← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

حكم أخذ الأجرة على الأذان لمن لا يؤذن فضيلة الشيخ! بعض المساجد مسجلة في الأوقاف ولا تؤدى الصلاة فيها، ولكن مؤذن المسجد ساكن في مكان آخر، ويقوم بتنظيف المسجد فقط ولا يؤذن فيه ووظيفته مؤذن، فما حكم الراتب الذي يستلمه مع علم الأوقاف بذلك؟ الواجب على المؤذن إذا كانت وظيفته الأذان أن يؤذن بنفسه، ولا يحل له أن يوكل غيره ويأخذ الراتب، إلا في بعض الأحيان لو غاب لنزهة يوماً من الشهر أو ما أشبه ذلك مما جرت العادة به فلا بأس، وأما أن يكون منزله بعيداً ويقول: أنا سأقيم من يؤذن وآخذ الراتب فهذا لا يجوز، حتى لو قدر أن مدير الأوقاف المباشر وافق على ذلك فإنه لا يجوز، لأنك لو رجعت إلى ديوان الخدمة أو ديوان الموظفين لرأيتهم يقولون: لا يجوز ولا نسمح بهذا. السائل: لكن لا يوجد جماعة في المسجد نفسه؟ الشيخ: كيف لا توجد جماعة؟ السائل: يعني لا توجد جماعة في المسجد لأنه قديم والبيوت حوله قديمة. الشيخ: لكن إذا كان قديماً لماذا لا يعمر على وجه يكون فيه جماعة، أو يلغى ويلغى التأذين وغيره؟ السائل: لكن هل راتبه جائز؟ الشيخ: لا، لا يجوز أبداً، لا يجوز أن يأخذ الراتب، بل الواجب أن يذهب إلى الجهة المسئولة ويعلن استقالته ويدع المسجد. السائل: لكن هل يكون عليه إثم في الماضي قبل العلم؟ الجواب: من الورع أن يردها إليهم، فإن لم يمكن ذلك صرفها في مصالح المساجد.

стр. 2242

عدم مشروعية السنة القبلية للجمعة والرد على من قال بها فضيلة الشيخ! أحد المشايخ استدل بحديث: (بين كل أذانين صلاة) على مشروعية سنة الجمعة القبلية، فهل هذا الاستدلال صحيح؟ وما توجيهكم في موضوع سنة الجمعة القبلية؟ جزاكم الله خيراً. لا شك أن قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بين كل أذانين صلاة) أنه يدل على مشروعية الصلاة بين الأذان والإقامة في كل صلاة، ومعلوم أن الفجر فيه راتبة، والظهر فيه راتبة، والمغرب أيضاً جاء الحديث بالنص عليها: (صلوا قبل المغرب، وكررها ثلاثاً، وقال في الثالثة: لمن شاء) العشاء والعصر لم يرد فيهما شيء بخصوصهما ولكن يدخلان في العموم: (بين كل أذانين صلاة) ، أما الأذان الذي في الجمعة فهذا لا يصح الاستدلال به؛ لأن الأذان المعروف في عهد الرسول ﵊ هو الأذان الذي يكون عند دخول الإمام، وبعد دخول الإمام ليس هناك صلاة؛ لأن الإمام سيقوم ويخطب ويستمع الناس له، ولم يكن الصحابة يصلون، أما الأذان الأول الذي يكون قبل الأذان الثاني بوقت، فلا حرج أن الإنسان يقوم ويتنفل إلى أن يقرب مجيء الإمام أو إلى أن يجيء الإمام على رأي من يرى أنه لا نهى عن الصلاة يوم الجمعة عند زوال الشمس.

стр. 2243

الرد على مقولة ابن الجوزي (كبقاء الرحمن) فضيلة الشيخ! ما رأيكم في قول ابن الجوزي في مقدمة كتابه تنبيه النائل الغمر لاستغلال مواسم العمر: وهذا العمر اليسير اشترى به الخلود الدائم في الجنان والبقاء الذي لا ينقطع كبقاء الرحمن؟ أما كون النعيم لا ينقطع فهذا واضح، فالقرآن مملوء بأن أهل الجنة خالدين فيها أبداً، وأما قوله: كبقاء الرحمن فلا أدري هل هذه الكلمة ثابتة في كلام ابن الجوزي وعلى كل حال ابن الجوزي ﵀ ليس بذاك الذي يعتمد عليه في مسائل الصفات، لكن هذه الكلمة منكرة: كبقاء الرحمن؛ لأنه ينافي قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل قول الله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] فقد قال النبي ﵊: (الآخر الذي ليس بعده شيء) وإذا قلنا: أن هذه تبقى كبقاء الرحمن، صار معناه مساو للرحمن في البقاء، وهذا لا يصح، فالمهم هذه الكلمة منكرة، وعلق على الكتاب الذي عندك بأن هذه الكلمة منكرة، تنافي قول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وقول الرسول ﵊: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) .

