← Адаб

Адаб · id 768

المستجاد من فعلات الأجواد

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (73 стр.). Показаны 36–73 · переход к 41.

стр. 36

قال: فقلت يا عيينة إني وردت " الحجاز " بمال جزيل " وطرف وتحف وقماش ومتاع " أريد به أهل الستر، ووالله لأبذلنه أمامك، حتى أعطيك الرضا وفوق الرضا، قم بنا إلى مجلس الأنصار، فقمنا حتى أشرفنا على ملأ منهم، فسلمت فأحسنوا الرد ثم قلت: أيها الملأ ما تقولون في عيينة وأبيه؟ قالوا: خير وابن خير من سادات العرب قلت: إنه قد رمي بداهية من الهوى، وقد نزل بفؤاده رسيس الجوى، وما أريد منكم إلا المعونة إلى السماوة، فقالوا: سمعاً وطاعة، فربكنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم بأرجاء خفان من السماوة فقلنا: أين منزل السيد الغطريف قالوا: أمامكم، فسرنا وأعلم الغطريف بنا فخرج مبادراً فاستقبلنا وقال: حييتم بالإكرام، وحبيتم بأفضل الأنعام. فقلنا وأنت حييت وحبيت، إننا لك أضياف قال: نزلتم أفضل منزل، وحللتم أكرم معقل. ثم قال: يا معشر العبيد أنزلوا القوم، ففرشت لنا الأنطاع والنمارق " والزرابي " فنزلنا ثم ذبحت الذبائح، ونحرت النحائر فقلنا: " يا سيد القوم " لسنا بذائقين لك طعاماً حتى تقضي حاجتنا، وتردنا بمسرتنا، قال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعيينة بن الحباب بن المنذر الطيب العنصر، الحالي المفخر. فقال: يا أخوتاه إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وها أنا أدخل أخبرها. ثم نهض مغضباً فدخل على ريا وكانت كاسمها فقالت: يا أبي ما لي أرى الغضب بيناً عليك؟ فقال لها: ورد الأنصار يخطبونك مني فقالت: سادة كرام، أبطال عظام، استغفر لهم النبي ﷺ ، فلمن الخطبة منهم؟ قال لفتى يعرف بعيينة الحباب قالت: تالله لقد سمعت عن عيينة هذا، إنه يفي بما وعد، ويدرك إذا قصد، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، فقال: أقسم لا أزوجنك أبداً به، فقد نمي إلي بعض حديثك معه، فقالت: ما كان ذلك، ولكن إذا أقسمت فإن الأنصار لايردون رداً قبيحاً، فأحسن لهم الرد قال: بأي شيء قالت: أغلظ لهم في المهر فإنهم يرجعون فلا يجيبون قال: ما أحسن ما قلت، ثم خرج مبادراً فقال: إن فتاة الحي أجابت ولكن أريد لها مهر مثلها، فمن القائم به؟ قال عبد الله بن المعتمر: أنا قل ما شئت، قال: أريد ألف مثقال من الذهب الأحمر، قال: لك ذلك، قال: وأريد خمسة آلاف درهم من ضرب هجر قال: لك ذلك، قال: وأريد مائة ثوب من الابراد والحبر، قال: لك ذلك. قال: وأريد عشرين ثوباً من الوشي المطير قال: لك ذلك، قال: وأريد عقداً من الجوهر، قال: لك ذلك. قال: وأريد خمسة أكرشة من العنبر قال: لك ذلك. قال: وأريد عشرين نافجة من المسك الأذفر قال: لك ذلك. فهل أجبت؟ قال: أجل. قال فأنفذ عبد الله بن المعتمر نفراً من الأنصار إلى المدينة فأتوا بجميع ما ضمنه، وذبحت الغنم والنعم، واجتمع الناس لأكل الطعام، قال: فأقمنا أربعين يوماً على هذه الحال، ثم قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين. ثم حملها في هودج وجهزها بثلاثين راحلة عليها من التحف والطرف شيء كثير، وودعنا وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الإغارة، وأحسب أنها بني سليم فحمل عليها عيينة بن الحباب فقتل منها عدة رجال، وانحرف نحونا راجعاً وبه طعنة تفور دماً، ثم سقط إلى الأرض، وأتتنا النصرة من سكان الأرض فطردوا عن الخيل، وقد قضى عيينة نحبه، فقلنا: واعيينتاه، فسمعتنا الجارية فألقت نفسها عليه، وجعلت تترشفه وتصيح بحرقة وتقول: تصبرت لا أني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقة ولو أنصفت نفسي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقة فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلاً ولا نفس لنفس بصادقة ثم شهقت شهقة واحدة فقضت نحبها، فاحتفرنا لهما جدثاً واحداً وواريناهما فيه، ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين ثم عدت إلى الحجاز، فوردت إلى الزيارة فقلت: والله لأعودن إلى قبر عيينة أزوره فأتيت على القبر فإذا عليه شجرة نابتة عليها عصائب حمر وصفر وخضر، فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروسين، فأقمت عند القبر يوماً وليلة، ثم انصرفت فكان آخر العهد به والسلام. حكاية

стр. 37

حدث أبو بكر محمد بن علي الماذرائي بمصر قال: كنت أساير أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بدمشق وقد خرجنا للصيد وأخذنا على نهر ثورا، فبينا نحن نسير إذ تلقاه أعرابي فأخذ بعنان فرسه وأنشده: إن السنان وحد السيف لو نطقا ... لحدثا عنك بين الناس بالعجب أفنيت مالك تعطيه وتنهبه ... يا آفة الفضة البيضاء والذهب فقال أبو الجيش: يا غلام ادفع إليه ما في الخريطة، وكان فيها خمسمائة دينار، فقال: أيها الأمير زدني، فقال أبو الجيش لمن حضر من الغلمان: اطرحوا سيوفكم ومناطقكم عليه فبادر سبعة عشر غلاماً فطرحوا مناطقهم وسيوفهم. فقال: أيها الأمير انقلني، فأمر أن يدفع إليه بغل من بغال الموكب وحمل ذلك معه، وعدنا من الصيد. فما استقر بي مجلسي حتى ودر علي توقيع أبي الجيش خماويه: " تقدم أمتعني الله بك بصياغة سبعة عشر سيفاً وسبع عشرة منطقة ذهباً جيداً للغلمان مكان ما بذلوه، ليتحسر من تأخر من الغلمان على ما فاتهم من ذلك " حكاية ركب الفضل بن يحيى يوماً من منزله بالخلد يريد منزله بباب الشماسية فتلقاه فتى من الأبناء مملك، ومعه جماعة من الناس يحملون إملاكه فلما رأى الفتى نزل وقبل يده ولم يكن يعرفه، فسأله عن الصداق فعرف أنه أربعة آلاف درهم. فأمر له بأربعة آلاف درهم صداق زوجته، وأربعة آلاف درهم ثمن منزل يسكنه. وأربعة آلاف درهم للنفقة على وليمته. وأربعة آلاف درهم يستعين بها على العقد الذي عقده على نفسه وانصرف. حكاية قيل ركب محمد بن إبراهيم الإمام دين فركب إلى الفضل بن يحيى ومعه حق فيه جوهر فقال له: قصرت بنا غلاتنا، وأغفل أمرنا خليفتنا، وتزايدت مؤنتنا، فلزمنا دين احتجنا إلى أدائه، وهو ألف ألف درهم، وكرهت بذل وجهي للتجار واذالة عرضي بينهم، ولك من يعطيك منهم ما تحب، ومعي رهن يفي بذلك، فإن رأيت أن تأمر بعضهم بقبضه، وحمل المال إلينا فعلت فدعا الفضل بالحق فرأى ما فيه وختمه بخاتم محمد بن إبراهيم ثم قال له: نجح الحاجة إن تقيم اليوم عندي فقال له: إن في المقام علي مشقة. فقال له: وما يشق عليك من ذلك؟ إن رأيت أن تلبس بعض ثيابنا " دعوت به " وإلا أمرت بإحضار ثياب من دارك، فأقام ونهض الفضل، فدعا بوكيله فأمره بحمل المال وتسليمه إلى خادم محمد ابن إبراهيم، وتسليم الحق الذي فيه الجوهر بخاتمه إليه، وأخذ خطه بذلك، ففعل الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده إلى المغرب، وليس عنده شيء من الخبر، ثم انصرف إلى منزله فرأى المال، وأحضر الخادم الحق. فغدا على الفضل يشكره فوجده قد سبقه بالركوب إلى دار الرشيد، فوقف منتظراً له على باب الرشيد، فقيل له قد خرج من الباب الآخر، فأتبعه فوجده وقد دخل إلى ابنه فوقف ينتظره فقيل له: قد خرج من الباب الآخر قاصداً إلى منزله، فانصرف عنه، فلما وصل إلى منزله وجه الفضل إليه ألف ألف درهم أخرى، فغدا عليه فشكره وأطال، فأعلمه الفضل أنه بات بليلة طالت غماً بما شكاه، إلى أن لقي الرشيد فأعلمه بحاله، فأمره بالتقدير له، ولم يزل يماسكه إلى أن تقرر الحال معه على ألف ألف درهم وقال: إنه لم يصلك بمثلها قط، ولا زاد على عشرين ألف دينار، فشكرته وسألته أن يصلك بها صكاً بخطه ويجعلني الرسول ففعل، فشكره محمد وقال: صدق أمير المؤمنين إنه لم يصلني قط بأكثر من عشرين ألف دينار وهذا إنما تهيأ بك وعلى يديك، وما أقدر على القيام بحقك، ولا على شكر أجازي به معروفك، غير أن علي وعلي، وحلف أيماناً مؤكدة، إن وقفت على باب أحد سواك، ولا سألت غيرك حاجة أبداً ولو استفقت التراب. فكان لا يركب إلى غير الفضل إلى أن كان من أمرهم ما حدث. فكان بعد ذلك لا يركب إلى غير الرشيد ويعود إلى منزله؛ فعوتب بعد تقضي أيامهم في ترك البيان الفضل بن الربيع. فقال: والله لو عمرت ألف عام ومصصت الثماد ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحيى، ولا سألته حاجة أبداً حتى ألقى الله عز وحل. ولم تزل تلك حاله إلى أن مات. حكاية

стр. 38

قيل لما حج الرشيد ورجع قافلاً نزل الأنبار فدعا صالحاً صاحب المصلى حين تنكر على البرامكة فقال له: أخرج إلى منصور بن زياد فقل له: قد صحت عليك عشرة آلاف ألف درهم فاحملها إلي من يومك هذا فإن هو دفعها إليك كاملة قبل مغيب الشمس من يومك هذا وإلا فاحمل إلي رأسه، وإياك ومراجعتي في شيء من أمره. قال صالح: فخرجت إلى منصور وهو في الدار فعرفته الخبر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهبت والله نفسي، ثم حلف أنه لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم فكيف عشرة آلاف الف درهم، فقال له صالح: خذ في عملك، فقال له: امض بنا إلى منزلي حتى أوصي وأتقدر في أمري، فمضينا، فما هو إلا أن دخل حتى ارتفع الصراخ من منازله وحجر نسائه، فأوصى وخرج وما فيه دم، فقال " صالح ": امض بنا إلى أن أتى يحيى بن خالد فلعل الله يأتينا بفرج من جهته. فمضى معه فدخل على يحيى وهو يبكي، فقال له يحيى: ما وراءك؟ فقص عليه القصة، فقلق يحيى لأمره وأطرق مفكراً، ثم دعا خازنه فقال له: كم عندك من المال؟ قال: خمسة آلاف ألف درهم، قال: أحضرني مفاتيحها فأحضره إياها، ثم وجه إلى الفضل ولده: " إنك كنت أعلمتني، فداك أبوك " أن عندك " ألفي ألف درهم وددت أنك تشتري بها ضيعة، وقد وجدت لك ضيعة يبقى ذكرها وشكرها، وتحمد ثمرتها، فوجه إلينا بالمال، فوجه به ثم قال للرسول: امض إلى جعفر فقل له: ابعث إلي، فداك أبوك، بألف ألف درهم لحق لزمني فوجهها إليه. وقال صالح: هذه ثمانية آلاف ألف درهم، ثم أطال في إطراقه لأنه لم يكن بقي عنده شيء، ثم رفع رأسه إلى خادم له فقال: امض إلى دنانير فقل لها وجهي " إلي " بالعقد الذي كان أمير المؤمنين وهبه لك فجاء به، فإذا عقد " عظيم " كعظم الذراع، فقال لصالح: اشتريت هذا للرشيد بمائة ألف وعشرين ألف دينار، فوهبه الخليفة لدنانير، وقد حسبناه " عليك " بألفي درهم، وهذا تمام المال فانصرف وخل عن صاحبنا لا سبيل لك عليه. قال صالح: فأخذت ذلك ورددت منصوراً معي. فلما صرنا بالباب أنشأ يقول متمثلاً: فما بقي علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال فقال صالح: ما على الأرض كلها رجل أكرم من رجل خرجنا من عنده، ولا سمعت بمثله فيمن مضى، ولا يكون " مثله " قيمن بقي، ولا على ظهر الأرض رجل أخبث سريرة ولا أردأ طبعاً من هذا النبطي إذ لم يشكر من أحياه. قال: ثم صرت إلى الرشيد فقصصت عليه قصة المال، وطويت عنه. قال منصور لأني خفت إن سمعه أمر بقتله. فقال الرشيد: أما أنا قد علمت أنه إن نجا لم ينج إلا بأهل هذا البيت. وقال: اقبض المال واردد العقد على دنانير فإني لم أك أهب هبة فترجع إلي. قال صالح: فلم أطب نفساً بترك تعريف يحيى ما قال منصور، فقلت: لما رأيته بعد أن أطنبت في شكره ووصف ما كان منه: لقد أنعمت على غير شاكر قابل أكرم فعل بألأم قول قال: وكيف ذلك؟ فأخبرته بما قال " وما كان منه " فجعل والله يطلب له المعاذير ويقول: يا أبا علي إن المنخوب القلب ربما سبقه لسانه بما ليس في ضميره، وقد كان الرجل في حال عظيمة، فقلت: والله ما أدري من أي أمر بك أعجب أمن أوله أم من آخره لكنني أعلم أن الدهر لا يخلف مثلك أبداً. حكاية

стр. 39

قال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي مؤلف كتاب الفرج بعد الشدة في كتابه: حدثني علي بن هشام قال: سمعت أبا الحسن علي بن عيسى يتحدث قال: سمعت عيد الله بن سليمان بن وهب يقول حدثني أبي قال: كنت وأبو العباس أحمد بن الخصيب مع خلق من العمال والكتاب معتقلين في يدي محمد بن عبد الملك الزيات في آخر وزارته للواثق، واشتد مرض الواثق، وحجب ستة أيام عن الناس، فدخل عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي داود قاضي القضاة رحمه الله تعالى فقال له الواثق: يا أبا عبد الله وكان يكنيه: ذهبت مني الدنيا والآخرة، أما الدنيا فما ترى من حضور الموت، وأما الآخرة فما أسلفت من العمل القبيح، فهل عندك من دواء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد عزل محمد بن عبد الملك جماعة من الكتاب وغرك فيهم، وملأ منهم الحبوس، ولم يحصل من جهتهم على كبير شيء، وهو خلق كثير وراءهم ألف يد ترفع إلى الله عليك، فتأمر بإطلاقهم لترفع أيدي بالدعاء لك، فلعل الله تعالى أن يهب لك العافية فأنت محتاج في هذا الحال إلى أن تقل خصومك. فقال: نعم ما أشرت به، وقع إليه عني بإطلاقهم قال: إن رأى خطي عاند ولج، ولكن يغتنم أمير المؤمنين الثواب ويحمل على نفسه ويتساند ويوقع لهم بخطه، ففعل الواثق ذلك ووقع بخط مضطرب إلى ابن الزيات بإطلاقهم، وإطلاق كل من كان في الحبوس من غير استئمار ولا مراجعة. قال: يا أمير المؤمنين تقدم إلى الحاجب ايتاخ أن يمضي بالتوقيع إليه، ولا يدعه يعمل شيئاً أو يطلقهم، وأن يحول بينه وبين الوصول إليك أو يكتب رقعة أو يشتغل بشيء البتة إلا بعد إطلاقهم، وإن لقيه راكباً في الطريق فينزله عن دابته ويجلسه، حتى ينتهي إلى أمرك. فتقدم الواثق إلى ايتاخ بامتثال ذلك فتوجه، فلقي ابن الزيات راكباً يريد الخليفة، فقال له: تنزل عن دابتك وتجلس على غاشيتك فارتاع وظن أن الحادثة قد وقعت به، فنزل وجلس على غاشيته. فوقفه على التوقيع فامتنع، وقال: إذا أطلقت هؤلاء من أين أنفق الأموال وأقيم الأنزال. فقال: لا بد من ذلك. قال: اركب واستأذنه، فقال: لا سبيل إلى ما ذكرت، قال: فدعني أكاتب، قال: ولا هذا. ولم يدعه يبرح من موضعه حتى وقع بإطلاق القوم عن آخرهم. فصار الحاجب إلينا، ونحن في الحابس أيأس ما كنا من الفرج، وقد بلغنا اشتداد علة الواثق وأرجف لابنه بالخلافة، وكان صبياً، فخفنا أن يتم ذلك فيجعل ابن الزيات للصبي شيخاً ويتولى التدبير فيتلفنا وقد امتنعنا من الطعام والشراب لفرط الغم. فلما دخل ايتاخ الحبس لم نشك أنه إنما حضر لبلية. فقال: البشارة بالإطلاق، وعرفنا صورة الحال وأطلقنا، فحمدنا الله تعالى، ودعونا لأحمد بن أبي داود والخليفة، وانصرفنا إلى منزلنا. فأقمنا لحظة ثم خرجنا فوقفنا لأحمد ابن أبي داود على طريقه ننتظر عوده من دار الخليفة. فحين رأيناه ترجلنا ودعونا له وشكرناه، فأنكر ذلك وأكبره ومنعنا من الترجل فلم نمتنع، فوقف حتى ركبنا وسايرناه، فأخذ يخبرنا بالخبر ونحن نشكره، وهو يستصغر ما فعل ويقول: " هذا أقل حقوقكم " وستعلمون ما أفعله مستأنفاً، ورجع إلى دار الخليفة عشياً فقال له الواثق: قد تبركت برأيك يا أبا عبد الله ووجدت خفاً من العلة ونشطت وأكلت وزن خمسة دراهم خبزاً بصدر دراج. فقال له يا أمير المؤمنين تلك الأيدي التي كانت تدعو عليك غدوة، قد صارت تدعو لك عشية ويدعو لك بسببهم خلق كثير من رعيتك، إلا أنهم قد صاروا إلى دور خراب، وأحوال قبيحة، بغير فرش ولا كسوة ولا دواب، موتى جوعاً وهزالاً. قال: فما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين تستكمل نعمة الله تعالى عليك، وتكمل نعمتك عند هؤلاء القوم بما تفعله معهم. قال: وما ذك؟ قال في الخزائن والاصطبلات بقايا ما أخذ منهم، فلو أمرت أن ينظر في ذلك، فكل من وجد له شيء باق رد عليه، ويفرج لهم عن ضياعهم ليعيشوا بها، ويخف الإثم، ويتضاعف الدعاء، وتقوى العافية. قال: وقع عني بذلك فوقع عنه، فما شعرنا إلا وقد رجعت علينا نعمنا. ومات الواثق بعد ثلاثة أيام أو أربعة، وفرج الله عنا بابن أبي داود، وبقيت له هذه المكرمة في أعناقنا. حكاية

