← Фикх общий

Фикх общий · id 7686

اللقاء الشهري

ابن عثيمين

Полный текст (2 259 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

حكم صلاة ركعتي الطواف بعد كل طواف السؤال يا شيخ! هل الصلاة التي بعد الطواف تكون بعد كل طواف أم في طواف خاص؟ الجواب المعروف عند العلماء ﵏ أنها بعد كل طواف حتى طواف التطوع، لكن قالوا: للإنسان أن يجمع أسبوعين أو ثلاثة، ثم يصلي بعد ذلك لكل أسبوع ركعتين، مثلاً: طاف أربعة عشر مرة ينوي سبعاً وسبعاً، نقول: لا حرج، وصل ركعتين للسبع الأول وركعتين للسبع الثاني.

стр. 2207

حكم لبس النقاب السؤال فضيلة الشيخ! تفشى بين بعض نسائنا -هداهن الله- ظاهرة لبس النقاب بشكل ملفت للنظر، وهو متفاوت بين السعة والضيق، وبعضهن يلبسن نقاباً واسعاً لكن يلبسن فوقه غطاء، وتجدون برفق هذا السؤال -يا فضيلة الشيخ- نموذجين من هذه النقابات، أرجو -حفظكم الله- بيان حكم لبسهما، سواءًَ في الإحرام أو غيره عند النزول للأسواق ونحوه؟ الجواب أقول بارك الله فيكم: النقاب في الأصل جائز، ولا يمكن أن نقول بأنه حرام؛ لأنه موجود في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والدليل على وجوده بين النساء: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى المرأة المحرمة أن تنتقب، وكونه ينهى عن المرأة المحرمة أن تنتقب يدل على أن هذا من عادات المحلات، ولكن إذا ترتب عليه مفسدة فإننا لا نفتي بجوازه تربيةً للأمة، فإذا قال قائل: كيف تمنع ما كان حلالاً في عهد الرسول ﵊؟ أقول: أمنعه لأنه ترتب عليه مفسدة، فبدأت المرأة توسع النقاب وتجمله وتكتحل ويحصل شر، والعين قد تفتن أكثر من نظر الوجه، فإذا قال قائل: هل سبقك أحدٌ في منع ما كان جائزاً من أجل التربية؟ فالجواب: نعم، سبقني إلى هذا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن يكن فيكم محدثون -أي: ملهمون- فـ عمر) وذلك في شيء من أخطر الأمور، فقد كان طلاق الثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، كان طلاق الثلاث واحدة، فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة، في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، والثلاث إذا جمعت في كلمة أو في مجلس حرام، فكثر الطلاق الثلاث في عهد عمر، فلما كثُر قال ﵁: [أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم] تأديباً لهم أمضاه عليهم، وقال: أي إنسان يطلق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فإننا نلزمه ونمنعه من مراجعة الزوجة، مع أن مراجعة الزوجة في الأصل حلال، لكن رأى أن الناس وقعوا في الحرام فمنع الحلال، وهذا من السياسة الحكيمة؛ أن يراعي الإنسان أحوال الأمة، ولقد سمعتم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم امتنع من هدم الكعبة وردها إلى قواعد إبراهيم خوفاً من الفتنة.

стр. 2208

الدش وخطره السؤال سائلة تقول: يا فضيلة الشيخ! أراد زوجي إحضار الدش إلى أولادي، فرفضت ذلك فأحضره ووضعه في غرفة في السطح، ثم أخذ يجلس عنده كل وقته حتى النوم والأكل نحضره له في هذه الغرفة، فقاطع أولاده ومجالستهم حتى اشتكت المدرسة من ضعفهم، فأخذ يسيء خلقه عند أتفه الأسباب، ومرة أخرجني من البيت فبت عند الجيران لكون أهلي في المدينة المنورة، والآن أنا عند أهلي، ماذا أفعل خاصة وأن لدي أولاداً كما ذكرت؟ آمل من فضيلتكم توجيهي. الجواب لا شك أن الصواب مع هذه المرأة، ما دامت وصلت الحال بهذا الرجل إلى أن عكف على هذا الدش، فالصواب معها، والواجب على الرجل -إذا كان الأمر كما ذكرت المرأة- أن يتقي الله تعالى في نفسه، وأن يكسر هذا الدش؛ لأنه صده عن طاعة الله، وصده عن معاشرة أهله، وصده عن رعاية أولاده، وصده عن مصالح عظيمة، فليتق الله، وأسأل الله أن يسمعه كلامي، ليتق الله وليكسر هذه الآلة التي أدت إلى هذه الحال التي ذكرتها المرأة، وإذا فعل ذلك فسوف يطيب عيشه، ويطمئن قلبه، وتصلح أموره، ويجمع الله شمله بأهله وأولاده.

стр. 2209

حكم المواشي التي تشرب من مياه الصرف الصحي السؤال رجل عنده إبل وغنم في جانب الوادي، ويجري في هذا الوادي مياه الصرف الصحي وتشرب منه هذه المواشي، فهل يؤكل لحمها ويشرب لبنها؟ الجواب لا حرج أن يؤكل لحمها ويشرب لبنها؛ لأنها تشرب فقط، والجلالة التي قال العلماء: إنه يحرم لحمها ولبنها حتى تحبس وتطعم الطاهر ثلاثاً يقولون: هي التي أكثر علفها النجاسة، وهذا شرب وليس بعلف. هذا من جهة. من جهة أخرى: أسمع أن هذه المجاري يجعل فيها مواد تذهب النجاسة، لا يبقى للنجاسة أثر لا في اللون ولا في الطعم ولا في الريح، وإذا وصل الأمر إلى هذا صار الماء طاهراً، لو أصاب ثيابك لم يجب عليك أن تغسله، إذا صح هذا الذي أخبرت به، أنه يلقى عليه المواد تفتته وتزيل النجاسة لا لوناً ولا طعماً ولا ريحاً.

стр. 2210

حكم الذهاب إلى الملاهي السؤال يا صاحب الفضيلة! يكثر ذهاب أولياء الأمور بأطفالهم إلى ما يسمى بملاهي الأطفال، وفيه من المخالفات الشرعية من تبرج بعض النساء، والأطفال فيهم حرص شديد على الذهاب إلى هذه الملاهي، فما الحكم الشرعي في الذهاب إلى هناك؟ الجواب هذه الملاهي -كما ذكر أخونا السائل- فيها منكرات، وإذا كان المكان فيه منكرات فإن استطاع الإنسان أن يزيل هذه المنكرات وجب عليه الحضور لإزالتها، وإذا لم يستطع حرم عليه الحضور، وحينئذٍ نقول: اخرج بأولادك إلى البر وكفى، وأما أن يؤتى بهم إلى هذه الملاهي وفيها الاختلاط، وفيها السفهاء الذين يغازلون النساء، وفيها الثياب التي لا يحل للمرأة لبسها؛ فإنه لا يحل أن يأتي إليها إلا إذا كان قادراً على إزالة المنكر.

стр. 2211

حكم ذهاب الطالبات إلى الكليات البعيدة السؤال ما حكم ذهاب الطالبات للدراسة في الكليات التي تبعد عن البلد خمسة وسبعين كيلو تقريباً، مع العلم أن عدد الطالبات يصل إلى أربعين طالبة في الحافلة، والسائق الذي يذهب بهن يعطى راتباً من قبل الكلية؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب لا حرج في هذا إذا كن يرجعن في يومهن، مثلاً: طالبات أو معلمات يذهبن إلى بلد آخر خمسة وسبعين كيلو أو مائة كيلو ويرجعن في يومهن ولا خلوة، فهذا لا حرج فيه؛ لأنه لا يسمى سفراً عرفاً.

стр. 2212

حكم المراكز الصيفية للذكور والإناث السؤال فضيلة الشيخ! من المعلوم أن البنين والبنات في هذه الإجازة يكثر فراغهم حيث الصباح والمساء لا شيء عندهم، فما توجيهك في المراكز الصيفية للذكور والإناث؟ الجواب أما المراكز الصيفية للذكور فأنا أحث عليها إذا كان القائمون عليها أهل علم وإيمان ونزاهة؛ لأنها في الواقع تحفظ وقت الطالب، وتحميه من عدوان السفهاء عليه، فأحث إخواني أن يلحقوا أبناءهم بهذه المراكز، وأسأل الله تعالى أن يجعلها مرتع خيرٍ وبركة. أما النساء فلا أرى هذا، أن يكون لهن مراكز، حتى لو وضع مراكز لا أرى للمرأة أن تذهب؛ لأني أخشى من التوسع والتطور وبعد إذٍ لا نستطيع أن نمنع. مداخلة: وماذا عن دور القرآن؟ الشيخ: دور القرآن حسن، مثلاً النساء تذهب إلى دور القرآن وتتعلم القرآن هذا حسن. إلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وقد زاد عن الوقت المقرر؛ لأن من عادتنا أن نقيم الصلاة على الساعة الثانية بالتوقيت العربي، ونرجو الله تعالى أن يجعل فيما حصل كفاية، وأن يثيب الجميع على هذا الحضور والإنصات والاستماع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2213

اللقاء الشهري [٧٦] النكاح سنة من سنن المرسلين له فوائد عظيمة جداً، منها: غض البصر، وتحصين الفرج، وتكثير النسل، وقد أمر النبي ﷺ الشباب المستطيع أن يتزوج، وأمر من لم يستطع أن يصوم؛ لأنه هو الحل الوحيد لمن لا يستطيع الزواج، وقد جاءت هذه المادة لبيان كل ذلك، مع توضيح لشروط الزواج، وشروط الخروج منه.