стр. 2244

حكم الزير الذي يضرب عليه وحكم اللعب بالبنادق والهجاء بالقصائد فضيلة الشيخ! في بعض القبائل عندها عادات مثلاً في وقت الأعياد، تأتي مجموعة منهم بقصيدة ثم ينزل مجموعة منهم حول الزير، يأتون بهذا الزير: وهو عبارة عن قدر من النحاس مغطى بجلد من جلد الإبل ويوقد تحت النار حتى يسخن ثم يضربون عليه، فيطلع مجموعة يحملون البنادق ويطوفون حوله ثم يرمون، ثم تأتي مجموعة ثانية وهكذا، فذهبنا للقبائل ونصحناهم فقالوا: نريد دليلاً من أحد العلماء مفصلاً؛ ونحن مستعدون معكم أن نمنع هذا الشيء؟ جزاهم الله خيراً، أما مسألة الزير فلا يجوز، الزير لا يجوز استعماله؛ لأنه من آلات اللهو التي لم يرد استثناؤها في السنة، وأما اللعب بالبنادق فلا بأس به، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقر الحبشة عندما كانوا يلعبون بحرابهم في المسجد، وقال: (ليعلموا أن في ديننا فسحة) ولكن يرخص في أيام الأعياد ما لا يرخص في غيرها، أيام الأعياد أيام سرور وأيام فرح فلا بأس أن يعمل الناس هكذا، ويظهروا القوة والنشاط ويلعبون بالبنادق والسيوف بشرط ألا يكون هناك خطر، فلا يجوز التعرض للخطر. السائل: القصائد ما حكمها؟ الشيخ: القصائد ليس فيها شيء، ماذا يقولون؟ السائل: يهجو بعضهم بضعاً. الشيخ: أما إذا كان يهجو بعضهم بعضاً فهذا لا يجوز؛ لأن هذا داخل في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (سباب المسلم فسوق) ، وإن كان الغالب أن بعضهم يهجو بعضاً على سبيل المزح، لكن رب كلمة تكون مزحاً وتكون عند آخرين جداً، يمكن الشخص هذا يذم هذا الشخص مازحاً لكن تؤخذ هذه الكلمة ولو في الأجيال القادمة على أنها جد. السائل: يقفزون بالبنادق؟ الشيخ: ليس فيها مانع، يعني: لو كانوا يقفزون؛ لأن هذا يدل على القوة وعلى النشاط.

стр. 2245

معنى قول المصلي في دعاء الاستفتاح: (وتعالى جدك) فضيلة الشيخ! في دعاء الاستفتاح قول: (وتعالى جدك) ما معنى: (وتعالى جدك) ؟ الجد هنا بمعنى الغنى والعظمة، فالمعنى: أنك -يا رب- قد تعالت عظمتك وغناك عن خلقك فلا حاجة بك إلى أحد، وأنت الذي تتفضل بفضلك على كل أحد، وليس المراد بالجد: أبا الأب أو أبا الأم؛ لأن الله لم يلد ولم يولد.

стр. 2246

حكم إغلاق مكبر الصوت عند الإقامة فضيلة الشيخ! بعض المؤذنين يطفئون جهاز تكبير الصوت عند الإقامة والصلاة في الداخل والخارج؟ الشيخ: ولماذا يطفئه؟ مداخلة: يطفئه لا يشغله إلا في الأذان فقط. الشيخ: هذا لا بأس به هذا وقد يكون خيراً، يعني كون مكبر الصوت لا يستعمل إلا عند الأذان هذا هو الأحسن، لكن إذا استعمل في الإقامة فلا بأس، أما إذا استعمل في الصلاة فلا؛ لأن استعماله في الصلاة يؤدي إلى التشويش على من كان قريباً من المسجد. السائل: ولو كان الداخلي يا شيخ؟! الشيخ: حتى الداخلي ليس له داع، ما دام المسجد ليس كبيراً وليس فيه جماعات كثيرة ويسمعون الإمام سماعاً محققاً ما الفائدة؟ السائل: لكن بعضهم ما يسمع صوته. الشيخ: إذا كان المسجد واسعاً أو الجماعات كثيرة يحتاجون إلى إسماع الصوت فلا بأس.

стр. 2247

حكم استخدام بطائق (الفيزا كارد) البنكية عند التعامل فضيلة الشيخ! نسأل بالنسبة لبعض البنوك التي تصدر بطاقات مثل (الفيزا كارد) ولعل هذه فكرتها واضحة، يعني: ممكن المستهلك بدل ما يتعامل مع المحلات بالقيمة النقدية، فإنه يقدم هذه البطاقة ويسحب البضاعة المطلوبة ثم يستوفي هذا المبلغ عن طريق البنك المتعامل معه العميل؛ لأنه الشرط والعقد من البداية بين العميل وبين البنك على أنه إذا تأخر عن السداد إلى فترة معينة يترتب عليه فوائد؟ يعني: يأخذ بطاقة من البنك، وإذا اشترى حاجات عرضها على الذي اشترى منهم هذه الحاجات، وحولهم على البنك والبنك يسدد عنه، لكن إن أوفى البنك في مدة معينة فليس عليه إلا ما استقرض فقط، وإن تأخر لزم أن يكون عليه إضافة. أقول: إن هذا حرام؛ لأن مجرد التزام الإنسان بالربا محرم، سواء حصل الربا أو لم يحصل، وهذا الرجل يقول: إني جازم من نفسي أني سأوفي قبل الأجل، فنقول: نعم أنت جازم لكن هل أنت متأكد؟ قد يضيع المال من بين يديك، وقد يسرق، وقد تموت، ما أنت بجازم، والله يقول: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] ، ثم إن مجرد التزامك أنه إذا تمت المدة أن يضاف إليك زيادة فإن هذا الالتزام التزام بالربا، والالتزام بالربا حرام، لذلك نرى أن هذه حرام، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعامل بها، ولكن إذا كان له رصيد في البنك وقبل البائع التحول إلى البنك فليفعل والأمر سهل، لأنه ليس فيه إلا أن يحمل دفتر شيكات ويكتب للبائعين عليه.