стр. 40

قال أبو الفرج الأصبهاني: أخبرني إسماعيل بن يونس يرفعه إلى جرير قال: قال يونس الكاتب: خرجت إلى الشام في خلافة هشام بن عبد الملك ومعي جاريتي عاتكة وكنت قد علمتها وهذبتها، وأنا أقدر فيها ما أستغني به، فلما قربنا من دمشق، نزلت القافلة على غدير ماء ونزلت ناحية منها. فأصبت من طعام كان معي وأخرجت ركوة فيها فضلة نبيذ كان معي فشربت، فبينا أنا في تلك الحال إذا فتى حسن الوجه والهيئة على فرس أشقر ومعه خادمان، وعليه ثياب وشي مذهبة فما أدري أوجهه أحسن أم ثيابه أم دابته. فسلم علي وقال أتقبل ضيفاً؟ فقمت وأخذت بركابه، وتحققت أنه من أهل بيت الخلافة ودخلتني له هيبة وإجلال. وقلت: انزل يا سيدي فنزل وقال: اسقنا من شرابك فسقيته. وقال إن سهل عليك أن تغني لي صوتاً فافعل فغنيته: ليت شعري أأول الهرج هذا ... أم زمان من فتنة غير هرج فطرب واستعاده ثم قال قل لجاريتك تغني لنا صوتاً فغنت لحني في شعر ابن هرمة أفاطم إن النأي يسلي ذوي الهوى ... وإن بعادي زادني بكم وجدا

стр. 41

فطرب وشرب واستعاده مراراً حتى صليت العشاء الآخرة فقال لي: ما أقدمك علينا هذا البلد؟ فقلت أردت بيع جاريتي هذه قال: وكم قدرت فيها من الثمن؟ قلت: ما أقضي به ديني وأصلح به حالي، فقال: يقنعك ثلاثون ألفاً! فقلت ما أحوجني إلى فضل الله تعالى والمزيد منه قال: فيقنعك أربعون ألفاً؟ قلت فيها قضاء ديني وأبقى صفراً مجرداً. قال فقد أخذتها بخمسين ألف درهم، ولك بعد ذلك جائزة وكسوة ونفقة لطريقك وأن أشركك في حالي أبداً ما بقيت فقلت قد بعتكها قال: قد قبلت أفتثق بي أن أحمل إليك ذلك غداً وأحملها معي، أم تكون عندك؟ فحملني السكر وهيبته والحشمة منه على أن قلت: نعم قد وثقت بك فخذها، بارك الله لك فيها، فقال: لأحد خادميه: احملها على دابتك وارتدف وراءها وامض بها، وركب فرسه وودعني، فما هو إلا أن غاب عني حتى عرفت موضع خطأي وغلطي وقلت ماذا صنعت بنفسي وجنيت عليها؟ أسلمت جارية إلى رجل لا أعرفه ولا أدري مما هو ولا ما اسمه ونسبه، ولا من أي البلاد هو، وهبني عرفته من أين أصل إليه، وجلست مفكراً حتى أصبحت، فصليت وجلست موضعي ورحل أصحابي ودخلوا دمشق وصهرتني الشمس فترددت بين المقام وبين الدخول. فقلت: إن دخلت لم آمن من أن يجيء رسول الرجل يطلبن فلا يجدني ولا يعرف موضعي، وأكون قد جنيت على نفسي جنانة ثانية، فأقمت ونفذت رحلي مع بعض أهل المدينة، وجلست في ظل جدار هناك. فلما أضحى النهار إذا أحد الخادمين اللذين كانا بالأمس مع الرجل قد أقبل إلي، فما أذكر إنني سررت بشيء سروري بالنظر إليه. فقال لي: أنا منذ الصباح أدور في طلبك في رفقتك. فقبل أن أسأله عن شيء قلت: من صاحبي؟ فقال: ولي العهد الوليد ابن يزيد فسكنت نفسي، ثم قال: قم فاركب، وإذا معه دابة، فركبت ودخلت إليه، فإذا الجارية قد أفرد لها حجرة وهي فيؤها، فأدخلني إليها. فلما رأتني وثبت وسلمت علي، فقلت: ما كان منك؟ قالت: دخل إلى داره وأنزلت ههنا وتفقدت بما أحتاج إليه، وأنا كما ترى بثياب السفر، فجلست عندها، وإذا الخادم قد أقبل فقال: قم، فقمت، وأدخلني إلى صاحبي بالأمس، وهو جالس على سريره، فقال: من تكون؟ فقلت: يونس الكاتب، فقال مرحباً بك، قد كنت والله إليك مشتاقاً، وكنت أسمع بخبرك فكيف كان مبيتك في ليلتك؟ فقلت: بخير أعز الله الأمير. فقال: أما ندمت على ما كان منك البارحة، وقلت دفعت جاريتي إلى رجل لا أعرفه؟ فقلت: أيها الأمير معاذ الله أن أندم ولو أهديتها إلى الأمير، وما قدر هذه الجارية؟ فقال: لكني ندمت على أخذها منك، وقلت: رجل غريب لا يعرفني وقد غممته الليلة، وسفهت رأبي في استعجالي في أخذها. أفتذكر ما كان بيننا بالأمس؟ قلت: نعم، قال: أوقد بعتني الجارية بخمسين ألف درهم؟ قلت: نعم. قال: هات يا غلام المال، فجاء به الغلمان يحملونه ووضعوه بين يديه. قال: هات يا غلام ألف دينار مفرداً فجيء بالكيس فوضعه ثم قال: هات خمسمائة دينار أخرى فجاء بها فوضعها أيضاً ثم قال: هذا مال ثمن جاريتك ضمه إليك. وهذا ألف دينار لحسن ظنك بنا، وهذه خمسمائة دينار لنفقة طريقك وما تبتاعه لأهلك، أرضيت؟ فقبلت يده ورجله وقلت: قد والله ملأت عيني ويدي. قال: يا غلام قدم إليك دابة بسرجها ولجامها لمركوبة وبغلاً لثقله. ثم قال إذا بلغك أن هذا الأمر قد أفضى إلي فزرني، فوالله لأملأن يديك ولأغنينك ما بقيت. فخرجت وتوجهت إلى بلدي. فلما أفضت الخلافة إليه صرت إليه فوفى والله بوعده وزاد، وكنت معه في أيسر حال، وأسنى منزلة، وقد اتسعت أحوالي، واقتنيت من الضياع والأملاك ما أعيش فيه إلى الآن ومن بعدي، ولم أزل معه حتى قتل. حكاية

стр. 42

قيل كان الأفشين مبغضاً لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي وحاسداً له على فضله، فحمل نفسه يوماً على قتله واستدعاه باستحثاث وإزعاج، وكان أبو دلف صديقاً لقاضي القضاة أحمد بن أبي داود. فبعث إليه أدركني فمن أمري كذا وكذا. فكرب مسرعاً واستحضر من حضره من الشهود. فلما ورد باب الأفشين قال له الغلمان: نستأذن لك قال: الأمر أعجل من ذلك، ونزل ودخل فألقى الأفشين جالساً في موضعه، وقد أقيم أبو دلف بين يديه في الصحن. فلما رأى الأفشين قاضي القضاة دخل بلا إذن بهت فقال له أحمد بن أبي داود أيها الأمير أنا رسول أمير المؤمنين إليك يأمرك أن لا تحدث في أمر القاسم حدثاً إلا بإذنه. ثم التفت إلى الشهود فقال اشهدوا أني قد بلغت رسالة أمير المؤمنين، والقاسم حي معافى ثم خرج فأتى باب المعتصم مسرعاً، واستأذن عليه فأذن له فلما دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين: قد كذبت عليك واحدة أرجو بها الجنة ولك بها الفخر قال وما هي؟ قال كان من الأمر كيت وكيت قال: فضحك المعتصم وقال: أحسنت أحسن الله إليك. ثم لم يلبث أن جاء الأفشين مستأذنا فأذن له، فلما استقر مجلسه قال يا أمير المؤمنين جاءتني رسالة منك مع قاضي القضاة في مغنى أبي دلف فما تأمر في شأنه؟ قال نعم أرسلت إليك فيه فأحذر أن تتعرض له إلا بخير، فأفلت بذلك من يده. حكاية حدث القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة. حدثني أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني قال: كان محمد بن زيد العلوي الداعي بطبرستان إذا افتتح الخاج نظر ما في بيت المال من خراج السنة التي قبلها، وفرقه في قبائل قريش على دعوتهم وفي الأنصار وفي الفقهاء وأهل القرآن وسائر طبقات الناس، إلى أن يفرق جميع ما بقي فجلس سنة من السنين يفرق مثل ذلك على عادته، فلما بدأ ببني عبد مناف، وقد فرغ من بني هاشم، دعا سائر بني عبد مناف فقال إليه رجل فقال: من أي بني عبد مناف أنت؟ قال من بني أمية، قال من أيهم أنت؟ فسكت قال: لعلك من ولد معاوية؟ قال نعم قال أمن أيهم أنت؟ فسكت قال لعلك من ولد يزيد؟ قال نعم. قال: قال بئس الاختيار اخترت لنفسك، من قصدك " بلدا " ولاية آل أبي طالب وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة عنهم بالشام والعراق عند من يتولى جدك ويحب برك. فإن كنت جئت عن جهل منك بهاذ فما يكون بعد جهلك جهل. وإن كنت جئت مستهزئاً بهم فقد خاطرت بنفسك فنظر إليه العلويون نظراً شديداً فصاح بهم محمد وقال: كفوا عافاكم الله كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركاً أو ثأراً للحسنين بن علي، وأي جرم لهذا إن الله تعالى قد حرم أن تطالب نفس بغير ما اكتسبت، والله لا يعرض له أحد إلا أقدته به، واسمعوا حديثاً أحدثكم به يكون لكم قدوة فيما تستأنفون:

стр. 43

حدثني أبي عن أبيه قال: عرض على المنصور سنة حج جوهر فاخر فعرفه وقال: هذا كان لهشام بن عبد الملك، وهذا يعنيه قد بلغني خبره عند ابنه محمد، وما بقي منهم أحد غيره. ثم قال للربيع: إذا كان غداً وصليت بالناس في المسجد الحرام، وحصل الناس فيه فأغلق الأبواب ووكل بها ثقاتك من الشيعة وأقفلها، وافتح للناس باباً واحداً منها، وقف عليه فلا يخرج أحد إلا من قد عرفته. فلما كان من غد فعل الربيع ذلك، وتبين محمد بن هشام القصة، وعلم أنه هو المطلوب وإنه مأخوذ فتحير. وأقبل محمد بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على أثر ذلك فرآه متحيراً وهو لا يعرفه فأنكر أمره وقال له. يا هذا أراك متحيراً متلدداً فمن أنت ولك أمان الله تعالى التام العام وأنت في ذمتي حتى أخلصك بعون الله تعالى قال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك فمن أنت؟ قال أنا محمد بم زيد بن علي بن الحسين قال: فعند الله أحتسب نفسي، إذ قال: لا بأس عليك يا ابن عم، فإنك لست قاتل زيد ولا في قتلك إدراك ثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك، ولكن تعذرني فيما أتناولك به من مكروه وقبيح خطاب أخاطبك به يكون فيه خلاصك، بمشيئة الله تعالى. فقال: يا سيدي أنت وذاك، فطرح رداءه على رأسه ووجهه ولببه به وأقبل يسحبه، فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات، وجاء به إلى الربيع، وقال يا أبا الفضل إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جماله ذاهباً وعائداً وقد هرب مني في هذا الوقت، وأكرى لبعض القواد الخراسانية، ولي عليه بذلك شهود، فتضم إلي حرسيين يصيران به معي إلى القاضي ويمنعان الخراساني من اعتراضه إن اعترضنا، فضم إليه الربيع حرسيين وقال امضيا به معه بعد من المسجد قال له: يا خبيث أتؤدي إلي حقي؟ قال نعم يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا في حفظ الله تعالى فانصرفا. فلما بعدا أطلقه، فقبل محمد بن هشام رأسه وقال: بأبي أنت والله وأمي، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته ثم أخرج جوهراً له قدر عظيم فدفعه إليه وقال: تشرفني يا سيدي بقبول هذا مني، قال: اذهب بمتاعك يا ابن عم، فإنا أهل البيت لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك دم زيد وهو أعظم قدراً من متاعك، فانصرف راشداً ووار شخصك عن هذا الرجل إلى أن يخرج، فإنه مجد في طلبك، فمضى وتوارى. قال ثم أمر محمد بن زيد الداعي " بطبرستان " للأموي بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف، وضم إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوه إلى الري ويأتوه بكتابه بسلامته، فقام الأموي فقبل رأسه ومضى معهم حتى بلغ مأمنه وجاؤوه بكتاب بسلامته. حكاية قال أبو القاسم بن المعمر الزهري: كنت أسير مع يحيى بن خالد وهو بين ابنيه الفضل وجعفر، فإذا أبو الينبغي واقف على الطريق فناداني يا زهري فاستشرفت له فقال: صحبت البرامك عشراً ولاء ... وبيتي كرا وخبزي شرا قال: فسمعه يحيى فالتفت إلى الفضل وجعفر وقال: أف لهذا الفعل، أبو الينبغي ممن يحاسب؟ فلما كان الغد جاءني أبو الينبغي فقلت: ويحك ما هذا الذي عرضت نفسك له. فقال: أسكت ما هو إلا أن انصرفت إلى منزلي حتى جاءني من قبل الفضل بدرة ومن قبل جعفر بدرة، ووهب لي كل واحد منهما داراً، وأجرى علي من مطبخه ما يكفيني. حكاية قيل عرض محمد بن الجهم داراً له للبيع بخمسين ألف درهم، فلما حضر الشهود ليشهدوا قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص، وكانت الدار في جوار سعيد بن العاص فقالوا: وإن الجوار ليباع، فقال: وكيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن أسأت إليه أحسن إليك. قال: فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم، وقال له: امسك عليك دارك. حكاية

стр. 44

حدث إبراهيم بن المهدي قال: خلا جعفر بن يحيى يوماً في منزله وحضر ندماؤه وكنت فيهم: فتضمخ بالخلوق ولبس الحرير، وفعل بنا مثل ذلك، وتقدم إلى الحاجب يحفظ الباب إلا من عبد الملك بن نجران كاتبه. فوقع في أذن الحاجب عبد الملك دون ابن نجران ومضى صدر من النهار، وبلغ عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي عم الرشيد مقام جعفر في منزله فركب إليه، فلما وصل دار جعفر وجه الحاجب إليه أن قد حضر عبد الملك فقال: يؤذن له، وهو يضن أنه كاتبه، فدخل عبد الملك بن صالح في سواده " ورصافيته " يرفل، على جلالته وورعه، ونبيه قدره وأدبه فلما رآه جعفر اسود وجهه، وعظم ذلك وارتاع له. وكان عبد الملك لا يشرب النبيذ، وكان ذلك سبب موجدة الرشيد عليه، لأنه كان يلتمس منادمته فيأبى عليه. فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر، فدعا غلامه فناوله سواده وعمامته وسيف، وأقبل حتى وقف على باب المجلس " الذي نحن فيه " فسلم وقال: " أشركونا في أمركم " افعلوا بنا ما فعلتم بأنفسكم، فدنا منه خادم فألبسه الحرير وضمخه بالخلوق، ثم جلس ودعا بطعام فأكل، ودعا بنبيذ فأتي ركل فشربه وقال لجعفر: والله ما شربته قط قبل اليوم فليخفف عني فدعا برطلية فجعلت بين يديه، وجعل كلما فعل شيئاً من ذلك سري عن جعفر، فلما أراد الانصراف قال له: جعفر: جعلني الله فداك، قد تطولت وساعدت، فسل حاجتك فما تحيط مقدرتي بمكافأة ما كان منك اليوم، إن في قلب أمير المؤمنين علي هناة فأسأله الرضا عني قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين " وزال ما عنده منك " قال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم تقضى عني، قال: إنها لك من لك من عندي حاضرة، ولكن أجعلها من مال أمير المؤمنين فإنه أنبل لك وأحب إليك. قال: وإبراهيم ولدي أحب أن أشد ظهره بصهر " من ولد " الخلافة. قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية قال: وأحب أن يخفق على رأسه لواء، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر. وانصرف عبد الملك ونحن متعجبون من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان وقلنا لعله أن يجاب إلى ما سأل من الحوائج، فكيف التزويج، هل يطلق لجعفر أو لغيره ذلك فلما كان من الغد غدونا فوقفنا على باب الرشيد، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك ابن صالح ثم خرج إبراهيم والألوية بين يديه وقد خلع عليه، وزوج العالية ابنة الرشيد، وكتب سجله على مصر، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك. وخرج جعفر فأشار إلينا بأتباعه إلى منزله فلما عدنا إلى دار جعفر قال: تعلقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك فأحببتم على آخره: إني لما دخلت على أمير المؤمنين؛ وقمت بين يديه، ابتدأت أحدثه القصة من أولها إلى آخرها فجعل يقول: حسن والله حسن والله، حتى أتممت خبره وما أحببته به فجعل يقول في كل ذلك: أحسنت أحسنت فكان ما رأيتم. قال إبراهيم بن المهدي؛ فوالله ما أدري أيهم أكرم وأعجب فعلاً، ما ابتدأه عبد الملك بن صالح من المساعدة وشرب الخمر وغير ذلك، وكان رجل جد " وتعفف ووقار وناموس " أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم. أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه.؟ حكاية

стр. 45

قيل كان بين غسان بن عبادة وبين علي بن عيسى القمي وقعة أدت إلى عداوة، وكان علي بن عيسى ضامناً أعمال الخراج والضياع ببلده، فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار، فألح المأمون في قتضائه إياها، ومطالبته بها إلى أن قال لعلي بن صالح حاجبه: طالب علي بن عيسى بما بقى عليه، وأنظره ثلاثة أيام، فإن أحضر المال قبل انقضائها وإلا فاضربه بالسياط، حتى يؤديها أو يتلف. فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيساً من نفسه، إذ كان لا يعرف وجهاً يخلصه من المال، فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عباد وخبرته خبرك لرجوت لك أن يعينك على أمرك. فقال له: على ما بيني وبينه؟ قال: نعم، فإن الرجل أريحي كريم. فحملته الحالة التي هو عليها على قبول ذلك من كاتبه فدخلا على غسان فقام إليه وتلقاه بالقبول ووفاه حقه. فقال له علي بن عيسى: الحال التي بيني وبينك لا يوجب لي ما أبديت من كرمك فقال: ذلك بحسب أمر تقع المنافسة عليه والمضايقة فيه، والذي بيني وبينك دعه بحاله، ولدخولك داري حرمة توجب لك على بلوغ ما رجوته عندي، فاذكر إن كانت لك حاجة. فقص عليه كاتبه القصة. فقال: أرجو أن يكفيه الله تعالى، ولم يزد على هذا شيئاً فنهض علي بن عيسى وخرج " من عنده " آيساً " من خيره " نادناً على قصده غسان على ما بينهما وقال لكاتبه لما خرج: ما أفدتني بقصد غسان، وإلزامي الدخول عليه إلا تعجيل الشماتة والهوان وعساه أن يجد بذلك " السبيل " إلى التشفي بي. فلم يصر علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال، فبلغه سلامه، وقال: قد حضر المال، فتقدم بتسليمه، وبكر على دار أمير المؤمنين من غد فبكر علي بن عيسى فوجد غسان " قد سبقه إليها " ودخل على المأمون ومثل بين الصفين. وقال: يا أمير المؤمنين إن لعلي بن عيسى حرمة وخدمة، وسالف أصل ولأمير المؤمنين إليه إحسان هو ولي ربه وحفظه. وقد لحقه من الخسران والجائحة في ضمانه مما قد تعارفه الناس. وقد خرج أمير المؤمنين بالاشتداد عليه في المطالبة وتوعده من ضرب السوط بمال يتلف نفسه، ما أطار عقله وأذهب لبه وأدهشه عن الاضطراب في الخلاص، والاحتيال فيما عليه، مع عدم القدرة على ذلك، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجريني على حسنى عادات كرمه عندي، فيشفعني فيه ببعض ما عليه، فهي صنيعة يجددها عندي تحرس ما تقدم من إحسانه، وتضاعف وجوب الشكر عليها، والاعتداد بسبوغ نعمه بها. ولم يزل بلطف به بهذا ونحوه إلى أن حط النصف مما عليه، واقتصر منه على عشرين ألف دينار. فقال غسان: على أن يجدد أمير المؤمنين عليه الضمان، ويضرفه يخلع تقوي نفسه، وترهف عزمه ويعرف بها مكان الرضى عنه. فأجابه المأمون إلى ذلك. قال: فأذن لي أمير المؤمنين أن أحمل الدواة إلى حضرته ليوقع بما رآه من هذا الإنعام، فيبقى شرف حملها علي وعلى عقبي من بعدي. فقال: افعل، فحمل الدواة وأحضرها فوقع المأمون له بما التمس، وخرج علي بن عيسى بالخلع عليه، والتوقيع بيده فلما حصل في داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأعادها على غسان وشركه على جميل فعله معه، فقال لكاتبه: كأنني شفعت إلى أمير المؤمنين ليعيد إلي المال؟ ولم استحطه ذلك إلا ليتوفر عليه وينتفع به، وليس يعود إلي منه شيء أبداً. وأعاد المال إليه وكان ذلك سبب صلاح ما بينهما. وعرف علي بن عيسى قدر ما فعله معه غسان فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر. حكاية