стр. 2214

النكاح وفوائده الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا في هذه الليلة ليلة الأحد الثالث عشر من شهر ربيع أول عام (١٤٢١هـ) نفتتح هذا اللقاء السادس والسبعين من اللقاءات الشهرية التي تتم كل شهر ليلة الأحد الثالث من كل شهر في الجامع الكبير في عنيزة، والتي يشاركنا فيها في الآونة الأخيرة إخوانٌ لنا في مدن أخرى، نسأل الله تعالى أن ينفع بهذه اللقاءات. هذا اللقاء سنجعله مناسباً لما يحدث في هذه الإجازة من كثرة الزواج. فنقول: الزواج من سنن المرسلين، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] وكما فعل صاحب مدين مع موسى بن عمران ﵊ حين قال له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] ولأن فيه فوائد عظيمة للمجتمع عموماً وللزوجين خصوصاً، ولأنه من طبيعة البشر؛ فإن الطبيعة الفطرية تهوي النكاح وتريده، ولولا أن الله جعل في الفطرة هواية النكاح ما تزوج أحد؛ لأنه يستحيا -لولا قوة الشهوة- أن يكشف الرجل عورته للمرأة وتكشفها للرجل، لكن الله جبل الخلق على هذه الفطرة من أجل المصالح العظيمة التي منها: بقاء النسل وبقاء البشر، إذ لولا النكاح ما توالد البشر ولهلكوا. وفي النكاح فوائد كثيرة: منها: التأسي بالمرسلين كما سبق. ومنها: غض البصر وتحصين الفرج؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة -أي: النكاح- فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) . ومنها: تكثير نسل الأمة، ولهذا حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن نتزوج بالودود الولود؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكاثر الأنبياء يوم القيامة بأمته، وأمته أكثر الأمم بلا شك. ومنها: ما يترتب على ذلك من الإنفاق على الزوجة والأولاد. ومنها: ما يترتب على ذلك من تقارب الناس بعضهم لبعض، كما قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [الفرقان:٥٤] تجد الرجل لا يعرف هؤلاء القوم وليس لهم به صلة، فإذا تزوج منهم حصلت الصلة حتى كأنهم من أقاربه، وهذه هي إحدى الحكم في تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى يكون له في كل قبيلة من قريش صلة بالمصاهرة، ولهذا مات صلوات الله وسلامه عليه عن تسع نسوة.

стр. 2215

شروط النكاح النكاح فيه فوائد كثيرة، ومن أجل هذه الفوائد جعل الله تعالى له حدوداً في الدخول فيه وحدوداً في الخروج منه. نذكر الحدود في الدخول فيه:

стр. 2216

الولي أولاً: لا بد من الولي، وهو الرجل البالغ العاقل من عصبات المرأة، وعلى هذا فالمرأة لا تكون ولياً، بمعنى: لا تزوج الأم ابنتها؛ لأن الأم نفسها تحتاج إلى ولي. والبالغ ضده الصغير، فالصغير لا يكون ولياً ولو كان من أذكى الناس، فذكرٌ له أربع عشرة سنة ومن أذكى الناس وأعقل الناس لا يمكن أن يكون ولياً، فلو كانت امرأة لها أخٌ شقيق ذكي عاقل، ولها ابن عم بعيد لكنه بالغ عاقل تمت به شروط الولاية، فمن الذي يزوجها؟ يزوجها ابن العم البعيد، وذلك لفقد البلوغ. والعاقل ضده المجنون، ولا يكون ولياً، بل هو يحتاج إلى ولاية. (من عصبات المرأة) احتراز من ذوي الفروض والأرحام، فذوو الفروض لا ولاية لهم، وذوو الأرحام لا ولاية لهم أبو الأم هل يكون ولياً لبنت ابنته؟ لا. لأنه ليس من العصبة وجد المرأة لأمها لا يكون ولياً لها؛ لأنه ليس من العصبة، أما جدها لأبيها فهو ولي؛ لأنه من العصبة، وعلى هذا لو اجتمع أبو أم وابن عم بعيد فإن الذي يزوج المرأة ابن العم البعيد دون أبو الأم، والأخ من الأم هل يزوج أخته من الأم؟ الجواب لا يزوج؛ لأنه ليس من العصبة، وعلى هذا فلو وجد ابن عم بعيد جداً وأخ من أم فإن الذي يزوجها ابن العم البعيد إذا تمت شروط الولاية. إذاً: ولي المرأة هو الرجل البالغ العاقل من عصبات المرأة، وما هو الدليل على أنه لا بد أن يكون لها ولي؟ أليست المرأة يجوز أن تبيع كل مالها كما شاءت في الحدود الشرعية؟ الجواب: بلى. لكن لا تزوج نفسها؛ لأن النكاح ليس بالأمر الهين، بل خطير جداً، الدليل قول الله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] تعضلوهن أي: تمنعوهن، وهذا يدل على أنها لا تتزوج إلا بولي وإلا لكان العضل وعدمه سواءً. ثانياً: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا نكاح إلا بولي) أي: لا نكاح صحيح إلا بولي، هذا شرط من شروط النكاح، ولو زوجت المرأة العاقلة العالمة الذكية نفسها رجلاً خليقاً ديناً فإن النكاح باطل؛ لأنها لم تتزوج بولي، و (لا نكاح إلا بولي) .

стр. 2217

رضا الزوجين الشرط الثاني: رضى الزوج والزوجة فإن أكره الزوج أو الزوجة على النكاح فلا نكاح، وكيف يكره الزوج؟ عند بعض البوادي يكره الرجل ابنه على أن يتزوج ابنة عمه ويقول: إما أن تتزوجها وإلا فالرصاصة في رأسك، وهذا إكراه فلا يصح النكاح، بعض البادية يفعل هذا؛ لأنه قد حجر ابنة أخيه لابنه، فيقول: كيف أقابل الرجال وأنا قد حجرت ابنة عمك لك ثم تقول: لا؟ فيكره ابنه على أن يتزوجها، فالنكاح باطل، كذلك لو أكرهت البنت على أن تتزوج من لا تريد فإن النكاح باطل، حتى لو كان أباها فإن النكاح باطل، فلو أكره ابنته على النكاح بأن قال لها: يا ابنتي! هذا ابن عمك قد حجرناه لك ولا يمكن أن تخجلينا، إما أن تتزوجي وإلا فالرصاصة في رأسك. فوافقت وتم العقد، فإن هذا العقد غير صحيح لعدم الرضا، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تنكح الأيم -أي: الثيب- حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) وقال: (البكر يستأذنها، أو قال: يستأمرها أبوها) فنص على البكر ونص على الأب. وما ذهب إليه بعض العلماء من جواز إجبار الرجل ابنته على الزواج، مستدلين بحديث عائشة حين زوجها أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لها إلا ست سنين؛ فقولهم ضعيف واستدلالهم باطل؛ لأن أبا بكر زوج عائشة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهل يعقل أن عائشة تمانع في هذا؟ أبداً، هو يعلم علم اليقين أنها تفرح بهذا، ولهذا لما نزل قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٢٨-٢٩] فالرسول خير النساء: إن كنتن تحببن الدنيا وزينتها فأنا أسرحكن سراحاً جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله فلكن الله ورسوله، وبدأ بـ عائشة، عائشة البكر الصغيرة خيرها وخاف أن يدركها الشباب وقال لها: (ما عليك أن تستأمري أبويك) أي: شاوري أبويك، خاف أن تتعجل وتقول: أريد الدنيا؛ لأنها صغيرة، قالت: يا رسول الله! أفي هذا أستأمر أبوي أن أخير بين الله ورسوله وبين الدنيا، أفي هذا أستأمر أبوي؟ أريد الله ورسوله. سبحان الله! هل يعقل أن مثل هذه إذا زوجها أبوها بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تمانع؟ لا تمانع، إذاً الاستدلال بهذا الحديث خطأ وغلط، لكن أروني بكراً أقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نكاحها وهي كارهة، لا تجدون هذا، وما يفعله بعض البادية يحبس ابنته على كثرة ما يعطى من الأموال فقد خان أمانته، وسقطت ولايته، وفعل إثماً مبيناً والعياذ بالله، ولن تغنيه الدنيا عن الآخرة، وما يدري فلعله لا يستمتع بما اشترط لنفسه من الأموال. هذا هو الشرط الثاني.

стр. 2218

تعيين الزوجة الشرط الثالث: تعيين الزوجة كأن يسميها باسمها، أو يصفها بوصف لا ينطبق إلا عليها، أو يشير عليها إن كانت حاضرة، فالتعيين يكون بواحد من أمور ثلاثة: أن يسميها باسمها، كأن يكون هناك رجل له ابنتان إحداهما زينب والثانية فاطمة، فقال: زوجتك إحدى ابنتي، من هي؟ لا بد من أن يعين، لكن قال: زوجتك ابنتي فاطمة؛ فهذا تعيين، أو له ابنتان إحداهما طويلة والثانية قصيرة، وقال: زوجتك ابنتي القصيرة، وهذا الوصف لا تتصف به الأخرى، هذا تعيين صحيح، أو بناته عنده في المجلس لكنهن متغطيات، فقال: زوجتك هذه، وأشار إليها، فهذا تعيين صحيح. لعلكم تقولون: أليس صاحب مدين قال لموسى: زوجتك إحدى ابنتي؟ فالجواب بلى، قال: إحدى ابنتي، ما قال هذه ولا هذه، لكننا نعلم أن موسى عينها، فإحدى ابنتي للتخير، أي: خذ من شئت، فعينها فزوجه إياها، فهنا عينها بعد الإبهام وهذا الصحيح.

стр. 2219

الشهود بقي شرط رابع مختلف فيه وهو: الشهود أن يكون العقد بشاهدين ذكرين بالغين عاقلين، فإن تزوج بلا شهود فلا نكاح، أو بشهادة امرأتين فلا نكاح، أو بشاهدة عشر نساء فلا نكاح، أو بشاهدة غلامين فلا نكاح، لا بد أن يكونا رجلين بالغين عاقلين، لكن هذا الشرط فيه خلاف بين العلماء، منهم من يقول: إنه شرط للصحة، ومنهم من يقول: إنه شرط للكمال، بمعنى: أنه إذا كان هناك شهود فهو أكمل وإلا فالعقد صحيح، وهل يصح أن يكون أحد الشاهدين المأذون الشرعي الذي يكتب أو لا يصح؟ يصح أن يكون أحد الشاهدين المأذون الشرعي، وعلى هذا فإذا حضر الرجل والمأذون الشرعي وشاهد، وزوجه الولي فالعقد صحيح؛ لأن المأذون شاهد. إذاً: لا بد في العقد من هذه الشروط، ولا بد ألا يزيد عن العدد المشروع وهو أربع، فلو تزوج خامسةً ومعه أربع فالنكاح باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فإن طلق إحدى الأربع فهل يتزوج الخامسة؟ الجواب ما دامت المطلقة في العدة فلا يتزوج، وإذا انتهت العدة تزوج.

