المستمعين ولإخواننا الذين يسمعون.
وما دمنا في استقبال عام دراسي جديد كما ذكر ذلك أخونا الشيخ/ حمود بن عبد العزيز الصايغ وهو معلوم، فإن من الأجدر والأولى أن نتكلم فيما ينبغي أن نستقبل هذا العام الجديد به.
فنقول: هذا العام كغيره من الأعوام يدخل حقل التعلم الصغار والكبار، من أولى ابتدائي إلى آخر الجامعة والدراسات العليا، كل واحد منهم كما قال النبي ﵊: (كلكم يغدو -يخرج في الغداة- فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) .
إن علينا في استقبال هذا العام أن نلاحظ الملاحظات الآتية:
стр. 1928
إخلاص النية لله في الدراسة
أولاً: ما الذي جاء بنا إلى حقل التعليم من مدرسة أو معهد أو جامعة؟ هل نحن جئنا لننال حظاً من الدنيا، أو جئنا لننال حظاً من الدين؟ يختلف الناس: فبعض الناس لا يأتي إلا من أجل أمر الدنيا، وبعض الناس يأتي لأمر الدين، ليتعلم أمور الدين فيقيم نفسه ثم يقيم غيره، ولا غرو ولا عجب في هذا؛ فإن النبي ﷺ قال: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) وهذا مثال وإلا فجميع الأعمال على هذا المنوال.
الذي يريد أن يتعلم الدين ليعمل به ويعلم الناس هل يفوته شيء من العلم؟
الجواب
لا.
والذي يتعلم للدنيا إن لم يفته شيء من العلم وصار كالأول فقد اختلفا اختلافاً عظيماً في الثواب والأجر، لذلك أحث إخواني طلبة العلم أن تكون نيتهم خالصةً لله، وأعني بذلك: طلبة العلم الشرعي؛ لأن النبي ﷺ قال: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله يريد عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة) والعياذ بالله! وتأمل قوله: (مما يبتغى به وجه الله) لأن العلوم أنواع، والعلوم التي يبتغى بها وجه الله هي العلوم الشرعية التي يحيا بها دين الله ، أما الأمور الدنيوية كعلوم الحساب والهندسة وما أشبهها فهذه للدنيا من أصلها وفرعها.
فعليك -يا أخي- بالإخلاص لله في طلب العلم.
وقد يقول بعض الناس: إنكم إذا قلتم هذا منعتمونا من دخول المدارس والمعاهد والجامعات التي تمشي على النظام ويتدرج فيها الإنسان حتى يصل إلى الغاية؛ لأن كثيراً من الناس يريدون أن يقرءوا ليأخذوا الشهادة، فما الحل؟ أنترك هذه المدارس ونقول: عليكم بالدراسة في المساجد وفي البيوت أما هذه المدارس والمعاهد والجامعات فاتركوها، أم نصحح النية ونقرأ في هذه الجامعات؟ أيهما أولى؟ الثاني وهو أن نصحح النية، وكيف نصحح النية؟ من المعلوم في الوقت الحاضر أن الإنسان لا يمكن أن يرتقي إلى مكان ومنزلة ينفع بها الناس إلا إذا كان معه شهادة، ولهذا إذا قال: ليس معي شهادة، ركلوه، فإذا طلبت العلم في هذه المدارس والمعاهد والجامعات من أجل أن تنال الشهادة التي ترتقي بها إلى مكان تنفع الناس به، فهذه النية نية صحيحة يثاب عليه العبد، فأنت -يا أخي- ادخل المدارس والمعاهد والجامعات بنية أنك تريد شهادة تتمكن بها من نفع الناس تكون مديراً تكون وزيراً تكون أستاذاً؛ لأنه لا توجد مرتبة كهذه إلا إذا كان لديك شهادة.
стр. 1929
التحلي بالأخلاق الفاضلة
ثانياً: أحث طالب العلم على التخلق بالأخلاق الفاضلة؛ لأنه لا فائدة للعلم إلا أن تعمل به، ولهذا قال الله : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] وهذا العلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٢-٤] .
فلا بد أن يكون طالب العلم على خلق فاضل، أسأل الله أن يهديني وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال حتى إن النبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) احرص كل الحرص على حسن الخلق، ومن حسن الخلق أنك إذا لقيت صاحبك فسلم عليه، قل: سلام عليك؛ لأن هذا من الأخلاق الفاضلة، وقد حث النبي ﷺ على الأخلاق الفاضلة وعلى السلام بالذات، فقال في حق المسلم على أخيه: (إذا لقيته فسلم عليه) وقال ﷺ : (والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) أظهروه وأعلنوه وأكثروا منه.
ولقد كان بعض السلف يدخل إلى السوق ليسلم على الناس كيف يدخل ليسلم؟! أليس الناس يدخلون السوق ليربحوا؟
الجواب
بلى.
وهذا يدخل ليربح، لأنه إذا سلم مرة كان له عشر حسنات، وهذا ربح عظيم.
فمن الخلق أن تسلم على من لقيت من المسلمين، وأما من غير المسلمين فلا تسلم عليهم؛ لأن النبي ﷺ نهى أن نبدأ اليهود والنصارى بالسلام وغيرهم كذلك.
فإذا قال قائل: إذا لقيت شخصاً هو أصغر مني فهل أبدؤه بالسلام، أم أقول: أنا أحق منه أن يبدأني بالسلام؟ أقول أيها الإخوة: لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: أنا الأكبر لي الحق، فقد كان من خلق النبي ﷺ أنه كان يبدأ من لقيه بالسلام، مع أنه أشرف الخلق وأعظم الخلق حقاً على الخلق ومع ذلك يبدأ من لقيه بالسلام، لا تقل: أنا أكبر منه، ابدأ أنت ولك الأجر ولك الأسوة الحسنة برسول الله ﷺ .
فالسلام إذن من الأخلاق الفاضلة، ومن السنن الثابتة عن النبي ﷺ .
مسألة: هل يكفي من السلام أن تقول: مرحباً وأهلاً؟ لا يكفي؛ لأن الله تعالى ذكر السلام، وقال نبيه ﷺ : (إذا لقيته فسلم عليه) ، وكذلك لا يكفي أن ترد على من سلم عليك وتقول: أهلا وسهلاً بأبي فلان، بل لا بد أن تقول: وعليك السلام، ثم ترحب.
стр. 1930
مساعدة الإخوان
من الأخلاق الفاضلة التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها: مساعدة إخوانه إن احتاجوا للمساعدة، سواء كان في مال يقرضه إياه، أو في طعام يحمله له، أو في ورقة يعينه على نقلها، المهم أن تعينه كلما احتاج إلى معونتك؛ لأن ذلك صدقة -كما قال النبي ﷺ : (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) فاحرص على نفع إخوانك، واعلم أن الجزاء من جنس العمل، فإذا أحسنت إلى إخوانك أحسن الله إليك، وأيهما أعظم: أن تحسن أنت إلى أخيك، أو أن يحسن الله إليك؟ الثاني أعظم، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) أي: أن عون الله للإنسان كعونه لأخيه.
ولا تظن أن طلب المعونة إنما يجاب إذا كان من زملائك، لا تظن هذا، بل هذا وغيره أيضاً، حتى من الجيران، فلو أن أحداً طلب منك أن تعينه فأعنه؛ فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
стр. 1931
المثابرة في طلب العلم والمصابرة عليه
ومما ينبغي لطالب العلم إذا كان يريد العلم حقيقة: أن يثابر على العلم، أي: يداوم عليه ويصبر ولا يمل؛ لأن العلم صعب، والعلم إن أعطيته كلك أدركت بعضه، وإن أعطيته بعضك لم تدرك منه شيئاً، فاجتهد في المراجعة، واجتهد في المناقشة مع إخوانك بنية الوصول إلى الحق، اجتهد في تعاهد ما حفظت من العلم، وإذا قرأت تاريخ العلماء ﵏ تعجبت: كيف كانوا يصبرون هذا الصبر على طلب العلم؟! مع أنه ليس هناك كهرباء، ولا أدوات كتابية سهلة، الأشياء في ذلك الوقت كانت صعبة، ومع ذلك كانوا يبقون كل الليل يراجعون على قنديل يكادون لا يبصرون ما يقرءون، لكنهم جادون؛ لأنهم يعلمون أنهم في جدهم وطلبهم للعلم كالمجاهدين في سبيل الله ، ليس عملاً ضائعاً بل هو كالجهاد في سبيل الله، واسمع إلى قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢] (ينفروا) أي: في الجهاد، (كافة) لا يمكن هذا؛ لأنه لو نفروا كافةً في الجهاد لتعطلت شعائر الإسلام، فلهذا قال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ [التوبة:١٢٢] ومعنى (لولا) : هلَّا: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: وقعدت طائفة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] من الذين يتفقهون في الدين: النافرون أم القاعدون؟ القاعدون ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] فانظر كيف جعل الله التفرغ لطلب العلم معادلاً للجهاد في سبيل الله.
إذاً: أنت يا طالب العلم مجاهد في سبيل الله، وحاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الجهاد؛ لأن الجهاد في ناحية خاصة وعمل خاص، لكن العلم في كل نواحي الحياة، العلم يعرف الإنسان بعقيدته في ربه يعرف كيف يتطهر، وكيف يتوضأ، وكيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم، وكيف يحج، وكيف يجاهد.