стр. 46

حدث القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي في كتابه قال: حدثني الصولي قال: حدثني محمد بن القاسم بن خلاد قال: رفع بعض العمال إلى المعتصم، وكان قد تولى من الخراج والحرب ما كان يتولاه خالد بن يزيد) بن مزيد (وذلك أن خالد بن يزيد اقتطع الأموال واحتجز بعضها، فغضب المعتصم، وحلف ليأخذن أموال خالد وليعاقبنه وينفيه، فلجأ خالد إلى أحمد بن أبي داود القاضي، فاحتال حتى جمع بينه وبين خصمه فلم يقم على خالد حجة، فعرف ابن أبي داود القاضي المعتصم بذلك، وشفع إليه في خالد فلم يشفعه وأحضر خالداً وأحضر له آلات العقوبة، وكان قبل ذلك قبض أمواله وضياعه، وصرفه عن العمل. وحضر ابن أبي داود المجلس فجلس دون مجلسه الذي كان يجلس فيه، فقال له المعتصم: ارتفع إلى مكانك، فقال: يا أمير المؤمنين ما أستحق إلا دون هذا المجلس، قال: وكيف؟ قال الناس يزعمون أنه ليس محلي محل من يشفع في رجل قذف بما ليس فيه، ولم يصح عليه منه شيء فلم يشفع. قال: فارتفع إلى موضعك قال: مشفعاً أو غير مشفع قال: بل مشفعاً قد وهبت لك خالداً ورضيت عنه. قال: إن الناس لا يعلمون بهذا قال: قد رددت إليه جميع ما قبض منه من ضياعه وأمواله قال فامر بفك قيوده واخلع عليه، ففعل ذلك قال: يا أمير المؤمنين قد استحق هو أصحابه رزق ستة أشهر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجعلها صلة له. قال: لتحمل معه فخرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه والناس ينظرون الإيقاع به فلما رأوه على تلك الحال سروا وصاح به رجل: نحمد الله على خلاصك يا سيد العرب. فقال: مه بل سيد العرب والله ابن أبي داود الذي طوقني هذه المكرمة التي لا تنفك من عنقي أبداً. حكاية قيل كان فتى من ذوي النعم قعد به زمانه وكانت له جارية حسناء محسنة في الغناء، فضاق بهما الخناق، واشتدت بهما الحال في عدم ما يقتاتان به. فقال لها: قد ترين ما قد صرنا إليه من هذه الحالة السيئة ووالله لموتي وأنت معي أهون علي مما أذكره لك ويسؤني أن أراك على غير الحال التي تسرني " فيك "، ونهاية أمرنا أن تحل بأحدنا منيته فيقتل الآخر نفسه عليه. فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك، فيغسل عنك ما أنت فيه وأتفرج أنا بما " لعله " يصير إلي من الثمن، ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه. فقالت: والله لموتي معك على هذي الحال، آثر عندي من انتقالي إلى غيرك، ولو كان ملكاً، ولكن اصنع ما بدا لك. قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي بحملها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان أميراً بالعراق. قال: فحملها إليه فلما عرضت عليه استحسنها، وقال لمولاها: كم كان شراؤها عليك؟ قال: مائة ألف درهم، وقد أنفقت عليها مائة ألف دينار. قال: أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقتها في لذاتك. وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط ثياب وعشرة أروس من الخيل، وعشرة من الرقيق، أرضيت؟ قال: نعم أرضى الله الأمير. وأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانته بإدخال الجارية إلى دار الحرم، فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت: هنيئاً لك المال الذي قد أفدته ... ولم يبق في كفي غير التحسر أقول لنفسي وهي في كرباتها ... أقلي فقد بان الحبيب أو أكثري إذا لم يكن للأمر عندك حيلة ... ولم تجدي بدأً من الصبر فاصبري فأجابها مولاها يقول: ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري أروج بهم من فراقك موجع ... أناجي به قلباً قليل التصبر عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فقال ابن معمر: قد شئت فخذها بارك الله بك فيها، وفيما صار مني إليك، فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب، وعاد وقد أثرى وحسنت حاله. حكاية

стр. 47

حدث موسى بن الحسين بن زياد قال: كان محمد بن أوس يتعشق غرس جارية عيناء ابنة مطهر الصاغاني وكانت لا تخرج في اليوم والليلة إلا بخمسة دنانير. وكان إذا استدعاها وخرجت إليه اقتطعها شهراً أو أكثر، فحجبتها عنه في بعض الأوقات، واحتجت عليه بكسوة الشتاء فكتب إليها رقعة يسألها إنقاذها، ووعدها أن يكلم الوزير في أمر أرزاقه لتبلغ محبوبها. وكتب رقعة أخرى إلى الوزير عبيد الله بن يحيى ابن خاقان وخرج باكراً مغلساً ليلقى الوزير بالرقعة. فغلط بين الرقعتين فحمل على كمه الرقعة التي كتبها إلى عيناء. فلما رأى الوزير ذهب ليترجل فمنعه من ذلك، فسلم ودفع الرقعة إليه، فدعا عبيد الله بالشمع فأدني منه، وقرأ الرقعة في الطريق واستدعى أحمد بن العباس وساره، وقال: خذ هذه الرقعة فاعمل بما فيها. وأوحى إليه بشيء سراً، فمضى إلى عيناء فابتاع الجارية منها وابتاع لها وصيفة بمائة دينار وكسوة بثلاثمائة دينار، وصار بالجميع إلى منزل محمد بن أوس. وقد كان الوزير أمسكه إلى وقت الطعام فتغدى معه وجلس للشراب. قال أحمد بن العباس: فلما حصلت ما أمرني له أتيته فقال لي الوزير: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقلت: قد أنجزته. فقال: لمحمد بن أوس: صر إلى منزلك فإن الغلام يلقاك. فلما دخل منزله لقيته الجارية منبسطة مقبلة عليه غير محتشمة ولا منقبضة، وكانت في مدة عشقه لها تمنعه من الدنو لها فجرى على عادته تلك في الإمساك عنها، وترك مقاربتها، لما كان يعرفه منها. فقالت: لا تنقبض فما لي اليوم منك امتناع، وأنا اليوم ملك يديك. قال: وما القصة؟ فأخبرته بما كان من أحمد بن العباس عن أمر الوزير. فعجب من ذلك ولم يعرف سببه ثم فكر في الرقعة فقام لينظر الرقعة الأخرى فألفى التي كتبها إلى الوزير باقية فعلم أنه غلط بين الرقعتين، فركب إلى دار الوزير واستأن عليه ليعتذر إليه فأنفذ إليه: أنت الليلة عروس اذهب فأقم في عرسك سبعة أيام، ثم صر إلينا بعد ذلك. فعاد إلى داره وأقام مع الجارية أياماً، وأنفذ إليه عبيد الله توقيعاً بأرزاقه، وقد زاد فيها ورفع مرتبته، فسار إليه بعد ذلك وشكره على ما كان منه إليه. حكاية قيل كان أوس ابن حارثة المري رئيساً مسوداً نبيلاً عالي الهمة وله أخبار كثيرة فمن أحسنها ما رواه أبو الفرج الشلحي عن ابن حاتم عن الأصمعي، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء عن أشياخه قال: جلس النعمان ابن المنذر يوم نعيمه في حلة مذهبة مطوقة بالدر لم ير أحسن منها، وأذن للعرب فدخلوا عليه، وكان فيهم أوس بن حارثة بن لام الطائي. قال: فجعلت وجوه العرب تعجب من حسن الحلة ويتحدث بعضها إلى بعض، وأوس بن حارثة مطرق، فقال: النعمان: ما أرى فيمن دخل إلي إلا من استحسن هذه الحلة على نقصان قدرها عندي غيرك يا أوس. فقال:

стр. 48

أيها الملك أسعدك إلاهك، وساعدك زمانك. إنما تستحسن هذه إذا كانت في يد تاجرها، وأما إذا كانت على الملك، وتهلل وجهه المشرق فيها، فالأبصار مقصورة عليه دونها، فاسترجح عقله واستحسن ما أتى به، فعرض للنعمان خالد بن بشر بالتماسها. فقال النعمان: أنا أفكر ليلتي وأدفعها غداً إلى من أرى أنه سيد العرب، فانصرفوا وكل طامع مهموم. فلما كان من غد تزينت وجوه العرب وغدت إلى باب النعمان، تسحب أذيالها وتنظر في أعطافها، وكل يرى أنه صاحب الحلة، وتأخر أوس بن حارثة. فقال له أصحابه: ما لك لا تغدو إلى دار الملك فلعلك تكون المسود في العرب بأخذها فيتم فخرك: فقال أوس: يا سبحان الله إن كنت سيد قومي فلست بسيد طبقات العرب عند نفسي، وإنما وعد الملك أن يدفع الحلة إلى سيد العرب ولست أعرفه مني ولا من غيري، إلا أن الملك أولى برأيه. فإن أنا حضرت ولم آخذها انصرفت منقوصاً مهموماً، وإن كنت المطلوب فسيرسل إلي، فأمسكوا عنه مستعجزين لرأيه. قال: ونظر النعمان في وجوه الجماعة ففقد أوساً فوقع له ما فكر فيه. فاستدعى بعض بطانته وأنفذه كالمتعرف خبره من غلمانه، فأعيد عليه ما قال. فأعاده على النعمان فقال: امض إليه وقل له الملك يستبطئك على تأخرك، واستدعه فحضر يومه ذاك في الثوب الذي حضر فيه أمسه. وكانت وجوه العرب سرت بتأخره ولاستشعارها أن الملك كان يدفع إليه الحلة لو حضر. فلما أخذ مجلسه من حضرة النعمان رفعه وقدمه ثم مد يده إليه وقال: أراك لم تغير ثوبك في يومك فالبس هذه الحلة لتتجمل بها بين من تجمل من أصحابك، فلبسها، فحسدته وجوه العرب وقالوا ليس يخفض رافعته غير الهجاء وليس له مثل جرول، فكلموا جرولاً فقال: لا سبيل عندي إليه وكيف أهجو رجلاً حسيباً لا ينكر بيته كريماً لا يغب عطاؤه، فاضلاً لا يطعن على رأيه، شجاعاً لا يصطلى بناره، محسناً لا أرى في بيتي شيئاً إلا من أفضاله. ثم قال: كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني قال: فسمع بشر بن أبي خازم " أحد بني أسد بن خزيمة " بذلك فرغب في البذل وعزم أن يهجوه فجعلوا له ثلاثمائة بعير أو شبيهاً بها فهجاه. فوجه أوس إلى أبله التي استعجلها وما كان له قبلها، فطردها وحصلها عنده، وطلبه ليقتله فهرب من يده، وجعل يطلب عزيزاً يستجير به فلا يقصد أحداً إلا قال له: أجيرك من كل الناس إلا من أوس بن حارثة، فإني ما أحب عداوته. فبينا هو يدور وقد أذكى أوس العيون عليه، إذ رآه بعض من كان يرصده فقبض عليه وحمله إلى أوس. فلما حصل في يد مشاور أمه سعدى فيه، وكان قد هجاها فأكثر. وقال أي قتلة تحبين أن أقتله؟ قالت: كلا والله يا أوس إن قتلته ليثبتن قوله كالنقش في الصخر، وليس يمحو هجاءه عنك إلا مديحه لك، فامنن عليه واطلقه، واردد عليه ما أخذ له. فعلم أن الصواب ما أشارت به، وأحضره وقال له: ما ترى إني صانع بك؟ قال: تقتلني. قال: أنت مستحق لذلك مني لكن سعدى رقت لك واشارت علي فيك بامر وأنا فاعله، ثم أمر به. ففك عنه ورد عليه إبله وزاد عليها من عنده، وكساه وحمله، وقال له: انصرف إلى أهلك راشداً. قال: فرفع بشريده وطرفه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهد على بشر أنه لا يمدح أحداً غير أوس بن حارثة ما مددت له في العمر. قال: فمدحه بعدة قصائد هي ثابتة في ديوانه. ومن قوله: إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي فيمن قضاها إذا ما راية رفعت لمجد ... أقاموها ليبلغ منتهاها فما وطي الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها حكاية

стр. 49

ذكر عبد الله بن منصور قال: كنت يوماً في مجلس الفضل بن يحيى فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلاً قد أكثر في طلب الإذن، وزعم أن له يداً يمت بها، قال: أدخله، فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فأحسن السلام، فأومأ إليه بالجلوس فجلس فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت عنها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل. فما الذي تمت به؟ قال ولادة تقرب من لادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال الفضل: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني قيل لها أنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلاً إعظاماً لاسمك أن تلحقني به " وصغرته لقصور قدري عن قدرك "، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين قال: خمس وثلاثون سنة قال: صدقت هذا المقدار الذي أعد لنفسي قال: فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: كانت في عامية وحداثة تقعد بي عن لقاء الملوك، قال: يا غلام أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفاً، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح به، فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به أخوته وخاصة أهله. حكاية يروى أن رجلاً جاء إلى عبيد الله بن العباس وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن العباس إن لي عندك يداً وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصر وصوبه فلم يعرفه. ثم قال له: ما يدك عندنا فإني لا أثبتك؟ قال رأيتك واقفاً بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها، والشمس قد صهرتك، فظللنك بطرف إزاري حتى شربت قال أجل إني لأذكر ذلك، وإنه ليتردد بين خاطري وفكري. ثم قال لقيمه: ما عندك؟ قال مائتا دينار وعشرة آلاف درهم قال: ادفعها كلها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك ما كفاه، فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمداً ﷺ ثم " شفعه " بك وبأبيك. حكاية قيل كان لعمرو بن دوسرة أخ قد كلف بابنة عمه كلفاً شديداً وكان أبوها يكره ذلك ويأباه، فشكاه إلى خالد بن عبد الله القسري وهو يومئذ على العراق، وذكر أنه يسيء جواره وسأله حبسه فحبسه ثم سئل خالد فيه فأطلقه، فلبث الفتى مدة كافا عن ابنة عمه ثم زاد ما به غلبه فرط الشوق، فحمل نفسه على أن تسور دار عمه ليرى ابنته، فنذر به وقبض عليه، وأتي به خالداً وادعى عليه السرقة، وأتى بجماعة يشهدون أنهم وجدوه في علو داره ليلاً، فسأله خالد فاعترف الفتى بالسرقة ليدفع الظنة عن ابنة عمه، فعزم خالد على قطع يده. فكتب أخوه رقعة ودفعها إلى من أولها إلى خالد وكان فيها: أخالد قد أوطئت والله عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا يسارق أقر بما لم يجنه غير أنه ... رأى القطيع أولى من فضيحة عاشق ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في أمر الفتى غير ناطق إذا بدت الغايات في السبق للعلى ... ابن عبد الله أول سابق فأرسل خالد مولى له يوثق به ليكشف حاله ويقف على حقيقة الأمر فأتاه بالصحيح من أمر الغلام، فأحضر عمه وألزمه بتزويج الجارية من ابن عمها فامتنع وقال ليس هو كفؤاً لها. فقال: بلى والله إنه لفوق الكفؤ إذ بذل يده عنها. ولئن لم تزوجه لأزوجنها منه وأنت كاره. فزوجها أبوها وساق خالد المهر عنه من ماله وأمره بلزومه لينفعه فلزمه، وكان الفتى يسمى العاشق إلى أن مات. حكاية

стр. 50

وعن واقد بن محمد الواقدي قال: حدثنا أبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر فيها كثرة الدين وقلة صبره عليه فوقع المأمون على ظهر رقعته: " إنك لرجل اجتمع فيك خصلتان سخاء وحياء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فهو الذي يمنعك تبليغنا ما أنت فيه، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فإن كنت قد أصبحت فازدد في بسك يدك، وإن لم أكن أصبت فجنايتك على نفسك فأنت حدثتني، وكنت على قضاء الرشيد، عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ قال للزبير بن العوام: " يا زبير " علم أن أرزاق العباد بإزاء العرش، يبعث الله تعالى إلى كل عبد بقدر نفقته، فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له، وأنت أعلم ". قال الواقدي: فوالله لمذاكرة المأمون إياي الحديث أحب إلي من الجائزة. " ومن مئة ألف ". حكاية وصح أن أبا طالب بن كثير كان شيعياً فقال له رجل: بحق علي بن أبي طالب إلا ما وهبت لي نخيلك بموضع كهذا. قال: قد فعلت وحقه لأعطينك ما يليها. وكان ذلك أضعاف ما طلب الرجل. حكاية ذكر بعض الرواة أن معاوية ابن أبي سفيان أهدى إلى عبيد الله بن العباس، وهو عنده بالشام، من هدايا النيروز حللاً كثيرة ومسكاً وآنية من ذهب وفضة، ووجهها مع حاجبه. فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله إن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جُعلت فداك أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد علي. قال فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازر فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلاً. قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه - يعني معاوية - فظن عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع عنك هذا الكلام فإنا قوم نفي بما وعدنا، ولا ننقض ما أكدنا. حكاية قيل كان أبو مزيد أحد الكرماء فمدحه أحد الشعراء فقال للشاعر: والله ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادَّعِ علي بعشرة آلاف درهم أقر لك بها ثم احبسني فإن أهلي لا يتركونني محبوساً ففعل ذلك، فلم يمس حتى دفعت إليه عشرة آلاف درهم وأُخرج أبو مزيد من الحبس. حكاية وكان معن بن زائدة عاملاً على العراقين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة يريد الدخول عليه فلم يتهيأ له. فقال يوماً لبعض خدمه: إذا دخل الأمير البستان فعرّفوني. فلما دخل أعلمه فكتب الشاعر بيتاً من الشعر على خشبة فألقاها في الماء الذي يدخل بستان معن، وكان معن جالساً على رأس الماء فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها فإذا فيها مكتوب: أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فما لي إلى معن سواك سبيل فقال: من صاحب هذا؟ فدعي بالرجل فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت، فأمر له بعشر بدر فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بساطه، فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأ ما فيها. دعا بالرجل فدفع له مائة ألف درهم أخرى، وكذلك في اليوم الثالث. فلما أخذها منه الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه. فخرج " فتوجه إلى حال سبيله " فلما كان في اليوم الرابع قرأ ما فيها ودعا بالرجل فطلب فلم يوجد فقال معن: حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت المال درهم ولا دينار. حكاية قيل أنفذ هارون الرشيد إلى مالك بن أنس ﵁ خمسمائة دينار فبلغ ذلك الليث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب الرشيد وقال: أعطيه خمسمائة دينار وتعطيه أنت ألف دينار، وأنت من رعيتي فقال: يا أمير المؤمنين إن لي في كل يوم من غلتي ألف دينار، فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم. وحكي أنه لم تجب عليه زكاة قط، مع أن دخله ألف دينار في كل يوم. حكاية دخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك، وكان رجلاً جواداً، فإذا لم يجد شيئاً كتب لمن يسأله الصكاك على نفسه حتى يخرج عطاؤه. فلما نظر إليه سليمان تمثل بهذا البيت: إني سمعت مع الصباح منادياً ... يا من يعين على الفتى المعوان ثم قال: حاجتك؟ قال ديني قال: كم هو؟ قال ثلاثون ألف دينار قال: لك دينك ومثله. حكاية

