Полный текст (6 569 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
وجوب العدل بين الزوجات
رجل متزوج اثنتين الأولى أرجعها بلادها وتركها وما وراءها من ستة عشر سنة فهل له أن يطلقها أو يتركها على ذمته؟
أولاً: أقول لهذا الزوج: لا يحل له أن يجور في القسم بين الزوجات، يجب أن يعدل بينهن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) فإن كانت هي التي نشزت، يعني هي التي تقول: أذهب إلى أهلي ولا أبقى عندك، فليس لها حق على زوجها وهي آثمة ويجب عليها أن ترجع إلى زوجها.
فصار الحكم إن كان الزوج يجور بينها وبين ضرتها الجديدة؛ فهو آثم ولها حق أن تبتعد عنه، وإن كان قائماً بالواجب؛ فليس لها الحق أن تبتعد عنه وعليها أن ترجع إلى بيتها.
السائل: لكن هل له أن يطلقها؟ الشيخ: إذا شاء طلقها فلا بأس له أن يطلقها.
стр. 5987
حكم بناء عمارة من قرض ربوي
الوالد رجل عامي كان عنده أرض وكان يبنيها بالليل عنده رصيد بناء، وعند قدوم التدوين قام ببيع البيت بدون فلوس على الورق فقط لابنة زوجته التي هي ابنته في الجنسية، وذلك لكي يستفيد من البيت الحكومي حيث أنه لا يجوز أن يكون هناك بيت حكومي وتدوين -والكلام هذا في دولة الكويت - وعندما تم تدوين البيت أخذ الفلوس واشترى أرضاً، والباقي من الفلوس زاد عليها قرضاً من البنك ربوياً وقام ببناء عمارة وهي الآن تدر دخلاً وهذا الكلام منذ عشر سنوات فما هو الحكم وكيف الحل جزاك الله خيراً؟ الشيخ: هذا رأيي فيه أن الرجل يأتي إلي وأتفاهم أنا وإياه ثم ينظر الجواب.
السائل: يا شيخ هو رجل عامي.
الشيخ: ما ينفع دع العامي يجيء وننظر في الموضوع.
السائل: هو مثل ما قلت لك يا شيخ.
الشيخ: ليس هناك فتوى إلا له، يجيء السائل: هو ليس مهتماً بالموضوع أنا المهتم وأنا ابنه.
الشيخ: إذا لم يهتم فإن كان هناك إثم فالإثم عليه السائل: وهل يحق لي أن آخذ فلوساً هو يعطيني إياها؟ الشيخ: إذا كانت هذه الفلوس من قيمة الأرض التي باعها لا تأخذ منها حتى يفتى.
стр. 5988
حكم استخدام الجن واستدعائهم لأعمال خفية
هناك عمل يفعله بعض الشباب وصغار السن وهو أن يأتي أربعة أشخاص في مكان لا يذكر فيه اسم الله ويجلسون أحد الطلاب بينهم، أو يكون نائماً وهم واقفون ثم يقولون كلاماً نصه: بالمغسلة غسلوه، وبالمقبرة أدخلوه، ومن المقبرة أخرجوه يا الله يا شياطين، ويغطون وجهه ثم يحملونه جميعاً فيرتفع عالياً بخفة، فإذا تحدث أحدهم بكلام فيه ذكر الله؛ وقع ذلك المحمول وهذه الطريقة تفعل في بعض المدارس وقت الفسح أو في أماكن مظلمة فما رأيكم في هذا الفعل؟ وما هو توجيهكم لمن يفعل ذلك؟
أنا رأيي أن هذا منكر عظيم؛ لأنهم يدعون الشياطين، والواجب أن يرفع هذا إلى ولي الأمر أو إلى وزارة الداخلية أو من فوقها حتى يؤدبوا هؤلاء، لا بد أن ترفع الأمر فقط تأكد من الموضوع وخذ إثباتات حتى لا ينكروا؛ لأن هؤلاء يدعون الشياطين دعاء واضحاً ويؤدون إلى الخطر والموت.
стр. 5989
ضابط التيمم
يخرج بعض الشباب للبر ويكون هذا البر غير بعيد لا يتجاوز عشرة كيلو مترات، فتحين وقت الصلاة فيتيممون ثم يصلون، فهل فعلهم هذا جائز وما الضابط في جواز التيمم؟
الضابط ألا يكون هناك ماء، وأن يكون طالب الماء يشق عليه، وفي ظني أن عشرة كيلو مترات لا يشق لا من جهة أن يذهبوا ويتوضئوا، ولا من جهة أن يحملوا معهم ماء في برميل أو في تنك صغير يتوضئون به.
السائل: إذاً يلزمهم أن يرجعوا يا شيخ؟ الشيخ: يلزمهم أن يذهبوا يتوضئون للعشرة كيلو وهي بالنسبة للسيارة عشر دقائق.
السائل: عشرة كيلو أو أكثر يا شيخ الشيخ: المهم إذا كان الماء قريباً لا بد أن يتوضئوا بالماء، فإما أن يحملوه وإما أن يذهبوا إليه.
стр. 5990
من عمل عملاً مباحاً هل يثاب عليه ؟
المباح إذا لم ينو الإنسان فيه الأجر يعني مستنداً في ذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) ولم يشترط فيه الرسول ﷺ امتثال الأمر فهل يثاب عليه الإنسان؟
أشار إلى هذا لما قيل: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم.
قال: وإذا وضعها في الحلال كان له أجر) وهذا إيماء من الرسول إلى أنه يفعل هذا الشيء أي: يجامع زوجته استغناءً بالحلال عن الحرام، وهذه نية طيبة لا شك، وما على الإنسان من ضرر إذا نوى هذا، أو نوى التمتع بما أحل الله له، حتى نية التمتع بما أحل الله لك نية طيبة تؤجر عليها.
السائل: والمباح عامة لا يقاس عليه.
الشيخ: لا أبداً المباح عامة لا يقاس منه إلا إذا تولد منه منفعة للغير أجر عليه.
стр. 5991
حكم الوفاء بالنذر لمن كان عاجزاً
عندي والدتي كبيرة في السن حصل لها حادث قبل سنة، وبعد ذلك نذرت وقالت: أنذر لله نذراً إن شفاني الله لأصوم شهراً كاملاً والآن هي مريضة وكبيرة في السن وفيها سكر وضغط هل تصوم الشهر أم تتصدق عنه؟ الشيخ: لا تتصدق عنه، لا بد أن تصوم ويقال لها: أنت التي نفسك، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن النذر حتى أن بعض العلماء قال: النذر حرام، نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير) وقال: (إنه لا يرد قضاءً) وصدق الرسول ﵊ لا يأتي بخير ولا يرد قضاء.
السائل: هل الله لا يشفيك إلا بشرط؟ الشيخ: لا، الله يشفي بغير شرط.
الشيخ: إذاً لماذا تشرط؟ السائل: شرطت وقالت: إن شفاني الله أصوم شهراً كاملاً.
الشيخ: أقول: هذا غلط منها، الله سيشفيها إن قدر لها الشفاء سواء نذرت أو لم تنذر، أولاً: انهها عن النذر، وانه غيرها عن النذر والذي كتبه الله سيأتي، وهي يلزمها أن تصوم شهراً الآن، بيننا وبين رمضان شهرين تبدأ إن شاء الله من أول رجب، والنهار صار قصيراً الآن والبرد الآن أقبل إلينا، وتستعين بالله وتصوم.
السائل: لكنها كبيرة الشيخ: هل هي تصوم رمضان؟ السائل: نعم تصوم رمضان.
الشيخ: إذاً هذا مثله نذر، لابد أن تصوم، إن شاءت صامت في رجب، وإن شاءت صامت في شعبان، وإن شاءت من النصف من رجب إلى النصف من شعبان.