стр. 2220

تعلم ما يجب في النكاح وما يحرم وما يباح ثم إنه ينبغي للإنسان أن يتعلم ما يجب في النكاح وما يحرم وما يباح، حتى يؤدي الواجب ويجتنب المحرم ويستمتع بالمباح. والواجب على الرجل وعلى المرأة -أيضاً- أن يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] وأما ما يفعله بعض الناس من الرجال والنساء من كونه يعاكس الآخر، وينكد عليه حياته، ويثير غضبه؛ فهذا حرام وإثم والعياذ بالله! وأشر منه من إذا غضب أدنى غضبة طلق ثم يأتي نادماً أمسك أعصابك، لا تطلق إلا بعد روية ومشاورة وتفكير: هل في الطلاق خير أم لا؟ فعلى كل من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف على الرجل إذا رأى امرأته على منكر أن ينصحها، وعلى المرأة إذا رأت الرجل على منكر أن تنصحه، وعلى كل منهما أن يقبل النصيحة ولا تأخذه العزة بالإثم، لكن إذا كان الرجل يتهاون بالصلاة ونصحته المرأة ثم نصحته ثم نصحته، فهل تلح عليه دائماً؟ الجواب لا. تدعو بالمعروف؛ لأنها لو تلح عليه دائماً كرهها وأبغض حتى الحق، وقال: لن أصلي، ما عليك مني، كما هو معلوم، لكن بالتي هي أحسن، فإذا عجزت عنه فهل عليها إثم من معصيته؟ لا. ليس عليها إثم، قال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] عليها أن تبين النصيحة وليس عليها إثم من مخالفة الزوج، إثمه عليه، وكذلك يقال في المرأة. وهل للزوج أن يمنع امرأته من الخروج من المنزل أم لا؟ نعم. له أن يمنعها من الخروج من المنزل، وهل له أن يمنعها من زيارة أمها وأبيها؟ لا. إلا إذا خاف أن تفسد الأم ابنتها عليه؛ لأن بعض الأمهات -نسأل الله العافية- تفسد ابنتها على زوجها، تقول لها: زوجك لا يعطيك نفقة ولا يعطيك حلياً، ولا يذهب بك إلى الاستراحات، ولا يشتري لك سيارة، وما أشبه ذلك، تذهب من عند زوجها مثل الزبد سهلة لينة ثم تأتي وهي حجر؛ لأن أمها ملأت قلبها على زوجها، والعجب أن هذا يأتي من الأم غيرةً من ابنتها أن زوجها يحبها! وكان عليها إذا كان زوجها يحبها أن تشكر الله أن ابنتها محبوبة عند زوجها؛ لأن هذا من مصلحة الجميع. ومما ينبغي أن يعلم -وهو يخفى على كثير من الشباب والشابات- أنه إذا حصل الدخول وحصل الجماع وجب الغسل سواءٌ أنزل أم لم ينزل، وبعض الجهال يظن أنه لا يجب الغسل إلا إذا أنزل، وهذا غلط، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل) فيجب الغسل بواحد من أمرين: إما الإنزال ولو بدون جماع، وإما الجماع ولو بدون إنزال. والجماع والإنزال من باب أولى، انتبهوا لهذا ونبهوا الشباب؛ لأنه يتصل بنا البعض ويقول: له سنة وسنتين وثلاث يجامع الزوجة ولا يغتسل؛ لأنه يظن أن الجماع الذي يوجب الغسل هو الذي يحصل فيه إنزال، وليس كذلك، فنبهوا إخوانكم وأصحابكم على هذا وأشيعوه بين الناس حتى لا يمضي الأمر.

стр. 2221

طرق الخروج من النكاح أما بالنسبة للخروج من النكاح فلا بد فيه من شروط، فإن الإنسان يخرج من النكاح إما بالطلاق وإما بالفسخ وإما بالموت إما بالطلاق بأن يطلق الرجل امرأته وينتهي، أو بالفسخ بأن تكون المرأة اشترطت على زوجها شرطاً ولم يفِ به فلها الفسخ، أو يجد الرجل في امرأته عيباً لم يعلم به فله الفسخ، أو يفارق الرجل زوجته على عوض فهذا فسخ، وهل أحد يفارق امرأته على عوض؟ نعم. كأن تكون العشرة بينهما غير جيدة وتطلب الطلاق فيقول: لا أطلقك إلا بكذا وكذا، فتبذل هي أو وليها، فهذا فسخ، لا ينقص به عدد الطلاق ولا يحتسب من الطلاق، بل هو فسخ وفداء، ولهذا قال الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] أي: الثالثة. قال ابن عباس: [كل طلاق أجازه المال فهو خلع] أي: أن كل طلاق فيه عوض فإنه خلع، أي: فسخ وليس بطلاق. ثم الطلاق هل كلما أراد الإنسان أن يطلق يطلق أم لا بد من حدود؟ لا بد من حدود: أولاً: لا تطلق المرأة بعد الدخول وهي حائض، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك بأن يطلقها طاهراً من غير جماع، وذلك في قصة عبد الله بن عمر ﵄: فإن عبد الله بن عمر ﵄ طلق زوجته وهي حائض، فأخبر عمر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتغير فيه، أي: غضب، لماذا يطلق وهي حائض؟ ثم قال لـ عمر: (مره -أي: مر ابن عمر - فليراجعها ثم ليتركها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً) فالطلاق في الحيض منكر وحرام وتعدٍ لحدود الله، ولكن لو أن الإنسان أحمق فطلق في الحيض فإنه يقع، وهكذا قول العلماء -علماء الأمة- أكثر العلماء ومنهم المذاهب الأربعة يقولون: إذا طلق في الحيض فإنه يقع، وأظهر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا يقع الطلاق في الحيض، ونصر هذا القول واحتج له بما يقبل وما لا يقبل. فاعلموا -أيها الإخوة- أن طلاق الرجل امرأته في الحيض ليس أمراً هيناً، فلو طلقها في الحيض وقلنا: إنه يقع، وجمهور العلماء على أنه يقع، ثم ردها بدون اعتبار لهذه الطلقة فإنه يطؤها وطء زنا، أكثر العلماء يقولون هذا، والآن مع الأسف الشديد تساهل الناس في هذا الأمر، صار الواحد مباشرة يبت الطلاق وهي حائض ولا يهمه، هذا خطأ عظيم، ثم يأتي إلى أبواب العلماء ويقول: أفتوني، وكان هذا القول أعني القول: بأن الطلاق في الحيض لا يقع، كان هذا القول مهجوراً لا يعرفه الناس في هذه البلاد، حتى ظهرت الفتوى وانتشر أن الطلاق في الحيض لا يقع، وصار الزوج العامي الذي لا يعرف كوعه من كرسوعه إذا طلق في الحيض جاء يستفتي وقال: إني طلقت في الحيض، قال له المفتي: إذاً وقع الطلاق عليك، قال: كيف يقع وأنا طلقت في الحيض والطلاق في الحيض لا يقع؟ وهو عامي جاهل، لكن لما كان له حظ نفس في هذه المسألة صار عالماً يحاج طلبة العلم. المهم لا تتهاونوا بالطلاق في الحيض، وأنا وإن كنت أرى أنه لا يقع، لكن أرى أن الإنسان على خطر؛ لأن كل الأمة وأئمة الأمة يرون أنه يقع إلا ما ندر، ولهذا في هذا الجمع كل الذين أجابوا قالوا: يقع، وواحد منهم قال: إنه لا يقع، فمثلتم خلاف العلماء تماماً، أكثركم يقول: إنه يقع. وبالنسبة لي أنا إذا جاءني شخص وقال: إنني طلقت زوجتي في الحيض عام (١٤١٠هـ) ، ثم طلقتها طلاقاً صحيحاً عام (١٤١٥هـ) ، ثم طلقتها طلاقاً صحيحاً عام (١٤٢٠هـ) هذه ثلاث طلقات، جاء يستفتيني وأنا أرى أن الطلاق في الحيض لا يقع، فهل أقول: طلقتك الأولى لم تقع ولك المراجعة؟ أنا شخصياً لا أفتي بهذا، أقول: طلقتك الأولى وقعت، والدليل: لو أنها حين انقضت عدتها من طلقتها الأولى تزوجت إنساناً هل يأتي زوجها الذي طلقها ويقول للرجل: أنت الآن استحللت امرأتي؟ لا يأتي أبداً، إذاً الذي عندي أنه لو جاءني الرجل الذي طلق في الحيض في العدة فهنا أقول: طلاقك غير واقع والزوجة في عصمتك؛ لأنها لم تحل لغيرك الآن، لكن بعد أن انقضت العدة وندم وجاء يريد أن يفسد الأول لا أفتيه بأنه لم يقع، بل أقول: وقع، ويحسب عليك من الطلاق، انتبهوا إلى الخطة التي مشيت عليها تأسياً بـ عمر بن الخطاب ﵁ حين ألزم الناس بوقوع الطلاق الثلاث المجموعة لما انتهكوا حرمات الله وصاروا لا يبالون بالطلاق الثلاث المجموعة، وبعض العلماء السابقين ﵏ أشار إلى هذه المسألة وقال: إن الرجل إذا طلق زوجته الطلقة الثالثة جاء يقول: إن أحد الشهود على عقد النكاح غير عدل، فاسق، من أجل أن يبطل العقد؛ لأنه ليس بشهود عدول، وإذا بطل العقد بطل الطلاق المبني على العقد، فلا يحسب عليه، انظر هذا الرجل -والعياذ بالله- يتبع هواه، لما كان يستحل زوجته ويطؤها ليلاً ونهاراً صار الشاهد على العقد عدلاً، ولما ضاقت عليه الحيلة صار الآن غير عدل، هذا تلاعب بآيات الله ، أقول: إن بعض العلماء المعاصرين قبل مدة ذكر هذا في بعض أجوبته المطبوعة. على كل حال لا يطلق في حيض. ثانياً: لا يطلق المدخول بها في طهر جامع فيه، إلا أن تكون حاملاً فلا بأس؛ لأنه لو جامع ثم طلق بعد الجماع فبماذا تعتد: أتعتد بالحمل أم بالحيض؟ إن قلت: بالحمل، قلنا: لا، لاحتمال أنها لم تحمل، وإن قلت: بالحيض، قلنا: لا تعتد بالحيض؛ لأنها تحتمل أنها حملت، انتبه للحكم العظيمة في الشريعة الإسلامية! فإذا طلق في طهر جامع فيه فهو حرام؛ لأنه لم يطلق لعدة متيقنة، يحتمل أن تكون حاملة فعدتها وضع الحمل، ويحتمل ألا تكون حملت فعدتها بالحيض، فلما صار هذا محتملاً صار هذا حراماً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] وإذا كنا لا ندري أعدتها عدة الحامل أم عدة غير الحامل لم نكن أحصينا العدة، وقد قال الله : ((وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)) [الطلاق:١] . إذاً: يحرم طلاق المرأة المدخول بها إذا كانت حائضاً، أو في طهر جامع فيه أما إذا كانت في طهر لم يجامع فيه فالطلاق جائز، وإذا كانت حاملاً فالطلاق صحيح ولو جامعها ولو لم يغتسل من جماعها. وغير المدخول بها إذا طلقها وهي حائض رجل عقد على امرأة والدخول بعد شهر، وفي أثناء هذه المدة طلقها، فالطلاق هنا حلال؛ لأنه ليس عليها عدة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] فإذا طلقها قبل الدخول والخلوة فلا عدة، ويطلق متى شاء ولو حائضاً. السؤال لو طلقها وهي نفساء عليها الدم حلال أم حرام؟ حلال؛ لأنه طلق للعدة، إذ أن النفساء إذا طلقت شرعت في العدة من حين الطلاق، فيكون قد طلق للعدة، فإذا أورد علينا شخص فقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لـ عمر: (مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً) فنقول: هو يخاطب رجلاً طلق امرأته في حيض، والمعنى: طاهرة من الحيض لا مطلق الطهر، وعلى هذا فالطلاق في النفاس جائز وليس بطلاق بدعي، وهو نافذ؛ لأنه إذا طلقها في هذه الحال فقد طلق للعدة.