والعلماء هم ورثة الأنبياء، وذلك في العبادة والخلُق والمعاملة والدعوة، إذا قاموا بهذا فقد ورثوا الأنبياء، أما العالم الذي لا يعمل بعلمه فليس بوارث للأنبياء، ولكن اعلم أنك ربما تطلب العلم وتتساهل في العمل به، لكن كلما طلبت العلم ازددت رغبةً فيما عند الله وحينئذٍ تعمل بالعلم، ولهذا قال بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
سبحان الله! فالعلم الشرعي كله خير، فاعمل به تفز بربحه.
стр. 1932
دور الآباء في توجيه الأبناء
ولعل ما ذكرناه من التوجيه بالنسبة لطلب العلم كافٍ، وبقي النظر: البنون والبنات لهم راعٍ يرعاهم، إذا كانوا صغاراً فإن الذي يرعاهم ويدير شئونهم هو أبوهم أو أخوهم الأكبر.
(الرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته) فيجب على أولياء الأمور ورعاة البيوت أن يحملوا أهليهم على عبادة الله ، وعلى الحرص في طلب العلم، وأن يشجعوا الأولاد، يقول: تعال يا بني! ماذا حفظت اليوم؟ اقرأ عليَّ ما حفظت؛ حتى يتشجع ويعلم أن وراءه من يتابعه، وكذلك يقال في البنات شجعهم، احملهم على العلم، احملهم على العمل به، ألَّف قلبك إلى قلوبهم، لا تكن كبعض الآباء يكون في بيته كالخشبة المسندة لا يحرك ساكناً، فإن الإنسان مسئول عن أسرته ورعيته.
أسأل الله أن يعينني وإياكم على أداء الأمانة، والإنسان مؤتمن على أهله ولا بد أن يسأل: أين ذهبت يا ولدي؟ ماذا قال لك المدرس؟ ما هي دروسك؟ ويشجعه.
стр. 1933
دور المدرسين في تربية الطلاب
وكذلك أيضاً بالنسبة لرعاة التلاميذ في المدرسة، وهم الأساتذة والمدرسون والمدراء، يجب عليهم أن يقوموا بما هو أصلح من حسن التعليم، وقوة الملاحظة، والحزم، حتى لا يفوت الوقت على الطلاب، ويجب على الأساتذة أن يظهروا أمام الطلاب مظهراً جميلاً يرغبهم في الخير، ومن المؤسف أنك تجد بعض المدرسين يدخل الفصل عابس الوجه مقطباً لا يريد من أي طالب أن يسأل ولا أن يناقش، بل تجده إذا ناقشه أحد من الطلبة زجره ووبخه؛ لأنه ليس عنده علم فيخجل، إن أجاب بالخطأ فضح نفسه، وإن سكت فضح نفسه، فينتهر الطالب ويقول: اسكت اجلس، والطالب إذا نهره الأستاذ مرة فإنه سوف يستحسر ولا يسأل.
والذي ينبغي للمدرس أن يكون قوياً من غير عنف، حليماً من غير ضعف؛ حتى تستقيم له حياته مع تلاميذه.
وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وإلى الأسئلة، نسأل الله أن يوفقنا فيها إلى الصواب.
стр. 1934
الأسئلة
стр. 1935
توجيه إلى سائقي باصات النساء وإلى النساء المتبرجات
السؤال
فضيلة الشيخ! من الملاحظ على مدارس البنات كثرة السائقين من المسلمين والكفار وأشكالهم عجيبة في التجمل، يقفون قريباً من أبواب المدارس وقد يكون معه محرم أو لا يكون إلا طفلاً صغيراً أو لا يوجد أحد معه.
ثانياً: المعلمات يلبسن ملابس مخالفة للحشمة والتستر فتحات وشفاف وضيق، فما توجيه فضيلة الوالد في ذلك؟
الجواب
أقول: إن الواجب على من يحمل النساء من طالبات أو معلمات أو موجهات أو مديرات أن يتقي الله في نفسه، وأن يبتعد عن أسباب الفتنة، ومن الفتنة: أن يخرج بأجمل ما يكون من اللباس وأحسن ما يكون من الهيئة، وكأن هذا اليوم يوم عرسه، وربما ينثر على نفسه من الطيب ما تفتتن به المرأة هذا ما أنصحه لله ، فإن تيسر أن يعرف الأمر من نفسه وإلا فالواجب أن يرفع أمره إلى المسئولين ويمنع، ولقد كانت الرئاسة العامة لتعليم البنات إذا رأت من أحد ما ينِمُّ عن فعل ما يفتتن به النساء فصلته، وهذا هو الواجب، وهي مشكورة إذا قامت بهذا.
أما بالنسبة للنساء فلا يحل للمرأة أن تركب وحدها مع السائق، حتى لو كان بينها وبين المدرسة مسافة قريبة فلا يحل لها ذلك؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وما الذي يمنع أن يكون بينه وبينها كلام يَنِمُّ عن بلاء؟! قد لا يكون هذا في أول يوم ولا في ثاني يوم، ولكن مع كثرة المساس يقل الإحساس، ويتدرج مع المرأة شيئاً فشيئاً، لو لم يكن من ذلك إلا أنه يتلذذ بصوتها وتثور شهوته، والإنسان بشر، فلا يجوز للمرأة مهما كانت ومهما كان السائق أن تنفرد معه في السيارة.
وكيف إذا كانت المرأة شابة وكان قائد السيارة شاباً؟! إنها ظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله السلامة.
ثم إن على المتعلمات والمعلمات والمديرات وجميع النساء أن تخرج بثوب عادي، ولقد أحسنت الرئاسة صنعاً حيث جعلت الزي زياً واحداً، فجزاها الله خيراً، ولكن مع ذلك تريد الرئاسة الإصلاح وبعض النساء يردن الإفساد، تأتي بثوب جميل تحصل فيه الفتنة لمن شاهدها ثم تقتدي بها بقية النساء.
فالواجب تقوى الله على الجميع، نسأل الله تعالى أن يحمي بلادنا من كل سوء وشر وبلاد المسلمين عامة.
стр. 1936
طرق الاستفادة من قراءة كتب العلم
السؤال
فضيلة الشيخ! كيف أستفيد من قراءتي لكتب العلم حتى لا تضيع سدىً؟
الجواب
أولاً: الناس يختلفون في هذا، بعض الناس يكون عنده قوة في الحفظ والذكاء، فيحفظ الكتاب بمجرد أن يمر عليه مرة واحدة ويفهم المعنى، وبعض الناس يكون عنده حفظ وليس عنده ذكاء، وبعض الناس عنده ذكاء وليس عنده حفظ، لكن الناقص يجب أن يحاول تكميل نفسه بكثرة المراجعة، ومن أحسن الشيء أن تقدر -مثلاً- خمسة أسطر وتحفظها وتكررها حتى تكون عندك مثل الفاتحة، ثم تنتقل إلى موضع آخر، ثم تعيد ما حفظته بالأمس، ولقد كنت -أتحدث عما كنت أفعله- أتحفظ المتن في العصر وفي الصباح أراجع فأجدني قد حفظت، وبعض الناس يقول بالعكس: أتحفظ في أول النهار وأراجع في آخر النهار فأجدني حفظت، والإنسان أمير نفسه.
ثانياً: إذا مرت بك فائدة عزيزة قلَّ أن تمر بك؛ فقيدها واجعل لك دفتراً خاصاً تقيد فيه هذه المسائل، ولهذا قيل: قيدوا العلم بالكتابة.
ثالثاً: احرص على أن تتباحث مع زملائك وتنهي الأمر إلى الشيخ، لأنه مع المباحثة يتفتح الذهن، ويتعود الإنسان على المناظرة، ونحن في هذا العصر محتاجون إلى جودة في المناظرة؛ لأن أهل الفسوق والفجور عندهم من قوة البيان وطلاقة اللسان ما قد يضيع الحق بباطلهم.
стр. 1937
أهمية النية في الأعمال
السؤال
فضيلة الشيخ! الطالب الذي يتجه لدراسة العلوم العلمية كالطب والهندسة وغيرها مما يخدم الناس، هل ينقص أجره أم لا؟ وكيف السبيل الصحيح لهذا؛ لأن الطلاب لو توجهوا إلى العلوم الشرعية لما وجد من يخدم في المجالات العلمية العملية؟ آمل التوضيح.
الجواب
هذه العلوم في حد ذاتها ليس فيها أجر؛ لأنها لا تَمُتُّ إلى الشريعة بصلة من حيث أن الشريعة لا تقوم إلا بها، إذ أن الشريعة تقوم بدونها، فهي في حد ذاتها ليس فيها أجر، لكن إذا نوى الإنسان بها سد حاجة الناس واستغناءهم عن غيرهم صار له الأجر بهذه النية، وقد رأيت كلاماً لبعض العلماء قال: إن مثل هذه الأمور تعلمها من فروض الكفاية؛ لأن الناس محتاجون إلى الصنعة، ومحتاجون إلى البناء، ومحتاجون إلى الأعمال التي يطلبها هؤلاء، والنية لها تأثير كبير في حصول الأجر، فتنوي أنت إذا لم يكن لديك رغبة في طلب العلوم الشرعية، تنوي بذلك أنك تريد أن تسد بعلمك حاجات المسلمين، فالناس محتاجون، وينبغي أن نكون أمة نستغني عن غيرنا.
والآن لو قلت لك: إننا نفتقر إلى غيرنا في أشياء كثيرة، لكن الحمد لله بدأت الأمور الآن تتحسن، وبدأت الصناعات الآن في بلادنا تتطور ونرجو لها مستقبلاً أزهر.