стр. 5992
حكم من لا يحكم بشرع الله بل يحكم بحكم أجداده ويقول: إن حكم الله هو الحكم الصحيح
الحاكم المسلم الذي لا يحكم بشرع الله ولكن يقول: حكم الله هو الحكم الصحيح، ويقول: أنا أحكم بحكم أجدادي حيث أن كثيراً من طلبة العلم في الكويت اختلفوا على هذه المسألة أنه ولي أمر أو ليس ولي أمر، ومن تنصحنا من طلبة العلم أخذ العلم عنه أو الفتوى جزاك الله خيراً يا شيخ؟
هذه مسألة شائكة لا نقول فيها بشيء، ونقول: إن الواجب على كل مسلم إذا بان له حكم الله ورسوله أن يتبع حكم الله ورسوله، وألا يعدل به شيئاً، وأن يعلم أنه لا يصلح الخلق إلا رب الخلق ، فلا يصلح الخلق إلا شريعة الله، والقوانين مهما كانت إذا خالفت الشريعة فلا خير فيها، ومهما ظن فيها الإنسان من الصلاح فليس فيها صلاح، لو لم يكن فيها إلا مخالفة أمر الله ورسوله لكان كافياً في الفساد، فعلى جميع ولاة الأمور من المسلمين أن يتقوا الله فيما ولاهم الله عليه، وألا يحكموا إلا بشريعة الله، وما وافق الشريعة من الأنظمة فهو مقبول، لا لأنه نظام فلان وفلان، ولكن لأنه شريعة الله .
وأما قول: أنا لا أنصاع للشرع تبعاً لأجدادي وآبائي؟ فنقول: هذا كقول الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] فعليه أن يتقي الله.
أما بالنسبة لمن أشير عليكم فأنا لا أعرف جميع العلماء في بلادكم، ولكن هناك أناس كانوا عندنا يأخذون العلم فيهم خير وإذا سألت عنهم ستعرفهم إن شاء الله.
- من هم يا شيخ؟ - تعرفهم إذا سألت عنهم.
- نسأل عنهم في الكويت.
- اسأل في الكويت.
стр. 5993
حكم من ترك ركناً أو واجباً في الصلاة
ما الحكم إذا سها المأموم في ركن مثل التشهد الأخير، أو واجب مثل التسبيح أو قول: رب اغفر لي أو من هذه الأشياء وقد أدرك الإمام من أول ركعة هذا ما نقول عليه؟
إذا سها في ترك واجب وهو أدرك الإمام من أول الصلاة؛ فهذا يتحمل عنه الإمام سجود السهو وليس عليه شيء، وأما إذا ترك ركناً فلا بد أن يأتي بالركن، فإذا أتى بالركن فإنه يسجد السهو بعد السلام؛ لأنه لن يأتي بالركن إلا بعد سلام الإمام، التشهد الأخير مثلاً نسيه وقام هو يجلس حتى سلم الإمام، نقول: لا بد أن تقرأه الآن أولاً قراءة تامة ثم تسلم؛ لأنه هنا ما خالف الإمام إنما تأخر بعده فقط وليس عليه سجود السهو.
السائل: سلم مع الإمام؟ الشيخ: سلم مع الإمام وترك التشهد الأخير فقط؟ السائل: نعم.
الشيخ: قرأ التشهد أو ما قرأه؟ السائل: ما قرأ التشهد.
يقوم ركعة كاملة؟ الشيخ: لا، يقرأ التشهد فقط.
السائل: سلم مع الإمام.
الشيخ: إذا سلم يعود للصلاة ويتشهد ويسلم.
السائل: وإن لم يسجد سجود السهو؟ الشيخ: قلت لك: إذا كان لم يفته شيء فليس عليه سجود سهو.
السائل: وإذا تعمد ترك واجب مثلاً ولم يسجد سجود السهو.
الشيخ: إذا تعمد ترك الواجب بطلت صلاته وعليه أن يعيدها من جديد.
стр. 5994
حكم التوسل بالأنبياء والصالحين وما وجه الخلاف في ذلك
في الأسبوع الماضي نشرت إحدى المجلات الإسلامية مقالاً لأحد كتابها جاء فيه تحت عنوان قضية التوسل قالوا: أما قضية التوسل بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والأنبياء والملائكة والصالحين من عباد الله فقد ذكر الأستاذ البنا أن هذا من الأمور الخلافية بين الأئمة وأنه خلاف في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة، وليس الإمام البنا هو أول من قال بذلك، بل قال به محمد بن عبد الوهاب نفسه كما نقل في مجموع فتاويه، حيث قال في المسألة العاشرة قوله في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد: يتوسل بالنبي خاصة مع قولهم: إنه لا يستغاث بمخلوق.
فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعضٍ يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا هو قول الجمهور: إنه مكروه فلا ننكر على من فعله، فقد تضمن كلام الشيخ أن التوسل بالصالحين أو بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو موضع خلاف بين العلماء وأن الصواب هو قول الجمهور أنه مكروه، وأن هذه المسألة من مسائل الفقه، وهذا أيضاً أقره البنا فلا وجه للإنكار عليه، ولأن موضوع التوسل فقهي لا عقدي تكلمت عنه جميع كتب المذاهب الفقهية على اختلاف أحكامها فيه، ودخل في الموسوعة الفقهية باعتباره من المسائل الفروعية العملية التي تدخل في إطار البحث الفقهي.
وهناك كثيرون من المستقلين عن المذاهب قالوا بإجازة التوسل، منهم: الإمام الشوكاني وهو سلفي معروف في كتابه تحفة الذاكرين شرح الحصن الحصين، وهناك غيره من القدامى والمحدثين، ومنهم من أجاز التوسل بالنبي وحده ولم يجز التوسل بغيره من الأنبياء والصالحين كما هو رأي الإمام العز بن عبد السلام.
والخلاف في المسألة ظاهر يمكنك أن تراجعه في بحث التوسل في الموسوعة الفقهية الكويتية في الجزء الرابع عشر، وبهذا يتضح لنا سلامة ما قاله الشيخ البنا وأنا شخصياً أميل إلى ترجيح عدم التوسل بذات النبي والصالحين وأتبنى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك.
ما رأيك يا شيخ؟
التوسل بالصالحين الذي ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من الفقهاء ظاهره التوسل بذواتهم والتوسل بدعائهم وهذا ظاهر غير مراد، مرادهم التوسل بالصالحين -أي: بدعائهم- كما فعل عمر ﵁ حين قال: [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قم يا عباس فادعو الله] ولو كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جائزاً هل يمكن أن يعدل عمر ومعه الصحابة عن التوسل بالرسول إلى التوسل بـ العباس؟ لا يمكن أبداً.
ثم التوسل بذواتهم وبجاههم ما فائدته؟ ليس سبباً لإجابة الدعاء، التوسل أصله التوصل، أي: أن نتخذ من هذا الذي توسلنا به ما يوصلنا إلى مقصودنا، وذات النبي أو جاهه ليس لنا فيه منفعة، فكل ما ورد من كلام العلماء المعروفين بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمرادهم التوسل بالإيمان به أو التوسل بدعائه إن كان حياً، وكذلك التوسل بالصالحين يعني: التوسل بدعائهم، هذا هو الصحيح.
وسبحان الله! كيف يصر بعض الناس على أن يقول: هذا جائز ويورد عليه هذه المشتبهات وعنده توسل جائز ما فيه إشكال ويعدل عنه، لولا أنها فتنة، لماذا لا يقول: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا كما يقول المؤمنون، لكن بعض الناس مغرم بإثارة المسائل الخلافية.
أما هل هو عقيدة أو حكم فرعي؟ فهذه المسألة الخلاف فيها لفظي.
المهم أنه هل يجوز أم لا يجوز؟ والذي نرى أنه لا يجوز أن نتوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذاته أو بجاهه، وإنما نتوسل بالإيمان به واتباعه.
стр. 5995
حكم الكي وهل ينافي التوحيد ؟
ذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشية كتاب التوحيد من ترك الكي والاسترقاء قاصداً التوكل فهو محقق للتوحيد، ومن تركه تجلداً أو تصبراً لم يكن في التوحيد من شيء فضلاً أن يكون في تحقيقه فما قصد الشيخ في ذلك يا شيخ؟
بارك الله فيك يجب أن تعلم أن ترك المعاصي خير على كل حال، لكن هل يكون الإنسان مدركاً لما يترتب عليه من الفضل، هذا لا يمكن إلا إذا نوى ذلك لله ، ولهذا جاء في الحديث القدسي أن من هم بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة كاملة، قال في الحديث: (لأنه إنما تركها من جرائي) أي: من أجلي، فترك المعاصي خير على كل حال، لكن لا يثاب عليها إلا إذا تركها لله، وبهذه المناسبة أقول: تارك المعاصي أقسام: القسم الأول: ألا ترد على باله إطلاقاً كرجل لم يخطر بباله أن يشرب الخمر ولا أن يزني مثلاً هذا لا له ولا عليه.