стр. 2222

الأسئلة

стр. 2223

نصيحة في التقليل من تكاليف الزواج السؤال فضيلة الشيخ! هل من نصيحة للإخوة الحاضرين والسامعين في التقليل من تكاليف الزواج من مهر وغيره، وبطاقات الزواج التي مصيرها إلى القمامة وقد تساوي خمسة إلى عشرة ريالات، ولو وضعت على شريط أو كتاب بريال أو ريالين لنفع الله بها وحفظت هذه البطاقة ونشر الخير بذلك الزواج؟ الجواب أنا أنصح إخواني المسلمين عن الإسراف في المهور والمغالاة فيها وعن الإسراف في الولائم، فإن النكاح ليس بغريب، كل بني آدم يتزوجون، فليس أمراً غريباً حتى نسرف في مناسباته، هو أمر طبيعي، فليكن طبيعياً (وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة) وكلما سهَّل الإنسان مؤونة النكاح صار ذلك سبباً في الالتئام بين الزوجين وحسن العشرة بينهما؛ لأن ذلك من بركته، فنصيحتي لإخواني أولاً: ألا يغالوا في المهور. ثانياً: ألا يغالوا في الولائم بلغني أنه يوجد في بعض البلدان من ينفق مائة ألف ريال على وليمة واحدة أو أكثر، باستجلاب المغنيات والمغنين، واستئجار الفنادق الرفيعة، وما أشبه ذلك، هذا خطأ عظيم وإسراف يخشى من العقوبة. ثالثاً: ألا يغالوا في بطاقات الدعوة أحياناً تأتيك البطاقة تساوي عشرة ريالات أو أكثر وهي -كما قال السائل- مرجعها إلى القمامة، ومع ذلك إذا وجه الدعوة إلى مائة رجل فستكون قيمتها ألف ريال، وهذا خطأ عظيم، حتى الذين تأتيهم البطاقة -وأنا منهم- أرق لهؤلاء الإخوان وأرحمهم وأقول: مساكين! بذلوا الأموال في غير طائل، أرأيت لو أنهم صوروا على آلة التصوير ألف نسخة، ولتكن بخمسين ريال وتغني عن هذا، والمقصود إشعار المدعو بأنه عند الداعي له منزلة يحتاج أن يوجه الدعوة إليه. رابعاً: الإسراف في ليالي الزفاف في ملابس النساء التي يصدق على بعضها ما جاء في الحديث: (نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات) وأقبح من ذلك أن يقوم الرجل وزوجته على المنصة، وربما يقبلها، وربما يعطيها الحلوى أو التفاح، وربما تأكل بعض التفاح وتعطيه يأكل بعضه أو بالعكس! بالله عليكم هل هذا يثير الشهوة أم لا؟! نعم. يثير الشهوة الراقدة التي ما تعرف الحياء، وأقبح من ذلك أن تؤخذ صورة الرجل والمرأة بالفيديو، يزعمون أنها للتذكار، وهي فضيحة وإنكار! وشر من ذلك أن يرى النساء أمامه متبرجات متطيبات لابسات أحسن ثياب، وربما تكون الواحدة منهن بالنسبة إلى زوجته كالقمر بالنسبة إلى السهى، السهى نجم ضعيف، فيتعلق قلبه بمن يشاهد من النساء ويعرض عن زوجته، وتكون ليلته سوداء ولو في الليالي المقمرة؛ لأنه رأى من النساء من نكد عليه حياته، هو في نفسه يشعر بأن زوجته أجمل النساء وأنها خير النساء، فتأتي هذه المرأة التي شاهدها في هذا الحفل فتغطي محاسن زوجته، والعجيب أن الذي يدعو هؤلاء النساء هم أهل الزوجة، فهم يخربون بيوتهم بأيديهم! يأتون بهؤلاء النساء حتى تكون زوجته فيهن رخيصة، وهذا والله من المنكر، ولم يحدث إلا أخيراً، وأنا أحبذ أن يأتي الزوج بعد صلاة العشاء إلى بيت الزوجة ومعه أنفار قليل، فيجلسون ويتحدثون بنحو ربع ساعة ويشربون القهوة والشاي ثم يقولون: السلام عليكم، بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير. ويقول قائل منهم: بارك الله لمن زار وخفف، وهم لم يبقوا إلا ربع ساعة، والآن يبقون إلى الفجر، والله بلغني أنهم يبقون إلى الفجر، ويديرون رأس الزوج، مسكين! هو معهم كالشاة يمشي ويتعب ويمل، فإذا وصل إلى الصفر من قوته البدنية والجنسية أدخلوه على زوجته، ما الفائدة؟ الآن من حين يدخل إلى أين يذهب؟ إلى الفراش، إلى النوم مباشرة من أين جاءتنا هذه العادات؟ المثال الذي ذكرته لكم بعد ربع ساعة من صلاة العشاء أو نصف ساعة إلى الأكثر يأخذون بيد الزوج ويدخلونه على زوجته في بيت أبيها، نكاح هادئ جميل لذيذ موافق للفطرة، ولكن كما قيل: في الترف التلف. وهذا هو المطابق للواقع، كلما ازداد الناس ترفاً ازدادوا تلفاً وتهالكاً، فنسأل الله الهداية.

стр. 2224

حكم التعدد من أجل مجاراة الناس أو لتأديب الزوجة السؤال بما أن الحديث حول مناسبات الأعراس هذا سؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يتزوج امرأة ثانية بقصد المجاراة للغير، أو من أجل أن يؤدب زوجته كما يزعم، وغالباً ما يفشل هذا الزواج؟ الجواب أما من حيث تعدد الزوجات، فهل الأفضل التعدد، أو الأفضل الإفراد؟ في هذا للعلماء قولان مشهوران: القول الأول: أن الأفضل أن يقتصر على واحدة. وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أصحابه المتأخرين، قالوا: يسن أن يتزوج نكاح واحدة، وعللوا ذلك: بأنه أبعد عن الجور، وأجمع للقلب، وأبعد عن التشويش. وقال آخرون: بل الأفضل أن يعدد؛ لأنه أكثر في تحصيل مصالح النكاح. والقول بالتعدد أقرب إلى الصواب من القول بالإفراد، لكن من تزوج لقصد مجاراة الغير ومماراتهم فهذا قصد سيئ مذموم، النساء لسن ثياباً يلبسهن الرجال، فإذا لبس الآخرون ثوباً جديداً لبس هو ثوباً جديداً، بل المرأة مكرمة لها حقها، ومن تزوج من أجل تأديب زوجته فلا حرج؛ لأن بعض النساء لا يؤدبهن إلا النساء، ولهذا يقال: أدبوا النساء بالنساء. وكثيرٌ من النساء تكون ناشزة لا تؤدي زوجها الحق الواجب له، فيريد أن يبسط نفسه وأن يتزوج عليها، وإذا تزوج عليها فمنهن من تستقيم ومنهن من تزيد نشوزاً، وحينئذٍ يبت طلاقها ويدعها عند أهلها. فالمهم أن التزوج لتأديب الزوجة الناشز لا بأس به، وأما التزوج لمجاراة الناس فلا.