стр. 1938
حكم ما يمنع من وصول الماء إلى الجلد من غراء ونحوه
السؤال
فضيلة الشيخ! أصيبت بعض أصابعي بغراء قوي يصعب إزالته حيث أن هذه المادة تحجب الماء من الوصول إلى الجلد عند الوضوء، وإني عندما أقوم بإزالته يلحقني ضرر من ذلك، فماذا أصنع؟
الجواب
أولاً: ادفع، بمعنى: قبل أن تستعمل هذا الغراء اجعل على يدك قفازين من البلاستيك، فما دمت تعرف أنك سوف تمارس هذه المهنة فاجعل قفازين من البلاستيك، وهذه تمنع أن يعلق بك شيء من هذا الغراء.
ثانياً: إذا قدر أنك لم تلبس القفازين فهل الغراء لا يذوب بأي شيء، أم له أشياء تذيبه؟ له أشياء تزيله وهو البنزين أو القاز (الكيروسين) لكن ذكر لي بعض الناس: أن بعض الغراء لا يزيله بنزين ولا قاز، وأنه لا يذهب إلا إذا ذهب شيء من الجلد معه، فمثل هذا لا تلزم إزالته، ويكفي أن يمر عليه الماء، وإن حصل أن تمسحه مع مرور الماء عليه فهذا أحسن.
стр. 1939
السفر في طلب العلم
السؤال
فضيلة الشيخ! طالب العلم الذي يفارق أهله من أجل طلب العلم هل يزيده ذلك قربةً عند الله؟ وأرجوك يا شيخنا أن تذكر بعض فضائل طلب العلم التي وردت في الكتاب والسنة مما يشجعنا ويجعلنا نزداد في طلب العلم؟
الجواب
لا شك أن كون الطالب يبحث عن العلم حتى في بلاد أخرى ثم يهاجر إلى طلب العلم أنه أفضل ممن يطلب العلم في بلده، مع تساوي نوع الطلب ونوع العمل بالعلم؛ لأن هذا فارق الأوطان وفارق الأهل وفارق المألوف من أجل تحصيل العلم، فيكون هذا أفضل، كما أن الغالب أن الذي يسافر لطلب العلم يكون أكثر تفرغاً من الذي يطلب العلم في بلده؛ لأنه في بلده قد يشغله أهله في حاجاتهم أو غير هذا فيفوته خير كثير، ثم إن طالب العلم الذي يسافر في طلب العلم يلتقي بأناس لا يجدهم في بلده، والغالب أن الأصدقاء من البلد يلهون الإنسان، والأصدقاء من غير البلد ما داموا جاءوا كلهم لطلب العلم سوف يساعدونه على طلب العلم.
أما طلبه أن أذكر فضائل العلم فهذا موجود في الكتب.
стр. 1940
توبة شاب كان يسرق النقود من أبيه
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا شاب أبلغ من العمر خمس عشرة سنة -ملتزم ولله الحمد- وكنت أسرق من أبي بعض النقود وهو لا يعلم عني وهي مبالغ كثيرة لا أعلم قدرها، والله يعلم أني نادم على ما فعلت، والآن أنا عندي مسجد وأستلم منه مكافأة ولكن المكافأة تذهب مني إلى أهلي حيث أنني عليَّ التزامات، وهناك أناس قد سرقت منهم وأنا لا أستطيع إرجاعها إليهم فلا أملك نقوداً وأستحي منهم، فماذا أصنع؟
الجواب
أقول: هذا الأخ قد بارك الله له في عمره، فإن عمره خمس عشرة سنة، وقد سرق من أبيه وسرق من الناس وصارت عليه ديون كثيرة، نسأل الله أن يعينه على أدائها إلى أهلها، وما دام الرجل إمام مسجد وملتزم وعليه ديون، فإنه يجوز أن يدفع له من الزكاة ما يقضي به دينه؛ لأنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] لكن إذا خشي الإنسان أنه لو أعطاه ليقضي الدين صرفه في كماليات وترك الدين، فهناك لا يُعطه بل يذهب إلى الدائن ويسدد عنه.
بقي أن يقال: كيف يتخلص من قوم سرق منهم؟ هل يذهب إليهم ويقول: أنا سرقت منكم؟! لكن هناك حيلة، وهي أن يرسل بالبريد المضمون، ولكن وهذه فيها إشكال، وهو أنه قد لا يسلم إلى يد صاحبه، لكن بعض الناس يكتب: خاص يسلم بيده ولا يفتحه إلا هو، وهذا يكتب على الظرف وأحياناً يأتينا هكذا، فهنا إذا علمنا أنه وصل أرجو ألا يكون فيه بأس.
وهناك طريقة أخرى: ما دام أنه إمام مسجد فإنه يستطيع أن يذهب إلى صاحبه الذي سرق منه ويقول: هذه دراهم من رجل يقول لي سلمها لفلان فإني قد سرقتها منه.
وهذا صحيح؛ لأنه قال: من رجل، وهو رجل قد سرقها، وهذه أيضاً أحسن من الأولى؛ لأنه يطمئن إلى وصولها إلى صاحبها.
وهناك حل ثالث: أن يضعها في سيارة المسروق منه، أو يلقيها إلى بيته، لكن في السيارة أخشى أن يجدها أحد الركاب، لكنه إذا عين وقال: هذه إلى فلان وعين اسمه، فتبرأ الذمة إن شاء الله.
стр. 1941
السنة في الدعاء للميت بعد الدفن
السؤال
فضيلة الشيخ! شاركت في تشييع جنازة في إحدى مدن القصيم، وبعد الدفن ورش الماء وقف المشيعون للدعاء على الميت ولكنهم أطالوا الوقوف جداً وقالوا: هذه هي السنة، حيث ورد أن الوقوف ما يعدل ذبح جزور وتقسيم لحمه، فما صحة ذلك؟ ومتى يكون الوقوف؟ وما هي الأدعية الواردة؟ ومن لم يقف إلا قصيراً ثم ينصرف هل ينال الأجر الموعود به؟
الجواب
إذا فرغ الناس من دفن الميت فقد كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل) ، ولم يكن يدعو بهم دعاءً جماعياً بل كل إنسان يدعو لوحده، ولم يكن يطيل الوقوف، ومن عادة النبي ﷺ أنه إذا دعا دعا ثلاثاً، وعليه فيكفي أن تقف وتقول: اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له اللهم ثبته، اللهم ثبته.
اللهم ثبته، وتنصرف، وأما الجلوس أو الوقوف بقدر ما تنحر الجزور ويقسم لحمها فهذا قاله عمرو بن العاص ﵁ وأوصى به، ولكن هذا ليس من الهدي العام للنبي ﷺ ولا للصحابة، فهو أوصى به اجتهاداً منه ﵁، وقال: [حتى أراجع رسل ربي] أي: الملائكة الذين يسألونه.
والذي أرى: أن يؤخذ بما كان يفعله النبي ﷺ ، ويقال: وصية عمرو بن العاص ﵁ اجتهاد منه، والسنة قائمة بعدم ذلك.
стр. 1942
حكم من أدركها الحيض وهي صائمة
السؤال
فضيلة الشيخ! إذا نزل دم الحيض قبل المغرب بربع ساعة أو ثلث ساعة قبل الأذان وأنا صائمة صيام التطوع، فهل يجب عليَّ قضاؤه؟
الجواب
إذا نزل دم الحيض على الصائمة ولو قبل الغروب بلحظة بطل صومها، فإن كان صوماً واجباً وجب عليها أن تقضيه، وإن كان تطوعاً فهي بالخيار: إن شاءت قضته وإن شاءت لم تقضه، لكن إذا كان صومها لهذا اليوم تطوعاً لكونه يوماً معيناً فلا تقضي.
مثاله: امرأة من عادتها أن تصوم الإثنين والخميس، وفي آخر يوم الإثنين قبل الغروب أتاها الحيض ففسد صومها، فهل تقضي ذلك اليوم؟ الجواب: لا تقضه، لأنه صوم مسنون في يوم معين وقد فات اليوم، فهو سنة فات محلها.
مسألة: لو أن المرأة أحست عند الغروب بمغص الدم -دم الحيض- ولكن لم يخرج إلا بعد الغروب بخمس دقائق، فهل يفسد صومها؟ لا يفسد؛ لأنه لا يفسد إلا إذا خرج الحيض.
стр. 1943
كيف يكون المدرس أو المدرسة داعية إلى الله ؟
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا معلمة في إحدى المدارس أعلم المواد العلمية، وتتوق نفسي لأن أكون داعية إلى الله وأحمل لهم التدريس ما الله به عليم، غير أني لا أجد صلةً بين تخصصي وبين ما أريد وهو الدعوة إلى الله، ولطالما وقفت حائرة عند سؤال بعض تلميذاتي: ما الغرض من دراسة هذه المادة؟ سؤالي يا فضيلة الشيخ: كيف أجعل من هذا التخصص البعيد عن الشرع وسيلة للدعوة إلى الله؟ ولي طلب أخير: أن تدعو الله أن يهديني ويهدي بي وأن يحلل عقدةً من لساني.