стр. 51

وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه، فقيل أنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر منادياً فنادى من كان لقيس عليه حق فهو منه في حل فكسرت درجته " بالعشي " لكثرة من عاده. حكاية قال الشيخ أبو سعيد " الخركوشي النيسابوري سمعت " محمد بن محمد الحافظ يقول سمعت " الشافعي يقول: كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء فولد لبعضهم ولد. قال: فجئت إليه وقلت: ولد لي مولود وليس معي شيء فقام معي، ودخل على جماعة فلم يفتح عليه بشيء. فجاء إلى قبر رجل يعرفه وجلس عنده وقال: رجمك الله كنت تفعل وتصنع، وإني درت اليوم وطلبت جماعة في شيء لمولود فلم يتفق لي شيء. ثم قام وأخرج ديناراً فكسره نصفين وناولني نصفه وقال: هذا دين عليك إلى أن يفتح الله لك بشيء، فأخذته وانصرفت وأصلحت ما اتفق لي به. فرأى " المحتسب "، تلك الليلة " ذلك الشخص صاحب القبر في منامه وهو يقول: قد سمعت جميع ما قلت، وليس لنا إذن في الجواب. ولكن احضر منزلي وقل لأولادي يحفرون مكان الكانون ويخرجون قربة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل. قال: فلما كان من الغد، تقدم إلى منزل الميت وقص القصة فقالوا له: اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بيد يديه فقال: هذا ما لكم وليس لرؤياي حكم. فقالوا: هو يتسخى ميتاً ونحن لا نتسخى أحياء، والله لا تمسكنا منها بشيء. فلما ألحوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة. قال: فأخذ منها ديناراً فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر، وقال: يكفيني هذا، تصدق بها على الفقراء قال: أبو سعيد فلا أدري أي هؤلاء أسخى الميت أم السائل أو أولاده؟ حكاية وروي أن الشافعي لم مرِض مرَض موته قال: مُروا فلاناً بغسلي. فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال: ايتوني بتذكرته فأُتي بها فنظر فيها فإذا على الشافعي ﵁ سبعون ألف درهم فكتبها على نفسه " وقضاها عنه "، وقال: هذا غُسلي إياه أي أنه إنما أراد هذا. حكاية وقال الشافعي ﵀: لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني عنه، " ذلك " أنه كان يوماً راكباً حماراً له فحركه فانقطع زره، فمر على خياط فأراد أن ينزل إليه يسوي زره. فقال الخياط: والله لا نزلت، وقام إليه وسوى زره، وهو راكب، فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير، فسلمها إلى الخياط واعتذر إليه من قلتها. حكاية عن الربيع بن سليمان أنه قال: أخذ رجل بركاب الشافعي ﵁ فقال: يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني. حكاية ويروى أن طلحة الطلحات خرج في يوم صائف فأصابه الحر فعطش، فنظر إلى دار لها فناء حسن، وظل ممدود، فعدل إليها، وجلس ثم استسقى ماء، فخرجت إليه جارية نظيفة بيدها إناء نظيف فيه ماء بارد، فشرب وقال: يا جارية ما أنظفك وأنظف ما معك، فقالت: جُعلت فداك إن أهلي علموا بموضعك فثوقوا فيما أنفذوه إليك. فعجب من عقلها وكرهم أهلها وسأل عن رب الدار فقيل أنه مختف من دين ركبه، وأن الدار رهن عند غريمه في ألف دينار، فأرسل إلى الرجل فاستخرجه، وبعث إلى الغريم فدفع إليه ماله، ورد على الرجل داره وأجزل صلته، وقال متى مسك من دهرك بؤس فاقصدنا فأنا معينك على دهرك. حكاية وقال الربيع: سمعت الحميدي يقول: قدم الشافعي ﵀ من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خِباءه في موضع خارج من مكة ونثر الدنانير على ثوب ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض قبضة ويعطيه حتى صلى الظهر، ونفض الثوب وليس عليه شيء. حكاية قال محمد بن عباد المهلبي: دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم فلما قام من عنده تصدق بها فأُخبر بذلك المأمون فلما عاد إليه عاتبه في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين منع الجود من سوء الظن بالمعبود، فوصله بمائتي ألف أخرى. حكاية

стр. 52

وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من ماء، وأنا أفول إن كان به رمق أسقيته، ومسحت به وجهه. فإذا أنا به فقلت: أَسقيك ماء فأشار أي نعم. فلما هم أن يشرب إذا برجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي أن أنطلق به إليه " قال فجئته "، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك. فسمعني آخر فقال: آه آه، فأشار هشام أن أنطلق به إليه فجئته. فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. حكاية ودخل رجل على سالم بن قتيبة الباهلي يكلمه في حاجة فوضع نصل سيفه على إصبع سالم واتكأ عليه. وجعل يكلمه في حاجته وقد أدماه، وسالم صابر فلما فرغ الرجل من حاجته وخرج دعا سالم بمنديل فمسح الدم عن إصبعه وغسله، فقيل له: هلا نحّيت رجلك أصلحك الله أو أمرته برفع سيفه عنه؟ فقال: خشيت أن أقطعه عن حاجته. حكاية وذكر خزيم بن أبي يحيى المزني أن الرشيد دعاه يوماً ليأكل معه فلما توسط الأكل رفع رأسه إلى رجل يكلمه بالفارسية. قال فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تسر إليه فإني أفهم الفارسية، فأمرني أن أتنحى ليتقدم إليه بما يريد، فأعجب الرشيد كرم أخلاقه وصدقه وخاطب ذلك الرجل سراً بما أراد وأمر لخزيم بصلة سنية. حكاية ذكر أن عبيد الله بن العباس أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له. تصدق علي بشيء فإني نُبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلاً ألف درهم واعتذر إليه فقال: وأين أنا من عبيد الله فقال: أين أنت منه في الحسب أم في الكرم؟ قال: فيهما جميعاً، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت " وإذا فعلت " كنت حسيباً. فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته. فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن العباس فأنت خير منه، وإن كنت إياه فأَنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفاً أخرى فقال له السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض السر من جوانحي. حكاية " من ملح ما ذكر في حفظ السر وكتمانه ما " حدث " به " أبو سفيان الحميري وصالح بن سليمان قللا: أراد الوليد بن يزيد الحج فاتّعد قوم من وجوه الشام أن يثبوا به فأتوا خالد بن عبد الله القسري ليكون معهم فأبى عليهم قالوا: فتكتم علينا، قال: أما هذا فنعم. فمشى خالد القسري إلى خالد بن الوليد ين يزيد فقال له: قل لأمير المؤمنين يدع الحج في عامه هذا، فقال: ولم؟ قال: أخاف عليه، فأعلم خالد أباه فأحضره. وقال: أحقاً ما يقول خالد عنك يا خالد؟ قال نعم قال: أعده علي فأعاد قوله. فقال: ومن هؤلاء الذين تخافهم عليّ فسمِّهم؟ قال: لا أفعل قال: لتقولن قال: لا أقول قال: إذاً أبعث بك إلى يوسف بن عمر قال: وإن فعلت. فبعث به إلى يوسف فعذَّبه إلى أن مات، ولم يسم القوم ولا أحداً منهم. حكاية قيل لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الجوشني ولينظر أنفذهما في الحكم فليقلده إياه فلما وقف على الكتاب استدعاهما وقرأه عليهما فقال له إياس اسأل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، وكان القاسم صديقاً لهما، ففطن لما قصد إياس. فقال: أيها الأمير لا تسأل عني وعنه أحداً، واسمع مني ومنه، قال: قل، قال: والله الذي لا إله إلا هو، وحلف يميناً مستوفاة جامعة لمعاني الحلف، إن إياس بن معاوية لأصلح للحكم مني وأنفذ فيه، فإن كنت عندك صادقاً فقلده " بيميني " وإن كنت عندك كاذباً فما يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذه اليمين كاذباً. فقال إياس: لا تسمع منه أيها الأمير فإنك جئت به إلى شفير جهنم، فافتدى نفسه أن يقع فيها بيمين حلفها كاذباً يكفر عنها ويستغفر الله منها وينجو " مما كان " فقال له الأمير: أوليس قد فطنت أنت لها يا إياس؟ وقلده الحكم بين الناس. حكاية

стр. 53

لما حضرت عمر بن عبد العزيز ﵁ الوفاة دعا بنيه، وكانوا أحد عشر ابناً وكان عنده مَسلمة بن عبد الملك، ولم يخلِّف غير بضعة عشر ديناراً فأمر أن يكفن ويشرى له موضع يدفن فيه بخمسة دنانير ويفض الباقي على ورثته. فأصاب كل ابن نصفاً وربع دينار. فقال: يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، ولكني قد تركتكم وما لأحدٍ قِبَلكم تَبعة، فلا تقع عين أحد منكم على أحد إلا ويرى له عليكم حقاً. قال له مسلمة: أَوَ خير من ذلك يا أمير المؤمنين. قال: وما هو، قال: هذه ثلاثمائة ألف دينار فرِّقها فيهم، وإن شئت فتصدق بها. قال: أَوَ خير من ذلك يا مسلمة قال: وما هو؟ قال تردها إلى من أخذتها منه، فإنها ليست لك بحق، فقال له مسلمة: رحمك الله يا أمير المؤمنين حياً وميتاً، فقد ألنت منا قلوباً قاسية، وذكرتها وإن كانت ناسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً، فيقال أنه ما روئي قط أحد من أولاد عمر بن عبد العزيز إلا وهو غني. ولقد شوهد أحدهم وقد جهز من خالص ماله مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله. ولما حضر هشام بن عبد الملك الوفاة خلف أحد عشر ابناً كما خلف عمر فأَوصى فأصاب كل واحد من البنين ألف ألفِ دينار. فيقال أنه لم يُرَ أحد منهم قط إلا وهو فقير، وقد شوهد أحدهم وهو يوقد في أتون الحمام على ملء بطنه. حكاية حدث أحمد بن موسى قال: قال الربيع: ما رأيت رجلاً أربط جأشاً ولا أثبت جناناً من رجل رفع عليه إلى أمير المؤمنين المنصور أن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية. فأمرني بإحضاره، فأحضرته ودخلت به إليه. فقال له المنصور: قد رفع إلينا خبر الودائع والأموال " التي عندك " لبني أمية فاخرج إلينا منها. فقال: يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية؟ قال: لا قال: فوصي لهم في أموالهم ورباعهم؟ قال: لا. قال: فما مسألتك عما في يدي من ذلك؟ فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها، وأنا وكيل المسلمين في حقهم، وأريد أن آخذ ما ظلموا فيه المسلمين فأجعله في بيت مالهم. فقال: يا أمير المؤمنين تحتاج إلى إقامة البينة العادلة على أن ما في يدي لبني أمية مما خانوا وظلموا فيه دون غيره، فقد كان لنبي أمية أموال غير أموال المسلمين. قال: فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال: صَدَق يا ربيع ما يجب على الشيخ شيء. ثم قال: هل لك من حاجة؟ فقال: حاجتي يا أمير المؤمنين أن تنفذ كتابي على البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى سلامتي، فإنهم قد راعهم أشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فوالله ما لبني أُمية في يدي مال ولا وديعة، ولكني لما مثلت بين يديك، وسألتني عما سألتني عنه، علمت ما ينجيني منك إلا هذا القول، لما اشتهر من عدلك، فقلت: إن ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة. فقال: يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فعرفه، فقال: هذا غلامي سرق علي ثلاثة آلاف دينار من مال وأبق مني " وخاف من طلبي له فسعى بي عند أمير المؤمنين، قال " فشد المنصور على الغلام " وخوفه " فأقر أنه غلامه وأنه أخذ له المال الذي ذكره وأبق منه، وأنه سعى به كذباً عليه وخوفاً من أن يقع في يده، فقال المنصور للشيخ: نسألك أن تصفح عنه قال: قد صفحت عنه وعن جرمه وأعتقته ووهبت له الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى. فقال له المنصور: ما على ما فعلته مزيد. قال: بل هذا حق كلامك يا أمير المؤمنين وانصرف. فكان المنصور يتعجب منه كلما ذكره ويقول: ما رأيت مثل ذلك الشيخ يا ربيع. حكاية قيل أقام رجل على باب معن مدة لا يصل إليه، فلما طال مقامه كتب إليه رقعة فيها: فما في يدك الخير يا معن كله ... وفي الأرض أسباب وفيها مذاهب ستأتي بنات العمر ما أنت صانع ... إذا فتشت عن الإياب الحقائب ووكل من يوصلها إليه وسار فلما وصلت إليه وقرأها أمر برده وقال: والله ليفتشن عن خير كثير، وأمر فملئت حقيبته دراهم. حكاية قال بعض العرب خرجت في بعض الليالي السود فإذا بجارية كأنها صنم فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا ما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك زاجر من دين؟ فأخجلني كلامها، فقلت إنما كنت مازحاً، فقالت: وإياك إياك المزاح فإنه ... يطمّع فيك الطفل والرجل النذلا

стр. 54

ويذهب ماء الوجه بعد حيائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلا حكاية يروى أن رجلاً من الأنصار جاء إلى عبد الله بن العباس فقال له: يا ابن عم رسول الله إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سميته باسمك تبركاً به وإن أمه ماتت فقال عبد الله: بارك الله لك في الصبية وأجزل لك في الصبر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش بؤس، وفي المال قلة قال الأنصاري: جُعلت فداك لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب أبداً، ولكنه سبقك فصرت تالياً، وأنا أشهد أن عفوك. أكثر من جوده، وطلّ كرمك أكثر من وبله. حكاية قال خرج رجلان من المدينة يريدان عبد الله بن عامر بن كُريز للوفادة عليه. أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملاً بالعراق لعثمان بن عفان ﵁. فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال اعرضه. قال: ننيخ رواحلنا ونتوضأ ونصلي ركعتين نحمد الله فيهما على ما قضى من سفرنا. قال: نِعم هذا الرأي الذي لا يُردّ. قال: ففعلا ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي فقال له: يا أخا ثقيف ما رأيك؟ قال وأي موضوع رأي هذا، قضيت سفري، وأنضيت بدني وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر فهل لك من رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال إنني لما صليت، فكرت فاستحييت من ربي أن يراني طالب رزق من عند غيره. ثم قال: اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعاً إلى المدينة. ودخل الثقفي إلى البصرة فمكث على باب ابن عامر أياماً، فلما أُذن له، دخل عليه، وكان كُتب إليه بخبرهما، فلما رآه رحب به وقال: أَلم أُخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما، فبكى ابن عامر وقال: والله ما قالها أشِراً ولا بطراً، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر الثقفي بأربعة آلاف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول: أمامة ما سعي الحريص بزائد ... فتيلاً ولا عجز الضعيف بضائر خرجنا جميعاً من مساقط رؤوسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر فلما أنخنا الناعجات ببابه ... تأخر عني اليثربي ابن جابر وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربي الذي أرجو لسد مفاقري فلما رآني قال ابن جابر؟ ... وحن كما حنت ضراب الأباعر فأضعف عبد الله إذ غاب شخصه ... على حظ لهفان من الحرص فاغر حكاية قال خرج على الرشيد بعض الخوارج، فأنهض إليه جيشاً فظفر به، فلما دخل عليه قال: ما تريد أن أصنع بك؟ قال الذي تريد أن يصنع الله بك إذا وفقت بين يديه، فأطرق الرشيد ملياً ثم رفع رأسه وأمر بإطلاقه فلما خرج قال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين يقتل رجالك، ويفني أموالك، وتطلقه بكلمة واحدة، تأمل هذا الأمر فإنه يجري عليك أهل الشر، فأمر برده فلما مثل بين يديه علم أنه قد شنع به عنده. فقال: أمير المؤمنين لا تطعهم فيّ، فلو أطاع الله فيك ما استخلفك لحظة واحدة، فأمر بإطلاقه وقال: لا يعاود " ني أحد " في شأنه. حكاية قيل أتى معن بن زائدة بأسرى فعرضهم على السيف. فقال له بعضهم: نحن أسراك أيها الأمير ونحن نحتاج إلى شيء من الطعام، فأمر لهم بذلك، فأتي بأنطاع فبسطت وأتي بالطعام. فقال لأصحابه: أمعنوا في الأكل ومعن ينظر إليهم ويتعجب منهم، فلما فرغوا من أكلهم قام فقال أيها الأمير قد كنا قبلُ أسراك ونحن الآن أضيافك، فانظر ماذا تصنع بأضيافك. فعفى عنهم وخلى سبيلهم. فقال له بعض من حضر ما ندري أيها الأمير أي يوميك أشرف يوم ظفرك أو يوم عفوك! حكاية قال روح بن مقاتل: لما زُفت بوران بنت الحسن بن سهل إلى المأمون كتبت إليه حظيته عريب تقول: أنعم، تخطتك عيون الردى ... بزف بوران مع الدهر بيضة خدر لم يزل نجمها ... بنجم مأمون الورى يجري حتى استقر الملك في حجرها ... بورك في ذلك من حجر

стр. 55

يا سيدي لا تنس عهدي وما ... أطلب شيئاً غير ما تدري فوقفت بوران على الرقعة وقالت: قد عرفت ما تريد، ثم قالت: يا أمير المؤمنين أنعم بالأذن في زفها إليك، فهو والله مكافأتها على شعرها. فقال: ذلك إليك ففعلت فزفت معها، وسر المأمون بما اجتمع له من الألفة بين زوجته وحظيته. حكاية سعيد بن مسلم الباهلي. قال: قدم على الرشيد أعرابي من باهلة، وعليه جبة حبر ورداء يمان، قد شده على وسطه ثم ثناه على عاتقه، وعمامة قد عصبها على خديه، وأرخى لها عذبة من خلفه؛ فقعد بين يدي الرشيد فقال له سعيد: يا أعرابي خذ في شرف أمير المؤمنين فاندفع في شعره، فقال له الرشيد: يا أعرابي أسمعك محسناً، وأذكرك فهماً، فقل لنا بيتين في هذين. يعني محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنيه وهما حوله. فقال: يا أمير المؤمنين: أطلعتني على الوعر القردد، ولزحتني عن السهل الجدجد روعة الخلافة وبهر الدرجة ونفور القوافي عن البديهة فارددني تتألف لي نوافرها، وتسكن روعتي. قال: قد فعلت، وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك فقال يا أمير المؤمنين نفست الخناق وأرسلت الميدان للسباق ثم أنشأ يقول: بنيت بعبد الله ثم محمد ... درى قبة الإسلام فاخضر عودها هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها فقال له الرشيد: وأنت يا أعرابي بارك الله فيك، فسل ولا تكن مسألتك دون إحسانك. قال " مائة ناقة " يا أمير المؤمنين، فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع. حكاية قالوا دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه فقام رجل فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟ قال: عمارة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: قم يا عمارة فاقعد مع خصمك. فقال: ما هو لي بخصم يا أمير المؤمنين. قال وكف ذلك؟ قال: إن كانت الضيعة له فلست أُنازعه فيها، وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس قد شرفني به أمير المؤمنين، ورفعني إليه، وأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة! حكاية قيل لما تفرق الأمر على مروان الجعدي وأيقن بزوال ملكه وغلبه بنو هاشم عليه، قال لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: أني قد احتجت أن تكون مع عدوي، وتظهر لهم الغدر في، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إليك يدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وألا تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي. فقال عبد الحميد: إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي. وما عندي إلا الوفاء حتى يفتح الله لك أو أُقتل معك ثم قال: أُسر وفاءً ثم أُظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره حكاية حدث عمر بن شَبَّة، قال: وفد مطيع بن إياس على يزيد بن جرير ابن عبد الله القسري وقد مدحه بقصيدته التي أولها: أمِنْ آل ليلى حرمت البكورا ... ولم تلق ليلى فتشفي الضمرا وقد كنت دهرك فيما خلا ... ليلى وجارات ليلى زؤرا إلى أن يقول في مديحه فيها: تقول ابنتي إذا رأت رحلتي ... وقربت للبين عيساً وكورا إلى من أراك، وقتك الحتو ... ف نفسي، تجشمت هذا المصيرا؟ فقلت إلى الفحل الذي ... يفك الأسير ويغني الفقيرا أخي العرب أشبه عند الندى ... وحمل المثين أباه جريرا إذا استكثر المجتدون القلي؟ ... ل للمعتفين استقل الكثيرا إذا عسر الخير في المجتدي؟ ... ن كان لديه عتيداً يسيرا وليس بمانع ذي حاجة ... ولا خاذل من أتى مستجيرا بنفسي أقيك أبا خالد ... إذا ما العداة أغاروا النحورا