القسم الثاني: من تركها عجزاً عنها مع فعل الأسباب لكنه عجز، كرجل حاول أن يزني بامرأة، ولكن عجز أن يتوصل إليها، هذا يكتب له إثم الفاعل، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه) فجعله في النار مع أنه مقتول، لكنه حريص ولكنه عجز.
القسم الثالث: أن يتركها لأنه نوى لكنه لم يفعل الأسباب، نوى أن يفعل السيئة ولكن تركها لا لله ولا لعجزه عنها، هذا أيضاً لا يثاب ولا يعاقب.
السائل: الكي بالنار هل هو حرام؟ الشيخ: لا ليس بحرام، الكي بالنار ليس حراماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه كوى سعد بن معاذ ﵁ في أكحله، وأخبر أنه إذا كان الشفاء في شيء ففي ثلاث وذكر منها الكي، لكن الذي يطلب أن يكوى هذا هو الذي يخرج من قوله: (ولا يكتوون) .
وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء، وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وإلى لقاء قادم إن شاء الله تعالى.
стр. 5996
لقاء الباب المفتوح [٢١٧]
تحدث الشيخ عن تفسير آيات من سورة الحديد والتي احتوت على عدة أمور، منها: المبادرة إلى خشوع القلب والتذلل والانقياد لذكر الله بالقلب واللسان والجوارح، وأن لا يكونوا مثل أهل الكتاب الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم لبعدهم عن زمن الرسالات، وبالإضافة إلى ذلك الأمر بالمسابقة والمسارعة إلى فعل الطاعات التي هي من أسباب المغفرة الموصلة إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمؤمنين بالله ورسله.
стр. 5997
تفسير آيات من سورة الحديد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع عشر بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس وهذا الخميس هو الخامس من شهر رجب عام (١٤٢٠هـ) .
نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدنا أن نبتدئ اللقاءات به وهو الكلام اليسير في تفسير القرآن الكريم.
стр. 5998
تفسير قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم)
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] أي: ألم يحق لهؤلاء المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تذل وتنقاد غاية الانقياد لذكر الله تعالى في القلوب واللسان والجوارح.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: القرآن الكريم وهو من ذكر الله لكنه ذكره بخصوصه لأهميته.
﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] (الذين أوتوا الكتاب من قبل) هم اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي: طال بهم الزمن ونسوا حظاً مما ذكروا به ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والعياذ بالله ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وبعضهم مستقيمون.
ففي هذه الآية الكريمة يبين الله ﵎ أنه قد حق للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولكتاب الله، وأن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ لبعدهم عن زمن الرسالات، وفي هذا إشارة إلى أن أول الأمة خيرٌ من آخرها، وأخشع قلوباً؛ وذلك لقربهم من عهد الرسالة، وقد صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .
وفي هذا التنديد التام باليهود والنصارى؛ لأنهم قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد، وفيه العدالة التامة في حكم الله ، حيث قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ، ولم يعمم، وهذا هو الواجب على من تحدث عن قومه أن يبين الواقع، لأن بعض الناس إذا رأى من قوم زيغاً في بعضهم، عمم الحكم على الجميع والواجب العدل، إن كان الأكثر هم الفاسقون قال: أكثرهم، وإن كان كثير منهم فاسقون دون الأكثر عبر بكثير، على حسب ما يقتضيه الحال، لأن الواجب أن يقول الإنسان بالعدل ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين.
стр. 5999
تفسير قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم)
ثم قال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] أمر بالمسابقة، وقد جاء الأمر في آية أخرى بالمسارعة فيجمع الإنسان بين المسابقة: وهي شدة العدو في حال السير، وبين المسارعة: وهي المبادرة إلى فعل الخير.
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وذلك بفعل أسباب المغفرة.
ومن أسباب المغفرة: أن تسأل الله المغفرة، فتقول: اللهم اغفر لي، أو تقول: أستغفر الله وأتوب إليه.
ومن أسباب المغفرة: فعل ما تكون به المغفرة، كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنب) وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
وكقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) والأمثلة على هذا كثيرة، المهم أن المسابقة إلى المغفرة أي: ما تحصل به المغفرة من طلب المغفرة مباشرة، كقولك: اللهم اغفر لي، أو فعل ما تحصل به المغفرة، مثل: صيام رمضان إيماناً واحتساباً، والصدقة أيضاً تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
стр. 6000
تفسير قوله تعالى: (وجنة)
قال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ [الحديد:٢١] الجنة: هي دار النعيم التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها فاكهة ونخل رمان وفرش وعسل ولبن وغير ذلك، لكن هل تظن أن ما فيها يشابه ما في الدنيا؟
لا، لا تظن هذا، لأن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، فهناك فاكهة اسمها الرمان لكنها تختلف عن رمان الدنيا، وهناك فرش لكنها تختلف عن فرش الدنيا، وهلم جراً.
فانتبه لهذا ولا تظن أن ما ذكر في الجنة من الأسماء توافق مسمياته ما في الدنيا، فهذا لا يمكن لما سمعت من الآية: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وفي الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) .
стр. 6001
تفسير قوله تعالى: (عرضها كعرض السماء والأرض)
قال تعالى: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١] وفي سورة آل عمران: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] ولا منافاة؛ لأن الأول عرضها كعرض السماء تشبيه، والثاني: عرضها السماوات والأرض أيضاً تشبيه؛ لكن يسميه أهل البلاغة تشبيهاً بليغاً.
﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ من يستطيع أن يقدر عرض السماء والأرض؟ لا أحد يستطيع، السماوات بسعتها، فالسماء الدنيا واسعة جداً، كم بينها وبين الأرض من المسافة؟ وهي محيطة بها، والسماء الثانية فوقها وهي أوسع منها، والثالثة أوسع وهلم جراً، إلى أن تصل إلى الكرسي، والكرسي يقول عنه النبي ﵊: (ما السماوات السبع، والأرضين السبع في الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض) حلقة المغفر ليست هي حلقة الباب الكبيرة، إنما هي حلقة المغفر، وهي صغيرة، أقصد حلقة الدرع صغيرة جداً، ألقها في فلاة من الأرض ماذا تكون بالنسبة للفلاة؟ لا شيء.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة) فمن يستطيع أن يدرك عرض السماوات والأرض؟ لا أحد يستطيع، الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، ولذلك كان أقل أهل الجنة منزلة: من ينظر إلى ملكه مسافة ألفين سنة، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وإنما ذكر الله تعالى أن عرضها عرض السماوات والأرض؛ من أجل أن نحرص على ملء هذه الأرض -أرض الجنة- وفي الحديث أن إبراهيم ﵊ قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فاحرص يا أخي على أن تملأ ما تستحقه من هذه الجنة بذكر الله، وتلاوة كتابه، وغير ذلك مما يقرب إلى الله.
لمن هذه الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض؟
стр. 6002
تفسير قوله تعالى: (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله)
قال الله : ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١] أعدت من أعدها؟ أعدها الله ، كما قال : ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة:٨٩] ومعنى الإعداد: التهيئة للشيء.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ آمنوا بالله وكل ما أوجب الله الإيمان به، فالإيمان إذاً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يشمل جميع الرسل الذين أولهم نوح وآخرهم محمد، لكن إيماننا بالرسل يختلف عن إيماننا بمحمد ﵊، فإيماننا بالرسل أن نؤمن بأنهم صادقون، ومبلغون عن الله، ونؤمن بكل ما صح من أخبارهم، أما اتباعهم فلا، فالاتباع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقط، فهم يشتركون مع الرسول ﷺ بأن نؤمن بأنهم صادقون، وأن كل ما أخبروا به صدق، وأن كل ما جاءوا به فهو عدل، ومناسب لأحوال أممهم في وقتهم، أما الاتباع فلا نتبع إلا واحداً منهم، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ يدل على أن أهل الكتاب اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة؛ لأنهم لم يؤمنوا برسل الله، والدليل: أنهم كفروا بمحمد ﵊، والكافر برسول من الرسل كافر بالجميع، كيف وقد جاء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنسخ جميع الشرائع السابقة، ألم تسمعوا قول الله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] هل سبق نوحاً أحد من الرسل؟ كيف يقول: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] الجواب؟ لأن من كذب رسولاً من الرسل فقد كذب جميع الرسل، فكيف بمن كذب محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي نسخت شريعته جميع الشرائع، والذي قال الله فيه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران:٨١] أخذ الميثاق من النبيين كلهم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:٨١] من هذا الرسول؟ إنه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الرسل كلهم لابد أن يؤمنوا بالرسول ﵊، ولهذا في ليلة الإسراء من كان الإمام؟ كان إمامهم في صلاتهم هو محمد ﷺ .