الجواب
أقول: إذا كانت المرأة أو الرجل يريد أن يكون داعيةً إلى الله وتخصصه في العلم الذي نجح فيه بعيد عن هذا الغرض؛ فإنه يمكن أن يدعو الله بما عنده من العلم الآخر ولو يسيراً، قال النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) وإذا كان تخصصه بشيء يتعلق بالأحياء فبإمكانه أن يشرح كيف ركب الله البدن، وكيف جعل فيه هذه القوى، البدن الآن فيه معامل مختلفة، انظر إلى طعامك كيف يدخل وكيف يخرج؟ ما الذي حوله من حاله الأولى عند دخوله إلى حاله الثانية عند خروجه؟ الله ، لكن بما أودع في الجسم من المعامل والتكريرات، فيمكن إذا كان هو عالم بهذا أن يدعو إلى الله بهذه الواسطة، كما قال الله : ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] إذا كان عالماً بالجيولوجيا والنبات فإنه يمكن أن يشرح للتلاميذ ما يتعلق بهذا مما يدل على كمال الله وقدرته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠] .
стр. 1944
توبة المرابي
السؤال
فضيلة الشيخ! أبشرك بأن كثيراً من الذين يعملون في البنوك الربوية في قلق من عملهم، وقد رجع عدد منهم إلى الله وترك عمله ويسر الله له عملاً خيراً منه، ولكن سؤالي يا فضيلة الشيخ الذي حيرني: توبة المرابي كيف تكون: هل يخرج من جميع ماله المحرم الذي اكتسبه، أم ماذا يصنع؟ حيث أني قرأت لأهل العلم كلاماً مختلفاً: منهم من قال: يتخلص مما في يده من المال المحرم إن كان عالماً بالحرمة، فإن لم يكن فلا يخرج شيئاً، ومنهم من قال: له كل ما في يده قبل التوبة تسهيلاً له في التوبة، ومنهم من قال: يتخلص من الربا كله؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] فما هو الحكم الذي تؤيده الأدلة جزاك الله عنا خيراً، ويسر لإخواننا طريق الخلاص من كل محرم؟
الجواب
الذي يظهر لي: أنه إذا كان لا يعلم أن هذا حرام فله كل ما أخذ وليس عليه شيء، أو أنه اغتر بفتوى عالم أنه ليس بحرام فلا يخرج شيئاً، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] .
أما إذا كان عالماً فإنه يتخلص من الربا بالصدقة به تخلصاً منه، أو ببناء مساجد أو إصلاح طرق أو ما أشبه ذلك.
стр. 1945
حكم خروج المتوفى عنها زوجها وقت العدة وما تمنع منه
السؤال
فضيلة الشيخ! امرأة معتدة عدة وفاة، وقد خلَّف زوجها أموالاً وعقاراً فكان من نصيبها فِلة، وبدأت تؤثث هذه الفِلة، فتقول: هل يجوز لي أن أذهب إلى الفِلة في وقت النهار لترتيب الأثاث في مكانه المناسب والإشراف عليه، أم يجب عليَّ البقاء في المنزل؟
الجواب
أرى أنه يجب عليها البقاء في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه؛ لأن تأخير تأثيث الفِلة حتى تنتهي العدة لا يضر، لكن إن احتاجت إلى الخروج فإنها تخرج نهاراً وترجع ليلاً.
أما الأشياء التي تمنع منها المحتدة فهي: أولاً: التحلي أي: لبس الحلي بجميع أنواعه، سواء كان في اليدين أو في الأذنين أو على الرأس أو في الرجلين، المهم يجب عليها أن تتجنب جميع أنواع الحلي في أي مكان من بدنها.
ثانياً: يجب أن تتجنب كل لباس الزينة، كل ما يعد زينة، وأما ما لا يعد زينة فلها أن تلبسه، سواء كان أخضر أو أسود أو أحمر أو أبيض، ليس هناك لون يجب أن تتقيد به، المهم ألا يكون ثوب زينة، بمعنى: ألا يقال إن المرأة تجملت.
ثالثاً: الطيب يجب عليها أن تتجنب جميع أنواع الطيب، لا الدهن كالعود والورد ونحوه، ولا البخور، إلا إذا طهرت من الحيض فلا بأس أن تستعمل البخور شيئاً يسيراً.
رابعاً: تزيين الجسم فلا تكتحل، ولا تتورس كمحمر الشفاه مثلاً، ولا تتمكيج، فكل هذا ممنوع.
وأما الاغتسال فلها أن تغتسل كما شاءت في الليل أو في النهار، في الجمعة أو غير الجمعة، وكل هذا لا يضر.
خامساً: ألا تخرج من بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، بل تبقى فيه ليلاً ونهاراً حتى تنتهي العدة؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة:٢٣٤] أي: ينتظرن في بيوتهن أربعة أشهر وعشرة أيام.
وإن كانت حاملاً؟ فإلى وضع الحمل، طالت المدة أو قصرت، ولهذا يمكن أن تنتهي المرأة من الإحداد قبل أن يدفن زوجها إذا كانت حاملاً، بأن تكون -مثلاً- في الطلق حين مات الزوج، وحين خرجت روحه خرج الطفل من بطنها، نقول: هذه الآن انتهت عدتها وإحدادها، وإن بقيت عشرة أشهر فتبقى حتى تضع؛ لقول الله ﵎: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] .
стр. 1946
حكم مخالطة قاطع الصلاة
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا عامل أعمل مع مجموعة من المسلمين في عمل، ولكني لم أشهد على هؤلاء العمال أنهم ركعوا لله ركعة عدا العيدين فقط لمدة عام، فما واجبي نحوهم وقد نصحتهم كثيراً؟ وما واجب صاحب العمل؟ وبماذا تنصحه؟ وهل يصيرون بفعلهم كفاراً يحرم أن أبدأهم بالسلام والتحدث؟ ولكم أفضل الجزاء.
الجواب
الواجب على من كان مشاركاً لهؤلاء في أعمالهم وهم لا يصلون أن ينصحهم أولاً، ويحذرهم من عقوبة الله ، ويبشرهم بما لهم إذا قاموا بطاعة الله، فإن نفع بهم ذلك فهو ذاك، وإن لم ينفع وجب عليه أن يبلغ صاحبهم الذين يعملون عنده، يبلغه عن أحوالهم، وهذا الذي يعملون عنده يجب عليه أن يأمرهم بالصلاة، فإن لم يفعلوا وجب أن يسفِّرهم؛ لأنه لا خير فيهم، ولا يحل السكوت عليهم، بل الواجب أن ينصحوا أولاً ثم يسفَّروا إلى بلادهم ثانياً.
стр. 1947
اللقاء الشهري [٦٨]
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن تفسير بعض آيات سورة الفرقان، مع ذكر بعض الفوائد والتوجيهات، ثم بعد ذلك يجيب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.
стр. 1948
في ظلال سورة الفرقان
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الأحد الثالث من كل شهر ما لم يوجد مانع، وهذا اللقاء هو الثامن والستون من اللقاءات الشهرية، وهذه الليلة هي ليلة الأحد السادس عشر من شهر جمادى الثانية عام (١٤٢٠هـ) .
وسوف نتكلم في هذا اللقاء عما بقي من آيات آخر سورة الفرقان.
وقد انتهينا إلى قول الله ﵎: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] ولا حرج علينا أن نعيد ما قبلها لما فيه من الفائدة.
يقول الله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان:٧٥] (أولئك) أي: الذين اتصفوا بتلك الصفات السابقة من قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] إلى هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] والذي يجزيهم ذلك هو الله ، لكنه لم يسم للعلم به، والشيء المعلوم إذا لم يسم فلا حرج، أرأيتم قول الله : ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] فإن الخالق هو الله، حذف لأنه معلوم.
إذاً: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان:٧٥] الذي يجازي هو الله ، وحذف لأنه معلوم، لا أحد يمكن أن يدخل أحداً الجنة إلا الله ، حتى إن النبي ﷺ ذكر أن أهل الجنة إذا مروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار واقتص لبعضهم من بعض الاقتصاص النهائي الذي يزيل الغل والحقد في الصدور، فإذا أتوا إلى باب الجنة وجدوه مغلقاً، يحتاجون إلى أن يشفع لهم أحد في فتحه، فيشفع النبي ﷺ .
هذا بعد أن وصلوا إلى الجنة فكيف إذا لم يصلوا إليها؟! لا يمكن الوصول إلى الجنة ولا يمكن جزاء الغرفة إلا من قبل الله ، وقولنا: الغرفة، المراد به الجنس، وإلا فهي أكثر من واحدة، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧] غرفات: جمع غرفة، فالمراد بقوله: (الغرفة بما صبروا) المراد الغرفات وهي غرفات الجنات، كما قال : ﴿لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] .
стр. 1949
أنواع الصبر
وقوله : ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] الباء هنا للسببية، أي: بسبب صبرهم، و (ما) مصدرية؛ لأن ما بعدها يؤول بالمصدر، وتقدير الكلام بعد (ما) المصدرية: بصبرهم، أي: يجزون الغرفة بصبرهم، والصبر: الحبس، ومنه قول العرب: قتل فلانٌ صبراً أي: محبوساً مقيداً.
والمراد بالصبر هنا الصبر على ثلاثة أمور: الأول: الصبر على طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله.
الثالث: الصبر على أقدار الله.
стр. 1950
الصبر على الطاعة
فالصبر على طاعة الله: أن يحبس الإنسان نفسه على الطاعة فيتمها ويتقنها ويجيدها.
وهل يحتاج هذا إلى معاناة؟
الجواب
نعم يحتاج إلى معاناة، لا سيما مع ما شق في الطاعة، فإن الإنسان يجد معاناة، ولهذا قال النبي ﷺ في الرباط من جملة أوصاف المرابطين: (وإسباغ الوضوء على المكاره) وفي رواية: (في السبرات) أي: أيام البرد؛ لأن أيام البرد يشق على الإنسان أن يتوضأ لبرودة الماء.