стр. 2248

الذبح للضيوف بنية دفع الملامة عن نفسه الذبح للضيوف تكريماً لهم، من الناس من إذا ذبح إنما يذبح بنية دفع الملامة أو الذم ونحو ذلك لا بقصد التقرب، وأحياناً قد يكون مجاملة، فهل يبقى هذا الذبح على الأصل، أم أنه يقال بحرمته نتيجة هذه النية؟ نتيجة هذا الذبح تبقى على الأصل؛ لأن من جملة ما يؤمر به الإنسان أن يدفع اللوم عن نفسه، لا تظن أنك إذا فعلت ما يدفع اللوم عن نفسك، أنك مخطئ بل هذا هو الصواب، ألم تعلموا أن الرسول ﵊ لما قام وهو معتكف وجاءته صفية ﵂ وقام يقلبها إلى بيتها ومر رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله!) أراد الرسول ﵊ أن يدفع الشر عن أنفسهما لئلا يظنا بالرسول ما لا يليق به، وقد جاء في الحديث الذي لا يحضرني الآن صحته: (رحم الله امرأ كف الغيبة عن نفسه) فلا حرج على الإنسان أن يذبح للضيف لدفع الملامة عن نفسه، لكن ينبغي له أن يضيف إلى هذا التقرب إلى الله بإكرام الضيف لأن إكرام الضيف من الإيمان بالله، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) .

стр. 2249

حكم تعليق الأبيات الشعرية التي تنهى عن التشاؤم فضيلة الشيخ! هناك بيتين من الشعر تقول: ومن تعرض للغربان يزجرها على سلامته لابد مشئوم وكل حصن وإن طالت سلامته على دعائمه لابد مهدوم فما رأي الشرع في البيتين؟ هذا صحيح، الإنسان الذي يتعرض للغربان يزجرها كما كانوا يفعلون في الجاهلية هو مشئوم، لأنه لا يجوز للإنسان أن يتعلق بمثل هذه الأمور، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا عدوى ولا طيرة) . والإنسان إذا عود نفسه التشاؤم بالطيور أو بالشهور أو بالأيام أو بالأشخاص تعب وصار قلبه متعلقاً بغير الله، يعني: مثلاً بعض العرب يتشاءمون بشهر صفر، يقول: هذا الشهر شهر شؤم، فهذا حرام هذا لا يجوز، فإن الأزمان واحدة ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] فجاء أناس آخرون قالوا: نسمي شهر صفر شهر الخير، وهذا أيضاً خطأ؛ لأن صفر شهر من الشهور لا شهر خير ولا شهر شر وهو مثل غيره. كذلك أيضاً بعض العرب يتشاءمون بشوال في النكاح، يقولون: إذا عقد الإنسان نكاحه في شوال فإنه نكاح فاشل، وكانت عائشة ﵂ تبطل هذا وتقول: (إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم تزوجها في شوال وبنى بها في شوال وأيتكن كانت أحضى عنده مني) هل صار النكاح فاشلاً أو لا؟ لا بل العكس. فالحاصل: أن يجعل الإنسان قلبه معلقاً بالله، وألا يتشاءم ولا يتطير، ولا يجعل نفسه مهينة كلما أصابه شيء قال: هذا سحر، هذا عين، كما هو الشأن الآن في كثير من الناس ذبحتهم الأوهام في الوقت الحاضر، كل شيء عين! لو يزكم أو يعطس ثلاث مرات لقال: هذه عين! لو تصيبه رعشة قال: هذا جني! ولو يكره إنسان لسباب جرى بينهما قال: هذا سحر!! هذا خطأ، فالواجب: أن الإنسان يكون عنده عزيمة وتوكل على الله، وأن يبتعد عن هذه الأمور، حتى يستريح ويريح نفسه. السائل: لكن -يا شيخ- هذان البيتان موجودان على لافتة كبيرة. الشيخ: إي نعم؛ لا تغير، هذا تحذير من التشاؤم بالطيور. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 2250

لقاء الباب المفتوح [٧٦] لقد تحدث الله في آخر سورة الليل على الهداية التي تختص بالله وهي هداية الإلهام والتوفيق، والأخرى التي يشاركه فيها البشر ألا وهي هداية الدلالة والإرشاد، ثم فوض الأمر كله إليه والملك جميعاً علويه وسفليه، وبعدها يحذر بني آدم وينذرهم بطشه وعقابه وناره التي أعدها للأشقياء وحرمها على الأتقياء الذين ينفقون في السراء والضراء.

стр. 2251

تفسير آخر سورة الليل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس والسبعون من اللقاء المعروف بلقاء الباب المفتوح، والذي يتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الخامس عشر من شهر جمادى الأولى عام (١٤١٥هـ) ، نسأل الله أن يجعل لقاءاتنا جميعاً لقاءات خير وبركة إنه على كل شيء قدير.