إذاً اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنهم لم يؤمنوا برسله؛ كفروا بمحمد، بل كفروا برسلهم أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] .
ولأن عيسى بن مريم ﵊، بشرهم بمحمد، قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] فلما جاءهم هذا الرسول الذي بشر به عيسى قالوا: هذا سحر مبين وكفروا به.
إذاً هم كفروا بعيسى وردوا بشارته، وأنكروها، ولا يجوز لنا أبداً أن نقول: إن أديان اليهود والنصارى اليوم أديان صحيحة أبداً، بل هي أديان باطلة غير مقبولة عند الله، كما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] .
стр. 6003
تفسير قوله تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)
قال الله : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد:٢١] (ذلك) -أي: ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين بالله ورسله- (فضل الله) في أنهم آمنوا بالله، آمنوا برسله، اتبعوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أثيبوا بهذه الجنات ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ اللهم آتنا من فضلك.
قوله: (يؤتيه من يشاء) هل تظنون أن هذه المشيئة مجرد مشيئة؟ لا.
هي مشيئة مقترنة بالحكمة، يعني: من كان أهلاً للفضل آتاه الله الفضل، ومن لم يكن أهلاً له لم يؤته، والدليل قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فلم يجعل رسالته إلا فيمن هو أهل له، وقال الله : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وقال : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٩] لا تظن أن الله يعطي الفضل من شاء دون سبب، بل لا بد من سبب، فمتى علم الله في قلب الإنسان خيراً -اللهم اجعل قلوبنا ممتلئة بالخير- آتاه الله الخير، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٠] أصلح قلبك فيما بينك وبين الله تجد الخير كله.
стр. 6004
تفسير قوله تعالى: (والله ذو الفضل العظيم)
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] أي: صاحب الفضل العظيم ، فلا أحد أعظم منة من الله تعالى، فإنه أوجدك من العدم، وأعدك وأمدك بالنعم، ويسر لك الهدى، وهداك له، هل هناك أحد أعظم من الله؟ لا أحد، ولهذا قال الله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧] ولما جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأنصار في غزوة حنين حين قسم الغنائم بين المؤلفة قلوبهم كان يقرر عليهم ويقول لهم: (ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! قالوا: الله ورسوله أمن، قال: ألم أجدكم متفرقين فألفكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن) كلما قال قولاً قالوا: الله ورسوله أمن.
يعني أعظم منا.
فالحاصل أن الله تعالى ذو الفضل العظيم، ولكنه يعطي فضله من هو مستحق له، كما قال : ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣] اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم أن تهدي قلوبنا، وتصلح أعمالنا، وتختم لنا بخير إنك على كل شيء قدير.
стр. 6005
الأسئلة
стр. 6006
حكم تخصيص العمرة في شهر رجب
ما حكم تخصيص العمرة في شهر رجب؟ وهل البدع أكبر الكبائر؟
هذان سؤالان جعلا في غلاف واحد، وهو من ذكاء هذا السائل؛ لأننا في هذا المقام لا نقبل إلا سؤالاً واحداً أيهما أحب إليك الأول أم الثاني؟ السائل: الأول.
الشيخ: رجب أحد الأشهر الأربعة الحرم، فهل تعرفها؟ السائل: ذو القعدة ذو الحجة محرم رجب.
الشيخ: هذه أربعة أشهر حرم ورجب منها بلا شك، والله حرم القتال فيها، أما الثلاثة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، فلأنها أشهر الحج، القعدة للقادمين إلى مكة، والحجة للذين في مكة، ومحرم للراجعين من مكة، جعل الله هذه الأشهر الحرم يحرم فيها القتال، حتى يأمن الناس الذين يأتون إلى الحج، وشهر رجب كان أهل الجاهلية يعظمونه ويعتمرون فيه فجعله الله محرماً، واختلف السلف ﵏: هل العمرة فيه سنة أم لا؟ فقال بعضهم: إنها سنة، وقال آخرون: لا، لأنها لو كانت سنة لبينها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إما بقول وإما بفعل.
والعمرة في أشهر الحج أفضل من العمرة في رجب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في أشهر الحج ولما ذكر ابن عمر ﵄ (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في رجب) وهَّمته عائشة، وقالت: [[لقد وهم أبو عبد الرحمن]] قالت له ذلك وهو يسمع فسكت، فعلى كل حال: لا أرى دليلاً واضحاً على استحباب العمرة في رجب.
كذلك أيضاً يوجد في رجب بعض الناس يخصه بالصوم يقول: إنه يسن الصيام فيه، وهذا غلط، فإفراده بالصوم مكروه، أما صومه مع شعبان ورمضان فهذا لا بأس به، وفعله بعض السلف، ولكن مع ذلك نرى أن لا يصوم الثلاثة الأشهر، أي: رجب وشعبان ورمضان.
وأما ما يسمى بصلاة الرغائب: وهي ألف ركعة في أول ليلة من رجب أو في أول ليلة جمعة منه، فأيضاً لا صحة لها وليست مشروعة، وأما العتيرة التي تذبح في رجب فهي أيضاً منسوخة، كانت أولاً مشروعة ثم نسخت وليست مشروعة، وأما الإسراء والمعراج الذي اشتهر عند كثير من الناس أو أكثرهم أنه في رجب وفي ليلة سبع وعشرين منه فهذا لا صحة له إطلاقاً، وأظهر الأقوال: أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، ثم إن إقامة الاحتفالات ليلة سبع وعشرين من رجب بدعة لا أصل لها.
والبدع أمرها عظيم جداً وأمرها شديد؛ لأن البدع الدينية التي يتقرب بها الناس إلى الله فيها مفاسد عظيمة، منها: أولاً: أن الله لم يأذن بها، وقد أنكر على الذين يتبعون من شرعوا بلا إذن، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
ثانياً: أنها خارجة عن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا قال ﵊: (عليكم بسنتي وإياكم ومحدثات الأمور) .
ثالثاً: أنها تقتضي إما جهل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه بهذه البدعة، وإما عدم عملهم بها، وكلا الأمرين خطأ.
إن قلت: إن الرسول علم عنها مشكلة، وإن قلت: علم ولكن لم يعمل ولم يبلغ مشكلة أيضاً.
رابعاً: أنها تستلزم عدم صحة قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] لأنك إذا أتيت بشيء جديد يعني: أن الدين في الأول ناقص لم يكمل، وهذا خطير جداً أن نقول: هذه البدعة تقتضي أن الدين لم يكمل.
خامساً: أن هؤلاء المبتدعين جعلوا أنفسهم بمنزلة الرسل الذين يشرعون للناس، وهذه أيضاً مسألة خطيرة، ولو تأملت لوجدت أكثر من هذه الخمس في مضار البدع ولو لم يكن منها إلا أن القلوب تتعلق بهذه البدع أكثر مما تتعلق بالسنة، كما هو مشاهد، حيث تجد هؤلاء الذين يعتنون بهذه البدع ويحرصون عليها لو فكرت في حال كثير منهم لوجدت عنده فتوراً في الأمور المشروعة المتيقنة، فهو ربما يبتدع هذه البدعة وهو حليق اللحية، مسبل الثياب، شارب للدخان، مقصر في صلاة الجماعة.
يقول بعض السلف: ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها أو أشد.
حتى إن بعض العلماء قال: المبتدع لا توبة له.
لأنه سن سنة يمشي الناس عليها إلى يوم القيامة أو إلى ما شاء الله، بخلاف المعاصي الخاصة، فهي خاصة بفاعلها وإذا تاب ارتفعت لكن المشكلة البدعة، حيث لو تاب الإنسان من البدعة فالذين يتبعونه فيها لم يتوبوا، فلذلك قال بعض العلماء: إنه لا توبة لمبتدع، لكن الصحيح أن له توبة، وإذا تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه، ثم يسأل الله أن تمحى هذه البدعة ممن اتبعوه فيها.