كذلك الصلاة تحتاج إلى معاناة وصبر، وليس الصبر في الصلاة على مجرد الحركات البدنية، فالحركات البدنية قد تكون سهلة مثل: القيام والركوع والسجود، هذا قد يكون سهلاً، لكن هناك صبر شاق متعب، وهو صبر القلب على عدم الوساوس، على عدم السرحان يميناً وشمالاً، وأكثرنا -نسأل الله أن يعاملنا بعفوه- أكثرنا يصلي ولكن قلبه ليس مصلياً، قلبه يجول يميناً وشمالاً، فهل نقول: إن هذا صابر؟ لا، ما صبر، فاحبس القلب، اجعله يتدبر ما تقول ويتأمل ما تفعل، فإذا قرأت الفاتحة فاصبر نفسك على أنك تخاطب رب العالمين جل وعلا، وإذا قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فالله يقول لك: حمدني عبدي، وإذا قلت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] فالله يقول لك: أثنى عليَّ عبدي، إذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فالله يقول: مجدني عبدي، وإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل.
فاصبر قلبك على أنك تستحضر هذا المعنى العظيم.
ثم اذكر قول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦] يعلم الوسوسة والذي يوسوس به، وحينئذٍ يكون هذا عوناً على حضور القلب، والشيطان سوف يهجم عليك، وإذا صددت القلب عن الهواجس في هذا الشيء فتح لك باباً ليس له قيمة ولا ينفعك لا في دينك ولا دنياك، فإذا سددته فتح آخر، لم يكن يطرأ على بالك أبداً وهلم جرا.
فاصبر قلبك واحبسه عن الهواجس، وأحضره معك في صلاتك.
هذا صبر على الطاعة.
والإنسان في الحج يجد مشقةً عظيمة في الزحام في الطواف في السعي في رمي الجمرات في الطريق، فاصبر نفسك، لا تقل: ليتني ما حججت هذا العام.
اصبر نفسك واحبسها على هذه المشقة.
وهذا صبر على طاعة الله.
وفي الصيام في أيام الصيف النهار طويل، والجو حار، والبدن يحتاج إلى رطوبة، فتنشف الأعضاء ويتألم الإنسان، ولكن اصبر نفسك، لا تتأسف على صوم تطوع، ولا تمل من صوم واجب.
وكذلك طاعة الوالدين، قد يأمرك الوالد بما لا تريد، لكن ليس عليك فيه ضرر وله فيه مصلحة، فاصبر عليه وإن كنت لا تريده.
والأمثلة على هذا كثيرة.
стр. 1951
الصبر عن المعصية
والقسم الثاني: الصبر عن المعصية، بمعنى: أن نفسك إذا دعتك إلى معصية فامنعها، ذكرها بالله، خوفها من العقوبة، فلو دعتك نفسك إلى أن تشرب الخمر -والعياذ بالله- وامنعها، وبين لها ما فيه من الضرر.
لو دعتك نفسك إلى الزنا بالعين أو بالأذن أو بالفرج فاصبر نفسك، وغض الطرف، وأعرض عن السماع، وحصن فرجك، وربما تجد من ذلك صعوبة لا سيما مع قوة الداعي وقلة المانع؛ فالداعي إلى الزنا في الوقت الحاضر قوي، فإذا نظرت إلى وسائل الإعلام وإلى الشيء الفاضح، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة تجده قوياً جداً، كذلك أيضاً الداعي إلى هذا قوة الشباب، والفراغ، والأمن، والنعمة، كل هذه من أسباب تسهيل الزنا والعياذ بالله! وإذا نظرت إلى المانع فإذا هو ضعيف الإيمان ضعيف، والرادع السلطاني ضعيف، انظر إلى البلاد يمينك وشمالك تجد أن الرادع هش، لا يقيمون الحدود، وسمعنا والعهدة على الناقل: أن في بعض قوانينهم أنه إذا كان الزنا بين رجل وامرأة باختيارهما ولا زوج للمرأة فإنه لا عقوبة!! نعوذ بالله! هذا تعطيل لحدود الله.
وإن كان لها زوج ورضي بذلك فلا عقوبة، وإن طالب فله حق! وهذا القانون باطل، والإعراض عن حكم الله واتباع هذا قد يؤدي إلى الكفر المحض والعياذ بالله.
فإذا صبر الإنسان نفسه مع قوة الداعي وقلة المانع كان هذا من الصبر المحمود.
أيهما أشد كلفة على الإنسان: الصبر على الطاعة، أو عن المعصية؟ الأصل أن الصبر على الطاعة أشد؛ لأن فيه حمل الناس على الفعل، والفعل أهون من الترك، لكن قد يكون في بعض الناس الصبر عن المعصية أشق عليه، ولكلٍ درجات مما عملوا.
стр. 1952
الصبر على أقدار الله
القسم الثالث: الصبر على أقدار الله وأقدار الله هي ما يقدرها على العباد، وهي دائرة بين أمرين: بين الإحسان والعدل، كل ما يقدره الله على العبد من مصائب دائر بين أمرين: إما إحسان وإما عدل الإحسان: أن يقدر الله مصيبة على العبد ولا يعلم لها سبباً، هذه إحسان، وأما التي يعلم أن لها سبباً فهذا عدلٌ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] .
وما منا أحد إلا يصاب، والمصيبة مصيبة الدين, ولهذا نقول في دعاء القنوت: اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
الدنيا مهما كانت مصيبتها فهي هينة، غاية ما فيها الموت، والموت انتقال من أدنى إلى أعلى بالنسبة للمتقين، قال الله : ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧] مصيبة الدنيا سهلة بالنسبة لمصيبة الدين، مصيبة الدين -والله- أعظم وأشد على العاقل، أما الدنيا فكما قلت لكم أولاً: الحال لا تدوم وكما قيل: دوام الحال من المحال.
والثاني: أنها أنهى ما تكون أن توصل إلى الموت الذي لا بد منه.
والصبر على أقدار الله: ألا يتسخط الإنسان بقلبه ولا بلسانه ولا بجوارحه ألا يتسخط بقلبه بأن يسخط على الله ويقول: كيف ابتلاني ولم يبتلِ فلاناً؟ يا أخي! من أنت؟ ألست عبداً لله؟! إذا كنت كذلك فالسيد يفعل بعبده ما شاء، ثم اعلم أنك لا تصاب بمصيبة وإن قلَّت إلا كُفَّر بها عنك سيئات أو رُفعت بها درجات، حتى جاء في الحديث: (إن الرجل ليطلب المفتاح من جيبه -يفتح الدار- ولا تقع عليه يده أول مرة يكتب له به أجر) لأنه يفزع، ويقول: لعله ضاع، أين وضعته؟ هذا الفزع يكتب له به أجر، إلى هذا الحد!! حتى إن النبي ﷺ يقول: (الشوكة يشاكها يثاب عليها) .
أنت مأجور، فكيف تتسخط من قضاء الله وقدره والخير لك؟! يقال: إن رابعة العدوية وهي من جملة العابدات أصيبت بمصيبة فقطعت أصبعها فلم تتأثر، فقيل لها في ذلك، قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
ما شاء الله! أما التسخط باللسان: كأن يشكو الله إلى الخلق، أو يقول: واويلاه! واثبوراه! وما أشبه ذلك.
وأما التسخط بالجوارح: فشق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، ويوجد أناس يفعلون هذا، وأعظمه وأقبحه وأشده: الانتحار والعياذ بالله! يوجد أناس إذا أصيبوا بالمصائب التي يعجزون عنها ذهبوا يقتلون أنفسهم، ولقد حكى لنا نبينا ﷺ قصة رجل جُرح فلم يصبر، ففعل ما لا يجوز فعله، فأوجب الله له النار.
والذي ينتحر تخلصاً من هذه المصيبة لن يتخلص، هو يظن أنه إذا مات استراح وليس كذلك، بل إذا مات فإنه معذب في نار جهنم بما قتل به نفسه خالداً مخلداً فيها أبداً.
ولهذا ننعى إخواننا الذين يذهبون إلى بلاد فلسطين المحتلة ويفجرون أنفسهم بين جمع اليهود، ويظنون بذلك أنهم يتقربون إلى الله، ولكن هذا لا يزيدهم إلا بعداً؛ لأنهم يقتلون أنفسهم والعياذ بالله! وقتل النفس من كبائر الذنوب، يُعذب في النار بما قتل به نفسه.
ولكننا لا نقول لهؤلاء: إنهم من هذا الصنف؛ لأنهم مجتهدون، يظنون أن هذا خير، والمتأول نرجو الله له العفو، لكن هذا العمل محرم شرعاً وليس من الجهاد في سبيل الله، وهو أيضاً خلاف المعقول فإذا قدرنا أنه قتل نفسه كم يقتل من اليهود؟ أكبر شيء اجعله يقتل خمسين أو مائة، فتأخذ اليهود بالثأر وتقتل مئات، وتزداد تعصباً لما ترى من استحلال البلاد، لكن أكثر الناس لا ينظر إلى العواقب ولا ينظر إلى الأمور العميقة.
المهم يا إخواني: أن الصبر على أقدار الله مواضعه ثلاثة، وهي: القلب، واللسان، والجوارح، هذه أنواع الصبر، فقول الله هنا: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] أي: بصبرهم، والصبر كما سمعتم ثلاثة أنواع.