стр. 2252

تفسير قوله تعالى: (إن علينا للهدى) في هذا اللقاء نفتتحه بتفسير بقية سورة الليل، حيث قال الله ﵎: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٢-١٣] . فقوله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] فيه التزام من الله أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه، والمراد بالهدى هنا: هدى البيان والإرشاد، فإن الله تعالى التزم على نفسه بيان ذلك؛ حتى لا يكون للناس على الله حجة، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] إلى أن قال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] انتبهوا يا إخوان! لا يمكن للعقل البشري أن يستقل بمعرفة الهدى، ولذلك التزم الله بأن يبين الهدى للإنسان: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] . وليعلم أن الهدى نوعان: ١- هدى توفيق فهذا لا يقدر عليه إلا الله. ٢- هدى إرشاد ودلالة فهذا يكون من الله ويكون من الخلق؛ من الرسل والعلماء كما قال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] . أما هداية التوفيق فهي إلى الله، لا أحد يستطيع أن يوفق شخصاً إلى الخير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] . إذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] وجدنا أن الله تعالى بين كل شيء، بين ما يلزم الناس في العقيدة، وما يلزمهم في العبادة، وما يلزمهم في الأخلاق، وما يلزمهم في المعاملات، وما يجب عليهم اجتنابه في هذا كله، حتى قال أبو ذر ﵁: (لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً) وقال رجل من المشركين لـ سلمان الفارسي: [علمكم نبيكم حتى الخراءة؟ قال: أجل، علمنا حتى الخراءة] . يعني: حتى آداب قضاء الحاجة علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ﴾ [المائدة:٣] .

стр. 2253

تفسير قوله تعالى: (وإن لنا للآخرة والأولى) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٣] أي: لنا الآخرة والأولى، الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، لكنه في هذه الآية أخرها، فلماذا؟ نقول لفائدتين: الفائدة الأولى: معنوية، والفائدة الثانية لفظية. أما الفائدة المعنوية: فلأن الآخرة أهم من الدنيا، ولأن الآخرة يظهر فيها ملك الله تعالى تماماً، في الدنيا هناك رؤساء وملوك وأمراء يملكون ما أعطاهم الله من الملك، لكن في الآخرة لا ملك لأحد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] فلهذا قدم ذكر الآخرة من أجل هذه الفائدة المعنوية. أما الفائدة اللفظية: فيه مراعاة الفواصل أي: أواخر الآيات كلها ألف: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١-٢] فلو قال: إن لنا للأولى والآخرة اختلفت رءوس الآيات، فمن ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٣] . هنا يتبين أن الله قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٢-١٣] فما الفرق؟ الفرق أن الهدى التزم الله تعالى ببيانه وإيضاحه للخلق، أما الملك فهو لله، ملك الآخرة والأولى، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٣] .

стр. 2254

تفسير قوله تعالى: (فأنذرتكم ناراً تلظى) ثم قال : ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] (أنذرتكم) خوفتكم، والنار يعني بها نار الآخرة (تلظى) تشتعل، ولها أوصاف كثيرة في القرآن والسنة أجارني الله وإياكم منها.

стр. 2255

تفسير قوله تعالى: (لا يصلاها إلا الأشقى) قال تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَاّ الأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] أي: لا يحترق بها إلا الأشقى، أي: الذي قدرت له الشقاوة والعياذ بالله، والشقاوة ضد السعادة، لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦] ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود:١٠٨] فالمراد بالأشقى الذي لم تكتب له السعادة، هذا هو الذي يصلى النار التي تلظى، ثم بين هذا بقوله: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦] التكذيب في مقابل الخبر، والتولي في مقابل الأمر والنهي، فهذا كذب الخبر ولم يصدق، قيل له: إنك سوف تبعث، قال: لا أبعث، قيل: في جنة ونار، قال: ما في جنة ونار، قيل: سيكون كذا وكذا، قال: لا يكون، هذا تكذيب، (تولى) أي: أعرض عن طاعة الله وأعرض عما جاءت به رسله، فهذا هو الأشقى، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشقاوة.

стр. 2256

تفسير قوله تعالى: (وسيجنبها الأتقى) قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] أي: يجنب هذه النار التي تلظى الأتقى؛ والأتقى: اسم تفضيل من التقوى، أي: الذي اتقى الله تعالى حق تقاته.

стр. 2257

تفسير قوله تعالى: (الذي يؤتي ماله يتزكى) قال تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] أي: يعطي ماله من يستحقه على وجه يتزكى به، أي: يتطهر به، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٣] فقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] يفيد أنه لا يبذر، ولا يبخل، وإنما يؤتي المال على وجه يكون به التزكية، وضابط ذلك ما ذكره الله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] ونجد بعض الناس يعطيه الله مالاً ولكن يبخل ويقتر، حتى الواجب عليه لزوجته وأولاده وأقاربه لا يقوم به، ونرى بعض الناس قد قدر الله عليه الرزق، وضيق عليه بعض الشيء، ومع ذلك يذهب يتدين من الناس من أجل أن يكمل بيته حتى يكون مثل بيت فلان وفلان، أو من أجل أن يشتري سيارة فخمة كسيارة فلان وفلان، وكلا المنهجين والطريقين منهج باطل، الأول: قصر، والثاني: أفرط، والواجب على الإنسان أن يكون إنفاقه بحسب حاله ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] . فإن قال قائل: هل يجوز أن يتدين الإنسان ليتصدق؟ لا؛ لأن الصدقة تطوع، والتزام الدين خطر عظيم؛ لأن الدين ليس بالأمر الهين، الإنسان إذا مات فإن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وكثير من الورثة لا يهتم بدين الميت، تجده يتأخر يماطل وربما لا يوفيه نسأل الله السلامة، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قدمت إليه جنازة سأل: هل عليه دين له وفاء؟ فإن قالوا: لا قال: صلوا على صاحبكم ولم يصل عليه، وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، فالدين أمره عظيم، لا يجوز للإنسان أن يتهاون به.