стр. 6007
حكم احتجاب الزوجة من أبي الزوج من الرضاع
اشتهر عند بعض الأسر أن أبا الزوج من الرضاعة لا تحتجب عنه الزوجة، وكذلك أم الزوجة من الرضاعة لا تحتجب عن زوج ابنتها من الرضاعة، ويأذنون له بالدخول عليها والخلوة بها، وقد يسافر بها أيضاً باعتباره محرم لها، فنأمل من فضيلتكم بيان الوجه الشرعي فيما يظهر لكم في ذلك أعانكم الله؟ الشيخ: أم الزوجة من الرضاع وأبو الزوج من الرضاع هل هو محرم؟ أما المذاهب الأربعة وجمهور العلماء فيقولون: إنها محرم، أي: أن الرضاع يؤثر في المحرمات بالصهر، ولكن أبى ذلك الحبر البحر العلامة المتقي لله ولا نزكيه على الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن أم الزوجة من الرضاع ليست محرماً لزوج ابنتها من الرضاع، وأن الأب من الرضاع ليس محرماً لزوجة ابنه من الرضاع، وقوله أرجح من أقوال جمهور العلماء؛ لأن الآية واضحة والحديث واضح قال الله : ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] وابن الرضاع ليس من صلبه، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ولو سأل سائل: أم زوجتك هل تحرم عليك من النسب أو من المصاهرة؟ لقيل: من المصاهرة، ما بينه وبينها شيء، هي أم زوجتي ولكنها بعيدة مني، والحديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) .
وقالوا: إنه لا يمكن إلحاق الرضاع بالنسب مع أنه يخالفه في أكثر الأحكام، بمعنى أنه كما لا يصح نصاً لا يصح قياساً؛ لأن الرضاع يخالف النسب في أكثر الأحكام، هل فيه توارث بين التقارب بالرضاع؟! بمعنى أن أباك من الرضاعة هل يرث منك كما يرث أبوك من النسب؟ لا، هل يؤدي عنك الدية في قتل الخطأ؟! لا، هل يجب عليك الإنفاق عليه؟ لا، هل تجب صلته كما تجب صلة الأب من النسب؟ لا، إذاً أكثر الأحكام منتفية، فلا نص ولا قياس، فقول الشيخ ﵀ شيخ الإسلام - أصح بالدليل النقلي والدليل العقلي لكن مع ذلك جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة يرون أن المحرمات بالرضاع تشمل من يكون تحريمهن بواسطة المصاهرة.
стр. 6008
حكم ترك قول: (آمين) بعد قراءة الإمام للفاتحة
هل يكتفي المأموم في الصلاة الجهرية أن يقول: آمين إذا لم يكن هناك الوقت الكافي لقراءة الفاتحة؟
وقول: آمين هل تحجزه؟ كم تبلغ آمين؟! كم من الدقيقة؟! السائل: يسير.
الشيخ: على كل حال المأموم لا بد أن يقرأ الفاتحة، وأما قول آمين فهي سنة، لكن مع ذلك نقول: قل آمين مع الناس فإنه (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه) ، وهذه مصلحة عظيمة، فقل: آمين ثم اقرأ الفاتحة، واستمر فيها ولو كان الإمام يقرأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم انصرف من صلاة الصبح وكان بعض الصحابة يقرأ معه، فقال لهم: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) .
إذاً قل: آمين واقرأ الفاتحة حتى تكملها.
стр. 6009
حكم من رضع من جدته مع خالته وخالته رضعت من أمه
رضعت من جدتي مع خالتي، وخالتي رضعت من أمي التي هي أختها، فهل بذلك أعتبر أخاً للخالات وخالاً لبناتهن وجزاكم الله خيراً؟
ما دمت رضعت من جدتك الرضاع المحرم خمس رضعات فأكثر فأنت ابن لها، وبناتها أخواتٌ لك، وبنات بناتها أنت خالهن، إذاً أنت أخٌ لأمك من الرضاعة، هل تناديها يا أمي أم يا أختي؟ لا، يا أمي، كذلك الذي رضع من أمك يكون أخاً لك وأخاً لإخوانك كلهم.
بنات خالاتك تكون خالاً لهن لأنك أخ لأمهاتهن.
стр. 6010
الطريقة المثلى للانتفاع بالعلم
ما هي الطريقة المثلى للانتفاع بالعلم؟
الانتفاع بالعلم طريقته سهلة، إذا علمت شيئاً فطبقه، علمت أن صلاة الجماعة واجبة صل مع الجماعة، علمت أن بر الوالدين واجب بر والديك، التطبيق سهل لكن هوى النفس يمنعه فكن أقوى من هوى نفسك.
стр. 6011
حكم أكل المتوضئ لأجزاء من البعير غير اللحم
هل كبد الجزور ولبن الجزور ينقض الوضوء كما ينقض لحمها؟
من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يتوضأ من لحوم الإبل، وسئل: (نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، قال: ومن لحوم الغنم؟ قال: إن شئت) فالبعير كل أجزائه ناقض الوضوء، الكبد والرئة والطحال والأمعاء والكرش وغيره، واللبن يرى بعض العلماء أنه ناقض؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (توضئوا من ألبان الإبل) لكن أكثر العلماء القائلين بنقض لحم الإبل يقولون هذا على سبيل الاستحباب، ويستدل لهذا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاءه الوفد من جهينة أصابهم مرض المدينة واستوخموها، فقال: (اخرجوا إلى إبل الصدقة واشربوا من ألبانها وأبوالها) ولم يأمرهم بالوضوء مع أنهم حديثو عهد بإسلام، قالوا: فسكوت النبي صلى عليه وعلى آله وسلم عن أمرهم بالوضوء، مع أن احتمال الجهل فيهم كثير يدل على عدم نقض الوضوء بلبن الإبل، ولكن إن توضأت فهو أفضل.
стр. 6012
اتخاذ الصحبة في الالتزام لا تكفي بل لابد من المنهج والمبدأ
بعض الشباب تجده إذا التزم وسلك طريق الهداية لا يتخذ له منهجاً ومبدأ يسير عليه وإنما يكتفي باتخاذ الصحبة، فإذا حصل له ظرف بفراق هذه الصحبة قد يضعف التزامه وقد يسبب له انتكاسة؟
هذا يقول: إن بعض الشباب يلتزم ويستقيم؛ لأنه مع صحبة ملتزمة مستقيمة، فإذا قدر الله أن يفارقهم ضعف استقامته والتزامه، فنقول له: هذا صحيح، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يهديك، وإما أن يبيع عليك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة) لكن الواجب أن الإنسان يلتزم مع الملتزمين لله ، لا من أجل أنه صاحب الملتزمين، حتى يكون هذا منهجاً له ويستقيم عليه ولو بعد مفارقتهم، ولهذا نقول: دائماً نسأل إذا اتفق الملتزمون على أن يصوموا مثلاً يوم الإثنين أو يوم الخميس ويفطرون جميعاً نقول: لا تفعلوا هذا: أولاً: لأن هذا شبيهاً بالطريقة الصوفية الذين يكبرون تكبيراً جماعياً ويذكرون ذكراً جماعياً.
وثانياً: أنه يؤدي إلى أن الإنسان لو فارق هؤلاء قد لا يصوم؛ لأنه ما صام إلا من أجل متابعتهم أو موافقتهم.
نعم إذا صاموا بدون اتفاق فلا بأس.
نسأل الله أن يزيدنا علماً نافعاً، وأنا أبشر إخواني الذين يأتون أنهم سلكوا طريقاً يلتمسون به علماً، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
стр. 6013
حكم السفر إلى رجل يداوي المرضى ويجري العمليات بدون جراحة
فضيلة الشيخ! رجل اشتهر في علاج الأمراض وإجراء العمليات بدون جراحة، ويخبر الناس بما فيهم من الأمراض، وظاهره الصلاح، وأنه محافظ على الصلاة، ولا يطلب من الناس نقوداً، ولكن الناس تعلقوا به، وأعرف أناساً من هذه المنطقة يريدون السفر إليه وهو موجود في خارج هذه البلاد فما حكم السفر إليه وما تعليقكم؟
يقولون: حدث العاقل بما لا يعرفه، فإن صدق فلا عقل له! ونحن ما أخبرنا أن أحداً يشفي الله المرضى على يده بمجرد مسح يده إلا عيسى ﵇، فأنا لا أصدق بهذا أبداً، وإن قدر أن الناس فتنوا به، وحصل أن أحداً ذهب إليه وعالجه بدون عملية، فهناك شياطين تعمل له؛ لأنه ليس بمعقول، الله أكبر! لو قال لنا أحد: هذه الشمس ما هي شمس، هذه لمبات مكونة مجموعة وتضيء الأرض هل نوافق على هذا؟ لا نوافق، أي إنسان له عقل أو أدنى مسكة من عقل لا يمكن أن رجلاً من بني آدم يؤتى إليه بالمرضى يحتاجون إلى عمليات يعاملهم بدون جراحة، سبحان الله عجائب! وهذا مما ابتلي به الناس اليوم، صاروا يعتمدون على غير ربهم ، يتعلقون بالمخلوق، فيصدقون بما لا يعقل.