واعلم أن مما يسليك في المصائب أن تنظر إلى من حولك، هل من حولك قد أصيبوا أم لا؟ إنك لن ترى إلا مصاباً مثلك، أو أعلى منك، أو دونك، لكن لا يخلو أحد من مصيبة، إلا من قصر عمره فهلك قبل أن تناله المصائب، هذا إن قدر وجوده.
فسلِّ نفسك بأقرانك وأصحابك، وقد كانت الخنساء ترثي أخاها صخراً وتقول:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
стр. 1953
تفسير قوله تعالى: ((وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً))
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الفرقان:٧٦] خلوداً دائماً أبدياً، لا موت، ولا مرض، ولا نوم، ولا هم، ولا غم، ولا نصب، ولا تعب، حتى إن الرجل ليشتهي الثمرة على الغصن فيتدلى له الغصن حتى يأخذ الثمرة، قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] قال العلماء: إن الإنسان إذا اشتهى الثمرة انهزع الغصن بأمر الله حتى يأخذ الثمرة بدون تعب.
لا فيها غم ولا خوف، يقول الله تعالى لهم: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) هذا والله النعيم، رضوان الله أبدي لأهل الجنة.
اللهم اجعلنا من أهل الجنة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٧٦] يعني: ما أحسنها! وهذه الجملة تفيد التعجب، أي: ما أحسن مستقرهم! وما أحسن مقامهم! فهم في نعيم ومستقر آمنين: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] .
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] أي: لولا عبادتكم لم يعبأ الله بكم شيئاً ولأهلككم، ولولا دعاؤكم لأهلككم ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] .
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ والخطاب للكفار ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [الفرقان:٧٧] أي: سوف يكون العذاب لزاماً لكم لأنكم التزمتم الكفر في حياتكم فلزمكم العذاب بعد مماتكم.
اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، وأسكنا دار القرار.
وإلى هنا ينتهي الكلام على الآيات الأخيرة من هذه السورة.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن تدبر كلامه وعمل به وصار قائده إلى جنات النعيم، إنه على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1954
الأسئلة
стр. 1955
خطر تتبع الموضات ولبس العباءات الفاضحة
السؤال
فضيلة الشيخ! مشكلة أراها انتشرت في مجتمعنا وابتلي بها أناس ذوو دين وخلق، ألا وهي لبس العباءات التي تكون على الكتفين مع تنوع أسمائها، مرة عمانية وأخرى فرنسية، فما قولك الفصل في هذه المسألة لعلنا نحصر هذه المشكلة قبل انتشارها بشكل أعظم؟ وأقترح على فضيلتكم -والأمر لكم- أن تكتب فتوى في ذلك وتوزع على مدارس البنات وغيرها من مجتمعات النساء.
الجواب
أولاً: أنا أرى أن شعبنا -والحمد لله- شعب محافظ، قد بنى سلوكه ومنهجه على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وعلى ما درج عليه سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، هذا معظم شعبنا ولله الحمد، ولا إشكال في ذلك، وأحب بكل قلبي ألا ننتهز الفرص كلما جاءتنا موضة ذهبنا نأخذ بها.
وهذه الموضات التي ترد إلينا: إما أن تخالف الشريعة وإما أن تخالف العادة، فإن كانت مخالفة للعادة دون الشريعة فإن اتباعها يعتبر سفهاً في العقل، إذ أي فرقٍ بين هذه العادة التي وردت والعادة التي نحن عليها؟ بل إن عاداتنا -والحمد لله- أقرب إلى الستر والمصونة من العادات الواردة.
أما إذا كانت مخالفة للشريعة فكيف يرضى المسلم أن يتلبس بعادات قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مخالفة لشريعة الله؟! ثم اعلم -يا أخي- أن التشبه بالكفار يزيد الكفار قوة ويزيدك ضعفاً، بغض النظر عن نوع الملبوس؛ لأنك إذا تشبهت بقوم فهذا يعني أنك جعلتهم سادة لك، وجعلت نفسك تابعاً لهم وهم متبعون إذاً: أنت أنزلت نفسك في منزل الذل وأنزلت أولئك في منزل العز؛ لأنه لولا أنك تعتقد أنهم أرقى منك لما قلدتهم، وهذه كثير من الناس يغفل عنها، كثير من الناس لا يعرف هذا، ويكفي أن نعلم أن أولئك إذا علموا أنك آخذ بعاداتهم فرحوا بهذا، وقالوا: نحن القادة ونحن السادة.
فأود من كل قلبي ألا ننتظر كل موضة تخرج فنأخذ بها، ثم إننا إذا جعلنا نتتبع الموضات ألهانا ذلك عن مصالح ديننا ودنيانا، وصار الواحد منا -ولا سيما النساء- ليس له هم إلا أن ينظر ماذا حدث اليوم، ماذا ورد إلى السوق من اللباس، وما أشبه ذلك، وهذه مصائب تدل على ضعف الشخصية وعلى قلة الدين.
والآن هناك شيء عجيب! فتحت مطاعم للأكل والشرب في بلد كـ عنيزة، بلد أهلها -والحمد لله- غالبهم مواطنون، فوجدنا أن أناساً يرتادون هذه المطاعم من أهل البلد الصميم يتعشون هم وأهلهم في هذه المطاعم! سبحان الله! عجائب! أيهما أحسن: عشاء أنت الذي توليته بنفسك وعرفت ما فيه وعرفت نظافته، أم طعام قد يكون بقايا طعام وضع بعضه على بعض وسخن في النار وكأنه مطبوخ الآن؟! ثانياً: أنت لا تدري، أحياناً قد يوجد في هذه المطاعم طعام متسمم.
ثالثاً: كيف تخرج بعوائلك؟! بنات أعمارهن تسع عشرة سنة أو عشرون سنة أو خمس عشرة سنة، وشباب صغار، كيف تخرج بهم إلى هذه المطاعم؟! أليس من الأجدر بك وأنت الرجل المصون الحريص على سلامة عرضك، أليس الأجدر بك أن تبقى أنت وأهلك في بيتك؟! والله هذا هو الأجدر.
فالحقيقة أن الإنسان كلما تفكر في المجتمع وجد هناك أشياء تَنِمُّ عن ضعف الشخصية، وعن قلة الدين، وعن سفه العقل.
أما بالنسبة لهذه العباءات، فلا يشك أحد أن العباءة العادية التي كانت تلبسها نساؤنا أستر من هذه العباءات وأبعد من الفتنة، وأقوى للشخصية؛ حيث إن الإنسان لم يتنزل إلى ما ورده من غير المسلمين، وهذا يكفي في أن نرجح العباءات السابقة على العباءات الجديدة.
ثم إننا نقول: بالله عليكم أيهما أستر: العباءة السابقة، أم هذه التي تبين الأكتاف وتبين العنق طوله من قصره، وربما تكون ضيقة تبين مقاطع الجسم؟ الأول أفضل وأستر، ثم لا ندري أيضاً ربما تتطور المسألة وتكون اليوم عباءة وغداً قميصاً، ويستطيع الواحد أن يقول: ما الفرق يبن هذه العباءة الكتفية وبين القميص؟ وتكون النساء تخرج بالقمص، وربما تتطور الدعوى ولا يكفي هذا، ربما تخرج بالقمص المفتوحة من الأمام والخلف وليس على المرأة إلا السروال، فالمسألة ليست تطوراً بل هي تدهور، وإذا لم يقم الرجال من أهل العلم والدين والعقل والمصونة على هذه العادات التي وردتنا فسوف تنتشر على وجه لا يمكننا أن نقوم أمامه؛ لأن الماء إذا كان قليلاً يمكن حبسه في أي حابس، لكن إذا جاء واد كبير فما الذي يسده؟! فالواجب على عقلائنا وأهل الدين منا وأهل العلم أن يحاربوا هذه الأشياء قبل أن تستفحل ويعجزوا عنها، واسألوا الدول الكافرة والمقلدة للكفار ماذا حصل لهم بالتفسخ والتبرج؟ حيث عجزوا الآن عن أن يقيموا حرماتهم وشخصياتهم.
стр. 1956
التعلق بالمخلوقات وتصديق ما لا يعقل
السؤال
فضيلة الشيخ! رجل اشتهر بعلاج الأمراض وإجراء العلميات بدون جراحة، ويخبر الناس بما فيهم من الأمراض وظاهره الصلاح وأنه محافظ على الصلاة، ولا يطلب من الناس نقوداً، ولكن الناس تعلقوا به، وأعرف أناساً من هذه المنطقة يريدون السفر إليه وهو موجود في خارج هذه البلاد، فما حكم السفر إليه؟ وما تعليقكم؟
الجواب
يقولون: حدث العاقل بما لا يعرف، فإن صدق فلا عقل له.
ما أُخبرنا أن أحداً يشفي الله المرضى على يده بمجرد المس بيده إلا عيسى ﵇.
فأنا لا أصدق بهذا أبداً، وإن قدر أن الناس فتنوا به وحصل أن أحداً ذهب إليه وعالجه بدون عملية، فهناك شياطين تعمل له.
لو قال لنا أحد: هذه الشمس ليست شمساً، إنما هي لمبات مكونة ومجموعة وتضيء الأرض، فلن نوافقه على هذا، وأي إنسان له عقل بل أدنى ذرة من عقل لا يمكن أن يصدق أن رجلاً من بني آدم يؤتى إليه بمرضى يحتاجون إلى عمليات فيعالجهم بدون جراحة سبحان الله عجائب! وهذا مما ابتلي به الناس اليوم، وصاروا يعتمدون على غير ربهم ويتعلقون بالمخلوق، فيصدقون بما لا يعقل.