стр. 56

فلما بلغ يزيد خبر قدومه دعا به ليلاً ولم يعلم أحد بحضوره. ثم قال له: قد عرفت خبرك وإني معجل جائزتك ساعتي هذه، فإذا حضرت غداً فإني سأخاطبك مخاطبة فيها جفاء، وأزودك نفقة طريقك وأصرفك لئلا يبلغ أبا جعفر المنصور خبري فيهلكني. وأمر له بمائتي دينار وصرفه فلما أصبح أتاه فاستأذنه في الإنشاد فقال له: يا هذا لقد رميت بأملك غير مرمى، وفي أي شيء أنا حتى تنتجعني الشعراء؟ لقد أسأت إليّ لأني لا أستطيع تبليغك محبتك، ولا آمن سخطك وذمك. فقال له: تسمع ما قلت فإني أقبل ميسورك، وأبسط عذرك، فاستمع منه كالمكره. فلما فرغ قال لغلامه: يا غلام كم يبلغ ما بقي من نفقتك؟ قال: ثلاثمائة درهم، قال أعطه مائة درهم لنفقة طريقه، ومائة درهم ينصرف بها إلى أهله، واحتبس لنفقتك مائة درهم، ففعل الغلام ذلك، وانصرف مطيع عنه شاكراً، ولم يعرف أبو جعفر خبرهما. حكاية قال الأصمعي: قصدت في بعض الأيام رجلاً كنت أغشاه لكرمه فوجدت على بابه بواباً فمنعني من الدخول إليه. ثم قال: والله يا أصمعي ما أوقفني على بابه لأمنع متك الدخول إليه إلا رقة حاله، وقصور يده، فكتبت رقعة أقول فيها: إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم ثم قلت له: أوصل رقعتي هذه إليه ففعل. فعادت الرقعة وقد وقع على ظهرها: إذا كان الكريم قليل مال ... تستر بالحجاب عن الغريم وأرسل مع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار. فقلت والله لأتحفن أمير المؤمنين بهذا الخبر، " فما مر بي مثله " فجئت إليه، فلما رآني قال لي: من أين يا أصمعي؟ قلت: من عند رجل أكرم الأحياء حاشا أمير المؤمنين. قال: ومن هو؟ قلت: رجل قراني علمه وماله. ثم دفعت إليه الرقعة والصرة " وأوعدت عليه الخبر فلما رآى الصرة اربد وجهه " فقال: هذا ختم بيت مالي، ولا بد لي من الرجل الذي أدفعها إليك. فقلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأستحي أن أروعه برسلك، فقل لبعض خواسه: امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل فقل له: أجب أمير المؤمنين من غير إزعاج ولا إظهار شدة. قال: فلما حضر الرجل بين يدي أمير المؤمنين قال: أما أنت بالأمس الذي وقفت بموكبنا وشكوت إلينا رقة حالك وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله؟ فدفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك، فقصدك الأصمعي ببيت شعر واحد فدفعتها إليه. فقال: والله ما كذبت فيما شكوته لأمير المؤمنين من رقة الحال، وصعوبة الزمان، لكني استحييت من الله أن أعيد قاصدي إلا كما أعادني أمير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين: لله أنت فما ولدت العرب أكرم منك، ثم أمر له بألف دينار. قال الأصمعي: فقلت ألحقني يا أمير المؤمنين فتبسم، وأمر أن تكمل لي ألف دينار وأعاد الرجل من جملة ندمائه. حكاية

стр. 57

حدث صالح بن علي الأضخم " وكان من وجوه الكتاب قال: طالت بي " العطلة وبلغ بي ذلك أعظم الحاجة فبكرت يوماً إلى أحمد ابن أبي خالد الوزير لأعلمه بخلل أحوالي وأسأله لم شعثي. فخرج من بابه وبين يديه الشمع قاصداً دار المأمون. فلما نظر إلي أنكر بكوري وعبس في وجهي وقال: في الدنيا أحد بكر هذا البكور ليشغلنا " عن أمورنا ". فقلت ليس العجب منك أصلحك الله فيما لقيتني به، إنما العجب مني إذ سهرت ليلي وأسهرت جميع أهلي ترقباً للصبح حتى أصير إليك في صلاح أحوالي بعد وقوع الاختيار عليك فيما أؤمله عندك. لكن علي وعلى " وحلف بأيمان البيعة " إن وقفت لك بباب أو سألتك حاجة حتى تصير إلي معتذراً مما لقيتني به، وانصرفت مغموماً مفكراً فيه، نادماً على ما فرك مني من اليمين، آيساً من الفرج لاستبعاد مجيء الوزير إلي، واعتذاره لي، راجعاً باللوم على نفسي، فإني كذلك إذ دخل علي بعض الغلمان، فقال إن الوزير أحمد بن أبي خالد أخذ في شارعنا، ثم دخل آخر فقال: إنه دخل دربنا، ودخل ثالث فقال: إنه قرب من بابنا فدخل آخر فقال: قد دخل دارنا فخرجت مستقبلاً له فلما استقر به المجلس قال لي: كان أمير المؤمنين قد أمرني بالبكور إليه في بعض مهماته فدخلت إليه وقد بلغ بي السهر والغم بما فرط مني إليك حتى أنكر حالي فقصصت عليه القصة. فقال: قد أسأت إلى الرجل ولا عليك أن تعتذر إليه، قلت: فامضي إليه فارغ اليد قال فتريد ماذا؟ فقلت: تقضي دينه فقال: وكم ذلك؟ فقلت ثلاثمائة ألف درهم فأمرني بالتوقيع لك بها. فقلت: يا أمير المؤمنين إذا قضى دينه فيرجع إلي ماذا، قال وقع له بثلاثمائة ألف أخرى يصلح بها حاله. قلت: فولاية يشرف بها، قال: وله أو غيرها مما يشبهها قلت: فمعونة يستعين بها على سفره فأمر أن يوقع لك بمائة ألف درهم، وهذه التوقيعات كلها لك بكل ذلك ونثرها من كمه وانصرف. حكاية قيل نذر المهدي دم رجل من أهل الكوفة، وكان يسعى في فساد دولته، وجعل لمن دل عليه أو جاء به مائة ألف درهم فأقام الرجل حيناً متوارياً ثم أنه ظهر بمدينة السلام فبينا هو يمشي في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فعرفه فأخذ بمجامع ثيابه وقال: هذا بغية أمير المؤمنين. فبينا الرجل على تلك الحال إذ سمع وقع الحوافر من ورائه فالتفت فإذا معن بن زائدة. فقال: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله فوقف وقال للرجل الذي تعلق به: ما شأنك قال: بغية أمير المؤمنين الذي نذر دمه، وأعطى لمن دل عليه مائة ألف درهم. فقال: يا غلام انزل عن دابتك واحمل الرجل عليها فصاح المتعلق به ياللناس: أيحال بيني وبين طلبة أمير المؤمنين. فقال له معن: اذهب وأخبره أنه عندي. فانطلق الرجل إلى باب المهدي فأخبر الحاجب فدخل إلى المهدي فأخبره، فأمر بإحضار معن، فأتته الرسل فدعا أهل بيته ومواليه وقال لا يصل هذا الرجل شر وفيكم عين تطرف ثم سار إلى المهدي فدخل وسلم، فلم يرد ﵇، قال: يا معن أتجير علي قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ونعم أيضاً واشتد خضبه فقال يا أمير المؤمنين قتلت في طاعتكم باليمن في يوم واحد خمسة عشر ألفاً، إلى أيام كثيرة قد تقدم بلائي وحسن غنائي، فما رأيتموني أهلاً أن يوهب لي رجل واحد استجاربي. فاطرق المهدي طويلاً ثم رفع رأسه وقد سري عنه. وقال: قد أجرنا من أجرت يا معن. قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله فيكون قد أحياه وأغناه. قال: قد أمرنا له بخمسين ألف درهم. قال: يا أمير المؤمنين إن صلات الخلفاء تكون على قدر جنايات الرعية، وإن ذنب الرجل عظيم، فاجزل له الصلة. قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم قال: فعجلها له يا أمير المؤمنين، فإن الخير أعجله فأمر بتعجيلها له. فانصرف معن بالمال إلى الرجل، وقال له: خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة خلفاء الله تعالى. حكاية قال أبو عبد الله النديم: لقد رأيت الملوك في مقاصيرها ومجامعها فما رأيت أغزر أدباً من الواثق، خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لعمري لقد عرض عرضه من عرضه لقول الخزاعي خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين وإن امرأ قد ضن عني بمنطق ... يسد به فقر امرئ لضنين

стр. 58

فانبرى إليه أحمد بن أبي داود كأنما أنشط من عقال يسأل في رجل من اليمامة، فأسهب في الشفاعة وأطنب، وذهب في القول كل مذهب، فقال له الواثق: يا أبا عبد الله لقد أكثرت في غير كثير ولا طيب فقال يا أمير المؤمنين إنه صديقي. وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما فقال الواثق: ما قدر هذا اليمامي أن يكون صديقك وإنما حسبه أن يكون من بعض خولك فقال: يا أمير المؤمنين إنه شهر بالاستشفاع بي عندك، وجعلني بمرأى مسمع من الرد والإسعاف، فإن لم أقم له هذا المقام كنت إذاً كما قال أمير المؤمنين: خليلي ماذا أرتجي من غد امرئ ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين وإن امرأ قد ضن عني بمنطق ... يسد به فقر امرئ لضنين فقال الواثق لمحمد بن عبد الملك الزيات: بالله يا محمد ألا عجلت لأبي عبد الله حاجته ليسلم من هجنة المطل كما سلم من هجنة الرد. حكاية قيل سأل رجل حاتماً الطائي فقال: يا حاتم هل غلبك أحد في الكرم؟ قال: نعم غلام يتيم من طيء نزلت بفنائه وكان له عشرة أرؤس من الغنم، فعمد إلى رأس منها فذبحه. وأصلح من لحمه، وقدم إلي، وكان فيما قدم إلي الدماغ، فتناولت منه فاستطبته، فقلت: طيب والله. فخرج من بين يدي، وجعل يذبح رأساً رأساً، ويقدم إلي الدماغ وأنا لا أعلم. فلما خرجت لأرحل نظرت حول بيته دماً عظيماً وإذا هو قد ذبح الغنم بأسره. فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: يا سبحان الله تستطيب شيئاً أملكه فأبخل عليك به، إن ذلك لسبة على العرب قبيحة. قيل يا حاتم: فما الذي عوضته؟ قال: ثلاثمائة ناقة حمراء وخمسمائة رأس من الغنم، فقيل أنت إذاً أكرم منه فقال: بل هو أكرم، لأنه جاد بكل ما يمكله وإنما جدت بقليل من كثير. حكاية وحدث أبو اليقظان عن جويربة قال: أتى النصيب عبد الله بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه فقال له قائل: يا ابن جعفر أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا؟ فقال: والله إن كان هذا أسود إن ثناه لأبيض، وإن شعره ليهزني، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وما ذاك؟ إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى؛ ودراهم تفنى، وثناؤه يبقى، ومديحه يروى. حكاية قدم زياد الأعجم على المهلب بن أبي صفرة بخراسان ونزل على ابنه حبيب فجلسا ذات عشية على شراب وفي الدار شجرة علها حمامة فجعلت تغرد وزياد الأعجم يقول: تغني أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي أن لا تضاري وبيتك أصلحيه ولا تخافي ... على صفر مزغبة صغار فإنك كلما غنيت صوتاً ... ذكرت أحبتي وذكرت داري فإن هم يفتلوك طلبت ثأري ... بقتلهم لأنك في جواري فأخذ حبيب سهماً فرماها فأثبتها فماتت، فقال له زياد قتلت جاري، بيني وبينك الأمير المهلب ثم أتى المهلب فأخبره فقال: يا حبيب ادفع إلى أبي أمامة ألف دينار قال حبيب: أعز الله الأمير كنت ألعب. فقال: أمع هذا لعب؟ جار أبي أمامة جاري، فدفع إليه حبيب ألف دينار فقال زياد الأعجم: فلله عيناً من رأى كقضية ... قضاها فأمضاها الأمير المهلب قضى ألف دينار بجار أجرته ... من الطير حضان على البيض ينعب رماه حبيب بن المهلب رمية ... فأنفذه بالسهم والشمس تغرب فألزمه عقل القتيل بزجرة ... وقال حبيب إنما كنت ألعب فقال زياد لا يروع جاره ... وجارة جاري مثل جاري وأقرب فلما سمعه المهلب أجازه بجائزة حسنة وصرفه مكرماً وبلغ هذا العشر الحجاج، فقال: ما أخطأت العرب إذ جعلت المهلب شيخها. حكاية

стр. 59

ومن ملح أخبار القاضي أحمد بن أبي داود ما حكي أن المعتصم كان بالجوسق مع ندمائه وقد عزم على الاصطباح، وأمر كلاً منهم أن يطبخ قدراً، ونظر سلامة غلام أحمد بن أبي داود. فقال: هذا غلام ابن أبي داود جاء ليعرف خبرنا، والساعة يأتي، فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيقطعنا بحوائجه عما كنا عزمنا عليه وأنا أشهدكم أني لا أقضي له اليوم حاجة. فلم يكن بأسرع من أن يدخل ايتاخ يستأذن لأحمد بن أبي داود. فقال لجلسائه: كيف ترون؟ قالوا: لا تأذن له يا أمير المؤمنين. قال: سوأَة لهذا الرأي والله لحمي سنة أسهل علي من ذلك، فأذن له فدخل فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم، حتى أسفر وجه المعتصم، وضحكت إليه جوارحه. ثم قال يا أبا عبد الله قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدراً، وقد جعلناك حكماً في أطيبها. قال: فلتحضر لآكل وأحكم بعلم. فأمر المعتصم بإحضارها فأحضرت القدور بين يديه وتقدم القاضي أحمد بن أبي داود، فجعل يأكل من أول كل قدر أكلاً تاماً فقال له المعتصم: هذا ظلم قال: وكيف ذاك؟ قال أراك قد أمعنت في هذا اللون وستحكم لصاحبه. قال: يا أمير المؤمنين ليس بلقمة ولا باثنتين تدرك المعرفة بأخلاط الطعام، وعلي أن أوفي كلاً منها حقها في الذوق، ثم يقع الحكم بعد ذلك، فتبسم المعتصم وقال: شأنك إذاً، وأكل من جميعها كما ذكر، ثم قال: أما هذه فقد أحسن صاحبها إذ أظهر فلفلها وقلل كمونها، وأما هذه فقد أجاد صاحبها إذ كثر خلها وقلل فلفلها ليشتهى حمضها. وأما هذه فقد أحكمها طباخها بتقليل مائها وكثرة رُبها وأقبل يصفها واحدةً واحدة حتى أتى على جميعها بصفات سر بها أصحابها. وأمر المعتصم بإحضار المائدة فأكل مع القوم بأكلهم أنظف أكل وأحسنه. فمرة يحدثهم بأخبار الأكلة في صدر الإسلام مثل معاوية بن أبي سفيان وسليمان بن عبد الملك وعبيد الله بن زياد والحجاج، ومرة يحدثهم أكلة دهره مثل ميسرة التراس وحاتم الكيال واسحق الحمامي. فلما رفعت الموائد قال له المعتصم: ألك حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: فاذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا بقية يومهم. فقال: رجل من أهل يا أمير المؤمنين قد وطئه الدهر فغير من حاله وخشن معيشته قال: ومن هو؟ قال: سليمان بن عبد الملك النوفلي. قال: قدّر له ما يصلحه قال: خمسين ألف درهم قال قد أمرت له بها. قال: وحاجة أخرى قال وما هي؟ قال: ضياع هارون توغر بها له. قال: قد فعلت قال: فوالله ما برح حتى سأل في ثلاث عشرة حاجة لا يرده المعتصم عن شيء منها. ثم قام خطيباً فقال: يا أمير المؤمنين عَمّرك الله طويلاً فبعمرك يخصب جناب رعيتك ويلين عيشهم وتنمو أموالهم ولا زلت ممتعاً بالسلامة منعاً بالكرامة مدفوعاً عنك حوادث الزمان وغيرها، ثم انصرف. فقال المعتصم: هذا والله الذي يُتزيّن بمثله ويُبتهج بقربه. أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف أكل، وكيف وصف القدور، وكيف انبسط في الحديث، وكيف طاب به أكلنا، والله لا يردّ هذا عن حاجة إلا لئيم الأصل، خبيث الفرع، والله لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم ما رددته عنها فإني أعلم أنه يكسبني في الدنيا جمالاً وحمداً، وفي الآخرة ثواباً وأجراً. حكاية حدث الأصمعي قال: وقعت حرب بالبادية، واتصلت بالبصرة، وتفاقم الأمر فيها حتى مشى الناس في الصلح بين الحيين، فاجتمعوا في المسجد الجامع. قال فبعثت وأنا " حينئذ " غلام إلى القعقاع بن الضرار الدارمي فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فوجدته في شملته يخلط بزراً فخبرته مجتمع القوم، فأمهل حتى أكل العنز، ثم غسل الصفحة وصاح: يا جارية غدينا، فأتته بتمر وزيت. قال فدعاني لآكل معه فأكلت، حتى إذا قضى أربه من الأكل، وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل منه يده، ثم استسقى ماءً فشربه، ثم مسح فاضله على وجهه ثم قال: الحمد لله ماء فرات وتمر البصرة وزيت الشام، متى يؤدى شكر هذه النعمة؟ ثم أخذ رداءة وارتدى به على تلك الشملة. قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحاً لزيه. فلما دخل المسجد صلى ركعتين، ثم مشى إلى القوم فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاماً له. ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء من الديات في ماله فنهض وهو سيد الكافة بفضله. حكاية