فأقول للأخ الذي يريد السفر: لا تسافر وابق في مكانك واسأل ربك ، فالله على كل شيء قدير، كم من أناس حفرت قبورهم وجهز الماء لتغسيلهم، وجلبت الأكفان ليكفنوا فيها ولم يموتوا، لأن الله على كل شيء قدير، الذي أنزل المرض قادرٌ على أن يرفعه، ما لم يكن الأجل قد حل فلا فائدة، ماذا قال زكريا حين بشره الله بالولد، وماذا قال الله له؟ ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ [مريم:٨] قال الله له: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٩] من الذي أوجدك؟ الله ، قادر على أن يوجد لك ولداً، من الذي أمرضك؟ الله، الذي أمرضك قادر على أن يرفع المرض عنك، لكن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق:٣] ولا بد أن أمره يبلغ مكانك ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] قد يكون الله قدر أن هذا المرض هو المرض النهائي، والدعاء حينئذٍ يكون رفعاً للدرجات، وقد يكون الله قدَّر أن هذا المرض لا يزول إلا بدعاء فلان أو فلان، فيدعو الله ويبرأ.
стр. 6014
لقاء الباب المفتوح [٢١٨]
في هذا اللقاء المفتوح قام الشيخ بتفسير آيات من سورة الحديد، وكان من المواضيع التي تطرق إليها: إحياء الله للأرض بعد موتها وتشبيه ذلك بإحياء الموتى للبعث والنشور.
كما تحدث عن أهل الصدقة وأجرهم الكبير عند الله ومضاعفة الأجور لهم.
стр. 6015
تفسير آيات من سورة الحديد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثامن عشر بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الثاني عشر من رجب عام ١٤٢٠هـ.
стр. 6016
تفسير قوله تعالى: (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها)
قال الله ﵎: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧] .
﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر بالعلم لهذه القضية الهامة، وهي أن الله يحيي الأرض بعد موتها، أي: أن الأرض تجدها يابسة ليس فيها نبات، فينزل الله عليها المطر فتنبت وتحيا وتنمو، إذا علمنا هذا ونحن عالمين به نشاهده فإننا نستدل به على قدرة الله ﵎ على إحياء الموتى، فإن الناس أحياءٌ الآن ثم يموتون ثم يبعثون يوم القيامة، فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها من أجل الحساب والجزاء؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله ﵎ خلقاً يأمرهم وينهاهم ويبيح دماء وأموال من لم يستجب، ثم تكون النتيجة أن يموت الإنسان فقط.
بل لا بد -أيها الإخوة- من حياة هي الحياة الحقيقية، كما قال : ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] معنى (الحيوان) : أي: الحياة الحقيقية التي ليس بعدها موت، وليس المراد بالحيوان الحيوانات الدواب، المراد بالحيوان أي: الحياة التامة الكاملة.
أنتم الآن تشاهدون الأرض يابسة ليس فيها ورقة خضراء، فينزل الله المطر ثم تنبت وتنمو، فالقادر على أن يجعل هذه العيدان اليابسة خضراء نامية قادر على أن يحيي الموتى، وبكلمة واحدة قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣-١٤] وقال : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ أي: أظهرناها لكم، والآيات هي العلامات الدالة على كمال قدرة الله جل وعلا وعلى كمال رحمته، وأضرب لكم مثلاً: إذا أنزل الله المطر، ونبتت الأرض، وشبعت البهائم، وطابت الأجواء، فهذا من آثار رحمته، نستدل بهذا على رحمة الله، ونستدل بما خلق الله في الكون من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله تعالى في الأرض من الجبال والأنهار وغيرها على كمال حكمة الله ؛ لأنك إذا تدبرتها وجدت فيها من الحكمة ما يبهر العقل.
إذاً (الآيات) جمع آية وهي العلامة، أي: العلامات الدالة على كمال قدرة الله وسلطانه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لعل هنا للتعليل وليست للرجاء مع أنها في اللغة العربية تأتي للرجاء كثيراً لكنها هنا للتعليل، لأن الرجاء لا يمكن بحق الله، إذ أن الرجاء طلب شيء فيه نوع من العسر، لكن الله لا يتصور في حقه الرجاء، لكن تأتي (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تعقلوا، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد، أي: تعقلوا عقلاً ترشدون به، ويكون دليلاً لكم على ما فيه الخير.
стр. 6017
تفسير قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨] .
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ أصلها (إن المتصدقين) لكن قلبت التاء صاداً لعلة تصريفية معروفة عند أهل النحو، يعني: إن المتصدقين والمتصدقات.
قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: أنفقوا في سبيل الله إنفاقا حسناً، والإنفاق الحسن ما جمع شرطين: الأول: الإخلاص لله .
والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالمرائي الذي ينفق رياءً هل أقرض الله قرضاً حسناً؟! لا، فأي إنسان تصدق على فقير من أجل أن يراه الناس، فيقولون: فلان كثير الصدقة، هذا مرائي وصدقته لا تنفعه ولا تقبل منه؛ لأن كل عمل يراد به غير الله فهو غير مقبول، قال الله ﵎ في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) إنسان آخر صار يتعبد لله تعالى بعبادات غير مشروعة، صاحب بدعة، لكنه مخلص لو سألته: لم فعلت هذا؟ قال: أريد ثواب الله، أريد التقرب إلى الله.
هل تنفعه العبادة؟ لا، لعدم المتابعة.
فإذاً يكون قوله : ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [الحديد:١٨] أي: المخلصين فيه لله ومتبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهنا سؤال: (أقرضوا الله) هل الله فقير حتى يقرض؟! حاشا وكلا ليس فقيراً، (لقد كفر الذين قالوا إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء) إذاً كيف يقول: أقرضوا الله؟ يقول هذا جل وعلا ليبين أن أجرهم مضمون كما أن القرض مضمون، أنا لو أقرضت شخصاً ألف ريال ثبت في ذمته ولا بد أن يوفيني، كذلك جعل الله التعبد له بمنزلة القرض، أي: أنه مضمون سيرد عليك.
الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهذا ربا في القرض؟!
أولاً: لا ربا بين العبد وبين ربه.
ثانياً: إذا أعطاك المقترض شيئاً بدون شرط فهو حلال، أي: لو استقرض منك ألف ريال وأعطاك ألفاً ومائة بدون شرط فهو حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكراً -البكر أي: بعيراً صغيراً- ورد خيراً منه، وقال: (أحسنكم أحسنكم قضاءً) هل المقرض استفاد أم لا؟ استفاد، لكنه استفاد بلا شرط، ولهذا تجدون عبارة الفقهاء: (كل شرطٍ جر نفعاً للمقرض فهو ربا) انظر (كل شرط) ولم يقولوا: كل زيادة.
إذاً: إذا قال قائل: إن الله يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد سمى الله تعالى الإنفاق في سبيله قرضاً فكيف يصح أن يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أنه ليس بين العبد وبين ربه ربا.
ثانياً: أن الزيادة إذا لم تكن شرطاً فهي جائزة وهذه تدل على كرم الموفي.
قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ هذه خبر إنَّ، أي: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ [الحديد:١٨] أي: يعطون أجرهم مضاعفاً، عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨] أي: ثوابٌ كريم، والكريم هو الحسن الطيب، وذلك أن الجنة فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
هذا كريم، وأصل الكرم الحسن، ودليل هذا: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ معاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: (وإياك وكرائم أموالهم) أي: إذا أخذت الزكاة اجتنب كرائم الأموال، أي: أحاسنها: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
стр. 6018
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون)
ثم قال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد:١٩] .
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء.
أولاً: الإيمان بوجوده.
والثاني: الإيمان بربوبيته.
والثالث: الإيمان بألوهيته.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.