فأقول للأخ الذي يريد أن يسافر: لا تسافر، ابق في مكانك واسأل ربك ، فالله على كل شيء قدير كم من أناس حفرت قبورهم، وجهز الماء لتغسيلهم، وجلبت الأكفان ليكفنوا فيها ولم يموتوا! لأن الله على كل شيء قدير، الذي أنزل المرض قادر على أن يرفعه ما لم يكن الأجل قد حل فلا فائدة ماذا قال زكريا حين بشره الله بالولد؟ وماذا قال الله له؟ ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم:٨] ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٩] من الذي أوجدك؟ إنه الله، فالله قادر على أن يوجد لك ولداً، وأنا أقول للمريض: من الذي أمرضك؟ إنه الله، فالذي أمرضك قادر على أن يرفع المرض عنك، لكن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق:٣] ولا بد أن أمره يبلغ مكانه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] قد يكون الله قدر أن هذا المرض هو المرض النهائي، والدعاء حينئذٍ يكون رفعة للدرجات، وقد يكون الله قدر أن هذا المرض لا يزول إلا بدعاء فلان أو فلان فيدعو الله ويبرأ.
стр. 1957
حكم إخراج الزكاة من صندوق العائلات
السؤال
فضيلة الشيخ! كثر في الآونة الأخيرة وضع العائلات صندوقاً خاصاً بأفرادها بحيث من يحتاج يقترض منه لأي غرض، فهل على ذلك الصندوق زكاة أم لا؟ أفدنا جزاك الله خيراً.
الجواب
إذا كان الذين يضعون سهامهم في هذا الصندوق يعتقدون أن ملكهم باقٍ على هذا الذي وضعوه، بمعنى: أنه لو أراد أن يسحبه سحبه، وأنه لو مات ورث عنه، فالملك ملك الجميع وتجب زكاته.
انتبه للتفصيل حتى يزول الإشكال أما إذا كان المساهم في هذا الصندوق يعتقد أن الدراهم خرجت عن ملكه ولن يستطيع سحبها ولن تورث من بعده، فهذه لا زكاة فيها؛ لأنها خرجت عن ملكه.
السائل: أمين الصندوق هل يأثم إذا لم يخرجها؟ الشيخ: إذا وجبت الزكاة لا بد أن يخرجها، وكما قلت في التفصيل: يطلب من كل منهم أن يوكلوه في إخراج زكاتهم ويخرجها، وإن لم يكن توكيل فعلى كل واحد منهم أن يعرف ما وضع في هذا الصندوق ويخرج زكاته.
стр. 1958
الأذان في مساجد الطرقات
السؤال
فضيلة الشيخ! مسألة تحصل في مساجد الطرق، إذا دخل جماعة إلى المسجد وكان مسجد الطريق تقام فيه الجماعات مراراً، فهل يؤذن للصلاة فيه كل من دخل؟ وإذا لم يشرع الأذان فهل يقيم إمامهم الصلاة، أم يقيم غير الإمام؟
الجواب
إذا كان هؤلاء الجماعة الذين حضروا دخل عليهم الوقت وهم في البر لم يؤذنوا ولم يسمعوا أذاناً؛ فإنهم إذا وصلوا إلى المسجد يؤذنون ويقيمون الصلاة؛ لأنهم في البر لم يؤذنوا لأنفسهم ولم يكونوا في حكم المؤذَن لهم، أما إذا كانوا يسمعون الأذان وهم في الطريق ووصلوا إلى المسجد فإنهم يقيمون الصلاة بلا أذان.
стр. 1959
ظاهرة الانهزامية في التمسك بالد~
الجواب
ين
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا شاب ملتزم -ولله الحمد- ولكني أعاني من انهزامية شديدة، وأحس كأن عيون الناس تراقبني بعين الازدراء والسخرية، حيث إن ثوبي قصير وشخصيتي شخصية متدين، فما نصيحتك لي؟ وما نصيحتك لمن يزدري أمثال أولئك؟
الجواب
أولاً: ينبغي للإنسان أن يكون قوياً بدينه عزيزاً به، ما دام متمسكاً بدين الله حق التمسك فلا يهمنه أحد، وليعلم أنه لم يسلم أحدٌ من هذا؛ حتى رب العالمين جل وعلا كذبه بنو آدم وشتموه، قالوا: إن الله لا يقدر على أن يعيد الموتى، وهذا تكذيب، وقالوا: إن له ولداً، وهذا شتم، والنبي ﷺ ما سلم من الناس، لا هو ولا غيره من الرسل، وكل إنسان مؤمن سيكون له عدو من المجرمين، كما قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١] فما دمت -يا أخي- على حق فاعتز بالحق الذي أنت فيه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] حتى لو قال لك الشيطان: إن الناس يزدرونك.
فقل: الحمد لله، إذا ازدروني على ديني فأنا فوقهم في هذا الدين.
أما مسألة اللباس القصير، فاللباس القصير ليس هو الميزان، بل إن الميزان الأخلاق واتباع السنة، وبالنسبة للثوب الصحابة ﵃ كانت ثيابهم إلى الكعب، بل إن الحديث يدل على جواز لبس الثوب إلى الكعب؛ لأن النبي ﷺ لم يرتب العقوبة إلا على ما كان أسفل من الكعبين، وأنا أرى الناس ينفرون من صاحب الثوب الذي إلى نصف الساق أو لا يقبلون منه النصيحة، بعض الناس -والعياذ بالله- لا يقبل النصيحة ممن ثوبه إلى نصف ساقه، فما دام الأمر واسعاً فأكف الناس عن عرضي، وأتمتع بما أحل الله، ورب مفضول يكون أفضل.
أما بالنسبة لمن يكره هؤلاء أو يستهزئ بألبستهم فننظر: هل قصده كراهة ما هم عليه، أم كراهتهم هم أنفسهم؟ إن كان قصده كراهة ما هم عليه من الحق، فهذا خطر، وقد يكون ردة عن دين الإسلام، وإن كان كارهاً لهم هم بأنفسهم؛ فهذا لا يكون ردة، لكنه مع ذلك يجب أن يصبر نفسه.
وأضرب لكم مثلاً: لو أن رجلاً عالماً موثوقاً عند الناس محبوباً إليهم جعل ثوبه إلى نصف ساقه، ولا حاجة إلى التمثيل بالشخص، وآخر ليس له ذكر عند الناس ومغمور جعل ثوبه إلى نصف ساقه، فهل تكون النفس قابلةً للأول دون الثاني، أم هم على حد سواء؟ الأول تقبله أكثر من الثاني، وربما تقتدي به أيضاً، لذلك يجب على الإنسان أن يعرف قدر نفسه بين الناس، وما دام الأمر واسعاً والحمد لله فلا يكلف نفسه ما ليس بواجب، وفيه نفور الناس عنه وعدم قبول نصيحته إياهم.
стр. 1960
حكم الصور التي تلصق بالجسم
السؤال
ما حكم هذه اللواصق التي توجد عند محلات الخياطة ومستلزماتها، وذلك بأن تقوم المرأة أو الفتاة بلصقه على جسدها أياماً وربما ساعات، وربما وضعته في أماكن لا يليق كشفها ولبست عليه لباساً شفافاً لكي يظهر، وهذا في المناسبات ونحوها بدأ ينتشر، وهو عبارة عن صور لحيوانات وحيات وعقارب وطيور وعلامات لها معانٍ عند الكفار وفراعنة وغيرها، وله جرم يمنع وصول الماء، فما حكم وضعه وشرائه وبيعه؟ وهل من نصيحة للآباء والأولياء الذين لا يعلمون ما يحدث في بناتهم؟ وقد حدثني شخص أنه ربما رسم وشماً على الجسد لا يخرج منه، جزاك الله عنا خيراً وجعلك مفتاح خير مغلاق شر.
الجواب
هذا من الأمور التي ذكرتها من قبل وهي الانهزامية أمام ما يرد إلينا من أعدائنا.
أولاً: هذه الصور لا يجوز أن تعلق على الأجسام مهما كان حتى لو كانت منفصلة، وهذه الآن الموجودة أمامي عقارب وقطط وشيء ما أدري ما هو، على كل حال: لو أن المرأة علقتها كان حراماً عليها، فكيف وهي تلصقها على عضوها ويمنع وصول الماء في الوضوء والغسل، وربما ينطبع منه صورة تبقى -كما قال السائل- وتكون كالوشم، وكل هذا حرام، ويجب أن يمنع، ومن رأى منكم أحداً من البقالات أو غيرها تبيع هذا الشيء فليبلغ المسئولين من أجل منعها، وإن كان ثمة عقوبة تعاقب، أما أن نجعل سباع بني آدم يلعبون بنا هذا اللعب، يأخذون دراهمنا ويؤثموننا! فهذا لا يليق يا جماعة، اتقوا الله، تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، أي إنسان يرى هذا فالواجب عليه أن يبلغ المسئولين، إما هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما المحافظة أو الإمارة حتى تصل إلى وزارة التجارة ووزارة التجارة يجب عليها أن تمنع هذا؛ لأنها مسئولة عند الله أن تدخل هذه الأشياء بلادنا تفسد نساءنا وأشباه النساء والناس يتفرجون على هذا، ليس هذا بصحيح، تعاونوا على البر والتقوى.