стр. 2225

حكم الزواج بالكتابية السؤال ما حكم الزواج بالكتابية إما يهودية أو نصرانية؟ الجواب ليس لنا أن نحكم إلا بما حكم الله به يا أخي! وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: حلال، فيجوز للرجل أن يتزوج اليهودية أو النصرانية، هذا هو الأصل، لكن إذا خاف الإنسان على نفسه أو ولده من أن يتزوج باليهودية أو النصرانية مُنع من ذلك لا لأن المرأة حرام، ولكن لخوف أن يقع في الحرام، فإذا كان رجلاً ضعيف الدين وأعجبته امرأة يهودية ولا يأمن نفسه أن تجره إلى دينها، فهنا نمنعه ونقول: يحرم عليك؛ لأن زواجك بها وهو حلال ذريعةٌ إلى الوقوع في الحرام، وكذلك لو خاف على أولاده؛ لأن بعض الناس أشباه الرجال وليسوا برجال رجلٌ في ثيابه، ورجلٌ في شماغه، ورجلٌ في مشلحه، لكن حقيقته امرأة، فإذا خاف أن يفسد أولاده على يدها فلا يتزوجها، وكذلك يقال في النصرانية. والحاصل: أن الأصل جواز تزوج المسلم باليهودية أو النصرانية ما لم يخش المحذور، فإن خشي المحذور منع. وهكذا -يا إخواني- كل شيء مباح، إذا كان يخشى منه المحذور فإنه ينقلب حراماً، انتبه إلى هذه القاعدة وخذها يا طالب العلم ويا العامي أيضاً؛ لأنها سهلة جداً: كل شيء مباح إذا خشي منه المحذور فإنه يكون حراماً. وهنا نكتة أقصها عليكم حتى تعلموا أن الإنسان الذي على فطرته عنده من الجواب ما ليس عند العالم المنحرف، يقال: إن رجلاً من أهل نجد اجتمع بنصراني أظنه في مصر، وجرى الحديث بينهما كما يجري الحديث بين الجالسين كثيراً، فقال له النصراني: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: كيف؟ قال: لأنكم تبيحون لأنفسكم أن تتزوجوا منا ولا تبيحون لنا أن نتزوج منكم. هل هذا صحيح هذا أم غير صحيح؟ فيه تفصيل، فقوله: أنكم ظلمة، غير صحيح، وقوله: تبيحون ولا تبيحون، صحيح، فقال له العامي: نحن نؤمن بنبيكم وأنتم لا تؤمنون بنبينا، سبحان الله! جواب مفحم مقنع، آمنوا بنبينا ولكم أن تتزوجوا منا. وهذا جواب سليم. وآخر قدح في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: إن زوجته فيها ما فيها، ورماها بالإفك، وهو نصراني، قال: نبيكم هذا -قاتله الله، قاتل الله النصراني- يقول: نبيكم هذا عنده زوجة، وذكر الإفك، المنافقون رموها بالإفك، رموا عائشة بأنها زانية والعياذ بالله! فقال له العامي: إن كان نبينا قد اتهمت زوجته ورميت بالزنا فإن نبيكم قد اتهمت أمه ورميت بالزنا. هل هذا صحيح أم غير صحيح؟ صحيح؛ لأن اليهود يرون أن مريم ﵍ زانية، قالوا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] فيا أخي: سبحان الله! الجواب على الفطرة يكون غالباً مقنعاً. السائل: نقرها على ما تفعله كشرب خمر وما إلى ذلك؟ الشيخ: نعم. هل إذا تزوج امرأة يهودية أو نصرانية فإنه يقرها على ما تراه حلالاً في دينها.

стр. 2226

حكم سماع الشهود موافقة الزوجة السؤال هل يشترط للشهود في النكاح سماع موافقة الزوجة؟ وهل يكون الشهود من محارمها أم من غيرهم؟ لأن الذي يحصل يا شيخ أن المأذون ووالد الزوجة والشهود يجتمعون في مكان ويقررون، ويذهب أحد محارم الزوجة ويأخذ توقيعها على هذا. الجواب أولاً: لا بد أن نعلم أن المشهور من المذهب أن الشهود في النكاح يشترط ألا يكونوا من أصول الزوج ولا من فروعه، ولا من أصول الولي ولا من فروعه، ولا من أصول الزوجة ولا من فروعها، وعلى هذا فلو كان أحد الشهود والد الولي لم يصح، أو كان الشهود ابن الزوج لم يصح، ولكن هل تشترط الشهادة على رضى الزوجة أم لا؟ في ذلك خلاف، والمذهب أنه سنة وليس بواجب، لكن نظراً لما يحدث في وقتنا الحاضر من المخاصمات ونحوها نرى أنه لا بد أن يشهد الشهود على إذن الزوجة. السائل: هل يسمعون موافقتها يا شيخ؟ الشيخ: إذنها يعني موافقتها، ولكن بعض النساء إذا كانت أختها التي تريد الزواج لا تعرف تكتب تحضر التي تعرف تكتب وتكتب اسم أختها وتوقع عليه، وهذا حرام لا يجوز، بل الواجب أن تحضر الزوجة وإن لم تعرف الكتابة ويؤخذ إذنها ويكتفى بذلك.

стр. 2227

منهج الرسول ﵊ مع زوجاته عند الخلاف السؤال أحياناً يحصل بين الرجل وزوجته سوء تفاهم فيهجرها في المضجع ولا يتكلم معها، وإذا دخل المنزل لا يسلم عليها، فهل هذا العمل موافق لسنة الرسول ﷺ في الهجر؟ وما هو منهج الرسول ﵊ مع زوجاته عند الخلاف؟ الجواب من الخطأ والغلط أن تصل الحال بالزوجين إلى هذا، أن يهجرها في المضجع ويهجرها في الكلام، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيته يقوم بأعمال البيت حتى تأتي الصلاة فيخرج إلى الصلاة، فلا ينبغي للإنسان أن يهجر أهله حتى لو أخطئوا فليتحمل وليصبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يكرهها- إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن النساء خلقن من ضلع وأعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها على عوج) وهذا الهجر لا يزيد الأمر إلا شدة، بل عليه أن يصبر ويتحمل ويلاطف الزوجة ويكلمها على قدر عقلها حتى تتم الأمور، والزوجة يكفيها ابتسامة فقط تزيل عنها كل ما في قلبها، ويكفيها ضد ذلك عبوس في الوجه فتنفر، فليراعي الإنسان هذه الأحوال ليعيش مع زوجته عيشةً هنيةً رضية. وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء.

стр. 2228

اللقاء الشهري [٧٧] في هذا اللقاء تفسير الآيات الأخيرة من سورة الأحزاب، مع شرح وتوضيح معنى عرض الأمانة، وبيان آيات المنافقين، وسمات المشركين، وصفات المؤمنين. وفي آخره الحديث عن التوبة، وشروط قبولها، والإجابة عن أسئلة الحاضرين.

стр. 2229

تفسير أواخر سورة الأحزاب الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المكرمون: إن من نعمة الله علينا في هذا العصر أن يسر لنا المواصلات والاتصالات، فها نحن نتكلم من هنا من الجامع الكبير في عنيزة ويسمعنا إخوانٌ لنا في بلاد أخرى بدون مشقة وبدون كلفة، بينما كان الناس في الأول لا يتواصلون إلا بعد مدة، ولكن من نعمة الله أن يسر المواصلات في الطائرات والسيارات والبواخر وكذلك الاتصالات، فلله الحمد والنعمة.

стр. 2230

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ) ثم إننا في هذه الليلة، أعني ليلة الأحد الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر، سوف نتكلم على قول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] . قوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾ [الأحزاب:٧٢] ، تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾ [الأحزاب:٧٢] فلماذا؟ للتعظيم، لتعظيم نفسه ؛ لأنه سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، وقد شبه النصارى على عوام المسلمين فقالوا: إن الله متعدد لأنه يقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب:٧٢] ، ويقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس:١٢] ، ويقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] ، فيشبهون؛ لأن هذه الضمائر تدل على الجمع، لكنها في اللغة العربية تدل على الجمع وعلى التعظيم، وهؤلاء عموا عن قول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] ، وهكذا كل من في قلبه زيغ يتبع ما تشابه من القرآن والسنة فيضرب بعضه ببعض، ولكن يقيض الله لدينه من يحفظه ويدفع هذه الشبهات ويبين الحق فيها، فمن هؤلاء؟ هؤلاء هم الراسخون في العلم؛ لقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:٧] ، أي: القرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، ذكر قسمين: آيات محكمات، وأخر متشابهات ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] ، أي: ميل عن الحق وضلال ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] ويدعون المحكم ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧] ، أي: فتنة الناس عن دينهم ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] أي: تحريفه على ما يريدون. إذاً: قوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب:٧٢] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس:١٢] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] ، وأشباهها من الآيات يراد بها التعظيم ﴿عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب:٧٢] أي: القيام بما يجب، ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب:٧٢] سبحان الله! مخلوقات عظيمة عرض الله عليها الأمانة هل تقوم بها أم لا؟ قال الله : ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] ، (أبين) أي: امتنعن عن حملها لأنها مسئولية عظيمة، ولعل قائلاً منكم يقول: كيف تعرض الأمانة على جماد؟ ف الجواب الجماد وذو الشعور أمام أمر الله على حد سواء، يوجه الله الخطاب إلى الجماد فيجيب الله ؛ لأن كل شيء بالنسبة لله على حد سواء، واسمع قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ [فصلت:١١] ، هذا أمر موجه للجماد ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] ، هذا الجواب، أجابت هذه الجماد لله . ولما تجلى الله للجبل حين قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] شوقاً إلى الله ، ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فنظر موسى إلى الجبل بعد أن تجلى الله له فجعله دكاً، اندك لعظمة الله وخشيته، فخر موسى صعقاً، غشي عليه؛ لما رأى من الهول العظيم، جبل أمامه صخر عظيم اندك في لحظة! ومن المعلوم أن الإنسان لا يتحمل هذا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] . أيها الإخوة: لقد قال الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر:٢١] ، هذا القرآن وهو كلام الله وصفةٌ من صفاته ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] . عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] خفن منها ألا يقمن بواجب الأمانة، ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢] الله أكبر! حملها الإنسان، بماذا حملها؟ بما أعطاه الله من العقل والتفكير وبما أرسل إليه من الرسل وبين له السبل وهداه، (إنه) أي: الإنسان، (كان ظلوماً جهولا) . وقوله: (إنه) قال بعض أهل العلم: الضمير يعود على الإنسان الكافر هو الظلوم الجهول، ليس عائداً على كل إنسان؛ لأن المسلم ذو عدل وذو علم وذو رشد، فالإنسان الذي كان ظلوماً جهولاً هو الكافر، أما المؤمن فلا يمكن، المؤمن يمنعه إيمانه عن الظلم، ويمنعه إيمانه عن السفه والغي.