стр. 60

قيل لمعاوية بن أبي سفيان: بالحيرة رجل من جرهم له قدم وسن وفصاحة وعقل، وقد مضت عليه برهة من دهره، ورأى أعاجيب في عصره. فقال معاوية: علي به، فلما حضر قال له: من الرجل؟ قال: عبيد بن شرية قال: ثم ممن؟ قال: من قوم ليست لهم بقية. قال: فكم مضى عليك من عمرك؟ قال: عشرون ومائتا سنة، قال: أهمتك السنون؟ قال: أجل يا أمير المؤمنين، وقرعتني بريبها المنون، قال: فما رأيت في سنيك وطول ما عمرت؟ قال: رأيت يوماً في إثر يومٍ يتبعه، ورأيت قوماً يمضون ولا يرجعون، فهم يجمعون لما يبيد عنهم، ولا يعتبرون بمن مضى قبلهم، فذهب الدهر بهم كل مذهب، ولولا أن المولود يلد لذهبت الأرض بمن عليها، ولولا أن الحي يموت لضاقت الأرض بمن فيها. قال له معاوية: إن عندك لعلما؟ قال: نعم فسلني، قال: فأي المال رأيت أنفع، وإلى صاحبه بالخير أسرع؟ قال: عين خرَّارة، في أرض خوَّارة، تعول ولا تُعال. قال: ثم مه؟ قال: فرس، في بطنها فرس، تتبعها فرس، قال: فأين أنت عن الصهابية الحمر والعوسية الشقر، قال: تلك يا أمير المؤمنين لغيرك، قال: لمن؟ قال: لمن وليها بيده ولم يكلها إلى غيره. قال: فأين أنت عن الذهب والفضة؟ قال: حجران يصطكان إن أقبلت عليهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا. قال له معاوية: فأخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كنت في حي من أحياء العرب وقد مات لهم ميت يقال له جبلة بن الحويرث فمشيت في جنازته وأنست بجماعته، فلما دلي في قبره واعول النساء في إثره أدركتني عليه عبرة لم أستطع ردها، وتمثلت بأبيات كنت سمعتها " قال معاوية: قل يا أخا جرهم فأنشد ": يا قلب أنت في أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد ... حتى جرت بك اطلاقاً محاضير تريد أمراً فما تدري أعاجله ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير فاسترزق الله مما في خزائنه ... فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في التراب تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور كأنه لم يكن إلا تذكرة ... والدهر أينما حال دهارير؟ فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعينان ينسكبان انسكاباً لا أملك رد دمعهما. إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة: يا أبا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر؟ قلت لا والله. قال هذا الميت " الذي دفناه " وأنت الغريب الذي تبكي عليه، " ولا تعرفه ولا تعلم أنه قائل هذا الشعر " وذو قرابته الذي ذكر أنه مسرور هو ذاك، وأشار إلى رجل في الجماعة وقال: والله ما يستطيع كتمان ما هو عليه من السرور بفقده. فقال له معاوية: يا أخا جرهم سل ما شئت قال: ما مضى من عمري ترده؟ والأجل إذا حضر تدفعه؟ قال: ليس ذلك إلي سل غير ذلك قال: يا أمير المؤمنين ليس إليك الدنيا فترد شبابي، ولا الآخرة فتكرم مآبي، وأما المال فقد أخذت " منه " في عنفواني ما كفاني. قال لابد أن تسألني قال: أما إذ أبيت فامر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر، واتق الله واعلم أنك مفارق ما أنت فيه، وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية برواحل كثيرة من الحنطة وغيرها فردّها. وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثل ما أعطيتني أخذت وإلا فلا حاجة لي في ذلك وودعه وانصرف. حكاية

стр. 61

وملح ما سطر ومستحسن ما ذكر ما حدث به رسول ملك الخزر وهو عند الفضل بن سهل عن أُخت ملكهم واسمها خاتون. قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب وصنوف الآفات ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به. فقالت له خاتون: أيها الملك إن الحزم علق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن عزيزه وهو دليل الملك على استصلاح مملكته، وزاجره عن استفسادها. وقد فزعت رعيتك إليك لفرط العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزاً، ولا ينقصه العود إليهم بالإحسان ملكاً، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الوصي، ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي، ولم نزل في نقمة لم تغيرها نقمة، وفي رضا لم تكدره سخطة، إلى أن جرى القدر بما عمي عنه البصر، وذهب عنه الحذر، فسلب الموهوب، والسالب هو الواهب. فعد إليه بشكر النعم وعذ به من فظيع النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلل للمعز المذل شركاً بينك وبين رعيتك فتستحق مذموم العاقبة، ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشكر له، فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن شيء فعل إلى صالح عمل، وليتبعه على ذاك الشكر لما يحرز به فضلاً آخر. قال: فأمرهم الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت. " فتلقوا وعظها بالقبول، ورجعوا عن باب الملك الأدنى إلى باب الملك الأعلى. وقد علم الله منهم قبول الوعظ والأمر والنهي، فحال عليهم الحول، وما أحد منهم مفتقر لنعمة كان عليها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصنع ولله الحمد والشكر. حكاية قال أبو بكر " الهذلي " أخبرنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه عبد الملك الأصمعي قال: قدم وفد على هشام بن عبد الملك وفيهم رجل من قريش يقال له إسماعيل بن أبي الجهم، وكان أكبرهم سناً؛ وأفضلهم رأياً وحكماً، فقام متوكئاً على عصا، فقال: يا أمير المؤمنين إن خطباء قريش قد قالت فأطنبت وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم قال: أفأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى وزينك بالتقوى، وجمع لك بين الآخرة والأولى، إن لي حوائج أفأذكرها؟ قال: نعم: قال: كبرت سني فضعفت قوتي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وينفي فقري فليفعل فقال: يا ابن الجهم، وما يجبر كسرك وينفي فقرك؟ قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار، قال: هيهات يا ابن أبي الجهم بيت المال لا يحتمل هذا، قال: كأنك آليت يا أمير المؤمنين أن لا تقضي لي حاجة في مقامي هذا، فقال هشام: فألف دينار لماذا؟ قال: أقضي بها ديناً قد حنا ظهري وأرهقني حمله. قال: نعم المسالك سلكتها، ديناً قضيت؛ وأمانة أديت، وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي، ويكثر بهم عددي. قال: لا بأس غضضت طرفاً، وحصنت فرجاً، وأكثرت نسلاً، وألف دينار لماذا؟ قال: أشتري بها أرضاً فأعود بفضلها على ولدي، وبفضل فضلها على ذوي قربتي، قال: ولا بأس أردت ذخراً، ورجوت أجراً، ووصلت رحماً، قد أمرنا لك بها. قال: المحمود الله على ذلك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين والرحم خيراً. فقال هشام: تالله ما رأيت رجلاً ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقال منه، هكذا فليكن القرشي. حكاية

стр. 62

حدث علقمة قال حدثني الفصل بن زياد قال: حدثني أبو زيد بن نوفل قال: سمعت محرز بن ناجية الرصافي يقول: كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مصر أيام الواثق، فطلبني السلطان طلباً شديداً حتى ضاقت علي الرصافة وغيرها من المدن، فخرجت أريد البادية مرتاداً رجلاً عزيز الجار، منيع الدار، أعوذ به، وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان، فرفع لي بيت مشرف بظهر رابية منيعة وبفنائه فرس مربوط، ورمح مركوز، يلمع سنانه، ومن تحته حلة عظيمة، فدنوت ونزلت عن الفرس وتقدمت فسلمت على أهل البيت فرد علي السلام نساء من وراء السجف، ثم تقدمن فرفعن خلل الستور بعيون كعيون أخشاف الظباء، ثم تكلمت إحداهن فقالت: اطمئن يا حضري فلنعم مناخ الصديق أنخت. فقلت: وأنى يأمن المطلوب ويأمن المرغوب دون أن يأوي إلى جبل يعصمه، أو معقل يمنعه، وقليلاً ما يهجع من السلطان طالبه، والخوف غالبه. قالت: يا حضري قد ترجم لسانك عن ذنب كبير وقلب صغير وأيم الله لقد حللت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا يجوع فيه كبد، ما دام لهذا الحي سند، هذا بيت الأسون بن قنان، أخواله الأراقم، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، له الجوار ووقود النار، وطلب الثار، لا ينازع ولا يقارع، وبهذا وصفته أمامة بنت الجلاح الكلبية حيث تقول: إذا شئت أن تلقى فتىً لو وزنته ... بكل معدي وكل يماني وفي بهم حلماً وجوداً وسؤددا ... وبأساً فهذا الأسود بن قنان فتىً كالفتاة البكر يشرق وجهه ... كأن تلالي وجهه قمران أغر أبر ابني نزار ويعرب ... وأوثقهم عقداً بقول لسان وأوفاهم عهداً وأطولهم يداً ... وأكرمهم فعلاً بكل مكان وأضربهم بالسيف من دون جاره ... وأطعنهم من دونه بسنان فتىً لا ترى بعمرك الدهر مثله ... ليوم نزال أو ليزم طعان كأن العطايا والمنايا بكفه ... سحابان نهلان منهمان قال: فقلت لها قد هدأت الروعة، وسكنت الوحشة، فمن لي به. قالت: يا جارية ادعي مولاك، فخرجت الجارية من مؤخر البيت فلم تلبث إلا قليلاً حتى جاءت وهو معها في جماعة من الحي، فنظرت فإذا بغلام شاب حين اخضر شاربه واختط عارضه وخشي جانبه، فقمت فسلمت فرد علي السلام ورحب وقرب، وقال: أي المنعمين علينا أنت، فسبقتني المرأة فقالت: يا أبا مرهف هذا رجل أحب جوارك، ورغب في قربك، نبت به أوطانه، وأزعجه سلطانه، وأوحشه زمانه، وقد ضمنا له عنك ما يضمن لمثله مثلك. فقال: بل الله فاك، وقال: اجلس فجلست وفي يدي يده. وأقبل على الجماعة بوجهه ثم قال: يا معشر بني أبي وذوي رحمي اشهدوا أن هذا الرجل في جواري وذمتي فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني. ثم أمر فضرب لي بيت إلى جانب بيته، وأجرى علي ما أحتاج إليه. فلم أزل في جواره إلى أن هلك الواثق، وأنا عنده في أهنأ عيش، وأغبط نعم، فرحلت عنه وأنا من أشكر الناس له. حكاية ذكر الأصمعي قال: كان لأبي حنيفة القاضي جار بالكوفة يغني، فكان إذا انصرف وقد سكر يغني وهو في غرفته فيسمعه أبو حنيفة فيعجبه وكان يكثر أن يغني هذا البيت من الشعر: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فلقيه العسس ليلة فأخذوه وحبس، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة فسأل عنه من غد فأُخبر أنه حبس، فدعا بسواده وطويلته فلبسها وبكر إلى عيسى بن موسى وقال إن لي جاراً أخذه عسسك البارحة وحبس، وما علمت فيه إلا خيراً فقال عيسى بن موسى سلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذه العسس الليلة فأُطلقوا جميعاً. فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة ثم قال له سراً: ألست كنت تغني يا فتى كل ليلة: " أضاعوني وأي فتىً أضاعوا " فهل أضعناك؟ فقال: لا والله أيها القاضي، ولكن أحسنت وتكرمت أحسن الله جزاءك. قال: فعد إلى ما كنت تغنيه فإني آنس به ولم أر به بأساً قال له: أفعل. حكاية قسل جاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتقرب إليه برحم. فقال: إن هذه الرحم ما سألني أحد بها قبلك، إن لي أرضاً قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف، فإن شئت فاقبضها وأ، شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فاختار الأرض فأمر بتسليمها. حكاية

стр. 63

وفد عبد الله بن جعفر الطيار ﵄ على يزيد بن معاوية فقال له الخليفة: كم كان أمير المؤمنين يعطيك يعني أباه. قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألفَ درهم قال " يزيد " قد أمرنا لك بمثل ذلك وزودناك لترحمك عليه ألفَ ألف فقال بأبي أنت وأمي، فجزاك الله عني خيراً فقال: ولهذه ألف ألفْ فقال: أما إني لا أقولها لأحد بعدك. قال: ولهذه ألفُ ألف. " قال ما يمنعني من الإطناب في وصفك إلا الإشفاق عليك من جودك قال: " ولهذه ألفُ ألف. وحمل المال كله معه. فقيل له: يا أمير المؤمنين فرقت مال المسلمين على رجل واحد. قال: إنما فرقته على أهل المدينة أجمعين. ثم وكل به من يعلم خبره من حيث لا ينظر، فصحبه. فلما دخل المدينة فرق فيها تلك الأموال حتى احتاج بعد شهر إلى القرض. حكاية سأل عبد الملك بن مروان أسماء بن خارجة بلغني عنك خصال فحدثني بها قال: " يا أمير المؤمنين هي من غيري أحسن منها مني. قال: عزمت عليك إلا حدثتني بها فقال: يا أمير المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط، ولا صنعت طعاماً فدعوت إليه قوماً إلا كانوا بإجابتي أمن عليّ مني عليهم، ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني حاجة فاستكثرت شيئاً أعطيه إياه. حكاية وأخبر الفضل الضبي قال: وفد ابن المولى على يزيد بن حاتم المهلبي وقد مدحه بقصيدته التي يقول فيها: يا واحد العرب الذي ... أضحى وليس له نظير لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير فدعا بخازنه وقال: كم في بيت المال؟ فقال: فيه من الورق والعين بقيمة عشرين ألف دينار، فقال له: ادفعها إليه، ثم قال له: يا أخير المعذرة إلى الله وإليك لو كان في ملكي أكثر من هذا لما احتجته. حكاية وروي عن لقيط قال: وقف موسى شهوات ليزيد بن خالد بن يزيد ابن معاوية على بابه بدمشق وكان فتى جواداً سمحاً فلما ركب وثب إليه وأخذ بعنان دابته وقال: قم فصوت إذا أتيت دمشقاً: ... يا يزيد بن خالد بن يزيد يا يزيد بن خالد إن تجبني ... يلقني طائري بنجم السعود فأمر له بخمسة آلاف درهم وكسوة وقال له كلما شئت فنادنا فإنا نجيبك. حكاية وروي عن حكم الوادي قال: أدخلني عمر الوادي على يزيد وهو على حمار وعليه جبة وشي ورداء وشي وخفا وشي وفي يده عقد جوهر وفي كمه شيء لا أدري ما هو. فقال من غناني ما أشتهي فله ما في كمي وما علي وما معي وما تحتي يعني الحمار، فغنوه كلهم فلم يطرب. ثم قال لي: عن يا غلام فغنيت: إكليلها ألوان، ووجهها فتان ... وخالها فريد، ليس له جيران إذا مشت تثنى كأنها ثعبان فطرب وأخرج ما في كمه فإذا كيس فيه ألف دينار فرمى به إلي مع عقد الجوهر. فلما دخل بعض إلي بالحمار وجميع ما كان عليه. حكاية وحدث إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل ابن عيسى وهما إذ ذاك بالعراق إذ مرا بقصر فأشرف منه جاريتان، فقالت إحداهما للأخرى هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر: إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره فقال الأخرى: أو هذا هو؟ قد كنت والله أحب أن أراه، منذ سمعت ما قيل فيه، فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال: ما أنصفنا علي بن جبلة ولا وفيناه حقه وإن ذلك لمن كبير همي وكان أعطاه ألف دينار. حكاية وحدث إبراهيم بن أحمد قال: قدم أمية بن أبي الصلت مكة على عبد الله بن جدعان، فلما دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما جاء بك فقال أمية: كلاب غرمائي قد نبحتني ونهشتني فقال له عبد الله: قدمت علي وأنا عليل من ديون لزمتني، فأنظرني قليلاً يجم ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه، فأقام أمية أياماً وأتاه فقال: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟ وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والثناء كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا ماء تباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء إذا خلفت عبد الله فاعلم ... بأن القوم ليس لهم جزاء فأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تميم وأنت لها سماء

стр. 64

فأبرز فضله حقاً عليهم ... برزت لناظرها السماء وهل تخفى السماء على بصير ... وهل للشمس طالعة خفاء فلما أنشده أمية هذه الأبيات كانت عنده قينتان فقال لأمية: خذ أيتهما شئت فأخذ إحداهما وانصرف. فمر بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا لقد أجحفت به في انتزاعها منه فلو رددتها عليه، فإن الشيخ يحتاج إلى خدمتهما، لكان ذلك أقرب لك عنده وأكرم من كل حق ضمته لك فوقع الكلام من أمية موقعاً وندم، فرجع إليه ليردها عليه، فلما أتاه بها قال له ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشاً لاموك على أخذها، وقالوا لك كذا وكذا ووصف لأمية ما قال له القوم فقال أمية: والله ما أخطأت يا أبا زهير مما قالوا شيئاً. قال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال أمية: عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... يبذل وما كل العطاء يزين وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين فقال له عبد الله خذ الأخرى، فأخذهما جميعاً وخرج، فلما صار إلى القوم بهما أنشأ يقول: ذكر ابن جدعان بخ؟ ... ير كلما ذكر الكرام من لا يجور ولا يعق ... ولا يبخله اللئام يهب النجيبة والنجيب ... له الرجال والزمام حكاية دخل يزيد بن معاوية على أبيه فوجده مطرقاً فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الأمر الذي أشجاك؟ قال: أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما اعمل فيه قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب إلى أختك عاتكة بهذه الأبيات: أعاتك هلا إذ بخلت فلم تري ... لذي صبوة زلفى لديك ولا حقا رددت فؤاداً قد تولى به الهوى ... وسكنت عيناً لا تمل ولا ترقا ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يوماً منك جوداً ولا صدقاً فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى وأكبر همي أن أرى منك مرسلاً ... وطول النهار جالس أرقب الطرقا رأيتك تزدادين للصب غلظة ... ويزداد قلبي كل يوم لكم عشقاً فلم تزل باكية منذ اليوم قد أفسدها الخبيث فما ترى فيه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين إن الشأن فيه لهين قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في بعض أزقة مكة فيريحنا منه. فقال معاوية: أُفٍ لك، والله إن امرءاً يريد بك ما يريد ويسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي.، فأنت قد ضاق ذرعك بكلمة، وقصر فيها باعك، حتى أردت أن تقتل فيها رجلاً من قريش. أو ما تعلم أنك إن فعلت ذلك صدقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبداً. قال: يا أمير المؤمنين إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة وسارت حتى بلغتني فأوجعتني وحملتني على ما أشرت فيه قال: وما هي قال: حمى الملك الجبار في لقاءها ... فمن دونها تخشى المتالف والقتل فلا خير في حب يخاف وباله ... ولا في حبيب لا يكون له وصل فواكبدي إني سهرت بحبها ... ولم تك فيما بيننا ساعة بذل ويا عجباً إني أُكاتم حبها ... وقد شاع حتى قطعت دونها السبل