الأول: الإيمان بوجود الله لا ينكره إلا مكابر في الواقع، لا ينكره أحدٌ من قلبه إطلاقاً؛ لأن كل إنسان يعرف أن هذا الكون المستقر المنظم لا بد له من موجد ومنظم من الموجد والمنظم؟ الله ، لأن كل إنسان يعلم أنه لا يستطيع أحدٌ من البشر أن يتصرف في هذا الكون، من الذي يأتي بالليل مع وجود النهار؟ من الذي يأتي بالنهار مع وجود الليل؟ لا أحد يقدر.
إذاً كل إنسان عاقل فهو مؤمن بقلبه وإن أنكر بلسانه فهو مؤمن بوجود الله ، ووجه ذلك: أن هذه الخليقة العظيمة لا بد لها من مدبر.
لو قال قائل: إنها جاءت هكذا صدفة؟ لقلنا: من جاء بها؟ ثم الشيء إذا جاء صدفة لا يكون منظماً.
- لو قال قائل: هي أوجدت نفسها؟ نقول: هذا أيضاً محال عقلاً! كيف توجد نفسها وهي عدم؟! هذا لا يمكن، إذاً: لا بد لها من موجد، ولهذا قال الله تعالى في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨-٥٩] ما الجواب؟ بل أنت يا ربنا ونحن لا نقدر أن نخلق، الإنسان لا يقدر أن يخلق جنيناً في بطن أمه أبداً، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] استمع ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحج:٧٣] خطاب للناس كلهم الكافر والمؤمن ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] ولهذا إذا قرأت الآية يجب أن تستمع ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج:٧٣] كلهم.
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] هذا الذباب المهين لا يمكن أن يخلقوه ولو اجتمعوا له، كل المعبودات لا يمكن أن تخلق ذبابة، وهو من أصغر الحيوانات وأذلها وأهشها، وزد على هذا ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: لو أن الذباب أخذ من هذه الأصنام شيئاً ما استطاعت أن تستنقذه منهم.
قال أهل العلم: المعنى لو وقع الذباب على أحد هذه الأصنام وامتص من الطيب الذي فيها -لأنهم يطيبون أصنامها- ما استطاعت الأصنام أن تستنقذه ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] .
أقول مرة ثانية: لا يمكن لأحد أن ينكر من صميم قلبه وجود الله أبداً، لأنه باتفاق العقلاء أن كل حادث لا بد له من محدث، ولا أحد يحدث هذا الكون إلا الله .
الثاني: الإيمان بربوبيته، أي: بأنه وحده الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، هو الله وحده، هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون إلا الله، ولا مالك للكون إلا الله حتى ملك الإنسان ما في يده ليس ملكاً حقيقياً، والدليل: أنه لا يمكن أن يتصرف فيما في يده كما يشاء، الآن هذا قلمي ملك لي، لكن ليس لي أن أتصرف فيه كما أشاء، لو أردت أن أحرقه أو أكسره منعت، شرعاً حرام علي؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال.
إذاً ملك الإنسان لما في يده ليس ملكاً حقيقياً، بل إنه يختص به عن غيره فقط.
الثالث: أنه وحده المنفرد بتدبير الأمور ولا أحد يستطيع أن يدبر الأمور أبداً، فالألوهية هي أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، ليس في الكون شيء يعبد بحق إلا الله أبداً، عبادة الأصنام حق أم غير حق؟ غير حق، الأصنام نفسها تسمى آلهة فهل هي إله حق؟ لا، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢] إذاً الألوهية: أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله ، وما عبد من دونه فهو باطل، وعليه فلا تصرف العبادة إلا لله.
الرابع: الإيمان بالأسماء والصفات.
هل لله أسماء؟ نعم، هل له صفات؟ نعم، أسماؤه حسنى، قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] وصفاته كذلك عليا، ليس هناك صفة نقص، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أي: الوصف الأعلى.
إذاً علينا أن نؤمن بأسماء الله وعلينا أن نؤمن بصفات الله.
أسماء الله تعالى كثيرة لا يمكن حصرها مهما أردت، ولا يمكن أن تحصيها، والدليل: حديث عبد الله بن مسعود (ما من إنسان يصيبه هم أو غم أو حزن ثم يقول: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمه أحداً من خلقه، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فجعل الله الأسماء ثلاثة أقسام: ما أنزله في كتابه مثل: الرحمن.
أو علمته أحداً من خلقك، مثل: الرب.
الشافي، هذه ليست في القرآن لكن جاءت في السنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) وقال ﵊: (أما الركوع فعظموا فيه الرب) هذا أنزله في كتابه أو علمه أحداً من خلقه؟ الثاني.
القسم الثالث: ما استأثر الله به في علم الغيب -استأثر بمعنى انفرد- لكن ما انفرد الله بعلمه فلم ينزله في الكتاب ولم يعلمه أحداً من الخلق، هل يمكن الإحاطة به؟ لا يمكن، إذاً أسماء الله لا يمكن الإحاطة بها أو حصرها بعدد لأننا لا نعلمها، وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) فالمعنى أن من الأسماء تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، ومن أحصاها أي: عرفها لفظاً وعرفها معنى، وتعبد لله بمقتضاها، وليس المراد أن تحفظها فقط، لا، بل لا بد من حفظ اللفظ، والثاني: فهم المعنى، والثالث: التعبد لله بها وبمقتضاها، فمثلاً: إذا علمت أن الله غفور تعرض للمغفرة، لا تقل: الله غفور وتفعل الذنب كل ما شئت، تعرض للمغفرة واستغفر الله، تجد الله غفوراً رحيماً، إذا علمت أن الله عزيز تتعبد لله بمقتضى هذا وتخاف منه وتحذر وهلم جراً.
стр. 6019
الأسئلة
стр. 6020
حكم قتل الحشرات في الحرم
ما حكم قتل الحشرات في الحرم؟ الشيخ: مثل ماذا؟ السائل: مثل أي شيء يؤذي.
الشيخ: مثل ماذا؟ السائل: طيور أو أي شيء.
الشيخ: حمام؟ السائل: حمام أو أي شيء.
الشيخ: ما حكم قتل الحشرات في الحرم؟ وأردت منه مثالاً للحشرات ولكنه عجز وقال: الطيور.
السائل: أي شيء.
الشيخ: قتل الآدمي؟! السائل: آدمي؟! الشيخ: أنت تقول: أي شيء.
السائل: قتل الحشرات.
الشيخ: حشرات مثل ماذا؟!! السائل: إذا كان داخل الحرم مثلاً نمل أو أي شيء؟ الشيخ: مثل النمل! أنا ما رأيت نملة في الحرم.
السائل: حكم قتل الحمام.
الشيخ: حدد لي الآن، انظر أن فهمت الآن أن من الحشرات الحمام! السائل: هذا مثال.
الشيخ: البعوض؟ طيب على كل حال الحشرات ونحوها ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم أمر الشرع بقتله فهذا يقتل في الحل والحرم، حتى لو تجده في وسط الكعبة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خمس من الدواب يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور) والوزغ أيضاً مأمور بقتله، أتعرف الوزغ؟ السائل: البريص.
الشيخ: يسمى السام والأبرص والوزغ والضاطور، المهم لكثرة وجوده بين الناس كثرت أسماؤه، على كل حال أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقتل الأوزاغ وقال: إنه كان ينفخ النار على إبراهيم، سبحان الله! هذه الحشرة الضعيفة سلطت لتنفخ النار على إبراهيم، لذلك نحن الآن نقتلها امتثالاً لأمر الله تعالى، وانتصاراً لأبينا إبراهيم ﵊ لأنها تنفخ النار عليه.
هذا القسم الأول: ما أمر الشرع بقتله فهذا يقتل في الحل والحرم ولا إشكال.
القسم الثاني: ما نهى عن قتله، فهذا لا يقتل لا في الحل ولا في الحرم، مثل: النملة والنحلة والهدهد والصرد.
هذا لا يقتل لا في الحل ولا في الحرم إلا إذا آذى، فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتل.
القسم الثالث: ما سكت الشرع عنه كالصراصير والجعلان والخنفساء وما أشبهه، هذه قال بعض العلماء: إنه يحرم قتلها، وقال بعضهم: إنه يكره، وقال بعضهم: إنه يباح، لكن تركه أولى، وهذا القول الثالث هو الصواب أن قتلها مباح، والدليل: أنه لم ينه عنها -أي: عن قتلها- ولم يؤمر بها -أي: بقتلها- مسكوت عنه لكن الأولى ألا تقتل، لماذا؟ لأن الله ﵎ قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] فدعها تسبح الله عز جل ولا تقتلها، لكن لو قتلتها عليك إثم؟ لا.