стр. 2231

تفسير قوله تعالى: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) ثم قال : ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣] المعنى: أن الله بين لنا الأمانة، وأنه عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان لأجل هذه النتيجة، وما هي النتيجة؟ ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣] هؤلاء ثلاثة أقسام انقسم إليها الخلق: الأول: المنافقون. الثاني: المشركون. الثالث: المؤمنون. انتبه يا أخي وانظر سبيل من تسلك.

стр. 2232

المنافقون وصفاتهم قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣] فمن هم المنافقون؟ المنافقون: هم الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، يظهرون الإسلام ويقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويحضرون الصلاة، ويتصدقون، لكن قلوبهم خربة خالية من الإيمان، أعاذني الله وإياكم من ذلك! اللهم أعذنا من النفاق. هذا الصنف من الناس خرج حينما صار للمسلمين قوة وعزة، لكن في مكة قبل الهجرة ليس هناك منافق، الناس إما مؤمن صريح وإما كافر صريح، لكن لما قويت شوكة المؤمنين وخصوصاً بعد أن هزم الكفار في بدر، وقد كانت في السنة الثانية من الهجرة في رمضان -لما هزم المشركون بدأ النفاق؛ لأنهم -أي: المنافقين- عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيظهر دينه، فصاروا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وأنزل الله فيهم سورة كاملة من طوال المفصل، وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ. ﴾ [المنافقون:١] فكانوا يحضرون الصلاة، لكنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ويتصدقون لكنه رياء وسمعة، ويأتون إلى الرسول ﵊ ويقولون: نشهد إنك لرسول الله، سبحان الله! فماذا قال الله فيهم؟ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] أي: لكاذبون في قولهم: نشهد؛ لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولذلك إذا احتاجوا إلى هذه الكلمة عجزوا عنها، فإن المنافق إذا دفن في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان يسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت! يقول: لا أدري؛ لأنه ليس في قلبه إيمان، والآخرة مبنية على السرائر لا على الظواهر، أما الدنيا فمبنية على الظواهر، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين استؤذن في قتل المنافقين، قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ، وفي الآخرة العبرة بالسرائر ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩-١٠] ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٨-٩] اللهم طهر سرائرنا، اللهم طهر سرائرنا، اللهم طهر سرائرنا يا رب العالمين، وأمتنا على الإيمان والتوحيد. أيها الإخوة: المنافقون لهم روغان عن الحقائق، ولذلك كان من صفاتهم أنهم إذا حدثوا كذبوا، وأكذب حديث أنهم يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهم كاذبون في هذا لا يؤمنون به، وإذا عاهدوا غدروا، لا يوفون بالعهد؛ لأنه ليس عندهم إيمان يحملهم على الوفاء بالعهد، وإذا خاصموا فجروا؛ فجحدوا ما يجب عليهم وادعوا ما ليس لهم، وإذا ائتمنوا خانوا. أخي المسلم: هذه علامات النفاق، هذه علامات النفاق، هذه علامات النفاق، فاحذر أن تتصف بواحدةٍ منها؛ لأن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذرنا منها. والآن لو نظرت في واقع المسلمين اليوم لوجدت كثيراً منهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان. إن كثيراً من المسلمين وليس أكثرهم، فالحمد لله أكثرهم مستقيم، لكن فيهم من إذا حدثك كذبك، وإذا وعدك أخلفك، وإذا عاهدك غدر بك، وإذا خاصمك فجر بك، وما أكثر الذين يأتون إلينا يشكون من كفلائهم! أتى به على عقد معلوم بينهم ثم لا يفي بالعهد ولا يفي بالعقد، يماطل بالأجرة وربما ينكرها، ويؤذي العامل ويحمله ما ليس واجباً عليه وهكذا. وهناك -أيضاً- من إذا اؤتمن خان، وما أكثرهم! إذا اؤتمنوا خانوا، وما أكثر الخيانة في كثير من الناس! ومن ذلك -مثلاً- أن يعرض الإنسان سلعته فيأتيه الزبون ليشتري فيقول: كم قيمة هذه؟ فيقول: ألف ريال، وقيمتها في الحقيقة خمسمائة، لكن استغل فرصة جهل هذا المشتري بالثمن وقال: بألف ريال، هذا جمع بين الكذب والخيانة والغدر، ثلاث صفات من صفات المنافقين، وما يدري أن ما ترتب على هذا الكذب من كسب مادي فهو حرام، ويوشك من أكل الحرام ألا تستجاب دعوته؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!) ومن الخيانة في الأمانة: ما يفعله كثيرٌ من أولياء النساء في التزويج، فتجده يخطب منه الرجل الصالح المستقيم في دينه وخلقه ولكن إذا عرف أنه لن يعطيه مالاً رده، وقال: البنت صغيرة، البنت مخطوبة لغيرك، وما أشبه ذلك، ثم يزوجها ابن عمها الذي ليس عنده خلق ولا دين، أو يزوجها من ليس ابن عمها ولكن أكثر الدراهم لأبيها، وهذه والله خيانة، وستطالبه البنت يوم القيامة، وحينئذٍ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لماذا تحجب المرأة عن خاطبها الكفء من أجل مصلحتك الخاصة؟ أليس هذا من الخيانة؟! أليس هذا من الظلم؟! سبحان الله! لو أنك أنت أيها الأب خطبت امرأة ثم منعت منها لاستكبرت هذا الشيء وعددته ظلماً وجوراً، والعجب أن هؤلاء يظلمون أقرب الناس إليهم وهنَّ بناتهم اللاتي هنَّ بضعةٌ من الأب وقطعة وجزء منه، ومع ذلك يظلمها هذا الظلم، يحجزها لابن عمها، أو يقول: لا تتزوجي رجلاً من غير القبيلة، أو ما أشبه هذا! هذا من المنكر، وللقضاة أن يتدخلوا في هذا الموضوع، بمعنى: أن المرأة إذا خطبها كفءٌ لها وأبى أبوها فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي ويقول لأبيها: زوجها وإلا زوجتها أنا أو من يليك في الولاية من عصبتها. ومن الخيانة وهي من صفات المنافقين: ما ذكره الله في قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١-٣] ، إذا استوفى لنفسه استوفى كاملاً، وإذا كال لغيره نقص، (يخسرون) أي: ينقصون، قال الله : ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤-٦] . ومن الخيانة في الأمانة: ما يفعله بعض الناس في أهله، يرضيهم بما حرم الله عليهم، فيجلب لهم من وسائل الإعلام المنظورة والمقروءة والمسموعة ما فيه البلاء والشقاء، وهذا خيانة للأمانة، وسوف يحاسب عند الله يوم القيامة، لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ، فجعل وقاية الأهل كوقاية النفس، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته) ، مسئول أمام الله يوم القيامة. أسأل الله أن يعينني وإياكم على أداء هذه الأمانة الكبرى. عليك أن توجه أهلك من بنين وبنات وزوجات وغيرهن ممن لك ولاية عليهن، أن توجههم إلى الطريق السوي، الطريق المستقيم، ولا تظن أنك بريء من المسئولية أبداً، فقد حملك إياها الله رب العالمين وحملك إياها رسول رب العالمين محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن النفاق: أن بعض الناس يرائي، بمعنى: أنه يفعل العبادة ليقول الناس: إن فلاناً عابد. اللهم أعذنا من الرياء ومن راءى راءى الله به، وسوف يفضحه إما في الدنيا وإما في الآخرة. ومن ذلك أيضاً: أن يتصدق بشيء أمام الناس ليقولوا: فلان كريم، لا ليتقرب إلى رب العالمين، وهذا الرياء مبطلٌ للعمل، قال الله في الحديث القدسي الصحيح: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ، ولما سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يقاتل أعداء الله، يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، فالمراءاة في العمل محبطة له، ويا أخي المسلم! ماذا ينفعك الناس؟ ماذا ينفعونك إذا راءيتهم؟ وماذا يضرونك إذا أخلصت العمل لله وتركتهم؟ إنهم لن يضروك شيئاً بالإخلاص، وإنهم يضرونك بالرياء، وأنت الذي أضررت بنفسك. فاحذر أخي من النفاق، احذر من النفاق العقدي والعملي، العقدي في القلب أجارني الله وإياكم منه، والعملي بالجوارح.

стр. 2233

المشركون وصفاتهم قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣] المشرك: من اتخذ مع الله إلهاً يعبده، أو اتخذ مع الله رباً يعتقد أن له تدبيراً في الكون، والمشرك كافر واضح وليس منافقاً، يظهر شركه علناً ويقاتل المؤمنين من أجله، مثل مشركي قريش، أليسوا قاتلوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمداً؟ أليسوا أخرجوه وأصحابه من ديارهم؟ أليسوا يسيئون إليه بالقول وبالفعل؟ يقولون: إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كاذب، وأساءوا إليه بالفعل أيضاً؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يومٍ ساجداً تحت الكعبة، آمن مكان على الأرض ذلك المكان، وهو محترم معظم عند قريش إلا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان ساجداً لله فقالوا: من يذهب إلى جزور بني فلان ويأتي بسلاها القذر المكروه منظراً ويضعه على ظهر محمد؟ فانتدب لذلك أشقاهم والعياذ بالله! فذهب وأتى بسلا الناقة الذي يخرج منها عند الولادة، فألقاه على ظهر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو ساجد بالله عليكم أفي هذا إهانة للرسول؟! بلى والله أفي هذا إهانة للمسجد الحرام؟ بلى والله، والعجب أنه لو جاء بدوي جاهل يسجد تحت الكعبة لعظموه واحترموه، وهذا النبي الكريم الذي هو أولى بالكعبة من هؤلاء المشركين يفعل به هذا! لماذا؟ لأن المشركين لا يبالون، يعلنون بشركهم ولا يبالون، ما عندهم نفاق. هذا الصنف الثاني من الناس.