стр. 65

فقال معاوية: قد والله رفهت عني فما كنت آمن أن يكون وصل إليها، فإما وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل فالخطب أيسر علي، قم عني واكتم ما كان. فقام يزيد وانصرف. وحج معاوية في تلك السنة، فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وكتب فيهم اسم أبي دَهْبَل، ثم دعاهم ففرق في جميعهم الصلات السنية، وأجازهم الجوائز الكثيرة فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف، دعا معاوية إليه فقال له: يا أبا دهبل مالي أرى أبا خالد يزيد بن أمير المؤمنين عليك ساخطاً في قوارص ثابتة عنك، وشعر لا تزال قد نطفقت به وأُنفذ إلى خصمائنا وموالينا؟ لا تعرض لأبي خالد، فجعل أبو دهبل يعتذر إليه ويحلف أنه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليم وما يضرك هذا عندنا، هل تأهلت؟ قال: لا. قال: فأي بنات عمك أحب إليك قال: فلانة. قال: قد زوجكها أمير المؤمنين وأصدقها عنك ألفي دينار وأمر لك بألف دينار. فلما قبض قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو لي عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق مني فقد أبحت به دمي وفلانة التي زوجنيها أمير المؤمنين طالق البتة. فسرّ بذلك معاوية، وضمن له أن يرضي يزيد عنه، ووعده بإدرار ما وصله به كل سنة وانصرف إلى دمشق، ولم يحج معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل. حكاية خرج عمر بن الخطاب ﵁ يطوف ليلة بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، فمر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه وبت إلا هي غير بدع منعماً ... لطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه يلاعبني فوق الحشايا وتارة ... يعاتبني في حبه وأعاتبه ولكنني أخشى رقيباً موكلاً ... بأنفسنا لا يستريح مراقبه ثم تنفست الصعداء وقالت: أهان علي بن أبي طالب وحشتي في بيتي وغيبة زوجي عني؟ فقال عمر: يرحمك الله وأين زوجك؟ فقالت له: في بعث كذا، فكتب في الوقت بقفوله عليها وبعث إليها بنفقة وكسوة. حكاية كان لسليمان بن عبد الملك مؤذن يؤذنه في قصره بأوقات الصلاة، فجاءته جارية له مولدة فقالت: يا أمير المؤمنين إن فلاناً المؤذن إذا مررت به لم يقلع بصره عني، وكان سليمان أشد الناس غيرة، فهم إن يأمر بالمؤذن. ثم قال تزيني وتطيبي وامضي إليه فقولي له إنه لم يخف عني نظرك إلي، وبقلبي منك أكثر مما بقلبك مني، فإن تكن لك حاجة فقد أمكنك مني ما تريد، وهذا أمير المؤمنين غافل، فإن لم تبادر وإلا لم أرجع إليك أبداً. فمضت إلى المؤذن وقالت له ما قال لها، فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا جليل أين سترك الجميل، ثم قال: اذهبي ولا ترجعي، فعسى أن يكون الملتقى بين يدي من لا يخيب الظن. فرجعت إلى سليمان وأخبرته الخبر فأرسل إليه. فلما دخل على سليمان قال له الحاجب: إن أمير المؤمنين رأى أن يهب لك فلانة ويحمل إليك معها خمسين ألف درهم تنفقها عليها، قال: هيهات يا أمير المؤمنين إني والله ذبحت طمعي منها من أول لحظة رأيتها، وجعلتها ذخيرة لي عند الله، وأنا أستحي أن أسترجع شيئاً ادخرته عنده. فجهد به سليمان أن يأخذ المال والجارية فلم يفعل، فكان يعجب منه، ولا يزال يحدث أصحابه بحديثه. ؟ حكاية حكي عن المأمون أنه قال: حججت فلما صرت بصور أحببت أن أدخل دير المجانين فأرى من فيه منهم، فدخلت فرأيت فيهم شاباً حسن الوجه، نظيف الثوب، فسلمت عليه فقال: هل تحسن النحو؟ قلت: أحسن منه ما أصلح به لساني. قال: فهل تروي الشعر؟ قلت: نعم، قال فأنشدني فأنشدته لأبي العتاهية: أذاب الهوى جسمي ولحمي وقوتي ... فلم يبق إلا الروح والجسد النضو رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه ... على كل حال عند صاحبه حلو فخر مغشياً عليه، فسألته عن قصته فعرفت أنه من بني تميم هوي ابنة عم له وهويته، فسعي بينهما حتى نزعت منه فوسوسا جميعاً. وها هي في الدير الآخر، فمضيت حتى دخلت عليها فلما رأتني تنفست الصعداء ثم قالت: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون فسألتني من أين أقبلت؟ فقلت: من الدير وعرفتها حال الفتى فبكت ثم قالت: أما والذي لو شاء لم يخلق النوى ... لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي

стр. 66

يوهمنيك الشوق حتى كأنني ... أناجيك عن قرب وما أنت في قربي قال فدعا المأمون وأمر بعلاجهما فعولجا حتى برئا وزوج الفتى من ابنة عمه وأجرى عليهما ما يصلحهما وكانا في جملة حاشيته حتى مات. ؟ حكاية عتب عبد الله بن طاهر على بعض كتابه فسجنه في مقصورة. فأشرفت عليه جارية لعبد الله كانت حظية عنده فنظرت إلى الفتى وكان أديباً ووافقت نظرة منه إليها. فوقع في قلبها محبة شديدة وعالجت الصبر عنه فلم تقدر عليه. فأخذت رقعة فكتبت فيها: أيها الزاني بعين ... يه وفي الطرف حتوف إن ترد وصلاً فقد ... أمكنك الظبي الألوف ثم دلت إليه الرقعة بخيط، فلما قرأها كتب فيها: إن تريني راني ... العينين فالقلب عفيف ليس إلا النظر الفا ... تك والعقل ظريف فلما رأته الجارية يكتب في الرقعة جواباً فرحت ولم تشك أنه فيها أرغب. فلما رفعت الرقعة وقرأتها ساءها رده فقلبتها وكتبت في ظهرها: قد أردناك على أن ... تجتلي ظبياً ألوفا فأبيت الآن لا ... زلت لقيديك حليفاً ثم دلتها فلما قرأها كتب فيها: ما تركت الظبي إني ... كنت للظبي عنيفا غير أني خفت رباً ... لم يزل براً رؤوفا فرفعت الرقة فلما رأتها ساءها ذلك فأومأت بها لتجعلها في جيبها فجعلتها بين ثوبها وهي لا تدري. فدخلت مقصورتها، وجاء عبد الله ماشياً في سطح قصره فمر بالرقعة فتناولها فعرف خط الجارية وخط الفتى، فحجب من عفته وصبره عنها على حسنها وجمالها، وكانت من أعز جواريه عليه فدخل عليها فوجدها مكتئبة حزينة. فقال: ما هذه الرقعة يا فلانة؟. قالت: أعز الله الأمير هي ما رأيت. قال لها: فالله عليك شاهد أنه لأحب إليك مني قالت: إي والله. قال: فأمر الفتى ففكت قيوده وكساه وأجازه وقال له: خذ هذه الجارية بجميع ما يحويه ملكها ثواباً لعفتك وتقاك وخوفك الله تعالى، ورفع مرتبته من كتابه، ولم يزل مكرماً له. ؟؟ حكاية قال الهيثم بن عدي كان يزيد بن قرة الشيباني شديداً منيعاً، وكان يرى رأي الخوارج، ولم يكن يخشى عمال العراق، فغاظ ذلك الحجاج وبلغ منه فكتب إلى عبد الملك يخبره بذلك فكتب إليه عبد الملك احتل له فإن قدرت عليه فاضرب عنقه. فدعا الحجاج يزيد بن رويم وجرير بن يزيد فأكرمهما وأدناهما وقال ليزيد لك شرط العراق ولجرير ديوان الخراج إن أتيتماني بيزيد بن قرة. فركبا إليه فقالا له: إن الأمير قد غضب عليك وإنا نخاف أن ينال غضبه جميع أهلك فاركب إليه. قال: لا أفعل إنه إن نظر إلي قتلني، قالوا له: ما هو فاعل ولابد لك أن تركب معنا. فأتى معهما وتهيأ للقتل وخرج نساؤه معه. فلما دخل على الحجاج قال له: أنت يزيد بن قرة؟ قال نعم. قال: قتلني الله إن لم أقتلك، قال نشدتك الله أن تقتلني فإني قيّم أربع وعشرين امرأة ليس فيهن رجل غيري ولا لهن قيم سواي. قال: ومن يعلم ذلك؟ قال هن بالباب. فأمر بإدخالهن وكل واحدة منهن تقول اقتلني ودعه. فيقول من أنت؟ فتقول عمته أو خالته أو بنته أو بنت أخ أو بنت أخت حتى اجتمعن بين يديه. فقالت أخته: أحجاج هبه اليوم لله وحده ... وللباكيات الصارخات تفجعا أحجاج إما أن تمن بنعمة ... عليه وإما أن تقتلنا معا أحجاج كم تُفجِع به إن قتلته ... ثماني عشر واثنتيت وأربعا أحجاج لو تسمع بكاء نسائه ... وعماته يفدينه الليل أجمعا فرق لها الحجاج وبكى وحبسه وكتب في أمره إلى عبد الملك يصف ما جرى. فكتب إليه أُعف عنه وأَلحق عياله في العطاء ففعل. ؟ حكاية قيل لأبي عقيل البليغ: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة؟ قال: رأيت رغبته في الإنعام فوق رغبته في الشكر، وحاجته إلى قضاء الحاجة أشد من حاجة صاحب الحاجة. ؟؟ حكاية لقي أبو دلامة أبو دلف في مصادله وهو والي العراق فأخذ بعنان فرسه وأنشد: إني حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهماً حجري فقال: أما الصلاة على النبي محمد فصلى الله عليه وسلم. وأما الدراهم فلا. قال له: جعلت فداك لا تفرق بينهما بالذي أسأله أن لا يفرق بينك وبين النبي ﷺ . قال: فاستسلفها أبو دلف وصبت في حجره حتى أثقلته.

стр. 67

حكاية الشيباني قال: نظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلاً قبيحاً، وهو أقبح الناس وجهاً. فقال له: يا أخا ضبة كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وهن آكل مني. فقال زياد: لله دره ما ألطف سؤاله. افرضوا لكل واحدة منهن مائة وخادماً، وعجلوا له ولهن بأرزاقهم. فخرج الضبي وهو يقول: إذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فبادر زياداً أو أخاً لزياد يجيبك امرؤ يعطي على الحمد ماله ... إذا ظن بالمعروف كل جواد وما لي لا أثني عليه وإنما ... طريقي من معروفه وتلادي حكاية أتى رجل معن بن زائدة يستحمله فقال: يا غلام أعطه فرساً وبرذوناً وبغلاً وعيراً وبعرياً وجارية ولو عرفت مركوباً غير هؤلاء أعطيتك. حكاية كتب رجل من العلماء إلى يزيد بن حاتم يستوصله فبعث إليه بثلاثين ألفاً وكتب إليه: أما بعد فقد بعثت إليك بثلاثين ألفاً ولا أكثرها امتناناً ولا أقللها تجبراً ولا أستثنيك عليها ثناءً ولا أقطع لك بها رجاءً والسلام. حكاية بينما خالد بن عبد الله القسري في مطلة له إذ نظر إلى أعرابي يخب به بعيره فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تجبه. فلما قدم أدخله عليه فسلم وقال: أصلحك الله قلَّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا ألحَّ دهرٌ رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا فقال خالد: أرسلوك وانتظروا والله لأسيرك حتى تنصرف إليهم بما يسرهم وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة. حكاية قال أبو عبيدة اجتمعت وفود العرب عند النعمان بن المنذر فأخرج إليهم بُردي محرق. وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليلبسها فقام عامر ابن أحيم السعدي فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له النعمان: لم أنت أعز العرب؟ فقال: العز والعد من العرب في معد ثم في نزار ثم في تميم ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس فقال النعمان: هذه حالتك في قومك فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة وأما في نفسي فهذا شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض وقال: أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد فذهب بالبردين. حكاية وذكر القخذمي وابن عائشة وخالد بن جمل أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وعبد الله بن جعفر وجماعة من قريش فقال لهم: إن لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردني فيها وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه فقالوا له: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى روج لبنى. فلما رآهم أعظم مصيرهم إليه وأكبرهم فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة ابن أبي عتيق فقال: هي مقضية كائنة ما كانت. فقال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت كم أهل أو مال أو ملك؟ قال: نعم. قال: تهب لهم ولي روجتك لبنى وتطلقها. قال فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثاً، فاستحى القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته ولو عرفنا أنها هذه ما سألناك إياها. فعوضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه. فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها فتسأل القوم أباها وزوجها قيساً ولم تزل معه حتى مات. فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق: جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيراً من صديق فقد جربت إخواني جميعاً ... فما ألفيت كابن أبي عتيق سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدث فيه عن الطريق وأطفى لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوّاداً. حكاية وذكر حماد بن إسحاق قال: حدثني أبي قال: صرت إلى سُرَّ من رأى بعد قدومي من الحج فدخلت إلى الواثق فقال: بأي شيء أطرفتني من حديث الأعراب وأشعارهم. فقلت: يا أمير المؤمنين جلس إلي فتى من الأعراب في بعض المنازل فرأيت منه أحلى ما رأيت من القتيان منظراً وحديثاً وظرفاً وأدباً فاستنشدته فأنشدني: سقى العلم الفرد الذي في ظلاله ... غزالان مكتنان مؤتلفان إذا أنما التفا بجيدي تواصل ... وطرفاهما للريب مسترقان أرعتهما ختلاً فلم أستطعهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني

стр. 68

ثم تنفس تنفساً ظننت أنه قد تقطعت حيازمه فقلت ما لك بأبي أنت؟ فقال: إن وراء هذين الجبلين " شجىً لي " وقد حيل بيني وبين المرور بهذه البلاد وهدروا دمي وإنما أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللاً بهما إذا قدم الحجاج ثم يحال بيني وبين ذلك. فقلت له: زدني مما قلت في ذلك، فأنشدني: إذا ما وردت الماء في بعض أهله ... حضور فعرض بي كأنك مازح فإن سألت عني حضور فقل لها ... به غير من دائه وهو صالح فأمر الواثق فكتبت له الشعرين فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحناً فاسمعه فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته. فغني لنا " فيه " من وراء الستارة. فكان في نهاية الجودة وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئاً. فقلت له: أحسن والله صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء الله. فقال: بحياتي، فقلت: وحياتك، وحلفت له بما وثق به، فأمر لي برطل فشربته. ثم أخذ العود وتغناه ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع أيضاً عندنا في الشعر الآخر وأمر فغني به، فكانت حالي فيه مثل الحال في الأول. ثم غناه لما استحسنه وحلفت له على جودته ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. ثم قال: هل قضيت حق هديتك فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك ربك. ثم قال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي ولا سألتني معرفته، وقد سبقت " منه " مسألتك، وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز، وأمرته بإحضاره وخطبه المرأة، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالنا، فقبلت يده وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من غيرك. حكاية أذن معاوية بن أبي سفيان للناس يوماً فوقف له فتىً من الأعراب فحدر اللثام وأنشأ يقول: معاوي يا ذا الحلم والعلم والعقل ... ويا ذا الندى والجود والمجد والفضل أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي ... فبالله لا تقطع رجائي من العدل وخذ لي بأنصافي من الجائر الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي وهم بقتلي غير أن منيتي ... تنائت ولم أستكمل الرزق من أكلي فقال معاوية: ما خطبك؟ فقال: جعلني الله فداك أنا رجل من أهل البصرة تزوجت ابنه عم لي وكنت لها عاشقاً، وكانت معجبة بي، فوقع بيني وبين أبيها ما يقع بين الأختان من الكلام فحجبها عني، فأخذني من ذلك ما لا يعلمه إلا الله. فأتيت عاملك ابن أم الحكم فشكوت إليه بعض ما أجد، فرق لي فبعث إليها وإلى أبيها فأتى بهما. فلما نظرا إليها أعجبته فأمر بي فحبست من غير أن يسمع منها ولا من أبيها، ثم بعث إليّ أن طلقها فأبيت، فعذبني بأنواع العذاب، فلما خشيت التلف طلقتها. فيا غياث المكروب هل من حيلة فقد أذهلني الحزن وأسهرني القلق. فقال معاوية: والله ما رأيت كاليوم قط، ثم دعا بدواة وقرطاس وقال: اكتب إليه يا غلام وأكد عليه في البعثة بها لميعاد، وكتب في أسفل الكتاب: أُعطي آلهي عهداً لا أكفره ... وأبرأ اليوم من ديني وإيماني إن أنت خالفتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقباني فحمل الرسل الكتاب وانطلقوا ودخلوا عليه فلما قرأه تنفس الصعداء، ثم أعاد قراءته ثم تنفس الصعداء، ثم قال: لوددت أن معاوية تركها عندي سنة ثم عرضني على السيف. وأمرها فتجهزت، وأمر للرسل بثلاثين ألف درهم وقال: إن خيّرك معاوية فاختاريني. فقالت: أقول ما يجري الله على لساني. وكتب كتاباً إلى معاوية يقول في أسفله. لا تحنثن أمير المؤمنين فقد ... أوفيت نذرك في رفق وإمكان وقد أتيت بوجه لا شبيه له ... فيما يرى الناس من أنس ومن جان فاعذر فإنك لو أبصرت صورتها ... لقلت ما هذه تمثال إنسان فخرج الرسل حتى قدموا على معاوية والعذري مقيم، فلما نظر إليها معاوية أعجبته، وقال للأعرابي: ويحك هل من صبر عنها مع جليل العوض منها؟ قال: لا والله، ولو فرق بين جسدي ورأسي، وأنشأ يقول: لا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستجير من الرمضاء بالنار واللهِ والله لا فارقتها أبداً ... حتى أوسد في تراب وأحجار

стр. 69

فغضب معاوية فقال: اختاري إن شئت الأعرابي، وإن شئت ابن أم الحكم، وإن شئت أنا، فقبضت على يد الأعرابي وقالت: هذا وإن أصبح في أطماري ... أكرم عندي من أبي وجاري وصاحب الدرهم والدينار ... والأمر والنهي مع الأكبار أخاف إن فعلت حر النار فأمرها معاوية أن تعتد، فلما اعتدت زوجها الأعرابي وأمر لها بألف دينار لجهازها، وللفتى بألف دينار، ورده إلى البصرة. قال المؤلف ﵀: فهذه مائة وخمسون خبراً من أحسن ما يسطر وأفخر ما يذكر وينشر. وقد ذيلت ذلك ب نكت عجيبة من الأجوبة المصيبة فإنها تستجاد من الأقوال كما أستجيد ما قبلها من الأفعال. والله ولي التوفيق والإقبال: نكت عجيبة نكتة قال الأصمعي: سمعت مولى لآل عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أخذ عبد الملك بن مروان رجلاً كان يرى رأي شبيب الخارجي فقال له عبد الملك: ألست القائل؟ ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال الرجل لم أقل هكذا. وإنما قلت: ومنا أمير المؤمنين شبيب ينصب الراء على النداء المضاف. فكان تقديره ومنا يا أمير المؤمنين شبيب. فنفى يومئذ الخلافة عن شبيب الخارجي، والخبر مشهور، فاستحسن عبد الملك حضور ذهنه وحسن اعتذاره فأطلقه. نكتة قال رجل ليزيد بن المهلب في حرب: ما لسيفك يقطع وسيوفنا لا تقطع على أنا نغالي بها. فأخذ يزيد يده فوضعها على قلبه وقال: كيف ترى سكونه قال أراه ساكناً. قال بهذا يقطع سيفي. نكتة لما أتى الحجاج بعمران بن حطان أسيراً قال: يا حرسي اضرب عنق ابن الزانية. فقال عمران: بئس ما أدبك به أهلك يا حجاج. أبعد الموت منزلة أُصافعك عليها، ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثلها، فاستحى الحجاج وأطلقه. نكتة قال المنصور لعمرو بن عبيد: بلغني أن كتاب إبراهيم بن عبد الله ابن الحسن ابن الحسين ورد عليك. فقال: قد رأينا له كتاباً وما قرأته، وأنت تعلم رأيي في الخوارج، فقال له ثبت يقينك بحلفه، فقال: لئن كذبت تقية لأحلفن لك تقية. نكتة خرج الحجاج بن يوسف متصيداً، فلقي أعرابياً فقال: كيف سيرة الحجاج فيكم؟ قال: ظلوم غشوم لا حياه الله ولا بياه، قال له: فلو شكوتموه إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ فقال الأعرابي: هو والله أظلم منه وأغشم، فعليه لعنة الله. فأغضب ذلك الحجاج وقال له: أما تدري من أنا؟ قال: وما عسيت أن تكون؟ قال: أنا الحجاج فقال الأعرابي: وتدري من أنا؟ قال: لا، من أنت؟ قال مولى بني أبي ثور أجن مرتين من الشهر وهذه إحداهما، فضحك الحجاج وانصرف عنه. نكتة تقدم أعرابي مع خصم له إلى بعض الولاة. فقال له الوالي: قل الحق وإلا أوجعتك ضرباً، فقال له الأعرابي: فأنت أيضاً فاعمل به فما وعدك الله منه أعظم مما وعدتني منك. نكتة حدث زرارة الفقمي قال: دخل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على سليمان بن عبد الملك بعد موت الحجاج واستخلاف سليمان. فقال له سليمان: على من آثرك وجعلك وزيراً لنفسه لعنة الله. فقال له يزيد: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين إنك نظرت إلي والأمور عني مدبرة، ولو كانت علي مقبلة لعظم في عينيك ما استصغرت مني. قال له سلميان: أترى الحجاج قد قر في قرارها يعني جهنم أن بقي يهوي إلى قعرها؟ قال: يا أمير المؤمنين هو بين أخيك وأبيك فضعه حيث شئت فخجل سليمان. نكتة كان الفرزدق ينشد شعره بالمربد من البصرة، والناس مجتمعون حوله إذ مر به الكميت وهو علام فوقف، فقال له الفرزدق: ليسرك أني أبوك؟ فقال: أما أبي فلا أريد به بدلاً ولكن يسرني لو كنت أُمي ليذوق أبي عسيلتك. فقال الفرزدق: اكتمها على عمك يا ابن أخي فما مر بي مثلها. نكتة قيل لزينب بنت الزبير: أهزل ما تكونين إذا قدم زوجك، وكان زوجها عنبسة بن أبي سفيان، فقالت: إن الحرة لا تجامع زوجها بملء بطنها. نكتة قال معاوية ابن أبي سفيان يوماً لابن عباس بعد أن عمي: يا بني هاشم ما أكثر ما تصابون في أبصاركم. فقال ابن عباس: وأنتم في بصائركم. نكتة قال أبو بكر الصولي: قال رجل لخالد الكاتب وقد هجاه هجواً أفحش فيه: بأي وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقى فيه ربي مع كثرة ذنوبي. نكتة