стр. 2258

تفسير قوله تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] أي: أنه لا يعطي المال مكافأة على نعمة سابقة من شخص، ليس لأحد عليه فضل حتى يعطيه مكافأة، ولكنه يعطي ابتغاء وجه الله، ولهذا قال: ﴿إِلَاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] فهو لا ينفق إلا طلب وجه الله، أي: طلب الوصول إلى دار كرامة الله التي يكون بها رؤية الله .

стр. 2259

تفسير قوله تعالى: (ولسوف يرضى) قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١] أي: سوف يرضيه الله بما يعطيه من الثواب الكثير، وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] . نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء البررة الأطهار الكرام إنه على كل شيء قدير.

стр. 2260

الأسئلة

стр. 2261

الانتقال من مكان إلى آخر في الصلاة لحاجة فضيلة الشيخ: إذا وقفت في صلاة الجماعة وكان الذي بجواري تنبعث منه رائحة الدخان فهل يمكنني أن أغير مكاني بعد تكبيرة الإحرام وأقف في مكان آخر إذا تضايقت من هذه الرائحة؟ إذا صف إلى جنب إنسان تنبعث من فيه رائحة كريهة من دخان أو بصل أو ثوم أو عرق أو غير ذلك، وكان يشق عليه أن يؤدي الصلاة على الوجه الأكمل فله أن يخرج من صلاته ويذهب إلى مكان آخر، ولكن بعد بيان هذا الحكم نقول لكل من فيه رائحة كريهة: إنه لا يحل له أن يأتي إلى المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، نهى من أكل بصلاً أو ثوماً أو كراثاً أو غيرها مما له رائحة كريهة أن يأتي إلى المسجد، بل قال: (لا يقربن مساجدنا) وأخبر أن ذلك يؤذي الملائكة، وكانوا إذا أتى أحد إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد أكل بصلاً أو ثوماً أخرجوه وطردوه إلى البقيع. وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يأتي الإنسان إلى المسجد وفيه رائحة تؤذي المصلين أو الملائكة، وأن لأهل المسجد الحق في أن يخرجوه من المسجد.

стр. 2262

حكم من قتل نصرانياً خطأً مسلم قتل مسيحي خطأ علماً بأن هذا الحادث في الكويت فما الحكم؟ أولاً بارك الله فيك التعبير بمسيحي هذا تعبير حادث، تلقب به النصارى ليضفوا على دينهم أنه دين حق، نسبة إلى المسيح بن مريم، والصواب أن يقال: النصارى كما جاء في القرآن الكريم وفي سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك في كلام العلماء، فإنك إذا نظرت في كتب العلماء لم تجد إلا اليهود والنصارى، لا تجد المسيحيين، لكن هؤلاء أرادوا أن يضفوا على منهجهم وعلى ملتهم أنها ملة حق، فقالوا: المسيحيين، لذلك نحن نرى أن التعبير الصحيح أن يقال: النصارى كما سماهم الله . أما بالنسبة لجواب السؤال الذي ذكرت: فإن المسلم إذا قتل اليهودي أو النصراني فإنه لا يقاد به، أي: لا يقتل المسلم بكافر حتى ولو كان عمداً، فإذا كان خطأً لزمه الكفارة ولزمه دية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] وأنت تعلم أن دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم.

стр. 2263

من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها فضيلة الشيخ: قمت متأخراً عن صلاة الصبح ولم يبق على ظهور الشمس إلا دقيقة أو أقل، فهل أصلي الفريضة لأنها فريضة أم أبدأ بالراتبة؟ تبدأ بالراتبة؛ وذلك أن الإنسان إذا قام من النوم فوقت الصلاة في حقه عند قيامه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فأنت تقوم وتتوضأ أو تغتسل إذا لزم ذلك ثم تصلي الراتبة، ثم الفريضة.

стр. 2264

مقدار زكاة النخيل والعنب فضيلة الشيخ: ما هو مقدار الزكاة في النخيل والعنب وكم يزكي في المائة؟ زكاة النخيل والعنب إذا كان يسقى بمؤنة، أي: بالمكائن مثلاً ففيه نصف العشر، أي: (٥%) ، وإذا كان لا يسقى يشرب بعروقه أو يشرب من المطر فإن الواجب فيه العشر كاملاً، أي: (١٠%) .

стр. 2265

إذا صلى الإمام بغير طهارة فليس على المأمومين إعادة فضيلة الشيخ: إمام صلى في جماعة، فلما فرغ من صلاته أعلمهم بأنه ليس على طهارة فهل على المأمومين إعادة؟ إذا صلى الإمام بغير طهارة فليس على المأموم إعادة، الإعادة عليه هو، فإن ذكر بعد الصلاة فلا إشكال في الموضوع، وإن ذكر في أثناء الصلاة وجب عليه أن ينصرف ولا يجوز أن يتم الصلاة وهو على غير وضوء، ثم في هذه الحال إما أن يوكل شخصاً من الذين وراءه يقول: يا فلان أكمل بهم الصلاة، وإما أن ينصرف ولا يوكل، ثم الجماعة بعده إن شاءوا أتموا صلاتهم فرادى، وإن شاءوا قدموا واحداً وصلى بهم جماعة.