стр. 2234

المؤمنون وصفاتهم الصنف الثالث: قال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣] ، اللهم تب علينا يا رب العالمين يتوب الله على المؤمنين الموحدين الذين ليس عندهم نفاق، فهم موحدون ضد المشركين، وهم خالصون ضد المنافقين، يتوب الله عليهم، حتى لو أنهم تابوا من الشرك ومن النفاق تاب الله عليهم، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وكم من مشرك منابذ للدعوة الإسلامية تاب فتاب الله عليه. عمر بن الخطاب ﵁ كان ضد الدعوة الإسلامية، فأسلم وكان الخليفة الثاني في هذه الأمة. خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم من صناديد قريش وكفارها أسلموا فتاب الله عليهم. أبو سفيان زعيم قريش، كان يقول يوم أحد: اعلُ هبل. لأن أبا سفيان لما انتهت الحرب وصارت الهزيمة على المسلمين لأنهم حصل منهم ما يوجب الهزيمة، افتخر وقال: أفيكم محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تجيبوه) لماذا؟ إهانة له، وحتى يربو بنفسه بعد ذلك ويفتخر، انظر يا أخي إلى الحكمة النبوية، وهكذا وقع، ثم قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ قال: (لا تجيبوه) حينئذٍ افتخر وانتفخ ورأى أنه حصل على كل شيء، فقال: اعلُ هبل. وهبل صنم لقريش وسط الكعبة، والمعنى: ما أعلاك اليوم! اليوم أنت العالي، ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أجيبوه) ، الآن حمي الوطيس، وصلت المسألة إلى الباري ، قال: (أجيبوه، قالوا: بماذا نجيبه؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل) ، إذا كنت اليوم تفتخر بصنمك بأنه عالٍ فالله أعلى وأجل، ثم قال أبو سفيان لما رد عليه بالتوحيد أتى عن طريق الرسالة، قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. كيف يوم بدر؟ يوم بدر كان النصر للمسلمين، وقتل من صناديد قريش وكبرائهم ما هو معلوم قال: يوم بيوم بدر، أي: اليوم غلبناكم وأنتم غلبتمونا يوم بدر، والحرب سجال، أي: مرة لكم ومرة عليكم، فأجابوه: لا سواء، لا سواء -أي: بين اليومين- قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. وهل هذان اليومان على حد سواء بعد أن كان قتلى المسلمين في الجنة وقتلى الكفار في النار؟ لا. أنا المقصود من هذا أن المشركين يصرحون بمنابذة المؤمنين، وأن الإنسان إذا تاب ولو كان مشركاً منابذاً تاب الله عليه؛ فهذا الرجل أبو سفيان أسلم وصار من الصحابة، لكنه تأخر إسلامه فتأخرت مرتبته. إذاً: من تاب تاب الله عليه، حتى من الشرك، وحتى من النفاق، وحتى من الاستهزاء بالله وآياته، والدليل على أن التائب من النفاق يتوب الله عليه قول الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٥-١٤٦] ، لكن لاحظ أن الله ذكر أشياء مهمة ﴿الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء:١٤٦] أي: رجعوا من النفاق إلى الإيمان الخالص ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء:١٤٦] توكلوا عليه واعتصموا به ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ هذه ثلاثة أوصاف ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٦] . والمستهزئ بالله وآياته هل تصح توبته؟ الجواب نعم تصح، والدليل: قول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] ، أي: سألت المستهزئين؛ لأنهم كانوا يستهزئون ويقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه- ما رأينا مثلهم أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. وكذبوا والله، هذه الأوصاف في المنافقين تماماً، قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] إذاً معناه: أن هؤلاء قد يعفو الله عنهم وذلك بالتوبة، فمن تاب مهما كان شركه وكفره فإن الله يتوب عليه. وهؤلاء الذين تابوا من الكفر وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين هل يلزمهم ضمان المسلمين الذين قتلوهم؟ لا يلزمهم، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨] ولهذا لو رأى شخص شخصاً كان كافراً وقد قتل أباه ثم أسلم فإنه لا يجوز له أن يقتله؛ لأن إسلامه عصمه وغفر له به ما سلف. قال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٧٣] أيها الأخ العربي النحوي: تشكل عليك هذه الجملة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٧٣] أي: كان فيما مضى، والآن؟ كان فعل ماضي، نقول: (كان) هنا لا يقصد بها الزمان، بل يقصد بها تحقيق اتصاف الله بالمغفرة والرحمة، فهي كما يقول النحويون: مسلوبة الزمان، والمقصود بها التوكيد، فالله تعالى متصف بالمغفرة والرحمة دائماً وأبداً.

стр. 2235

شروط التوبة وهنا يجدر بنا أن نتكلم عن شروط التوبة هل كل من قال: تبت إلى الله يكون تائباً؟ لا بد من شروط، وشروط التوبة خمسة: الأول: الإخلاص لله . فمن تاب رئاء الناس فلا توبة له، ومن تاب خوفاً من سوط السلطان فلا توبة له، فلابد فيها من الإخلاص لله ، وإن كان الإنسان قد يحمله خوفه من السلطان على التوبة، لكن يتوب إلى الله مخلصاً، ولهذا شرعت الحدود في الزنا والسرقة والقذف وما أشبه ذلك، وهذه لا شك أنها تحمل الإنسان على ترك هذه الذنوب، لكنه يتركها لله لا لمجرد الخوف. الثاني: الندم على ما فات. يندم بقلبه ويتحسر ويقول: ليتني لم أفعل، ولا يجعل حاله بعد التوبة كحاله قبلها، بل لا بد من انفعال في النفس وندم، وليتني لم أفعل، لا اعتراضاً على القدر ولكن ندماً على ما فعل. الثالث: الإقلاع عن الذنب. وهذا هو بيت القصيد، وكيف يكون الإقلاع عن الذنب إن كان الذنب ترك واجب قام بهذا الواجب إذا كان يمكن قضاؤه، وأقول: إذا كان يمكن قضاؤه؛ لأن من الواجبات ما لا يقضى، مثلاً: لو أن الإنسان ترك الصلاة حتى خرج وقتها عمداً بلا عذر، فهنا لا يقضي الصلاة؛ لأنه لو قضاها لم تقبل منه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: مردود عليه، أما لو أخرها لعذر كنوم ونسيان فيقضيها ولا حرج. وإذا كان الذنب فعل محرم أقلع عنه في الحال ولا يكمل، فلو فرضنا أن إنساناً يأكل طعاماً لغيره ثم تاب في أثناء الطعام، فهل نقول: له أن يشبع، أو يجب عليه أن يكف؟ يجب عليه أن يكف، ولو استمر لم تصح توبته، لأنه لابد من الإقلاع في الحال. ولو أن شخصاً استولى على أرض رجل من الناس وتبين له أن الأرض ليست له، فهل يبقي الأرض في ملكه، أم يجب أن يردها إلى صاحبها؟ يجب أن يردها إلى صاحبها حتى لو كان قد بنى عليها، يجب أن يردها إلى صاحبها، ويتصالح مع صاحبها إذا كان قد بنى عليها بنياناً، أو يترافعان إلى القاضي. وإذا كان الذنب جحد دينٍ عليه، فتكون التوبة بأن يقر ويرده إلى صاحبه، أما أن يقول: أنا أخشى إن أقررت بعد أن جحدت أن تسوء سمعتي عند الناس، فنقول له جواباً على هذا: إذا ساءت سمعتك عند الناس زمناً قصيراً فستعود السمعة أحسن من قبل؛ لأن الله إذا رضي عن العبد أرضى عنه الناس، والناس إذا تأملوا في الموضوع ورأوا أن هذا الرجل خرج من المحرم عليه بصراحة أحبوه ورفعوا ذكره وزالت السمعة السيئة، لكن الشيطان يقول للإنسان: لا تقر وأنت قد جحدت أولاً، إذا أقررت بعد جحدك قالوا: هذا رجل متقلب، ما دام الأمر مضى امضِ، هذا غلط عظيم، قل الحق وسوف تكون العاقبة لك. الشرط الرابع: العزم على ألا يعود في المستقبل. فإن تاب من الذنب الآن ولكن في نيته أنه إذا حصلت فرصة فعله، فالتوبة غير صحيحة؛ لأنه لم يعزم على ألا يعود، بل تاب الآن لكن في نفسه أنه لو سنحت الفرصة لعاد إلى الذنب، فهذا لا تقبل توبته. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في زمن القبول. انتبه إلى هذا الشرط: أن تكون التوبة في زمن القبول؛ بأن تكون قبل حضور الأجل، وقبل طلوع الشمس من مغربها، ذلك لأنه إذا حضر الأجل فإن التوبة غير مقبولة، وإذا طلعت الشمس من مغربها فالتوبة غير مقبولة، والدليل: قول الله : ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨] أخي المسلم: هل عندك أمان أنك ستبقى حتى تتوب؟ لا، إذاً: يا أخي! بادر بالتوبة قبل أن يدركك الأجل وأنت لم تتب ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨] . وانظر شاهداً لهذا: فرعون الذي أرسل الله إليه موسى فكذبه، وخرج بجنوده ليقضي على موسى وقومه، حتى صار موسى وقومه بين البحر وبين فرعون وقومه، وهو بحر القلزم المسمى اليوم بـ البحر الأحمر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] أي: أدركنا الآن، هلكنا، البحر أمامنا وفرعون خلفنا، فقال موسى قول المطمئن الواثق بالله : ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، عصا من شجر عادي، لكن فيه آيات، فضرب البحر بالعصا، فانفلق اثنتي عشرة طريقاً، انفلق وصارت أسواق واسعة في وسط البحر والماء كالجبال بين هذه الأسواق، ثم إن هذه الأسواق صارت يابسة في الحال كما قال : ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ [طه:٧٧] فدخل وموسى وقومه من هذه الأسواق، ثم أتبعه فرعوه وقومه، فأمر الله البحر فانطبق عليهم، فماذا قال فرعون لما أدرك الغرق؟ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] ، الآن آمن، وانظر كيف أذل نفسه غاية الذل بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] ، فجعل نفسه تابعاً لبني إسرائيل، بينما كان في الأول عالياً عليهم، لكن اضطر إلى هذا ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] ، فقيل له: ﴿أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] أي: آلآن تتوب؟ هذا لا ينفع وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] أي: علامة، وذلك أن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون إرعاباً عظيماً، فلا تطمئن قلوبهم ولا تهدأ نفوسهم حتى يروا هذا العدو وقد هلك، فبقي الجسم وشاهده بنو إسرائيل واطمأنوا أنه قد أدركه الغرق، ولهذا قال تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] ثم بعد ذلك أكلته الحيتان وذهب، وما ذكر أنه موجود الآن في الأهرام فلا أساس له من الصحة، وكم من شيء اشتهر ولكن ليس له سند، والقرآن الكريم يقول: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس:٩٠] انتهى موضوعه. الأمر الثاني مما لا تقبل معه التوبة: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإذا حصل ذلك آمن الناس كلهم؛ لأنه حصل لهم أمر ليس باستطاعة أحد، الشمس الآن تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فإذا طلعت من المغرب ورآها الناس آمنوا، وقالوا: لا يمكن أن تخلف العادة إلا ولها رب يدبرها، فآمنوا، ولكن الله يقول: ﴿لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] . هذه شروط التوبة خمسة، إذا تحققت تاب الله على العبد، اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا يا رب العالمين، وأن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا إنك على كل شيء قدير.