стр. 70

حدث الأصمعي قال: لقيت أعرابياً نظيف الثياب حسن الوجه في بعض البادية، فقلت يا أعرابي من أين تأكل؟ فقال لي: لو اتكلت على أن آكل من حيث أعلم لطال جوعي. نكتة دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لها: أنشديني أظرف ما استظرفت لتوبة بن الحمير فقالت: إن أظرف ما استظرفت له: ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي جندل وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح ولقد مررت أيها الأمير على قبره فسلمت عليه فسمعت ذلك الصوت من القبر. فقال لها بعض جلساء الحجاج: إنما أسمعك ذلك الشبق. فقالت: أيها الأمير أتأذن لي في هذا أن أكلمه، فقال لها شأنك، فقالت: يا فتى هل رأيت توبة قط؟ قال لا، قالت: أما والله لو كنت رأيته لتمنيت أن لا يبقى في دارك عذراء إلا أصبحت حاملاً منه، فكأنما ألقمته حجراً. نكتة أهدى المعلى إلى المعتمر مرآة فقال له: كيف وقعت على مرآة؟ قال: كلما رأيت وجهك الحسن فيها ذكرتني فأمر له بمال. نكتة قال اجتمع قوم بباب الأوزاعي يتذاكرون، وأعرابي من كلب ساكت، فقال له الرجل: بحق ما سميتم خرس العرب. فقال: يا هذا أما علمت أن لسان الرجل لغيره وسمعه له. نكتة قال المبرد: قال لي عمارة " بن عقيل " قال لي عبد الله بن أبي السمط: يا عمارة أما علمت أن المأمون لا يبصر الشاعر. فقلت له: ومن أبصر منه فيه، إنا لننشده البيت فيسبقنا إلى عجزه من غير أن يكون سمعه، فقال: إني أنشدته بيتاً أجدت فيه فلم يحركه. قلت وما هو؟ قال: أضحى أمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقلت: ما صنعت شيئاً، ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها سبحتها في يدها، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولاً عنها وهو المطوق لها. ألا قلت كما قال " عمك " جرير في عبد العزيز بن مروان: فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله نكتة قال عمر بن الخطاب ﵁ لامرأة: والله لأسوءنك. قالت: والله ما أنت على ذلك بقادر. قال: وكيف؟ قالت: أتستطيع أن تنزع عني الإسلام؟ قال: لا. قالت: فما يسوءني غيره. نكتة قال: أمر الرشيد يحيى بن خالد بهدم إيوان كسرى فقال له: لا تهدم بناء دل على فخامة بانيه، وإنكم أزلتم ملكه، وأوهنتك أمره فقال له: غششت يا مجوسي ثم أمر بنقضه. ثم فكر الرشيد فقدر لهدمه نفقة استكثرها فكف. فقال له يحيى: لم يحسن بك أن تهدم. فإذا بيت فكيف يحسن بك أن تعجز عن هدم شيء بناه غيرك والهدم أيسر من البناء فعلم نصحه. نكتة قال رجل للأحنف: أخبرني الثقة عنك بسوء. قال: الثقة لا ينم نكتة قالت اليهود للنبي ﷺ : أليس لم تزل نبياً؟ قال: بلى قالوا: فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى. قال: إن الله خلق عيسى من غير فحل فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر إذ أخذت بما يؤخذ به غيرها، وإنما ولدت من أبوين. نكتة قيل للمسيح ﵇: لو دعوت الله أن يرزقك حماراً يوقيك ويحمل رحلك. فقال: أنا أكرم على الله من أن يجعلني خادم حمار. نكتة قالت عائشة ﵂: ذبحنا شاة فتصدقنا به " فقال النبي ﷺ : هل بقي منها شيء فقلت: يا رسول الله ما بقي منها إلا كتفها، فقال: كلها بقي إلا كتفها. نكتة قال المأمون لأحمد بن يسوف: أن أصحاب الصدقات قد تظلموا منك، قال: والله يا أمير المؤمنين ما رضي أصحاب الصدقات عن رسول الله ﷺ حتى أنزل الله فيهم: ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. فكيف يرضون عني؟ فضحك المأمون. نكتة قال هشام بن عبد الملك لزيد بن علي ﵄: بلغني أنك تريد الحلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة. فقال: قد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق بن حرة فأخرج الله من صلبه خير ولد آدم. نكتة قال رجل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين متى أعلم إني محسن؟ قالت إذا علمت أنك مسيء قال: متى أعلم أني مسيء؟ قالت: إذا علمت أنك محسن. نكتة

стр. 71

قيل لرقية: ما بال القراء أشبق الناس؟ قالت لأن الله أراد أن يعف نساؤهم. قيل: فما بالهم أحد الناس؟ قالت عز القرآن في صدورهم. قيل: فما بالهم أشد الناس تمسكاً بما في أيديهم؟ قالت لأنهم اكتسبوه من حله، فيكرهون أن يضيعوه إلا في حقه. نكتة قيل ليحيى بن خالد: غير حاجبك. قال: فمن يعرف أخواني القدماء؟ نكتة قال بعضهم لهشام: أنا أقول بالاثنين. قال: فتقول أن أحدهما يخلق شيئاً لا يستعين عليه بالآخر قال: نعم. قال: فما تصنع بالاثنين واحد خلق كل شيء أصلح لك " فانقطع " نكتة قال عمرو بن العاص لعدي بن حاتم الطائي: متى فقئت عينك يا أبا طريف؟ قال: يوم طعنت في دبرك وأنت مول، يعني يوم صفين. نكتة دخل معن بن زائدة على المنصور فأسرع في المشي وقارب. فقال له المنصور: كبرت سنك يا معن. فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. فقال: وإنك مع ذلك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. قال: وإن فيك لبقية. قال: هي لك يا أمير المؤمنين. نكتة مرت امرأة بسعيد بن المسيب وقد أقيم ليضرب. فقالت: يا شيخ لقد أقمت مقام الخزي. فقال: من مقام الخزي هربت. نكتة قال الرشيد يوماً لشريك القاضي: يا شريك، آية من كتاب الله ليس لك ولا لقومك فيها شيء. قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال:) وإنه لذكر لك ولقومك (، فقال شريك: وآية أخرى يا أمير المؤمنين ليس لي ولا لقومي فيها شيء. قال: وما هي؟ فقال:) وكذب به قومك وهو الحق (. نكتة اشتكى عبد الله بن صفوان ضرسه فأتاه رجل يعوده فقال له: ما بك؟ قال: وجع الضرس. فقال: أما علمت ما يقول إبليس؟ قال: يقول دواؤه الكسر. فقال عبد الله بن صفوان: إنما يطيع الشيطان أولياؤه. نكتة عرض بعض القواد أصحابه فمر به رجل معه سيف رديء، فقال له: ويحك ما هذا السيف؟ أما علمت أن الرجل بسيفه؟ فقال: أصلح الله الأمير إنما هي مأمورة. فقال: هذا مما أمر أن لا يقطع شيئاً فاستبدل به غيره. نكتة دخل المأمون على أم الفضل بن سهيل يعزيها في ابنها الفضل، فقال لها فيما قال: إنك لم تفقدي منه إلا رؤيته فلا تجزعي فأنا ولدك مكانه. فقالت: يا أمير المؤمنين إن أمرأً أفادنيك ولداً الجدير أن أجزع عليه. نكتة قال رجل لثمامة: لا تقدر أن تؤخر ما قدم الله ولا تقدم ما أخر الله. قال: هذا على ضربين إن أردت أن أصير رأس الحمار ذنبه فلا، وإن أردت أن أقدم معاوية على علي وقد أخره الله فنعم. نكتة قال رجل لهشام القرطي: كم تعد " قال: من واحد إلى ألف ألف أو أكثر قال: لم أرد هذا، قال: كم تعد " من السن؟ قال اثنين وثلاثين سناً ست عشرة من أعلى وست عشرة من أسفل. قال: لم أرد هذا، قال: كم لك من السنين؟ قال: والله ما لي فيها شيء، السنون كلها لله تعالى. قال: يا هذا ما سنك؟ قال: عظم، قال ابن كم أنت؟ قال ابن اثنين رجل وامرأة. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: فكيف أقول؟ قال: تقول كم مضى من عمرك. نكتة قال عبد الله بن جابر لقهرمان له: إلى أين يا هامان؟ قال: أبني لك صرحاً. نكتة قال عمر بن عبد العزيز لنعيم بن سلامة الحميري ممازحاً: قومك الذين قالوا: ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم. فقال نعيم: الذي قال قومك أشد يا أمير المؤمنين إذ اقلوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فتبسم عمر. نكتة قال بلال بن أبي بردة لابن أبي علقمة: إنما دعوتك لأسخر منك، قال ابن أبي علقمة لئن فعلت ذلك لقد سخر أحد الحكمين من الآخر. نكتة قال معاوية يوماً لأهل الشام، وعنده عقيل بن أبي طالب ﵁: هل سمعتم قول الله تبت يدا أبي لهب وتب " ما أغنى عنه. قالوا: نعم " فإن أبا لهب عم " هذا الرجل وأشار إلى عقيل " فقال عقيل: يا أهل الشام هل سمعتم قوله تعالى:) وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد (؟ قالوا: نعم. قال فإنها " عمة هذا الرجل وأشار إلى معاوية ". نكتة

стр. 72

قيل: مر مبارك التركي بابن أيوب المكي وهو اقف بباب الجسر فقال: يا أبا أيوب كيف ترى هذا الفرص؟ قال: فارهاً. قال: ثم مروا قبل منارة السعودي فقال له أيوب: من أين أقبلت؟ فقال من القسر، ألك حاجة يا أبا أيوب؟ قال: نعم تلحق مباركاً فتعطيه السين وتأخذ الصاد. نكتة قال رجل لعقيل بن أبي طالب، وكان عجيب الجواب،: إن فيكم يا بني هاشم لجمالاً. فقال هو منا في الرجال ومنكم في النساء. نكتة وقال رجل من ولد أبي جهل لشريك: أكان علي يقنت في الفجر؟ قال: نعم ويلعن فيه أباك. نكتة قيل لأبي العالية الرياحي كيف أصبحت؟ قال على خلاف ما يحب الله، خلاف ما يحب الشيطان، وخلاف ما أحب " قيل له كيف ذلك؟ " قال: لأن الله يحب أن أطيعه ولا أعصيه، ولست كذلك. والشيطان يحب أن أعصي الله وأطيعه ولست كذلك، وأنا أحب أن لا أهرم وأفتقر. لا أموت ولست كذلك. نكتة قيل تكلم رجل بين يدي المأمون فهذر ثم قال: أأسكت يا أمير المؤمنين. فقال: وهل تكلمت؟ نكتة وذكر المبرد أن رجلاً جاء إلى عامل البصرة، وكان هذا العامل قد ولاه المنصور الإجراء على القواعد من النساء اللواتي لا أزواج لهن وعلى العميان والأيتام. فقال له: أسألك أيها العامل أن تثبتي مع القواعد من النساء، فقال له أولئك نساء فكيف أثتبك فيهن؟ قال: ففي العميان قال: أما هذا فنعم، لأن الله : فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. قال له: وتتفضل بإثبات ولدي في الأيتام. قال: وذلك أيضاً، من تسكن أنت أباه فهو يتيم. فانصرف وقد أثبت في العمي في الأيتام. نكتة قيل لابن عمران: المختار بن أبي عبيد يزعم أنه يوحى إليه. قال: صدق الله ، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم. نكتة أرسل الحسن بن سهل إلى دينار بن عبد الله ما دينك؟ فبعث إليه: ما ظننت أن حياً يسأل عن هذه المسألة، وما ظننتها إلا لمنكر ونكير: ديني الإسلام وطاعة الأمير. نكتة قال رجل لا بن عقاب: أعلم فلاناً بشكري، قال: قل حتى أسمع. نكتة قال رجل لسعيد بن عبد الملك الكاتب: تأمر بشيئاً؟ قال: نعم بتقوى الله وبإسقاط ألف " شيء ". نكتة أمر النعمان بتقييد عدي بن زيد، فلما قيد ضحك، فقيل له: أتضحك وأنت مقيد؟ قال: فأنا أبكي من يحله. نكتة التقى رجلان قرشي وأنصاري، فصغر القرشي بالأنصاري، فقال: الأنصاري ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: فإن قريشاً ثلاثة أصناف، صنف آوينا نصرنا، وصنف مننا عليهم، وصنف قتلنا فمن انت؟ نكتة قيل تكلم رجل في مجلس ابن عباس فخلط. فقال ابن عباس: بكلام مثلك رزق الطير المحبة. نكتة قال رجل في مجلس ابن حنيفة: ما كذبت قط. فقال أبو حنيفة: أما نحن فشهدنا عليك بهذه. نكتة نظر الفرزدق إلى شيخ من اليمن فقال كأنه عجوز سبإٍ فقال اليماني: عجوز سبإٍ خير من عجوز قريش، هذه قالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وتلك حمالة الحطب. نكتة استقبل عبد الملك أخاه عبد العزيز حين رجع من مصر على ألف جمل، فقيل له عبد الملك: على كم كانت البداءة؟ قال: على ثلاثمائة بعير فقال عبد الملك: ما عير أحق بأن يقال لها " أيتها العير إنكم لسارقون " من هذه. نكتة قال أتى عدي بن أرطأة وهو أمير البصرة، وكان أعرابي الطبع إلى إياس بن معاوية وكان القاضي يومئذ في مجلس حكمه. فقال: يا هناه أين أنت؟ قال: إياس بينك وبين الحائط. قال: فاسمع مني، قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين. قال: وشرطت لأهلها ألا أخرجها من بيتهم، قال أوف لهم بالشرط. قال: وأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله. قال: فاقض بيننا قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن عمك. نكتة قال المدائني: دخل عمرو بن العاص على معاوية وهو يتغدى. فقال: هلم يا عمرو، قال: هنيئاً يا أمير المؤمنين أكلت آنفاً. فقال: أما علمت يا عمرو أن من شراهة المرء أن لا يدع في بطنه مستزاداً لمستزيد. فقال: قد فعلت يا أمير المؤمنين، قال: ويحك فلمن أبقيته ألمن هو أوجب حقاً من أمير المؤمنين؟ فلا أراك إلا ضيعت حقاً لحق لعلك لا تدركه، فقال عمرو: وماذا لقيت منك يا معاوية ثم دنا فأكل. نكتة

стр. 73

قال قوم من الخوارج لمحمد بن الحنفية: لم غر ربك أبوك في الحروب ولم يغرر بالحسن والحسين؟ قال: لأنهما عيناه وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه. نكتة سئل بعضهم عن حاله عند الوفاة فقال: ما حال من يريد سفراً طويلاً بغير زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجة، ويسكن قبراً موحشاً بلا أنيس. نكتة قيل تفاخرت قريش عند معاوية، والحسن بن علي ﵁ عنده لا ينطق، فقال معاوية: ما يمنعك من الكلام يا أبا محمد فما أنت والله بكليل اللسان ولا مشوب الحسب؟ فقال: يا أمير المؤمنين والله ما ذكروا مكرمة ولا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها، ثم أنشد: فيم المراء وقد سبقت مبرزاً ... سبق الجواد من المدى المتنفس نكتة أتى مروان برجل أخذ عن ابن أخ له. فقال الرجل: كيف أؤخذ عن ابن أخي ولا علم لي بما صنع؟ فقال له مروان: أرويت الشعر قال: لا. قال: أو ما سمعت قول الشاعر. جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصحاح مبارك الجرب فقال الرجل: لكن الله يقول:) ولا تزر وازرة وزر أخرى (. فقال مروان: صدق الله وكذب مروان، خلوا عنه. نكتة قال دخل أبو العيناء ذات يوم على المتوكل فقال له المتوكل: قد اشتقتك يا أبا العيناء. فقال: يا أمير المؤمنين إنما يشتاق العبد مولاه والمولى متى أراد عبده استدعاه. قال: لم لا تكثر من زيارتنا؟ قال: سرق حماري يا أمير المؤمنين. قال وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك. قال: فلم لم تأتنا على غيره؟ قال: يمنعني من ذلك قلة يساري، ومنة العواري، وذلة المكاري. فقال له المتوكل: ما أحسن خصالك لولا سوء فيك. قال: يا أمير المؤمنين أنا خزانة الخير والشر، والله تعالى قد مدح وذم. فقال في مدحه: نعم العبد إنه أواب. وقال في ذمه: هماز مشاء بنميم. وقال الشاعر: إذا لم أنا أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم النكس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما نكتة حكي أن المأمون انفرد من عسكره فمر بحي من أحياء العرب، فنظر إلى صبي قائم يملا قربة وهو يصيح: يا أبت أدرك فاهاً، فقد غلبني فوهاً لا طاقة لي بفيها. قال فعجب المأمون من فصاحته على صغره فقال للصبي من أنت بارك الله فيك فتسمى له. ثم قال: فمن أنت؟ فقال: المأمون من بني آدم. فقال صدقت فمن أي بني آدم؟ قال: من خيارهم، قال: فأنت من العرب إذاً فمن أيها؟ قال: من خيارهم. قال فمن مضر إذاً فمن أيها؟ قال: من خيارهم. قال: فمن قريش ورب الكعبة فمن أيهم؟ فقلت: من خيارهم. قال: فمن بين هاشم والله فمن أيهم؟ قلت أنا من تحسده بنو هاشم كلهم. قال: فتباعد عني وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال المأمون: فأعجبني والله ذكاؤه فقلت له: أيما أحب إليك مائة دينار معجلة أو عشرة آلاف درهم مؤجلة؟ قال لست أبيع عاجلاً بآجل. فبينا نحن كذلك إذ خرج شيخ ضعيف من البيت فحاولت أخذ الصبي. فقال أنا شيخ فانٍ وله والدة مثلي في الكبر والضعف وما لنا جميعاً سواه فلا تحرمناه فأمرت له بمائة دينار وانصرفت. نكتة دخل بعض الشعراء على عبد الله بن طاهر فأنشده شعراً حسناً وبحضرته أعرابي فقال الشاعر: من الرجل؟ قال: من العجم. فقال الشاعر: ما للعجم والشعر غنما يقول الشعر العرب ولا يقوله من العجم إلا من نزا على أمه عربي قال له الأعجمي: فمن لم يقل الشعر منكم فقد نزا على أمه أعجمي فأفحمه. نكتة دخل شريك القاضي على المهدي فقال له الربيع: خنت مال الله أيها الشيخ ومال أمير المؤمنين، قال له شريك: لو كان ذلك لأتاك سهمك.