انتهينا الآن من الحشرات المحرمة، بقينا في الأشياء الحلال ومعروف أن مكة شرفها الله لا يجوز فيها قتل الصيد، كالحمام والبط والأرانب والغزلان وما أشبه ذلك، انتهى.
- لكن البعوض من أي الأقسام؟ نقول: إنه ممن أمر بقتله قياساً على الخمس؛ لأن البعوض مؤذٍ بلا شك، أذيته واضحة، أحياناً تقرصك البعوضة وينتفخ الجلد، وربما يسبب جروحاً فهي مما أمر بقتله، لكن إذا لم نتوصل إلى قتله إلا بصعوبة كما يوجد الآن مما يعلق في المقاهي والدكاكين والمساجد أيضاً فهل نفعل أم لا نفعل؟ نفعل.
ونضع هذه الصاعقات حتى تجذبها وتصعقها.
стр. 6021
حكم تعبير الرؤيا
ما حكم تعبير الرؤيا؟
بشرط أن يكون الإنسان عنده علم، وتفسير الرؤيا لا يتبع العلم الشرعي، قد يكون بعض الناس عنده علم شرعي ولا يستطيع يعبر الرؤيا، وقد يكون بعض الناس ليس عنده علم شرعي ويعبر تعبيراً تاماً، ولكني أنصح من يبلغه كلامي هذا ألا يحرص على تتبع الرؤى؛ لأن الشيطان إذا علم من الإنسان تتبعه للرؤى صار يؤذيه بأن يريه ما يكره، حتى يحزن بل يتناساها ولا يهتم بها؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يرون الرؤيا فتزعجهم ويمرضون منها، حتى أرشدهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم إذا رأوا ما يكرهون استعاذوا بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأوا، ولا يخبرون أحداً، ثم لا تضرهم.
стр. 6022
حكم مسح العين بإبهامي اليدين بعد قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله
أحد الكتاب في الصحف ذكر بعض الأمور ثم قال: إنها ليست بدع مثل: قول الشخص عندما يقول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، يمسح بإبهامي يديه بعدما يسلم عليهما عينيه فما تقولون في هذا؟ الشيخ: أقول: لأي شيء يفعل هذا؟ السائل: عبادة يا شيخ.
الشيخ: ما هي العبادة؟ السائل: يجلي البصر.
الشيخ: نقول: هذا بدعة من وجه، ونوع من الشرك من وجه آخر، مسح العين عند الأذان لا سيما إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول المؤذن) ولم يذكر فعلاً، ما ذكر أن تمسح على عينك أو أذنك أو رأسك، فيكون هذا الفعل بدعة.
ثانياً: نوع من الشرك؛ لأنه اعتقد أنه ينفع وهو لا ينفع، فهو مثل التمائم التي يعلقونها في الجاهلية، يرون أنها تنفع المرضى وهي لا تنفعهم، فإذا رأيت أحداً يفعل هذا؛ فانصحه بلطف ورفق وقل له: هذا لم تأت به السنة وانصحه.
стр. 6023
حكم إنكار المنكر باستمرار في العمل
ما رأيكم بإنكار المنكر في العمل إذا كان بشكل مستمر كقضية التدخين؟
رأيي أن إنكار المنكر إذا كان مستمراً أن تنصح أول مرة وتبين كل ما تستطيع أن تبينه من أن هذا منكر، ويكفي ولكنك لا تجلس معهم، فمثلاً لو رأينا شخصاً يشرب الدخان نهيناه أن هذا حرام ولا يجوز ولكنه مستمر، ليس من الواجب علينا أننا كلما رأيناه أن نقول له: إن هذا منكر، أحياناً نعرف أن الرجل معاند ولكن نعم بعد مدة ربما تقول: لعله تغير وتنصحه، وكذلك يقال في إسبال الثوب وفي حلق اللحية.
стр. 6024
حكم قراءة سورتي السجدة والإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة
ما حكم ما يفعله بعض الأئمة في فجر يوم الجمعة من قراءة سورة السجدة في الركعتين أو قراءة سورة الإنسان في الركعتين؟
لا شك أن هذا خطأ فاحش؛ لأن كونه يقسم السورة الواحدة بين الركعتين، معناه: أن فعل الرسول ليس بصواب نسأل الله العافية! هل هو أعلم بما يرضي الله من رسول الله؟ الجواب: لا.
هل هو أرفق بعباد الله من رسول الله؟! الجواب: لا.
إذاً لماذا يتعدى الحدود؟! إن كان يريد أن يقرأ السورتين كاملتين كما جاءت به السنة فهذا لا شك أنه حسن وطيب ويدعى له، وإن كان لا يريد قراءتهما فيقرأ ما تيسر من القرآن، أما أن يأتي ليقسم السنة ويوزعها سبحان الله! كيف يلاقي الله يوم القيامة؟! أنا لا أدري ماذا يجيب؟! ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] والرسول ﵊ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فأنت إما أن تصلي كما صلى الرسول تقرأ سورة (السجدة) في الأولى و (هل أتى) في الثانية، وإلا فاعدل إلى السور الأخرى، ومن رأيت من هؤلاء فانصحه، وقل له: يا أخي لا تكن يوم القيامة خصماً للرسول تخالفه بصراحة واضحة.
قد يقول: إنه يشق على الناس؟ نقول: نعم هو يشق على الناس لأنكم ما عودتموهم، لو اعتادوا هذا لهان، ثم إنكم لستم أرفق بالناس ممن قال: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف) قد يقول: عندي شيبان وعندي مرضى؟ نقول: يقعد الشايب -الحمد لله- إذا تعب يجلس.
стр. 6025
حكم السؤال عن نوع الدجاج الموجود في المطاعم خوفاً من الوقوع في الشبهة
ما حكم فعل بعض الإخوان عندما يذهبون إلى المطاعم ويسألون عن الدجاج الموجودة عندهم ويلحون عليهم ويقولون: هذا من باب الورع كي لا يقعون في الشبهة؟
أقول: إن هذا ليس من الورع، الورع اتباع السنة، ليس الورع أن الإنسان يتعنت ويتعمق ويتنطع بل هذا من الهلاك، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هلك المتنطعون) ثلاث مرات، قالت عائشة ﵂: (إن قوماً أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالوا: يا رسول الله! إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر) توهم مسلمين يمكن تخفى عليهم الأمور، فقالوا: (سموا أنتم وكلوا) ما قال: اسألوهم هل سموا أم لا، ولو سلكنا طريق هؤلاء لقلنا حتى في مطاعمنا: نسأل ربما يكون الذي ذبح هذه الدجاجة أو الشاب لا يصلي، والإنسان الذي لا يصلي كافر ولا تحل ذبيحته، فهل معنى ذلك أن نأتي عند المطعم ونقول: من الذي ذبحه؟ أخذته من السوق، ما سألت: هل هو يصلي أم لا يصلي؟ سأله وقالوا: يصلي.
نقول: هل أنهر الدم أو خنقها خنقاً؟ إذا قال: أنهر الدم.
نقول: باقي هل سمى الله أم لا؟ إذا قال: سمى الله.
نقول: هل هذه الدجاجة والشاة ملك له وليس سارقها ولا ناهبها؟! هذه حقيقة إذا ضل واحد يتعمق، قال: لا.
اشتراها، من أين؟ الذي باعها عليه هو سرقها أم ماذا؟ إلى ما لا نهاية له.
فالحقيقة أن الإنسان إذا فتح على نفسه هذه الأبواب مع أنها مسدودة شرعاً تعب.
فنقول: الحمد لله أنا أخبركم هذه القضية عرضت على مجلس كبار العلماء، ودعي إلى المجلس المسئولون في الدولة من وزير التجارة وعضو وزير المالية وسئلوا سؤالات من أكابر العلماء في المملكة، وقالوا: كل ما يرد إلى المملكة فإنه مذبوح على الطريقة الإسلامية والحمد لله نحن على ذمة هؤلاء.
إذاً عليه أن يأكل حتى لو قال: برازيلي أو إنجليزي أو أمريكي المهم ما دام هؤلاء المسئولون عندنا فهم مسئولون عن الأمة كلها.
السائل: هناك من يقول: إنه لا يجوز أكل اللحوم المستوردة.
الشيخ: على كل حال إذا قالوا: لا يجوز، قل له: ائت به وأنا آكله وانتهى الموضوع.
следующие страницы →