стр. 2236

الأسئلة

стр. 2237

المقصود بالأمانة المذكورة والآن إلى الأسئلة، نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب. السؤال فضيلة الشيخ! ما المقصود بالأمانة في هذه الآية التي فسرتموها؟ الجواب المقصود بالأمانة في الآية التي ذكرناها الأوامر والنواهي، أي: التكليف في العبادات، فيشمل كل ما يجب فعله أن يفعله الإنسان وكل ما يحرم فعله أن يتجنبه الإنسان.

стр. 2238

توجيه إلى أصحاب الحدائق والمنتزهات السؤال فضيلة الشيخ! أشهد الله على محبتك، وأسأله سبحانه أن يجمعنا وإياك ووالدينا وإخواننا المسلمين في جنته. الشيخ: آمين. وبعد: أعرض هذه القضية التي بدأ يتهافت أرباب الأموال والمستكثرون منها عليها، ألا وهي المشاريع العائلية من منتزهات وحدائق، التي ينشئها أصحاب الأموال، يختلط الرجال والنساء فيها كل ذلك طمعاً في المال، فما توجيهك لهؤلاء؟ وأيهما أولى أن يخصصوها للنساء خاصة أم يجعلوها مختلطة؟ فنحن يا فضيلة الشيخ نقع تحت ضغوط عائلية بالذهاب بأهلنا إلى تلك الأماكن! الجواب السؤال هذا مهم جداً، ولكن لا تنفع فيه الفتوى، هذا لا بد أن يرفع إلى الجهات المسئولة في الدولة ويُدرس بنية الإصلاح ويُمنع ما لا يجوز، فالدولة -والحمد لله- قوية، والدولة متى قامت بأمر الله نصرها الله على كل إنسان، وإلا فمن المعلوم أن الدول الكافرة والدول الفاسقة وإن لم تصل إلى حد الكفر تضغط على هذه الحكومة بكل ما تستطيع؛ لأنه -والحمد لله- لا أعلم أحداً أقوم بدين الله من هذه الدولة على ما فينا من القصور، لكن إذا رأينا غيرنا ولو كانوا قريبين منا تبين الفرق العظيم، والله يقول في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ، لكن فيما بيننا يجب علينا النصح، أن ننصح هؤلاء الذين انخذلوا أمام الضغوط التي توقعهم في الهاوية، وأن يعلموا أن الدنيا ليست دار مقر إنما هي دار عمل وممر، فليتقوا الله في أنفسهم وليتقوا الله تعالى في إخوانهم المواطنين.

стр. 2239

حكم أداء الصلاة بعد استعمال المنشطات السؤال فضيلة الشيخ! ما حكم أداء الصلاة وسائر العبادات بعد تعاطي بعض الأمور المنشطة المتخذة للعلاج والخمول والكسل؟ الشيخ: هل هذه الحبوب تزيل العقل؟ السائل: لا، إنما تنشط فقط. الجواب إذاً ما المانع؟ لا بأس في هذا ولا إشكال فيه.

стр. 2240

كيفية تحمل الإنسان للأمانة السؤال كيف يكون الإنسان هو الذي احتمل الأمانة وهو مكلف ولم يكن له اختيار في ذلك الاحتمال؟ الجواب أقول: إن الله قال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢] ، والله لا يظلم أحداً، فلولا أن الإنسان اختار هذه الأمانة أن يحملها لما قال: وحملها الإنسان، وكما ذكرنا في التفسير: إن الإنسان حملها بما أعطاه الله من العقل والتصرف، وبما أرسل إليه من الرسل وأنزل إليه من الكتب، فكأنه قال: أنا لها، أنا الذي أحملها؛ لأن عندي كتاب الله وسنة رسوله وعندي العقل والتمييز.

стр. 2241

نصاب التمر السؤال رجل له عدد من الدور فيها عدد من النخيل، فهل تجب الزكاة إذا بلغت النصاب؟ وما هو نصابها بالكيلو؟ الجواب أقول: بارك الله فيك هذه النخيل تجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب؛ لعموم الأدلة الدالة على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) ، والنصاب هو ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعتبر النصاب بزنة التمر عند يبسه لا بقيمته عند كونه رطباً؛ لأنه قد يكون في حال الرطب يبلغ النصاب، ولكن إذا يبس لا يبلغ النصاب، فالعبرة به يابساً، أي: إذا صار تمراً.

стр. 2242

كيفية العدل بين الأولاد السؤال ما هي طريقة العدل بين الأولاد وخاصة في حاجاتهم كالسيارة والزواج؟ وهل الأبناء والبنات سواء؟ الجواب طريقة العدل بين الأولاد أن يعطى كل إنسان ما يحتاج، فإذا احتاج أحدهم إلى الزواج أعطاه المهر كاملاً، ولا يلزمه أن يعطي الآخرين، أما بالنسبة للسيارة فالاحتياط أن يجعل السيارة باسمه -أي: باسم الوالد- ويمنح ولده الانتفاع بها، فإذا قدر أن الوالد مات أعيدت السيارة إلى تركته وورثها الجميع، وإذا قدر أن الابن مات أيضاً أعيدت إلى الأب، هذا هو الأحوط. أما بالنسبة للتعديل في مقدار ما يعطيهم إذا كانوا ذكوراً وإناثاً، فالقول الراجح: أن للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله ، وقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] . وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي: أن بعض الناس يوصي لأولاده الصغار بالمهر بعد وفاته، وهذا حرام، ولا يحل له، ولا يلزم الورثة أن ينفذوا هذه الوصية، مثال ذلك: رجل له ثلاثة أولاد: أحدهم كبير بلغ سن الزواج فأعطاه مهراً خمسين ألفاً مثلاً، وبقي الاثنان صغاراً لم يبلغوا سن الزواج، فبعض الناس يوصي لكل واحد بخمسين ألفاً بمثل ما زوج به الكبير، وهذا غلط، والوصية حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا وصية لوارث) ، وإذا شاء الولد الثالث أن يبطل الوصية فله ذلك.

стр. 2243

حكم الصلاة في البيت لعذر شرعي السؤال كنت أحافظ على الصلوات جميعها في المسجد لما كانت عندي سيارة، ثم بعد ذلك بعت السيارة، وهو رجل كبير في السن، والآن أصبح يصلي في بيته، فما الحكم؟ الجواب لا بأس، إذا كان المسجد بعيداً ويشق عليه فله أن يصلي في بيته.

стр. 2244

حكم من أدرك الركوع الثاني من صلاة الكسوف السؤال فضيلة الشيخ! أدركت صلاة الكسوف في الركوع الثاني في الركعة الأولى، فهل تحسب لي ركعة؟ الجواب في صلاة الكسوف ركعتان، وفي كل ركعة ركوعان، وإذا أدرك الركوع الأول فقد أدرك الركعة، وإن فاته الركوع الأول فاتته الركعة، وعلى هذا فلو دخل مع الإمام بعد أن رفع من الركوع الأول فاتته الركعة، فيقضيها إذا سلم الإمام، يقضيها بركوعين وسجودين.

стр. 2245

حكم المسح على الجورب إذا لبسه على جورب آخر السؤال رجل مسح على الجورب ثم لبس جورباً آخر وهو على طهارة، فهل يمسح عليه؟ الجواب إذا لبس جورباً ويمسح عليه ثم نزعه ولبس آخر نظرنا: إن كان بعد مسح الأول فإنه لا يمسح على الآخر، وأما إذا كان نزعه -أي: نزع الأول- قبل أن يمسحه بل هو على طهارته ثم غير الجورب، فهنا تبتدئ المدة من أول مسحةٍ بعد الحدث، لكن المسألة التي أردت: لو أن إنساناً لبس جورباً ومسح عليه، ثم رأى نفسه محتاجاً إلى جورب آخر فلبس الجورب الآخر على طهارة مسح الأول، فهنا لا حرج في ذلك، وتبتدئ المدة من مسح الأول لا من مسح الثاني.
следующие страницы →