стр. 2266

السنة عدم تسلسل صلاة الجماعة فضيلة الشيخ: إذا دخل شخصان المسجد، وتبين لهما أن هذه الركعة هي الأخيرة، فاتفقا على أن أحدهم يصلي بالآخر ولكن يدخلان مع الجماعة، فهل هذا الفعل جائز؟ الشيخ: يعني: دخل المسجد رجلان وكان الإمام في الركعة الأخيرة، فاتفقا على أنهما بعد السلام يتمان الصلاة جماعة هكذا السؤال؟ السائل: نعم وأحدهما يكون إماماً؟ الشيخ: نعم أحدهما يكون إماماً والثاني مأموماً. هذا جائز ولا بأس به، وحينئذ ينتقل المأموم الذي كان مأموماً في الصلاة الأولى إلى إمام، أي: إلى كونه إماماً، وينتقل المأموم الثاني من إمام إلى إمام آخر، لكن هذا ليس من السنة، السنة أن كل شخص يقضي صلاته بمفرده.

стр. 2267

حقوق المسلم على المسلم الأصل فيها الوجوب إلا ما دل الدليل على سنيتها فضيلة الشيخ: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (حق المسلم على المسلم ست) ما معنى: (حق المسلم على المسلم ست) وهل هي واجبة أم سنة؟ الأصل إذا قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: حق المسلم على المسلم كذا، الأصل أنه واجب، لأن الحقوق لا بد من القيام بها، وكلمة: (على) قال العلماء: إنها تفيد الوجوب، لكن إذا وجدت قرينة تدل على أنه ليس بواجب عمل بها، فمثلاً: من جملة الحقوق إذا لقيته فسلم عليه، وابتداء السلام سنة ليس بواجب إلا ما جاوز الثلاثة أيام فيجب، وذلك أنه يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فيما دون ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فإنه لا يحل له، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) ومع ذلك نقول: إن هجره في هذه الأيام الثلاثة لا ينبغي إلا إذا كان هناك مصلحة، كما لو كان هذا المهجور على معصية، ويكون في هجره وترك السلام عليه ترك لهذه المعصية فحينئذ يكون الهجر طيباً. والخلاصة في الجواب أن نقول: إذا جاءت الصيغة بهذا اللفظ: (حق المسلم على المسلم) كذا فالأصل فيها الوجوب إلا إذا دل الدليل على أنه يستحب.

стр. 2268

أسباب سجن وتعذيب الإمام أحمد فضيلة الشيخ: ما رأيك فيما يقال عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه لم يسجن ولم يعذب من أجل أن يقول: بأن القرآن مخلوق فقط، وإنما للمكانة العظيمة التي كانت له عند العامة؟ أرى أن هذا خلاف الظاهر، والظاهر أنه إنما سجن لأنه لم يقل: بأن القرآن مخلوق، ولو قاله لم يسجن، لكنه ﵀ لم يقل ذلك مع أنه هدد بالقتل؛ لأنه لو قال ذلك لانقلبت الأمة كلها تقول: بأن القرآن مخلوق، ولكنه صبر فصار صبره هذا من باب الجهاد في سبيل الله، ومثل هؤلاء الأئمة إذا صبروا على كلمة الحق فإنما يتقربون بذلك إلى الله، ويرجون ثواب الله تعالى فيما نالهم من الأذى.

стр. 2269

جواز قضاء السنن الرواتب إذا شغل عنها لعذر فضيلة الشيخ: تعلمون حديث الرسول ﷺ : (أن من صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة) من غير الفريضة، فقد يكون بعض طلبة العلم عندهم دروس بعد صلاة الظهر ولكن يؤذن وهم يتأخرون في الجامعة، ولا يدركون المسجد إلا وقت الفريضة، فهل يكتب ما كانوا يصلون قبل اثنتي عشرة ركعة أو نقول: هذه نافلة وطلب العلم فريضة بارك الله فيكم؟ الظاهر لي: أنهم إذا كانوا لا يتمكنون من صلاة الراتبة قبل الظهر فإن قضاءها بعد ذلك يغني عن أدائها، لأنهم تركوا أداءها لعذر وهو انشغالهم بالدروس، ولا يمكنهم أن يخرجوا أيضاً قبل انتهاء وقتهم، نعم وقت الحصة، فأرى أن هؤلاء معذورون، وأنهم إذا أتوا بالراتبة التي قبل الظهر بعد الظهر كفى، لكن أيهما يقدم الركعتان اللتان بعد الظهر أو الأربع المراد قضاؤها؟ الجواب: يقدم الركعتان اللتان بعد الصلاة ثم يأتي بالأربع. السائل: هل يجوز أن يقضيها بعد العصر؟ الشيخ: بعد العصر لا يجوز قضاؤها، لأنه يمكن أن يقضيها بعد المغرب مثلاً، فنقول: يقضيها بعد الظهر أفضل أولاً: أنه فيه مسارعة للخير وثانياً: أنه أسهل على الإنسان في الغالب، وثالثاً: أنه لو أخر لكان عرضة للنسيان.