الخلاصة: وضع هذه الأوراق التي فيها صور على الثوب أو على الجسد محرم لا يجوز، وطبعه على الجلد حتى يكون فيها قشرة تمنع وصول الماء لا يجوز، ووضعه على الجلد حتى تنطبع الصورة ولا تزول بالماء لا يجوز، وتمكين نسائنا وسفهائنا من هذا لا يجوز، وإقرار الدكاكين التي تبيع هذا لا يجوز.
الواجب علينا نحن الشعب إذا رأينا مثل هذا أن نرفع به إلى المسئولين، وعلى المسئولين أن يبلغوه أعلى مسئول في البلد حتى يقوم بمنعه، أما ترك الحبل على الغارب كل من شاء أن يأتي بشيء أتى به، ونحن مثل الدجاج التي يوضع لها الحب وفيه السم يأكل هذا الحب ويموت، فهذا غلط! أنتم المسئولون، أنا لا أستطيع أن أمشي على كل دكان وأنظر ما فيه، ولا أستطيع أن أغير كل شيء، لكن أنتم -والحمد لله- تستطيعون أن تنظروا إلى هذه الدكاكين وتناصحوهم أولاً، فإن اهتدوا فهذا المطلوب، وإلا فارفعوهم إلى المسئولين، هذا ما في ذمتكم، وأرجو من الأخ الذي أعطانا هذا أن يهبها لي وأتصرف فيها بما أريد.
стр. 1961
هل يرث الإخوة لأم مع الجد ؟
السؤال
فضيلة الشيخ! شخص ولد له ولد واحد فقط ثم توفي الأب -يرحمه الله- وخلَّف مالاً بعده، وعاش هذا الولد حتى بلغ من العمر ثلاث عشرة سنة وتوفي وخلَّف وراءه المال الذي ورثه من أبيه، وليس له إلا والدة وجد من أبيه وإخوة من أمه، فهل إخوته من أمه يرثون أم لا؟ وكم نصيب جده ونصيب أمه؟
الجواب
الإخوة من الأم لا يرثون إذا وجد أحد من الآباء أو الأجداد بمحض الذكور، بمعنى: أن الإخوة من الأم يحجبهم الأب، يحجبهم أبو الأب، وأبو أب الأب، ما دامت السلسلة كلها من الذكور فإن الإخوة من الأم لا يرثون، أيضاً الإخوة من الأم تحجبهم البنات، والأبناء، وأبناء الأبناء، وبنات الأبناء.
بقي الميراث لأمه وجده، فالأم لها السدس؛ لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] والباقي للجد، والإخوة من الأم ليس لهم شيء.
стр. 1962
عدد الرضعات المحرمات
السؤال
فضيلة الشيخ! أرضعت إحدى قريباتي بنتاً صغيرة وذلك بواسطة الثدي الصناعي وليس من ثديها ولكنه من حليبها تضعه فيه، وقد أرضعتها ثلاث مرات، فهل تكون بنتاً لها من الرضاعة؟
الجواب
الرضاع لا يحرم إلا إذا كان خمس رضعات فأكثر، كل رضعة منفصلة عن الأخرى، وأما تنفس الصبي في الرضعة الواحدة فليس بشيء، فلو أن الصبي في حجر المرضعة تنفس خمس مرات فالرضعة واحدة، فلا بد أن تتفرق الرضعات ومقدارها خمس رضعات، فإذا أرضعت المرأة الطفلة مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً فلا أثر لها، فلا بد من خمس، وحينئذٍ صار ولدها من الرضاعة، حتى لو فرض أنها أرضعته بلبن ابنها الذي له ثلاث سنوات، فلو أنها فطمت ابنها وأرضعت هذا الطفل بما بقي من اللبن؛ فإنه يكون ابناً لها من الرضاع إذا تمت خمس رضعات، وقد ورد في السؤال أنها أرضعته ثلاث رضعات إذاً: ليس ولداً لها.
ولو أنه أُ رضع خمس مرات من الفنجان، كأن وضعت المرأة حليبها في فنجان وأرضعته، ثم بعد مدة أرضعته بفنجان آخر، حتى أكملت خمسة فناجين؛ فإنه يصير ولداً لها سواءً أشبع أو لم يشبع.
مسألة: بلغني أن بعض الأزواج يستمتع بزوجته بمص ثديها فيشرب حليبها، فإنه يكون ابناً لها من الرضاع، وهنا المشكلة أنه إذا كان ابنها من الرضاع فإن النكاح ينفسخ، فتكون هذه اللذة أعقبها شقوة، ولهذا نحذر الأزواج من هذا العمل.
وهذا الذي قلته هو رأي ابن حزم ﵀ وأصحابه من الظاهرية، يقولون: إن الرضاع يؤثر حتى في الكبير، وبناءً على هذا الرأي نقول: إذا رضع الزوج من زوجته خمس مرات كل صباح يفطر على حليبها، فإنه يكون ولداً لها على رأي هؤلاء العلماء وينفسخ النكاح.
لكن على كل حال: قول الجمهور أنه لا يكون ولداً لها؛ لأنه لا بد أن يكون الرضاع قبل الفطام.
стр. 1963
نصيحة لمشاهدي القنوات الفضائية
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا شاب ابتليت بالنظر إلى القنوات الفضائية الخليعة، وقد أترك الصلاة أحياناً لهذا الأمر، فما نصيحتك لي جزاك الله خيراً؟
الجواب
نصيحتي لك: أن تكسر هذه الوسيلة التي توصلك إلى مشاهدة القنوات الفضائية التي تصدك عن ذكر الله وعن الصلاة، اكسرها لله وستجد في قلبك -والله- لذة الإيمان وحلاوة الإيمان أشهى من كل شيء: (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) جرب من الليلة وأتني بعد أسبوع وانظر ماذا كان لقلبك، ستتغير إذا فعلت ذلك لله .
ذكر أن سليمان ﵇ كان يحب الجهاد في سبيل الله، ولهذا أقسم ذات ليلة وقال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله.
لمحبته للجهاد، فقيل له: قل: إن شاء الله، فما قال: إن شاء الله.
وذلك لتأكد عزيمته، فجامع في تلك الليلة تسعين امرأة فولدت واحدة منهن شق إنسان، الله أكبر! نصف واحد، حتى يتبين له أن الأمر أمر الله ، وقد قال الله لنبيه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] .
عرضت عليه ذات يوم الخيل المسومة واستمتع بها ولها بها، يقولون: لها عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، وفسروا بذلك قول الله : ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] أي: حتى غابت الشمس ولم يصلِ العصر، فقال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٣] فردوها عليه ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣] (السوق) : جمع ساق؛ ساق الرجل، فجعل يعقرها ويضرب أعناقها، انتقاماً من نفسه حيث تلهى بها عن الصلاة، قتلها أو عقرها لله ، فماذا جازاه الله؟ جازاه الله بالريح، سخر الله له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب وبقوة عاصفة، وكم تبلغ العواصف الآن؟ تبلغ مائتي كيلو في الساعة، أو ما بين ذلك، والريح التي سخرها الله لسليمان قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] أي: في اليوم مسيرة شهرين، وبأمره، قالوا: إنه يضع البساط ويجلس عليه هو وحاشيته ثم يأمر الريح فتحمله، على بساط بدون أي فزع! ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] .
فأنت يا أخي! إذا تركت هذه الآلة لله وكسرتها؛ فإن شاء الله تعالى ستجد لذة إيمان وحلاوة إيمان لا تستطيع أنت ولا أنا أن أصفها، فكسره الليلة ونم نوماً هادئاً وصلِ الفجر، وإن تيسر لك أن تقوم آخر الليل فالحمد لله.
стр. 1964
حكم كشف الوجه للطبيب
السؤال
فضيلة الشيخ! أذهب إلى المستشفى بكثرة وأكشف وجهي للدكتور وأنا لا أتناول الدواء الذي يعطيني إياه، فهل عليَّ إثم؟
الجواب
هذه لا يجوز لها أن تذهب إلى الطبيب وتكشف وجهها عنده، ما دام يصف لها الدواء ولا تستعمله، فما هي الفائدة؟ لكن إن احتاجت حاجة حقيقة فلا بأس أن يكشف الطبيب على ما يحتاج إلى النظر إليه، بشرط ألا ينفرد بها، قال النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) .
стр. 1965
مشكلة أسرية
السؤال
فضيلة الشيخ! لي أم تعيش في بيت بمفردها وهي تتألم بسبب ذلك كثيراً، فأرادت أن آتي بها لتعيش معي في بيتي ولكن زوجتي أبت ذلك وسلكت معها جميع السبل الطيبة لإقناعها ولكن دون جدوى، فهل لي أن أطلق زوجتي بسبب ذلك؟
الجواب
هذه ينظر فيها من عدة أوجه: أولاً: هل الأم ملحة على أن ينقلها ابنها إلى بيته؟ ثانياً: هل له أولاد من هذه الزوجة بحيث لو طلقها لتشتت الأولاد وحصل بذلك مفاسد؟ ثالثاً: هل يمكن أن يستأجر بيتاً بجواره ويجعل أمه فيه ويجعل بينه وبينها باباً يدخل إليها وتدخل إليه؟ إذا كان هذا ممكناً فهو الواجب، ولا أستطيع الآن أن أقول: طلق امرأتك، لأني أخشى أن الأم لم تلزمك في الموضوع وقانعة بما هي عليه ولا يهمها، وأخشى أيضاً أن طلاق الزوجة يكون فيه تشتت الأولاد وضرر كثير، فأسأل الله تعالى أن يهيأ له أن يجمع بينه وبين أمه وزوجته على وجه مستقيم.
следующие страницы →