стр. 2270

إذا اجتمعت منكرات في شخص فالإنكار يكون أولاً بالأشد إثماً فضيلة الشيخ: إذا رأيت رجلاً متلبساً بعدة منكرات، كأن يكون حليقاً، ويشرب الدخان، ومسبلاً لثيابه، فأي هذه المنكرات أولى وأحق بالإنكار؟ يمكن أن يجمع بين الجميع؟ السائل: لا يتوافق ذلك. الشيخ: لماذا؟ السائل: صعب لتقبل النفس. الشيخ: أيهما أعظم إثماً؟ الإسبال أعظمها؛ لأن الإسبال من كبائر الذنوب، ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ولا يكلمه وله عذاب أليم، فيكون البدء بنهيه عن إسبال الثوب أولى لأنه أعظم، ثم حلق اللحية، ثم الدخان، لأن هذه المنكرات أهونها الدخان. السائل: يا شيخ يدخن حال الإنكار، وجدته في الطريق يدخن هل أنكر عليه؟ الشيخ: الذي فهمت من كلامك أن رجلاً متصف بهذه الصفات، يعني: أنه حالق لحيته، ومسبل ثوبه، ويشرب الدخان. السائل: متلبس في هذه الحالة يشرب الدخان؟ الشيخ: هو يدخن الآن ولحيته موجودة أو غير موجودة؟ السائل: لا غير موجودة. الشيخ: طيب حليق وثوبه مسبل إذاً ابدأ بالثوب. السائل: وأتركه يدخن يا شيخ؟ الشيخ: لا ما تتركه نهائياً، أنت تقول: إن الجمع بين الثلاث صعب عليه، فنحن نقول: ابدأ بالأشد؛ لأن الدخان بارك الله فيك يريد أن يشرب هذه (السيجارة) وينتهي لكن الثوب لا يزال مستمراً فيه، ثم هو أعظم، جر الثوب خيلاء أعظم من شرب الدخان.

стр. 2271

بعض أسباب قسوة القلب فضيلة الشيخ: ما هي أسباب قسوة القلب؟ هل كثرة الطعام والنوم من أسباب قسوة القلب؟ قسوة القلب أسبابها كثيرة، منها: الإعراض عن ذكر الله، وكون الإنسان لا يذكر الله إلا قليلاً، تجده حتى في الصلاة المفروضة لا يذكر الله بقلبه، يقرأ، ويركع، ويسجد، ويسبح، ويدعو والقلب غافل، هذه من أسباب القسوة. من أسباب قسوة القلب أيضاً: كثرة المزاح واللعب والتلهي بالأصدقاء والأهل، ولهذا قال بعض الصحابة للنبي ﵊: (إننا إذا كنا عندك فإننا نخشع حتى كأننا نشاهد الجنة والنار، وإذا ذهبنا فعافسنا الأهل والأولاد نسينا، قال: ساعة وساعة) . ومن أسباب قسوة القلب أيضاً: الانكباب على الدنيا وتفضيلها على الآخرة، وألا يكون هم الإنسان إلا جمع المال، ولها أسباب كثيرة. فلهذا ينبغي للإنسان إذا رأى من قلبه قسوة أن يبادر بالعلاج، قبل أن يتحجر ويعجز عن علاجه. السائل: الطعام؟ الشيخ: قد يكون هذا من أسباب قسوة القلب؛ لأن الإنسان لا يكون له هم إلا بطنه وقد لا يكون، أحياناً يشبع الإنسان ولا يجد من نفسه قسوة قلب.

стр. 2272

حكم الصور والاحتفاظ بها للذكرى فضيلة الشيخ: ما حكم الصور والاحتفاظ بها للذكرى؟ التصوير للذكرى نرى أنه حرام، وكذلك اقتناء الصور للذكرى حرام، وأما التصوير لحاجة فلا بأس به، وكذلك الاحتفاظ به للحاجة لا بأس به.

стр. 2273

الضابط المعتبر في حق النساء العجائز لكشف وجوههن فضيلة الشيخ: ذكر الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور:٦٠] ونرى أن النساء يخرجن، لكن ما هو الضابط للقواعد من النساء؟ ذكر الله تعالى في كتابه العزيز القواعد من النساء، وبين ذلك في قوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ [النور:٦٠] أي: لا ترجو أن أحداً يتقدم إليها ليتزوجها لماذا؟ لأنها كبيرة في السن، متغيرة الملامح، لا يريدها أحد، هذه هي القواعد من النساء، فمثل هذه لا حرج عليها أن تخرج ووجهها وكفيها وقدميها، لأنها لا تتعلق بها النفوس ولا يحصل بها الفتنة. السائل: يعني القواعد بعضهن لديها زوج وهي معه ولكنها تخرج كاشفة وجهها وخارجة كفيها أيضاً؟ الشيخ: الكلام هل إنها ترجو النكاح لو لم يكن معها زوج؟ السائل: هذا لا نعلمه يا شيخ. الشيخ: تذكر هذه القاعدة الذين لا يرجون نكاحاً ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ [النور:٦٠] .

стр. 2274

الاختلاف في العملة يشترط فيه التقابض دون التماثل فضيلة الشيخ: ما حكم استبدال تسعة ريالات أو عشرة ريالات بتسعة نقود معدنية، هل يدخل في باب الربا؟ استبدال عشرة ريالات بتسعة ريالات من الحديد لا بأس به، لكن بشرط التقابض قبل التفرق، لأن هذا داخل في عموم الحديث: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يداً بيد) ولأن تقدير هذه الورقة بعشرة ريالات إنما هو من قبل الحكومة ليس تقديراً ذاتياً، هذه الورقة لو لم تقدر من قبل الحكومة بهذه الدراهم ما ساوت شيئاً، فعلى كل حال الجواب: أن هذا جائز بشرط التقابض قبل التفرق وليس فيه ربا.

стр. 2275

الفرق بين الإسلام والإيمان فضيلة الشيخ: توجد قاعدة عند العلماء: أن كل مؤمن مصلح وليس العكس، هل هذه القاعدة على إطلاقها؟ بارك الله فيك، الإسلام والإيمان تارة يراد بالإسلام كل الدين فيدخل فيه الإيمان، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فهذا يشمل الإسلام الذي هو الشرائع الظاهرة والإيمان الذي هو أعمال القلوب وأقوال القلوب، وكذلك إذا أطلق الإيمان مثل قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٢٣] يشمل حتى المسلمين، أما إذا قيل: مؤمن ومسلم، فالإيمان في القلب، والإسلام في الجوارح، والإيمان أكمل من الإسلام، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ويدل عليه أيضاً قول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] لأن الله أنجى لوطاً وأهله إلا امرأته، وكانت امرأته معه في البيت مسلمة ظاهرها أنها مؤمنة بالله ورسوله لكنها تبطن الكفر، فسمى الله البيت بيت إسلام، سمى الله أهله مسلمين كلهم، ولكنه لم ينج منه إلا المؤمن، لأن امرأة لوط كما ذكر الله في القرآن قد خانته فكفرت كفراً لم يعلم به، فصارت بذلك من المنافقين. وعلى هذا فنقول: كل مؤمن مسلم دون عكس، وليس كل مسلم مؤمن؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] . السائل: قد يكون المسلم ليس عنده إيمان؟ الشيخ: لا لكن إيمانه ضعيف، المؤمن إيمانه كامل، فصار الآن لو سألنا: هل كل مؤمن مسلم؟ نقول: إذا أطلق الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا اطلق الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا أطلقا جميعاً فهذا الفرق.

стр. 2276

حكم تحية المسجد لمن خرج منه بنية الرجوع فضيلة الشيخ: نرى بعض الإخوة يصلون معك المغرب وبعد الصلاة يحصل توزيع الأوراق خارج المسجد فإذا خرجوا يعودون إلى المسجد فهل في هذه الحالة يصلون تحية المسجد أم لا يصلون؟ لا يصلون تحية المسجد هؤلاء الذين يخرجون من المسجد لأخذ الأوراق التي هي قريبة من المسجد ثم يرجعون ليس عليهم تحية مسجد، كما لو خرج إنسان يتوضأ من حمام المسجد وهو قريب، ثم رجع، فإنه لا يحتاج إلى تحية المسجد.

стр. 2277

وجه قياس التصوير الفوتوغرافي على الصورة في المرآة فضيلة الشيخ: ما قولكم فيمن يقول: التصوير بالكاميرا ليس فيه مضاهاة لخلق الله وإنما هو كالنظر في المرآة؟ نقول في هذا: إنه قول له وجه، وذلك لأن المصور لا يخطط بيده لا العين ولا الأنف ولا الفم ولا غير ذلك، فهو كالمرآة، لكن الفرق أن المرآة لا تنطبع، وهذا ينطبع، لكن هذا الذي انطبع نعتبره صورة، واقتناء الصور لغير حاجة وضرورة محرم.

стр. 2278

كيفية رفع اليدين والجلوس والتورك للمأموم المسبوق فضيلة الشيخ: قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فما فاتكم فأتموا) كيف يكون وضع المأموم من ناحية رفع اليدين والجلوس، والتورك أقصد المسبوق؟ المسبوق يتورك في التشهد الأخير، وأما رفع اليدين فسوف يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام في التشهد الأول، أما عند تكبيرة الإحرام فقد مضت وانتهت قد كبر من قبل. السائل: لكن إذا لم يدرك الركعة الأولى؟ الشيخ: هو أدرك الركعة الأولى؟ السائل: لا، مسبوق بالركعة الأولى والركعة الثانية. الشيخ: سبق بالركعة الأولى ثم لما سلم الإمام قام يقرأ، يرفع يديه عند القيام؛ لأنه قام من التشهد، وباقي الصلاة يبني على أن ما أدركه مع الإمام فهو الأول، وما يقضيه فهو الأخير، وهذا القول الذي قلت لك هو الصحيح، يقول بعض العلماء: لا يقضيه فهو أول صلاته، ولكن القول الراجح أنه آخر الصلاة.

стр. 2279

أهم الأسباب الطاردة للوسواس أثناء الصلاة ما هي الأسباب المساعدة على طرد الوسواس أثناء الصلاة؟ من أكبر الأسباب وأنفعها ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (يتفل عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإذا فعل ذلك أذهب الله عنه ما يجد) لكن إذا كان الإنسان يصلي مع الجماعة فالتفل عن يساره أو يمينه متعذر وأمامه أيضاً متعذر؛ لأنه لا يجوز للمصلي أن يبصق أمام وجهه، ولكن نقول في هذه الحال: يلتفت ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا يبصق.

стр. 2280

بطلان قاعدة من يرتكب المعاصي ويقول: الدين يسر س فضيلة الشيخ: بالنسبة لكثير من عامة الناس يعملون أخطاء، فإذا قيل لهم: لماذا هذا؟ قالوا: إن الدين يسر، ما معنى يسر؟ أهم شيء ألا تشرك بالله شيئاً والباقي سهل؟ هذا القول خطأ، أي: كون الإنسان يقول: أنا سأفعل كل شيء ما دمت موحداً، والدين يسر، نقول: إذا لم تقم بالدين أين الدين الذي عندك حتى تقول: الدين يسر، ومعنى الدين يسر: أن ما جعله الله ديناً للعباد ليس فيه مشقة، الصلاة ما فيها مشقة، الوضوء ما فيه مشقة، الغسل ما فيه مشقة، وإذا قدر أن هناك مشقة ينتقل الإنسان إلى مرتبة أخرى، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) هذا الذي نقول: الدين يسر، أما أن يترك بعض الواجبات وينتهك بعض المحرمات ويقول: الدين يسر فهذا خطأ؛ لأننا نقول: ما فعلته ليس بدين أصلاً.
следующие страницы →